الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (13/13)

والذي يدعو إلى الإثم يغري الناس بكل لذيذ ممتع،يهواه القلب،ويعشقه الطبع،من لذّة النظر، ولذّة اللمس،واللذّة الأخرى التي ركبها الله في كل نفس، فما الذي يغري به الناسَ داعي الصلاح؟

ليس له مايغريهم به إلا رضا الله، والعمل للآخرة،وترك عاجل محقّقن لآجل هو عند ضعاف الإيمان غير محقّق، لذلك أثنى الله على المؤمنين بالغيب،ووعدهم أعلى المراتب في الجنة،ولذلك يجتمع على حرب دعوتنا، اولياء النفس والشيطان،واللّاهون العابثون الذين لايفكرون بشئ، ولايهتمون لشئ.

ودعوتنا واضحة صريحة، وطريقنا مستقيم بيّننلا حجب لدينا ولا أستار،ولا خفايا ولا أسرار.

إننا نعلن مبادئنا كل يوم خمس مرات:“أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح،الله أكبر“ فهل رأيتم أو سمعتم بدعوة يكررها قانونها الأساسي خمس مرات كل يوم، يصاح به على المآذن؟

ونحن ثابتون على دعوتنا،لا نستطيع أن نساوم فيها،أو ننقص منها،لأنها ليست دعوة وضعية، نحن وضعناها، فنحن نملك التصرف فيها، بل هي دعوة إلهية، ألقاها ربنا من فوق سبع سماوات على رسول منا، فمن شاء فليتبعها ليكون معنا،ومن شاء فليخالفها.ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. إنما نحن دعاة، وعلى الله الحساب.

وهذه الدعوة أقوى من أن يردها شئ لأنها ذكر الله،{إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}.

إن دعوتنا هي دعوة الإيمان بالله وحده لاشريك له،لانقيم أصناماً من حجر ولا أصناماً من لحم ودم،وأنه هو الذي يقسم الأرزاق، ويقدر الاعمار،فلا نخاف في الحق أحداً،ولا نطيع في معصية الخالق مخلوقاً،ولا ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هي دعوة الصدق والاستقامة فلا يكون المسلم غشاشاً،ولا كذاباً،ولا سرّاقاً،ولا دجالاً ولا(شحادا) ولا بطالا، ولا فظاً غليظاً،ولا رخواً ذليلاً.

هي دعوة المحبة والأخوة، المسلم أخو المسلم، لايؤذيه بيد ولا لسان،ولا يظلمه ولا يعدو عليه. والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.وفي „كل كبد حرّى أجر“ حتى في الإحسان للحيوانات العجماوات.

هي دعوة القوة والعزة والجهاد: جهاد النفس، وجهاد العدو، الجهاد باللسان، والجهاد بالمال،والجهاد بالنفس، وأن يعمل المسلم للدنيا كأنه يعيش فيها أبداً، وأن يعمل للآخرة كأنه يموت غداً.

وإن الإسلام دين النظام، فلا فوضى في الإسلام.

وأن من إقامة الإسلام، نشر العدالة الاجتماعية بين الناس،ومنع الظلم، وألا يتخذ بعض الناس بعضاً أرباباً من دون الله،وألا يستعبد أحد أحداً.

ولسنا ندعو إلى الطفرة ولا إلى الثورة،لاخوفاً من أحد، فإن المسلم لا يخاف إلا الله،ولكن اعتقادنا أن الذي يأتي بالطفرة، يذهب بالطفرة، وأن التدرج سنّة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا“.

ويقول الأستاذ العلامة محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الرسالة العدد601):

„إنما شرعت الأديان لتصفية الأرواح، وتخليص العقول من شوائب العقائد الفاسدة،لتؤمن بالله خالق الكون ومدبره،وتذعن لعظمته،وتعترف بوحدانيته،وتسلم من الخضوع والعبودية لكل ماسواه،وتتبع هداه وتسلك صراطه السوي فلا تضل ولا تشقى.

