الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (4/13)

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان“خذوا الإسلام جملة أو دعوه“ يقول:

„إن الإسلام كل لايتجزأ فإما أن يؤخذ جملة وإما أن يترك جملة.وأما أن يُستفتى الإسلام في صغار الشؤون، وأن يهمل في الأسس العامة التي تقوم عليها الحياة والمجتمع فهذا هو الصغار الذي لايجوز لمسلم ـ فضلاً على عالم الدين ـ أن يقبله للإسلام.

إن الإسلام يربي الناس تربية خاصة، ويحكمهم وفق شريعة خاصة، وينظم شؤونهم على أسس خاصة،ويخلق مقومات اجتماعية واقتصادية وشعورية خاصة.فأولاً طبقوا الإسلام جملة:في نظام الحكم، وفي أسس التشريع،وفي قواعد التربية.ثم انظروا هل تبقى هذه المشكلات التي تسألون عنها، أم تزول من تلقاء نفسها.

أوجدوا المجتمع الإسلامي، الذي تحكمه شريعة الإسلام ومبادئ الإسلام وربوا النساء والرجال تربية إسلامية في البيت والمدرسة والمجتمع.وأوجدوا ضمانات الحياة التي يكفلها الإسلام للجميع وحققوا عدالة الإسلام التي يفرضها للجميع“.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(دراسات إسلامية ص 73 تحت عنوان كيف ندعو الناس إلى الإسلام):

„الإسلام عقيدة الضمير،ينبثق منها سلوك في المجتمع،ويقوم عليها نظام للحياة.نظام كامل يتناول نشاط الفرد في حياته العائلية،وحياته الإجتماعية، وحياته الدولية.ويحكم على علاقاته المتنوعة في تلك الميادين كلها،ويضع الشرائع التي تنظم هذه العلاقات.لذلك يستحيل الفصل في الحياة الإسلامية بين العقيدة الكامنة في ضمير الفرد،والشريعة التي تحكم حياته..إن هذه الشريعة لا تقوم إلا على أساس من تلك العقيدة. كما أن العقيدة حين توجد في الضمير فإنها تحاول أن تظهر في واقع الحياة في صورة شريعة،ولا انفصام بين هذه وتلك في طبيعة الإسلام.هذه الحقيقة كفيلة بأن ترسم لنا طريقنا في الدعوة إلى الإسلام،كما أنها قد رسمت من قبل خط سير الدعوة الإسلامية في واقعها التاريخي.

لقد بدأ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الإسلام،فما أن استمع بعض الناس إليه،حتى أتم دعوته مشرعاً ومنظماًوحاكماً.إنه صلى الله عليه وسلم ـ لم يدع مالقيصر لقيصر وما لله لله،لأن الإسلام يعتبر كل شيء لله. ولايعرف قيصر إلا منفذاً لشريعة الله،منظماً لشريعة الله، منظماً للحياة بقانون الله.

ويتابع رحمه اله:“هذا الواقع التاريخي إلى جانب تلك الحقيقة الواضحة في طبيعة الإسلام، كلاهما يرسم لنا طريقنا في الدعوة إلى الإسلام.إن هذا الدين لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله: أن نسعى في تكوين الفرد المسلم، حتى إذا كان، انبعث هو انبعاثاً ذاتيا إلى تحقيق نظام الإسلام.غير أن خطواتنا اليوم في طريق الدعوة قد تحتاج إلى شيء من التعديل يناسب طبيعة العصر الذي نعيش فيه،والملابسات التي تحيط الآن بالحياة.

ويتابع رحمه الله:“وليس هنالك إلا اختلاف ظاهري بين أوضاعنا الحاضرة،والأوضاع التي كانت مع عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الوجهة،وإن خُيّل إلى البعض أن الدعوة إلى تحرير البشر من عبودية الأرباب المتفرقة لا موضع لها اليوم ولا ضرورة. كلا! فإن عبادة الأرباب المتفرقة اليوم،لا تنقص عن عبادة الأرباب المتفرقة في الجاهلية.كل ما تغير هو نوع الأرباب، لا عبادة الأرباب! أمت عبادة الشهوات، وعبادة الخرافات، فهما  هما على حالهما بغير استثناء!

أما التعديل الذي نحتاج إليه في خطواتنا اليوم،فهو ألا نبدأ بتكوين الفرد المسلم من الناحية الاعتقادية والسلوكية فحسب،بل أن نضم إلى هذا ـ وفي ذات الوقت ـ عرض برامج اجتماعية للحياة،قائمة على اصول الفكرة الإسلامية،ومستمدة من الشريعة الإسلامية.وألا ننظر بهذه البرامج حتى يتم تكوين الأفراد المسلمين،وألا نرسم هذه البرامج جزءاً جزءاً ويوماً بعد يوم،كما حدث في أيام الدعوة الأولى“.

ويقول الشهيد سيد قطب في قوله تعالى:{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوكَ خليلاً}[الإسراء 73]يقول رحمه الله:

„هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً.محاولة إغرائهم لينحرفون ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها.ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة.

ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً،فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كليا،إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.

وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة،فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها.

ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق.وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير،وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل،لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء.

والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها.فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر،والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل،لا يمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان.فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر.وليس فيها فاضل ومفضول،وليس فيها ضروري ونافلة،وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه،وهي كلٌّ متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه.كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره.

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات فإذا سلّموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم،وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة،وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها.

والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة.والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم،ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصراً“.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد361 بتاريخ 12 حزيران عام 1915):

„إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل دينه وأتمّ به نعمته على المؤمنين بما أنزله من القرآن على خاتم رسله، وبما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل القيام من بيان مراد الله تعالى من تنزيله،فهذه مسألة قطعية ثابتة بالنقل والعقل.

وإن هذا الدين يسر قد رفع الله تعالى منه الحرج كما نطق به النص في آية الوضوء وفي آيات الصيام من سورة البقرة.وقال تعالى في سورة الأعلى{ونيسرك لليسرى}أي الشريعة التي تفضل غيرها باليسر، ولذلك سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووصفها بقوله ليلها كنهارها، وجعل الدين عين اليسر مبالغة في يسره فقال:“إن هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه„[رواه البخاري].

