الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (5/13)

نعم، قد لاتستطيع إحدى الحركات أو الجماعات أن تحيط بكل جوانب الإسلام وأبعاده،أو قد لاتستطيع أن تقوم وحدها بحمل أعباء الإسلام ومتطلباته، وقد تنشط جماعة من الجماعات أو حركة من الحركات في مجالات التبليغ والدعوة،وأخرى في الردّ على المتشككين والملحدين، وثالثة في مجالات البر والأعمال الخيرية، ورابعة في تعليم الناس أحكام الحلال والحرام، وخامسة في تهذيب النفوس وتزكية القلوب وإصلاح العقول…وهذا لابأس به بشرط أن لاتنفي أي من هذه الحركات أو تنكر الجوانب الأخرى من الإسلام، ولابد قبل كل شئ من التعاون بينها جميعاً فيما يؤدي إلى خير الإسلام والمسلمين،ولابد من إقرار الجميع أن الإسلام كلٌّ متكامل لايجوز القبول بجزء منه على حساب ترك أجزاء أخرى،ويجب أن تكون الأولويات في عملنا ودعوتنا وجهادنا، هي الأولويات التي رسمها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية الشريفة.

يقول سيد قطب رحمه الله[دراسات إسلامية]:“إن الإسلام كلٌّ لايتجزا فإما أن يؤخذ جملة وإما أن يترك جملة،أما أن يستفتى الإسلام في صغار الشؤون، وأن يهمل في الأسس العامة التي تقوم عليها الحياة والمجتمع، فهذا هو الصغار الذي لايجوز لمسلم فضلاً عن عالم أن يقبله للإسلام“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله[من بقايا الأيام]:“نحن مصممون على أن ندخل في السلم كافة، فنكون مسلمين في كل جوانب حياتنا لا في جانب منها دون جانب، وعلى ان نأخذ بالإسلام كله، لانؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعضه،ولانكتفي من الإسلام ببعض أجزائه وفروعه التي يقبلها الطاغوت والتي نستطيع أن نعيش بها بأمن في ظل حكم جاهلي{وأن أحْكُم بَينهُم بما أنزلَ اللهُ ولاتتّبع أهواءّهُم واحذَرهُم أن يَفتِنوكَ عن بعضِ ما أنزلَ اللهُ إليكَ فإن تولّوا فاعلم أنّما يُريدُ اللهُ أن يُصيبَهُم ببعضِ ذُنوبهم وإنَّ كثيراً من الناسِ لفاسقون}.[المائدة49]

نعم، يجب على الداعية أن يضع الهدف السامي نصب عينيه، وأن لا يحيد عنه قيد أنملة، ولايقبل بالتنازلات، وأن يواجه التحديات ويتحمل مصاعب الطريق ومشاقه من أجل الوصول إلى الإسلام ـ كل الإسلام ـ غير مُجزأ، وغير مُقطّع، وغير مُشّوه، وأن لايهتم بما يلفقه حوله المشككون والانهزاميون، وأن لايخاف وعيد المبطلين والظالمين.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله[من بقايا الأيام]:“وأما المُشككون الذين يلقون في روع الشباب العاملين أن الإسلام لم يعد في مكانه أن ينتصر وأن يحكم هذا العصر، وأن عليهم أن يتخلوا عن هذا المطلب الكبير وأن يقتنعوا ببعض الجزئيات والفروع والرموز التي تدل عليه والعناوين التي لايندرج تحتها ماتقتضيه، أما هؤلاء فإننا نقول لهم:إن ثقتنا بانتصار الإسلام تنبع من إيماننا بالله عز وجل وبوعده الصادق في كتابه الكريم، وتنبثق من اعتقادنا بأن الإسلام هو مانحتاجه أمتنا وبلادنا والدنيا في هذا العصر لتنقذ نفسها مما تعانيه وتجد طريقها القويم، وقد أنزله الله عز وجل ليلبي حاجات البشر ويكون سبيلاً إلى خير الدنيا والآخرة في كل عصر وليبقى النور الهادي لهم على الدوام“.

إننا ونحن ندعو إلى الله بالتي هي أحسن، يجب علينا أن نتخلّق بأخلاق الإسلام، ونتأدب بأدابه، ونتجمل بفضائله، ونلتزم بمبادئه…وهذا يستدعي منا أيضاً عدم التنازل عن المبادئ الثابتة في الدعوة، وعدم اتخاذ المواقف المائعة تجاه القضايا المطروحة، وعدم القبول بأنصاف الحلول، والتنازل ولو قيد أنملة عن منهاج الله القويم وشرعه الحكيم.

إنه لمن المؤسف حقاً أن نجد بعض الدعاة يتصورون أو يظنون، أن من الحكمة والموعظة الحسنة السكوت على أخطاء الناس وانحرافاتهم، وعدم مواجهتهم بها، ويعللون ذلك بخشيتهم من أن ينفر الناس من دعوة الحق، ويبتعدوا عن الدعاة إليه..وإنه لمن المؤسف حقاً أن يخلط هؤلاء الدعاة بين التودد إلى الناس والتلطف بهم وإليهم، وبين التنازل عن مبادئ الدعوة بغية الحصول على رضا الناس وقبولهم وينسون أن الله أحق أن يخشوه ويرضوه!!

إنّ المتتبع لسيرة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ولسيرة الرسل من قبله، يستطيع أن يدرك كيف يسلك الطريق الصحيح في تبليغ دعوة الله، كما أمر الله بها من غير أن يتنازل عن مبادئ الإسلام ومن غير أن يخضع لظلم ظالم، أو يلجأ إلى مداهنة مداهن.

لقد أرسل الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون الطاغية، وأمرهما أن يقابلاه بكل اللطف والأدب{فقولا له قولاً ليناً لعلّه يتذكر أو يخشى}[طه 44]، ولكن مع هذا اللطف واللين فقد بدآه بقول{والسلام على من اتبع الهدى}ولم يقولا له: السلام عليك. فهذا اللطف في القول كان مبطناً بالتحذير لفرعون من أنه على غير طريق الحق، وأنه غير متبع للهدى،ولكن كما ذكرنا بأسلوب رفيع ومؤدب وجميل.وعندما لم ينفع التحذير مع فرعون، وعندما رأى موسى تكبر فرعون وتجبره، لم تهن عزيمته، ولم تفترهمته،ولم يتزعزع إيمانه أو يتبلبل يقينه، بل أوضح له الحق كل الحق بلا مهادنة أو مساومة، وبكل وضوح وصراحة بدون خفاء أو مواربة، فعندما سأله فرعون المتكبر{قالَ فَمَن ربُّكُما يامُوسى}[طه49]، أجابه موسى الواثق من نفسه المؤمن بربه، إجابة العزّة والكرامة يلجم بها الطاغية:{ قالَ رَبُّنا الذَّي أعطى كُلَّ شئٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدى*قال فما بالُ القُرُونِ الأُولى*قالَ عِلمُها عِندَ ربي في كتابٍ لا يَضِلُّ ربي ولاينسى*الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ مَهداً وسَلكَ لَكُم فيها سُبُلاً وأنزلَ من السّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ أزواجاً من نباتٍ شَتّى*كُلُوا وارعوا أنعَامَكُم إنّ في ذلكَ لآياتٍ لأُولي النُّهى* منها خَلقناكُم وفيها نُعيدُكم ومنها نُخرجُكم تارةً أخرى} [طه 50 ـ 55].