هذا هو الجوهر الذي قامت عليه سائر الأديان منذ عرفت الأرض هداية السماء،وهذا هو (الإسلام) الذي دعا إليه جميع الأنبياء،وهذا هو الوحي الذي أوحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ويتابع رحمه الله:“بهذا تقرر، وأصبح من العقائد الإسلامية، أن هذا الدين خالد،وأنه بعقيدته وشريعته طريق الصلاح والنجاة للناس في دنياهم وأخراهم،وأن العالم مهما طال بهم الزمن وامتدت به الحياة لا يحتاج في صلاحه إلى شيء وراء الاستظلال بظل هذا الدين،والعمل بمبادئه،ومن هنا استقر في الأذهان أن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان“.

وأخيرأً فإنه كما قال الأخ ماجد رسلان في[ أحد أعداد مجلة الرائد التي كانت تصدر في ألمانيا]:“إن ركب دعوة الخير ينتظر رجالاً يلازمون الحق ويحرسونه،وينصرونه ويفتدونه، وينهضون بالواجب ويحمونه. سيماهم الصلاح، وأخلاقهم التقوى، وقلوبهم الصفاء، وسلوكهم الوفاء.تحركهم راشدي يُوّحد ولايُفّرق،يجمع ولايبدد،يحترمون الرأي الآخر بلاتشنج، ويستمعونه بإصغاء وقور،فما وافق الحق عضّوا عليه بالنواجذ، وما خالفه نصحوا بالمعروف وادب أهل الإيمان والإحسان،يقفون مع الكبير باحترام، ومع الصغير برحمة، ومن العالم بإفادة وتوقير، ومن العامل بإكبار وتقدير، ومن الضعيف بمساعدة، ومن المظلوم بمساندة.

إن ركب دعوة الخير يعتقد رجالاً يعتقدون الاتفاق في الأصول أصل الدين وجوهر الدعوة وركيزة العقيدة، والاختلاف في الفروع ـ فيما لايعارض ماعرف من الدين بالضرورة ـ إغناء للحركة، وإنماء للعقل وإثراء للدعوة.

إن ركب دعوة الخير يتطّلع إلى رجال ديدنهم الإصلاح بكل وسيلة،وهمهم رأب الصدع بكل طريقة، وشغلهم رتق الفتق بكل حيلة، مهما بلغت شدّة المعاناة وضخامة التضحيات“.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تحت عنوان“أحباء الله“ يقول:“إنّ لله عباداً قطعوا علائق الشهوات،وأسرجوا مراكب الجدّ بصدق العزمات وامتطوا جياد الأمل،واتجهوا إلى الله على وَجَل،وتزودوا إليه بصالح العمل،  مع إخلاص النيّة وتوسلوا إليه بصفاء القلب وصدق الطوية،فمروا بالخضرة الفاتنة مُسّبحين،وبالحطب اللاهب مُستعيذين،ولم يعبؤوا بالعقبات، ولم يلتفتوا إلى المغريات،قد صانوا وجوههم عن الابتذال،وطهروا أقدامهم من الأوحال،استعانوا بالله على مشّقة الطريق فذلّل لهم صعابه،وعلى بعد المدى فلَملم لهم رحابه،فلما اجتازوا الصعاب، سألوا الله ففتح لهم بابه،فلما دخلوه استضافوه فقرّبهم ورفع دونهم حجابه،فلما استطابوا المقام بعد طول السرى قالوا:“الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العالمين„أؤلئك أحباء الله، صدقوه العهد فصدقهم الوعد، ومحضوه الحب فمنحهم القرب“.