وإن القرآن الكريم هو أصل الدين وأساسه، وقد قال تعالى:{مافرطنا في الكتاب من شئ}وقال:{تبياناً لكل شئ}، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المبلغ له والمبين لمراد الله تعالى مما جاء فيه مجملاً، قال تعالى:{إن عليك إلا البلاغ}وقال:{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم}وقال:{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}.

وإن الله تعالى جعل الإسلام صراطه المستقيم لتكميل البشر في أمورهم الروحية والجسدية، ليكون وسيلة للسعادة الدنيوية والأخروية، ولما كانت الأمور الروحية  التي تنال بها سعادة الآخرة من العقائد والعبادات لاتختلف باختلاف الزمان والمكان  أتمها الله تعالى  وأكملها أصولاً وفروعاً.وقد أحاطت بها النصوص فليس لبشر بعد الرسول أن يزيد فيها ولا أن ينقص منها شيئاً.وأما الأمور الدنيوية من قضائية وسياسية فلما كانت تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة بيّن الإسلام أهم أصولها، وما مست إليه الحاجة في عصر التنزيل من فروعها،وكان من إعجاز هذا الدين وكماله أن ما جاءت به النصوص من ذلك يتفق مع مصالح البشر في كل زمان ومكان،ويهدي أولي الأمر إلى أقوم الطرق لإقامة الميزان.

وإن الإسلام دين توحيد واجتماع، وقد نهى أشدّ النهي عن التفرق والاختلاف،قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا}وقال:{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ}.انتهى كلام الشيخ رشيد رضا.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد550):

„عبقرية الإسلام هي ذلك الإشراق الإلهي الذي انبثق من غار حراء فكشف للرسول صلى الله عليه وسلم عن أطوار النفس البشرية في طوايا الغيب فدعا دعوته الخالدة إلى تكريم الإنسان وتنظيم العمران وتعميم الخير وتحقيق السعادة،من طريق التوحيد والمؤاخاة،والمساواة،والحرية والسلام.فالتوحيد سبيل القوة،والمؤاخاة سبيل التعاون،والمساواة سبيل العدل،والحرية سبيل الكرامة،والسلام سبيل الرخاء.وتلك هي الغايات التي التي ترجو الإنسانية بلوغها عن طريق العلم والمدنية فلا تتكشف أماليها بعد طول السرى وفرط اللغوب إلا عن سحاب خلب وسراب خادع.

هذه المبادىء المثالية التي تضمنها دعوة الإسلام معلومة من القرآن بالنصوص الصريحة،فلا موضع لافيها لتأويل أو تحميل أو تعسف.فالتوحيد ركن من أركان الدين وعنوان من عناوينه وهو من الكلم الجوامع التي وعت جوهر الإصلاح وسر النجاح لكل مجتمع وأمة.

هو توحيد الله،وتوحيد العقيدة،وتوحيد الغاية،وتوحيد اللغة،وتوحيد الحكم،وتوحيد التشريعنوتوحيد الدين والدنيا.

وفكرة الوحدة الإنسانية هي مزية الدعوة المحمدية على كل دعوة.وفي سبيلها صدق الإسلام بكل دين أنزل ،وبكل نبي أرسل،ودعا الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً إلى خطة واحدة وكلمة سواء.ثم وصل الدين بالدنيا،وكانت اليهودية والنصرانية تفصل بينهما،فالأولى كان همها الصفق والاجتراح،والأخرى كان سبيلها الرهبانية والتنسك.ولكن الإسلام جعل الدين للدنيا كالروح للجسد،فلا تعمل إلا بوحيه،ولا تسير إلا بهديه.ثم آخى بين المؤمنين ليجتمعوا على صدق المودة،ويتعاونوا على لأواء العيش،فلا يبغي قوي،ولا يبخل غني،ولا يظلم متسلط.كذلك في سبيل الوحدة الإنسانية والأخوة الإسلامية فرض الإسلام الزكاة، وشرع الحج،وأمر بالإحسان والبر،ثم سوى بين الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في الحقوق والواجبات،بمحو العصبية الوطنية،وقتل النعرة الجنسية،وجعل التقديم والتكريم للتقوى،فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:“إن ربكم واحد،وإن أباكم واحد.كلكم لآدم وآدم من تراب.إن أكرمكم عند الله أتقاكم.لافضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى“.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة ـ العدد18 بتاريخ 2 آيار عام 1939):

„وسبب خلود  تعاليم الإسلام أنها إنسانية عامة،لم تخضع في جوهرها وأسسها الأولى لظروف الزمان ولا ظروف المكان،فلم ينظر فيها إلى العرب وحدهم،ولا إلى الروم وحدهم،ولا إلى الناس في زمنه،إنما نظر فيها إلى الإنسان من حيث هو إنسان،فبقيت ما بقي الإنسان،ولم يفرّق فيها بين عربي وغير عربي،ولم يتميز فيها غني عن فقير،ولا أبيض البشرة عن أسودها،ولا طبقة في الشعوب عن طبقة،ولا شرقي عن غربي،ولم يكن فيها نعرة جنسية،ولا نغمة أرستقراطية،ولكن فيها أن الإنسان أخو الإنسان،والأبيض أخو الأسود،والرجل أخو المرأة،والغني أخو الفقير،والملك أخو الرعية.وكانت كل رسالته وكل أقواله ترمي إلى غاية واحدة:ألا يفر الإنسان من هذا العالم بالعزلة،ولكن يكون قوة فعالة لاستئصال الشر وفعل الخير،وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش معهم،وتحقيق العدل والإحسان له ولهم،وأن يعيش لخير نفسه وخير من معه وخير العالم.

ويتابع رحمه الله:„لقد كان كل نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم يحمل مصباحاً لقومه،فجاء محمد صلى الله عليه وسلم يحمل مصباحاً للعالم“

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال سيف الإسلام في أعناق أعدائه):

„إن الإسلام سلسلة متماسكة الأجزاء،لاسبيل لكم إلاّ إلى قبولها جملة أو رفضها جملة،أمّا أنكم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض،فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدّون إلى أشد العذاب،وما الله بغافل عما تعملون.

