معالم في طريق الدعوة إلى الله (9/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
وهو الإيمان الذي حوّل قاطع الطريق والذي كان يخافه الناس ويخشون منه الفضيل بن عياض والذي كان لايرعوى بإهراق الدماء وسفك أرواح العباد، إلى أحد سادة التابعين والذين كانوا بعلمهم وخشيتهم وتقواهم يبعثون الروح من جديد في الأجساد، وذلك بعد أن استمع لقوله تعالى{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد 16]
وهو الإيمان الذي حوّل الكاتب والشاعر المغمور سيد قطب رحمه الله، والذي كان في بداية الطريق لايعرف هدفه وغايته من هذه الحياة إلى إنسان يرسم معالم الطريق ويوضح الأهداف لأجيال وأجيال من بعده.
إنه الإيمان عندما يفعل فعله في النفوس، عندها تتحوّل الآكام والتلال إلى مرتفعات وجبال،وتتحوّل الصحارى والفيافي إلى واحات وارفة الظلال، وتتحوّل النفوس المغرقة في اليأس والإحباط، إلى عزائم وإرادات تنكر المستحيل ولاتعرف المحال.
إنه الإيمان الذي يحوّل أتباع الشيطان من بني الإنسان إلى عبيد للخالق الرحمن.
ـ الصنف الثاني:هم أناس يسعون إلى الحق قبل أن يسعى إليهم، ويترصدّون أتباعه، ويتحرّقون شوقاً لمعرفتهم واللقاء بهم.
هم أناسٌ من أصحاب الفطرة السليمة التي تأبى منكرات الواقع، وإن كان القوم قد تعاهدوها وتآلفوها.
هم أناسٌ من أصحاب العقول الراجحة التي تفكر بذاتها لذاتها ولغيرها، وترفض أن يُفكر الآخرون عنها ولها، ويطمسون نور معرفتها.
إنها نفوسٌ على معرفة غزيرة واتساع أفق ونقاء سريرة، وعمق بحث وسلامة منطق ونصوع حجة، وإيمان قلب، وإنصاف رأي، واستقامة سيرة.
ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء الناس العظماء سيد الخلق والمرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
تذكر لنا السيرة النبوية الشريفة أنه قد حُبّب إليه قبل البعثة بسنوات أن يخرج إلى غار حراء في مكة يخلو فيها لنفسه مقدار شهر ـ وكان ذلك في شهر رمضان ـ يتفكّر في خلق السموات والأرض، ويتدبر أمور الكون واستمر على ذلك إلى أن جاءه الوحي وأنزل عليه القرآن الكريم.
يقول العالم الجليل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه [فقه السيرة]: „في هذا الغار المَهيب المُحجب، كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ماتموج به الدنيا من فتن ومغارم واعتداء وانكسار، ثم تتلّوى حسرة وحيرة لأنها لاتدري من ذلك مخرجاً ولاتعرف له علاجاً“ ويتابع رحمه الله :“في غار حراء كان محمد عليه الصلاة والسلام يتعبّد، ويصقل قلبه وينُقّي روحه ويقترب من الحق جهده، ويبتعد عن الباطل وسعه،حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوة، فأمسى لايرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح.في هذا الغار اتصل محمد صلى الله عليه وسلم بالملأ الأعلى“.
نعم، إنها النفس الكريمة، والفطرة السليمة، التي انفصلت عن حمأة الأرض ورنت إلى السماء، ونأت عن القوم ومايعبدون، وسمت إلى العلياء، وبرئت من واقع ملؤه الزيف والأوهام، ونشدت واقعاً من الصفاء والنقاء.
ومثال آخر من هذه الفئة العظيمة “ الباحثة عن الحق“ يتمثل في قصة أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.حيث يقص علينا القرآن الكريم رحلة إيمانه ومعاناته، إلى أن ظهر شعاع الحق فسطع في قلبه وبصيرته وازاح عنها غياهب الغسق، وصفت روحه لمعرفته فانزاحت عنها ستائر المعاناة والقلق.
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز{وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين*فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين*فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفل قال ياقوم إني برئ مما تشركون*إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين} [الأنعام 75 ـ 79].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال: „إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات،مشهد الفطرة وهي للوهلة الأولى تنكر تصورات الجاهلية وتستنكرها، وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق،الذي تجده في ضميرها، ولكنها لاتتبيّنه في وعيها وإدراكها، وهي تتعلق في لهفتها المكنونة لكل مايلوح أنه يمكن أن يكون هذا الإله، حتى إذا اختبرته وجدته زائفاً، ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته،ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها، وهي تنطلق بالفرحة الكبرى والامتلاء الجياش بهذه الحقيقة،وهي تعلن في جيشان اللقاء عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها“.
نعم، إنها الفطرة السليمة النقية تتحدى الفطرة المريضة الشوهاء،والمعرفة المتجردة المتجددة المتفجرة، تتصدى للعقول المتحجرة والعادات الحمقاء، والنفس الأبية الكريمة يتبدى لها بصيص النور من خلال غياهب ودياجير الظلماء.
إنه الحق يتجلّى لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام يرسل بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك، ويهتدي بدليلها السالك…إنه الحق يظهر شعاعه في النفس وكأنه الغرّة في الجواد الأدهم، والبدر في الظلام الأبهم.