العاقبة للمتقين:

يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(مجلة لواء الإسلام العدد الخامس من السنة الرابعة 1950 ميلادي):

„إن الدعوة المحمدية كان انتصارها بسبب مما يقوى عليه البشر ويستطيعه التدبير الإنساني،فالرسالة المحمدية،وإن كانت من السماء،قد انتصرت بأسباب من الارض،لأن النصر لو كان من السماء لانتهت الدعوة بانتهاء من ينصره ربه بأسباب ليست أرضية،أي بإنهاء النبوة،ولكن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الحق الذي نزل عليه كانت ابتداء وليس له انتهاء،لأن أمته من بعده عليها أن تتولى نشر رسالته،والصّدع بين العالمين بدعوته،سالكين المسالك البشرية التي سنّها،ومهايع الحق التي سلكهانمتخذين من شخصه الأسوة الحسنة ومن طريقته الطريقة المثلى.

ويتابع رحمه الله:“أيها المسلمون في مشارق الارض ومغاربها،هذه دعوة نبيكم فأقيموها،وهذه وحدة الإسلام في مهده الأول فوثقوها،وهذه دولته في ماضيه فكونوها وأعيدوها،فإن لم تفعلوا فقد سلط الله عليكم ما باءت به الأمم من قبلكم،وذهبت به الجماعات،وهو الوهن،ثم ابحثا من بعد عن نسبتكم للإسلام العزيز الغالب..ولمحمد القويِّ المغالب،أهي نسبة صحيحة تسوِّغ شرف الانتماء،أم هي كذب الانتساب ،وحقيقة الاغتراب وإلى الله ترجع الأمور“.

ويقول الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقال بعنوان“الصراع بين الإسلام وأعدائه نشر عام 1373هجري:

„الصراع بين الحق والباطل قديم،كان منذ خلق الله البشر،وجعل للأهواء حظاً من السلطان على نفوسهم.ومن فروع هذا الصراع،الصراع بين الإسلام والكفر،فقد صرع الإسلام في عنفوان قوته السماوية الأولى كلّ ما كان قائماً من الأديان والنحل الباطلة،ومزّق بنوره وبرهانه الضلالات التي كانت مغطية على العقول،حتى استقر في قراره من النفوس والأقطار،وضرب بجرانه في القطعة العامرة من أرض الله.

وأصبح برهانه لائحاً،وبيناته واضحة،وقوته غالبة،فإما مسلم وإما مُلقٍ بالسَّلَم،ومن كلمته العالية أنه جعل فريضة الدعوة إليه كلمة باقية في أهله،تتوجّه إلى الضال ليهتدي،وإلى المهتدي كي لا يضلّ.

فلما ضعفت الدعوة إلى الإسلام في المسلمين بما شاب هدايتهم من ضلال،وما خالط عزائمهم من وهن،ثم تلاشت بتفرقهم فيه،واشتغالهم بالجدل الداخلي،وغفلتهم عن فوائد الدعوة فيهم وفي غيرهم،وبعدهم عن منبع هدايته الأولى،هاجت عليهم دعايات الأديان الأخرى،وما تفرّع عنها من مذاهب مادية،تغري بالمادة وتؤلهها،ومن مذاهب فكرية تغري الفكر المسلم بالمروق من الدين،وخلع رِبقته،ثم تشعبت هذه المذاهب الفكرية إلى شعبتين:

واحدة تسعى سعيها،وتبذل وسائلها لفتنة المسلم عن دينه،وإدخاله في دين آخر،وهذه الشعبة تجعل هدفها أطفال المسلمين الأحداث.

والأخرى تريد المسلم أن يخرج من الإسلام إلى الإلحاد المحض الذي يكفر بالأديان كلها،وهذه الشعبة تجعل هدفها شباب المسلمين،لما يصحب الشباب من قوة الإحساس،وسرعة التأثر،وتأجج العاطفة،والميل إلى الانطلاق.

