معالم في طريق الدعوة إلى الله (12/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
2 ـ بالصفح الجميل:يقول تعالى:{فاصفح الصفح الجميل} [ الحجر85] ، والصفح:ترك العقاب واللوم، وهو أبلغ من مجرد العفو،أي الحسن اللطيف بدون عتاب أو انتقام، يقول تعالى:{فاصفح عنهم وقل سلامٌ فسوفَ يعلمون}[الزخرف89]وتعامل مع الناس بالخلق الحسن بدون تبرم أو ضجر أو حنق أو حقد أو يأس.وقد كان في مقدور رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم وأن يطلب لهم العذاب والعقاب، كما فعل غيره من الدعاة أو الأنبياء، ولكنه لم يفعل بل دعا لهم ولم يدعو عليهم، وهذا يتطلب من الدعاة الحلم والتأني والمغفرة للناس واحتمال جفوتهم وغلظتهم وابتعادهم ، ويقول تعالى أيضاً{فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}[البقرة109].
يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص474):
„ومما أدّب الله به رسوله أن يتحلى بخلق الصفح، وهو الإعراض عن مواجهة السيئة بمثلها،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس صفحاً، يتلقى من قومه الأذى المؤلم فيعرض عن تلويمهم أو تعنيفهم أو مقابلتهم بمثل عملهم،ثم يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنما لم يلق منهم شيئاً.
وفي تأديب الله لرسوله بهذا الأدب أنزل الله عليه في المرحلة المكية قوله تعالى:{فاصفحِ الصفحَ الجميل*إنَّ رِبّكَ هو الخلاّقُ العليم}[الحجر 85 ـ 86].
ثم أنزل عليه قوله تعالى:{فاصفح عنهم وقُل سلامٌ فسوفَ يعلمون}[الزخرف89].
فكان يقابل أذى أهل الشرك بالصفح الجميل،وهو الصفح الذي لايكون مقروناً بغضب أو كبر أو تذمر من المواقف المؤلمة وكان كما أدبه الله تعالى.
ثم كان يقابل أذاهم بالصفح الجميل، ويعرض قائلاً:سلام.
وفي العهد المدني لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود أهل المدينة أنواعاً من الخيانة، فأنزل الله عليه قوله:{ ولا تزالُ تَطَّلعُ على خائنةٍ منهم إلاّ قليلاً منهم فاعفُ عنهم واصفح إنَّ الله يحبُ المحسنين}لاتزالُ [المائدة 13].
فصبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وعفا وصفح، حتى جاء الإذن الرباني بإجلائهم، ومعاقبة ناقضي العهد منهم“.
3 ـ الهجر الجميل:{ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً}[المزمل10]الذي لاإيذاء معه.
يقول سيد قطب رحمه الله:“والهجرُ الجميل مع التطاول والتكذيب،يحتاج إلى الصبر بعد الذكر.والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله،مرة ومرة ومرة،ولعباده المؤمنين برسله.وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده،والصبر جنته وسلاحه،والصبر ملجؤه وملاذه…فهي جهاد…جهاد مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها…وجهاد مع أعداء الدعوة ووسائلهم وتدبيرهم وكيدهم وأذاهم.ومع النفوس عامة وهي تتغضى من تكاليف هذه الدعوة،وتتفلّت،وتتخفّى في أزياء كثيرة،وهي تخالف عنها ولا تستقيم عليها.والداعية لازاد له إلا الصبر أمام هذا كله.والذكر وهو قرين الصبر في كل موضع تقريباً“.
ومن جانب آخر فإن عدم الاستجابة لايعني أن يكون الداعية يائساً مثبطاً محبطاً، ينعزل عن الناس ويبتعد عنهم ويميل إلى الانعزالية في تصرفاته وسلوكه تجاههم.
يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله[فيض الخاطر ج1 ص53]:“مما يدعو إلى الأسف أن صوتاً في الشرق علا كل صوت، وهو ليس خير الأصوات وأحبّها إلى النفس، هو صوت اليأس والتثبيط، يتغنى به كل أصناف الدعاة، فخطيب المسجد تدور خطبته دائماً على أن من يخطبهم ليسوا مؤمنين حقاً، فقد ارتكبوا الأوزار واجترموا من الآثام ما أخرجهم عن الإيمان الحق وأبعدهم عن الدين الصحيح، ولو أخذهم الله بأعمالهم لأمطرهم حجارة من السماء أو خسف بهم الأرض، ثم يصب هذا المعنى كل اسبوع في قالب، وكل القوالب متشابهة متقاربة، ويخرج السامع دائماً وقد ملأه اليأس وانقطع منه الرجاء إلا أن يتداركه الله بعفوٍ ليس جزاءً على عمل، ويتابع رحمه الله:“أيها الدعاة اكسروا قيثارتكم هذه التي لاتوقع إلا نغمة واحدة بغيضة واستبدلوا بها قيثارة ذات ألحان صنعها طَبٌّ بأدواء النفوس عليم، وأكثروا من ألحان تبعث الأمل وتدعو إلى العمل، وتزيد الحياة قوة ولاتشهروا برذيلة إلا إذا أشدتم بفضيلة ولاتسمعون صوت المعاول إلا إذا أريتمونا حجر البناء“.
يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله:إن تدبر سيرة الرسول العظيم وقاية للدعاة من اليأس، واليأس قتّال،إنه يقعد بالدعاة عن الاستمرار في الدعوة، وقد يقود بعضهم إلى التغير والسقوط في مهاوي الانحراف والضلال.إن يأس الدعاة يعني انتهاءهم، وقد ينفي بعضهم اليأس عن نفسه باللسان ولكنه يكون في حقيقة الأمر يائساً أعظم اليأس، إن ذلك النفي لايغير من حقيقة الأمر شيئاً، إذ الأمور بواقعها لابدعاوى المدّعين.
جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو متوسدٌ بردة في ظل الكعبة ـ فقلنا: الاتستنصر لنا؟ ألاتدعو لنا؟ فقال:“قد كان من قبلكم يُخذ الرجل فيُحفر له في الأرض حفرة فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار، فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد من دون لحمهِ وعظمهِ، فما يصده ذلك عن دينه،والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون“.ويتابع الدكتور الصباغ حفظه الله:“إن الأمور لاتأتي دائماً على مراد الإنسان، سواءفي أموره الدنيوية أم في أموره الدّعوية،والمؤمن مبتلى، فعلى المرء العاقل المؤمن أن يصبر، وأن يواجه الحياة بأمل،وأن يستبعد من طريقه اليأس، ولله دَرُّ القائل:
أَخلِق بذي الصبر أن يحظى بحاجتهِ ومُدمنِ القرعِ للأبوابِ ان يلجا
ومما يطرد اليأس التوكل على الله والصبر، والاستمرار على السير في طريق الدعوة، وليطمئن المؤمنون بأن العاقبة لهم، قال تعالى:{ وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين}[الروم47].
ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة المجلد الاول ص185 تحت عنوان الدعوة):
„ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعياً إلى ترك ضلالة من الضلالات أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لاتخمد نارها،ولايخبو أوراها حتى تهلك، أو يهلك دونها.ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة،وليس سلب الأجسام أرواحها،بأقرب منالاً من سلب النفوس غرائزها وميولها..ولا يضن الإنسان بشئ مما تملك يمينه ضنه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات،وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته،ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه،وما سالت الدماء ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب وذوداً عن العقائد.
لذلك كان الدعاة في كل أمة أعداءها وخصومها، لأنهم يحاولون أن يرزؤوها في ذخائر نفوسها،ويفجعونها في أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة،وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة،حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.
الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين، لأن ذلك ما لابد أن يكون.
الدعاة الصادقون يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم عاش بين أعدائه ساحراً كذاباًن ومات سيد المرسلين، وأن الإمام الغزالي عاش بالكفر والإلحاد ومات حجة الإسلام،وأن ابن رشد عاش ذليلاً مهاناً حتى كان الناس يبصقون عليه إذا رأوه، ومات فيلسوف الشرق،فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياءً وأمواتاً.
سيقول كثير من الناس:وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لاتحسن به ظناً،ولا تسمع له قولاً،إنه يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته،فيكون أجهل الناس وأحمق الناس.
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين،وهذا هو الداء الذي ألمّ بنفوس كثير من العلماء فأمسك ألسنتهم عن قول الحق،وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد،فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون،ويعيدوا عليهم ما يحفظون،فجمدت الأذهان،وتبلدت المدارك،وأصبحت العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس،ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهلاء مرضى والعلماء أطباء،ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فراراً من إزعاج المريض،أو خوفاً من صياحه وعويله،أو اتقاء لسبه وشتمه،فإنه سيكون غداً أصدق أصدقائه وأحبّ الناس إليه.