ومثال ثالث رائع وجميل، يوضح لنا وبشكل باهر جميل خلاب، قصة هذه الفئة العظيمة من „الباحثين عن الحق“ يتجلى في إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، والتي أنقلها بإيجاز من كتاب تهذيب الأسماء واللغات للعلامة الفقيه الحافظ الإمام النووي رضي الله عنه يقول: „وسبب إسلامه مشهور، وأنه هرب من أبيه وكان مجوسياً، فلحق براهب ثم جماعة من الرهبان واحد بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دلّه الأخير على الذهاب إلى الحجاز وأخبره بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، فقصده مع عرب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي ثم اشتراه منه يهودي من قريظة فقدم به المدينة فأقام بها مدة حتى قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه بصدقة فلم يأكل منها ثم بعد مدة أتاه بهدية فاكل منها ثم رأى خاتم النبوة، وكان الراهب الأخير وصف له هذه العلامات الثلاث للنبي صلى الله عليه ةوسلم. قال سلمان: فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت“.
إنها قصة البحث عن الحقيقة وماتحمله في طياتها وثناياها من معاناة ومكابدة ومشاق، وقد يصل الأمر إلى استرقاق الجسم من أجل أن يتحرر الفكر وتنطلق الروح، وإلى بذل النفس والنفيس من أجل الوصول إلى راحة النفس والضمير.
نعم، إنها رحلة البحث عن الحق،والتي قد تحمل معها من المعاناة ماتحمله أشدّ الأمراض وأفتكها،لأن النفس تعاني وتشتد معاناتها، والضمير ممزق حائر بين نوازع الفطرة السليمة وبين نوازع الواقع السقيم،ومابين سلطان الارض وسلطان السماء..
إن الباحثين عن الحق، يعيشون وأيمّ الله عذاباً مُضنياً، وشقاءً متواصلاً، إلى أن يصلوا إلى نور الحق، وإشراقة الحقيقة، فإذا بالروح قد رُدّت إلى الجسم الفاني،وإذا بالماء يروي ذا الغلة الصادي، مَثلهم كمثل الذي حرّق جوفه لهيب الظمأ،وألهب جلده حريق ووهج الشمس، في صحراء قاحلة جرداء موحشة،أوشك على الهلاك، فإذا به أمام واحة وارفة الظلال غزيرة الينابيع من الماء النمير الصافي العذب، أو كالتائه في متاهات التيه التي لاتحدها الحدود، ولاتقوم فيها الأعلام، قد تشعبت فيها المسالك، وأحاطت بها المهالك، وضاقت السبل، وأعيت الحيل، قد قتله اليأس أو كاد،واشتد به القنوط أو كاد، فإذا به بعد بعد المسير أمام إشارة أو علامة تدله على الإتجاه الصحيح والطريق القويم.
وعندما تصل النفس إلى نور الحق، تُضحي الشقاوة سعادةً، والضيق سعةً، والبؤس نعيماً،والظلمة نوراً،ويشعر الباحث عن الحق بلذّة الشبع بعد صرير الجوع، والاستمتاع بنقيع الري بعد غليل الظما،وبراحة الجسم بعد سكينة الضمير وهدأة النفس، وعندها يتحول من لهيب الشك إلى برد اليقين،ومن انفعال الجوارح إلى هدوء القلب والجوانح،ومن ثورة التفكير إلى راحة البال والضمير.وإذا بالمثل الجديدة العليا قد استقرت وأخذت تبسط سلطانها على الأجساد،وإذا بالنفس تثوب إلى رشدها وتعود إليها ثقتها بذاتها، وإذا بالباحث عن الحق إنساناً جديداً، نافراً من الحياة القديمة، منصرفاً عنها، متأذياً بهاً، منصرفاً إلى الحياة الجديدة، متشبثاً بها، متلبساً لمبادئها، طالباً المزيد منها.
وتنتهي رحلة البحث عن الحق ومافيها من معاناة، لتبدأ رحلة الثبات على الحق والدعوة إليه، ومافيها من معاناة، ولكنها معاناة دون معاناة!!
الصنف الثالث:هم أناسٌ يقبلون على دعوة الحق بعد أن تعرض لهم أو يتعرضوا لها، وينقادون لها طوعاً، ويصبحون لها تبعاً، بعد فترة تَقصر أو تطول.
إنهم اناسٌ قد ارتبطوا بعقائد أوأديان، هي في حقيقتها مُحرّفة أو مزيفة، ولكنها في الحالتين مُضللة، وقد ارتبطوا بها بدءاً قناعة واعتقاداً، لأنهم لم يجدوا البديل لها، أو الأفضل منها، ولكن بدون أن تطمئن السرائر إليها،وبدون أن ترضى الضمائر عنها، وتظل القلوب منفتحة للبدائل الأخرى، وتبقى العقول مشغولة بالبحث عنها.
وعندما تعرض لهم دعوة الحق، فإن نفوسهم وإدراكاتهم وعقولهم وأحاسيسهم تُجري المقارنة تلو المقارنة، والمفاضلة بعد المفاضلة، بين ماينتسبون إليه، وبين مايُدعون للإيمان به،ويعيشون في نفوسهم وضمائرهم صراعاً بين تيارات عدة تتجاذبهم وتتقاذفهم.