والشعبتان معاً تلتقيان عند غاية واحدة هي فصل المسلمين ـ وهم قوة في العدد ـ عن دينهم،وهو مناط قوتهم الروحية،ليتمّ للقائمين على الشعبتين استعباد أبدان المسلمين،واستغلال خيرات أوطانهم.ومن ظنّ من عقلاء المسلمين وعلمائهم أن هذه الحملة عليهم وعلى دينهم ليست مدبرة،وليست منظمة،وليست متعاونة متساندة،وليست مرصدة لوقتها،ورامية إلى هذا الهدف،من ظنّ هذا فأقل درجته أنه مغفّل جاهل مغرور.

ولو حافظ المسلمون على فريضة الدعوة في دينهم،وكانت لهم دعاية منظمة يمدّها الأغنياء بالمال،والعقلاء بالرأي،والعلماء بالبرهان المثبت للحقائق الإسلامية،وبالتوجيه لغاية الغايات فيه،وهي إسعاد الإنسانية،وتحقيق السلام بين البشر،والقضاء على الطغيان والعدوان والظلم،وإقامة العدل بين الناس،ونشر المحبة بينهم،لو فعلوا ذلك،وحافظوا عليه في كل أطوار الزمن/لكانوا اليوم فيصلاً بين الكتلتين المتطاحنتين،وحاجزاً حصيناً بين البشرية وبين الكارثة المتوقعة،التي لا تُبقي على برٍّ ولا فاجر،ولا مؤمن ولا كافر،بل إنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنه لو كان للإسلام دعاة فاهمون لحقيقة الإسلام،محسنون للإبانة عنها،ولعرضها على العقول،لرجعت إليه هذه الأمم الحائرة في هذا العصر،الثائرة على أديانه وقوانينه وأوضاعه،لأن أديانه لم تحفظ لهم الاستقرار النفسي،والطمأنينة الروحية،ولأن قوانينه الوضعية لم تضمن لهم المصالح المادية،ولم تُقم الموازين القسط بين طبقاتهم،ولأن الأوضاع العامة لم تحقن دماءهم،ولم تغرس المحبة بينهم،فهم لذلك تائهون،متطلعون إلى حال تُغير هذه الأحوال،وفي الإسلام ما يقول بذلك كله،ويرجع  بالناس إليه،وإلى اختياره حكماً تُرضى حكومته،لو وجد من يدعو إليه على بصيرة،ويبين حقائقه،ويحسن عرضها على العقول ببرهان الواقع والمعقول.

ولم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عهد كهذا العهد،في قعودهم عن الدعوة إلى دينهم،وفي هجوم الدعاية الأجنبية عليهم.

والقضيتان متلازمتان في الطباع البشرية الغالبة،وفي طبيعة الاجتماع الذي هو أملك لأحوالهم.

فمن سننه أن من لم يدافع دُوفع،وأن من لم يهاجن هُوجم،وأن من سكت على الحق أنطق غيره بالباطل،ولم يمض عليهم زمن تألبت فيه قوى الشرّ عليهم،وتألفت جنوده على مابينها من دعوات ومناقضات،كما تألبت في هذا الزمن،فالأديان كاليهودية والمسيحية الغربية الاستعمارية،والبوذية والوثنية بجميع ألوانها،والمذاهب الاجتماعية المادية كلها أصبحت ألْباً على المسلمين والإسلام،متداعية إلى ذلك عن قصد واتفاق،صادرة في ذلك عن عهد وميثاق،يسند بعضها بعضاص،ويقرض بعضها بعضاً العون والتأييد،وأن العقلاء من هذه الأمم،المتعاونة على حرب الإسلام،مسوقون بأيدي الساسة الطامعين،والقساوسة المتعصبين،والملاحدة المستهترين،حتى أصبح باطن أمرهم كظاهره،وهو أنهم قوة متحدة لحرب الإسلام،يشارك فيها ذو الدين بدينه،وذو المال بماله،وذو العقل بعقله.ويشارك فيها الساكت بسكوته.لا نلوم هؤلاء الأقوام على مايسرون من عداوة الإسلام وما يعلنون،ولا على ماصنعوا بأهله وما يصنعون،فما اللوم برادِّهم على ما هم ماضون فيه،بعد أن ابتلوا سرائرنا،وامتحنوا ضمائرنا،فوجدوها عورات ومنافذ خالية من الحراسة التي يعرفونها عنا،ومن المناعة التي يتوقعونها منا،فسددوا الغارة على ديارنا فاكتسحوها،وشدّدوا الحملة على خيرات أوطاننا فاستباحوها،ثم شنوا غارة أفجر وأنكر على عقولنا ليمسخوها،إذ بذلك وحده يضمنون التمتع بخيراتنا،والتلذذ باستعبادنا.

