الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (10/13)

3 ـ إن من الخطأ الفادح أن يتصدى كل إنسان للدفاع عن الحق إن كان هو نفسه مع الباطل، وأن يتصدى للدفاع عن الحق وهو لايعرف الحق، وأن يتصدى للدفاع عن الحق وهو لايدرك مسالك الباطل وتلبساته، ففي هذه الحالة تقع الواقعة وتكون الطامة حيث ينتصر الباطل ويظهر الحق بمظهر المغيب، أو يستدرج حامل لواء الحق إلى طريق لايرضيه ومواقف لم يرتضيها“.

ويقول عبد الله بن المقفع:“إن سمعت من صاحبك كلاماً أو رأياً يعجبك، فلا تنتحله تَزييناً به عند الناس،واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته وتنسبه إلى صاحبه، واعلم أن انتحالك ذاك سخطة لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عاراً، فإن بلغ ذلك بك أن تشير برأي الرجل وتتكلم بكلامه وهو يسمع، جمعت مع الظلم قلة الحياء، وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس، ومن تمام حسن الخلق والأدب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه، وتزبنه مع ذلك ما استطعت“.ويقول أيضاً:“ فأكثر الناس من يحدث بما سمع ولايبالي ممن سمع،وذلك مفسدة للصدق ومَرزئة بالرأي،فإن استطعت ألا تخبر بشئ إلا وأنت به مصدق، وألا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل،ولاتقل كما يقول السفهاء، أُخبّر بما سمعت،فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن السفهاء أكثر من هو قائل“.

5 ـ الموضوعية في الحوار والإقناع ومقارعة الحجة بالحجة:

من المعروف أن تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج، ولذا عند المحاورة والجدال لابد من الانتباه للأمور التالية:

ـ الإيجاز وعدم الإطالة

ـ الدخول في لب الموضوع وعدم الخروج عن مضمونه

ـ عدم التكرير في القول والأفكار وتجنب الاستطراد واللعب بالألفاظ.

ولابد قبل الدخول في الحوار أن يُحدّد الموضوع وجوهر المادة التي تناقش، وإلا وقعنا في مجادلة عمياء ليس لها هدف يُبتغى، وقد تجر إلى عواقب لاتحمد عليها، ولابد من الإيجاز وعدم الاسترسال، ولابد من ترتيب الأهميات فلا يُضحى بالأهم لما هو دونه من الأهمية، ولابد من التعريف بالأصوليات والكليات وعدم الخوض في الاختلافات والاجتهادات في المسائل الفرعية.ولابد من التزام آداب الحوار واللطف والرفق في الكلام مع الأدب الجم والتواضع والهدوء، وعدم إغاظة المحاور والاستهزاء به، وتجنب أسلوب التحدي ولو كان بالحجة الدامغة لأن الأصل هو كسب القلوب لا اكتساب المواقف، وعدم اللجاجة والعناد ، فإذا أصر المحاور على ذلك وأصر على عناده وولج في باطله وأصبح الكلام معه عبثاً فليقطع الجدال والحوار متذكراً قوله تعالى{ قُل يا أيُّها النّاسُ قد جَاءكُمُ الحَقُّ من رَبِّكُم فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسهِ ومن ضَلَّ فإنّما يَضِلُّ عليها وما أنا عليكُم بوكيل} [يونس 108]وقوله تعالى{ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.

إن جوهر الحوار والنقاش يقوم على تقديم البيّنة والحجّة القوية بدون تحدي ولا استهزاءولاتسفيه يقول تعالى{ لَم يَكُنِ الذينَ كَفروا من أهل الكتابِ والمُشركينَ مُنفَكِّينَ حتّى تَأتيَهُمُ البيَنة} [البينة 1] أي الحجة الظاهرة على تبيان الحق.جاء في التفسير:“إن أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليتحولوا عما هم عليه من ضلال بغير بيّنة أي دليل واضح وبرهان ساطع على ضلالهم، وقد تمثلت هذه البينة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب من عند الله فيه الهدى والنور لمن آمن به واتبعه{ رَسولٌ من الله يَتلُوا صُحُفاً مُطَهَّرة* فيها كُتبٌ قَيِّمة}[البينة 2 ـ3]، وتذم الآيات علماء السوء الذين يختلفون اختلاف العداء ويتفرقون تفرّق التناحر من بعد ماجاءهم العلم والبينات{ وما تَفَرَّقَ الذينَ أُوتوا الكتابَ إلا من بعد ماجاءتهُمُ البيّنة} [البينة4 ].

وهناك مثال لآخر على الإتيان بالبينة والحجة الدامغة والبرهان الساطع، بلغة من ألادب والتلطف في البيان والقول وعدم التعنيف أو الاستفزاز، ومع ذلك وقف العناد والاستكبار دون القبول به يقول تعالى{ قُل من يَرزُقُكُم منَ السّمواتِ والأرضِ قُلِ الله وإنَّا أوإيَّاكُم لعلى هُدىً أو في ضلالٍ مبين} [سبأ 24].

يبدأ بأن يسألهم عمّن يرزقهم من السموات والأرض وهذا الأمر يلمسون لمساً، ويأمره أن يتولى هو الجواب ويقرر بأنه الله، ثم يأمره تعالى أن يقول لهم  نحن وأنتم بين أمرين فإما أن نكون على هدى وإما أن نكون على ضلال مبين، ويبهم الحال ولايبين الذين على هدى ومن الذي في ضلال مبين، وإن في هذا الإبهام تلطفاً بهم لعله يفسح المجال أمام هؤلاء المنحرفين أن يراجعوا أنفسهم وأن يتبينوا الأمر على وجهته وحقيقته وأنهم إذا فعلوا ذلك بإنصاف سيصلون إلى الحقيقة، وتتابع الآيات{قُل لا تُسألونَ عمّا أجرمنا ولا نُسألُ عمّا تعملون} [سبأ 25] فالإجرام لاينسبه إلى المجرمين، وإنما يأمره أن يقول لهؤلاء الكافرين إن جرائمنا ـ لو كانت ـ لا تسألون أنتم عنها، ولانسأل عما تعلمون، ولم يقل عما تجرمون، وإنما يسند العمل إليه مطلقاً.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:“الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: البينة والدلالة والحجة والبرهان والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى“.

ويقول عبد الله بن المقفع:“ ثلاثة إن أقدموا على ثلاث من غير ثلاث فرأوا ماكرهوا فلايلومنّ إلا أنفسهم:من خاصم من غير حجة فَخُصم، أو صارع من غير قوة فَصُرع، أو حارب بغير عدة فَهُزم“.