ويتابع رحمه الله:“رأيت الدعاة في هذه الامة أربعة:رجلاً يعرف الحق ويكتمه عجزاً وجبناً، فهو ساكت طول حياته لاينطق بخير ولاشر،ورجلاً يعرف الحق وينطق به ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته،فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها،وكان خيراً له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المر في „برشامة“ ليسهل تناوله وازدراده، ورجلاً لا يعرف حقاً ولا باطلاً، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها،فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل،والضار والنافع،في موقف واحد.ورجلاً يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة، لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة في سبيله،فهو عدوها في ثياب صديقها،لأنه يوردها موارد التلف والهلاك باسم الهداية والإرشاد.فليت شعري من أي واحد من هؤلاء تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!
ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلاءها،فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها. فليت شعري متى يتعلمون، ثم يرشدون.انتهى كلام المنفلوطي.
ومن السلبيات الأخرى التي قد يلجأ إليها بعض الدعاة إن لم تحصل استجابة لدعوته الانعزال وعدم الاختلاط بالمجتمع، وربما معاداته ومحاربته وربما تكفيره، وقد يفهمون بعض الآيات فهماً خاطئاً أو يضعونها في غير مواضعها، ومنها قوله تعالى{وإذ اعتزلتُموهُم وما يَعبدونَ إلا الله فأووا إلى الكهفِ يَنشر لكم رَبُّكم من رحمتهِ ويُهيئ لكم من أمرِكُم مِرفقا}[الكهف16]، وقوله تعالى{وأعتَزِلُكُم وما تدعونَ من دُونِ الله وأدعوا رَبّي عسى ألا أكونَ بِدُعاءِ رَبّي شقياً}[مريم48]، وقوله تعالى{وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}[الدخان21].
يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله[من وحي القلم ج2 ص90]:“إن الزاهد المنقطع في الجبل ينظر من صومعته إلى الدنيا، ليس بأحكم ولا أبصر ممن ينظر من آلامه إلى الدنيا.إن الزاهد يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن فراره من مجاهدة الرذيلة هو في نفسه رذيلة لكل فضائله،وماذا تكون العفة والأمانة والصدق والوفاء والبرُّ والإحسان وغيرها، إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل؟ أيزعم أحدٌ أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حواليه إلا عشرة أحجار؟ وأيم الله إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعاً، لهو الخالي من الفضائل جميعاً“.
إن الانعزال والبعد عن المجتمع ومحاربته والانفصال الشعوري والحسي عنه من الأخطاء الكبيرة التي يقع بها بعض الدعاة، وإن عدم صبرهم على من يدعونه وهجرتهم قد تلحق بهم أشد الضرر وكذلك على دعوتهم ولعلّ في قصة سيدنا يونس الذي لم يصبر على دعوة قومه وهجرانهم وابتعاده عنهم وما حدث له من بعد ذلك والتقام الحوت له ثم توبته وعودته مجدداً إلى قومه الذين أمنوا به والتحقوا بركب الدعوة من الأمثلة القرآنية الواضحة حول هذا الموضوع.
يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“لاتبالغوا في إساءة الظن بالإنسان،ولاتقطعوا الأمل في استجابة الناس للحق مهما بدا في أول الأمر من الصدِّ والإعراض، فقد يكون من وراء صخور القلوب البادية للعين ينابيعُ كامنةٌ للإيمان والخير، ولكن أين من يُفجّر بإيمانه وصدقه وصبره ومثابرته ووعيه واقتداره هذه الينابيع الكامنة،ليكون لنا من بعض هؤلاء المعرضين الآن بعض ماكان في الماضي من عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأمثالهما على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين الكرام من أصحابه إلى الإسلام“.
إن بعض الدعاة يظنون أنه يكفي لإقناع الناس بصحة دعواهم أن تكون الحجة جلية واضحة، والبيان فصيحاً بليغاً، فإذا لم يستجب الناس لهم ولدعوتهم يلقون التبعة على أكتافهم ظانين أنهم أدوا ماعليهم ولسان حالهم يقول“وما على الرسول إلا البلاغ“، وهؤلاء ينسون أن الأمر يحتاج إلى صبر ومعايشة ومثابرة، ولعل في قصة سيدنا يوسف عليه السلام في السجن تبين لنا كيف أنهم أحبوه ووصفوه من المحسنين بعد الخبرة والتجربة والقدوة الحسنة، فلابد من التعامل مع الناس والالتقاء بهم والصبر عليهم والإحسان لهم.