إنك لاتجد قولاً مجملاً، أفصح وأكثر دلالة على تبيان الحق من هذه الكلمات يخاطب بها موسى فرعون الطاغية،الذي أدّعى الألوهية، لقد أفهمه كليم الله وبكل رفعة وعزّة بأنه ـ أي فرعون ـ ليس ربّاً وليس إلهاً، فهو مخلوق كغيره، وأن الله هو الذي خلق كل شئ وهدى،وأن الله عنده أسرار القرون الماضية واللاحقة، وأنه هو الذي خلق الأرض ومهدّها للناس، وأنه هو الذي يُميت ويبعث الموتى من جديد…كلمات قليلة، وجمل بسيطة التراكيب، غنية المعاني، تحمل الحق كلّ الحق بدون خوف من الباطل أو خشية من الظالم.

وانظر إلى موقف سحرة فرعون عندما تبيّن لهم الحق، كيف أذعنوا لسلطانه، وآمنوا به، ولم يرهبوا فرعون وعقابه، ولم يرضخوا لتهديده ووعيده،انظر إليهم عندما قال لهم الطاغية{قال آمنتُم لهُ قبلَ أن آذنَ لَكُم إنّهُ لَكبيرُكُمُ الذي عَلَّمكُمُ السِّحرَفلأُ قَطِّعَنَّ أيدِيكُم وأرجُلَكُم من خِلافٍ ولاُصَلِّبنَّكُم في جُذوعِ النخلِ ولَتَعلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عَذاباً وأبقى}[طه71]، إنه يهددهم بأبشع العذاب وأشده، إنه يهددهم بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والصلب على جذوع النخل، لكي تتشابك الأطراف المقطّعة التي يسيل منها الدم، والتي تتألم أشدّ الألم مع فروع النخل وأغصانه، لكي يزداد الألم ألماً ولكي يزداد العذاب قسوة،ومع ذلك أجابوه إجابة المؤمن الواثق الذي رأى برهان ربه، فصدع للحق ولم يخشى العذاب{قالوا لن نٌؤثِرَكَ على ماجاءَنا من البيناتِ والذي فطرنا فاقضِ ما أنتَ قاضٍ إنّما تَقضي هذه الحياةَ الدُّنيا*إنّا آمنا بِرَبِّنا لِيغفرَ لنا خطايانا وما أكرهتنا عليهِ من السِّحرِ واللهُ خيرٌ وأبقى}[طه72 ـ 73].

والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كان منذ بداية الدعوة، ورغم التهديدات والترهيب والوعيد، كان راسخاً كالطود في إيمانه، صامداً في دعوته لايهادن الباطل وأتباعه، ولايتملّق الظالم وأذنابه، ولايتنازل عن دعوة الحق.لقد هددته قريش بشتى أنواع التهديد، من الإبعاد والنفي والسجن والقتل، ولكنه مع ذلك لم يزدد إلا إيماناً وثباتاً ولم يتخلى عن ثوابت الدعوة ولم يتنازل عن مبادئها ولو قيد أنملة.

قال ابن اسحق: حدثني الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه ـ وذلك بعدما كذّبه قومه وتجهّمت الأرض له ـ، فقال له رجل منهم يُقال له بَيحرة بن فراس: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكونُ لنا الأمرُ من بعدك؟ قال صلى الله عليه وسلم: الأمرُ إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له بَيحرة: أفَتُهدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لاحاجة لنا  بدينك فأبوا عليه“.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:“إن هؤلاء قومٌ ينشدون الرياسة من وراء الإيمان الذي يساومونه عليه، فهم لايطلبون وجه الله ولايفكرون في ثواب الآخرة،والذين يُصّلون لغرض ويصومون لغرض ليسوا أصحاب صلاة ولاصيام، والذي يشترطون على الله لكي يؤمنوا به أن ياخذوا كذا وكذا ليسوا أهل إيمان.ويتابع رحمه الله:“ومن هنا انصرف نبي الله عنهم، لأنه لايعرف سياسة(خذ وهات)، ولايقود البشر عن طريق شهواتهم القريبة أو البعيدة ،إنما يقودهم عن طريق اليقين المحض والإخلاص المبرأ والعمل الصالح المبرور، والمسلم امرؤ يحيا وفق تعاليم دين، وهو ينتصر لدينه بالطرق التي يقرّها وحدها، وينأى عما عداها“.

وتزداد الأمور صعوبة على الداعية عندما يوجّه له الباطل أقرباءه وأحباءه يحاولون ان يثبطون من عزيمته ويحبطوا من سعيه وهمته، والداعية الحق هو الذي لايتأثر بتهديد غريب أو استعطاف قريب أو توسل حبيب.

قال ابن اسحق في السيرة:“ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذامروا فيه وحضّ بعضهم بعضاً عليهن ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى،فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك ـ أي قلنا لك: انه عنا ـ من ابن أخيك فلم تنهه عنا،وإنا والله لانصبرعلى هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعَيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ياابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا ـ للذي كانوا قالوا له ـ فأبق عليّ وعلى نفسك، ولاتحملني من الأمر مالا أطيق.فظنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَداء ـ أي خطر له فيه رأي ـ أنه خاذله ومُسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلِك فيه ماتركته„.

نعم، ما أروع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العظيم إنه بقي على الحق ولو تخلى عنه الأقارب، ولو تخلى عن نصرته كل الناس، وحتى أقرب المقربين منه،ونحن كما يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“إننا لانفتقر إلى الذين لايقولون كلمة الحق إلا إذا ملكوا معها أسباب الوقاية والنصر، إنما نفتقر إلى الذين يقولون كلمة الحق وهم لايملكون لها ولايملكون بها إلا الموت.إن دماء هؤلاء الأحرار هي التي تحفظ بقايا العقيدة والعزيمة في القلوب والشعوب، وتُوقد شعلة الأمل والنضال في ظلمات اليأس والاستسلام، وتزلزل الأسوار الشاهقة في سجن الحاضر الرهيب، وتفتح المنافذ الواسعة وتشق الطريق الصعبة إلى المستقبل الكريم“.

وعندما لم ينفع الترهيب والوعيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حاول كفار مكة أن يثنوا الرسول عن عزمه وينحرفوا به عن طريقه، باللجوء إلى أساليب الترغيب والمغريات، وهذا ديدن وحال الظالمين في كل زمان ومكان وفي كل عصر ومصر، يلجأون في البداية إلى الترهيب والتعنيف وتشويه الحقائق، فإن لم ينفع كل هذا لجأووا إلى اسلوب الإغراء والترغيب.ففي السيرة أيضاً:“ جاءه سيد قومه عتبة بن ربيعة وهو في مبدأ أمره، فقال له واعداً ملاطفاً بعد أن أعياهم تخويفه متوعدين: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من خيارنا حسبا ونسباً،وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفّهت أحلامهم،وعِبت آلهتهم ودينهم، وكفرّت من مضى من آبائهم،فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منا بعضها. فقال عليه السلام: قل يا أبا الوليد. فقال: يا ابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً،وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لانقطع أمراً دونك،وإن كنت تريد ملكاً ملكّناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيا ـ مسّا ـ من الجن لاتستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه. فما زاد عليه السلام من أجابه بآيات من القرآن ثم تركه يعود كما أتى.

