الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (11/13)

في الحديث الشريف عن جابرٍ رضي الله عنه قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرِضُ نفسه بالموقف،فيقول:“ألا رجلٌ يحملني إلى قومه،فإنَّ قريشاً منعوني أن أُبلِّغ كلام ربي“[رواه أبو داود والترمذي]؟

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(المختار من كنوز السنة النبوية):

„يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته للناس مخاطباً إياهم بصيغة الطلب الليّن الرفيق“ألا رجل يحملني إلى قومه“:أليس منكم رجلٌ يذهب معي فيعرّفني منازل قومه ورحالهم لأبلغهم رسالة ربي عسى أن يؤمنوا بما أرسلت به،أو عسى أن يُجيروني ويحموني من أذى قومي حتى أُبلغ تلك الرسالة،فإن قريشاً منعوني من أن أُبلغ كلام ربي أي:“القرآن“ الذي هو كلام الله تعالى فضلاً عن سماع كلامي.

ويتابع الدكتور دراز رحمه الله:“وهكذا الجهل إذا غلب،والهوى إذا استحكم،والقوّة إذا بطشت كتمت أنفاسَ الحقِّ فلا تترك له مجالاً ولا مقالاً حتى يأذن الله.

أتدرون ماذا كان جواب هؤلاء القبائل بعد هذا العرض الجميل؟!لعلّكم تحسبون أنّ غيرَ „قريشٍ“ كانوا أمثل منهم طريقةً في تلقي هذه الدعوة وأنّه كان من تلك القبائل من لبّى داعي الله فآمن به أو داعي النخوة العربية فأمنّه وأجاره.كلا إنهم كانوا في الشرِّ سواسيةً.ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بعرض نفسه عليهم في موسم الحج بل كان يلتمس مجتمعاتهم وأسواقهم ومواسمهم كلّها،وما زالت تلك حاله وحالهم عشر سنين فما وهن لما أصابه في سبيل الله وما ضعف وما استكان،ولكنه صبرَ وصابر،وضرب في التضحية مثلاً عالياً،وأعطى من نفسه قدوةً صالحة لتلك الفئة القليلة التي آمنت به في „مكة“ وأُذيت أكثر منه في سبيل عقيدتها فاحتملت أنواع الأذى عن طيب نفس،حتى بدّل الله عسره يُسراً وقيض له من أهل „المدينة“ من آمنوا به وبايعوه وهاجر إليهم فنصروه“.

يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله في مقال بعنوان“عظم الهمة“:

„في سبيل الدفاع عن الحق،أو الدعوة إلا الإصلاح  لا يقتحمها إلا ذوو الهمم الكبيرة،فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوساً طاغية،وأحلاماً طائشة،وألسنة مقذعة،وربما كانت فيهم أيدٍ باطشة،وأرجل في غير الخير ساعية.

فأنصار الحقيقة ينصبون أنفسهم أمام هذه الشرور كلها،وإنما تعظم هممهم على قدر ما يتوقعونه من فقد محبوب،أو لقاء مكروه،فالذي ينكر على الحاكم خرقاً في السياسة،أو حيفاً في القضاء،يكون أعظم همة ممن لا يحمي الحقيقة إلا إذا عبثت بها أيدي الضعفاء،والذين لا يجدون ما ينفقون.

وإذا كانت الدعوة من معالي الأمورنفنهايتها التي يبلغها الداعي المصلح أن يرشد إلى ما يراه حقاً،ويحذر مما يراه منكرا،غير حافل بما يحفل به ضعيف الإيمان،أو قليل الإخلاص من رضا الملأ الذين استكبروا“.

الشخصية الإسلامية المتميزة

جاء في محاضرة للأستاذ عصام العطار حفظه الله بعنوان „خصائص الشخصية الإسلامية“[المنتدى العاشر في مدينة كولونيا في ألمانيا]:

„إن هذا الطريق والمنهج إلى المستقبل الإسلامي المنشود له ارتباط كبير بمن يسلكون هذا الطريق، وبمن يتبعون هذا المنهج. فلابد عند رسم طريق المستقبل هذا من إلقاء النظرة على الناس الذين يسلكون هذا الطريق، إن كانوا ملائمين له أم لا.لإننا نحن المسلمين في واقعنا الحالي، وكثير من العاملين للإسلام حالياً غير مرشحين بواقعهم الحالي لسلوك الطريق الجاد لتحقيق هذا المستقبل المنشود.