وانظر معي إلى حادثة تحطيم الأصنام التي قام بها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حيث فيها الحجة القاطعة والموضوعية والإقناع مع الإيجاز بدون تطويل أوإسهاب، فهو قد حطم الأصنام إلا أحدها{فَجَعَلهُم جُذاذاً إلا كبيراً لهم لعلّهم إليه يَرجِعُون} [الأنبياء 58]، وعندما سألوه عمن فعل هذا أحالهم على هذا الكبير فاستنكروا ذلك منه وقالوا كلاماً كان يريد هو أن يقرره لهم{ قالوا أانتَ فعلتَ هذا بآلهتِنا يا إبراهيم* قالَ بل فَعلَهُ كبيرُهُم هذا فاسألُوهُم إن كانوا يَنطقون *فَرَجَعوا إلى أنفُسِهم فقالوا إنَّكُم أنتُمُ الظَّالمون *ثُمَّ نُكِسُوا على رُؤوسِهم لقد عَلمتَ ماهؤلاءِ يَنطقون* قالَ أفَتعبُدُونَ من دُونِ الله مالايَنفَعُكُم شيئاً ولايَضُرُّكُم *أُفٍ لكُم ولِما تَعبُدُونَ من دُونِ الله أفلا تعقلون}[الأنبياء 62 ـ 67]،وإنها الحجة المقنعة الملزمة وقِس عليها أيضاً ماذكره القرآن الكريم في آيان كثيرة ومنها قوله تعالى{ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في رَبّهِ أن آتاهُ اللهُ لمُلكَ إذ قالَ إبراهيمُ رَبِّيَ الذي يُحي ويُميتُ قالَ أنا أُحي وأُميتُ قال إبراهيمُ فإنَّ اللهَ يأتي بالشَّمسِ من المَشرقِ فأتِ بها من المَغربِ فَبُهِتَ الذي كفرَ والله لايهدي القومَ الظّالمين} [البقرة 258].

وفي السنة النبوية الشريفة لعل من أجمل الأمثلة وأروع العبر حول هذا الموضوع نستسقيها من غزوة حنين وتوزيع الغنائم وماجرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار.

يقول الأستاذ محمد أديب صالح حفظه الله[على الطريق ص145]:“حين وقعت غزوة حنين وكان من أمر الغنائم ماكان حيث رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لايقسم للأنصار، وجدَ البعض في أنفسهم من ذلك، وكان أن جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب فيهم وكان مما قاله ـ وهو سيد الحكماء ـ يومئذاك:“ يامعشر الأنصار: ألم تكونوا ضُلالاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فالفّ بين قلوبكم! قالوا: بلى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبون يامعشر الأنصار؟ قالوا: ومانقول يارسول الله وبماذا نجيبك؟ المَنُّ لله ولرسوله. قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم:جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك،وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك، فقالوا: المَنُّ لله ولرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوجدتم في نفوسكم يامعشر الأنصار في لعاعة من الدنيا، تآلفت بها قوماً اسلموا،ووكلتكم إلى ماقسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يامعشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم! فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وابناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار… يقول راوي الحديث: فبكى القوزم حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا : رضينا بالله رباً ورسوله قسماً ثم انصرف وتفرقوا“.

وانظر إلى هذه القصة من السيرة النبوية الطاهرة. روى الإمام أحمد بسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه أن فتىً شاباً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أئذن لي بالزنا يارسول الله.فأقبل الناس عليه فزجروه وقالوا مه مه. قال صلى الله عليه وسلم: ادن، فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟. قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال: أتحبه لبنتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. ثم قال: أتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال: أتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه. ثم قال: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شئ“.

وكذلك يمكن الرجوع إلى قصة الصحابي الجليل الطيار ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع ملك الحبشة النجاشي فإن فيها الكثير من العبر والموعظة في كيفية استمالة قلوب الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والإقناع والحجة والبرهان والدلائل الساطعة.

6 ـ الانتصار للحق لا للنفس:

إن من أهم مقومات وعوامل نجاح الحوار الإيجابي المنتج الفعال هو الوصول إلى الحق رغم كل العوائق والصعوبات، والانتصار للحق رغم كل المثبطات والمغريات، وخاصة منها مايتعلق بالإعجاب بالنفس، أو التعصب الذميم سواء منه الشخصي أو الحزبي أو لحركة من الحركات… والابتعاد كل البعد عن هوى النفس وماتوسوسه أحياناً من بطر الحق وغمط الناس، وما يغلف ذلك كله أحياناً من أغشية واقنعة ظاهرها صالح الإسلام والمسلمين، وباطنها أدواء وأمراض تختلف شدة ونوعية، كماً وكيفاً، من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومن زمان إلى زمان.ويجب أن يكون رضى الله نية وعملاً في إحقاق الحق هو الهدف الأسمى والنبيل الذي نسعى إليه من خلال سلوك الطريق الصحيح المستقيم في الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.يقول الإمام الشافعي رحمه الله:“ماناظرت أحداً إلا دعوت الله أن يظهر الحق على يديه“.

والوصول إلى الحق يستدعي منك السماع إلى الخصم المحاور بكل تجرد وموضوعية، وفتح قنوات الحوار بدون خلفيات حزبية أو شخصية، فالهدف من الحوار وحسن المجادلة السعي الحثيث من خلال الحجة والإقناع والعلم والموضوعية للوصول إلى الحق، تفرح به وتسعى إليه ولو جاء على لسان خصمك، ولاتنتشي به وتُظهر الإعجاب بنفسك ومقدرتك وتجهل على خصمك إن جاء على لسانك.يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “ ماناظرت أحداً فأنكر الحجة إلا سقط من عيني، ولاقبلها إلا هبته، وما ناظرت أحداً فماباليت مع من كانت الحجة إن كانت معه صرت إليه“. ويقول أيضاً:“ماناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يُوفق ويُسّد ويُعان، وتكون عليه رعاية من الله وحفظه، وما ناظرت أحداً إلا ولم أُبال بين الله الحق على لساني أو لسانه“.وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه الله لابنه:“ يابني، كنا نتكلم وكل واحد منا كأن الطير على رأسه مخافة أن يزل صاحبه، وأنتم اليوم تتكلمون وكل واحد يريد أن يزل صاحبه“.

وقال الإمام الذهبي رحمه الله:“إن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محموداً،ولإن كان في مدافعة الحق، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموما(كتاب الكبائر).

وإذا كان الحق معك وأظهره الله على لسانك فالحذار الحذار أن تُبدي الإعجاب بنفسك والتشّفي بخصمك، فإن هذا قد يؤدي في بعض المواطن إلى رفض القبول بالحق والعزة بالإثم. سئل حاتم بن يوسف يوماً كيف تُقيم الحجة على كل من يُحاجّك في أي أمر؟قال: لأنني أفرح لمن يحاجّني إذا أصاب وأحزن إذا أخطأ ولا أجهل عليه“.وقالوا قديماً: “ إذا كلمت صاحبك فأخذته بحجّتك فَحّسن مخرج ذلك عليه ولاتظهر الظفر به“.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله في „البواكير“في مقال نشر عام 1932 تحت عنوان“نريد خصومة موضوعية لا شخصية:

„أعني بالخصومة الموضوعية:الخصومة في الرأي والمذهب،وأن تكره من خصمك رأيه أو تحارب هذا الرأي.وأعني بالخصومة الشخصية:أن يمتد هذا الكره من رأي خصمك الذي تراه أنت مخطئاً أو باطلاً إلى شخص هذا الخصم،فتعاديه وتبغضه.فنحن نريد أن تكون خصوماتنا الدينية أو السياسية أو العلمية خصومات موضوعية،الخلاف فيها على موضوع من الموضوعات:سواء أكان ذلك الموضوع مذهباً في السياسة أم اجتهاداً في الدين أم رأياً في العلم،نتجادل فيه ونتخاصم،فإذا التقينا مع صاحب هذا المذهب الذي نحاربه أو الاجتهاد الذي نخالفه أو الراي الذي ندفعه لم يكن بيننا عداوة ولا بغض،لأننا لا نحارب شخصاً وإنما نحارب رأياً.هذه مسألة مفروغ منها،قد يكون من الخطأ أن ندوّنها في مقالة وننشرها في الناس لولا أن الناس عندنا لايريدون أن يفهموها ولا أن يعملوا بها،على الرغم من صحتها ووضوحها.فنحن لا نفرق بين ال{اي وصاحب الرأي،ونحن لم نتعلم بعدُ حريّة النشر ولم نتعلم فن النقد الأدبي،بل إن لدينا كثيراً من الناس إذا هم عجزوا عن الجدال بالمنطق والحجة لا يعجزون عن الجدال بالسباب والعداوة،وإذا هم أرادوا الرد بالقلم لا باللسان والكف ـ وقلّما يريدون ذلك ـ فلا يردّون على الرأي الذي ساءهم،وإنما يتخذون ردهم وسيلة إلى نشر ترجمة مَن نقدهم ترجمة مشوَّهة مكذوبة،وإلى تحليله تحليلاً نفسياً أحمق يخلقونه فيه كما يريدون لا كما خلقه الله!وكل هذا بعيد عن هذه الخصومة الموضوعية التي ندعو إليها..

هذا مثال من الخصومة الموضوعية وأساسها أن تفرق بين الرأي وصاحبه،وأن تقتصر في دفاعك عن رأيك ومحاربتك لرأي خصمك على الحجّة التي تزيّف هذا الرأي من غير أن تتصل بصاحبهنوأن تحترم الرأي المصيب وإن كان صاحبه أسخف الناس،وأن تزدري الرأي الفائل ولو كان صاحبه أعقل الناس“.

يقول العلامة الشيخ محمد الخضر حسين(مقال الإنصاف الأدبي ـ):

„قلّة الإنصاف بحرٌ إلى التقاطع،والإنصاف يدعو إلى الألفة،ويؤكد صلة الصداقة،فإذا كنت في مجلس،فقرر الرجل رأياً واضح الحجة،فغلبك ما في نفسك،وحاولت أن تصوره للناس خطأً فقد ألقيت بينك وبينه عداوة،فإن خضعت لحجته،وأعربت له عن استحسان رأيه ،فقد مددت بينك وبينه سبباً من أسباب الالفة،إذ يشعر من إنصافك أنك لا تحمل له ضغناً،ولا تكره له أن ينال حمداً،فإن سبق هذا الإنصاف خصومة شعر بأنك خصم شريف،فيسعى لأن تنقلب الخصومة سلماً،ويتبدل التقاطع ولاءً.

وقلة الإنصاف تسقط احترامك من العيون،فإن من يراك تهاجم الآراء المؤيّدة بالحجة قد يحمل هذا الهجوم على قصر نظرك،وعجزك عن تمييز الباطل من الحق،فإن حمله على أنك تهاجمها،كراهة أن تكسب صاحبها حمداً وقع في نفسه أنك تتمنى لغيرك زوال النعمة،أو أنك حريص على الانفراد بخصال الحمد،فإن ذهب في تأويل أبائك لقبول الحق إلىة أنك تموه على الناس،حتى لا ينسبوا إليك نقيصة الخطأ،علم ما لم يكن يعلم من إيثارك النفس على الحق.

ولا احترام لمن لا يدرك الآراء المؤيدة بالحجة،أو يتألم من أن يرى غيره في نعمة،أو من يعمل للانفراد بالحمد من طريق التعسف والعناد،أو من يدافع عن نفسه نقص الخطأ بمحاولة قتل الحق.

قلة الإنصاف تُسقط احترامك من القلوب،والإنصاف يزيد احترامك في القلوب مكانة،ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك،ونقائها من أن تكون حملت شيئاً من دنس الحسد،أو حام بها الغلوُّ في حُبِّ الذات.

وقلة الإنصاف تحدث في العلم فساداً كبيراً،ذلك بأن من لم يقدر الإنصاف قدره،قد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأن تكون قد صدرت منه،فيقابلها بالرد والإنكار،وقد تكون له براعة بيان،فيصرفها في تشويه وجه الحق وهو يعلم أنه حق،فيظهر الجهل على العلم ولو في فئة قليلة،أو دائرة صغيرة.

قلة الإنصاف تخذل العلم،وتطمس شيئاً من معالمه،والإنصاف يؤيد العلم،ويجعل موارده صافية سائغة.

ولو أخذ الإنصاف حظّه من نفوس جميع الباحثين عن الحقائق لقلّت مسائل الخلاف في كل علم،فيكون حفظ العلوم أيسر،ومدة دراستها والرسوخ فيها أقصر.

يقول عبد الله بن المقفع: „لاتلتمس غلبة صاحبك والظفر به عند كل كلمة، ولاتستطيلن عليه بظهور حجتك، فإن قوماً قد يحملهم حبّ الغلبة أن يتعقبوا الكلمة بعد ماتُنسى يلتمسون بذلك الغلبة والاستطالة على الأصحاب، وذلك في العقل ضعف وفي الأخلاق لؤم“.

وإذا كنت ياصاحبي لاتستطيع أن تفرح لخصمك إذا أظهر الله الحق على لسانه، ولا أن تكتم نصرك وإعجابك بنفسك إذا أظهر الله الحق على لسانك فدع الحوار ودع المجادلة وافعل كما فعل الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه الله حيث روي عنه كما جاء في كتاب إمام الأزهر محمد أبو زهرة رحمه الله قال: “ روي أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه رأى ولده حماداً يناظر في المسجد فنهاه. فقال الولد: أما كنت تناظر؟ فال: بلى، ولكن كُنا كأنّ على رؤوسنا الطير من أن يخرج الباطل على لسان الخصم، بل كُنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم كذلك فافعلوا“.

ويجب أن تكون قنوات الحوار مفتوحة بدون خلفيات أو آراء مسبقة شخصية أو حزبية، وهنالك وللأسف الشديد بعض الدعاة يجادلون الآخرين لا من أجل الوصول إلى الحق بل من أجل إقناعهم برأيه، ويكون مُوّطناً نفسه على ذلك بدون أن يصغي للآخرين وبدون أن يستمع إلى أرائهم ويدرس مواقفهم ويتفهم شروحهم، بل تجده أثناء الحوار أو الجدال كالأسد المتوثب المتأهب تمام التأهب للوثوب والدفاع عن رأيه، لا لأنه حق وصواب، بل لأنه رأيه الشخصي وقناعته الذاتية ناسياً الحديث الشريف الصحيح: “ اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه وأمتني عليه وأرني الباطل باطلاً وألهمني اجتنابه وكرّهني فيه„.

وقد يكون التعصب لشيخ أو زعيم أو قائد حركة أو جماعة…مايمنع من الانتصار للحق رغم معرفته به إذا جاء على لسان الخصم المحاور، وهذا إن دلّ على شئ فإنما يدل على الجهل الذي مابعده جهل، والتعصب الذميم الممقوت. يقول الإمام الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين:“ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حَفْل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أنه قال: هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها!!!ومالم يذكره الشيخ لاخير فيه، فأمسك عنه المستدل تعجباً!!