ولكن تيار الحق ينتصر في النهاية، وتخضع له النفوس قبل الأجسام،والأرواح قبل الأبدان، ويصبحون من دعاته ويتحملون الأذى والعنت والمشقة من أعدائه.
ولعل أجمل مثال يجسد هؤلاء قصة الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، والذي أنزل الله فيه وفي أمثاله من أصحاب الديانتين آيات قرانية{من أهلِ الكتابِ أُمَّةٌ قائمةٌ يتلون آياتِ الله آناءَ الليلِ وهم يسجدون*يؤمنونَ بالله واليومِ الآخر ويأمرونَ بالمعروف وينهونَ عن المُنكرِ ويُسارعونَ في الخيراتِ وأولئكَ من الصالحين*ومايفعلوا من خيرِ فلن يكفروهُ واللهُ عليمٌ بالمتقين}[ آل عمران 113 ـ 115]
وأنقل بإيجاز ماذكره عنه الدكتور عبد الرحمن عميرة في كتابه [ رجال أنزل الله فيهم قرآنا] يقول: „كان حبراً من أحبار اليهود وعالماً من علمائهم،يكنى أبا يوسف، وهو من ولد يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما،وكان حليفاً للأنصار، كان اسمه في الجاهلية الحُصين،فلما اسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله،وكان يعلم كما تعلم يهود أن نبياً سيُبعث في آخر الزمان،وكانوا يترقبون بعثته وينتظرون ظهوره،وتسامعت الجزيرة العربية كلها بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرفض الأصنام ويدعو إلى عبادة الواحد الأحد،ومنذ ذلك التاريخ وابن سلام يتنسم أخبار محمد صلى الله عليه وسلم ويترقب وصوله إلى يثرب مع المتلهفين،بعد أن جاءتهم الأخبار تترى بقرب وصوله إلى المدينة.ويصور لنا ابن سلام قصة إسلامه فيقول: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف(نترقب ونتوقع). فكنت مُسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزل في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه،وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة،فلما سمعت الخبر بقدومه صلى الله عليه وسلم كبّرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً مازدت!فقلت لها: اي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بُعث بما بُعث به.فقالت: أي ابن أخي أهو الذي كنا نُخبر أنه يُبعث مع نفس الساعة؟فقلت لها : نعم، فقالت: فذاك إذاً.قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأملت وجهه، فقلت: إنه ليس بوجه كذاب.وكان أول شئ سمعت منه: „أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام„[رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام وقال حديث حسن صحيح]. فاسلمت،ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا،قال: وكتمت إسلامي عن اليهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يارسول الله، إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك وتُغيبني عنهم،ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسلامي،فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه،ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحَبرنا وعالمنا.فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يامعشر اليهود، اتقوا الله واقبلوا ماجاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته،فإني أشهد أنه رسول الله وأؤمن به وأصدقه وأعرفه.فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي. وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور. ثم أظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها“.
نعم، إن العقيدة لاتهزم إلا بعقيدة أقوى منها، لا أقول بقوة السلاح، ولارهبة الجانب، ولاطغيان السلطان، ولكنها قوة الحق ينفذ إلى العقول كما يتفذ السهم في الجسم، وقوة البرهان والدلالات تبرز من خلال وضوح الكلمات وصدق النبرات،وهكذا بزَّ الإسلام العقائد الأخرى شمولاً وكمالاً وجمالاً، وتناسباً مع الفطرة، وتوازناً لمتطلبات الروح والجسد.
وإن من أهم مايساعد على قبول دعوة الحق عند عرضها على أصحاب العقائد والأديان الأخرى، أن تعرض بشكل واضح وجلي بدون انفعال أو تجريح وبدون مغالاة أو مواربة،وبدون مهادنة أو مداجاة.
ولعل من أجمل الأمثلة التي تؤثر في النفس موقف الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي ملك الحبشة والذي استطاع من خلال صدقه وقدرته على الإقناع ورد حجج الخصوم بقوة البيان واللسان والجَنان أن يُبكي الملك ومن معه من البطارقة بعد أن كانت البداية توحي أنه سوف يتعرض وأصحابه للطرد والإبعاد وهو من خلال عرضه لدعوته لايُقر المعتقدات الأخرى الباطلة، ولايعترف بصحتها، وكيف وهي باطلة من الأساس أو محرّفة عن دين الله كما نزله على رسله، وهو أيضاً لاينافق ولايداهن ولايميع التميز العقيدي.
يقول الأستاذ الجليل محمد الغزالي رحمه الله في كتابه فقه السيرة: „عزَّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشي وفداً محملاً بالهدايا والتحف،كي يحرم المسلمين وده، ويطوي عنهم بشره. وكان الوفد من عمرو بن العاص وعبد الله ابن أبي ربيعة ـ قبل أن يسلما ـ واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزودوهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون.قالوا : إن ناساً من سفهائنا فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين مبتدع لانعرفه نحن ولا أنتم…واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم. فلما فُوتح النجاشي في الأمر وأشير عليه بإبعاد القوم رأى أنه لابد من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعاً.ثم أرسل إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فحضروا وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسره،وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب .فقال لهم النجاشي:ماهذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الناس؟فقال جعفر:أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف،حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه،فدعانا لتوحيد الله وأن لانشرك به شيئاً، ونخلع ماكنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحمن وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء،ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام… وعدد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فآمنا به وصدقناه وحرّمنا ماحرّمه علينا، وحللّنا ما أحل لنا، فتعدى علينا قومنا،فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان. فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، وأخترناك على من سواك، ورجونا أن لانظلم عندك.فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شئ؟قال: نعم. فقرأ عليه شطراً من {كهيعص}، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة. انطلقا والله لا أسلمهم إليكما أبداً“يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه“. فخرجا، وقال عمرو لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لآتينه غداً بما يبيد خضراءهم. فلما كان الغد قال للنجاشي:إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. فأرسل النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح؟ فقال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: ماعدا عيسى ماقلت قدر هذا العود.فنخرت بطارقته. فقال: وإن نخرتم. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون،وما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأنني آذيت رجلاً منكم، ورد هدية قريش وقال: ما اخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه. وأقام المسلمون عنده بخير“.