إننا نفتقد الشخصية الإسلامية بملامحها الإسلامية افتقاداً كبيراً،وإننا عندما نرسم المنهج المطلوب لهذا المستقبل المنشود ونشير لبعض معالمه نجد الإنسان المدعو والمرشح لسلوك هذا الطريق في حالة فزع من ضخامة هذه الواجبات، ونجد المسلم عاجز عن تحقيق هذا المنشود والمنهج المطلوب، بل يريد اتخاذ مناهج ثانوية لاتوصله إلى مستقبل عظيم أو مشرق على الإطلاق.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الصحيح:“يوشك الأمم أن تداعى عليكم  كما تداعى الآكلة إلى قصعتها. فقال قائل :ومن قلة نحن يومئذ؟قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم،وليقذفن في قلوبكم الوهن.فقال قائل:يا رسول الله وما الوهن؟قال:“حب الدنيا،وكراهية الموت„.[أخرجه أبو داود  عن ثوبان رضي الله عنه وهو حديث صحيح]

نعم إننا أصبحنا اليوم فريسة سهلة وطعام طيب لكل راغب ومن كل جهة من الجهات، ونحن اليوم وقد تجاوزنا المليار مسلم ولكننا كالغثاء أي الرغوة التي يحملها السيل على ظهره يجري يها في كل اتجاه ولاتحمل إلا فتات الأشياء.

هذا الغثاء هو نحن المسلمين بواقعنا الحالي، لأنه لايوجد هؤلاء الرجال المسلمون الحقيقيون،بل نحن بحاجة إلى إعادة بناء هذا المسلم بناءً إسلامياً حقيقياً،ونحن بحاجة لبعض السمات والخصائص التي تميز الشخصية الإسلامية الحقيقية.

ماهي أهم الملامح أو السمات التي تميز الشخصية الإسلامية الحقيقية، التي تحمل أمانة الإسلام وتحقيق الإسلام في هذا العالم والعصر؟

أهم السمات والخصائص:

1 ـ الشعور بالامتداد والسعة والخلود:

إن صاحب هذه الشخصية يحسّ إحساساً حقيقياً بالامتداد والسعة والخلود.

امتداده في الزمان: ولهذا نتائجه الهامة في تكوين الإنسان النفسي والفكري وفي سلوكه ومواقفه .

إن الكافر الذي لايؤمن بالله وبالبعث والحساب والثواب والعقاب يفتقد هذه الخاصية وهذا الشعور بالامتداد والسعة والخلود.قال تعالى في هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث بعد الموت{ وقَالواماهيَ إلاّ حَياتُنا الدُّنيا نَموتُ ونَحيا ومايُهلكنا إلا الدَّهر}[الجاثية24] ، وقال تعالى عن الملأ من قوم هود الذين كفروا{إن هيَ إلا حَياتُنَا الدُّنيا نَموتُ ونَحيا ومانَحنُ بِمبعُوثين}[المؤمنون37].

إن الكافر بالله وبالدار الآخرة ذو وجود ضيق محدود بمرحلة عمره وحياته الدنيا، فهو لايشعر بهذا الامتداد والسعة والخلود كما يشعر به المسلم المؤمن،يقول الله تعالى في هؤلاء المؤمنين{والسّابِقونَ الأوّلُونَ من المهاجرينَ والأنصارِ والذينَ اتّبعوهم بإحسانٍ رضيَ اللهُ عنهم ورضوا عَنهُ وأعدَّ لهم جَناتٍ تجري تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها أبداً ذلكَ الفوزُ العظيم}[التوبة 100]،وقال تعالى{إنّ الذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ أولئكَ هُم خَيرُ البَريّة*جزاؤُهم عندَ رَبّهم جَناتُ عَدنٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها أبداً رضيَ اللهُ عنهم ورَضوا عنهُ ذلك لِمن خشيَ رَبّه}[البينة 7 ـ 8]، فالمؤمن يحس أن الدنيا مرحلة من مراحل وجوده الممتد إلى مابعد الموت، فهو يشعر بالخلود، أما الكافر فإنه يشعر أن حياته محدودة بوجوده الدنيوي، والفرق بينهما كبير.

وإذا مددنا أبصارنا في الزمان،في الماضي وفي الحاضر نستطيع ان ندرك كم هي ضيقة وقصيرة هذه الحياة الدنيا، لقد قرأنا عن الأكاسرة والقياصرة، وقدماء المصريين،أين هم الآن؟كأنهم لم يوجدوا قط في هذه الحياة الدنيا، أين الأكاسرة الذين تجبروا وطغوا وظنوا أنهم أمسكوا بمقاليد وبمصائر الكون والبشر، أين هم الآن؟يقول المتنبي:

أين الأكاسرة والجبابرة الأُلى          كنزوا الكنوز فمابقينَ ومابقوا

من كلِّ من ضاقَ الفضاءُ بجيشهِ       حتى ثوى فحواهُ لحد ضيق

ويقول أيضاً:

أين الذي الهرمان من بنيانه             ما قومهُ؟مايومهُ؟ مالمصرعُ

تتخلّفُ الآثارُ عن اصحابها طوراً      ويدركها الفناءُ فتتبعُ

ويقول تعالى{ قال كَم لَبِثتُم في الأرضِ عَددَ سِنين*قالوا لَبثنا يوماً أو بعضَ يومٍ فاسأل العادِّين* قالَ إن لَبِثتُم إلاّ قليلاً لو أنّكُم كُنتُم تعلمون* أفاحَسِبتُم انّما خلقناكُم عَبثاً وأنّكُم إلينا لاتُرجَعون* فتعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلهَ إلاّ هُوَ رَبُّ العرشِ الكريم} [المؤمنون 112 ـ 116].وقال تعالى{كُلُّ نَفسٍ ذائِقةُ الموتِ وإنّما تُوَفّونَ اُجورَكُم يوم القيامة فَمن زُحزِحَ عن النّارِ وأُدِخلَ الجَنّة فقد فاز وماالحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرور}[آل عمران 185].

