الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (7/13)

وقال زُبيد اليامي: “ أسكتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة: „من كلامه لايوافق فعله فإنما يُوبخ نفسه“.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في أمثال هؤلاء:

ياواعظ الناس عما أنت فاعله         يامن يُعدّ عليه العمر بالنفس

كحامل لثياب الناس يغسلها            وثوبه غارق في الرجس والنجس

تبغي النجاة ولم تسلك طريقتها       إن السفينة لاتجري على اليبس

وقال أبو العتاهية:

وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى        وروح الخطايا من ثيابك يسطع

وقال ابو الأسود الدؤلي:

يا أيها الرجلُ المُعَلِّمُ غيرَهُ               هلا لنفسكَ كانَ ذا التعليمُ

تصِفُ الدواءَ لذي السّقام وذي الضّنا   كيما يصِحُّ بهِ وأنتَ سقيمُ

فابدأ بنفسكَ فانهها عن غَيّها           فإذا انتهت عنهُ فأنتَ حكيمُ

فهناكَ تَعدِلُ إن وعظتَ ويُقتدى         بالقولِ منك وينفعُ التعليمُ

لانه عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ              عارٌ عليكَ إن فعلتَ عظيمُ

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

نُجَسِّدُ الحقَّ في يُسرٍ وفي عُسُرٍ      ونَنشرُ الحقَّ في قَولٍ وفي عملِ

إذا دَعوتَ لِحقٍّ لاتُجَسّدهُ              فلستَ تلقى سِوى الإعراضِ والفشلِ

القولُ فِعلٌ ـ إذا قُلنا ، بلامَهَلٍ         فالفعلُ لا القولُ مايُدني من الأملِ

والقولُ والفعلُ نورُ الوحي يُرشدهُ    والعلمُ والفكرُ من جهلٍ ومن زَللِ

يرى الفؤادُ بعينٍ غيرِ كاذِبةٍ           ماليسَ يُدركُ بالآذانِ والمُقلِ

ويقول أيضاً:

ويلَ الشِّعاراتِ إن جَلّت وإن جَمُلَتْ     ولايُصاحبها فِعلٌ ولامَثلُ

وويلَ قومٍ غذا أقوالُهم بَهرت           بلا فِعالٍ،فذاكَ الغِشُّ والدَّجلُ

ونِعمَ قومٌ إذا أقوالُهم صَدرت           كانت فِعالَهُمُ أو زادَ مافعلوا

الفعلُ أبلغُ من قولٍ وإن سَحَرت       بلاغةُ القولِ من أصغوا ومن نقلوا

والقولُ يَعظُمُ بالأفعالِ شامخةً           ويصغُرُ القولُ إن لم يَعظُمِ العملُ

نعم، ماأحوج المسلمين اليوم ،وفي كل يوم إلى رجال يحملون الإسلام، لا إلى إسلام يحمل الرجال، ولكن حالنا وللأسف قلة قليلة تحمل الإسلام، وكثرة كثيرة يحملها الإسلام.

ما أحوج الإسلام إلى رجال تخلقوا بأخلاق الإسلام، وتحملوا في سبيله كل المشاق والصعاب.

رجال يدركون أن طريق الدعوة محفوف بالمكاره، وأن من يدعونهم إلى الإسلام سوف يكونون في أول الطريق، قلوب معهم، وسيوف عليهم، ولكن بصبرهم وعلمهم وعملهم وإخلاصهم وتقواهم سوف يصلون وينتصرون وسوف تكون السيوف معهم والقلوب عليهم.

الداعية الرباني:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :

„الجهاد أربع مراتب:جهاد النفس،وجهاد الشيطان،وجهاد الكفار ،وجهاد المنافقين.

وجهاد النفس أربع مراتب:

إحداها:أن يجاهدها على تعلم الهدى،ودين الحق الذي لا فلاح لها،ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به،ومتى فاتها علمه،شقيت في الدارين.

الثانية:أن يجاهدها على العمل به بعد علمه،وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة:أن يجاهدها على الدعوة إليه،وتعليمه من لا يعلمه،وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات،ولا ينفعه علمه،ولا ينجيه من عذاب الله.

الرابعة:أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله،وأذى الخلق،ويتحمل ذلك كله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع،صار من الربانيين،فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى (ربانياً) حتى يعرف الحق،ويعمل به،ويعلمه،فمن علم وعلّم،فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة بمقال له بعنوان“الإسلام ودعاته“نشره في مجلة حضارة الإسلام العدد الخامس بتاريخ تشرين الثاني عام 1961م:

„مايزال الإسلام العظيم يصارع الديانات الباطلة والمذاهب الضالة،ويقاوم المؤامرات التي تحاك ضده من هنا وهناك،ويقف في وجه الفساد والمفسدين،ويعلن للدنيا الغارقة في لجج من الخصومات،مبادئه النبيلة الكريمة في الأمن والسلام،ويدعو الناس جميعاً إلى التعاون على البر والتقوى،وينهاهم على التعاون على الإثم والعدوان،ويدعوهم إلى التعاون على البناء لا الهدم،وعلى الإصلاح لا الفساد،وعلى الهداية لا الضلال،وما يزال الناس غافلين عن دوره الكبير في إصلاح أمورهم،لو أصغوا إلى ندائه،واستجابوا لدعوته،ونزلوا عند أحكامه في أوامره ونواهيه.