وليس الإسلام كالنصرانية،وليس يكفي صاحبه ما يكفي صاحبها من أن يحضر صلواتها ويعترف لقُسُسها وبطارقها،ثم يعيش في الحياة كالسائمة يُلقى حبلُها على غاربها فترعى ما ضرّها ونفعها وافادها وآذاها!بل الإسلام دين كامل يُنير لمتّبعيه كل خطوة من خطى الحياة،ويدّلهم على كل غاية فيها لهم صلاح وهدى،فهو دين،وهو قانون ،وهو كل شيء.

فهما ثنتان أيها القوم ولا ثالثة لهما،إما أن تكونوا مسلمين في سركم وجهركم،وجِدِّكم وهزلكم،وبيوتكم ومجامعكم،وفي كل أمر من أموركم ووقت من أوقاتكم،وإما أن تخرجوا من الإسلام وتخلعوا رِبقته من أعناقكم وتنفضوا منه أياديكم،ثم تقولوا للناس إنكم كافرون مرتدّون،وإذن تخسرون كل شيء إذ تخسرون الإسلام ولا يخسر الإسلام ـ وربّ محمد ـ إذ يخسركم شيئاً.وإن ديناً تعهّد الله بحفظه لا يضيره أن يخرج منه أقوام علم الله أنهم لم يدخلوا فيه أبداً!“.

ولقد فهم السلف الصالح رضوان الله عليه أجمعين هذا النداء الإلهي حقّ الفهم، فأخذوا الإسلام بكل نواحيه وأبعاده، فهماً وعملاً وتطبيقاً، وأما الخلف فإننا وللأسف نجد الكثيرين  منهم وبسبب رواسب عصور الإنحطاط، قد أخذوا من الإسلام مُسمياته وأهملوا الكثير من معانيه ومفاهيمه،وأخذوا بالكثير من الشعارات والعناوين وأغفلوا ماتحمله بين ثناياها من المضامين،أخذوا بالمبنى وتركوا المعنى، وأخذوا بمظاهر الإسلام وتركوا روحه وجوهره.

إن هذا الانحراف الفكري والسلوكي عند هؤلاء المسلمين يمكن أن نجده في أربعة نماذج رئيسية:

الصنف الأول:

„أهلك الناس الأماني“

ـ هناك صنف من المسلمين يدّعي محبة الله ورسوله، وإتباع منهجه وشريعته، وأنه من أتباعه وأوليائه،ولكن الإسلام عندهم قولٌ بلاعمل، وتمنٍ كاذب وطولُ أمل،وعواطف جياشة ومشاعر فياضة،ورجاء غير مقرون بالخوف، وطمعٌ لاتصاحبه خشية.

هم أناسٌ يتمنون على الله الاماني، ويظنون أن لفظ الشهادة وحده كاف لفتح ابواب الجنة ووصد أبواب النار.

هم أناسٌ تراهم يأخذون طرفاً من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وينسون أو يتناسون ويغفلون أو يتغافلون عن الآيات والأحاديث المكملة أو الشارحة لها، ويحسنون الظن بالله تعالى، وكذبوا والله، فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، ونسوا في إدعائهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن سلعة الله غالية، ونسوا أو تناسوا أن طريق النار محفوف بالشهوات، وأنه لاينجو من النار إلا من أتى الله بالعمل الصالح والقلب السليم.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“وقد هدمت عقيدة الله ذلك الطمع الأشعبي والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم أو عقاراً يتوارثونه عن الآباء والأجداد يستحقونه بمجرد الانتساب إلى دين معين، أو الدخول تحت عنوان خاص.أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل{ وقالوا لن يَدخُلَ الجنّةَ إلا من كان هُوداً أو نصارى تلكَ أمَانِيُّهم قل هاتوا بُرهانَكُم إن كنتم صادقين* بلى من أسلمَ وجههُ لله وهو مُحسِنٌ فلهُ أجرُهُ عندَ رَبِّهِ ولاخوفٌ عليهم ولاهُم يحزنون}.[البقرة112]

وبهذا رسم الطريق إلى الجنة، إسلام الوجه وإحسان العمل، ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب، فلقد وقف نفس الموقف من الأشعبيين من المسلمين أنفسهم، أؤلئك الحمقى الذين يُتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني، ويظنون أن النطق بكلمة الشهادة، والتسمي بأسماء المسلمين، يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة فيدخلوها بسلام آمنين!!

ولكن القرآن الكريم بيّن لهم أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة،لامحاباة عنده، ولافرق بين طائفة وطائفة{ليسَ بآمانِيِّكُم ولا أماني أهلِ الكتابِ مَن يَعمَل سُوءاً يُجزَ بهِ ولايجد لهُ من دُونِ الله ولياً ولانصيراً* ومن يعمل من الصّالحاتِ من ذَكرٍ أو أنثى وهُوَ مُؤمنٌ فأولئكَ يَدخلُونَ الجنَّةَ ولايُظلمونَ نقيراً}. [النساء123 ـ 124].(انتهى كلام القرضاوي).

نعم، هناك من يظن أنه إذا صلى الجمعة إلى الجمعة، وصلى عيدي الفطر والأضحى، وشارك بعد الصلاة وسماع الخطبة بما يسمونها كذباً حلقات الذكر، وأنه إذا قفز وعرق، وسقط على الأرض مغشياً عليه كمن أصابه نوبة الصرع،أو من لامس جسمه منبع  كهرباء، وأنه إذا سمع القرآن يتلى وهو يشرب القهوة أو الشاي في حلقات النرد والورق، وأطلق بين الفينة والأخرى بعض الصرخات والنداءات التي تدل على استحسانه للآيات ولسماع صوت القارئ، وأنه إذا صام رمضان بالامتناع عن الطعام والشراب، فإنه قد قام بفرائض الإسلام وأنه لاحرج عليه مما يصنع بعد ذلك مادام كما يقول: القلب سليم والنية صافية، وانه محب لله ورسوله، فلاحرج عليه إن أهمل الصلوات المفروضة أو قصّر فيها، ولاحرج إن غش وقامر، وسكر وشرب، ولاحرج عليه إن قطع أواصر القربى ووشائج المحبة مع الأقارب والاصدقاء، ولاحرج عليه إن أكل أموال الناس بالظلم والخداع…

يقول حُجّة الإسلام أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء رحمه الله:“وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء، اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة، ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ أجراً،وهم مغرورون، لأن فضل مجالس الذكر لكونه مرغباً في الخير، فإن لم يُهيّج الرغبة فلاخير منه.والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل، فإن ضعفت على الحمل على العمل فلاخير فيها، وربما يغتر بما يسمعه من الوعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء، وربما تدخله رقّة كرقّة النساء فيبكي ولاغرم، وربما يسمع كلاماً مُخوّفاً فلايزيد على أن يصفق بيديه ويقول ياسلام سلّم،أو تعوّذ بالله أو سبحان الله، ويظن أنه قد أوتي الخير كله وهو مغرور“.

ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مقال بعنوان „يا للرجال بلا دين“ من كتاب قذائف الحق):

„إن عرب اليوم لا يقدّرون محمدً قدره،ولا يخلفونه بأمانة في مبادئه وتعاليمه،ولا يحسون قبح الشبهات التي أثارها خصومه ضده بل هم ـ علماً وعملاً ـ مصدر متاعب للإسلام ولنبيه الكريم،وشاهد زور يجعل الحكم عليه لا له!

إنه حبٌّ غايته صلوات تفلت من الشفتين،مصحوبة بعواطف حارة أو باردة،وقلما تتحول إلى عمل كبير وجهاد خطير،والترجمة عن حبَّ محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب،في وقت يُنهب فيه تراثه أمر مرفوض،إن لم يكن ضرباً من النفاق!

أيُّ حبٍّ هذا…إن العرب لا يعرفون أيَّ شرف كُتب لجنسهم ولغتهم وأمسهم وغدهم عندما ابتعث الله محمداً منهم،وإنّ التقدير الحقَّ لهذا الشرف لا يكون بالسلوك المستغرب الذي يواقعونه الآن،ومنذ بدؤوا يعبثون برسالة الله بينهم.

ويتابع رحمه الله:“ما أشقى ديناً أنتم أتباعه،إنّ المسلمين بين ما ورثوا من جهل،وما نضح عليهم من ضلال العصر لا يزالون يهرفون بما لا يعرفون.

إنّ حبَّ محمد صلى الله عليه وسلم يوم يكون لقباً يضفيه عليه الكسالى الواهنون،فهو حبٌّ لا وزن له،ولاأثر!ويوم يكون أحفالاً رسمية وشعبية بيوم ميلاده،فهو حبٌّ لا وزن له ولا أثر!ويوم يكون قراءة للكتاب المنزل عليه في مواكب الموت ومجالس العزاء،فهو حبٌّ لا وزن له ولا أثر،ويوم يكون ادِّعاءً تستر به الشهوات الكامنة الطباع الغلاظ،هو حبٌّ لا وزن له ولا أثر…لأن محمداً هو الرسول الذي رسم للبشر طريق التسامي الحقيقي،ورسم للجماعات طريق التلاقي على الحقائقوالفضائل،فدينه عقل يأبى الخرافة،وقلب يعلو على الأهواء“.

ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد709):

„يا سيدي يا رسول الله،لقد أقمت الإسلام على خمسة أركان فما زال الشيطان يُغرينا بأركانه الخمسة،حتى هدمناها وأزلزلناها،فكان فينا من يقول كلمة الشهادة ولا يؤدي حقها،ومن يدعي الإسلام ولا يصلي،ومن يصلي بجوارحه ولسانه  لا بقلبه وجنانه،يقوم إلى الصلاة ليستريح منها لا ليستريح بها،لا يجد فيها أنس نفسه ولا قرة عينه،فلا تنهاه صلاته عن فحشاء ولا منكر،فكأنه ما وقف بين يدي الله،ولا ناجى بلسانه مولاه،ومن يدعي الإسلام ولا يصوم ،ومن يصوم عن أكله وشربه ولا يصوم عن قول الزور والعمل به،ولا يسلم المسلمون من لسان صائماً ولا يده،فلا يرقق له الصوم قلباً فيعطف على جائع،أو يحسن إلى فقير ،ومن يدعي الإسلام ولا يزكي ولا يحج،ومن يحج ليسيح فيرى البلاد،ويتجر فيجمع المال،ويكسب من حجه الذكر والجاه ما طهر الحج قلبه،ولا غسل ذنبه،ولا أرضى ربه“.

إن محبة الله ليست دعوى باللسان، ولاهياماً في الوجدان، إن محبة الله ورسوله تعني إتباع منهجه والحرص على طاعته وأداء فرائضه، والقيام بأوامره، واجتناب مانهى عنه، يقول الله تعالى{قُل إن كنتم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويغفِر لكُم ذُنوبَكُم واللهُ غفورٌ رحيم*قُل أطيعوا اللهَ والرسولَ فإن تولّوا فإنّ اللهَ لايُحِبُّ الكافرين}[آل عمران31 ـ 32].

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره العظيم:“هذه الآية حاكمة على كل من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:“ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد“.

ويقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله [زاد المعاد]:“إن الإسلام ليس مجرد المعرفة فقط،ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً“.

ورحم الله سيد التابعين الإمام العظيم الحسن البصري الذي أوجز وأفاد حين عرف مكمن الداء وأشار إلى الدواء فقال:“هيهات، هيهات! أهلك الناس الأماني، قول بلاعمل، ومعرفة بغير صبر، وإيمان بلايقين.مالي أرى رجالاً ولا أرى عقولاً! وأسمع حسيساً ولا أرى أنيساً! دخل القوم والله ثم خرجوا، وعرفوا ثم أنكروا، وحرّموا ثم استحلّوا، إنما دين أحدكم لعقة على لسانه: إذا سئل أمؤمن أنت بيوم الحساب؟ قال: نعم! كذب ومالك يوم الدين. إن من أخلاق المؤمن قوة في دين، وإيماناً في يقين،وعلماً في حلم، وحلماً بعلم،وكَيساً في رفق، وتحملاً في فاقة،وقصداً في غنى، وشفقة في نفقة، ورحمة لمجهود،وعطاء في الحقوق،وإنصافاً في الاستقامة،لايحيف على من يبغض، ولايأثم في مساعدة من يحب، ولايهمز ولايغمز ولايلمز،ولايغلو ولايلهو ولايلعب،ولايمشي بالنميمة ولايتبع ماليس له، ولايجحد الحق الذي عليه“.