هذا المتاع الزائل الخادع هو كل وجود الكافر، أما المؤمن فوجوده أكثر امتداداً وأوسع واخلد، حيث يعانق الخلود.

إن هذا الإحساس بالامتداد والسعة والخلود كان في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له آثاره البعيدة في نفوسهم وتفكيرهم ومواقفهم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه سلم على حصير، فقام وقد آثر في جنبيه، فقلت له: لو اتخذنا لك وطاءً يارسول الله ، فقال: مالي وللدنيا يابن مسعود، ما أنا فيها إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ، ثم راح وتركها„.

2 ـ الشعور بالسمو والارتفاع

إن المؤمن الصالح يرتفع فوق هذه الدنيا التي يحياها، ويشعر أنه أكبر منها، فلايكون عبداً لطواغيتها وشهواتها ومطامعها،وهو بهذا الشعور والارتفاع فوق هذه الدنيا فإنه يمتلك مفاتيح التغيير.

إن المؤمن الحق هو الذي عنده هذا الشعور والفهم والعلم بحقيقة هذه الدنيا،وأما من كان يظن أن حياته ووجوده منحصراً ومحدوداً في هذه الحياة فإنه يصبح عبداً لها،متمسكاً بها، متمسكاً بلذاتها ومنافعها ومطامعها،وليس عنده استعداد للتضحية بها في سبيل طريق وهدف عظيم.

إن الشعور بالضخامة والارتفاع والاستعلاء على الدنيا ومافيها هو الذي يؤدي إلى التغيير. ولقد فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام هذا الأمر وكان لذلك التأثير الكبير في إحداث التغيير الجذري.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً وهو يحمل دعوة الحق، وأمانة الحق، والدنيا كلها كفر في كفر، وكان له عم يحميه وعندما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحظة من اللحظات أن عمه قد يخذله، وقد يتركه، فإنه ارتفع فوق هذه الدنيا وشعر أن دعوة الحق أكبر منها، وقال كلمته الخالدة العظيمة لعمه:“ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته“.

والأمر ليس مقتصراً على الرسل والأنبياء بل إنه أيضاً يضم المؤمنون الصادقون الذين فهموا دعوة الحق وفهموا هذا الكون وهذه الحياة، وانظر إلى موقف السحرة الذين واجهوا موسى بأمر فرعون، ولكن عندما تبين لهم الأمر وقامت لهم الدلائل على صدق دعوة موسى، وأنه نبي وليس بساحر، إذا بهم وقلوبهم مليئة بالإيمان قد سجدوا لله {فأُلقيَ السّحرةُ سُجّداً قالوا آمنّا بربِّ هارونَ وموسى*قال أمنتم لهُ قبل أن آذنَ لكُم إنّهُ لَكبيرُكم الذي عَلَّمكُم السّحرَفلأُ قَطّعنَّ أيديَكُم وأرجُلَكُم من خِلافٍ ولاُصَلِّبنّكُم في جذوعِ النخلِ ولَتعلَمُنَّ أينّا أشدُّ عذاباً وأبقى}[طه70 ـ 71]، فماذا كان جواب السحرة على هذا التهديد والوعيد؟{قالوا لن نؤثِرُكَ على ماجاءَنا من البَيّناتِ والذي فطرنا فاقضِ ما أنتَ قاضٍ إنّما تقضي هذه الحياةُ الدُّنيا*إنّا آمنّا بربّنا لِيغفِر لنا خَطايانا وما أكرهتنا عليهِ من السِحّرَ واللهُ خَيرٌ وأبقى}طه 72 ـ 73].

إن الإنسان عندما ينحصر تفكيره في الحياة الدنيا فقط فإنه يتشبث بهذه الدنيا وينطلق من شهواته ومنافعه ومطامعه، فيمنع ويخضع ويذل لهذه الشهوات والمطامع من أجل الاحتفاظ بهذه الحياة، وهو إن انطلق من مصالحه ومنافعه فقط فإنه لايستطيع أن يحمل رسالة الله، رسالة الحق والعدل والخير للدنيا، ولايكون مؤهلاً للقيام بعملية التغيير.

أما المؤمن الذي يشعر أن وجوده أبقى من الدنيا، وشعر بالضخامة والارتفاع على هذه الدنيا فإنه لاينطلق من شهواته ومنافعه، وإنما ينطلق من الحق الذي آمن به،ويضحي من أجله بالدنيا ومافيها،لأن ارتباطه بالحق يفتح له أبواب الخلود والسعادة الأبدية التي لاتزول.