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله[خواطر في الدعوة إلى الله]:“ومن العقبات التي تعد من سلبيات الدعوة هذا الاستعجال الذي تلقاه عند نفر طيب من الدعاة الذين يحاولون اختصار الطريق، فينقطعون في منتصف الدرب، ويسيئون، وما أجمل هذا المثل الذي يُروى مرفوعاً ولكنه بسند ضعيف:“ إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق،فإنَّ المنبتَّ لا أرضاً قطع ولاظهراً أبقى„.إن الذي يستعجل في سيره فيحمل دابته على الجري المستمر، هذا الإنسان لايقطع مسافة قصيرة حتى تموت هذه الدابة وينقطع في الطريق، فلاهو قطع أرضاً ولاابقى لنفسه ظهراً يركبه،ويتابع:“ إن المطلوب من الدعاة هو البلاغ وليس عليهم إدراك النتائج، قال تعالى مخاطباً رسوله{فإن أعرضوا فما أرسلناكَ عليهم حفيظاً إن عليكَ إلا البلاغ}[الشورى48]،وقال تعالى {ليسَ عليكَ هُداهُم ولكِنَّ اللهَ يهدي من يشاء}[البقرة 272].انتهى كلام الأستاذ الصباغ.
وهناك فرق كبير بين“الغرباء“ الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم و“الانعزاليين“ الذين يتركون الدعوة والناس .
الحديث الشريف الصحيح:“بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدا فطوبى للغرباء“ [رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]، وفي رواية أخرى:“فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يارسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس„. وفي رواية:“ الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس„.
يقول الأستاذ محي الدين القضماني(كلمات ومواقف ص42 تحت عنوان غربة المسلم):
„تكون الغربة عادة في البعد والنزوح عن الوطن،ويصحبه شعور بالوحشة والانقباض،حين لايرى الغريب من حوله إخواناً وأعواناً، فيحن إلى أهله الذين تطيب له الحياة في كنفهم.
وقد يحسّ الإنسان بالغربة وهو في بلده إذا فقد الأمن والأنس ولم يجد أخاً يركن إليه وصديقاً يوافقه.
فغربة المسلم ليست بعداً عن الأهل والوطن،ولكنها تركه لما عليه أهل الجاهلية وابتعاده عن مسايرتهم في باطلهم،وشعور بالوحشة والانقباض من أعمالهم وسلوكهم،وحنين وشوق إلى مجتمع مسلم وحياة كريمة يرجوها ويسعى إليها ويرى فيها الأمنوالأنس والخير.
والمؤمن الذي عرف الله سبحانه وآمن برسوله،فعَلت همّته وصلح حاله واستقام على أوامر الدين،كثيراً مايعيش غريباً في قومه وبلده.وكيف لا يكون غريباً وهو يرى نفسه وحيداً في طريق الهداية والناس من حوله تائهون سادرون في الغواية مخالفون له في فكره ومشاعره وسلوكه؟وهو لايجد بينهم على الحق نصيراً ومعيناً.
لذلك عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأولون غرباء في بلدهم وبين أهليهم،لايلقون منهم إلا الإعراض والتكذيب والأذى.
ولكن الغربة لا تعني هنا الذل والضعف والمسكنة، ولكنها تعني قلة العدد مع الصلابة في الحق وعدم الانسياق مع الباطل وأهله.
إن الإنسان إذا عرف الحق وجبن عن التزامه مسايرة لأهل الباطل المنحرفين من حوله عاش إمعة، ولم يكن له شرف المؤمنين الغرباء الذين آثروا رضى الله والأنس به على رضى الناس والأنس بهم،وكانوا غالباً قليلاً في أهل زمانهم،كما قال تعالى:{فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم}[هود116]، فهؤلاء هم الناجون عند الله تعالى الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:“فطوبى للغرباء„.وقد جاء وصف هؤلاء الغرباء في بعض روايات الحديث“..فطوبى للغرباء.قيل: ومن الغرباء يارسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس„وفي حديث آخر“قيل: ومن الغرباء يارسول الله؟قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس“.
ويتابع الأستاذ القضماني:“وإن شعور الغربة هو الذي يحفظ على المؤمن تمسكه بدينه وعقيدته حين يعود الإسلام غريباً كما بدأ،حين يقل المؤمنون به الملتزمون لحدوده.وحين ينصرف السواد الأعظم من البشر عن تعاليمه ويعمون عن هديه، وحين يصير المسلم ـ كما يقول الإمام ابن القيم(مدارج السالكين) ـ غريباً في أمور دنياه وآخرته،لايجد من العامة مساعداً ولا معيناً،فهو عالم بين جهال،صاحب سنة بين أهل بدع،داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع،آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف.
إن شعور الغربة بالحق بين أهل الباطل يمنع المرء من أن يخالط الناس ويغشى منازلهم راضياً بما يرى منهم من كفر واستهزاء بآيات الله،طمعاً في رضاهم ورغبة في العزة بهم،فيسقط بذلك في زمرة المنافقين الذين يقول الله تعالى فيهم:{بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً*الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً*وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا}[النساء 138 ـ 140].