لا نلومهم على ذلك،فما منهم إلا موتور من هذا الإسلام في ماضيه،وأحد أطوار تاريخه،فهو حاقد عليه،يتخيّل في شبحه مفوتاً للعز والسلطان،ومقيداً للشهوات في أتباع الشيطان،أو مانعاً من الانطلاق الحيواني في بغي الإنسان على الإنسان،وما ينقمون من الإسلام إلا أنه يقيد الغريزة الحيوانية عن الظلم والتسلط والشهوة،ويفيض عليها من النور السماوي مايرفعها إلى أفق أسمى،وهم بعد ذلك عمون عما وراء ذلك الذي ينقمونه من خير في الإسلام ونفع،ولا نملك لهم أن يهتدوا إلى مافي الإسلام من عزّ بالله،وعدل في أحكامه بين عباده،رحمة بهم وإحساناً،وإلى مافيه من انطلاق،ولكن إلى الآفاق العليا الملكية.

إنما نلوم أنفسنا،ونلوم قومنا على التفريط والإضاعة،وعلى إهمال الدعوة لدينهم،والعرض لجماله ومحاسنه،وعلى التخاذل في وجه هذه القوة المتألبة المتكالبة عليهم وعلى دينهم،حتى أصبح سكوتنا وإهمالنا عوناً لهم على هدم ديننا،ومحو فضائلنا،والقضاء على مقوماتنا،فأغنياؤنا ممسكون عن البذل في سبيل الدعوة إلى دينهم،وكأن الأمر لا يعنيهم،وكأن الدين ليس دينهم،وكأنهم لا يعلمون أن هذا التكالب إن استمر لايبقي لهم عرضاً ولا مالاً ولا متاعاً،وقد بلغت الغفلة ببعضهم أن يُعين الجمعيات التبشيرية المسيحية بماله،وكأنه يقلّد عدوه سلاحاً قتّالاً،يقتل به دينه وقومه،ولم يبق عليه من فضائح الجهل إلا أن يقول لعدوه:اقتلني به.إننا لا نكون مسلمين حقاً،ولا نستطيع أن ندفع هذه الجيوش المغيرة علينا وعلى ديننا،تارة باسم العلم،وتارة باسم الخير والإحسان،وأخرى باسم الرحمة بالإنسان،إلا إذا علمنا  مايراد بنا،وفقهنا الغايات لهذه الغارات،وتحديناها بجميع قوانا المعنوية والمادية،وحشدها في ميدان واحد،هو ميدان الدفاع عن حياتنا الروحية والمادية،ولا يتم لهذا الشأن تمام إلا إذا أقمنا الدعوة إلى الله،وإلى دينه الإسلام،على أساس قوي من أحجار العالم الرباني،والخطيب الذي يتكلم بقلبه لا بلسانه،والكاتب الذي يكتب بقلمه مايمليه عقله،والغني المستهين بماله في سبيل دينه،ثم وجهنا هذه الدعوة إلى القريب قبل الغريب،إلى المسلم الضال قبل الأجنبي،فإذا فعلت الدعوة فعلها في نفوس المسلمين،وأرجعتهم إلى ربهم،فاتصلوا به،فتمسكوا بكتابه،وهدي نبيه،وتمجدوا بتاريخح وأمجاده وفضائله ولسانه،كنا قلدناهم سلاحاً لا يفلّ،وأسبغنا عليهم حصانة روحية،لا تؤثر عليها هذه الدعايات المضللة،وحصانة أخرى مادية ملازمة لها،لا تهزمها الجموع المجمعة،ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.