هذه هي الشخصية الإسلامية الحقيقية التي ترشح صاحبها للإنطلاق من الحق لا من الأهواء والمنافع الزائلة، وهي عندها من أكبر الميزات في استبانة الأهداف الحقيقية ورسم الطرق الموصلة إلى النصر ومرضات الله عز وجل.

3 الصفات الأخرى

ومن الصفات الأخرى التي يجب على المؤمن أن يتصف بها ويحتاج إليها عند سلوكه طريق التغيير الصعب العسير نحو الأهداف الكبيرة نذكر منها:الشجاعة، والإقدام، والتضحية، والثقة، والتصميم ،والإخلاص..

الشجاعة:إن المؤمن الحق جدير بأت يكون شجاعاً مقداماً يضحي في سبيل الله، وواثق من نصر الله وبأن المستقبل له سواء ظفر بالنصر أو الشهادة{قل لن يُصيبنا إلاّ ماكتبَ اللهُ لنا هُوَ مَولانا وعلى الله فليتوكَّلِ المؤمنون*قُل هَل تَرَبَّصونَ بنا إلاّ إحدى الحُسنيينِ ونحنُ نتَرَبَّصُ بِكُم أن يُصيبَكُم اللهُ بعذابٍ من عِندهِأو بأيدينا فَتَرَبّصوا إنّا معكم مُتَرَبِّصون}[التوبة51 ـ 52]،وقال تعالى{ولاتَحسَبنَّ الذينَ قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءٌ عِندَ رَبِهم يُرزقون*فَرحينَ بما آتاهم اللهُ من فَضلهِ ويَستبشرونَ بالذينَ لم يَلحقوا بِهم من خَلفِهم الاّ خَوفٌ عليهم ولاهُم يحزنون*يستبشرونَ بِنعمةٍ من الله وفضلٍ وأنّ الله لايُضيعُ أجرَ المؤمنين}[آل عمران 169 ـ 171].

إن هذا الشعور بالشجاعة والإقدام والانتصار بالغلبة على العدو أو الشهادة يعطي المسلم قوة معنوية لانظير لها‘ فإن مات فإن حياته لاتنتهي وإنما ينتقل إلى حياة أفضل، حيث يعانق الخلود في جنات النعيم.

ولنأخذ هذه القصة التي توضح لنا هذا الشئ: كان هناك في الجاهلية رجلاً جباراً يسمى جبار بن سلمة وكان من الشجعان والفتاك، وقد حضر بئر معونة حين غدر عامر بن الطفيل بالمسلمين. يقول جبار بن سلمة: عمدت إلى أحد المسلمين فجعلت سنان رمحي بين كتفيه ثم نظرت إلى سنان الرمح يخرج من صدره، يتقاطر منه الدم، فإذا به يصيح „فزت والله، فزت والله“، قلت: بما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل، ثم علمت بعدئذ أنه قد فاز بجنة الخلد.

هذه هي الروح المعنوية التي نحن بحاجة إليها، وروح التضحية، وهذا الشعور باننا عندما نسقط في سبيل الله فإننا نرتفع إلى جنة الخلد وأن لنا الفوز الذي لايزول والسعادة التي لاتتحول بحال من الاحوال.

ولنأخذ مثالاً آخر:

أمسك رستم قائد الفرس بأحد الاعراب المسلمين وهو في طريقه إلى القادسية، وقال لترجمانه اسأله ماجاء بكم وماتطلبون؟قال الأعرابي المسلم :جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم إن أبيتم أن تسلموا.قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال الأعرابي: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقي منا أنجزه الله ماوعده، فنحن على يقين.قال رستم: فقد وضعنا إذاً بين أيديكم(قالها ساخراً)، قال الأعرابي: أعمالكم وضعتكم فاسلمكم الله بها ، فلايغرنك من ترى حولك،فإنك لست تصاول البشر ولكن تصاول القضاء والقدر.

إن المسلم المُستعلي على الدنيا وزخارفها، يرى نفسه في مواجهة اعتى الطواغيت قدراً من أقدار الله لايُصدّ ولايُرد،وكان يثق اعظم الثقة بنصر الله في الحياة الدنيا.انتهى كلام الأستاذ العطار.

الصبر وعدم استعجال النتائج

إن الداعية ليس عليه أن يبعث الموتى، فذلك من شأن الله عز وجل، وإنما عليه التبليغ والمضي في طريق الحق والدعوة إلى الله والصبرعلى مشاق الطريق وعقباته.وإن تبليغ رسالة الإسلام سوف يواجه بالكثير من الصعاب والمشاق ولاسيما أن شياطين الإنس والجن يتربصون بدعوة الحق ورجال الدعوة.

يقول تعالى:{فاصبر كما صبرَ أولو العزمِ من الرُّسُلِ ولا تَستعجل لهُم}[الأحقاف35].

