معالم في طريق الدعوة إلى الله (6/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
وكذلك قال القدماء ونقول معهم:
وكل من بغير علم يعملُ أعمالهُ مردودةٌ لاتُقبلُ
والأنكى من ذلك بل والأدهى أن المجتمع والقانون يحاسبان من يُطَبّب الناس إذا لم يكن من أهل الطب والعلم والاختصاص، ولم يحصل على الشهادات اللازمة، وهذا صحيح وملزم شرعاً وعرفاً، ولكن أن يفتي في الدين من لم يُعرف عنه إلمام ومعرفة بعلوم الدين، وأن يتصدّى للفتوى والفقه من لايعرف من أمور الدين شيئاًـ اللهم إلا ما قد ورثه عادة وممارسة عن الآباء والأجداد ـ بل على العكس فبدلاً من أن يُمنع ويُنزل به العقاب الدنيوي، قد يجد التشجيع والتأييد في كل عصر ومِصر، ومن كل حاكم وقصر، فهذا العجب العُجاب!!ولكن أمثال هؤلاء وإن لم يلحق بهم العقاب الدنيوي فإن ماينتظرهم يوم الحساب هو أمرُّ العذاب وأشدّ العقاب.
يقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: {قُل إنَّما حَرَّمَ رَبيَّ الفواحشَ ماظهرَ منها ومابَطَن والإثمَ والبغيَ بغيرِ الحقِّ وأن تُشركوا بالله مالم يُنَزِّل بهِ سُلطاناً وأن تقُولوا على الله مالاتعلمون}[الأعراف 33]، يقول رحمه الله : „إن القول على الله بغير علم هو أعلى مراتب الإثم،ويستوجب أشدّ العذاب وهو أشد عند الله من الشرك بالله بحد ذاته،فمراتب الإثم والكفر درجات أشدها القول على الله بغير علم“.
وقد قال العلماء أيضاً: “ لايأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر فيه، فقيهاً بما ينهى عنه“.
إن الذين يدعون إلى الله من غير بصيرة كافية، ومعرفو وافية،ومن غير أن يكونوا أهلاً لحمل هذه المرتبة العظيمة، مرتبة الدعوة إلى الله: “ {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله}“، إن هؤلاء الناس بالإضافة إلى مايلحقونه بالإسلام والمسلمين من ضرر وإفساد، فإنهم من جهة أخرى ـ شاؤوا أم أبوا ، عرفوا أم جهلوا ـ يُستغلون من قبل أعداء الإسلام والحاقدين عليه من ملحدين ومُشككين ومضلين، ويُستعملون رأس حربة في طعن الإسلام في مقاتله وأركانه. إن هؤلاء الدعاة الجاهلين الغافلين أو المتغافلين المفسدين، والذين يظنون أنفسهم حماة الإسلام، هم أشد أعدائه وألدّ خصومه، لأنهم يرتدون عباءة الإسلام ويُخفون تحتها كل أنواع النتن والجهل والعفونة، ولأنهم يظنون أنهم من خلال الشعارات الفارغة والممارسات السطحية أنهم يخدمون الإسلام، وهم في الحقيقة يرمونه بأقوى السهام ويطعنونه بأشد الرماح.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه يجب على الداعية إذا أراد أن يتصدّى لدعاوى المُبطلين والمُشككين والمنحرفين أن يكون على علم ومعرفة بمبادئهم ومدارسهم وآرائهم المختلفة.إنه لايكفي أن تُظهر الجوانب النيّرة والوجوه المشرقة البيضاء الناصعة للإسلام، ولكن يجب عليك أيضاً أن تبين الجوانب المظلمة السوداء القاتمة للدعوات والمذاهب الوضعية التي تحارب الإسلام، وهذا لايمكن أن يتم إلا إذا كنت على بصيرة وعلم ومعرفة بمذاهبهم المختلفة، وما فيها من انحرافات وتضليلات وسلبيات. يقول تعالى: {وكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَستبينَ سبيلُ المجرمين}[ الأنعام 55].
فلابد إذن من أهل العلم والاختصاص الذين ينافحون عن دعوة الإسلام ويظهرون مافيها من وجوه الخير ـ والإسلام كله خير ـ ويكشفون الدعوات الباطلة ومافيها من شر ـ والباطل أصله شر ـ والضدُ يظهر حسنَهُ الضد، وإنما تتميز الأشياء بأضدادها،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا“ [رواه البخاري].وقديماً قال عمر الفاروق رضي الله عنه: “ إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية“.
وإن التصدي لدعاوى وأباطيل المنحرفين والضالين من غير أهل العلم والاختصاص يمكن أن يكون له إحدى عاقبتين أحلاهما مرّة:
1 ـ أن يخفق الداعية في التصدي لأمثال هؤلاء، وذلك لقلة علمه ووعيه من جهة، ومن جهة أخرى لأن أهل الباطل وجنود الضلال وأبالسة الإنس غالباً مايُجندّون كل طاقاتهم وإمكانياتهم في أمثال هذه المواجهات، من أجل أن يكسبوا بعض الجولات في الصراع مع الحق وتحديه.وكم شهدنا وللأسف العديد من القضايا التي فشل فيها الحق مؤقتاً وهُزم أمام الباطل، مع أن الحقّ بيّن والباطل بيّن، ولكن لأن محامي الدفاع عن الحق هو الذي ألحق الهزيمة بموكله وأوصل النصر إلى خصمه!!
2 ـ وليس من النادر أيضاً أن يُستغل بعض الدعاة للإسلام بسبب قلة الوعي وضعف البصيرة،في محاورات ومنتديات للحوار حول الحق والباطل، وقد فعل ذلك المبطلون بوجوههم العديدة والمتنوعة وإن كانوا يلبسون أحياناً أقنعة مختلفة تُظهر الإسلام وتُبطن الضلال.
يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله [من بقايا الأيام ج2 ص145]: „لقد رأينا بأعيننا خلال عشرات السنين من عملنا وتجاربنا على مختلف المستويات، كيف يُوضع الإسلام ورصيده العقيدي والعاطفي في النفوس، في خدمة عقائد ومذاهب أخرى،وخدمة عناصر وأحزاب ومجتمعات وقوى محلية ودولية تخالف الإسلام أو تحاربه،من قبل عناصر لها عنوان الإسلام، ولكنها جهلت دينها،أو آثرت دنياها،فانحرفت عن طريق الإسلام المستقل المتميز، وباعت ما استطاعت من رصيده الغالي لأعدائه ومستغليه بما طمعت فيه أو نالته من عرض الدنيا الزائل.ويتابع: „وكم رأيناعلى امتداد هذه السنين من ناس وضعوا أنفسهم في خدمة رجال المال والأعمال بإسم الإسلام، وخدمة الإقطاعيين الظالمين المستغلين بإسم الإسلام،وخدمة سياسيين علمانيين انتهازيين بإسم الإسلام،وخدمة أنظمة فاسدة، ودكتاتوريات طاغية، وسياسات منحرفة، وخدمة شرقٍ أو غرب، وحكومات مرتبطة بالشرق والغرب بإسم الإسلام. وبإسم الإسلام ووراء قناعه وستاره يعمل بعض أعدائه الماكرين للعلمانية أو يروجون لليبرالية أو الماركسية، أو يفرغونه من محتواه الحقيقي ليلبسوه بعد ذلك مايشاؤون من مضمون. ولقد ضلل هؤلاء وأمثالهم ـ على تباين بواعثهم وأغراضهم ووسائلهم ومجالاتهم ـ كثيراً من المسلمين وساقوهم على غير طريقهم إلى غير أهدافهم ومصالحهم الحقيقية، بل ساقوهم ومايزالون يسوقونهم إلى الخسارة والضياع والهلاك“.ويقول أيضاً:“ وأما الانتهازيون الذين يتاجرون بالإسلام ويبيعونه بالمزاد هنا وهناك ويستغلونه لخدمة سواه ويستخدمونه ويضحون به لأحقر المنافع… فنحن نحذر منهم أشد تحذير. إن الإسلام في مثل ظروفنا الحاضرة يسهل استغلاله وتصعب خدمته.. ونحن بحاجة إلى من يخدمون الإسلام وعلى خطر ممن يستغلونه ويستخدمونه، ولايميز هؤلاء وهؤلاء إلا بالإخلاص والإدراك والمعرفة بالإسلام وبواقع المسلمين والعالم الذي نعيش فيه“.
نعم، يجب على الداعية أن يعلم ويعمل بما تعلّم، ولابد أن يَعي ويدرك مايدور حوله،وأن يتابع المستجدات والمتغيرات في عالمه ومحيطه، وأن يدرك تمام الإدراك أنه بغير الوعي والبصيرة قد تتوجه النيات الصالحة المخلصة إلى أعمال غير صحيحة وتتوجه غير الوجهة السليمة والمطلوبة، بل وقد تؤدي إلى نتائج عكسية.
إننا بحاجة إلى دعاة، لايأخذون الأمور على علاتها،بل يبحثون في ظواهرها ومسبباتها، ولايبقون على سطح الأحداث بل يغوصون في اللجج والأعماق، ولايأخذون بالهوامش بل يسبرون الأغوار، ولايكتفون بكتب الماضي وعلومه، بل يعايشون متغيرات الحاضر، ويستشرفون توقعات المستقبل، ويضعون الخطط والمناهج المرحلية القريبة والبعيدة.
إننا بحاجة إلى أهل العلم والاختصاص، إلى من يفهم الواقع ويتفاعل معه، ويضع من علمه وإمكانياته مايمكنه من تغيير هذا الواقع لما فيه مصلحة الإسلام والإنسان.وكفانا كفانا ما ابتلينا به حتى يومنا هذا وللأسف من الخطب الرنانة المشحونة بالإنفعالات، والتي تثير العواطف والمشاعر ولاتحرك الطاقات والإمكانيات.
وكفانا كفانا من الممارسات السطحية والشعارات الفارغة والاندفاعات المضرة، التي لم تُفد أبداً، بل عادت علينا وعلى الإسلام بكل ضرر.
وكفانا كفانا من الحناجر التي تتحكّم في العقول، بدلاً من أن تتحكّم بها العقول.
وأخيراً همسة ودّ وحبّ في إذن كل داعية: يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار: „على الداعية أن يعلم أنه لايوجد في الدنيا من هو أكبر من أن يتعلم، أو أصغر من أن يُعلّم“.
3 ـ الرحمة والرفق واللين:
يجب أن يكون الداعية إلى الله رحيماً بمن معه، رفيقاً بمن يدعوه، ليّناً هشاً ، بشوشاً سمحاً، حليماً لايضيق صدره بجهلهم وابتعادهم وضعفهم ونقصهم، يحمل همومهم ولايتعبهم بها.وقد قيل:ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يَزينه العمل،وما أحسن العمل يَزينه الرفق.واللين يجلب المودة، والعنف يجلب العداوة،واللين يُقرّب القلوب والنفوس والعنف مُنّفرومُبعد لها.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من يُحرم الرّفق، يُحرم الخير كلَّه„[رواه مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه]، ويقول صلى الله عليه وسلم:“إنّ الله رفيقٌ يُحبُّ الرّفق في الأمر كله„[رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها]وفي رواية لمسلم:“إن الله يُحبّ الرّفق، ويُعطي على الرّفق مالايُعطي على العُنف، وما لا يُعطي على سواه„.