يقول الاستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله:“لقد واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إصراراًعلى الكفر شديداً وعناداً عنيداً،وعزماً على محاربة هذه الدعوة واستئصالها،وكانوا قوة كبيرة، وكان صلى الله عليه وسلم والقلة التي كانت معه يعانون من الإيذاء والتكذيب مايعانون.ولكن هذا الواقع لم يضعف من عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد كان موقفه  في مقابلة ذلك ثباتاً على الحق واستمراراً في طريقه وصبراً على الأذى حتى نصره الله تعالى نصراً مؤزراً.إنه ثبات على الحق الذي آمن به وتلقاه من الله تبارك وتعالى لامثيل له وتصميم على الاستمرار في الدعوة. وقد أكرمه الله وأعانه على هذا الثبات. قال تعالى{وإن كَادُوا لَيَفتِنُونكَ عن الذي أوحينا إليكَ لِتفتريَ علينا غَيرَهُ وإذاً لأتخذوكَ خليلاً* ولولا أن ثبّتناكَ لقد كِدتَّ تَركَنُ إليهم شيئاً قليلاً *إذاً لأذَقناكَ ضِعفَ الحياةِ وضِعفَ المماتِ ثُمّ لاتجِدُ لكَ علينا نصيراً}[الإسراء73 ـ75].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال تعقيباً على هذه الآيات:“ هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً،محاولة إغرائهم لينحرفوا ـ ولو قليلاً ـ عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً،فأصحاب السلطان لايطلبون إليه أن يترك دعوته كلية،إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة، ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها.ولكن الأنحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الإنحراف الكامل في نهاية الطريق.وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لايملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها،فالذي ينزل عن جزء منها مهما كان صغيراً، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لايمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان، فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر.وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه، كالمركب يفقد خواصه إذا فقد أحد عناصره!وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم،وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها.والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة، والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم، ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصراً“.

إن الانحراف عن الحق، ومُداهنة الباطل وتزييف الحقائق، والتشويه على مستوى التصور أو السبل والغايات عند بعض الدعاة ممن يرفعون شعارات الإسلام عنواناً، ويشوهون حقائق الإسلام مضموناً، فإنه يأخذ صوراً عديدة، وإذا بحثنا عن أسباب هذا الانحراف، فإننا نجد أنه يعود إلى ضعف في شخصية الداعية، وعدم قدرته على مواجهة الباطل، أو لسبب قصور في تصوره، وهنا يلعب عاملا العلم والوعي دوراً كبيراً،أو لسبب الانهزام الداخلي أمام الخصوم، وغالباً مايكون سبب الإنحراف….اتباع الهوى!!

من أشكال الإنحراف:

1 ـ ترى بعض الدعاة، وباسم اللطف واللين مع الناس، يتنازلون عن كثير من مبادئ الدعوة والإسلام،ويسلكون بعض المسالك المنحرفة تأليفاً لقلوب من يريدون دعوته كما يدّعون ويزعمون!!وقد يقرون أحياناً بعض المخالفات الشرعية، والأسوأ من ذلك أن بعضهم قد يتملّقون العوام ويتزلّفون إلى سواد الناس على حساب دينهم ومبادئهم، ونحن ننصح هؤلاء بما قاله الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“قل الحق بشجاعة يستجب لك أهل الحق عندما يتبينون فيك الصدق والإخلاص، أما أهل الباطل فالأفضل أن يبتعدوا عنك“.

نعم ما أسخف الداعية الذي يضحي بعلمه ويرائي العوام والدهماء، من أجل عرض زائل أو زخرف باطل من زخارف الدنيا ومتاعها، وما أحقره عند الله وعند المخلصين من الناس عندما يقول“لا“ في موضع “ نعم“ أو يقول “ نعم“ في موضع “ لا“.

2 ـ وبعض هؤلاء الدعاة يرفعون شعار الإسلام، ولكنهم في حقيقتهم ـ جهلاً أو عمدا ـ يمالئون الطغيان، ونجدهم يُنزلون بعض الآيات غير منازلها،ويستشهدون ببعض الأحاديث في غير مناسباتها، من أجل أن يقدموا الإسلام للناس كما يريده أهل السلطان!!فإن أرادوه إسلاماً يسارياً نادوا بالإسلام الاشتراكي،وإن أرادوه رأسمالياً، قالوا برأسمالية الإسلام، وإن أرادوه بعيداً عن الحكم والسياسة، حصروه في الأخلاق وبعض الشعائر والعبادات وقالوا قولتهم: دع مالقيصر لقيصر ومالله لله!!وإن أرادوه إسلاماً خانعاً ذليلاً جرّدوا عنه الجهاد، وقالوا بإسلام السلام الذي يدعو إلى الصلح مع أعداء الله والإسلام، ويخضع لشروط الطاغوت وعبيد الظلام، وإن أرادوا محاربة الإسلام كدين وشرع ومنهج، قدموا لذلك بمحاربة أهل الدين والعلم بإسم محاربة التطرف والأصولية.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“لن تزال الدنيا بخير مادمت تستطيع أن تقول للباطل لا، ولو قالت له الدنيا كلها:نعم، وأن تقول للحق: نعم، ولو قالت له الدنيا كلها:لا،وأن تدفع ثمن هذا أو ذاك الحياة“.

3 ـ وبعض هؤلاء الدعاة يظن أنه من الحكمة والموعظة الحسنة، السكوت عن أخطاء الناس وانحرافاتهم وعدم مواجهتهم بها، خشية أن ينفروا من الدعوة ولايستجيبوا لها. يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله[مقدمة كتاب مقومات التصور الإسلامي لسيد قطب]:“ إن التلطف واجب ولكن التلطف في إظهار الحق وليس التلطف في إخفاء الحق. فهذا هو الآخر الذي قال الله تعالى فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم{ودُّوا لو تُدهنُ فيدهنُون}.[القلم9].

يقول سيد قطب رحمه الله في الآية التاسعة من سورة القلم“ودوا لو تدهن فيدهنون“:

„فهي المساومة إذن،والالتقاء في منتصف الطريق.كما يفعلوا في التجارة،وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير،فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شىء منها،لأن الصغير منها كالكبير،بل ليس في العقيدة صغير وكبير.إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء.لا يطيع فيها صاحبها أحداً ولا يتخلى عن شيء منها أبداً.وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق،ولا أن يلتقيا في أي طريق.وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان.جاهلية الأمس وجاهلية اليوم،وجاهلية الغد كلها سواء،إنّ الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر،ولا تقام عليها قنطرة،ولا تقبل قسمة ولا صلة.وإنما هو النضال الكامل الذي ستحيل منه التوفيق!

ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدهن لهم ويلين،ويترك سبّ آلهتهم وتسفيه عبادتهم،أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه،وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب!على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول!ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسماً في موقفه من دينه،لا يدهن فيه ولا يلين.وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانباً وأحسنهم معاملة وأبرّهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير.فأما الدين فهو الدين!وهو فيه عند توجيه ربه“فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون“.ولم يساوم صلى الله عليه وسلم في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة.وهو محاصر بدعوته.وأصحابه القلائل يُتخطفون ويُعذبون ويُؤذون في الله أشدّ الإيذاء وهم صابرون.ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تُقال في وجوه الأقوياء المتجبرين،تأليفاً لقلوبهم،أو دفعاً لأذاهم.ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو بعيد“.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:“والمداهنة التي يودها المشركون لون من الهدنة على حساب المبادئ المقرّرة،والمثل المنشودة، وهي هدنة تقوم على تملّق المجتمع، أو الحرص على المنافع الخاصة، أو النكوص عن التضحيات اللازمة“.والأنبياء ومن تبعهم من الدعاة يرفضون رفضاً حاسماً هذا المسلك القريب من النفاق والآثرة،إنهم صورٌ حية لرسالاتهم، وحراسٌ منتصبون للدفاع عنها والحياة بها أو الموت دونها، لايميلون عنها يمنة أو يسرة قيد أنملة“.