يقول سيد قطب رحمه الله:“توجيه يقال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي احتمل ما احتمل،وعانى من قومه ما عانى.وهو الذي نشأ يتيماً وجُرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد.الأب والأم والجد والعم والزوج الوفية الحنون.وخلص لله ولدعوته مجرداً من كل شاغل.كما هو مجرد من كل سند أو ظهير.وهو الذي لقي من أقاربه المشركين أشدّ مما لاقى من الأبعدين.وهو الذي خرج مرة يستنصر القبائل والأفراد وفي كل مرة بلا نصرة.وفي بعض المرات بالاستهزاء من السفهاء ورجمهم له بالحجارة حتى تدمى قدماه الطاهرتان،فما يزيد على أن يتوجه إلى ربه بذلك الابتهال الخاشع النبيل.وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربه“فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل“…

ألا إنه لطريق شاق طريق هذه الدعوة،وطريق مرير.حتى لتحتاج نفس كنفس محمد صلى الله عليه وسلم في تجردها وانقطاعها للدعوة،وفي ثباتها وصلابتها،وفي صفائها وشفافيتها،تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين.

نعم،وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة،وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر،وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم،“فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل“.تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية“.

يقول تعالى:{قُلْ ما كنتُ بِدعاً من الرُّسُل ِوما أدري ما يُفعلُ بي ولابِكُم إن أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إليَّ وما أنا إلا نذيرٌ مُبينٌ}[الأحقاف 9].يقول سيد قطب رحمه الله:

„وإنه لأدب الواصلين،وإنها لطمأنينة العارفين،يتأسون فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم فيمضون في دعوتهم لله.لا لأنهم يعرفون مآلها،أو يعلمون مستقبلها.أو يملكون فيها قليلاً أو كثيراً.ولكن لأن هذا واجبهم وكفى .وما يطلبون من ربهم برهاناً فبرهانهم في قلوبهم ،وما يطلبون لأنفسهم خصوصية فخصوصيتهم أنه اختارهم.وما يتجاوزون الخط الدقيق الذي خطّه لهم ورسم لهم فيه مواقع أقدامهم على طول الطريق“.

يقول الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله:“إن تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس وإقناعهم بها ليس بالأمر السهل ولا بالمنال القريب كما يتصورون، فالأعداء كثر، والأهواء شتى، والغفلة عميقة،وحبائل الشيطان تمتد ذات اليمين وذات الشمال، ولم تكن الضلالة في عصر من العصور كما هي في عصرنا الحاضر، أشد سلطاناً وأكثر خداعاً وأقوى إغراءً وأبلغ فتنة“.

ويقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله(من قبسات الرسول ص30):

„إن المصلحين لايتعاملون مع المادة ولكن مع“النفوس“والنفوس أعصى من المادة،وأقدر على المقاومة والزيغ والانحراف.

والسم الذي يأكل قلوب الدعاة هو انصراف الناس عن دعوتهم،وعدم الإيمان بما فيها من الحق،بل مقاومتها في كثير من الأحيان بقدر مافيها من الحق،وعصيانها بقدر مافيها من الصلاح!عندئذ ييأس الدعاة…ويتهاوون في الطريق.إلا من قبست روحه قبسة من الأفق الأعلى المشرق الطليق.إلا من أطاقت روحه أن يغرس الفسيلة ولو كانت القيامة تقوم اللحظة عن يقين!

الدعاة أحوج الناس إلى هذا الدرس.أحوج الناس أن يتعلموا عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه العجيب .هم أحوج الناس أن يقبسوا من قبسات الرسول هذه اللمحة المضيئة الكاشفة الدافعة الموحية،فتنير في قلوبهم ظلمة اليأس،وتغرس في نفوسهم نبتة الأمل،كما تغرس الفسيلة في الأرض لتثمر بعد حين.

إنه يقول لهم:ليس عليكم ثمرة الجهد،ولكن عليكم الجهد وحده،ابذلوه ولاتتطلعوا إلى نتائجه!

ابذلوه بإيمان كامل ،إن هذا واجبكم وهذه مهمتكم،وأن واجبكم ومهمتكم ينتهيان بكم هناك،عند غرس الفسيلة في الأرض،لا في التقاط الثمار!

وهو إذ يقول لهم ذلك لايغرر بهم ولايضحك عليهم! إنما يقول لهم الشيء الواحد الصواب.

فحين تسأل نفسك:متى تثمر الفسيلة وكيف تثمر،وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟

وحين يصل بك التفكير إلى أن تطرح الفسيلة جانباً وتنفض منها يديك..حينئذ كيف تثمر؟وأنّى لها أن تعيش؟ألست قتلتها أنت حين أفلتها من يديك؟

ولكنك حين تغرسها في الأرض وترفع يديك لله بالدعاء…حينئذ تكون أودعتها مكانها الحق،وعهدت بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاك.ولايشغلك أن تسأل:متى تكون الثمار…ليس هذا من عملك أنت.لست مهيمناً على الأقدار.وليس لك علم الغيب.ولا في طوقك ـ لو علمته ـ أن تمسك نفسك من الدوار!ومن تكون أنت في ملك الله الواسع الفسيح الذي لاحد له ولا انتهاء؟!