وإن المتدّبر في آيات القرآن الكريم وسيرة أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ليجد المُعين على فهم هذه الأمور، ويجد المًعين الذي لاينضب في التزود لإطلاق الدعوة.يقول تعالى{ولاتستوي الحَسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينكَ وبينهُ عداوةٌ كأنّهُ وليٌّ حميم*وما يُلقّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاها إلا ذو حَظٍّ عظيم}[فصلت 34 ـ 35]
يذكر لنا القرآن الكريم ومن خلال عدة سور وآيات كريمة موقف أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه صلاة الله وسلامه، ونشعر ونحن نقرأ هذه الآيات الفرق العظيم بين موقف الإبن المؤمن الصابر الودود المشفق الذي يريد الخير والسلامة لأبيه وقومه ، يقابل ذلك موقف الأب القاسي الضال الجاحد وموقف القوم المماثل لموقف الأب، ولنقرأ الآيات من سورة مريم:
{واذكُر في الكِتابِ إبراهيمَ إنّهُ كانَ صِدِّيقاً نبيَّاً*إذ قالَ لأبيهِ يا أبتِ لِمَ تَعبُدُ مالايَسمعُ ولايُبصرُ ولايُغني عنكَ شيئاً*ياأبتِ إنّي قد جاءني من العلمِ مالم يأتكَ فاتّبعني أهدِكَ صراطاً سويّاً*ياأبتِ لاتَعبُدِ الشَّيطانَ إنّ الشّيطانَ كانَ للرَّحمنِ عَصِيّاً*يا أبتِ إنّي أخافُ أن يَمَسّكَ عذابٌ من الرَّحمنِ فتكونَ للشّيطانِ وليّاً}[مريم41 ـ 45].
هذا هو موقف الإبن يحمل في طِيّاته الشفقة والحجّة والعلم والإيمان والخوف على أبيه أن يمسّه العذاب، ويخاطب أباه بهذا النداء الجميل “ يا أبت„، ليثير في نفسه مشاعرالحنان والأبوّة والعطف، ويُذكرّه بأواصر القربى ووشائج الرحم، إنه موقف جميل رائع لايمكن أن نعبر عنه بكلمات قليلة لأنه يعبر عن مشاعر من الودّ والعطف والرحمة والشفقة، بالإضافة إلى الحجّة والمعرفة والثبات على الحق بدون هوادة أو مهادنة.
ولنتابع قراءة باقي الآيات:
{ قالَ أراغِبٌ أنتَ عن آلهتي يا إبراهيمُ لئن لم تنتهِ لأرجُمَنَّكَ واهجُرني مَليّاً}[مريم 46].
إنه موقف الأب الضال القاسي الذي يُهدّد ابنه بالطرد والرجم وأقسى العذاب، وماهو ذنب الإبن المسكين؟ ذنبه أنه أراد الخير والإيمان لأبيه، وخاف أن يقع في أشدّ العذاب.
ولنتابع الآيات الكريمة:
{قال سَلامٌ عليكَ سأستغفِرُ لكَ ربي إنّه كانَ بي حَفيّاً*وأعتزِلُكُم وما تَدعونَ من دُونِ الله وأدعو رَبِّي عسى ألا أكونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقيّاً}[مريم 47 ـ ]48.
نعم، رغم مالاقاه ابراهيم الخليل من صنوف الغلظة والقسوة والإعراض، بل التهديد بالقتل والرجم والإحراق والإبعاد، بقي محافظاً على لغة التلّطف، يسأل الله أن يهدي والده وأن يُجنبّه العذاب.
إن هذا الموقف العظيم من إبراهيم الخليل عليه السلام هومن أعظم المواقف التي يجب على الدعاة أن يتصفوا بها، وأن يتحلّوا بها وهم يدعون الناس إلى جادة الحقّ والصواب، ولكننا وللأسف نجد من بعض الدعاة مواقف تتسّم بالحقد والضغينة والإنفعال السريع تجاه من يدعونهم من الشاردين والمنحرفين والضالين إذا لم يجدوا لديهم الاستجابة السريعة والإصغاء المباشر إلى دعوة الحق، فليحذر هؤلاء الدعاة من هذه التصرفات لأنها تُنفّر من الإسلام ولاتعود إلا بالأذى والقطيعة والإعراض.
ولقد أرسل الله عز وجل موسى وهارون صلاة الله عليهما وسلامه إلى فرعون وخاطبهما: {فقُولا لهُ قولاً ليّناً لعلّهُ يَتذكَّرُ أو يخشى}[ طه44].
وفرعون وما أدراك مافرعون؟ الظالم الطاغية المستبد، الذي جعل من نفسه إلهاً، ومع ذلك فإن الله أمر كليمه موسى عليه السلام أن يقول له قولاً ليناً لعلّه يتعظ أو يعتبر،ولكن عندما وجد موسى من فرعون الإعراض والعناد والسخرية، وعندما قال فرعون لموسى: {إنّي لأظُنُّكَ يامُوسى مَسحوراً}[ الإسراء 101] ، عندها أجابه موسى وقد أخذه الغضب لله لا لنفسه، والغضب لدعوته لالشخصه، قال له موسى بعزّة المؤمن : {وإنّي لأظُنُّكَ يافرعونُ مَثبوراً}[ الإسراء 102 ].فلابد من الغضب لله إذا واجه أعداء الدعوة دعاة الله ودعوة الله بالسخرية والإعراض والهجوم الصريح.
ولقد أرسل الله عزوجل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل برسالة الحق لكل البشر، فكان أُسوةً تتُبع، وقدوةً تُحتذى، اجتمعت فيه مكارم الأخلاق، وأفضل الشمائل، وأحسن الصفات، كان ليناً رفيقاً، يعفو عمّن أساء إليه، ويًصِل من قطعه، ويحمل الكلّ، ويُعين على نوائب الدهر، كان كما أمره الله : {واخفض جناحك للمؤمنين}[ الحجر88]، {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}[ الشعراء215] ،مثالاً للتواضع وحسن المعاملة.