4 ـ وبعض الدعاة ـ وخاصة على مستوى القيادات ـ تسوّل لهم نفوسهم التنازل الضئيل جداً، بحجة السياسة ومصلحة الدعوة، وقد يحالف باطلاً من أجل أن يهزم باطلاً آخر!!ونقول لهؤلاء: إن الانحراف يبدأ دوماً صغيراً، ولكنه ينتهي إلى انحراف كبير، وهو يؤدي في نهاية الأمر إلى كون الدعوة هي الضحية الرئيسية لسياسة التنازلات البسيطة، وأنه في النهاية سوف يكون الدعاة الحقيقيون المخلصون هم ضحايا القبول بالتنازلات من زعمائهم وقياداتهم، وأن العاقبة ستكون في النهاية للباطل وأن الحق سوف يُداس بالأقدام. ونُذكّر هؤلاء ونقول لهم: إن الباطل دوماً أهل للهزيمة، ولكنه لايجد دوماً من هو أهل للانتصار عليه من أهل الحق{وقُل جاءَ الحقُّ وزَهقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كانَ زَهُوقا} [الإسراء81]، ونقول لهم: ما أحقر أصحاب المبادئ  والدعوات عندما يُضحون بها وينحرونها من أجل أتفه وأسخف الغايات، وخاصة إذا كانت دعوة الإسلام الخالصة وجند الإسلام هم ضحايا هذه السياسة.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله[مقومات التصور الإسلامي ص28]:“لايمكن أن يلتقي الإسلام مع الجاهلية لا في منتصف الطريق ولا في أول الطريق،إن طبيعته ليست من طبيعتها، ومن ثم فإن طريقه ليس عن طريقها.ليس هنالك طريق مشترك ولو في خطوة واحدة بين الإسلام والجاهلية، ولابين التصور الإسلامي والتصور الجاهلي“.ويتابع رحمه الله:“وفضلاً عن كون هذا الرأي وهمياً، فإن هزيمته بادية أول الطريق، والهزيمة لاتنشئ نصراً، لأنها عندئذ هي هزيمة الإيمان ذاته، هزيمة الثقة في أحقيّة الحق بأن يظهر وينتصر، وأحقيّة الباطل بأن يزهق ويندحر…وأولى للذين يريدون أن يتصالحوا مع الواقع الجاهلي أو مع التصور الجاهلي، وأن يلتقوا معه في منتصف الطريق كخطوة للوصول إلى النصر في النهاية أن يستسلموا للجاهلية منذ اللحظة الأولى، وأن يكفوا عن المحاولة أصلاً، وألايحسبوا على الإسلام محاولة فاشلة كهذه المحاولة.إننا نريد دعاة يؤمنون من أعماق قلوبهم بأنه: لالقاء بين الإسلام والجاهلية في مرحلة من مراحل الطريق، إنما هي المفاصلة الحاسمة عند مفرق الطريق، المفاصلة الحاسمة التي لاهزل فيها ولامواربة، هؤلاء هم المؤهلون لتدبر قول اله سبحانه وتعالى{فلاتَخشَوا النّاسَ واخشَونِ ولاتَشترُوا بآياتي ثَمناً قليلاً ومن لم يَحكُم بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ هُمُ الكافرون}[المائدة 44]“.

ويقول الدكتور الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله:“إن علينا في مسيرتنا الدعوية أن لانتنازل عن شئ من أمور ديننا لاسترضاء أعدائنا،ذلك لأن الله أيأسنا من رضاهم مهما قلنا ومهما فعلنا إلا أن نتبّع ملتهم وهذا المزلق الذي وقع فيه بعض الدعاة عن حسن نية، ووقع فيه آخرون عن سوء نية يريدون هدم الدعوة السليمة{ويأبى اللهُ إلاّ أن يُتِمَّ نُورَهُ ولو كَرِهَ الكافرون} [ التوبة32]. هذا وإن كتاب الله حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتبّاع أهواء الكفار أو التخلي عن بعض ما أنزل عليه،يقول تعالى :

{ولَئن اتَّبعتَ اهواءَهُم من بعدِ ماجاءَكَ من العِلمِ إنَّكَ إذاً لَّمِنَ الظالمين}[البقرة 145].

{ولاتَتَّبع أهواءَهُم عمّا جاءَكَ من الحق}[المائدة48]

{ولاتَتّبع اهواءَهُم واحذّرهُم أن يفتِنُوكَ عن بعضِ ما أنزلَ الله إليك}[المائدة 49]

{قُل لا أَتَّبعُ اهواءَكم قد ضَلَلتُ إذاً وما أنا من المهتدين} [الأنعام 56]

{ولَئِن اتَّبعتَ أهواءَهُم بعدَ ما جاءَكَ من العِلمِ مالَكَ من الله من وليٍّ ولاواق}[الرعد37]

من ندعو؟

إن الدعوة إلى الله موجهة للناس كافة، لأن رسالة الإسلام عامة إلى جميع البشر، غير مقصورة على عنصر أو جنس معين . يقول تعالى: { وما أرسلناكَ إلا كافَّةً للناسِ بشيراً ونذيراً}[سبأ28].

ولكن يجب أن تبدأ الدعوة في الإنسان ذاته حيث يقترن قوله مع عمله، ودعوته مع حسن خلقه، وتصرفه بالسلوك الحسن والخلق القويم.

وبعد أن يبدأ الإنسان في إصلاح نفسه وتهذيبها وتقويمها وحملها على أخلاق القرآن وتخلّقها بأخلاق الصالحين فإن عليه أن يتوجه إلى إصلاح أهله وعائلته وأقاربه وذوي القربى وخاصة من هو مسؤول عنهم. يقول تعالى: { يا أيُّها الذينَ أمنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهلِيكُم ناراً وَقُودُها الناسُ والحجارةُ عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لايعصُونَ اللهَ ما أمَرَهُم ويفعلونَ مايُؤمرون}[  التحريم 6]ويقول تعالى: {وأمُر أهلكَ بالصَّلاةِ واصطَبِر عليها}[ طه ]132 ، وقال تعالى : { وأنذِر عَشيرتَكَ الأقربين}[الشعراء214 ].

لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه، وبأن يصدع بما جاءه منه، وبأن يُبادي الناس بأمره، ويدعو إليه صعد الصفا ونادى: “ يامعشر قريش! قالت قريش: محمدٌ على الصفا يهتِف، وأقبلوا عليه يسألونه مالهُ، فكان مما قال:“ يابني عبد المطلب، يابني عبد مناف، يابني زهرة، يابني تَيم، يابني مخزوم، يابني أسد،إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا : لا إله إلا الله“.

يقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:“أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرا باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوّته،فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه {يا أيُّها المُدَّثرُ*قُم فانذِر}[المدثر1 ـ 2]فنبّأه بقوله {اقرأ}[العلق1]وأرسله ب{يا أيها المدثر}ثم أمره أن يُنذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب قاطبةً،ثم أنذر العالمين، فأقام بِضعَ عشرة سنة بعد نبوّته يُنذر بالدعوة بغير قتال ولاجزية، ويؤمر بالكفّ والصبر والصفح.ثم أذن له في الهجرة، وأُذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكُفَّ عمّن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله“.