وهناك التعصب لفئة معينة أو جماعة أو حركة من الحركات وهذا قد شوهد قديماً ونراه حديثاً في واقعنا المعاصر،حيث أن بعض من يدخل ساحة الحوار بقوالب فكرية معدّة سابقة وانتماءات حزبية مقررة سلفاً، وهو يدخل الحوار من أجل تقرير رأيه والأخذ به، والمدافعة عنه والتعصب له، وليس عنده الاستعداد أبداً أن يتنازل عن رأيه حتى وإن تبين له خطؤه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:“كثير من المنتسبين إلى طائفة في العلم أو الدين أو إلى رئيس معظّم عندهم، فإنهم لايقبلون من الدين ـ لافقهاً ولارواية ـ إلا ماجاءت به طائفتهم“.ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله في “ الاعتصام“ :أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جُهال الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزدراء،فثارت في بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهورفسادها“.ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: „إذا وجدوا آية من كتاب الله توافق رأيهم أظهروا أنهم يأخذون بها، وإذا وجدوا آية نظيرها تخالف قولهم لم يأخذوا بها وطلبوا لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث توافق رأيهم، وهكذا يفعلون في نصوص السنة سواء إذا وجدوا حديثاً صحيحاً يوافق قولهم أخذوا به، وقالوا: لنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيت وكيت، وإذا وجدوا مائة حديث صحيح بل وأكثر تخالف قولهم لم يلتفتوا إلى حديث منها“.وجاء في بهجة المجالس لإبن عبد البر[ج1 ص97]: قال أبو الزناد لإبن شِبرمة في مناظرته له: من عندنا خرج العلم، فأجابه ابن شبرمة : ثم لم يعد إليكم!!“.

إن الحوار الحقيقي الناجح لابد أن يكون غايته الرئيسية وهدفه الأسمى الوصول إلى الحق بغض النظر عمّن يصدر عنه الحق، صغيراً أو كبيراً،عالماً أو متعلماً،تلميذاً أو استاذاً.أما أن يظن بعض الدعاة أنه الوحيد على الحق، وأنه يجب على الآخرين الالتزام بأرائه وافكاره، وأنه المعصوم وغيره على خطأ، فقد أخطأ وانحرف .وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“الكبر بَطر الحق وغمطَ الناس„[أخرجه أبو داود]، ويقول ابن عطاء الله السّكندري رحمه الله:“ رُبّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكبارا“.

ومن جهة أخرى فإن كراهية المحاور للطرف الآخر، ورفض ماعنده ولو كان صواباً، قد يصل الأمر بين الإثنين إلى الصراخ والشتائم ووصم كل واحد منهما لللآخر بأقبح الألفاظ وأحطِّ العبارات، وربما وصل الأمر بينهما إلى التشابك بالأيدي والعراك.بينما القاعدة الشرعية تقول“ الخلاف في الرأي لايُفسد للود قضية“.وقالوا أيضاً “ رُبّ كلمة قالت لصاحبها دعني“.

فلابد إذاً من الجدال بالتي هي أحسن،بلا تحامل على المخالف، ولاترذيل له، وعدم استعمال الألفاظ النابية معه،حتى يشعر المحاور الآخر أن من يحاوره لايسعى إلى الغلبة في الجدال، ولكنه يسعى للوصول إلى الحق، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وأحياناً عِنادها، وهي لاتتنازل عن آرائها ومواقفها التي تعتنقها إلا باستعمال اللين والرفق في الكلام حتى لاتشعر بالهزيمة، وحتى لاتعتبر التنازل عن الرأي هو تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكبرياؤها.

يقول الاستاذ عصام العطار حفظه الله:“كيف تسمعني وتفهمني وتستجيب لدعوتي وبيني وبينك سدود من الأهواء والشهوات وشواغل الدنيا؟ ليتني أستطيع أن أخترق هذه السدود الكثيفة إلى قلبك وفكرك ، فلابد أن تسمعني ولابد أن أسمعك إذا أردنا لأنفسنا النجاة“.

وأخيراً فإن غاية الأمر كله أن يكون الوصول إلى الحق والعمل به إرضاءً لله نية وعملاً هو الأصل والغاية والهدف المنشود،وإلا وقع الداعية في محذور قوله صلى الله عليه وسلم:“إن من يطلب العلم ليجادل به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه لم يجد رائحة الجنة“ [أخرجه الترمذي]. وقال صلى الله عليه وسلم:“ إذا رأيت شُحاً مطاعاً وهوىً متبعاً،ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام„.[رواه أبو داود والترمذي].

وأخيراً انظر معي إلى هذا المثال الواقعي لأدب الحوار عند الاختلاف مابين الإمام مالك والإمام الليث بن سعد رحمهما الله[مجموعة السفير ج9 ـ 10 ص644]:“ومن أعظم مايروى عن الأئمة من أدب المحاورات في المسائل الأختلافية مادار بين الليث بن سعد ومالك رحمهما الله تعالى. فقد أرسل الليث إلى مالك رسالة يناقشه فيها في بعض ماخالفه من أراء ويظهر في رسالته الأدب الجم والذوق الرفيع والتواضع للحق.يقول الليث في رسالته:“سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لاإله إلا هو، أما بعد، عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والأخرة،قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك عليكم وأتمّه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه،ثم قال: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وإني يحقُّ عليَّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي ما أفتيهم به وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة وبها نزل القرآن،وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولااشدّ تفضيلاً لعلماء أهل المدينة الذين مضوا،ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني،والحمد لله رب العالمين لاشريك له.ثم يذكر الليث طرفاً من الاختلاف مع بعض الأئمة في الرأي ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن إلا أنه على ما أخذ عليه، يقول في حقه:“ ومع ذلك ـ نحمد الله ـ عند ربيعة خير كثير وعقل أصيل ولسان بليغ وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن ماعمله.ويعود فيذكر طرفاً من المسائل الخلافية بينه وبين مالك ويناقشه فيها ويرد عليه رأيه إلا أنه يقول له بعد ذلك:“ وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة،وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناس بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي ورأي فيك،ولاتترك الكتاب إليَّ بخبرك وحالك وحال ولدك واهلك ،كتبت إليك ونحن معافون والحمد لله ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعمه به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله“.

ويعجبني في نهاية هذه الفقرة أن أنقل ما ذكر أديب العربية الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة المجلد الأول ص132 تحت عنوان“أدب الماظرة“):

„إن لإخلاص المتكلم تأثيراً عظيماً في قوة حجته وحلول كلامه المحل الأعظم في القلوب والأفهام،والشاتم يعلم عنه الناس جميعاً أنه غير مختص فيما يقول،فعبثاً يحاول أن يحمل الناس على رأيه، أو يقنعهم بصدقه،وإن كان أصدق الصادقين.أتدري لم يسب الإنسان مناظره؟لأنه جاهل وعاجز معاً، أما جهله فلأنه يذهب في واد غير وادي مناظره وهو يظن أنه في واديه ولأنه ينتقل من موضوع المناظرة إلى البحث في شؤون المناظر وأطواره وصفاته وطبائعه، كأن كل مبحث عنده مبحث“فسيولوجي“،وما أعجزه فلأنه لو عرف إلى مناظره سبيلاً غير هذا السبيل لسلكه،وكفى نفسه مؤونة ازدراء الناس إياه وحماها الدخول في مأزق هو فيه من الخاسرين،محقاً كان أم مبطلاً.