الصنف الثاني:

„عندما تصبح العبادة عادة“!

وهناك طائفة من المسلمين تواظب على أداء الصلوات في أوقاتها، وربما أدتها جميعاً جماعة في المسجد القريب،وهناك من يصوم رمضان،وربما صام السنن، ومنهم من يحج العام بعد العام،ومنهم من لايفارق الذكر لسانه، أو الاستغفار شفتيه،ولكن من جانب آخر تجدهم في معاملاتهم وتصرفاتهم وأخلاقهم بعيدين كل البعد عن روح الإسلام وتعاليمه.

نعم تراهم يصلون،ولكنها أطراف تتحرك، وشفاهٌ تتمتم،وأجسادٌ تتمايل، تراهم وقوفاً بين يدي الله عزوجل جثثاً لاقلوب لها،ولاحياة فيها،وعقولاً متعلقة بزخارف الدنيا وبهارجها،وقلوباً متقلبة بين المتاع الفاني والنعيم الباقي،ونفوساً تلهث وراء الحطام ولاتحصد إلا الركام…

وتراهم يصومون رمضان، لقد كفّوا أنفسهم عن الطعام والشراب،ولكنهم لم يكفّوا ألسنتهم وأيديهم عن أذى الناس وظلم العباد،وتراهم في شهر الصبر، أقل مايكونون صبراً وتحملاً،وأكثر مايكونون غضباً وضجراً ومللاً، يقضون فترة الصيام معطّلين أشغال الناس ومعاملاتهم بحجة التعب والإجهاد،صارفين جلّ أوقاتهم بين ألعاب النرد والورق والشطرنج… وماتبقى من الوقت فالنوم أولى به!!

نعم، رمضان عند بعض المسلمين ـ وللأسف ـ صوم ونوم، ضيق صدر وقلة صبر،كفٌّ وامتناعٌ عن الشراب والطعام، وإقبالٌ واستمتاعٌ بنهش لحوم الأنام،نهارهم فيه مللٌ وضجر، وليلهم نوم وسهر، ثم يرفعون الأيدي عقب كل إفطار وصلاة: اللهم تقبل منا، اللهم ولك صمنا!!!

وقد يحجون العام بعد العام،ويسعون ويرمون الجمار، ولكنهم عند كل منسك أو شعيرة لاتجد قلوبهم مربوطة بذكر الله وطلب الثواب والأجر،ولكنها موصولة مع أفواج الزوار الذين سيسعون إلى“الحاج“ ويقدمون له التهنئة المباركة، والويل الويل بعد اليوم لمن يشاهد الحاج وينسى أن يناديه بلقبه الجديد!!!

وتراهم يسبحون، ويذكرون، ويستغفرون،ولكنه ذكر اللسان دون القلب،وحركات الشفاه لاخشوع الجوارح، ولكنها حلبات الرقص لاحلقات الذكر،تراهم يمشون منكسي الرؤوس ،وكأن الأعناق ربطت إلى الأقدام بالأغلال،وتجدهم يتخاشعون، ويظهرون السكينة والتماوت، ورحمة الله على عمر الفاروق الذي رأى أمثال هؤلاء فخفقه بالدرة، وقال له: „لاتُمت علينا ديننا أماتك الله“، وكان كلما رأى شاباً منكساً صاح به“ ارفع رأسك فإن الخشوع لايزيد على مافي القلب، فمن أظهر خشوعاً فوق مافي قلبه، فإنما أظهر للناس نفاقاً إلى نفاق“.

نعم، إن الإسلام عند هؤلاء ليس إلا همهمة بالأدعية، وتمتمة بالتعاويذ،وطقطقة بالمسابح، والصلاة والصيام والحج كل هذا لايمنعهم من أكل مال اليتيم،أو الإمعان في ظلم مظلوم،ولاينهاهم عن غش أو خداعٍ إذا كان يحقق لهم مطمحاً أو كان وراءه مطمع،ولايردعهم عن ذكر الآخرين بالغيبة أو النميمة، ولايطهر قلوبهم من الحسد أو الحقد أو الضغينة.

وإذا حاولنا معرفة الأسباب الكامنة وراء ظاهرة الإنفصام بين مظاهر الإسلام وبين روحه وجوهره، التي يعيش فيها أمثال هؤلاء فإننا نجد أن الهوى وحب الشهوات قد طغى لديهم على كل شئ، أو أن الدين عندهم قد ورثوه عن الآباء والأجداد كما ورثوا المال والمتاع وليس نادراً اجتماع كل هذه الأسباب.

يقول الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله [هكذا علمتني الحياة]:“حين تضيع معاني الدين وتبقى مظاهره،تصبح العبادة عادة، والصلاة حركات، والصوم جوعاً،والذكر تمايلاً، والزهد تحايلاً،والخشوع تماوتاً،والعلم تجملاً، والجهاد تفاخراً،والورع سخفاً، والوقار بلادة،والفرائض مهملة، والسنن مشغلة“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله [من بقايا الأيام]:“وإذا خلا قلب المسلم من الإيمان بالله،انعدمت لوازمه عنده، ومات الإسلام في حياته،وانتهى عمله من أجله، كالشجرة التي أجتثت جذورها،ومصدر حياتها ونمائها، وأساس بقائها،فإنها تذبل وتموت، وتتحول إلى حطب يابس لايصلح إلا للحرق!! ويتابع:“وإذا نقص الإيمان في قلبه، وضعفت صلته بربه،ووهن ارتباطه به،وانصرفت نفسه إلى الدنيا،وآثرها بحبه وسعيه، ذبل الإسلام في حياته،وأصبح رسماً حائلاً لاحرارة فيه ولاروح له، وتراجع عنده إلى مرتبة متأخرة،ولم يعد يصدر عنه أو يقيس به أو يجد حلاوة العمل له والتضحية من أجله،بل إنه ليستكثر عليه كل جهد،ويستغلي كل بذل،ويحسه عبئاً ثقيلاً على كتفيه، وحاجزاً في وجهه دون مايشتهيه،فهو يتخّفف منه خطوة بعد خطوة،ويوماً بعد يوم، ولايستبقي إلا أشكالاً ميتةً لبعض أجزائه التي لاتتعارض في ظاهر الأمر، أو لايسمح لها بأن تتعارض مع أهوائه وشهواته ومصالحه الدينية غير المشروعة“.