المسلمون في حاجة أكيدة إلى دعاية داخلية،تهدي ضالهم،وتصلح فاسدهم،تبتدىء من البيت،وتجاوزه إلى الجار والقرية،حتى تنتظم المجتمع كله.فإذا عمرت القلوب والبيوت والمجتمعات بمعاني الإسلام الصحيحة،أعطت ثمراتها الصحيحة،وجاء نصر الله والفتح،ربطاً للوعد بالإنجاز،ووصولاً إلى الحقيقة على المجاز،ويومئذ تزول هذه الفوارق البغيضة من تلقاء نفسها،فلا مذهب إلا مذهب الحق،ولا طريقة إلى طريق القرآن،ولا نزعة إلا نزعة المجد والسمو،ولا عاطفة إلا عاطفة المحبة والخير،ولا غاية إلا نشر السلام والطمأنينة في هذا العالم المضطرب.

لا يأس من روح الله.فهذه مخايل نصر،وهذه مبشرات القطر،وهذه طلائع الزحوف الحاملة لراية الدعوة الإسلامية،وهؤلاء عصب من علماء الإسلام قائمون بإحياء هذه الفريضة بصدق وإخلاص وتضحية،ومن ورائهم كتائب من شباب الإسلام،تفتحت بصائرهم على نوره،يحملون ألسنة قوالة للحق،وعقولاً جوالة في ميدان الحق،وإن عددهم كل يوم لفي ازدياد،وإن نجاحهم فيما يمارسونه من الدعوة إلى الله لفي اطراد،فما على القاعدين إلا أن ينضموا،وما على الغافلين إلا أن يهتموا،ولا على المستيئسين إلا أن يستبشروا ويؤيدوا،وما على الغافلين عن ذاك الشرّ المستطير إلا أن ينتبهوا إلى هذا الخير،فيعملوا على نمائه وبقائه،وإن أثمن هدية يقدمها المسلم إلى هؤلاء الدعاة هي الاهتداء إلى الحق،والاقتداء بأهل الحق“.

يقول الشاعر المصري الكبير محمود حسن إسماعيل في قصيدته“المسلمون“:

من هؤلاء التائهون                      الخابطون على التخوم؟

أعشى خُطا أبصارهم                       رَهَجُ الزوابعِ والغيوم

والليل ينفضُ فوقهم                        من يأسهِ قلقَ النجوم

ويسوقهم زُمراً إلى                         حفرٍ مُولولةِ الرُّجوم

السوط يُرفِل حولها                         والموتُ انسُرُه تحوم

والقيدُ يَخصِفُ من صدو                    رهمُ المذّلة والهموم 

ويسومهُم من عَسفهِ                       ولظاهُ أبشعَ مايَسُوم

فإذا غفوا…فغلى موا                     طئ كل جلادٍ غَشوم

وإذا صحوا فعلى خُطاً                     للذّ لِّ خاشعةِ الرُّسوم

من هؤلاء الضائعون؟                     أفهؤلاء المسلمون؟

أبداً!! تُكذّبني، وتر                         جُمني الحقائقُ والظنون

أبداً..وكيف؟ وفي                         يمينهمُ كتابٌ لايهون

ابداً..وكيف ودون سط                    وتهِ وتنتحرُ القرون

ويَبيد، طغيانُ العُتا                         ةِ، ويهلكُ المتجبرون

ويَخِرُّ بين يديه من                         وهج الضياء الغاشمون

الفاسدون،المُفسدون                       الظالمون ،المُظلمون

الشّاربون الدّمعَ ممن                       في المجازر يصرخون

السائقون الخلق كا                              لقُطعان ساجدةَ العيون

مبهورةً، منهورةً                                 بالسوطِ، تجهلُ مايكون

بلهاءَ،روّعها  الصدّى                            واجتاح قينتها الجُنون

وأحالها عَدماً يُكبّر                               للرّدى…لو تسمعون

من هؤلاء الخانعون                            أفهؤلاء المُسلمون؟!