وانظر معي إلى النعمان بن مُقَرِّن المُزني رسول سعد بن أبي وقاص إلى كسرى فارس يزدجرد كيف يخاطبه ويدعوه إلى الإسلام:
„إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يَدُلنا على الخير ويأمرنا به، ويُعرّفنا الشر وينهانا عنه،ووعدنا ـ إن أجبناه إلى مادعانا إليه ـ أن يعطينا الله خيري الدنيا والآخرة. فما هو إلا قليلٌ حتى بدّل الله ضيقنا سَعَةً وذِلّتنا عِزّةً، وعداوتنا إخاءً ورحمةً. وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى مافيه خيرهم وأن نبدأ بمن يجاورنا. فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا وهو دِينٌ حَسّنَ الحَسَن كُلّهُ وحضّ عليه،وقَبّحَ القبيح كله وحذّر منه، وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجَورهِ إلى نور الإيمان وعدله.فإن أجبتمونا إلى الإسلام خَلّفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه ورجعنا عنكم وتركناكم وشأنكم. فإن أبيتم الدخول في دين الله أخذنا منكم الجزية وحميناكم، فإن أبيتم إعطاء الجزية حاربناكم“.
نعم، إن هذا الحوار الهادئ المتزن الموضوعي، المستند إلى العلم والإقناع والحجة والأدلة الواضحة والبراهين الدامغة، والبعيد عن التعصب والذم، هو أحد الأسس الهامة في الحوار، وخاصة مع أصحاب المعتقدات والأديان الأخرى،ولقد كان لهذا الحوار العظيم جانبه وتأثيره الكبير حيث أسلم النجاشي، كما ذكرت كثير من الروايات، وقد صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أنبأه جبريل بموته.فقال لأصحابه: “ اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم. فقالوا: ومن هو؟ فقال: النجاشي. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم أربع تكبيرات واستغفر له وقال لأصحابه استغفروا له “ [الروض الأنف ج3 ص262].
وربما أثر هذا الحوار في نفس الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه والذي كان على رأس وفد المشركين إلى الحبشة، واستطاع أن يغير موقفه ويتحول إلى دعوة الحق قبل فتح مكة.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله في كتاب [عبقرية عمرو بن العاص]: „ومن دأب اصحاب هذه العقول أنهم يستنفدون أسباب الحيطة أولاً، ثم يتأملون ويفكرون، فلايمنعهم مانع أن ينفدوا إلى اللباب، وأن يدركوا ماهم أقدر على إدراكه من الآخرين، لولا ماكان يعوقهم من طبيعة التربص والانتظار، وإذا أدركوا فهم ذلك إنما يدركون على ديدن الحيطة والموازنة بين الأمور والمقابلة بين طريق وطريق“.
وفي العصر الحديث فإن هناك عديد من الأمثلة على اعتناق دعوة الحق من قبل كثير من علماء وساسة وأقطاب الغرب ومنهم المستشرق النمساوي محمد أسد“ليوبولد فايس“ صاحب الكتاب المشهور “ الإسلام على مفترق الطرق، والزعيم السياسي الكبير روجيه غارودي والذي كان رئيساً للحزب الشيوعي الفرنسي والذي له كتابات عديدة في خدمة وعرض الدين الإسلامي والقضية الفلسطينية، ومنهم الطبيب الفرنسي المشهور الدكتور موريس بوكاي والذي ألف كتاباً رائعاً في المقارنة بين الأديان السماوية الثلاث ، وغيرهم وغيرهم…
إن التحول من إحدى العقائد أو الديانات الكتابية أو الوضعية إلى عقيدة الإسلام والتوحيد، ليس بالأمر السهل أبداً،بل هو في حكم أصعب الصعب،وإن اتخاذ القرار المُفضي إلى هذا التحول تسبقه شهور بل ربما سنوات من المعاناة والمكابدة،إنها معاناة الجسم والنفس والعقل، ومكابدة الجوانح قبل الجوارح قبل اتخاذ القرار وبعده.
إنها نفوسٌ مرتبطة واقعياً وحسيّاً بإحدى العقائد او الديانات،ولكنها ضمنياً وشعورياً تتطلع إلى عقيدة أخرى، إنه الصراع الداخلي مابين الارتباط الوهمي بالواقع الموجود ـ وما يجره على النفس من تبعات ومايحمله من تعقيدات ـ ومابين التطلع الشعوري إلى الواقع المنشود ومايمكن أن تتبعه من عقبات وتبعات.