والمصيبة الاعظم حين يدّعي امثال هؤلاء انهم حُماة الإسلام ورجالاته،وأنهم أولياؤه وأنصاره، وهم بسبب جهلهم وابتعادهم عن روح الإسلام وتعاليمه، وتمسكهم بالمظهردون اللب والجوهر، وبالمبنى دون المعنى، قد يكونون من أشد المحاربين لأوليائه ومن أشد المؤيدين لأعدائه.

يقول الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله[هكذا علمتني الحياة]:“وحينئذ يرى أدعياء الدين عسف الظالمين عدلاً، وباطلهم حقاً، وصراخ المستضعفين تمرداً، ومطالبتهم بحقهم ظلماً،ودعوة الإصلاح فتنة، والوقوف في وجه الظالمين شراً“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله في أمثال هؤلاء[من بقايا الأيام]:“وهو يُحكّم فيه هذه المصالح والشهوات والأهواء، فيقبل منها ويرفض،ويأخذ ويدع، ويغير ويبدل،ويطيع فيه الناس، ولايطيعه في الناس،ولايشعر نحوه بأي تبعة، ولايحب فيه أحداً ولايبغض أحداً، فإذا أحب فيه أحياناً أو أبغض في أمور لاتدخل فيها مصلحته أو هواه، لم يتجاوز ذلك قلبه إلى موالاة من يحب ومعاداة من يبغض، بل ربما وقف مع أعداء الإسلام يحارب معهم الإسلام إيثاراً للسلامة، أو طمعاً في الغنيمة أو مجاراة للتيار..“.

الصنف الثالث:

„عندما تصبح المتون حواشيا“!

وهناك صنف ثالث من المسلمين، يأخذ من الإسلام بعض جوانبه ويُغالي في عرضها وإبرازها، وقد تكون من فروع الفروع أو من بعض الجزئيات، ويأتي إلى جوانب أخرى ويُبالغ في تقليل شأنها،وعدم إظهارها وبيانها، وقد تكون من الأصول أو الكليات.

إننا نجد على سبيل المثال بعضاً من هؤلاء المسلمين يكاد يكون الإسلام مقصوراًعلى مهاجمة بعض الفرق الضالة والمنحرفة كالقاديانية أو البهائية..أو مهاجمة بعض أهل البدع… وهذا مطلوب.أو تجد الإسلام عندهم محصوراً في التفسير والتذكير بأحكام أهل الذمة، وآيات اللعان والظهار..وهذا أيضاً مطلوب..وإن كان قد كتب في هذه الأحكام مايملأ المكتبات قديماً وحديثاً.أوقد يكون الإسلام عندهم مقتصراً على مناقشة الآراء والاجتهادات المتعلقة بطول اللحية، وطبيعة اللباس الإسلامي للرجل المسلم،وآداب وسنن الطعام، وحكم ختان الأنثى،وماحكم ترك الرأس عارياً أثناء الصلاة!!!

بينما تجد أمثال هؤلاء وأولاء غافلين عمداً، أو ناسين قصداً، أو جاهلين علماً، بما يتعرض له المسلمون فوق كل أرض وتحت كل كوكب، من تنكيل وتذبيح وتشريد واستئصال على أيدي الملحدين من حكام المسلمين والصليبيين وأتباع الديانات الأخرى من الهندوس والبوذيين والصهاينة.وتجدهم لايتعرضون من قريب أو بعيد لمظاهر الظلم والتخلف والحرمان والفقر والفساد والاستغلال التي تسود معظم ديار وبلاد المسلمين، وتجدهم لايلمحون أو يصرحون بغياب مظاهر الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي على كل مستوى وكل صعيد،بل الأنكى من كل هذا والأدهى أنهم أحياناً، وبإيعاز من بعض الحكام، قد يتعرضون لمن يتعرض لمثل هذه الأمور طوراً باللسان وتارة بالسنان،وقد يحاربونه أشد المحاربة، وتصبح عداوته وربما تكفيره هي قضية الإسلام والمسلمين.

إننا نجد وللأسف في عصرنا الحاضر وبسبب بعض الأفراد والجماعات والدول، كيف أصبح  للإسلام صور مشوهة ومنفرة،وذلك بسبب المغالاة في عرض بعض جوانبه من جهة، والتقصير في عرض جوانب أخرى من جهة ثانية.

ومن الجماعات من يركز على أمور ويتجاهل أخرى،فيضخم صغيراً ويقزم كبيراً، فيخدع كثيراً من العامة عن الأصل المعتدل المتكامل المتوازن، ومن الحكام من تدعوه مصلحة أو غاية شخصية إلى اقتطاع أجزاء من الإسلام يطبقها تطبيقاً مشوهاً، ولربما عادى في نفس الوقت أصولاً اساسية وحاربها أشد محاربة،وقد تجد هؤلاء يرفعون شعارات الإسلام وراياته وهم في حقيقة أمرهم يحاربون مبادئه، ويقتلون أوليائه، ويطاردون أتباعه، ومن جهة أخرى فإن هذا التطبيق الناقص المشوه لبعض تعاليم الإسلام، يترك أمام أعداء المسلمين المجال مفتوحاً للطعن، ويتيح لهم الفرصة من أجل مهاجمته والتشديد على أتباعه والانتقاص من حرماته والتجني على رسله..

نعم، إن الإسلام أمر بقطع يد السارق، وأمر بتطبيق حد الزنا وشرب الخمر، ولكنه في نفس الوقت دعا إلى إقامة نظام عادل، ومجتمع صالح فاضل، وأمر بتحقيق العدل والمساواة، وتامين العمل، وتوفير السكن والغذاء والدواء،ومنع الظلم والاستغلال والتعدي على حقوق الناس والمسلمين.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله [دراسات إسلامية]:“إن الإسلام لايقطع يد السارق إلا بعد أن يوفر للجميع كل ضمانات الحياة المادية ويكفل لهم الكفاية من الطعام والشراب واللباس والسكنى وسائر الضروريات وبعد هذا لاقبله تقطع يد السارق“.