أبداً!! تُكذبني، وتر                              جُمني الحقائقُ والظنون

أنا منهُمُ..لكنني                                      نغمٌ بسَمعهم شريد

ربضت به الأصفادُ..بل                          طحنته غمغمة العبيد

وجؤار شرق مبدئٍ                               بأنين أمّتهِ مُعيد

أبكي عليهم..أم على                             غلٍّ يكبلني شديد!

إنا هجرنا الله                                        هِجرتنا لشيطانٍ مَريد

عادت تروِّضنا حضا                             رته لكل هوى مُبيد

ولكل من يُحيى لنا                               الإسلامَ في كفنٍ جديد

نسجته أخيلة العصورِ                           السّودِ مذ زمنٍ بعيد

لِتُحيلَ دِينَ „محمدٍ“                             وَهماً على نعشٍ مجيد

وإذا الجنازةُ لوعةٌ                              حرّى مُشيِّعها سعيد

من هؤلاء الهالكون                            أفهؤلاء المسلمون؟!

أبداً تُكذبني وتر                                   جمني الحقائقُ والظنون

من كان للإسلام،                                 فليضربْ بمعولِهِ الفساد

فيصيحُ باللصِّ العتيِّ:                          كفاكَ من شِبع وزاد

ويصيحُ بالفُسّاقِ:                               إياكم وأعراضَ العباد

ويصيحُ بالطاغين:                             أسرفتم، لِكُلِّ مَدىً نفاد

ويصيحُ بالباغين:                                ويحكم، لقد ذهبَ الرُّقاد

وطواكم حدُّ المناجل                              بين أذرُعهِ الشِّداد

ونظرتم…فإذا الظلامُ                            عليكمُ حَنِقُ السّواد

ريحٌ مُصرصِرةُ الزئيرِ                          كأختها قي يوم „عاد“

تسقيكم من ويلها                                وخرابها حُمَمَ الرَّشاد

من هؤلاء الصّاغرون                         أفهؤلاء المسلمون؟!

التائبون، العابدون،                            الراكعون، الساجدون!!!

ويقول الأستاذ عصام العطار في قصيدة“المسلم الحق:

إن أظلمَ الليلُ كانَ النجمَ مُؤتَلِقاً           أو خَيّمَ اليأسث كانَ الرَّوحَ والأملا

أو اخلفَ العزمث لم تُخلِفْ عَزائمُهُ      أوكَلَّ ذو الجِدِّ كانَ الجِدَّ والعملا

أو أرهبَ الموتُ لمْ يَرهبْ نَوازِلهُ         وتابعَ الدّربَ لايثنيهِ مانزلا

وإن تَزَيّنتِ الدنيا لِفِتنتهِ                     خابتْ،فما آثرَ الدُّنيا ولاشُغِلا

إيمانهُ حِصنهُ، والوحيُ مُرشِدهُ           واللهُ غايتهث إن قالَ أو فَعلا

وقلبهُ رَحمةٌ للِخلقِ شامِلةٌ                 ونبعُ حُبٍّ وإخلاصٍ لمن نَهلا

ومِشعَلُ الحقِّ إن غابت مشَاعِلُهُ         ومَوئِلُ العدلِ في الدنيا إذا خُذلا

والعلمُ والفكرُ رُكنٌ من عقيدتهِ           قد ضلّ عن منهجِ الإسلامِ من جَهِلا

وكيفَ يَحمِلُ دينَ الله عن ثِقةٍ             من فاتَهُ دِينهُ عِلماً وما عَقَلا

لاتتركوا الدينَ للِجهالِ تُفسِدهُ            فالجهلُ يُفسِدُ منهُ كُلَّ ما جَمُلا