إن هؤلاء الناس يعيشون حقاً غُمّة مُطبقة، وهماً متواصلاً،يودُّ المُبتلى بها لو تنفض لساعتها،لكنه غير قادر على التخلص منها،لأن هناك قوة خفية يحسها ويُذعن لها تصدر إليه أمرها، قد ملكت عليه حسّه وشعوره، فهو لايستطيع عنها انصرافاً، ولايملك لها خلافاً.
إنها نفوسٌ تعيش هذه المعاناة جبراً واختياراً،حتى تصل في قرارة نفسها وأعماق وجدانها إلى استبيان ملامح الطريق المستقيم، وحتى تصل إليه تعيش عراكاً لاتهدأ ثورته، وتعاني صراعاً لاتهنأ بالغلبة فيه، لأن النفس والروح في كل الأحوال هما الغالب والمغلوب!!!
ويستمر هذا الصراع في تلك النفوس العظيمة أيامأ وشهوراً، والأغلب أن يستمر سنيناً، وتعيش النفس هذا الصراع المرير المستمر الذي لاهوادة فيه ولامهادنة، تحاول الهروب منه حيناً من خلال إقناع الذات بالموجود دون المنشود، وبالمألوف دون المطلوب،وإن كان المألوف يقصر عن الغرض المطلوب.
فإذا غفت تلك النفوس كانت غفوة بسيطة، تتبعها يقظة طويلة من المعاناة والإرهاق تلازمها ملازمة الروح للجسد،وتتبعها كما يتبع الظل صاحبه،وحتى أثناء النوم والهجوع تُسلط عليها أحلاماً لاترحم، وهواجس لاتهدأ،ويُضحي صاحب هذه الحيرة مفرق النفس، مُشتت البال،مُضنى الفؤاد،الأفكار تلاحقه، والهواجس تطارده، لايجد لذّة في ساعات النهار، ولاراحة في سويعات النوم،وإذا هوأرق بالليل وقلق بالنهار،يعاني نزاعاً كأنما ينزع نفس صاحبه من نفسه، فيضيق به ذرعاً حيناً وتستولي عليه الحيرة حيناً آخر.والأمر يتفاقم ويتراكم، ويتجمع ويتوسع، حتى لامفر من اتخاذ القرار وإنهاء طريق المعاناة، لأن ثقالات الضمير قد أوجعت الجسم والنفس فأصبح مكللاً بالأغلال التي تثقل الرأس قبل أن تثقل الأقدام.
ولأن النفس أدركت ما في طريق الحق من مشاق وصعاب، وعرفت أن الوصول إلى الحق وقطف ثماره مسبوق دوماً بالآلام والعناء،وملحوق دوماً بالآمال والصعود والارتقاء،ومع ذلك فهي تسعى إليه على جناحين، جناح من العقل يعضده جناح من الشعور، وكل جناح تحركه وتغذيه وتقويه دوافع من الإحساس وبواعث من الضمير، وروافد من التفكير، تطير به من قرارة العجز والجمود في بحر لاساحل له ولاقرار ولاحدود، إلى بر من الأمن والأطمئنان،وعندها تعتنق النفس الحق وتعانقه،وتتقابل أشواق الباطن والأعماق مع ظواهر الواقع بدون حجاب، وتمتزج الآمال المنشودة مع الأماني المطلوبة بدون ضلالات الأفكار، أو اعوجاج الأهواء.وإذا بالعقل الواعي الرشيد قد أجج الرغبة، وأيقظ من الغفلة وألهب الخيال، فجاء بالقرار الأخير كالخادم الأجير، يحقق ماصبت إليه النفس وتاق إليه الخيال وانتهت إليه الرغبات.
نعم، إن اتخاذ القرار السليم ليقع في النفس المحزونة المكلومة، موقع المياه العذبة من الأرض المجدبة،وموقع قطرة الندى تلامس الزهرة المتعطشة، عند أوج الفجر وقبيل بزوغ الشمس، فإذا بالنفس وقد عاد إليها ابتسام الثغر، وإشراق الوجه، وتهلل الأسارير، وإذا بالآمال تحيا، وبالنشاط يتجدد، فكأنه المنهل الشافي لذي الغلّة الصادي.
إنها حقاً نفوس عظيمة، نبذت الهوى وانجذبت لأوامر العقل والنهى،وتجرّعت مرارة الحزم، وأنكرت ظني الفهم، وأخذت بيقين العلم.
إنها نفوسٌ تركت حيرة التردد وآفة الترقب، وامتشقت سيف الحق، وفوّقت نبال الإرادة استعداداً للمرحلة المقبلة، التي لن يكون الصراع فيها مع النفس المترددة، ولكنه صراع النفس الهادئة المطمئنة مع النفوس الأخرى المضللة،وصراع عقيدة التوحيد مع عقائد الزيف والتضليل.
نعم، إن أصعب ساعات العمر وأيامه هي ماقبل اتخاذ القرار،بل إن أجمل ساعات العمر وأيامه هي عند اتخاذ القرار، لأن النفس تنتقل عندها من مرحلة الطفولة المتعلقة بحبال الآخرين، إلى مرحلة الرجولة التي تتعلق بها حبال الآخرين.
وتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الحياة، مرحلة الصراع مع رفاق الأمس أعداء اليوم، ومرحلة الصراع مع مجتمع الأهواء والضلالات، ومرحلة الصراع مع بعض ذوي القربى وأصحاب الوشائج، حيث تموت الروابط وتنقطع أواصر الرحم، وحيث تموت الأبوة والأمومة والأخوة أحياناً، وحيث تُسلط أبشع وسائل المحاربة والمقاطعة، وتستخدم أحقر الأساليب في التشويه والتسخيف والتضليل،وحيث تركب النفوسَ الأهواءُ،وتمتطي الرؤوسَ الاقدامُ، ويضيع الضمير، وينعدم التفكير.
ولكن صاحب الحق يمضي في هذا الطريق كأنه السهم لايلتفت يمنة ولايسرى،ولايظهر ارتياعاً لما ودّع ولا التياعاً لما فارق،قد وطّن النفس على احتمال الصعاب واقتحام العقاب، يستعذب آلام المرحلة القادمة ويستلذ تبعاتها، يقابل كل الصعوبات والتحديات برحابة الصدر، وسعة الأفق وصدق الإيمان وإخلاص الضمير، ويسعى بعد أن ارتاحت نفسه وهدأت روعته أن ينقل الجنة التي يحملها في صدره وينثر بذورها في صدور الآخرين.شعاره إذا تخلى عنه القريب، وجافاه الحبيب، وآذاه الغريب أن يقول“ رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء“.
الصنف الرابع:
هم اناسٌ بان لهم الحقُّ فبانوا عنه، وظهرت لهم دلائله فتظاهروا عليها!!استيقنته أنفسهم وجحدته أهواؤهم، وأدركته مداركهم ولفظته مشاعرهم، وابصرته بصائرهم وتعامت عنه أبصارهم،أدركوا أن فيه البرء والشفاء وتنكبوا سبيله وتبرؤوا منه كل البراء.والمثال الواضح على أمثال هؤلاء الوليد بن المغيرة المخزومي، ويمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقالي“ أفرأيت من اتخذ إله هواه“.
الصنف الخامس:
هم أناسٌ قد ألغوا عقولهم، وعطلوا مداركهم وافهامهم،وسدّوا منافذ قلوبهم وأبصارهم، اختاروا عبودية العقل والضمير للآباء والأجداد، ورفضوا نداء العقل وصدق الإحساس، وخضعوا لاستعباد الواقع المألوف، والعرف المعروف، وإن كان يسلب الإنسان إهم خصائصه ومقوماته، وخاصة حرية التفكير والتدبر.يعيشون مع افكار توارثها الأعقاب عن الأسلاف، والاحفاد عن الأجداد، وكأنها وحي سماوي منزل!!يعيشونها بضمير ميت وعقل معطل. ويمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقالي“ حسبنا ماوجدنا عليه آباءنا„.
أداب الحوار والمجادلة
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“إن القرآن الكريم كتاب حوار من الطراز الأول:
حوار بين الرسل وأقوامهم:{قالوا يانوحُ قد جادلتنا فأكثرتَ جِدالنا فأتنا بما تَعِدُنا إن كنتَ من الصادقين}[هود32].
حوار سيدنا موسى مع فرعون، في سورة طه وفي سورة الشعراء:{فأتيا فرعونَ فَقولا إنّا رسولُ رَبِّ العالمين*أن أرسل معنا بني إسرائيل*قال ألم نُرَبِّكَ فينا وليداً ولبثتَ فينا من عُمُركَ سنين}[الشعراء 15 ـ 17]والحوار طويل حتى الأية50.
والأنبياء يحاورون الله سبحانه:{ونادى نوحٌ رَبّهُ فقال رَبِّ إنّ ابني من أهلي وإنّ وَعدكَ الحقُّ وأنتَ أحكمُ الحاكمين* قال يانوحُ إنّهُ ليسَ من أهلك} [هود45 ـ 47]
والله عز وجل يحاور الملائكة:{وإذ قالَ رَبُّكَ للِملائكةِ إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ ونحنُ نُسبِّحُ بحمدكَ ونُقدّسُ لك قال إنّي أعلمُ مالاتعلمون}[البقرة30].
وأخيراً نرى حوار الله لأشرِّ خلقه إبليس :{قال انا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقتهُ من طين}[الأعراف12، وص 76]،{قال فاخرج منها فإنّكَ رجيم* وإنّ عليكَ اللعنة إلى يوم الدين}.
فهذا يدلنا على أن الحوار في هذا الدين ليس أمراً غريباً،بل هو فريضة في هذا الدين، وأنا مأمورون أن نحاور مخالفينا{ادعُ إلى سبيل ربك..}الموعظة الحسنة مع الموافقين،والجدال بالتي هي أحسن مع المخالفين ،{ولاتجادلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي هي أحسن} فهذا مايعلمنا إياه القرآن العظيم“.
صفات الحوار الناجح وحسن المجادلة:
ـ الإصغاء وحسن الفهم
ـ اللين والرفق في الحوار
ـ عدم الانفعال والحدّة
ـ سعة الصدر وعدم التشّفي
ـ العلم بموضوع الحوار
ـ الموضوعية
ـ الإقناع والحجة
معوقات الحوار الناجح:
ـ عدم الاهتمام بالحديث
ـ الجهل
ـ اللجاجة
ـ الخصام واللدّد
ـ العصبية والحزبية
1 ـ الإصغاء وحسن الفهم:
رأس الأدب كله: حسن الفهم والتّفهم والإصغاء للمتكلم، ولذا قالت العرب قديماً“ أساء َ سمعاً فأساءَ إجابة“، أي أن من يُخطئ السمع يُسئ الإجابة.