إن مجالسة المستهزئين بآيات الله مع السكوت عن انحرافهم واتخاذهم دينهم هزواً ولعباً هي أول مراتب النفاق الذي يفقد القلب حميته لله واعتزازه بدينه ونفوره من الاجتراء على محارمه.
والفهم الصحيح للغربة وهجر اهل الباطل لايعني الكسل واعتزال الناس والاستراحة من مجاهدتهم ودعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر،فسيد الغرباء يدعونا إلى أن نخالط الناس ونصبر على أذاهم، ويعلمنا أن الغربة تكون في عدم الانسياق معهم في باطلهم وفي تجنب إساءتهم إن أساءوا.انتهى كلام الاستاذ القضماني.
نعم، هؤلاء“الغرباء“ يبقون على دعوتهم ولقائهم بالناس رغم العوائق والتضحيات والمشاق، قد يحاربهم الجميع وقد يلقون أشد أنواع الأذى والعنت والمكروه ولكنهم باقون في الدعوة إلى الناس لايتخلون عن الدعوة ولايتخلون عن واجبهم .
نعم إن طريق الدعوة إلى الله سوف يواجه بكثير من الصعاب والعقبات، وسوف يكون محفوفاً بالمكاره والأشواك، فأعداء الدعوة وأنصار الباطل كثر، وسوف يتصدون للدعاة ويحاربونهم بكل شتى وسائل الكيد والخداع والمكر والبغي .
يقول الأستاذ حسن البنا رحمه الله مخبراً الدعاة عن العقبات التي سوف تواجههم وتؤخر من قبول الناس لدعوتهم، فيقول لهم :إن العقبات المتوقعة أن تجدوها في طريق الدعوة تتمثل:
1 ـ جهل الشعب بدعوتكم
2 ـ استغراب أهل التدين فهمكم وإنكار العلماء الرسميين جهادكم
3 ـ حقد الرؤوساء والزعماء وأصحاب الجاه والسلطان
4 ـ وقوف كل الحكومات على السواء في وجوهكم والحد من نشاطكم.
5 ـ تذرع الغاصبين بكل طريق لمناهضتكم ولإطفاء نور دعوتكم
6 ـ إثارة غبار الشبهات وظلم الإتهامات.
انتهى كلام البنا رحمه الله.
نعم ،هؤلاء هم الغرباء الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم يدعون إلى الحق ويستمرون في دعوتهم مع أنه لا أنصار لهم ولامُعين، فهم يشعرون أنهم كالغرباء في مجتمعاتهم يتحملون الأذى والمعاناة ولكنهم لايستنكفون عن الدعوة ويستمرون بها.
يقول الأستاذ محي الدين القضاني[كلمات ومواقف ص43]:“تكون الغربة عادة في البعد والنزوح عن الوطن،ويصحبه شعور بالوحشة والانقباض حتى لايرى الغريب من حوله إخواناً وأعواناً، فيحن إلى أهله الذين تطيب له الحياة في كنفهم، وقد يحس الإنسان بالغربة وهو في بلده إذا فقد الأمن والأنس ولم يجد أحداً يركن إليه وصديقاً يوافقه، فغربة المسلم ليست بعداً عن الأهل والوطن، ولكنها تركه لما عليه أهل الجاهلية وابتعاده عن مسايرتهم في باطلهم، وشعوره بالوحشة والانقباض من أعمالهم وسلوكهم، وحنين وشوق إلى مجتمع مسلم وحياة كريمة يرجوها ويسعى إليها ويرى فيها الأمن والأنس والخير، ويتابع:“والمؤمن الذي عرف الله سبحانه وآمن برسوله، فعلت همته، وصلح حاله، واستقام على أوامر الدين كثيراً مايعيش غريباً في قومه وبلده، وكيف لايكون غريباً وهو يرى نفسه وحيداً في طريق الهداية والناس من حوله تائهون سادرون في الغواية مخالفون له في فكره ومشاعره وسلوكه. وهو لايجد بينهم على الحق نصيراً ومعيناً، لذلك عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأولون غرباء في بلادهم وبين أهليهم لايلقون منهم إلا الإعراض والتكذيب والأذى، ولكن الغربة لاتعني هنا الذل والضعف والمسكنة، ولكنها تعني قلة العدد مع الصلابة في الحق، وعدم الإنسياق مع الباطل وأهله“.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:“وحين يصير المسلم غريباً في أمور دنياه وآخرته لايجد من العامة مساعداً ولامعيناً، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة الأهواء والبدع، آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر، والمنكر معروف“.