والإسلام كدينٍ خالد يمثل الحق في أروع صوره وأعظمها نقاء،يجد في كل جيل جنوداً يبذلون في سبيله المهج والأرواح،ويستلذون في سبيل دعوته المرّ والصعب،لا يعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلاً،ولا الملل إلى عزائمهم طريقاً.وهذا تاريخ الإسلام منذ بزوغ فجره حتى اليوم ما يزال تتلاحق فيه أفواج الدعاة جيلاً بعد جيل،كلما هلك منهم علم قام من بعده أعلام،وكلما هوى منهم في الطريق مصلح تتالى من بعده مصلحون وكلّما هزتهم نكبة ارتفعت رؤوسهم من بعدها شرفاء صادقين لا تزيدهم النكبات إلا صدق عزيمة وشدّة مراس.

ودعاة الإسلام اليوم مدعوون لمتابعة طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم وهم عارفون بما يلحقهم من أذى وحرمان وهجوم وعدوان،متخذين من الأحداث التي عاصروها فرأوا فيها ما أهوى بالضربات على رؤوسهم أحياناً،وما أحاط بسمعتهم وكرامتهم من افتراء وتشويه أحياناً أخرى،عِبراً تجنبهم عثرات المستقبل،وتبصرهم الطريق الصحيح إلى نشر الإسلام السمح النيّر كما أنزله الله تعالى بين أبناء أمتهم والآخرين الذين لا يزالون يزورّون له ويكيدون له وتمتلىء نفوسهم حقداً عليه.

ولعل من أكبر تلك العظات أن يعرفوا كيف يحزمون أمرهم متعاونين غير مختلفين،قد حددوا أهدافهم ووسائلهم بدقة وإحكام،وقدّموا للناس ما جاء به الإسلام من حل لمشكلات المجتمع بتفصيل ووضوح،وميزوا بين أصدقائه وبين أعدائه بعلامات لا مجال فيها للهوى ولا للحب ولا لاللبغض ولا للمصلحة الذاتية،وإنما تستوحى من المقاييس الواضحة في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم،ومبادىء الإسلام الثابتة وأهدافه العليا،فلا يلتبس عندهم الأمر بين الصديق والعدو،ولا بين المسالم والمحارب،ولا بين المحب والمبغض.

وقد يكون من تلك العظات أن لا يدلوا على الناس إن أحسنوا العمل،وبذلوا النصح،وصدقوا في الدعوة،فإن الإعجاب بالعمل محبط للأجر مجلبة للذم نوأن لا يتهربوا من علاج الأخطاء حين تتضح لهم،فإن الخطأ منار يهدي السالكين إلى الطريق الصحيح.

ومن أكبر تلك العظات أن يدركوا أن تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس  وإقناعهم بها ليس بالأمر السهل ولا بالمنال القريب كما كانوا يتصورون،فالأعداء كثر،والأهواء شتى،والغفلة عميقة،وحبائل الشيطان تمتد ذات اليمين وذات الشمال،ولم تكن الضالاة في عصر من العصور كما هي في عصرنا الحاضر،أشد سلطاناً وأكثر خداعاً وأقوى إغراءً وأبلغ فتنة.

إن الإسلام يخوض في عصرنا الحاضر معارك متلاحقة لا أغالي إذ قلت أنها أكثر معارك الإسلام عنفاً وكيداً وبعد مدى،ولسنا نشك في أن الله تبارك وتعالى ناصر دينه،ومعزّ كلمته،ومخزي أعدائه،فليشمر عن ساعده من أعد لهذه المعارك جلباباً من الصبر والتقوى والأمل ،وليثق بوعد الله من آمن بالله واليوم الآخر:{إنّا لننصرُ رُسلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدُّنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ* يومَ لا ينفعُ الظَّالمينَ معذرتُهم ولهمُ اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ}[غافر 51 ـ 52].

ويقول الشيخ العلامة محمد صالح الفرفور رحمه الله:

„أنصح لإخواني من حملة العلم الشريف:

1 ـ يجب على العالم أن يُخلص في علمه لله،ويعلم أنه فريضة عليه ليعبد الله كما أمره،لا كما تهوى نفسه،ويعلم أن ليس له فضل في طلب العلم،بل الفضل لله الذي وفقه لذلك ليعلم كيف يعبده،ويؤدي فرائضه ويجتنب نواهيه.