ولقد بلغ من حرص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في تعليم أهليهم أنه كان أحدهم يسمع الآية من القرآن الكريم فيرجع إلى أهله يعلّمهم إياها ويطبقها وإياهم، فكانوا يقرنون العلم بالعمل، والقراءة بالتطبيق.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “ والله مارأيت أفضل من نساء الأنصار، لقد أنزلت سورة النور، فانقلب رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلوها الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته“.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“والغنسان لايجوز له أن يحمي نفسه من النار،ثم يترك اهله وأولاده تأكلهم النار،لابد أن يكون بهم رحيماً، وعليهم شفيقاً،فيحميهم من النار. احم نفسك أولاً، ثم احم أهلك، زوجتك وأولادك، ابنائك وبناتك،احمهم جميعاً من النار،{وأُمر أهلكَ بالصلاةِ واصطبر عليها لانسألكَ رِزقاً نحنُ نَرزُقكَ والعاقبةُ للتقوى} [طه 132]، لايجوز أن تترك امرأتك لاتصلي، تترك أولادك لايصلون، أنت مسؤول عنهم، جاء في الحديث النبوي الصحيح:“مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر،وفرّقوا بينهم في المضاجع„[رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وهو حديث صحيح]، من أجل ماذا؟ من أجل أن تحميهم من النار“.

ولكن من المؤسف والمحزن جداً أن كثيراً من الدعاة تراهم غافلين أو معرضين عن مراقبة بيوتهم والقيام بإصلاح أحوال زوجاتهم وأطفالهم، تراهم يعرضون عن هذا ناسين أو مُتناسين أن هذا هو لبّ الدعوة الإسلامية وعمودها الفقري.

ترى كثيراً منهم يقضون السهرات الطوال، ويقومون بالرحلات، ويقطعون الساعات والأيام في التحضير للخطب والمواعظ والمحاضرات، مُنقطعين عن بيوتهم، غير عارفين لأحوال زوجاتهم وأطفالهم، وعندما يعودون لبيوتهم بعد السفر ومشاق الطريق أو بعد أن ألقوا مواعظهم وخطبهم تجدهم يريدون راحتهم وراحة فكرهم وبالهم، ولايسألون زوجاتهم عن أحوالهم وأحوال أطفالهم، فمن لهذه الزوجة المسكينة؟ ومن لهؤلاء الأطفال المساكين؟

وليس هذا فحسب، بل إنهم يحاسبون زوجاتهم وأطفالهم أشدّ المحاسبة في حال تقصيرهم في أمر من أمور الدعوة والدين، وكيف لا؟ وهو الداعية الذي يجب أن يكون عند حسن ظن الناس به، فهو الداعية وهو القدوة، وهوالأسوة التي يتبعها الناس فلابد أن تكون عائلته على مستوى عالٍ من الإسلام ثقافة وتربية وعلماً ، وإن كان لايقدم لهم أبسط شئ من وقته وعلمه وفكره!!وتكون المصيبة أعظم للزوجة والأطفال إذا كانوا يعيشون في ديار الغربة، حيث تلتقي غربة الدار مع غربة الديار،حيث لاتجد هذه الزوجة المسكينة من يواسيها ويحنو عليها في مآسي ومشاق الغربتين، فتعيش أيامها ولياليها في حزن متصل ودمع منهمر وألم شديد قد يصل بها إلى الإنهيار النفسي وهذا شئ ليس نادر الحدوث. وأما الأطفال المساكين فإنهم يعيشون أيضاً مأساة عظيمة قد تصل بهم بعد سنوات من فقدان حنان الأب“الداعية“ وعدم إعطائهم الوقت الكافي للإنحراف السلوكي وليس من النادر أن يصبحوا على هامش المجتمع الذي يعيشون فيه، وربما انقلبوا إلى أعدائه وانقلبوا عليه .

نعم، إنه لمن المحزن جداً أن نرى بعض الدعاة الناشطين في دعوة الناس، غافلين ومعرضين عن مراقبة بيوتهم وإصلاح أحوال اطفالهم وزوجاتهم، ويسهرون الليالي تلو الليالي ويقضون الساعات والأيام تلو الأيام، ويحضرون الجلسات تلو الجلسات من أجل إقامة المجتمع الإسلامي وتطبيق الحياة الإسلامية وهم أبعد مايكون في ذلك على مستوى أسرهم وعائلاتهم!!!

وعلى النقيض من ذلك ، قد يكون الداعية منشغلاً بنفسه وزوجته وأطفاله، تاركاً هموم ومشاكل ومآسي المسلمين وراء ظهره، ولايبدي أي اهتمام لما يحصل لأبناء دينه وإخوانه ومعارفه ، وهذا أيضاً لايجوز، فلابد من التوازن وأن يعطى كل ذي حق حقه، بدون إفراط ولاتفريط.

إن الإسلام ليس صلاة وصيام وزكاة وعبادات، بل هو أيضاً إعطاء كل ذي حق حقه، فالزوجة والأطفال لهم حقوقهم على الأب الداعية،والأقارب والمعارف وذوي القربى لهم حقهم ، وإخوة الدين والعقيدة في كل مكان لهم حقوقهم.ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك القدوة الصالحة والأسوة الحسنة. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقى الناس وأعبد الناس، وأكثرهم قياماً بحق الله، لقد كان يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه الشريفتان، ومع ذلك كان في بيته المعلم والمربي، وكان أيضاً الخادم لأسرته، يفيض على أهله وأسرته وزوجاته بالمحبة والعطف، يعطيهم مع العلم والتربية مايحتاجون إليه من كؤوس المحبة ويغدق عليهم من رحمته وعطفه، ويعطيهم من وقته مايحتاجون، لقد كان صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله، ومع ذلك كان يقوم بحق المسلمين، ويقوم بحمل تكاليف وأعباء الدعوة وما يصاحبها من صبر وتحمل وأذى، وكان مع الدعوة إلى الله في أصحابه لايبخل عليهم من وقته فيعود المريض، ويواسي المحزون، ويفرج عن المكروب، ويعزي في الفقيد، ويخرج في جنازة الميت….فاتقوا الله أيها المسلمون الدعاة في أزواجكم وأطفالكم، وأدركوا الأمر قبل فوات الأوان، وانظروا إلى وصية إبراهيم الخليل إلى أولاده قبيل موته: {ووصّى بها إبراهيمُ بنيهِ ويعقوبُ يابَنيَّ إن الله اصطفى لكم الدينَ فلاتُموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون}[ البقرة132].