ليست إذن دعوة في الخيال حين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم للناس:إن كان في يد أحدكم فسيلة فليغرسها.

وإنما هي صميم دعوة الحق.الحق الواقع في الأرض،المشهود على مدار التاريخ.والدعاة في كل الأرض أحوج الناس إليها حين تضيق بهم السبل ويصل إلى قلوبهم سم اليأس القتال.

وهم أولى الناس أن يتدبروا سيرة الرسول نفسه.لقد كان يغرس الفسيلة وهو مايدري مايكون بعد لحظات!

قد تأتمر به قريش فتقتله.قد يهلك جوعاً في الشِعب هو ومن معه من المؤمنين.قد يلحق به الكفار وهو في طريقه إلى الغار فلا يكون ثمة غد..أو تكون القيامة بعد لحظة…ومع ذلك يغرس الفسيلة،ويتعهدها بالرعاية حتى يؤذن الله بالثمار،وهو مطمئن دائماً إلى الله مادام يؤدي الواجب المطلوب“.انتهى كلام محمد قطب رحمه الله.

إن هدى الناس وضلالهم فإن هذا يتبع سنة إلهية ثابتة لاتتبدل ولاتتحول ولاتتغير، وهذا خارج عن حدود الداعية وطاقاته.

إن على الداعية أن يؤدي الواجب الملقى عليه في شأن الدعوة ويترك النتائج لله تعالى، ويفوّض له الأمر ولايرهق نفسه ويحزنها ويحملها مالاتطاق في حال عدم حصول الاستجابة ممن دعاهم.يقول تعالى{فَذَكِّر إنّما أنتَ مُذَكِّرٌ* لستَ عليهم بِمُسيطر} [الغاشية 21 ـ 22]ويقول تعالى{فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}[الشورى48] ويقول تعالى{ليسَ عليكَ هُداهُم ولكنَّ الله يهدي من يشاء}[البقرة272]وقال تعالى{وما أنتَ عليهم بِجبّار}[ق 45] وقال تعالى{ قُل أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرَّسُولَ فإن تَولَّوا فإنَّما عَليهِ ماحُمِّلَ وعليكُم ماحُمّلتُم وإن تُطيعوهُ تهتَدُوا وما على الرَّسُولِ إلا البلاغُ المُبين}[النور 54].

وجاء في الحديث الشريف:“ إن مَثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويَغلبنه ويتقحمن فيها، فهذا مَثلي ومثلكم، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها„[رواه الشيخان].

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله[عبقرية المسيح ص137]:“هذه آية كريمة لها مرجع من تاريخ كل دعوة ولاسيما الدعوات الدينية الكبرى، وما من شئ هو أدعى إلى التدبر الطويل من المقابلة بين مقاصد أصحاب الدعوات وبين الغايات التي تنتهي إليها دعواتهم على غير قصد منهم، بل على خلاف ماقصدوا إليه، ثم يمضي الزمن وتنطوي المقاصد والغايات فيبدو أن طريق الدعوات كان اهدى من طريق أصحابها، كأنما الدعوات والدعاة معاً وسيلة مسخرة تسير في عنان الحكمة الأبدية دون أن يعلم الدعاة أو يعلم المستجيبون لهم إلى أين تسير وإلى أين يسيرون“.

نعم، ما أكثر المسلمين الذين لاينتبهون حيال هذه النقطة فيُحمّلون أنفسهم وأعصابهم وشعورهم مالم يكلفهم الله تعالى ولا أذن لهم فيه حين لايجدون تجاوباً سريعاً عاجلاً ممن يدعون . يقول تعالى{وإن مّا نُرِيَنّكَ بعضَ الذي نَعِدُهُم أو نَتَوفَّينَّكَ فإنّما عليكَ البلاغُ وعَلينا الحِساب}.[الرعد40].

ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“الإنسان عليه البلاغ، ولكن ليس عليه الهداية، إنما عليك الدعوة إلى الله وعلى الله الهداية،عليك البلاغ وعلى الله الحساب، عليك أن تبذر الحبّ وترجو الثمار من الربّ، ابذر بذور الدعوة، قل كلمة الحق، ولكن النتيجة ليست بيدك. سيدنا نوح ظل ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو الناس وما قصّر وما ضعف{قالَ ربي إنّي دَعوتُ قومي ليلاً ونهاراً*فلم يزدهم دعائي إلا فِراراً*وإنّي كُلّما دَعوتُهُم لِتغفر لهم جعلوا اصابِعَهُم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا}[نوح5 ـ 7]، وضعوا أصابعهم في آذانهم، وقالوا: لانريد أن نسمع صوتك،{واستغشوا ثيابهم} وضعوا ثيابهم على وجوههم وعلى أعينهم، وقالوا: لانريد أن نرى وجهك، ولانحب رؤيتك ولاسماعك.ماقصرّ نوح عليه السلام، بل قال:{ثُمَّ إنّي دَعوتُهم جِهاراً*ثُمَّ إنّي اعلنتُ لهم وأسررتُ لهُم إسراراً*فقلت استغفروا رَبّكم إنه كان غَفارا* يُرسِلِ السّماءَ عليكُم مِدراراً*ويُمدِدكم بأموالٍ وبنينَ ويجعل لكم جَناتٍ ويجعل لكم أنهاراً}[نوح 8 ـ 12]. وعظهم ورغبّهم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ولم يُقصّر“.