ومن حسن الآداب والإصغاء والفهم أن لاتغالب من تحاوره على الكلام، وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه، وتقحم نفسك، وإذا حدّث أحد بحديث ألا تنازعه إياه ولاتُرهِ أنك تعلمه.
يقول الإمام الشعبي عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: “ والله ماعلمته إلا آخذاً بثلاث، تاركاً لثلاث: آخذاً بحسن الحديث إذا حدّث، وبحسن الاستماع إذا حُدِّث،وبأيسر المؤونة إذا خُولف، تاركاً لمجاوبة اللئيم، ومماراة السفيه، ومنازعة اللجوج.
وجاء في العقد الفريد[ج2 ص 236]:“قال أحدهم لإبنه: يابني! تعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث، وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول، فاحذر أن تسرع في القول فيما يجب عنه الرجوع بالفعل، حتى يعلم الناس أنك على فعل مالم تقل، أقرب منك إلى قول مالم تفعل“.
ويقول عبد الله بن المقفع: “ من الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدّث الرجل حديثاً تعرفه ألا تسابقه إليه وتقتحمه عليه وتشاركه فيه، حتى كأنك تظهر للناس بأنك تريد أن يعلموا أنك تعلم ومثل الذي يعلم“.
ويقول عبد الحميد الكاتب[ أمراء البيان محمد كرد علي ص63]:“ولكن أنصت لمحدثك وأرعِهِ سمعك، حتى يعلم أن قد فهمت حديثه وأحطت معرفة بقوله، فإذا أردت الإجابة فعن معرفة بحاجته، وبعد علم بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجب من حديثه بالتبسم والإغضاء فأجزى عنك الجواب وقطع عنك ألسن العتب“.ويقول أيضاً[نفس المرجع]:“وإذا كنت في مجلس مَلئِك، حيث حضور العامة مجلسك، فإياك والرمي بنظرك إلى خاص من قوادك،أو ذي أثرة عندك من حشمك، وليكن نظرك مقسوماً في الجميع، وإراعتك سمعك ذا الحديث، بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم، وقلّة تضّجر بالمتحدث، واعلم أن تصفحك وجوه جلسائك وتفقدّك مجانسة قوادك من قوة التدبير وشهامة القلب وذكاء الفطنة، فتقعد عارفاً بمن حضرك وغاب عنك،عالماً بمواضعهم في مجلسك، ثم اغدُ بهم من ذلك سائلاً لهم عن أشغالهم التي منعتهم من حضور مجلسك، وعاقهم بالتخلف عنك“.
ويقول الأستاذ عصام العطار: „تعلم كيف تستمع إلى غيرك، وتستفيد من علمه وتجربته ورأيه، فالذين يتكلمون ولايستمعون، يفوتهم خيرٌ كثير، ويتصفون ببعض مايتصف به الجهلاء السفهاء السخفاء من قلة العقل والأدب والذوق“. وقال أيضاً: „إنك لاتكتسب الناس بالكلام بمقدار ماتكتسبهم بحسن الإصغاء، والاهتمام الصادق بما يقولون، وخيرٌ من الكلام أو الإصغاء وحده الحوار النزيه الأمين الذي تتكامل به المعارف وتتلاقح الأفكار ويُتوّصل من خلاله إلى مستوى أفضل من العلم والفهم والصواب والإبداع“.
وانظر معي إلى السنة النبوية الطاهرة تعطيك المثال الواقعي والحيّ لحسن الإصغاء والفهم عن المتحدث مهما كان معارضاً، مجافياً أو متحدياً.
جاء في السيرة: أتى عتبة بن ربيعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه فقال: يا ابن أخي.إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعِبت آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع عني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمع.قال: يا ابن أخي: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً،وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لانقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكّناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لاتستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه… حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أفرغت يا أبا الوليد، قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمع مني، قال : افعل. قال النبي صلى الله عليه وسلم:{بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم }[فصلت 1 ـ 2].
فداك أبي وأمي يارسول الله، نعم الرسول أنت، ونعم المحاور أنت، ونعم القدوة والأسوة أنت.
وإذا شعرت من محاورك أو محدّثك عدم الإصغاء، وقلة الإهتمام بالحديث فدعه، ودع محاورته ونقاشه، يقول الإمام علي رضي الله عنه: „من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك“. وقال ايضاً:“ إذا كنت في مجلس ولم تكن المُحدّث ولا المُحدَّث فقم“.
وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما:“ حدّثوا الناس ما أقبلوا عليكم بوجوهكم“.
2 ـ الرفق واللين في القول:
يقول ابن عبد ربه[ العقد الفريد ج2 ص20]:“والكلام الرقيق مصايدُ القلوب، وإن منه لما يستعطف المستشيط غيظاً والمندِملَ حقداً، حتى يطفئ جرة غيظه، ويَسُل دفائن حقده، وإن منه لما يستميلُ قلبَ اللئيم ويأخذ بسمع الكريم وبصره،وقد جعله الله بينه وبين خلقه وسيلة ناقعة، وشافعاً مقبولاً،قال تبارك وتعالى{ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}، وأرسل الله محمداً خاتم الأنبياء وكان مما وصفه به{ لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ماعَنِتُم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم} [ التوبة 128].
يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“ من لانت كلمته وجبت محبته“.وقالوا :“يُدرك بالرفق مالايُدرك بالعنف، ألا ترى أن الماء على لينه يقطع الحجر على شدّته“.وقالوا: “ جرّبتُ اللِّين والسيف فوجدتُ اللِّين أقطع“.ويقول موفق الدين البغدادي: “ إياك والغلظة في الخطاب، والجفاء في المناظرة، فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام ويُسقط فائدته ويُعدم حلاوته، ويجلب الضغائن، ويمحق المودات“.
ولابد من التواضع في النفس والخطاب، وعدم الاستعلاء والتعالي ،وإن من أبشع ألوان التكبر هو تكبر الدعاة على من يخاطبونهم ،فترى البعض يكلمون المدعوين أو المحاورين الآخرين وكانهم يتكلمون مع تلامذة صغار، وينظرون إليهم نظرة امتهان واحتقار، وقد يلجأ البعض منهم إلى الشتيمة والتجريح والتعريض!!وهؤلاء الأشخاص الذين يتصفون بهذه الصفات لديهم كثير من عقد النقص التي يحاولون إخفائها وراء قناع من „الأستاذية“و“الاستعلاء“و“التعالي“ ليستروا نقصهم، وماهم ببالغيه.يقول صلى الله عليه وسلم:“وما تواضع أحد لله إلا رفعه„[رواه مسلم].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:“ومن الجدال بالتي هي أحسن أن يكون الحوار رقيقاً بلاتحامل على المخالف ولاترذيل له وتقبيح،حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة على الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لاتنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لاتشعر بالهزيمة. وسرعان ماتختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها.والجدل بالحسنى هو الذي يطامن هذه الكبرياء الحساسة ويشعر المجادل أن ذاته مصونة وقيمته كريمة، وأن الداعي لايقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر.
ويمكن الرجوع إلى موضوع صفات الداعية ومنها اللين في الخطاب والدعوة.
- ـ عدم الانفعال والغضب والحدّة في الخطاب:
تقول العرب: “ أوّلُ العِيِّ الإختلاط“، وهو الغضب،ومعناه أن الرجل إذا عجز عن دفع خصومه بحجة قاطعة أظهر الغضب ليجعله سبباً إلى التخلص منه، وله وجه آخر: وهو أنه إذا غضب عيَّ عن الجواب وامتنع عليه الخطاب، وأحضرُ الناس جواباً من لم يغضب.
وقالوا: “ وأحزم الفريقين الرُّكين“، والعاجز عن الجواب أيضاً ربما تعلّل بالضحك، وقالوا:“ من عجزَ عن الجوابِ ضَحك من غير عُجاب كما جاء في جمهرة الأمثال للعسكري.
ويقول عبد الله بن المقفع: “ إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة، ويُظهر عليك الخصم“.
4 ـ العلم بما يُحدث ومن يُحدث:
يقول عبد الله بن المقفع: „إياك أن تبتدئ في مجلس لم تسبر عقول أصحابه“. ويقول أيضاً:“مما يدلُّ على علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور، وإمساكه عما لايُدرك، وتزييّنه نفسه بالمكارم، وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخرٌ ولاعُجب، ومعرفته بزمانه الذي هو فيه، وبصره بالناس وأخذه بالقسط وإرشاد المسترشد، وحسن مخالفته خلطاؤه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحريه العدل في كل أمر ورحب ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجة فيما عمل وحسن تبصره“.
وقالوا: “ إذا أردت أن تُفحمَ عالماً فأحضره جاهلاً„.سأل رجل الإمام مالك بن انس رحمه الله عن قوله تعالى{الرحمن على العرش استوى}، كيف هو الاستواء؟ فسكت الإمام ملياً حتى علاه الرّحضاء(أي تصبب منه العرق) ثم سُرّي عنه فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجبن والسؤال عنه بدعة، وإني لأظنك ضالاً ثم أمر به فأخرج من مجلسه“.
وهنا لابد من الانتباه إلى الأمور التالية فيما يتعلق بهذه النقطة:
1ـ إن الجاهل ليس كفؤاً للعالم، ومن لايعلم لايجوز له أن يجادل من يعلم وإلا كان الأمر قلباً للموازين يقول تعالى{ يا أبتِ إني قد جاءني من العلم مالم يأتك فاتبعني}[ مريم 43]، يقول العلامة الألوسي:“ ولم يَسم أباه بالجهل المفرط وإن كان في مقتضاه، ولانفسه بالعلم الفائق وإن كان كذلك، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له يكون أعرف بأحوال ماسلكاه من الطريق مع استعمال الرفق“.وقال الإمام الشافعي رحمه الله:“ ماجادلت عالماً إلا وغلبته، وما جادلني جاهلاً إلا وغلبني“.
2 ـ الإحاطة بجزئيات وحيثيات وملابسات وأهداف القضية المطروحة للنقاش إحاطة تجعل المرء متمكناً مما يقول ومدركاً لأبعاد ومواقف الطرف الآخر، وكونه عالماً بما يجوز فيه الخلاف ومالايجوز فيه الاختلاف.