هذا هو المعنى الصحيح والحقيقي للغربة، وليس معناها البعد عن الناس، وتكفيرهم وتحقيرهم، وهو لايعني أيضاً الذل والضعف والمسكنة، بل المسلم الصادق عزيزٌ في نفسه، مُستعلٍ على الطاغوت والجبروت ولو كان وحده.يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“ يجب أن تكون في نفسك أكبر من الواقع الفاسد لتغير الواقع الفاسد،أما إذا شعرت بأنك أصغر منه فهو الذي سيغيرك“.{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.
أجر الداعية:
الدعوة إلى الله واجبٌ على كل داعية،وهي شرفٌ له،راجياً من الله ثوابه، خائفاً عقابه،ممتثلاً لأوامره،مجتنباً لنواهيه، عاملاً بأحكامه.
والأجر يناله الداعية من الله ربّ العالمين،فلايطلب من العالمين أجراً ولامالاً ولاثناءً ولاجاهاً.وقد جاء هذا المعنى العظيم في القرآن الكريم على لسان كثيرٍ من الأنبياء والرسل والدعاة:
نوح عليه السلام:{وياقوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله}
هود عليه السلام:{ياقوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني}
محمد صلى الله عليه وسلم:{ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}.
وفي سورة الشعراء تتكرر الآية الكريمة{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}، تتكرر خمس مرات على ألسنة خمسة من الأنبياء تأكيداً للقاعدة أن نربط الأجر على قول الحق والدعوة إلى الله بالله رب العالمين، وأن نقطع كل صلة ترتبط بأجر على الدعوة ممن ندعوهم إلى الله.
وفي سورة يس على لسان صاحب القرية{وجاءَ من أقصا المدينةِ رجلٌ يسعى قالَ ياقومِ اتّبعوا المُرسلين*اتّبعوا من لايسألُكُم أجراً وهم مُهتُدون} [يس20 ـ 21].
وقد جاءت الآيات القرآنية تبين عظيم أجر الدعاة إلى الله:
{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}
{الذين يُبلّغونَ رِسالاتِ الله ويخَشَونهُ ولايَخشونَ أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً}[الأحزاب 39]
{قل إني لن يُجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه مُلتحدا إلا بلاغاً من الله ورسالاته}[الجن 22 ـ 23]
وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تبين عظيم الأجر عند الله للدعاة في سبيله:
„من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه،من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً„[رواه مسلم والترمذي وأبو داود].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
„فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النّعم“ وفي رواية“ خير لك مما طلعت عليه الشمس“ [متفق عليه]
„من دلّ على خير فله أجر فاعله“.
„إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير“.
„إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال:يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء.فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا.وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم.فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق“.
„مثل ما بعثني الله به من الهدىوالعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً.فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.وكانت منها طائفة أخاذات أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. وكانت منها طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ،فذلك من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم.ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به“.
وجاءت أقوال السلف والخلف تبين على هذا المعنى:
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله لشباب الدعوة:“إن الله قد أعزّكم بالنسبة إليه والإيمان به والتنشئة على دينه، وكتب لكم بذلك مرتبة الصدارة من الدنيا ،ومنزلة الزعامة من العالمين،وكرامة الأستاذ بين تلامذته{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[آل عمران 110].فأول مايدعوكم إليه أن تؤمنوا بأنفسكم وأن تعتقدوا أنكم سادة الدنيا وإن أراد لكم خصومكم الذل،وأنكم اساتذة العالمين وإن ظهر عليكم غيركم بظاهر من الحياة الدنيا والعاقبة للمتقين“.ويقول لهم أيضاً:“أريد بالإخلاص أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك تكون جندي فكرة وعقيدة لاجندي غرض ومنفعة{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.
ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله محذراً هؤلاء الذين يعملون لمصلحتهم ومنافعهم المادية ولايرجون ثواب الله وأجره:“لاتربطوا أعمالكم بالنتائج القريبة والمكاسب المادية والدنيوية، إن توقعتموها عملتم وإلا انصرفتم عن العمل فهذا شأن المرتزقة لا شأن المؤمنين. أما المؤمنون الصادقون فحسبهم أن يكونوا مع الله، ومع الحق الذي انزله الله يجاهدون في سبيله ويموتون من أجله ويرون جزاء الله عز وجل خير من مكاسب الدنيا التي يتراكض إليها ويتهافت عليها الذين لايرجون الله واليوم الآخر{ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون* ولئن متم أو قتلتم لا إلى الله تحشرون}[آل عمران 157 ـ 158].