ويقول الاستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد352 ـ تحت عنوان فقهاء بيزنطة ـ ):

„فقهاء بيزنطة هم الذين كانوا يجادلون في البيضة والدجاجة:أهذي أصل تلكنأم تلك أصل هذي،بينما كان محمد الفاتح يرسل الصواعق دراكاً على أسوار القسطنطينية،فلا يخرجهم من شدة الخلاف وحدة الجدل ما فوقهم من حمم المنايا،ولا ماحولهم من صرخات الفزع!

وفقهاء بيزنطة هم الذين يجادلون اليوم في محراب المسجد بعد ألف ومائتي عام:أهو سنة فيبقى،أم هو بدعة فيزول،وفي محمل شجرة الدر:أهو موافق للشرع فيسير،أم هو مخالف له فيقف!يجادلون في هذا وفي ذاك بين أعمدة الجرائد والمساجد،ويسرفون في الجدال حتى يتشعب الخلاف ويتمادى،ويتقسم الرأي ويتعادى،فيكون لكل شيخ شيعة،ولكل شيعة عصبية جاهلة تمزق ما وصل الدين به القلوب من وشائج الإخاء والمودة.

نعم يجادل فقهاء بيزنطة اليوم في المحراب والمحمل،ومن قبل كانوا يجادلون في زر العمامة أيبتر أم يضفي،وفي شعر الذقن أيحفى أم يعفى،وفي قبر الميت أيسوى بالأرض أم يقام،حتى أدخلوا في روع العامة من طول ما شغلوهم بهذه الصغائر أن الدين هو هذا وليس غير هذا.فلو تسنى لك أن تكشف عن عقيدة الإسلام في ذهن العامي أو شبهه لما رأيت إلا صورة مشوهة من رسوم العبادات وأوضاع العادات وألوان الأدعية.أما الإسلام الذي وضع الدساتير الخالدة لسعادة الفرد والأسرة والأمة والإنسانية في كل زمان وفي كل مكان،فذلك معنى لم يجر في شعوره ولم يدخل في علمه.والعوام وأشبته العوام هم جملة الأمة الإسلامية اليومنفما تسمعه من هذا تسمعه من ذاك،وما تراه هنا لابد أن تراه هناك.

ويتابع:“إي والله تزال فقهاء بيزنطة يفرقون بين الناس بصدعات الرأي والهوى في المحراب والمحمل،وهم يعلمون أن الأديان البشرية التي وضعها الطغاة تحدياً لله وتهجماً على دينه،تحاول بقوة الجيش وحجة المدفع ودعاية المذياع أن تخفت ذكر الله في كل أرض،وتطفيء نوره في كل سماء.وهذه المذاهب الأرضية إنما تجادل خصومها فيما تزعمه لنفسها من قتل البؤس ومحو الفروق ونشر العدالة،لا فيما تتخذه بشعائرها من بنىً،أو تبتدعه لمظاهرها من شكول.

ثم جعلوا غاية الدين أن يتزيوا بالورع،ويتفقهوا في علومه بتشقيق الجمل وتوليد الألفاظ وتعديد الفروض،فإذا زادوا على ذلك شيئاً فهو الوعظ الذي يميت الطموح ويخمد العزيمة ويحقر الدنيا ويهيئ النفوس المثقفة التي أعوزها النور الهادي والصوت المهيب لأن تصغي لما يتقوله المبشرون على الإسلام من الأباطيل ويزورونه عليه من الشبه“.

نعم، إن أمثال هؤلاء الذين يضخمون الصغير ويعظمونه، ويقزمون العظيم ويصغرون الجليل، إنهم يشوهون الإسلام، ويعطون عنه صوراً مشوهة ومنفرة، تذكرنا بالصور التي نشاهدها في المرايا المقعرة أو المحدبة، والتي تضخم أو تصغر ولكنها في الحالتين تنفر!!!

والأنكى من كل هذا أن بعض هؤلاء الناس لم يقف الأمر عندهم عند هذا فحسب،بل جعلوا كل من لايهتم بما يهتمون به، ولايشاركهم في آرائهم، منحرفاً وضالاً،وربما أخرجوه عن نطاق أخوّة الإسلام، وربما استباحوا حربه وتشويه سمعته ونالوا من أهله، وربما أدى الأمر إلى تكفيره وطلب استتابته، ولابأس أحياناً من التوقيع والموافقة على سجنه وتعذيبه وإعدامه!!!

لقد نسي هؤلاء في حربهم على إخوانهم في الدين والعقيدة مبادئ التناصح والمحبة في الله،والتعاون على البر والتقوى،وتراهم يدوسون على كثير من مبادئ الإسلام وأساسياته من أجل مصالح شخصية، أو منفعة دنيوية، أو من أجل خداع عامة الناس، أو ممالأة لحاكم أو لسلطان.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد352):

„ليس من البر بالدين ياورثة الأنبياء أن تخذلوا دعوة الله لتنصروا دعوة الإنسان.

إن الدعوات السياسية التي تتخذ شعار الإصلاح،أو تلبس مسوح الدين،تسلك إلى النفوس المؤمنة المطمئنة سبل الغرور والغي في غفوة من العقل أو سورة من الجهالة،فتزعزع إيمانها بالشكوك،وتذهب اطمئنانها بالفتن.“

إن الله أنزل الإسلام ديناً متوازناً…يُجّمل بعضه بعضاً، متناسقاً..يُتمّم بعضه بعضاً، مُتكاملاً..يُكمل بعضه بعضا، شاملاً…يُناسب بعضه بعضا، ولايجوز فيه الغلو في أمور والتقصير في أمور أخرى،ولايجوز فيه تقديم الفروع على الأصول، أو السنن على الفرائض،ولايجو فيه أن توضع الجزئيات في مرتبة الكليات،لئلا يفقد الإسلام توازنه واعتداله، ويفقد جماله وروعته،وعندها لايُعبّر تعبيراً حقيقياً عن الدين الذي أكمله الله وأتم به علينا نعمته وارتضاه لنا دينا{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}

الصنف الرابع:

„ادخلوا في السلم كافة“

يقول الله تعالى في كتابه العزيز{يا ايُّها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافةً ولاتتبّعوا خُطواتِ الشيطانِ إنّهُ لكم عَدوٌّ مبين} [البقرة 208]،قال العلماء في تفسيرها:يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في الإسلام كافة، أي: في جميع شرائعه. يأمر الله تعالى عباده المؤمنين المصدقين برسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا جميع عُرى الإسلام وشرائعه، وأن يعملوا بجميع أوامره مااستطاعوا، وان يتركوا جميع زواجره، فلاينبغي لمسلمٍ يريد امتثال شرع الله أن يعمل بركن ويترك الأركان الأخرى.