لايجوز بحال من الأحوال أن يكون الغرض من المناظرة شيئاً غير خدمة الحقيقة وتأييدها،وأحسب أن لو سلك التاب هذا المسلك في مباحثهم لاتفقوا على مسائل كثيرة هم لايزالون مختلفين فيها حتى اليوم، وما اختلفوا فيها إلا لأنهم فيما بينهم مختلفون.يسمع أحدهم الكلمة من صاحبه ويعتقد أنها كلمة حق لاريب فيها،ولكنه يبغضه فيبغض الحق من أجله فينهض للرد عليه بحجج واهية واساليب ضعيفة وإن كان هو قوياً في ذاته،لأن القلم لايقوى إلا إذا استمد قوته من القلب،فإذا جئ بالحجج والبراهين لجأ إلى المراوغة والمهاترة،فيقول لمناظره مثلاً:إنك جاهل لا يعتد برأيك أو إنك مضطرب الرأي لا ثبات لك،تقول اليوم غير ما قلت بالأمس،وهنالك يقول له الناس: رويداً، لاتخلط في كلامك، ولا تراوغ في مناظرتك،ولا شأن لك بعلم صاحبك أو جهله،فإنه يقول شيئاً، فإن كان صحيحاً فسّلم به،أو باطلاً فبّين لنا وجه بطلانه،وهبه قولاً لا تعلم قائله،ولا شأن لك باضطراب صاحبه وثباته، فربما كان بالأمس على رأي تبيّن له خطؤه اليوم،والمرء يخطئ مرة ويصيب،فإذا ضاق بمناظره وبالناس ذرعاً فرّ إلى أضعف الوسائل وأوهنها،فسبّ مناظره وشتمه وذهب في التمثيل به كل مذهب، فيسجل على نفسه الفرار من تلك المعركة والخذلان في ذلك الميدان“.

معوقات الحوار

إن أهم هذه المعوقات هي:

ـ الخصام واللدّد

ـ اللجاجة والمعاندة والمكابرة

ـ العصبية والحزبية

1ـ الخصام واللدّد:

جاء في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم„[رواه الشيخان والنسائي].والالدّ: شديد الخصومة.

يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله[تحت راية القرآن ص160]:“إن معنى الخصام واللدّد أنهم سفهاء أهل تكذيب وعناد ومكابرة على من يريد هدايتهم وإرشادهم، لايمكن صرفهم عن رأي يكون فيه الهوى كما لايمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المُصّر المُبتلى بالاستهتار والشك، فإن أصل الألدّ في اللغة: الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلايلوي عنقه في الصراع، وذلك من أكبر الأدلة على وثاقة تركيبه الجسماني، فإن عنق المصارع ثلث المصارع“.

ولعل من أوضح الأمثلة القرآنية حول هذا التعنت واللدد هم أهل قريش عندما طلبوا من النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ـ وهم اهل اللغة العربية ـ أن ينزل عليهم قرآناً اعجمياً، كيف ينزل عليهم كتاباً بغير لغتهم؟لايفهمه ولايفهمونه!!يقولون له:{ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله}[يونس 15] فيجيبهم الله عز وجل{ولو جعلناهُ قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصِّلت آياتهُ أأعجميٌّ وعربيٌّ [فصلت 44]كيف يكون القرآن أعجمي والمنزل عليه عربي؟!ويقول لهم تعالى مفنداً حججهم وتعنتهم ولجاجاتهم{وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ بلسانِ قومهِ لِيبينَ لهم} [ابراهيم4] وقال تعالى{ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين}[الأنعام7]

2 ـ اللجاجة والمعاندة والمراء والمكابرة:

جاء في الحديث الشريف: “ أنا زعيم ببيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في أعلى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً„[رواه أبو داود عن معاذ بن جبل ]وقال الألباني رحمه الله: للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن. ومعنى الحديث: أي رغم ثبوت الحق لايكون إثباته عن طريق الجدال والمراء.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله [التفكير فريضة إسلامية المجلد الخامس ص306]:“الجدل: بحث عن الغلبة والإلزام بالحجة، وقد يرمي إلى الكسب والدفاع عن مصلحة مطلوبة، وقد يتحرى مجرد المسابقة للفوز على الخصم وإفحامه في مجال المناقضة واللجاج، ويتابع:“ هذه الصناعة ـ صناعة الجدل ـ ليست في شئ من المنطق القويم للبحث عن الحقيقة، ولكنها صناعة يتعلمها طالبها وهو عالم أنه ينشد الغلبة على خصومه في المناقشة بالحق أو بالباطل، فإن لم يتعلمها عامداً هذا العمد فقد ينساق إليها بطبيعة الجدل وشهوة المغالبة، فيؤثر المغالطة على المصارحة، ويصر على المكابرة لجهله بالحقيقة أو مكابرة فيها، ويتابع العقاد:“وقد ضرب المثل „بالجدل البيزنطي“ في طول اللجاجة وسوء العاقبة وقلة الجدوى لطلاب الحقيقة والصلاح، ولكن البيزنطيين لم يكونوا بدعاً في هذه الآفة ولم ينفردوا بالجدل على غير طائل كلما فتحت أبوابه على مصطلحات المنطق أو على غير مصطلح مفهوم غير اللدد والعناد، فإن بني اسرائيل قد سبقوا البيزنطيين إلى أمثال هذه المجادلات الخاوية إلا من الباطل والشحناء… ويتابع:“فلايزال الجدل حيث كان مقترناً بأعراضه الوبيلة وأشهرها وأوبلها ثلاثة:

ـ إغراء الناس بالمماحكة بالقشور دون الجوهر واللباب من حقائق الأمور

ـإثارة البغضاء والشحناء على غير طائل ولعاً بالغلبة والاستعلاء بدعوى العلم والصواب

إشاعة الخلاف بين الآراء جماعة بعد جماعة إلى غير نهاية يقف عندها ذلك الخلاف فتنقسم الأمة إلى شيع وتنقسم الشيعة إلى فرق، وتنقسم الفرقة إلى شعب وفروع حتى لاتبقى فئة واحدة على رأي واحد وإن قلت في العدد وصفرت في منزلة الفكر“. انتهى كلام العقاد رحمه الله.

نعم، وهكذا يطول الجدال وتقرع الحجة لابأختها ولكن ببنت عمها، ويتم الاستطراد من موضوع إلى موضوع لأقل مناسبة أو بدونها،وتثار مسائل كثيرة لا ارتباط بينها ولا اتصال تعالج معالجة سطحية تلامس القشور دون اللباب، ويكرر كل من التحاورين ماقال وقيل‘ وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها وحتى ينسى المتحاورون في نهاية الأمر على ماذا كان اجتماعهم وعلى ماذا كان اختلافهم!!

إن أصحاب الرأي والجدال هؤلاء تراهم غالباً يبتعدون أثناء الجدال عن المنهج الصحيح وعدم الاهتمام بأمور العقيدة والأصول،وإنما ترى الواحد منهم يهوى الخوض فيما يهواه الناس أو تهواه النفس، وبعضهم قد يناقش في مسائل عقيمة لاجدوى منها وهمّه فقط المناظرة والجدال والكلام من أجل الكلام، وترى البعض منهم يصرف همه ووقته وعمره في مثل هذه المسائل والمباحث ويترك ما هو أهم منها للمجتمع والبشرية.