وصفه معاوية بن الحكم السلمي ـ عندما تكلم في الصلاة فأنكر الصحابة عليه ذلك أشد الإنكار ـ فقال: بأبي أنت وأمي،مارأيت معلماً قبله ولابعده أحسن تعليماً منه، فوالله مانهرني ولاضربني ولاشتمني، وقال: „إن هذه الصلاة لايصلح فيها شيئاً من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن“ [رواه مسلم].
ومنها قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لاتزرموه، دعوه„. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال: “ إن هذه المساجد لاتصلح لشئٍ من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن“. قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنه عليه. [رواه مسلم].
أنظر إلى أسلوب المعاملة الرفيع الذي يندر أن تجد مثيلاً له من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه هذا الأعرابي .
نعم لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثال الحي والأسوة الحسنة الصالحة للدعاة في سبيل الله، كان حريصاً على هداية قومه، ويحب لهم الخير،وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يُطلب منه الدعاء على أحد من الناس مسلماً كان أو كافراً، عموماً أو خصوصاً إلا عدل عنه بالدعاء له بالرحمة والهداية والمغفرة.
ومن الرفق واللين في الدعوة إتباع أسلوب التلميح لاالتصريح، فهذا أفعل في النفس،من أسلوب المواجهة المباشرة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبه وأعماله لايخاطب إنساناً أذنب بعينه، بل كان يقول“ مابال أقوام يفعلون كذا…“.
وموسى عندما خاطب فرعون لم يصرح له مباشرة بأنه إن لم يتبع سبيله سيكون مصيره النار، بل لجأ ألى اسلوب التلميح الذي لايخفى على أي لبيب: {إنَّا قد أُوحيَ إلينا أنَّ العذابَ على من كَذَّبَ وتولّى}[طه 48]،فهذا تحذير لطيف صادق، ولكنه مُبطّن لايحتاج إلى ذكاء خارق لفهمه، ونجد مثال ذلك في القرآن الكريم أيضاً في قوله تعالى: {قُل أرأيتُم إن أهلكنيَ اللهُ ومن معيَ أو رحِمنا فَمن يُجيرُ الكافرينَ من عذابٍ أليم}[الملك 28].
إننا وللأسف نجد بعض الدعاة يُنفرّون من الإسلام وإن كانوا يظنون أنهم يدعون إليه، بسبب أسلوب التصريح المباشر، وبسبب الغلظة والجفاء، بل ربما أحياناً بسبب الرعونة في تصرفاتهم، ناسين أن الله عز وجل خاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً: { فبِما رَحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كُنتَ فظّاً غليظَ القلبِ لأنفَضُّوا من حولك} [آل عمران 159].وقال فيه عز وجل {لقد جاءكُم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ماعنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم}[التوبة128].
فإذا كان المؤيد بالرسالة، المعصوم من الخطأ، والمبعوث بالرحمة للعالمين، يخاطبه الله عز وجل بهذه الكلمات فما أدراك بالإنسان العادي!
يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله:
„ولابد للداعية إلى الله أن يحمل مثل هذا القلب الحي،ومثل هذه العاطفة الدافقة بالحب والحنان والدفء والحرارة،يفيض منها على من حوله،فيحركهم من سكون،ويوقظهم من سبات،ويحييهم من مَوات.
وكلام أصحاب القلوب الحية له تأثير عظيم في سامعيه وقرائه،فإن الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب،وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان،ولهذا كان تأثير الحسن البصري في كل من يشهد درسه وحلقته،على خلاف حلقات الآخرين،ولهذا قيل:ليست النائحة كالثكلى.
هذا القلب الحي،يعيش مع الله في حب وشوق،راجياً خائفاً،راغباً راهباً،يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه،كما يعيش في هموم الأمة على اتساعها،ويحيا في آلامها وآمالها،لا يشغله همٌّ عن هَمّ،ولا بلد عن آخر،ولا فئة من المسلمين،عن الفئات الأخرى.
ويقول الأستاذ عصام العطار في مقال له بعنوان“مادتنا الحب“ نشره في افتتاحية مجلة المسلمون العدد السادس عام 1955م:
„قال محدثي وهو رجل كبير مارس الدعوة إلى الله سنين طويلة:
يبدو لي أن أكثر دعاة الإسلام قد تخلفوا عن أداء مهمة هي أخص مهامهم،وأن تخلفهم عن أداء هذه المهمة هو السبب الأول وراء كل مشكلة تعترض ركب الدعوة وكل عثرة يقع فيها…هذه المهمة هي إشاعة الحب بين القلوب.إنه كما يختص كل أستاذ بمادة يحسنها ولا يضيره أن لا يحسن سواها، فكذلك الداعي إلى الله يختص بمادة الحب:حب الله وتوثيق عرى المحبة فيه بين القلوب…ولا يضيره كثيراً إن هو نجح في مادته أن يقصر فيما سواها،لأنه حينئذ يكون قد أرسى الأساس الراسخ في أعماق النفوس،وهيأ المنبت الصالح لكل الفضائل،وأقام الحصن المنيع دون أكثر الفتن.
هذا قول حق،ودعاة الإسلام جميعاً في حاجة أن يتدبروه ويطيلوا الوقوف عنده،وأن يحاسبوا أنفسهم!
إن كلمة“الحب“هذه،التي ظلمها الناس،هي الكلمة الكبيرة التي اتسمت بها مواكب الأنبياء وقامت عليها مجتمعاتهم،وهي“الإكسير“ الذي جعل صلة أتباعهم بالخير صلة حقيقية تسنعذبفي سبيله العذاب،كما جعل آصرتهم فيما بينهم آصرة الروح من وراء العقل فلا تختلف باختلاف الرأي،وفوق المصالح المادية فلا تتأثر بهوى خاص.