2 ـ فإذا ذاع ذكره بين المؤمنين أنه من أهل العلم،وأذنه شيوخه وأجازوه حين حصول الأهلية فيه،وقصده الناس ليأخذوا عنه ما يحتاجون إليه من علمه،فعليه بالتواضع والسكينة للناس،فتزداد محبته في قلوب الخلق،فيحبون قربه،وتحنّ قلوبهم إليه،ويكثر الدعاء له في حضوره وغيابه،حتى أنهم ليشتاقون لرؤيته،ويأمنون بطلعته،ويتبركون بدعائه.

3 ـ أنه يجب عليه ألا يطلب بعلمه حظوة ولا منزلة عند الملوك والأمراء،ولا لايبتغي على علمه شيئاً من الدنيا إلا ما ساقه الله إليه من غير استشراف،وإذا قصد الملوك إنما يقصدهم لمهمات الأمة لا لمهمات نفسه،والله مُطلّعٌ على قلبه يعلم السر وأخفى،فإن الملوك والأمراء يريدون أن يكافئوا العلماء إذا جاؤوهم بما ينفعهم في دنياهم،وهنا زلة الأقدام عند حُبِّ الدنيا والميل إليها.

4 ـ أن يقصد من العلوم علماً أكثر نفعاً من غيره للأمّة،وأفضل العلم ما عُمل به وانتفع بثمرته.وقال:(إن أبعدهم من الله عالمٌ لا ينتفع بعلمه) فالعلم أولاً،ثم العمل،ثم الإخلاص،وهو المقصد الأسمى،والركن الأساسي لطلب العلم لما يرضي الله عز وجل.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه علمه“.

5 ـ أن يتحمل من العامة ويصبر عليهم،فإنهم قد لا يعلمون قدر العلماء،فليعاملهم بحسن الخلق،ولا يؤخذاهم في العثرات،وأن يكظم غيظه عند الغضب،وليعف وليصفح عمّن أساء إليه،ولا يجيب السفيه بالسفاهة،بل يجيبه بالصمت والإعراض عنه والحلم،ولا ينام إلا سليم القلب،وليسامح كل من أساء إليه وآذاه.

5 ـ الحكمة في الدعوة:

وتشمل العناصر التالية:

ـ التدرج في الدعوة

ـ البدء بالكليات لاالجزئيات

ـ عدم المغالاة والتشدد

ـ الإدراك لمواطن المحبة والضعف

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:“والحكمة يراد بها مخاطبة العقول بالأدلة العلمية المقنعة،وبالبراهين العقلية الساطعة، التي ترد على الشبهات بالحجج والبينات، وترد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، والجزئيات إلى الكليات، والفروع إلى الأصول.كما أن من الحكمة مخاطبة الناس بما يفهمون،وماتسيغه عقولهم،لابما يعجزون عن فهمه.ومن الحكمة ان نحسن ترتيب ما نأمر به وماننهى عنه، بحيث يأتي كل شئ في موضعه، وفي أوانه، وفي مرتبته“.

لقد أنزل الله عز وجل القرآن العظيم على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن يُربي امّة، ويُنشئ مجتمعاً، ويقيم نظاماً.

وتربية الأمة هو الأساس الذي يقوم عليه نشوء المجتمع الصالح، وإقامة النظام العادل، وهذه التربية تحتاج إلى إعداد وتدريب وتهيئة، وهذا أيضاً يتطلب صبراً ووقتاً، حتى تستطيع العقول أن تتأثر بالأفكار،وتستطيع الأجساد أن تتحمل الصعاب والمشقات،وأن يتحول التأثر والانفعال النفسي والعاطفي إلى واقع وتطبيق عملي.

إن النفس البشرية تنفر مما لاتعرفه،وتنكر ماتجهله،وهي لايمكن أن تتحول تحولاً كاملاً وشاملاً بين ليلة وضحاها،من خلال سماع موعظة أو عدة مواعظ،أو من خلال قراءة كتاب أو عدة كتب،وإنما هي تتأثر يوماً بعد يوم بالمنهج الجديد وبما فيه، وتتدرج في مراقيه رويداً رويداً،وتعتاد حمل وتحملّ تكاليفه شيئاً فشيئاً، حتى تتآلف معه وتتعرّف إلى حكمته، وتصبح بعدها من أشد المنافحين عنه والمدافعين عن تعاليمه.

إن الإسلام لم يبدأ بالفروع بل بدأ بالأصول، ولم يبدأ بالجزئيات بل بالكليات،ولم يفرض تعاليمه دفعة واحدة بل بالتدريج.