وهؤلاء القوم تجدهم غالباً يدخلون في توافه الجزئيات ويتركون الأصول، ويتكلمون في فروع الفروع تاركين الكليات والجذور، فتراهم يتكلمون مثلاً في كيفية وضع اليد أثناء الصلا’ أو مدى طول شعر اللحية أو قصرها، أو الالزام أو عدمه بلبس الملابس العربية في الدول الأوروبية، وهل يجوز الأكل بالملعقة والسكين والشوكة أو لايجوز، والجلوس على الكرس والطاولات أثناء الطعام أو على الأرض فقط… وينسى هؤلاء أن الخلاف الفقهي في هذه المسائل الفرعية لايفسد للود قضية.

يقول الأستاذ أحمد أمين[فيض الخاطر ج7 ص323]:“أما السر في هذه الفوضى كلها، وهذا الجدل الطويل كله؟سره: في قلة العقل فأقل الناس عقلاً أكثرهم كلاماً، ومن لم يحاسب نفسه على مايقول قال مايشتهي.وسره:في عدم ضبط النفس، فالنفس إذا لم يكن لها ضابط من عقل وحكمة شردت وذهبت كل مذهب.وسره:في الراي العام الذي لايحتقر الجَدِل الخصم بل هو يطري طول لسانه وكثرة لجاجه وشدة إمعانه.وسره: في عدم تقويم الزمان، فلابأس عند الناس أن تضيع الساعات في كلام فارغ وجدل تافه، فهم يتفكهون بهذا كمايتفكهون بلعب النرد والشطرنج. وسره: في تشتت العقلية، فالتفاهم إنما يكون حين تتقارب العقلية، ولكنك تنظر فترى أميين بجانب متعلمين، وهؤلاء المتعلمون لاوحدة بينهم“.ويقول أيضاً رحمه الله[فيض الخاطر ج1 ص2 ـ 3]:“الناس إنما يخضعون لذي العقيدة وليس ذوو الرأي إلا ثرثارين، عُنوا بظواهر الحجج أكثر مما عُنوا بالواقع،ولايزالون يتجادلون في أرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيسكتهم، قد يجود الراي وقد ينفع وقد ينير الظلام وقد يظهر الصواب، ولكن لاقيمة لذلك كله مالم تدعمه العقيدة،وقلّ أن تُؤتى أمة من نقص في الرأي ولكن أكثر ماتؤتى من ضعف في العقيدة، بل قد تؤتى من قبل كثرة الأراء أكثر من أن تؤتى من قلتها“.

إنه من العبث والحماقة أن يتصدى الداعية المخلص الذي يطلب الحق ويسعى لإيصاله إلى الناس من محاورة وجدال أمثال هؤلاء من الناس، يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله[فيض الخاطر ج7 ص319]:“في الناس قوم لاينفع فيهم الجدل والمناقشة، فمن الحمق أن نضيع وقتنا وجهدنا في جدلهم ومناقشتهم. إن الجدل الناجح والمناقشة التي تؤدي إلى نتيجة معناها أن هناك شيئاً من الأساس متفقاً عليه، ومن المبادئ مسلماً به،فإذا لم يكن أساس ولامبادئ، فالجدل ضرب من العبث.إذا كان خصمك يريد الغلبة بالحق والباطل، وأداته في ذلك طول اللسان وقوة الحنجرة، فما معنى مناقشته!إنك في مناقشته تحتكم إلى المنطق وهو لايؤمن بمنطق،وتحتكم إلى وقائع، وهو يكذبها، وإن صدقها فسّرها تفسيراً يخدم أغراضه ويوفي بغايته، وإن سلكت مسلكاً سلك غيره عناداً فكيف تناقشه؟ ولم تناقشه؟ كيف تلتقيان إذا كان يريد الغلبة وتريد الحق، ويسلك مسلك التهويش، وتسلك طريق المنطق، وتلتزم أنت صحة الواقع ولايلتزم هو شيئاً، ففيم الجدل؟!وإذا كان خصمك قد وضع نصب عينيه في جدله أن يصل إلى منفعته الشخصية، ووضعت نصب عينيك أن تصل إلى الحق حيث كان، فكيف تلتقيان؟ثم هناك من يتحجر عقله على عقائد اعتقدها، أو مبادئ اعتنقها، فكيف تليّنه بعد هذا التحجر؟ أو تكسبه المرونة بعد هذا التصلب؟إنما ينفع الجدل قوماً يبرهنون فيعتقدون، لاقوماً يعتقدون ثم يبرهنون“.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن شكري(مجلة الرسالة العدد313):

„وإنما شرّ الحديث ما كان لجاجة وحباً للظهور بالعظمة وأثرة ورغبة في الانتصار وفي إرغام الناس على إجلال فكر.فإن بعض الناس ـ حتى بعض أفاضلهم وعلمائهم ـ يرتاد المجلس كي يزهى بعلمه وينتصر بالجدل.وبعض الذين لم ينالوا قسطاً كبيراً من التعليم يشعر بنقص إذا جالس الناس فيعمد إلى إخفاء ما يشعر به من نقص بما يظهر ذلك النقص،فتراه يحوّل الحديث من الموضوعات الشائعة المبتذلة إلى الأمور العلمية ويحاول أن يسيطر على الحديث باللجاجة وإدعاء العلم والإصرار على التهجم على مخالفه،وقد ينفعل انفعالاً نفسياً شديداً،وليس انفعاله من شدّة انتصاره للحق ولا من ذعره أن يسود الباطل العالم،وإنما انفعاله من غيظه إذا لم يُمكن  من الانتصار في الحديث ومن إسكات مجادله كي يوهم نفسه وكي يوهم جلساءه أنه لا يشعر بنقص علمه،وقد يفطن جلساءه إلى أن باعثه على اللجاجة والانفعال شعوره بنقص تعلمه ولا يفطن هو إلى فطنتهم لنقصه فيضع نفسه في منزلة الخزي من غير داع.

ويتابع الأستاذ عبد الرحمن شكري:“وتشبث المرء بالحق في المجالس واجب،أما إعلان هذا التشبث بالجدل الذي يؤدي إلى الخصومة والعداوة والبغضاء والتضارب أو التقاتل فمن الضعف وقلة كبح النفس والعجز عن ضبط اللسان.وهذا العجز ليس من الحكمة في شيء بل هو من الطيش الذي قد يندم المجادل عليه ولو كان الحق في جانبه،فإن أحاديث الناس في مجالسهم ليس فيها ما يزكي اللجاجة التي تدعو إلى الخصومات.ويستطيع الجليس إذا خشي أن يُعدّ سكوته عن الجدل واللجاجة مشاركة في خطل الرأي أو إثم الغيبة أن يترك ذلك المجلس وأن ينصرف عنه إلى غيره بعد إعلان رأيه في رفق وتؤدة وحلم.

وبعض الناس قد طبع على أن يجادل لنصرة مايراه حقاً حتى ولو أدت المجادلة إلى المهاترة أو المضاربة،وكأنّما يشعر شعوراً غامضاً أن مصير الدنيا وبقاء الكون موقوف على انتصاره لما يراه حقاً،وقد يكون هذا المجادل اللجوج صادق النية مخلصاً في شعوره كأنه لم ير كيف أن العلماء والفلاسفة يأتون كل جيل أو كل عصر بآراء تخالف ما أتى به أسلافهم،والحياة قائمة بالرغم من خطأ السابقين أو اللاحقين،والسماء لم تنهد ولم تسقط على الأرض والدنيا على حالها يخالطها كثير من الخطأ، فلأي أمر إذاً يتضارب الناس في مجالسهم أو يتخاصمون من أجل اللجاجة والجدل.

ويتابع:“على أن في الناس من يحترف الجدل مكراً ودهاء كي يكون اعترافه بأصالة رأي مجادله أوقع وكي كي يكون انهزامه في الجدل أحب إلى جليسه الذي يجادله،وكي يفهم ذلك الجليس أن قوة بيانه ورجاحة حجته وفرط ذكائه هي الصفات العالية والهبات النفسية النادرة التي مكنته من إقناع ذلك المجادل الذي إنما يجادل كي ينهزم وكي يمدح صفات جليسه العقلية تقرباً إليه لحاجة في نفسه، وهذه وسيلة من وسائل الدنيويين الذين يريدون النجاح في الحياة.

وهناك نوع آخر من الجدل يثيره خبيث يعرف أن جليسه عصبي المزاج ينفعل إذا جادل فيحب أن يعبث به وأن يضحك من انفعاله، وأن يتخذه لهواً وقد يكون رأيه في الأمر الذي يجادل فيه مثل رأي ذلك العصبي المزاج ولكنه يخالفه كي يتفكه بضجيجه وصراخه وحركاته حتى إذا نال بغيته من الفكاهة أقرّ برجحان رأي ذلك العصبي المزاج فينال نوعاً آخر من الفكاهة إذا رأى عظم سروره وخمود ثورة أعصابه.

ويتابع:“واللجاجة في الجدل عند بعض الناس مرض يظهر خبث النفوس فترى بعض الناس يحقد على من يجادله ويسعى في أذاه إما سعياً ظاهراً وإما في الخفاء“.

ويقول الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:“تغيير الرأي كتغيير الرأس عند الجاهلين المعاندين، فلا تحاول أن تقنع جاهلاً معانداً بتغيير رأيه، فيضيع وقتك وتتلف أعصابك“.قال لقمان لإبنه يعظه[بهجة المجالس ج2 ص432]:“يابني لاتُمارين حكيماً، ولاتُجادلن لجوجاً ولاتُعاشرن ظلوماً ولاتصاحبن متهماً“.وقال بلال بن سعيد:“ إذا رأيت الرجل لجوجاً مُمارياً فقد تمت خسارته“.

ويقول الإمام الأوزاعي رحمه الله:“فما يصيب قوماً من الأقوام خطبٌ افدح عليهم من اشتغالهم بالجدل وتركهم العمل“.وقالوا: „أحقّ الناس بالمقت: الفقير المحتال،والضعيف الصّوال، والعيُّ القوال“.وقال الأصمعي:“من لاحى الرجال وماراهم قلّت كرامته“.

نعم لقد كره الإسلام الإمعان في الجدل وذمّ قوماً فقال{ ماضربوهُ لكَ إلاّ جَدلاً بل هم قوم خصمون} [الزخرف58]، وقال صلى الله عليه وسلم:“ماضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل„[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال:حسن صحيح]

إنهم قوم خصمون لايقفون عند منطق ولايقتنعون ببرهان.

3 ـ العصبية والحزبية:

وهذه من أهم معوقات الحوار، والمانعة للوصول إلى الحق، وهي تصدر عن أناس قد اصيبوا بضيق الصدر وقلة النظر، حيث لايرى أحدهم إلا مااعتقده، أو لُقّن به، أو ألقي في روعه.أما ماعدا ذلك من معارضيه فهم على خطأ، وهم أحق بكراهيته لهم، سواء من جهة أشخاصهم أو من جهة أفكارهم. هم أناسٌ يرون الرأي ثم يتلمسون البراهين لتأييده ودعمه،وهم ينفرون من الآراء الأخرى وإن كانت مدعومة بالكتاب والسنة ودلائل الحق وبراهين العقل والحجج اليقينية .

يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

„إن المتعصب إنسان لا يرى إلا ذاته،ولا يسمع إلا قول نفسه،ولا يؤمن بأحد غيره،أو غير فرقته وجماعته التي ينتمي إليها،فمنها يبدأ ومنها ينتهي،فهو مغلق الذهن والنفس عن الغير،وكل الناس غير،ما عداه وفرقته التي منحها عقله وشعوره وولاءه،فهي التي تفكر له وتحدد له من يحب ومن يكره،وعمن يرضى وعمن يسخط،دون أن يُعطي نفسه حق التأمل في هذه المقولات أو الامتحان لها أو مناقشتها فهذا كفر“.

(وقد تطرقنا إلى هذا الموضوع وبالتفصيل في مواضيع إحقاق الحق ويمكن الرجوع إليها).

8 ـ الصبر وعِظم الهمة من أهم أخلاق الداعية:

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

„إن هناك نوعين من الصبر لابد للداعية أن يتحلّى بهما،وهما الصبر على الإعراض،والصبر على الأذى.

وإننا لنجد مثالاً رائعاً للصبر بنوعيه هذين في كتاب الله…يبدو لنا في عرضٍ موجزٍ سريعٍ لقصة رسلٍ كرامٍ جاؤوا قومهم بالبينات،فقابلوهم بالإعراض والتكذيب…فناقشوهم بالحجة والبرهان،ولم ييأسوا من متابعة الطريق:طريق الدعوة إلى الله،مع شدة إعراض هؤلاء المكذبين…ثم قالوا لهم:{وعلى الله فليتوكلِ المؤمنون*ومالنا ألّا نتوكّل على الله وقد هدانا سُبُلنا ولَنَصْبِرَنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكلِ المتوَكِّلون}[إبراهيم 11 ـ 12].

والتوكل على الله المرحلة الأولى في الصبر،وهكذا قالوا:{ولنصبرن} بهذا التأكيد الحازم…لن نترك أمر الدعوة إلى الله بالأسلوب الحسن،والقول اللين،والموعظة الرفيقة،وسنتابع طريقنا وفق ما أمر الله.

لا يدفعهم إلى موقفهم إلا الرغبة في رضوان الله وإنقاذ قومهم وأهليهم من نار الله الموقدة…لا يدفعهم إلى دعوتهم إلا أنهم يريدون لأنفسهم وأهليهم سعادةً في الدنيا وارفة الظلال،وسعادةً في الآخرة…سعادةً أبدية.

وكأنهم يقولون لهم:فإن قابلتمونا وقابلتم دعوتنا بالإيذاء فلن نتوانى ولن نترك الدعوة…لن نتخلى عن عملية الإنقاذ لكم ولكل من تبلغه دعوتنا…سنتوكل على الله وسنصبر على إيذائكم {ولنصبرنّ على ما آذيتمونا}ودراسة خبر هؤلاء كما ورد في سورة إبراهيم(من الآية 9 وحتى الآية 15) من خلال هذا الحوار الحيّ المعبر ينتهي بالدارس إلى أن هذين النوعين من الصبر كانا واضحين عند هؤلاء الأنبياء الكرام:صبر على الإعراض،وصبر على الإيذاء.