وإنك لتقرأ القرآن فتطالع مصداق ذلك وتجد مكان هذا الحب أصيلاً..تجده في مقام الدعوة هو الوازع الذي تستثيره السماء والغاية التي تلفت إليها القلوب:{قل إن كنتم تحبون الله فانبعوني يحببكم الله}[آل عمران 31]،وتجده في وصف المؤمنين:{والذين آمنوا أشدّ حباً لله}[البقرة 165]،وتجده في وصف مابينهم وبين ربهم:{يحبهم ويحبونه}[المائدة 54]،وتجده في الحديث عن الخير والشر:{إن الله يحب المحسنين}[البقرة195]و{إن الله لا يحب المعتدين}[البقرة190]،وتجده في صلة المؤمن بالمؤمن نعمة مزجاة يمتن بها الله على عباده مرتين في آية واحدة:{واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}[آل عمران 103]وهكذا حيثما تنقلت بين آيات الكتاب الكريم.
وتأتي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الكتاب مليئة بالحب في كل أيامها،بل إنك لتشهده دائماً كالزارع يتعهد بذور هذه العاطفة في منابتها بالري والرعاية،يدأب على ذلك بحاله ومقاله،أما حاله فحال الرجل الملىء بالحب يفيضه على من حوله ويـالف قلوبهم بكل سبيل،وحسبك أن تقرأ في ذلك المأثور عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم،يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها،وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه،وكان لطيف البشرة رقيق الظاهر لا يشافه أحداً بما يكرهه حياءً وكرم نفس“.
ويروي القاضي أبو الفضل:“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلف أصحابه ولاينفرهم،ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم،ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه،يتعهد أصحابه ويعطي كل جلسائه نصيبه،لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه،من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه،ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول،قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء،وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب“.
ويقول جرير بن عبد الله:“ماحجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط منذ أسلمت،ولا رآني إلا تبسم،وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره،ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين،ويعود المرضى في أقصى المدينة،ويقبل عذر المعتذر“.
ويقول أنس:“ما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ،ولم يمد ركبتيه بين يدي جليس له قط،وكان يبدأ من لقيه بالسلام،ويبدأ أصحابه بالمصافحة،ويكرم من دخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى،ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم،ولا يقطع على أحد حديثه“.
أما مقاله صلى الله عليه وسلم فكثير وافر…قال صلى الله عليه وسلم:“إن حول العرش منابر من نور عليها قومٌ لباسهم نورٌ ووجوههم نورٌ ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء فقالوا: يا رسول الله صفهم لنا فقال:هم المتحابون في الله والمتجالسزن في الله والمتزاورون في الله„[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وقال المحدث العراقي رجاله ثقات]،بل إنه صلى الله عليه وسلم ليجعل عاطفة القلب في أداء حقوق الأخوة أصلاً لا يتم الإيمان بدونه وليست فضلاً يتفضل به الأخ على أخيه،فيقول:“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[متفق عليه].
وأبلغ من ذلك أن يدفع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى التنافس في هذا الحب ويؤسس عليه درجات المتحابين عند الله حين يقول:„ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه“[أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح الإسناد]
أرأيت يا أخي كيف كانت(مادة الحب)في مدرسة الإسلام الأولى،وفي أستاذها الأكبر صلوات الله وسلامه عليه؟
إن الحقائق الكبيرة التي بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وربى عليها جيله الأول هي وحدها الركائز التي يجب أن يقوم عليها مجتمعنا الجديد،ولن يستقيم لنا بغيرها طريق…إن الحق هو الحق،والنفوس هي النفوس“.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله:“إن القرآن الكريم لم يذكر الغلظة والشدة إلا في موضعين:
- ـ في قلب المعركة ومواجهة الأعداء،حيث توجب العسكرية الناجحة، الصلابة عند اللقاء، وعزل مشاعر اللين حتى تضع الحرب أوزارها، وفي هذا يقول تعالى{قاتلوا الذين يَلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} [التوبة 123].
- 2 ـ في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لامجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله في أرضه{ولاتأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}[النور2] .
- أما في مجال الدعوة، فلامكان للعنف والخشونة،وقال صلى الله عليه وسلم:“إنّ الرفق لايكون في شئٍ إلا زانَه، ولايُنزع من شئ إلا شَانه„[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها].ولاشئ يشينه العنف إذا دخله، مثل الدعوة إلى الله، فإنها تحاول أن تدخل إلى أعماق الإنسان، لتجعل منه شخصاً ربانياً في مفاهيمه ومشاعره وسلوكه، وتبدل كيانه كله وتنشئ منه خلقاً آخر،فكراً وشعوراً وإرادة، كما أنها تهز كيان الجماعة هزاً، لتغير عقائدها المتوارثة، وتقاليدها الراسخة، وأخلاقها المتعارفة، وأنظمتها السائدة.ويتابع حفظه الله:“وهذا كله لايمكن أن يتم إلا بالحكمة وحسن التأتي للأمور، والمعرفة بطبيعة الإنسان وعناده، وجموده على القديم،وأنه أكثر شئ جدلاً،فلابد من الترفق في الدخول إلى عقله، والتسلل إلى قلبه حتى نلين من شدته، ونكفكف من جموده، ونطامن من كبريائه“.
يروى أنه دخل رجل على الخليفة المأمون ذات يوم فوعظه، وأغلظ له القول، وأفحش في الخطاب، وهو يظن أنه يؤدي رسالته على الوجه الأكمل، حتى إذا طفح الكيل، استوقفه المأمون وقال له: ياهذا! إن الله قد أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى وهارون إلى فرعون، ومع ذلك أمرهما الله سبحانه أن يلينا له القول، فقال: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}.
يقول الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:“عجبت لمن يطلب أمراً بالغلبة وهو يقدر عليه بالحجّة، ولمن يطلبه بخرق وهو يقدر عليه برفق“.