فالإسلام لم يطلب من متبعيه من المسلمين أول ماطالب بالقتال أو الجهاد المسلح، ولابالزكاة أو الصوم، أو ترك الخمر، وإنما طالبهم أول ما طالبهم بالإيمان بالله وحده وتوحيد الالوهية، وخلع مايُعبد من دونه.

نعم، لقد بدأ الإسلام بالعقيدة، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه كل الدعائم، ولأنها التكليف الذي تنبثق عنه كل التكاليف،وبدأ الإسلام بالباطن لابالظاهر، وبدأ بفكر الإنسان وقلبه ولم يبدأ بجسده، لأنه من هنا يبدأ التغيير، ومن هنا يكون الإنطلاق: { وما أرسَلنا  من قَبلِكَ من رسولٍ إلا نُوحي إليهِ أنّهُ لا إلهَ إلا أنا فاعبدون}[ الأنبياء 25].

والقرآن المكي كانت تتنزّل فيه السور والآيات التي تُبين أصول العقيدة ومعانيها من الإيمان بالله وبوحدانيته، ومعاني العبودية والربوبية والألوهية، والإيمان بالغيب…وكل هذا استمر حتى بداية الهجرة إلى المدينة ومابعدها، ولم تفرض الصلاة إلا بعد حادثة الإسراء والمعراج ـ أي في السنة العاشرة للبعثة ـ وأما فروض الحج والصيام والزكاة فكل ذلك كان من اختصاص العهد المدني لا المكي.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:“إنما نزل من القرآن أول مانزل منه سورة من المُفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ،نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شئ (لاتشربوا الخمر)، لقالوا: لاندعُ الخمر أبداً، ولو نزل: „لاتزنوا“ لقالوا : لاندع الزنا أبدا„.[رواه البخاري].

وبعد سنوات قليلة وبعد أن ترسخت العقيدة في النفوس، وبعد أن حرّمت عليهم الخمر(بالتدريج)، استجاب المسلمون وانتهوا عن شربها وأهرقوا مافي دورهم منها.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مقال بعنوان:الدعوة إلى الأصول قبل الفروع):

„الإسلام يحتاج اليوم إلى الدعوة من جديد.لا أقصد دعوة الكفار المخالفين،فهي واجبة،ولكن أمامنا ما هو أوجب وما هو أقرب،وهو دعوة شبان المسلمين والشابات المسلمات إلى الإسلام.

أنا أعرف من الدعاة الصالحين من يأتيه الشاب من هؤلاء يرغب في التعليم والصلاح،فلا يبدؤه بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصحيح العقيدة أولاً،ثم بتعريفه المحرَّمات والكبائر المُجمع عليها لتجنبها والفروض الأساسية المُمجمع عليها ليقوم بها،لا يصنع ذلك كله،بل يبدؤه بإطلاق لحيته!وأنا لا أعترض على إطلاق اللحية ولا أزيّن حلقها،ولكن أضرب مثلاً لمن يترك أركان الإسلام الأصلية ويبدأ بما وراءها،فيبذل جهداً في إقناع الشاب بإطلاق اللحية،لو بذله في تصحيح العقيدة وإقامة أركان الدين لحقق من ذلك ما يريد،ذلك لأن أصعب شيء على الشاب إطلاق لحيته،فإذاعرّفته بالله ولقّنته تعظيمه أطلق لحيته من نفسه بلا كلام،أما إذا بدأت بها فعملها على كره لها،ثم ثَقُل عليه أمرها فتركها فإنه يترك معها الدين كله،وقد شاهدنا هذا مراراً“.

ومن النواحي الهامة في التبليغ والدعوة التدرج والترتيب.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصية رائعة فذّة، وكان المثال العظيم والحي للمسلمين في عهده ومن بعده.

يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله: “ انظروا قليلاً فيما تحرّى النبي صلى الله عليه وسلم من التدرج والترتيب، للبلوغ إلى هذه الغاية ـ تحقيق العبودية لله ـ فقد قام بدعوة الناس أولاً وقبل كل شئ إلى الإيمان وأحكمه في قلوبهم. ثم نشّأ في الذين آمنوا تعليمه وتربيته طبقاً لمقتضيات هذا الإيمان تدرجاً بالطاعة العملية أي الإسلام،والطهارة الخلقية أي التقوى وحب الله والولاء له اي الإحسان،ثم شرع بسعي هؤلاء المؤمنين المخلصين المنظم المتواصل في تحطيم النظام الفاسد للجاهلية القديمة،واستبدال نظام صالح به، قام على القواعد الخلقية والمدنية المقتبسة من القانون الإلهي المنزل من الله تعالى، ثم أصبح هؤلاء الذين آمنوا ولبّوا دعوته في كل وجهة بقلوبهم وأذهانهم وأخلاقهم وأفكارهم وأعمالهم مسلمين متقين محسنين بالمعنى الحقيقي. أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يرشدهم إلى مايزّين حياة المتقين المحسنين من الآداب والعادات المهذبة في الهيئة والمجلس والمأكل والمشرب والمعيشة والقيام والجلوس، وما إلى ذلك من الشؤون الظاهرة،وكأنني به قد فَتنَ الذهب ونقاه من الأوساخ والأدران أولاً ثم طبع عليه بطابع الدنيا ..“.