صفات الداعية

عندما ينطلق الداعية إلى الناس ويحاورهم ويناقشهم عن الإسلام ويعرفهم بحقائقه، فإنه ينطلق من منطلق الرحمة بهم والشفقة عليهم،كي لايقعوا غداً في نيران الندامة،ويسلكوا سبيل السلامة، وهو عندما يدعوهم ويحاورهم فإنه يخفض جناح الذل من الرحمة لهم، وهو يتعامل معهم معاملة الشفيق الرحيم، ومن منطلق الإخلاص وحسن النية والطوية،وهو لايدعو الناس تعصباً لنفسه أو انتصاراً لذاته، أو من أجل بسط أنانيته وتغذية كبريائه، وإنما هدفه الظاهر والباطن، الدعوة للحق والانتصار للحق وقبوله ولو على حساب نفسه وحزبه،وهو في دعوته يجب أن لايكون فناناً هدفه إمتاع الناس وتسليتهم واستدرار عطفهم، ولكنه طبيباً يداوي عللهم برفق وتأن ، ولكن أيضاً مع استعمال الحزم في مواطن الحزم، وإلا ضاع الطبيب والمريض معاً.وعليه في دعوته أن يبتعد عن الكراهية والعداوة لهم وإن خالفوه الأمر ولم يستجيبوا لدعوته بادئ ذي بدء، وإنما يواجه كل ذلك بحبهم والدعاء لهم في العلانية وظهر الغيب{ والذينَ جاؤوا من بعدِهِم يَقُولونَ رَبَّنا اغفر لنا ولإخوانِنَا الذين سَبَقُونا بالإيمانِ ولاتَجعل في قُلُوبِنا غِلاًّ للذين آمنوا رَبّنا إنَّك رَؤوفٌ رحيم} [الحشر10].

إن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية إلى الله:

1ـ الإخلاص والتجرد:

إن العمل الصالح الذي يتقبله الله عز وجل هو العمل الذي يستند إلى الإخلاص، وهو شرط رئيسي لقبول العمل، ويستند إلى وجود العلم والوعي بما يعمل، فالإخلاص والعلم صنوان لايفترقان، ولايمكن أن يتم العمل الصالح ويُرفع إلى السموات ويُقبل من صاحبه ويكافأ عليه إلا بتوفرهما معاً، يقول تعالى: {ومَا أُمِرُوا إلا لِيعبدُوا اللَه مُخلصينَ لهُ الدِّينَ حُنفاءَ ويُقيموا الصَلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ وذلكَ دِينُ القَيِّمة}[ البينة 5].

إن العلم والعمل بدون إخلاص النيّة لله عز وجل وطلب ثوابه، قد تكون لهما ثمرتهما في الحياة الدنيا، ولكن هذا العمل مرفوض في ميزان وحساب الآخرة، يوم يوضع الميزان ويُنشر الكتاب ويتمّ الحساب.

وإن الإخلاص الذي لايقترن مع العلم في أي عمل من الأعمال، قد تكون له نتائجه الوخيمة في الدنيا والآخرة، وكم رأينا من مخلص قد تفانى في عمل من الأعمال بدون أن يكون عنده العلم والوعي بما يعمل، قد عاد عليه هذا العمل وعلى غيره من الناس بالمشكلات والمصائب وأوخم النتائج والعواقب.

وما أجمل مانقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “ مجموع الفتاوى3/124″ عن الفضيل بع عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ليبلوكم أحسن عملاً}[ الملك2] ، قال: أخلصه وأصوبه، قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل،وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب ما كان على السنة أي موافقاً للشرع.

يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

„يقول الإمام ابن عطاء السكندري رحمه الله:“ربما فتح الله لك باب الطاعة،وما فتح لك باب القبول،وربما قدّر عليك المعصية فكانت سبباً في الوصول.معصية أورثت ذلاً وانكساراً،خير من طاعة أورثت عُجباً واستكباراً“.

يعني الذي يمشي معجباً بنفسه،لأنه يقوم الليل،أو لأنه يصوم الإثنين والخميس،ويريد أن يبين للناس أنه صائم اليوم،لأنه منذ عشر سنوات أو عشرين سنة لا أترك صيام الإثنين والخميس.يا أخي دع هذا لنفسك.

يقول ابن عطاء:“ربما فتح لك باب الطاعة،وما فتح لك باب القبول،لأن الطاعة إذا كان فيها رياء،أو فيها عُجب، لا تقبل.

وسيدنا علي رضي الله عنه يقول:“سيئة تسؤك خير عند الله من حسنة تعجبك.يعني السيئة التي تنكد عليك عيشك،وتجعلك تحزن وتندم أفضل عند الله من الحسنة التي تُعجب بها،وتُزهى بها،وتفخر بها على الناس.

ويتابع الشيخ القرضاوي:عاد أحد الصالحين طلابه وتلاميذه،وقد كان في مرض خُشي أن يكون مرض الموت،فوجدوه يبكي.

فقالوا له: أتبكي وأنت صاحب كذا وكذا،يعدون له بعض حسناته،فقال لهم: وما يدريني أن شيئاً من هذا قد تقبله الله مني ،والله تعالى يقول:{إنّما يتقبّلُ الله من المُتقينَ}[المائدة 27].

والتقوى ليست أعمالاً ظاهرة،وإنما أساس التقوى في القلب،أساسها الإخلاص لله،أساسها خشية الله عز وجل،ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:“التقوى ههنا“ وأشار إلى صدره.

ولذلك الذي أقلق الصالحين،وأخافهم وأزعجهم،أن أعمالهم الصالحة ربما لا تكون مقبولة،ومن هنا قالت امرأة عمران:{فتقبّل مني إنّكَ أنتَ السميعُ العليمُ}[آل عمران].

أمر الله نبيه إبراهيم ببناء البيت،فظل هو وابنه إسماعيل عليهما السلام،يعملان،ويرفعان القواعد من البيت،ثم سالا ربهما القبول:{وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربّنا تقبّل منا إنّكَ أنتَ السّميعُ العليم}[البقرة 127]ز

ليس المهم أن تعمل الصالحات،ولكن المهم أن تُقبل منك الصالحات،فكن قلقاً دائماً على ما تعمل،واسأل الله أن يتقبلها منك“.

ويقول الشيخ العلامة القرضاوي في مقال آخر:

„الإخلاص تصفية العمل من كل شائبة،فلا يكون العمل إلا ابتغاء رضوان الله عز وجل،لم يعمل العمل لأي غرض من الأغراض،كأن يرضي الناس،بل يعمل العمل لا ليراه الناس ولا ليحمدوه،ولا للشهرة ولا للمال ولا للجاه ولا للمنصب،لا تدخل الدنيا بكل أعراضها،بكل زخارفها،بكل ما يحرص الناس عليه فيها،لا يدخل شىء من هذا في نيّته حينما عمل،وهذا هو الإخلاص“.

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مجلة اللواء العدد6 بتاريخ صفر 1390 هجري):

„أعجبني في اليمين التي حلف عليها أنس بن النضر أن الرجل كان يشهد الله وحده ،ويتشهد أولاً وآخراً رضاه.لقد أحزنه أن الله لم يره في ميدان القتال ببدر،فأقسم أن يُري الله نفسه في أول لقاء بالكافرين،وأن يضرب أعلى مثل في التفاني والاستبسال.

لم يدر بخلد أنس تطلع إلى جاه أو تشوق إلى شهرةزكان الرجل أزكى نية،وأشرف نفساً من أن يلمع بهذه الدنايا.

والعمل لا يوصف بالصلاح،ولا يرشح للقبول،إلا إذا أخلص لله وحده،وقصد به وجهه.روى أحمد بن حنبل عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر،قالوا:وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟قال: الرياء! يقول الله عز وجل  لهم يوم القيامة إذا جُزي الناس بأعمالهم  اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا:هل تجدون عندهم جزاء؟“.[رواه أحمد والبيهقي وصححه الالباني].

والواقع أنه لا جزاء عندهم في الدنيا ولا في الآخرةنفماذا يرجو عبد من عبد إلا أن يزداد ذلاً؟وماذا يطلب فقير من فقير إلا أن يزداد عيلة!!