إن أسلوب السخرية والتهكم والتجريح ليس من أخلاق الداعية إلى الإسلام، ولايمكن أن يكون إلا منفراً من الإسلام ودعاته، وقد قال أحدهم:“لاتكن كعلماء الهرج، إن وُعظوا أنفوا،وإن وَعظوا عنفوا“.وقال أحدهم:“ إن من الكلام ماهو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمرّ من الصبر، وأحرّ من الجمر. وإن القلوب مزارع، فازرع فيها طيب الكلام، فإن لم ينبت كله نبت بعضه“.
وقال لقمان الحكيم يعظ ابنه: „إياك والسؤال فإنه يذهب ماء الحياء من الوجه، وأعظم من هذا استخفاف الناس بك، واعلم أنه بالبرّ تستعبد الحر، والبر شئ هين: وجه طليق، ولسان لين.عجبت لمن يشتري العبد بدراهم ولايشتري الأحرار بلسانه وإحسانه“.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى دعاة لاقضاة، ينظرون بعين الشفقة والرحمة إلى الضالين والشاردين والغافلين،وأن عليهم أن لاينسوا بشكل خاص أن الجماهير المسلمة تعيش اليوم تحت مظلة من الجاهلية رغماً عنها، فهم مُكرهون على امور ليست من الإسلام، فهم مكرهون على رفع شعارات لايؤمنون بها، وحمل جوازات تُفرّق فيما بينهم، وهم مكرهون حتى في ملابسهم، وحلق لحاهم، وتغيير أسمائهم، وهجر أوطانهم، وترك أهلهم وأحبتهم.
إننا بحاجة إلى أطباء وأُساة رحماء حكماء، يُكفكفون الدموع عن العيون الحزينة، ويتجاوبون دماً للدموع المسكوبة، والماً للأسر المنكوبة، وحرقةً للأعراض المنهوبة.
إننا بحاجة إلى من يُضّمد الجراح لا إلى من يضع الملح على الجرح ليزداد ألماً على ألم،وإننا بحاجة إلى من يرقأ الجراح لا إلى من ينكأها.
إننا بحاجة إلى الواحة المُورقة في هذه الصحراء القاحلة المحرقة، يلجأ إليها الظمآن إلى مًعين الإسلام، ويلجأ إليها الشارد عن طريق الرحمة، والضال الذي حطمت نفسه وفكره ضلالات الكفر والجحود والنكران.
إننا بحاجة إلى قراءة القرآن مرات ومرات، بتدبر وتفكر، وقراءة سير الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فإن في قصصهم لعبرة وذكرى لأولي الألباب: { لقد كانَ في قَصَصهِم عِبرةٌ لأُولي الألباب}[ يوسف 111].
4 ـ اقتران القول بالعمل والقدوة الصالحة:
إن قضية الدعوة إلى الإسلام وتجاوب الناس معها، لاتكمن في الإسلام وتعاليمه وتشريعاته، فهي من عند الله لاتقبل نقصاً ولاتقصيراً، وهي موجهة إلى الفطرة الإنسانية السليمة، وخالق هذه الفطرة أدرى بما يتناسب معها ويتلائم مع طبيعتها: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.[الملك 14]
إن مشكلة الدعوة إلى الإسلام تكمن في دعاته،وفيمن ينتسبون إليه، فهم وللأسف يحجبون بتصرفاتهم وسلوكهم نور الإسلام عن نفوس تحتاج إليه، وعقول ضلت باللجوء لغيره.
نعم، إن الإسلام محجوب بأهله، لأن دعاته ورجالاته ليسوا على قدره، أو على المستوى المطلوب لحمل رسالته.
لقد دخل الإسلام أندونيسيا وكثيراً من دول شرق آسيا عن طريق التجار المسلمين، الذين كانوا يمثلون الإسلام في معاملاتهم وأخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم،فدخل الناس بالملايين في دين الله تأسياً بهؤلاء وتأثراً بهم.فماذا الذي حصل للمسلمين في العقود الأخيرة؟ولماذا يقف دعاة الإسلام اليوم ـ كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ـ على آلاف المنابر المزخرفة في بلدان العالم الإسلامي، ويدعون الناس فلا يستجيب لهم أحد، والرسول صلى الله عليه وسلم وقف على منبر بسيط من الخشب مكّون من ثلاث درجات فنادى فلبّت نداءه الدنيا بأسرها. فلماذا هذا التغير؟!يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “ القدوة الصالحة تخاطب الناس بلا حروف، وتنفذ إلى قلوبهم بلا وسيط وتُحفزهم من داخل أنفسهم إلى أقوم الأخلاق وأفضل الأعمال“.
إن روح الاسلام لم تتغير، ولكن الدعاة إلى الإسلام هم الذين تغيروا. وإن عدم اقتران القول بالعمل لدى كثير من هؤلاء الدعاة كان من المصائب الكبرى، بل من أكبر المصائب في تحول الناس عن دعوة الإسلام، وإن مما يؤسف له أن ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية أصبحوا ينظرون إلى الإسلام والمسلمين نظرة الاستخفاف والاستهزاء، ونظرة الخوف (اسلامفوبيا) ونظرة الحقد والكراهية.
إن الدعوة إلى الله تتطلب رجالاً تتمثل فيهم روح الإسلام وأخلاق الإسلام،وأن يكونوا كما كان رسولهم صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي على الأرض، مبتعدين عن المطامع الشخصية، وتسخير الدين لمأرب من المآرب أو منصب من المناصب، أو طلباً للثناء، أو مطمعاً في الزعامة أو سعياً وراء المصلحة.قال الله عز وجل ـ حاكياً مقولة شعيب عليه السلام لقومه ـ {وما أريدُ أن أخالِفَكُم إلى ما أنهاكُم عنه}[هود 88].
جاء في المصنف لابن أبي شيبة:“ كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إذا نهى الناس عن شئ جمع أهل بيته فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، وأيم الله، لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت له العقوبة ضعفين“.