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:“لو عمل العاملون انتظاراً للجزاء في الدنيا لماتوا همّاً وكَمدا“.
وهناك من يحصل على ثواب الله في الآخرة وينال الأجر أيضاً في الدنيا بالتمكين وظهور دعوته وقطف ثمار عمله ودعوته فلنعم الجزاء في الدارين.
يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله[فيض الخاطر ج2 ص227] يتكلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ففي عشرين عاماً استطاع بتأييد الله أن يغير كل هذه الفوضى، وأن يغيّر كل هذه المظاهر، وفوق ذلك أن يغيّر هذا الروح، فجعل من القبائل واشباه القبائل أمة عربية واحدة،ورد الأصنام إلى أماكنها في الأرض وساوى بينها وبين أخواتها من الحجارة،وحوّل عبادتهم إلى إله واحد فوق الأرض وفوق السماء وفوق المادة كلها.هو وحده الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤ أحد،فرفع من نفوسهم المرتبطة بالحجارة، والمتصلة بالأرض لتحّلق فوق السماء ولتنظر إلى العالم كله نظرة سامية عميقة، ولتحتقر عرض الدنيا في سبيل نصرة الحق“.
ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص484):
„ومما أدّب الله به رسوله أن يكون عمله في تأدية رسالته خالصاً لوجه الله تعالى، لايبتغي به أجراً من الناس.
وبدأ هذا التأديب للرسول مع أول مراحل الرسالة،ومع وصف الله له بأنه لعلى خلق عظيم:{ن والقلم ومايسطرون*ما أنت بنعمةِ رَبِّكَ بمجنون*وإنَّ لكَ لأجراً غيرَ ممنون*وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم}[القلم 1 ـ 4].
فأبان الله له من طرف خفيّ أن عليه أن يخلص لله في تأدية الرسالة،وأن له أجراً على ذلك لاينقطع عند الله تعالى.ثم أبان له في السورة نفسها، أن الداعي إلى الله من شأنه أن لايطالب الناس بأجر على هدايته لهم،وإرشاده إياهم إلى منهج سعادتهم، حتى يكون أكثر تأثيراً فيهم،إذ يشعرون أنه لاغرض له عندهم، وإلا اتهموه بالغرض فضعف تأثيره في نفوسهم، يقول تعالى:{أم تسألهم أجراً فهم من مَغرمٍ مُثقلون}[القلم46].وجاء هذا على صيغة استنكار تكذيبهم له، مع أنه صلوات الله عليه لم يسألهم أجراً.
ثم أمره الله تعالى بأن يواجههم بقوله لهم: ما أسألكم عليه من أجر،حتى يقطع ظنونهم وأوهامهم، التي قد تصور لهم أنه طالب دنيا،مُلكٍ أو مالٍ،أو زعامة، أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا، فأنزل الله عليه:{قل ما أسألكم عليهِ من أجرٍ وما أنا من المُتكلّفين*إن هو إلا ذكرٌ للعالمين*ولَتعلَمُنَّ نبأهُ بعدَ حين}[ص 86ـ 88].
ثم أنزل عليه قوله:{وما أرسلناكَ إلاّ مُبشراً ونذيرا*قل ما أسألكم عليهِ من أجرٍ إلاّ من شاءَ أن يتخذَ إلى رَبِّهِ سبيلا}[الفرقان 56 ـ 57].فأمره الله أن يؤكد للناس أنه لايسألهم على الأمر الذي يقوم به لخيرهم وسعادتهم أي أجر، إلا رضا قلبه وسعادة نفسه بهداية من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا يكون فيها من الناجين.
ثم أنزل الله عليه :{وما أكثرُ النّاسِ ولو حَرصتَ بمؤمنين*وما تسألهم عليهِ من أجرٍ إن هوَ إلاّ ذكرٌ للعالمين}[يوسف 103 ـ 104].فأبان الله له أن أكثر الناس لايؤمنون ولو حرص على إيمانهم وهدايتهم، هذا مع أنه لايسألهم على الأمر الذي يقوم به لخيرهم وسعادتهم من أجر.
ثم أنزل عليه قوله:{أم تسألهم أجراً فهم من مَغرمٍ مُثقلون}[الطور40]. أي إنك لم تسألهم ولاتسألهم أجراً حتى يجدوا هذا الأجر مغرماً يستثقلونه، فيصدون من أجل استثقاله عن الاستجابة لك، والإيمان برسالتك، وتصديقك فيما تبلغهم عن ربك.
وكل ماسبق كان في العهد المكي. ثم أنزل الله على رسوله في العهد المدني:{قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القربى}[الشورى42]“.
وهناك وللاسف دعاة عن غفلةٍ أو علم يرجون ويبتغون منفعة الدنيا وثواب الخلق لا الخالق،وثناء البشر لارب البشر.
يقول حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:“وأشدّ الخلق تعرضاً لهذه الفتنة العلماء، فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستعلاء والفرح والاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يُلبس عليهم ذلك ويقول:غرضكم نشر الدين، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم،وترى الواعظ يَمُنّ على الله تعالى بنصيحة الخلق، ووعظه للسلاطين،ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدّعي أنه يفرح بما يُسِّر له من نصرة الدين،ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظاً، وانصرف الناس عنه، وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغَمّه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه الله تعالى هذا المُهِمّ بغيره،ثم الشيطان مع ذلك لايخليه ويقول: إنما غَمّك لانقطاع الثواب عنك، لا لإنصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المُثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود،ولايدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثواباً وأعود عليه في الآخرة من انفراده“.
ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في أمثال هؤلاء[فيض الخاطر ج2 ص163]:“وهذا يرى أنه قطب أهل العلم وعميدهم وإمامهم،رأيه مَقطع الحق ومَفصِل الصواب، قد استبطن دخائل العلم واستجلى غوامضه، وخَصّه العلم بأسراره فلم يمنحها إلا له،ولم يقفها إلا عليه، وهو في جيله نسيجُ وحدِه،وإمام عصره،لولاه لغاب نجم العلم وخبا ضؤوه، وهو وحده نصير الحق ورافع راية الصواب،ولولاه لعاش الناس في ظلام دامس، وضلال مطبق، وويل للناس إذا هدأ صوته أو خرج روحه“.
ويقول الشيخ العلّامة علي الطنطاوي رحمه الله واسكنه الفردوس الأعلى[في سبيل الإصلاح ص98]:“فصار التقي اليوم من يُكّبر عمامته،ويُطوّل لحيته، ويُوّسع كُمّه، ولاتفارق يده سبحته، ولايقف لسانه عن ذكرويطيل المكث في المساجد، وهذا كله حسن لا اعتراض عليه،غير أن حسنه ينقلب قبحاً أبشع القبح إذا اتخذه صاحبه أحبولة يصطاد بها الدنيا“.
ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“لن يفهمنا أبداً أؤلئك الذين يقيسون الأمور بمقاييس المنافع المادية، والمطالب الدنيوية، والعصبيات العائلية والإقليمية والحزبية،لن يفهمنا إلا أولئك الذين أمنوا بحقائقهم لابمجرد شعاراتهم، وأخلصوا وصدقوا كلّ الصدق في إيمانهم، فأحبوا لله، وأبغضوا لله،وأعطوا لله، ومنعوا لله،واتخذوا الإسلام وحده مقياساً يقيسون به الأمور ويحكمون به على الأشياء، هؤلاء هم الذين يفهمونا ونفهمهم، ويلتقون بنا، ونلتقي بهم على طريق الجهاد…أما الذين لايتجاوز الإسلام عندهم أن يكون شعاراً أو ستاراً فهم في وادٍ ونحن في واد، وهيهات أن يكون هناك لقاء“.ويقول أيضاً:“ما أبشع أن يتحول الإسلام إلى أداة لاصطياد الدنيا واستغلال الناس وخدمة المفسدين في الارض مهما اختلف ذلك في درجاته وصفاته باختلاف الناس والمواقع والظروف“.ويقول أيضاً:“ويلٌ لمن لايطلب من الدنيا إلا الوجاهة والكسب“.ويقول أيضاً:“ما أصعب المسير في طريق الحق والواجب والصبر على آلامه ومىسيه وتبعاتهِ الثقال لمن كان لايرجو الله واليوم الآخر ولايذكر الله كثيرا“.
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ص9 تحت عنوان دعوة الإسلام) موجزاً عناصر الموضوع قائلاً:
„إن دعوتنا هي دعوة الكمال،فكلما تردد الإنسان بين طريقين دعونا إلى خير الطريقين.
إن تردد العقل بين حق وباطل، كانت دعوتنا هي دعوة الحق،وإن تردد الطبع بين فضيلة ورزيلة، كانت دعوتنا هي دعوة الفضيلة،وإن تردد المرء بين لذة وواجب، كانت دعوتنا هي دعوة الواجب.
ونحن نعترف أنها دعوة لأصعب الطريقين،وأشقّ الأمرين.
ذلك لأن النحدار مع الهوى سهل، ولكن الصعود إلى المثل الأعلى صعب.والماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، ولكنه لا يصعد إلا بالمضخّات.