إن الإخلاص لله سياج العز وضابط الخير في الحياتين.وعندما تصدق النية فلا يخشى على العبد من مجاهرة بصلاة أو جهاد أو صدقة، إذ الأساس استهداف وجه الله تعالى،وليس على البال غيره.

ومن الحماقة أن يطلب الإنسان ثناء الخلق وهو يعلم أن الله قد ستر عليه ذنوباً لو كشفوها لسودوا وجهه!! الله تعالى أولى بالاتجاه والمودة وأحق بالحفاوة والالتفات.

ومن عظمة الإيمان اكتفاء المرء ينظر الله إليه ،وإيثاره أن يعمل في صمت أو يموت جندياً مجهولاًنوهذا الاكتفاء دلالة استغراق المرء في الشهود الإلهي،ورسوخ قدميه في مقام الإحسان،وتلك هي الولاية كما شرحها معاذ بن جبل رضوان الله عليه.روى ابن ماجة أن عمر بن الخطاب خرج إلى المسجد فوجد معاذاً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي! فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم:“اليسير من الرياء شرك،ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة،إن الله يحب الأبرار الأنقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا،وإن حضروا لم يعرفوا،قلوبهم مصابيح الهدى،يخرجون من كل غبراء مظلمة“.[رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان].

أجل إن الله تعالى يحب أولئك العاملين في صمت،الزاهدين في الشهرة والسلطة،المشغولين باللباب عن القشور،المتعلقة قلوبهم بالله،لا تحجبهم عنه فتنة،ولا تغريهم متعة وما أفقر أمتنا إلى هذا الصنفر المبارك،بهم ترزق وبهم تنصر.(انتهى كلام الغزالي رحمه الله).

إن الدعوة إلى الله هي أحد مجالات العمل الصالح بل تأتي في قمة الأعمال الصالحة، يقول تعالى: {ومن أحسنُ قولاً مِمَّن دعا إلى الله وعملَ صالحاً وقال إنّني من المسلمين}[ فصلت 33].والدعوة إلى الله شأنها شأن كل العبادات الأخرى لابدّ أن تكون خالية من المنّ، صافية من الرياء، مجردة من الجري وراء متاع الدنيا، بعيدةً عن طلب وكسب إعجاب الناس.

إن الشر الأعظم وداهية الدواهي وثالثة الأثافي التي يقع فيها الداعية هو أن يكون إلهه هواه الذي يعبده عن علم أو عن غفلة، ويتستر من وراء الدعوة بمختلف الشعارات التي يحاول من خلالها أن يتستر على هذا الهوى الإله: {أفرأيتَ من اتَّخذَ إلهَهُ هواهُ وأضَلَّهُ اللهُ على علمٍ وختمَ على سَمعِهِ وقلبهِ وجعلَ على بصرهِ غِشاوةً فمن يهديهِ من بعدِ الله أفلاتَذكَّرون}[الجاثية23 ].

وبعض الدعاة تجده قد غرف من منابع العلم غرفاً، ونهلَ من مَعين المعرفة نهلاً، وتعمّق في الأصول وفروع الفروع، ودرس السطور ومابين السطور وحتى الهوامش والحواشي،ولكنه لم يفعل ذلك من أجل إرضاء الله عز وجل، ولا من أجل خدمة دين الإسلام،وإنما فعل ذلك ليحتال وليحرف الكلم عن مواضعه، ومن أجل أن يجد المخارج والتأويلات والتفسيرات للفتاوى المغرضة والاجتهادات المنكرة، وليلوي أعناق الآيات من أجل مطمع شخصي عند ذوي السلطان، ومن أجل أن يبيع دينه بدنيا غيره، ترى أمثال هؤلاء مقبلين على عرض زائف، وعلى متاع زائل،علومهم في واد، وسلوكهم وتصرفاتهم في واد آخر.

إنّ هؤلاء هم آفة الأمّة،وهؤلاء أقرب لأحبار اليهود منهم إلى علماء المسلمين، وليحذر هؤلاء من قوله تعالى: {وقد كانَ فريقٌ مِنهُم يسمعونَ كلامَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ من بعدِ ماعَقلُوهُ وهم يعلمون}[ البقرة 75]، وقوله تعالى: {فويلٌ للذينَ يَكتُبونَ الكتابَ بأيديهم ثُمَّ يقولونَ هذا من عندِ الله لِيشتَروا به ثمناً قليلاً فويلٌ لهُم ممّا كتبت أيديِهم وويلٌ لهُم مما يكسبون}[ البقرة 79].

وكم رأينا من دعاة، قد هاجت مطامعهم أمام الإغراءات، وانساقوا وراء الشهوات، ونسوا عهدهم مع الله، وانهزموا أمام متاع الحياة، وغرور الدنيا، تراهم يعرضون الحق كلاماً في مجالسهم،وخطباً في محافلهم، ولكنهم عندما يُعرضون على المحك، ويخضعون للتجارب، يختلقون الحيل،ويجتهدون في تأويل الفتاوى ويجدون لأنفسهم المبررات والأعذار.وما أكثر الحيل عندما تلتوي القلب، وما أكثر الفتاوى الباطلة عندما تنعدم التقوى، وهؤلاء نسوا قول الله عز وجل: { وذَرُوا ظَاهِرَ الإثمِ وباطِنَهُ إنَّ الذين يَكسِبُونَ الإثمَ سَيُجزَونَ بما كانوا يَقترفون}[الأنعام120 ].وهؤلاء نسوا أن مايسعون إليه من غرور الدنيا وزخرف الحياة، إن هو إلا متاع الغرور، وإن مايسعون إليه ليس إلا غايات هيّنة رخيصة لاينبغي أن يكون حولها ازدحام، ولا أن يكون إليها تدافع، ولا أن تنقطع من أجلها الأعناق،ولا أن تتمزق في سبيلها القلوب.

وبعض هؤلاء الدعاة يعبدون الله على حرف،تراهم مقبلين على الطاعات، مؤدّين للعبادات،شديدين على المُقصرّين إذا قصّروا، مُعنّفين للغافلين إذا شردوا،آخذين بالإسلام مظهراً وسلوكاً خارجياً، إذا كان هذا يحقق لهم مصلحة، أو يجلب لهم منفعة، أما إذا كان وراء إتبّاع الإسلام ضرر، أو لاقوا من جرائه نصباً أو كدراً انقلبوا ضد الإسلام والمسلمين، وكانوا حرباً عليهم وعوناً للظالمين، هؤلاء ليس الدين عندهم إلا ترساً أو لثاماً يستر خبايا نفوسهم الدنيئة ومطامعهم الحقيرة، وهؤلاء يقول الله عز وجل في أمثالهم: {ومِنَ النَّاسِ من يَعبدُ اللهَ على حَرفٍ فإن أصابَهُ خَيرٌ أطمأنَّ بهِ وإن أصابَتهُ فِتنةٌ انقلبَ على وجههِ خَسِرَ الدُّنيا والآخرةَ ذلكَ هُوَ الخُسرانُ المبين}[ الحج11 ].

وبعض الدعاة تجد محور حديثه في مجالسه ومحافله يدور عمّا قدّم، ويقدّم للإسلام من تضحيات جلّى وأعمال لاتُحصى،وأنه رُبّما ضحى بدراسته أو بعمله وقدّم أمواله ووقته من أجل التفرغ للإسلام والدعوة، فهو يَمنُّ على الإسلام والمسلمين بخدماته الجلّى وأعماله الباهرة ناسياً قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عليكَ أن أسلَمُوا قُل لاتَمُنُّوا عليَّ إسلامَكُم بلِ اللهُ يَمُنُّ عليكُم أن هَداكُم للإيمانِ إن كُنتُم صادقين}[الحجرات 17].