إن الإسلام بحاجة إلى رجال يعيشون الإسلام قولاً وعملاً، ويدعون الناس إليه صدقاً وإخلاصاً، متجردين عن مطامع الدنيا، متشوقين إلى جزاء الآخرة.وإن لسان الحال ابلغ من لسان المقال.
انظر إلى كلمات أم المؤمنين وسيدة نساء أهل الجنة خديجة رضي الله عنها عندما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ماجاءه من الحق وقال لها: لقد خشيت على نفسي فقالت له: „كلا واللهِ لايُخزيكَ الله أبداً. إنك لَتصِلُ الرّحِم، وتَقري الضيفَ، وتَحمِلُ الكلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتُعينُ على نوائبِ الحق“.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد[عبقرية محمد ص 147]: „كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص إنسان على جبر القلوب وتطييب الخواطر، وتوخي المؤاساة، واجتناب الإساءة. يتفقد أصحابه كباراً وصغاراً ويسأل عنهم، ويتحدث إلى ذوي الأقدار، وعامة الناس، فلايحسب صغيرهم إن أحداً اكرم عليه منه. ويتحدث إلى من شاء فلايقطع عليه حديثه وإن طال، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس،ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف، وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها، وكان يجيب دعوة من دعاه، ولايرد دعوة عبد ولاخادم ولا أمة ولافقير… يبدأ من لقيه بالسلام ويمر بالصبيان فيقرئهم سلامه، وربما خفف من صلاته إذا جاءه أحد وهو يصلي ليسأله عن حاجته ويلقاه بالتحية“.
يقول ابن عبد ربه[ العقد الفريد ج3 ص76]:“إن الموعظة ثقيلة على السمع مُحرِّجة على النفس، بعيدة من القبول لاعتراضها الشهوة والهوى، الذي هو ربيع القلب ومراد الأرواح، ومربع اللهو، ومسرح الأماني، إلا من وعظه علمه وأرشده قلبه وأحكمته تجربته قال الشاعر:
لن ترجع الأنفسُ عن غَيّها حتى يُرى منها لها واعظ
وقال الحسن البصري عند انقضاء مجلسه وختم موعظة:“ يالها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة“. وقال ابن السماك:“أ لسنٌ تصِف،وقلوبٌ تعرف، وأعمالٌ تخالف“. ويتابع ابن عبد ربه:“والموعظة مانعة لك مما تشتهي، وحاملة لك على ماتكره، إلا أن تلقاها بسمع قد فتقته العِبرة، وقلبٍ قدحت فيه الفكرة، ونفس لها من علمها زاجر ومن عقلها رادع، فيفتح لك باب التوبة ويوضح لك سبيل الإنابة، وخير الموعظة ماكانت من قائلٍ مخلص إلى سامع منصف“.
ويقول عبد الله بن المقفع في الأدب الصغير:“ومن نصب نفسه للناس إماماً في الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمةِ والرأي واللفظ والأخدانِ، فيكن تعليمهُ بسيرته أبلغَ من تعليمه بلسانه.فإنه كما أن كلام الحكمةِ يونقُ الأسماع، فكذلك عملُ الحكمة يروقُ العيونَ والقلوبَ.ومعلمُ نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم“.
لقد خاطب الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة المزمل: { يا أيُّها المُزَّمِلُ* قُمِ الليلَ إلا قليلا*نِصفَهُ أو انقُص منهُ قليلاً*أو زِد عليهِ ورَتِّلِ القرآنَ ترتيلا}[المزمل 1 ـ 4 ]، فلماذا سهر الليل؟ولم قراءة القرآن؟ ويأتي الجواب من الله عز وجل: { إنّا سَنُلقي عليكَ قولاً ثقيلا}[المزمل 5]،والثقل هنا ليس في ذات القول،فقد يسر الله القرآن للذكر، ولكن الثقل هنا في التبعة التي يلقيها هذا القول على من يؤمن به، وهذا يحتاج إلى التهيؤ له بقيام الليل والسهر الطويل وترتيل القرآن.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال: „إن الله سبحانه حينما انتدب محمداً صلى الله عليه وسلم للدور الكبير الشاق الثقيل قال له: “ يا أيها المزمل….“فكان الإعداد للقول الثقيل، والتكليف الشاق، والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن، إنها العبادة التي تفتح القلب وتوثق الصلة وتيسر الأمن وتشرق بالنور وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان“.
نعم، لابد أن يقترن القول بالعمل، وأن تكون كلماتنا تعبيراً صادقاً عن حياتنا، وحياتنا تجسيماً لكلماتنا على كل صعيد.
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:“ثم إن أولى ماينبغي أن يتحلى به الواعظ:أن يبدأ بنفسه فيعظها، وأن يخلص قوله لله وعمله، وأن يفرغ من شهوات نفسه، فلا تملكه شهوة الشهرة والجاه. ولاشهوة الغنى، ولاشهوة النساء.وأن يكون في فعله أوعظ منه في قوله، فلا يأمر الناس بالزهد ثم يخالفهم إلى مازهدهم فيه،فيزاحم المتكالبين عليه! ولايتظاهر بالدين ابتغاء الدنيا وتوصلاً إليها، فيجمع من حوله العاملين على الكسب الحلال والجادين في جمع المال ليأخذ من أموالهم مايتعالى به عليهم، وليذوق لذائذ العيش من عطاياهم، وليسلبهم فوق ذلك حريتهم وعقولهم وكرامة أنفسهم عليهم، فيصرفهم في مآربهن ويسيرهم حيثما شاء، ويذلهم بين يديه ليستكبر عليهم، ويجعل الدين وسيلة إلى ذلك، فيجعل طاعة نفسه من طاعة الله، بل ربما جعل نصيبها من هذا الشرك أكبر ـ والعياذ بالله ـ من ذلك“.
ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „الإسلام في حياتنا غريب طريد، نهتف بعنوانه وشعاراته كل يوم،ولكننا ننحرهُ نحراً قاسياً دون رحمة أو شفقة أو خوف من الله أو حياء من الناس. في كل ساعة وفي كل ساحة وفي كل موقف.ويتابع : „إننا نرفع شعارات الإسلام العظيم ولكننا نعيش إلى حد كبير في بعض جوانب حياتنا الفردية، وعلاقاتنا الإجتماعية وتحركاتنا الجماعية، الجاهلية وبواعثها ومطالبها وأهدافها وأخلاقها.. ولانكاد نهملُ منها إلا شهامتها ورجولتها وكرمها وشجاعتها.. وهذا سرٌ من أسرار انحرافنا وانحطاطنا وفشلنا وهزائمنا المتكررة، وبلاء الإسلام بنا على كل صعيد.. إن عللنا الكبرى في أنفسنا، ومصائبنا الكبرى إنما تأتي بالدرجة الأولى من داخلنا قبل أن تأتي من أي مصدر خارجي“.وقال أيضاً حفظه الله: „إذا غدت المنارةُ الهادية في البحر أداة خداعٍ وتضليل فكيف تهتدي بها السفن المدلجة، وتنجو بها من الضلال والهلاك“.
ويقول الشيخ الدكتور القرضاوي حفظه الله:
„إن الداعية الحق هو الذي يؤثر بحاله أكثر مما يؤثر بمقاله،فلسان الحال أبلغ،وتأثيره أصدق وأقوى،وقد قيل:حال رجل في ألف رجل أبلغ من مقال ألف رجل في رجل.
وآفة كثير من الدعاة:أن أفعالهم تكذب أقوالهم،وأن سيرتهم تناقض دعوتهم،وأن سلوكهم في واد،ورسالتهم في واد آخر.وأن كثيراً منهم ينطبق عليه قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون*كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون}[الصف 2 ـ 3].
إن الداعية الذي يعظ الناس قبل أن يبدأ بنفسه، تاجر خاسر، تجارته كلام يخرج من اللسان ولكنه لايجاوز الآذان.سأل عمر بن ذر أباه : مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، فإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يابني ليست النائحة الثكلى، مثل النائحة المستأجرة.
لقد توّعد الله عز وجل هؤلاء الدعاة الذين يتكلمون ولايفعلون، والذين ألسنتهم في واد من الدعاوى، ونفوسهم تائهة في وادٍ آخر من التنافس على الدنيا والتسابق على أهوائها بالمقت والعذاب: {{يا أيُّها الذينَ أمنوا لِمَ تقولونَ مالاتفعلون*كَبُرَ مَقتاً عندَ الله أن تقولوا مالاتفعلون} [الصف 2 ـ 3]، وقال تعالى: {أتأمُرُونَ النَّاسَ بالبِرِّ وتنسونَ أنفُسَكُم وأنتُم تَتلونَ الكتابَ أفلا تعقلون}“ [البقرة 44].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله تعقيباً على الآية من سورة البقرة كما جاء في الظلال:“والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه ، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم،ولكن في الدعوات ذاتها.وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحاً، فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلى التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشّعه الإيمان،ولايعودون يثقون في الدين بعدما فقدوا ثقتهم برجال الدين.إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة،إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حيّة لما يقول، وتجسيماً واقعياً لما ينطق…عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولابريق، إنها حينئذ تستّمد قوتها من واقعها لا من رنينها،وتستّمد جمالها من صدقها لامن بريقها، إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبعثة من حياة.ويتابع رحمه الله:“والمطابقة بين القول والفعل وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمراً هيناً، ولاطريقاً معبداً، إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة، وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه، فملابسات الحياة وضروراتها واضطرارتها كثيراً ماتنأى بالفرد في واقعه عمّا يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره، والفرد الفاني مالم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته،لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه، وقد يغالبها مرة، ومرة، ومرة،ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله، فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي وقوي، أقوى من كل قوي، قوي على شهواته وضعفه، قوي على ضروراته واضطرارته، قوي على ذوي القوى الذين يواجهونه“.
وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة تبين عقوبة أمثال هؤلاء الدعاة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: „اتيت ليلة أسري بي رجالاً تُقرض شِفاههم بمقاريض من نار، كلّما قُرضت وَفَت، فقلت: ياجبريل، من هؤلاء؟ قال :خطباء من أمّتك الذين يقولون مالايفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولايعملون به„.[ رواه البيهقي في „شعب الإيمان“ وصححه الألباني].
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وأحمد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه ـ أمعاؤه ـ فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يافلان! مالك؟ ما أصابك؟ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى.قد كنت آمر بالمعروف ولاآتيه، وأنهى عن المنكر وأتيه“.
وقال عيسى عليه السلام: “ ويلكم ياعبيد الدنيا! كيف تُخالف فروعكم أصولكم وأهواءكم عقولكم. قولكم شفاء يُبرئُ الداء وفعلكم داءٌ لايقبل الدواء. لستم كالكرمة التي حَسُن وُرقها وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها، ولكنكم كالسُمرة التي قل ورقها، وكثر شوكها، وصعب مرتقاها[الأدب الصغير لإبن المقفع ص 24]
وقد اتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على ذمّ عدم اقتران القول بالعمل:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ ياحملة القرآن اعملوا به فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقواماً يحملون العلم لايجاوز تراقيهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون فيبُاهي بعضهم بعضاً حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لاتصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله“. وقال أيضاً كرم الله وجهه: „قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك“.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: „تعلّموا، فإذا علمتم فاعملوا“.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أجمعين: „ما أحسن الرجل ناطقاً عالماً،ومستمعاً داعياً، وداعياً عاملاً“.
وقال سفيان الثوري أحد سادة التابعين رحمه الله: „يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل“.
وقال مالك بن دينار رحمه الله: „العالم إذا لم يعمل بعلمه زَلّت موعظته عن القلب، كما يزلُ الماء عن الصفا“.