ويقول الشيخ الأستاذ علي الطنطاوي رحمه الله[مع الناس ص134]:“وأن يكون الدعاة إلى الإسلام عالمين بالإسلام حقاً، بعيدين عن الغلظة في القول، وعن الجهل بالدنيا وعلومها وعاداتها، فليس من الضروري أن يكون الداعي إلى الله غريب اللهجة، مستنكر الهيئة، ولا أن يأكل بأصابعه إن أكل الناس بالملعقة والشوكة، ولا أن يُقعد ضيوفه على الطراريح وفي بيته الكراسي والمقاعد، ولا أن يتشدّق ويمضغ الكلام ويحرص على الإخفاء والإدغام، ولا أن يكلم الناس من فوق المآذن،بل أن يستن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، يلبس كما يلبس الناس، ويأكل كما يأكل الناس، إلا أن يكون في ذلك ممنوع في الشرع، وأن يتلطف بالأمر والنهي،وأن يبدأ بما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم من تصحيح العقيدة، وتعلم الفرائض وبيان الكبائر، وأن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وعلى مقتضى أحوالهم وألا يبدأ بفروع الفروع قبل أن يؤصل الاصول،فإذا وجد رجلاً يدخل المسجد أو يؤم مجلس أهل الدين أول مرة وهو لايدري ما الإسلام ورآه يشرب بشماله مثلاً أو يتجرّع الكأس أو لايسمي، لم يحسن به أن يصرخ في وجهه بأنه خالف السنة فيخجله في الملأ وإذا شاهده وقد عطس ولم يحمد الله فلاينبغي أن يقرعه أو يأمره بالحمد أمرأ ينفره،ولا أريد أن يكون العالم متساهلاً ولا أن يبالغ في الرّقة حتى يتخرّق ويتمزّق، بل أريد أن يكون الشرع هو الميزان، فما كان له في الشرع رخصة رخصنا فيه، وماكان له حكماً ألزمنا المبتدئ بأخفهما عليه رفقاً به وإبقاءً عليه، وما كان منكراً ظاهراً لاترخيص فيه ولا اجتهاد، أنكرناه „.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله{من بقايا الأيام ج2 ص12 ـ 13]: „وعندما آمن المسلمون الأوّلون بالله وبالرسول وباليوم الآخر، انقادوا انقياداً طبيعياً لكلِ ماجاءهم به صلى الله عليه وسلم، في خَواصِ أنفسهم، وفي علاقاتهم بمجتمعهم، مؤتمرين بما أمر به، مُنتهين عما نهى عنه،ولم يحتجِ الأمرُ إلى إقناعٍ جديد بكل تكليف وإلى مشقة كبيرةٍ في إنفاذ كل حكم…عندما حصلت المقدمات أعقبتها النتائج وعندما ثبت الأصل الحيّ في الأرض امتدت الفروع إلى السماء، وعندما رسخ أساس البناء أمكن أن يقوم البناء السامق المتين…ولو لم يكن الإيمان أولاً لما كانت لوازِمهُ، لو لم يكن الاصل ماكانت الفروع، لو لم تكن العقيدة ماكانت الشريعة، وما كانت الأمة ، وما كانت الدولة“.

وهذا التدرج والترتيب في أمور الدعوة هو ماثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: „إنّكَ تأتي قوماً من أهلِ الكتابِ، فادعُهُم إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله،فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهُم أن الله افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كُلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك، فإعلِمهُم أن الله افترضَ عليهم صَدقةً، تُؤخذُ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك ،فإياكَ وكرائِم أموالهِم، واتّقِ دعوةَ المظلومِ، فإنّه ُليسَ بينَها وبينَ الله حجابٌ“ .[ متفق عليه].

إنه يجب علينا عندما ندعو إلى الله أن نبدأ بالأصول، لأن الاقتناع بها سهل، ولأن الإيمان غريزة في النفس البشرية، ومهما حاولت الظروف والوسائل تشويه هذه الغريزة والفطرة ومحوها فإنها تبقة متصلة في النفس البشرية، وهذا يظهر وبشكل خاص في الكوارث والنوائب والمصائب حيث يلجأ الناس إلى الله على مختلف أديانهم ونِحلهم ومللهم، وحتى فرعون موسى الطاغوت المتجبر عندما أدركه الغرق قال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل…وكم رأينا من شباب في بلاد الغرب، كانوا في البدء يأنفون حتى من ذكر الإسلام فلما عرفوا الحق وشهدوا شهادته وأقاموا الصلاة، خلق الإيمان منهم رجالاً، وكان البعض منهم قرآناً يمشي على الأرض، مُتبعين لسُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم ومُهتدين بهديه.