وإننا لنجد كذلك في قصة نوح عليه السلام دروساً في الصبر العظيم،فهذا نوح يلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما:{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومهِ فلبثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عاماً فأخذهم الطّوفان وهم ظالمون}[العنكبوت 14].

لبث فيهم يدعوهم كما جاء في القرآن الكريم على لسانه يخاطب ربه:{قالَ ربِّ إنّي دعوتُ قومي ليلاً ونهاراً*فلم  يزدْهُمْ دعائي إلا فِرارا*وإنّي كُلّما دعوتُهُمْ لِتغفر لهم جعلوا أصابِعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا*ثُمَّ إنّي دعوتُهم جِهاراً*ثُمَّ إنّي أعلنتُ لهم وأسررتُ لهم إسراراً}[نوح 5 ـ 9] فلم يستجب له قومه إلا قليل،كما قال:{قالَ نوحٌ ربِّ إنّهم عصوني واتَبعوا من لم يَزدْهُ مالهُ وولدهُ إلّا خسارا*ومكروا مَكراً كُبّارا}[نوح 21 ـ 22]وعلى الرغم من ذلك فقد تابع نوح تبليغ الدعوة في وسط ٍ مُصرٍ على الكفر،مُغرقٍ في العناد والإعراض،قْرناً بعد قرن،بصبرٍ يفوق الخيال،حتى أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن:{وأُوحيَ إلى نوحٍ أنّهُ لن يؤمنَ من قومكَ إلّا من قد آمن فلا تبتئسْ بما كانوا يفعلون*واصنع الفُلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنّهم مغرقون}[هود 36ـ  37]“.

يقول تعالى:{فاصبرْ لِحكمِ رَبِّكَ ولا تكنْ كصاحبِ الحوتِ إذ نادى وهو مكظومٌ}[القلم 48].

يقول سيد قطب رحمه الله:“إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله،حتى يأتي موعده ،في الوقت الذي يريد بحكمته.وفي الطريق مشقاتٌ كثيرة.مشقات التكذيب والتعذيب،ومشقات الالتواء والعناد.ومشقات انتفاش الباطل وانتفاضه.ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون.ثم مشقات إمساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحقّ،لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق.مهما تكن مشقات الطريق.وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق.أما المعركة ذاتها فقد قضى الله فيها.وقدر أنه هو الذي يتولاها،كما قدّر أنه يملي ويستدرج لحكمة يراها.كذلك وعد نبيه الكريم.فصدقه الوعد بعد حين“.

ويقول تعالى:{وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقد عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين*فاستجبنا له ونجيناهُ من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}[الأنبياء 87 ـ 88].

يقول سيد قطب رحمه الله:“إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة،فضاق صدراً بالقوم،وألقى عبء الدعوة،وذهب مغاضباًنضيق الصدر،حرج النفس،فأوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين.ولولا أن ثاب إلى ربه،واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه لما فرّج الله عنه هذا الضيق،ولكنها القدرة حفظته ونجته من الغمّ الذي يعانيه.

وأصحاب الدعوات لا بد أن يحتملوا تكاليفها ،وأن يصبروا على التكذيب بها،والإيذاء من أجلها.وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقاً.ولكنه بعض تكاليف الرسالة.فلا بد لمن يكلفون حمل الدعوات أن يصبروا ويحتملوا ،ولا بد أن يثابروا ويثبتوا.ولابد أن يكرروا الدعوة ويبدئوا فيها ويعيدوا.

إنهم لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب،مهما واجهوا من إنكار وتكذيب،ومن عتو وجحود.فإذا كانت المرة المائة لم تصل إلى القلوب،فقد تصل المرة الواحدة بعد المائة.وقد تصل المرة الواحدة بعد الألف…ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أرصاد القلوب.

إن طريق الدعوات ليس هيناً ليناً…واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة.فهناك ركام من الباطل والضلال والتقاليد والعادات،والنظم والأوضاع،يجثم على القلوب،ولابد من إزالة هذا الركام.ولابد من استحياء القلوب بكل وسيلة.ولا بد من لمس جميع المراكز الحساسة،ومن محاولة العثور على العصب الموصل…وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء.ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشري تحويلاً تاماً في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها…وإن الإنسان ليدهش أحياناً وهو يحاول ألف محاولة،ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود،وقد أعيا من قبل على كل الجهود“.

ويلخص لنا العلامة محمد أبو زهرة الصبر والاحتمال الذي واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول في بدايات الدعوة قيقول:

„وكانت مغالبة بين الحق في محجته وبرهانه،والباطل في عدوانه،ومصارعة بين الضعف قوّاه الإيمان،والعنف حَطمه البيان،استشرى ذئب المشركين فآذوا المؤمنين،حتى اضطروهم في أول أمرهم إلى الاختفاء بعبادتهم،ولكنها نور ساطع،وضوء لامع،جذب إليه الأبصار،وقوة إلهية،ودعوة ربانية تنفذ إلى القلوب،ولذلك لم يطفىء نورها الاختفاء،ولم يحجبها عن الناس الانزواء،حتى انضم إلى الضعفاء بعض الأقوياء،فجهر المؤمنون بالعبادة بعد أن أخفوها،ونادوا بها جهاراً بعد أن تضرعوا بها إسراراً،وخرجوا من دار الأرقم صفوفاً جاهرة بكلمة الله مدوية بالتوحيد،فتزلولت الوثنية وعبّاد الأوثان،وطاشت أحلامهمنوبالغوا في الإعنات والكيد،ودبروا المكايد تتلوها مكايد،وأنزلوا الشدائد تتلوها شدائد،فالأرحام قطعوهانوالمكارم ديثوها بالصغار،واستهانوا بمآثرهم الباقية،وحركوا كل النزاعات الباغية،ومحمد صلى الله عليه وسلم ثابتٌ كالطود يدعو في رفق وأناة،وهو يسمع كلمات الشر والأذى تتدحرج من حوله حتى تصل إلى موطىء نعله،والمؤمنون يُؤذون فيحتمي أقوياؤهم بعصبياتهم،وينزل بالضعفاء أشد العذاب،حتى لكأنهم أصحاب الأخدود،وأولئك قُدّت قلوبهم من جلمود.

يقول تعالى :{فاصبر صبراً جميلاً}.[المعارج5].

يقول سيد قطب رحمه الله:“والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة،وتكررت لكل رسول،ولكل مؤمن يتبع الرسول.وهي ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق،ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية،موصولة بالهدف البعيد،متطلعة كذلك إلى الافق البعيد..

والصبر الجميل هو الصبر المطمئن،الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد.صبر الواثق من العاقبة الراضي بقدر الله،الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء،الموصول بالله المحتسب كل شىء عنده بما يقع به.

وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة.فهي دعوة الله،وهي دعوة إلى الله.ليس له هو منها شىء وليس له من وراءها غاية.فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله،وكل ما يقع في شأنها هو من أمر الله.فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقاً مع هذه الحقيقة ومع الشعور بها في أعماق الضمير“.