وربما قفز هؤلاء الدعاة في غمار تطلعاتهم هذه فوق كثير من الوسائل والأسباب التي ألزمهم الله تعالى بها مما يدخل تحت امكانياتهم ويخضع لطاقاتهم، وحصروا كل نظراتهم واتجهوا بوجوههم إلى النتائج التي هي من شأن الله عز وجل ولم يحمل أحداً من عباده أو يرهقه في شأنها إذا أدى ماعليه من واجب الدعوة على أحسن وجه.يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:“خذوا الناس بالبينة وماجرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله“.

وهناك آيات كثيرة تصف حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يستجيب الناس لدعوته وحزنه الشديد لإعراضهم وتكذيبهم حتى إنه ليكاد يهلك نفسه من أجل ذلك.

ولقد خاطب الله عز وجل سيد الخلق والمرسلين الذي بلّغ الأمانة وأدّى حق الدعوة إلى الله على أحسن وجه خاطبه داعياً إياه أن لايحزن ولاتذهب نفسه حسرات على من دعاهم ،ولاتهلك نفسك غيظاً وحزناً إن لم يستجيبوا لكن يقول تعالى{فَلعلَّكَ بَاخِعٌ نَّفسَكَ على أثارِهِم إن لم يُؤمنوا بهذا الحديثِ أسَفا}.[الكهف6]، ويقول تعالى{أفمن زُيّنَ لهُ سُوءُ عملهِ فرآهُ حَسَناً فإنَّ الله يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ فلا تَذهب نَفسُكَ عليهم حسراتٍ إن الله عليمٌ بما يصنعون}[فاطر8] إن هؤلاء القوم الذين زُين لهم سوء أعمالهم فكذبوك وأعرضوا عن دعوتك قوم لايستحقون أن تذهب نفسك عليهم حسرات باغتمامك أن لايؤمنوا.ويقول تعالى{ولايَحزُنكَ الذين يُسارعونَ في الكفرِ إنَّهُم لن يَضُرّوا الله شيئاً يريدُ الله ألا يَجعلَ لهم حَظّاً في الآخرة ولهم عذابٌ عظيم}[آل عمران 176]لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن لمسارعة القوم في الكفر،فجاءت هذه المواساة من الله والإخبار بأنهم لايضرون الله شيئاً، بل يضرون أنفسهم، وينتظرهم العذاب الأليم العظيم.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 373 بتاريخ 25 كانون الأول عام 1916):

„يقول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم:{قد نعلمُ إنّهُ ليحزنكَ الذي يقولون فإنّهم لايُكّذبونكَ ولكنّ الظالمينَ بآياتِ الله يجحدون}.

„الحزن ألم يلم بالنفس هند فقد محبوب، أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه وتجب معالجته بالتسلي والتأسي وأن كان بالحق للحق، كحزن الكاملين على إصرار الكافرين على الكفر، وقد أثبت تعالى لرسوله هذا الحزن إثباتاً مؤكداً بتعليق علمه التنجيزي به في بعض الأحيان.وقد نهاه تعالى عن هذا النوع من الحزن بقوله تعالى:{ولايحزنك قولهم إنّ العزة لله جميعاً إنه هو السميع العليم}[يونس65]وفي قوله تعالى:{فلا يحزنك قولهم إنا نعلم مايسرون وما يعلنون}[يس57]، كما نهاه عن الحزن عليهم لعدم إيمانهمفي سورة الحجر الآية 88، وسورة النحل الآية 127، والنمل في الآية72.

والمراد بالقول الذي يحزنه منهم ما كانوا يقولونه فيه وفي دعوته ونبوته من تكذيب وطعن وتنفير للعرب.

يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} أي قد أحطنا علماً بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}وقوله تعالى{لعلك باخع نفسك أن يكونوا مؤمنين}.

إنهم لايتهمونك بالكذب في نفس الأمر ولكن الظالمين بآيلت الله يجحدون، أي إنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لانكذبك ولكن نكذب ما جئت به“.

يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص479):

„وفي تأديب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يكون في حالة نفسية رضية مطمئنة، متوازنة خلقياً بين مختلف المثيرات والمهيجات الانفعالية العاطفية، أنزل الله عليه قوله:{طه* ما أنزلنا عليكَ القُرآنَ لِتشقى}[طه 1 ـ 2].

ثم أنزل عليه قوله:{ولاتحزن عليهم ولاتَكُن في ضَيقٍ ممّا يمكرون}[النمل70].

ثم أنزل عليه قوله:{واصبر وما صَبرُكَ إلاّ بالله ولاتحزن عليهم ولاتكُ في ضَيقٍ ممّا يمكرون* إنّ الله مع الذين اتّقوا والذينَ هُم مُحسنون}[النحل 127 ـ 128].

فكرر عليه هذا التوجيه التربوي مرتين،وأضاف في المرة الثانية قوله{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}.أي معهم بتأييده ونصره ومعونته، ومعهم بنفحات قدسه التي تؤنسهم وتسعدهم وتشرح صدورهم.

والتوازن الخلقي النفسي الذي يربي الله رسوله عليه في هذين النصين إضافة إلى خلق الصبر، يشتمل على عنصرين:

العنصر الأول:أن يجعل لرحمته بقومه حدوداً، وعليه أن لايتجاوز هذه الحدود، فهو يرحمهم رحمة عظيمة، فيدعوهم إلى هدايتهم ورشادهم وسعادتهم، ويكون حريصاً عليهم، عزيزاً عليه عنتهم،لكنهم إذا اختاروا لأنفسهم سُبل ضلالتهم وتعاستهم وشقائهم،فلهم شأنهم، وعليهم أن يتحملوا نتائج اختيارهم، وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن لايحزن عليهم، فشفقته عليهم لاينبغي أن تصل إلى منطقة تتعارض فيها مع حكمة ابتلائهم، القائم على اختيارهم، والمستلزم لعقابهم، فالشفقة عليهم عندئذ في غير محلها، والحزن عليهم عندئذ في غير محله.ويجب عندئذ أن تأتي عاطفة الرضا بالعدل الرباني،والتسليم التام لحكمة الله في خلقه.

ويتابع :“ولما كانت رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بقومه عظيمة جداً،ورأفته بهم عاطفةً سائدةً،كان بحاجة إلى جرعات متعددة من التاديب الرباني،لشد لجام عاطفة الرأفة والرحمة،حتى تقف عند الحدود التي يحسن في ميزان الخلق السوي الفاضل أن لاتتجاوزها، فأنزل الله عليه قوله:{أفَمَن زُيّنَ لهُ سُوءُ عَملهِ فرآهُ حَسناً فإنّ الله يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء فلاتذهب نَفسُكَ عليهم حسراتٍ إنّ الله عليمٌ بما يصنعون}[فاطر8].

ثم أنزل الله عليه قوله:{لَعلَّكَ باخِعٌ نَفسَكَ ألاّ يكونوا مؤمنين*إن نشأ نُنَزِّل عليهم من السماءِ آيةً فَظَلّت أعناقُهم لها خاضعين}[الشعراء 3 ـ 4].

ثم أنزل الله عليه قوله:{لاتَمُدَّنَ عينيكَ إلى مامتعنا بهِ أزواجاً منهم ولاتحزن عليهم}[الحجر15].

ثم أنزل عليه قوله:{ومن كفرَ فلا يَحزُنكَ كُفرهُ إلينا مرجِعُهُم فَنُنَبئُهُم بما عملوا إنّ الله عليمٌ بذاتِ الصدور*نُمَتِّعُهُم قليلاً ثمّ نَضطَرُّهم إلى عذابٍ غليظ}[لقمان 23 ـ 24].

العنصر الثاني:أن لايكون الرسول صلى الله عليه وسلم في ضَيق مما يمكر الكافرون أي أن لايكون في غمّ يشدّ على نفسه وقلبه ويضيّق عليهما،ويذهب بانشراح الصدر.

ومثل الرسول صلى الله عليه وسلم يكفيه للإقناع أن يقول الله له:{ولاتك في ضيق مما يمكرون} ومع ذلك فقد زاده الله إقناعاً بأنه معه ينصره ويؤيده{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}.

ثم زاده إقناعاً بأنه تعالى يفسد مكرهم السئ بمكر من عنده هو في الخير لا في الشر، لأنه عمل خفيّ يبطل شرهم، ويرد عليهم سوء عملهم، ويوقعهم في الحفر التي يحفرونها للرسول والمؤمنين معه، فأنزل عليه قوله:{وإذ يمكرُ بكَ الذين كفروا لِيثبتُوكَ أو يقتلوكَ أو يُخرجوكَ ويمكرون ويمكرُ الله والله خيرُ الماكرين}[الأنفال 30].

ومع هذا الإقناع أعطى الله رسوله الدواء الذي يمسح عن صدره الضيق، وهو التسبيح بحمد الله، وكثرة الصلاة والسجود لله، والقيام بعبادة الربّ مع الاستمرار في ذلك، فقال تعالى:{ولقد نعلمُ أنّكَ يضيقُ صَدرُكَ بما يقولون*فَسَبِّح بحمدِ رَبّكَ وكُن من الساجدين*واعبد رَبّكَ حتى يأتيكَ اليقين}[الحجر 97ـ 99].

عدم الاستجابة للدعوة:

إن عدم الاستجابة للدعوة وعدم تفاعل الناس مع الدعاة والالتفاف حولهم والسير على خطاهم يجب أن يقابله الدعاة:

1 ـ بالصبر الجميل: يقول تعالى:{فاصبر صبراً جميلاً}[المعارج5] أي بدون شكوى.