والحذار، الحذار، أن تبدأ أيها الأخ الداعية بالفروع قبل تثبيت الأصول، وأن تبدأ بالجزئيات قبل إدراك الكليات، فإنك كمن يضع العربة أمام الحصان، فكم من شباب عرفناهم كانوا لايعلمون من أصول الإسلام شيئاً، فلما أتاهم بعض الدعاة وشغلوهم بالفروع وجزئياته أصبح بأسهم بينهم شديداً،وتحولت الدعوة عندهم إلى خلاف واختلاف، وجدال ونقاش بل ربما إلى حرب وعراك.فحذار أن نشغل أنفسنا بالأمور الفرعية قبل التمكن من الأصول والفرائض، فهذا مضيعة للوقت ومقتلة للجهد.

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله [صيد الخواطر]: „رأيت كثيراً من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة ولايتحاشون من الغيبة، ويكثرون من الصدقة ولايبالون بمعاملات الربا،ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت، وأشياء أخرى يطول عدّها من حفظ الفروع وتضييع الأصول. فبحثت عن سبب ذلك فوجدته في شيئين: أحدهما العادة، والثاني غلبة الهوى في تحصيل المطلوب فإنه قد يغلب فلايترك سمعاً ولابصراً“.

نعم، رحمة الله على الإمام ابن الجوزي فقد أوجز وأفاد،ووضع اليد على مكمن الداء وأصل البلاء،فإن هناك أناساً ودعاة ينكبّون على دراسة سنن السنن وإحيائها على حساب قتل الفرائض وإفنائها، واصبح همّ الكثيرين من هؤلاء أن يحاسبوا الناس ويشدّدوا عليهم في أمر تخضيب الشعر، وتكحيل العينين، وعدم قص جزء من اللحية أو تشذيبها، ومن جانب آخر لامانع عندهم أن يأكلوا لحم إخوانهم من المسلمين غيبة ونميمة، ولامانع عندهم من أن يسلموا أخاهم المسلم أو يخذلوه أو يحاربوه إن خالفهم الرأي ولم يوافق هواهم هواه.

إن الصلاة خلف الإمام سنة مستحبة ومأجور عليها، ولكنها تصبح مخالفة يعاقب عليها الشرع إذا كانت على حساب وطء الظهور وتجاوز الأعناق وإيذاء الآخرين!!

ولست أقصد من التفريق بين الأصول والفروع أن أقول: إن في الإسلام لبّاً وقشوراً،فالإسلام كل لايتجزأ، ولكن الذي أريد أن أبيّنه أن الدعوة إلى الإسلام تتطلب منهجاً ومراحل، وأن هناك سُلماً في الأولويات، وأن هناك درجات ومراتب، وأن هناك أصولاً وفروعاً، جزئيات وكُليات، وأن هناك مايمكن تقديمه وما يمكن تأخيره، وإن مطالبة الدعاة للناس بتطبيق السنن قبل أن يستوعبوا الفرائض بداية خاطئة غير موفقة وغيرناجحة.

يجب علينا أن ندرك أنه ليس من المهم في البدء أن نزيل الآثار المادية للواقع الجاهلي وأن نتخلص منها، فقد كانت الأصنام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة،وكانت تحيط بالكعبة، وتلوث بيت الله الحرام، ولم يرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يده في بدء الدعوة ليحطمها ولم يأمر أصحابه الكرام أن يحطموها، وإنما المهم هو تكسير أقفال القلوب حتى ينفذ إليها كلام الحق، وأن نزيل الغشاوة عن العيون من أجل أن ترى نور الحق، وأن نبعد الوساوس والريب والشكوك عن العقول من أجل أن تدرك مفهوم الحق، وعندها سوف تؤمن به وتتبناه، وعندها سوف نجد أنه من كان يعبد الوثن أو الصنم، سوف يكون أول من يسارع إلى تحطيمه وإزالة آثاره.

ومن مظاهر الحكمة في الدعوة معرفة المفاتيح التي يمكن أن تدخل من خلالها إلى الناس على تعدد مشاربهم واختلاف صفاتهم.وأن يخاطب الناس حسب مستواهم الفكري والعلمي والثقافي وباللغة التي يمكن أن يفهموها.

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“ حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله“. يعني قوله صلى الله عليه وسلم:“ أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم„.وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:“ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة“.