والأنكى من هذا والأدهى والأمرّ، أن بعضاً من هؤلاء الدعاة، وهذا مما يدل على أنه ليس مخلصاً في دعوته تجد منه التبرم من النقد الصحيح البناء، وضيق الصدر عند استعراض الأخطاء والهفوات، بل ربما أخذت بعضهم العزة بالإثم، فلايتوانى أن يُحلَّ حراماً أو يُحرّم حلالاً، إن كان في ذلك تحقيق بعض مطامع النفس ورغباتها، وتجده يبرر ذلك لنفسه أحياناً بأنه قد قدّم الكثير للدعوة وللإسلام، فلابأس أن يسترد بعض ماقدم، وله في ذلك تبريراته واجتهاداته!!

إن الدعوة إلى الله لابدّ أن تكون دعوة مجردة من حظوظ الدنيا، وبعيدة عن طلب شكر الناس والثناء منهم، والداعية يقوم بواجب الدعوة امتثالاً لأمر الله، طالباً ثوابه، طامعاً برحمته.

يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله : “ لاتربطوا عملكم بالنتائج القريبة والمكاسب المادية والدنيوية، إن توقعتموها عملتم وإلا انصرفتم عن العمل، فهذا شأن المرتزقة لاشأن المؤمنين. أما المؤمنون الصادقون فحسبهم أن يكونوا مع الله ومع الحقّ الذي أنزله الله يجاهدون في سبيله ويموتون من أجله ويرون جزاء الله عز وجل خيراً من مكاسب الدنيا التي يتراكض إليها ويتهافت عليها الذين لايرجون الله واليوم الآخر“.

2 ـ العلم والبصيرة:

إن العلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء في جزء من حديث نبوي شريف صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه، ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله وشاهده في القرآن الكريم قوله تعالى{ثُمَّ أورثنا الكتابَ الذين اصطفينا من عبادنا}[فاطر32].وهؤلاء العلماء عليهم تسخير علمهم في مجالات الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يجب على الداعية إلى الله أن يكون بصيراً:علماً وفهماً وتطبيقاً لما يدعو إليه، واعياً بظروف وأحوال وتغيرات المجتمع الذي يعيش فيه،مدركاً مُلّماً بآداب وأحكام الدعوة الإسلامية وباقي الدعوات، متجنباً العواطف المضطربة، والانفعالات المتأججة ما أمكن.

إن الدعوة المثمرة والناجحة تقوم أساساً على فهم ومعرفة أمور الدعوة أولاً،وعلى تطبيقها الصحيح في النفوس ثانياً، قال تعالى: {فاعلَم أنَّهُ لا إلهَ إلا اللهُ واستغفِر لذنبكَ وللمؤمنينَ والمؤمنات والله يَعلمُ مُتَقَلَّبُكم ومَثواكُم}[ محمد 19].فقدم الله تعالى العلم على العمل،فلابد من العلم الصحيح لتطبيق العمل الصحيح.

يقول صاحب التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور رحمه الله:“ومن اللطائف القرآنية أن أمر الله هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل“. ولما سئل ابن عُيينة ـ أحد سادة التابعين ـ رحمه الله عن فضل العلم؟ قال: ألم تسمعوا قول الله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله}…وذكر الآية. وقد رجحّ الإمام البخاري رحمه الله وقدّم العلم على العمل في صحيحه استناداً إلى هذه الآية الكريمة.

نعم إن الدعوة إلى الله تتطلّب الإلمام والعلم الكافي بأمور الدعوة والدين والممارسة والتطبيق العملي، وهذا مايتضمنه معنى الإيمان والعمل الصالح، ولابد من تجنب الجهل والحماسة الزائدة والانفعالات المريضة المفرطة في هذا المجال.

يقول الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}[ يوسف 108].

لقد بين الله تعالى في هذه الآية العظيمة أن الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان، ابتداءً من الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يجب أن تقوم على بصيرة من المسلم الداعية.والبصيرة تعني العلم والمعرفة والوعي، وهي أبعد ماتكون عن الجهل والانفعال والتواكل ورد الفعل.

كما يجب على الداعية أن يكون متمكناً من الأمور التي يدعو إليها ويتحدث عنها وأن يقدمها باسلوب واضح بسيط بدون استعمال مفردات وجمل مبهمة غير واضحة، لأن المرء عندما يكون عارفاً مستوعباً لما يقول يأتي كلامه واضحاً بسيطاً، وعلى العكس فإنه عندما يكون جاهلاً للموضوع الذي يتحدث فيه يأتي بكلام غير واضح وغير مفهوم لأنه هو بذاته لايفهم مايتحدث عنه!!شأنه شأن الطبيب الجاهل عندما يُسأل عن أحد المواضيع فانظر إليه في إجاباته وتحليله واستعماله المصطلحات الغامضة المبهمة التي لايفهمها أهل العلم والخاصة فكيف بالعامة!!

إن داهية الدواهي وفاقرة الفواقر التي قد يقع فيها بعض الدعاة أنهم ينطلقون في دعوتهم من مبدأ الحماس الديني، والعاطفة الدينية التي لايساندها العلم والعمل والوعي،وإن الداعية الذي ينطلق في دعوته من منطلق العاطفة المقترنة بالجهل،والحماس المشوب بالغفلة،يَضرمن حيث يظن أنه ينفع،ويهدم من حيث يظن أنه يبني،ويَضَل ويُضِل من حيث يظن أنه قد اهتدى وهدى وأرشد ورشد، وأمثال هؤلاء نُذكرهم بقوله تعالى: {ولاتَقفُ ماليسَ لكَ بهِ عِلمٌ إنَّ السَّمعَ والبَصرَ والفُؤادَ كُلُّ أولئكَ كانَ عنهُ مسؤولاً}[ الإسراء 36].

إن الدعوة التي تنطلق من العاطفة الدينية المشبوبة بنار الانفعالات، وتتوقد جذوتها بنار رد الفعل والحماسات، والتي لاتستند إلى علم ووعي ومعرفة،قد يفسد فيها الداعي أكثر مما يصلح، ويسيئ أكثر مما يحسن، وهي نار تحرق صاحبها، وتحرق دعوته بدون أن تنير الطريق وتوضح المعالم.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله : „الإخلاص والتجرد والحماسة دون معرفة ووعي، ودون خبرةٍ تتكامل من خلال العمل والزمن، ضياعٌ وانحرافٌ وهلاك“. ويقول أيضاً:“هل درى بعض من يدّعون حمل رسالة الإسلام أنهم بقِلّة علمهم، أو سوء فهمهم وتطبيقهم، أول من يصد عن سبيل الإسلام، وأن بعضهم يبلغ في ذلك ـ أحيانا  ـ مالايبلغه جُلُّ الأعداء، وأن واجبهم الأول ـ إن كانوا صادقين في الدعوة إلى الله ـ أن يكملوا العلم ويصححوا الفهم والسلوك وأساليب البلاغ“.

يقول  الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله في كُتيب [تذكرة إلى الدعاة]:“إن الدعوة إلى الله يجب أن تكون مَبنية على أساس متين من العلم ولايجوز أن تبقى العاطفة المضطربة هي الدعامة الوحيدة التي تقوم عليها“.