ولكن هناك وللأسف الصنف الرابع ويمثله العدد الغالب من حكام العرب والمسلمين، وبعض الجماعات والحركات الإسلامية، يأخذون من الإسلام أحكاماً ويتركون أحكاماً،ويطبقون تشريعات دون تشريعات، ويأخذون من الإسلام بعض الجوانب من العبادات والمعاملات ـ بالمعنى الفقهي ـ مثل أحكام المواريث والطلاق والزواج ـ أي مايسمى الأحوال الشخصية ـ وقد يشجعون ويشاركون في إحياء مالا أصل له، مثل إحياء ليلة النصف من شعبان والمولد النبوي!!

وقد يشارك بعضهم فيما يسمى“ الحفلات الدينية“ ويطرب لسماع المطربين والمغنيات وهم يرددون مديح النبي صلى الله عليه وسلم والإشادة به ـ وفي حفلات أخرى يرددون أغاني الخلاعة والميوعة!!وفي نفس الوقت تجد هؤلاء الحكام يتركون الجوانب الأخرى من الإسلام، وخاصة تلك التي تتعلق بتطبيق أحكام الإسلام في الأمور السياسية والاقتصدادية والاجتماعية والأخلاقية.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله[دراسات إسلامية]:“إن الإسلام يجوز أن يستفتى في منع الحمل،ويجوز أن يستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوز أن يستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لايستفتى أبداً في الأمور الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي،ولايستفتى أبداً في أوضاعنا السياسية والقومية وفيما يربطنا بالاستعمار من صلات“.ويتابع رحمه الله:“والبر في الإسلام، والعدل في الإسلام من الجائز أن يتناولها كتاب أو مقال، ولكن الحكم بالإسلام والتشريع بالإسلام والانتصار بالإسلام لايجوز أن يمسها قلم ولاحديث ولا استفتاء!!“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله[من بقايا الأيام]:“أود أن أقرر أن الإسلام يحدد علاقة الإنسان بالكون والحياة،ويبين غايته من الوجود، وأنه لايأخذ الأشياء منفصلاً بعضها عن بعض وإنما يأخذها كلاً شاملاً مترابطاً،فليست الناحية الاقتصادية فيه منفصلة عن الناحية الاجتماعية والسياسية ولا عن الأخلاق والعقيدة، وهو لايعالجها كشئ مستقل وإنما يعالجها كجزء من كل ويرسم معالمها في حدود مقاصده وقواعده ونظرته الشاملة إلى الكون والحياة والإنسان“.

نعم، إن روعة الإسلام وعظمته تظهر في شموله وتكامله، وارتباط أجزائه بعضها ببعض، أما ان نأخذ جزئاً ونترك أجزاءً، ونقتطع جانباً ونبقي جوانب أخرى، فإن هذا يشوه الإسلام ويشوه رسالته، لأن كل جزء من أجزاء الإسلام يؤدي دوره في الكل المتكامل الشامل، وإن انفصال أحد الأجزاء عن الكل يُفقد هذا الجزء وظيفته، ويشوه الكل المتكامل، كاليد إذا قطعت من الجسم فإنه لافائدة منها ولاوظيفة لها، وفي نفس الوقت ما أبشع الجسم إذا كان مقطوع اليد أو مجدوع الأنف أو مبتور الساق، كما أنه لافائدة من هذا الجسم إن نزع منه العقل أو القلب وأُبقي على الأطراف.!!

والأنكى من كل هذا والأدهى أن هذه المرقعيات تستخدم هنا، بينما رقع أخرى من النظم الوضعية والقوانين العلمانية تستخدم هناك، وهذا لايفقد الإسلام روعته وبهائه فقط، بل إنه يعطي الفرصة للمتشككين والمُداهنين والحاقدين من أجل أن يرموا بظلال الشك، وبشباك الفتنة، والتشكيك بصلاحية الإسلام ومحاولته تنحيته عن السلطان والحكم…ولابد من التذكير أن تنحية الإسلام تبدأ دوماً بالتنازلات الصغيرة، ثم تتبعها التنازلات الكبرى إلى أن يحدث في النهاية ماتوقعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:“لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولها نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة“.

ومن جهة أخرى فإننا نجد وللأسف بعض الجماعات والحركات الإسلامية، التي تأخذ جانباً من الإسلام ولاتعترف بالجوانب الأخرى، بل قد تحاربها وتنكرها، فهي قد تنشط في أمورالبر وجمع الصدقات وإقامة بعض الحلقات التدريسية والتعليمية لحفظ القرآن وإنشاء بعض المراكز والمساجد، إلا أنها تنكر دور الإسلام في الحكم والسياسة،بل قد تكون أشد حرباً على الجماعات والحركات، التي تنادي بتحكيم الإسلام في كل شؤون الكون والحياة، وقد تكون عوناً للسلطان والحاكم في محاربة هذه الحركات بل وتكفيرها والمساعدة على الزج بأصحابها في سراديب الظلام وغياهب المعتقلات وتعليقهم على أعواد المشانق.وينسى هؤلاء أو يتناسون وعيد الله وشديد عذابه لمن يأخذ بجانب من الإسلام وينكر الجوانب الأخرى{افتؤمنونَ ببعضِ الكتابِ وتَكفرونَ ببعض فما جزاءُ من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياةِ الدُّنيا ويومَ القيامةِ يُرَدُونَ إلى أشدِّ العذابِ وما اللهُ بغافلٍ عمّا تعلمون}[البقرة58].