يقول علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار رحمه الله:

„الواعظ الحكيم هو الذي يخاطب الناس بلسانهم،ويتحرى من أساليب القول ما يرى أنه أدنى إلى إقناعهم،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل الناس منازلهم،ويخاطبهم على قدر عقولهم،ويقول: كلموا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟فالمذكّر أو الواعظ أو المرشد هو كما وصفه بعض الأجلاء ملخصاً:حافظ لحدود الله،قائم على إرشاد العقول،وتهذيب النفوس،وتصحيح المعتقدات،وإبانة سر العبادات وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة،وتراث الضلالة،واقف على مقاصد التشريع وحكمته،عالم مواضع الخلاف والوفاق،سائس لسمعيه بما يلائمهم من الأحكام،بل هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم،وتحريرهم من رق الخرافات والوهم،فالعالم كالسراج إن لم ينتفع بضوئه فلا فائدة من وجوده،بل لا يكون العالم عالماً حتى يظهر أثر علمه في قومه إذ ليس مسؤولاً عن نفسه وحدها،بل عن عشيرته وأمته“.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوى حفظه الله معقباً على الآية الكريمة{وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومهِ ليبين لهم}[إبراهيم 4]

يقول: „أنا أفهمها  ـ أي كلمة اللسان ـ أن على الرسول أو الداعية في عصرنا، على ورثة الرسل والأنبياء: أن يكلموا كل قومٍ بلسانهم، العامة لهم لسان، والخاصة لهم لسان،البدو لهم لسان، والحضر لهم لسان، أهل المدن لهم لسان،وأهل الريف والقرى لهم لسان، أهل الشرق لهم لسان، وأهل الغرب لهم لسان،في القرن الحادي والعشرين لهم لسان، وقبل قرنين مضيا لهم لسان آخر.لابد أن تحدث الناس بلسانهم، كثيرٌ من الدعاة يُخطئون هذا المنهج، ويتحدثون بلسان غير اللسان المطلوب، يذهبون إلى العوام ويحدثونهم بلسان الخواص، فيشكلوا الأمر عليهم، ولايستطيعون أن يصلوا إليهم أو العكس… نريد من ورثة الأنبياء والرسل أن يبينوا لقومهم بلسانهم، يكلم كل جماعة بلسانها حتى يصلوا إلى الحق“.

إن من طبيعة الدعوة إلى الله أنها موجهة للناس كل الناس على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم وثقافتهم وبيئاتهم وميولهم واتجاهاتهم، وهذا يفرض على الداعية أن يكون حكيماً بارعاً في نقل الأراء ومفاهيمها، والداعية الموفق الناجح هو الذي يعطي كل إنسان مايلزمه من أفكار وتوجيهات بأسلوب مؤثر ، يقول تعالى: { ومَن يُؤتَ الحِكمةَ فقد أُوتيَ خيراً كثيرا}[البقرة269].وقال تعالى في داود عليه السلام{وشَدَدنا مُلكَهُ وآتيناهُ الحِكمةَ وفَصلَ الخطاب}[ص 20]

إن المفاتيح التي يمكن بها لفت الناس إلى الإسلام كمقدمة لإقناعهم به كثيرة ومتعددة لايمكن حصرها أو إحصائها. فقد يكون مفتاح ذلك حلاً يقدمه الداعية لمشكلة معيشية أو قضية يتبناها، وقد يكون مفتاح ذلك زيارة هادفة لصديق أو حديثاً في مسجد أو حواراً في ندوة، أو من خلال العمل المشترك…وعلى الداعية النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، فهناك أوقات وظروف معينة قد تنفع معها الدعوة، وهناك أوقات قد تكون ذات تأثير سلبي إذا ما دعا فيها، فلابد من ترصد مواسم الخير لأن الشيطان وأعوانه يترصدون بها ليحرموا الناس من نعمة الخير في هذه المواسم.

والناس ليسوا سواء في الاستجابة للحق وقبول الدعوة، فمنهم السريع جداً في الاستجابة ومنهم البطئ جداً، وبين هذين توجد درجات متفاوتة.فمن الناس من يؤمن حالاً وبدون تردد أو تلكؤ أو تعثر وكأنه ينتظر سماع الدعوة ليؤمن بها بسرعة كما هو الحال في إيمان أبي بكر الصديق وإيمان السحرة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ مادعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ماكان من أبي بكر بن أبي قحافة„.ويقول  تعالى في إيمان السحرة: { فألقى مُوسى عَصاهُ فإذا هيَ تَلقَفُ ما يأفِكُون* فأُلقيَ السَّحرةُ ساجدين* قالوا آمنّا برَبِّ العالمين* رَبِّ مُوسى وهارون}[الشعراء45 ـ 48]

ومن مظاهر الحكمة في الدعوة علاج المقدمات التي تؤدي للنتائج وليس الخوض في النتائج بدون أن تسبقها حلولاً للمقدمات.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله[فيض الخاطر ج2 ص29]:“كم وعظ يذهب هباءً، وكم نصيحة تضيع سدى، لأن الواعظ أو الناصح واجه النتائج وترك المقدمات، وتعرض لحاصل الجمع او الضرب وترك المفردات، فكان مثله كمثل من ظن أنه بوعظه وإرشاده يستطيع أن يمنع القط أن يؤذي فاراً،أو الذئب أن يمسّ حملاً. إن منهج الإصلاح الحديث أن يسير وراء المرض يتعرف علله، ثم يجتهد أن يزيل العلل فيزول المرض. يرى المصلح الحديث أن الجريمة أو سوء الحال لم يأت عفواً فلا يعالج عفواً، إنما أتى من عوامل متعددة، فما بقيت العوامل بقي الإجرام، وبقي سوء الحال فإذا تغيرت الظروف والبيئة انقطع الإجرام وسوء الحال.كان النمط القديم في الإصلاح يقول: أطعم الجائع، والنمط الحديث يقول: لايكن جائع، والنمط القديم يقول: تصدّق على الفقير، والنمط الحديث يقول:امح الفقر، والنمط القديم يقول: احبس المجرم، والحديث يقول: اجتث عوامل الإجرام.نمط الإصلاح القديم يعتمد على البلاغة والخطابة ونمط الإصلاح الحديث يعتمد على “ معامل“ كمعامل الطبيعة والكيمياء، فيه تحليل للظواهر الاجتماعية حتى نعرف أسبابها، وفيه درس عميق وإحصاء دقيق، وفيه تشخيص للمرض، وإجراء التجارب للعلاج وتعرف النتائج، وعلى الجملة فالنمط القديم ينظر إلى ثمرة الشجرة والنمط الحديث إلى جذور الشجرة“.

ومن مظاهر الحكمة في الدعوة ترك التشدد والتنطع والمغالاة.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“التطرف في الإسلام يقع تحت جملة عناوين:

أولها: عنوان(الغلو) وفيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:“إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين„.[رواه أحمد في المسند  والنسائي وابن ماجه وهو صحيح على شرط مسلم].

ثانيها:عنوان(التنطع) وفيه جاء حديث ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:“ألا هلك المتنطعون“ قالها ثلاثاً.[رواه مسلم وأحمد وأبو داود].والمتنطعون هم: المتعمقون المبالغونن الخارجون عن حد الوسط.

ثالثها:(التشديد) كما جاء في حديث انس مرفوعاً عند ابي يعلى:“ ولاتشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات:رهبانية ابتدعوها ماكتبناها عليهم“.[رواه أبو داود وأبو يعلى في مسنده ،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء وهو ثقة، وضعفه الألباني].وفي حديث أبو هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري:“لن يشاد الدين أحد إلا غلبه“.

رابعها:(التعسير):فقد روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:“يسروا ولاتعسروا، وبشروا ولاتنفروا“،وروى الشيخان أيضاً أن رسول الله صلة الله عليه وسلم أرسل أبا موسى الأشعري ومعاذاً إلى اليمن، وأوصاهما بهذه الوصية الجامعة:“يسرا ولاتعسرا، وبشرا ولاتنفرا، وتطاوعا„أي لاتختلفا.

خامسها:(التنفير) كما جاء في الحديثين السابقين، والغالب أن يكون التعسير في مجال الفقه والفتوى، والتنفير في مجال التبليغ والدعوة.انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

وهناك دعاة ذكرهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم فأحسن الوصف، قد يكونون على جانبٍ من العلم،

وقد يكثرون من العبادة فروضاً ونوافل، ولكنهم لم يفهموا الإسلام حق فهمه، ولم يعرفوا جوهره وروحه، وقنعوا بالقشور والمظاهر، باطنهم خراباً من الإيمان الصادق،وقلوبهم من الحجارة أو أشد قسوة،وهذا ماصّحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحذرةً منهم ومن تنطعهم ومغالاتهم.

وهو ماجاء في حديث علي وأبي سعيد الخدري وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ ذكر الخوارج ـ فقال:“ يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم،وقراءته إلى قراءتهم، يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية„[متفق عليه].

يقول الشيخ الدكتور القرضاوي حفظه الله:“وقد ابتليت أمتنا من قديم بالغلاة من الخوارج، الذين استحلوا دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، من كل لايرى رأيهمن حتى كفروا ابن الإسلام البكر: علي بن أبي طالب، وقاتلوه، ثم قتلوه غيلة وغدراً، متقربين إلى الله بسفك دمه الطاهر رضي الله عنه، حتى قال شاعرهم في مدح قاتله، ويالشناعة ماقال:

ياضربة من تقي ما أراد بها                   إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا