معالم في طريق الدعوة إلى الله (8/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
ويتابع القرضاوي:“كان هؤلاء من المتعبدين المكثرين للصيام والقيام وتلاوة القرآن،وبيّن الحديث الشريف السابق„يحقر أحدكم…“أن آفة هؤلاء ليست في ضمائرهم، إنما آفتهم في عقولهم،فهم يقرؤن القرآن، ولكنها قراءة لاتتجاوز الحناجر،لتدخل إلى العقول لتفهم، والقلوب لتستبصر، وفي حديث آخر وصفهم بأنهم“يدعون أهل الأوثان، ويقتلون أهل الإسلام“!!
ويتابع الشيخ القرضاوي:“وفي عصرنا ابتليت أمتنا بأصناف من الغلاة ورثوا غلو الخوارج القديم، ربما كان لدى بعضهم إخلاص الخوارج، مع سوء فقههم، وربما لم يكن عند آخرين منهم إلا الدعاوى العريضة ولافقه ولا إخلاص، ولايحملون عقلاً ذكياً، ولاقلباً نقياً.إنما هم مغرورون غرّتهم أنفسهم، وغرّتهم الأماني،وغرّهم بالله الغرور، وإذا اجتمع الجهل والغرور كانت فتنة في الأرض وفساد كبير“.انتهى كلام القرضاوي.
إن التشدد والمغالاة من مظاهر الانحراف التي نجدها عند بعض الدعاة إلى الإسلام. تجد أحدهم يطلّع على مسألة من مسائل الشرع فيها وجوه اختلاف متعددة وأقوال واجتهادات متغايرة، وقد تجد في مسألة من المسائل خمسة أقوال تقول بالتساهل والتيسير وقول يأخذ بالتشديد، فهو يأخذ بالتشديد على نفسه وعلى الناس، وهذا غلط كبير، فالمرجعية عندنا للكتاب والسنة، فما يؤيده الدليل يُؤخذ به وإن كان فيه التسهيل والتيسير، ويجب أن لانغالي في الأمور وأن يكون لنا في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.
يقول الله عز وجل: {قُل يا أهلَ الكتابِ لاتَغلُوا في دِينِكُم غيرَ الحقِّ ولاتَتّبعوا أهواءَ قومٍ قد ضَلُّوا من قَبلُ وأضَلُّوا كثيراً وضَلُّوا عن سواء السَّبيل}[ المائدة 77]، ويقول تعالى: { يريد الله بكم اليُسر ولايريد بكم العسر}[ البقرة 185]، ويقول تعالى: {ونيسرك لليسرى}[ الأعلى 8].
وهناك مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تنهى عن التشدد والتنطع والمغالاة في الدين وتدعو إلى التيسير نذكر منها:
في الحديث الشريف المتفق عليه: “ يسروا ولاتعسروا، وبشروا ولاتنفروا“.ويقول صلى الله عليه وسلم: “ إنما بُعثتم مُبشرين ولم تُبعثوا مُعسّرين“ [أخرجه البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين„.قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: „الغلو: المبالغة في الشئ والتشديد فيه بتجاوز الحد“.
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: „هلك المُتنطّعون، قالها ثلاثا“ [رواه مسلم].قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: “ المتنطعون: المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم“.
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله[قضايا في الدين والحياة والمجتمع ص153]:“إن هؤلاء المغالين المتعمقين في الكلام والأفعال هالكون، وهلاكهم أمر مُحقّق لاشك فيه، وقد رأينا النصارى وكيف انتهى بهم تنطعهم وغلوهم في حبّ المسيح عليه السلام إلى الشرك، وكذلك رأينا بعض الفرق الضالة التي خرجت عن المسلمين كيف ضلّت عندما أحبوا رجلاً من الصحابة فرفعوه فوق رتبة البشر فضلوا وأضلوا، وقريب منهم حال بعض الجهلة الذين يرفعون نبينا صلى الله عليه وسلم فوق درجة النبوة بدعوى محبته صلى الله عليه وسلم إلى درجة لايرضاها، روى البخاري وأحمد عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله„.
وقال صلى الله عليه وسلم: “ لاتشدّدوا على أنفسكم فيُشدد عليكم، فإن قوماً شدّدوا على أنفسهم فَشُدّد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ماكتبناها عليهم“ [أخرجه أبو داود].
ودعا رسول الله في مجموعة من الأحداديث الشريفة إلى اليسر والتيسير على النفوس والعباد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „إن الدين يسر، ولن يُشادّ الدينَ أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشئٍ من الدُّلجة“ [رواه البخاري].
(الغدوة، سير أول النهار، الروحة: آخر النهار،الدلجة: آخر الليل).
وجاء في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ماخُيّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما“[أخرجه الشيخان والإمام مالك].وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان: “ عليكم من الأعمال ماتطيقون فإن الله لايمل حتى تملوا„.
هذا من السنة القولية، وجاء في السنة العملية عدة حوادث وأمثلة تدعو إلى التيسير وعدم التشديد في العبادات على النفس وعلى عباد الله المؤمنين.
كان أحد ائمة المساجد يُطيل في الصلاة، حتى جعل ذلك بعض الناس يتأخرون عن صلاة الصبح، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعل ذلك الإمام غضب غضباً شديداً فقال : “ يا أيها الناس إنّ منكم مُنّفرين، فأيّكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة“. [متفق عليه].وجاء في حديث آخر: “ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول مايشاء„[رواه الشيخان]
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله[قضايا في الدين والحياة والمجتمع ص175]: „وهذا الحديث العظيم الذي يبين يسر الإسلام ورفعه الحرج عن أمته، وينهى عن تطويل الإمام في الصلاة، ويعدّه تنفيراً من الدين“
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً فترخصّ فيه، فبلغ ذلك ناساً من الصحابة، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فغضب حتى بان الغضب في وجهه فقام خطيباً، فحمد الله ثم قال: مابال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه، فوالله لأ نا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية“ [رواه مسلم] وقال صلى الله عليه وسلم: “ إن الله بعثني بالحنيفية السمحاء ولم يبعثني بالرهبانية المبتدعة، سُنتي الصلاة والنوم، والإفطار والصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني„.
يقول الأستاذ محي الدين القضماني[كلمات ومواقف ص61]:“أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحاء، رحمة للعالمين،يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، {هًو اجتَباكُم وما جَعلَ عليكُم في الدِّينِ من حَرجٍ مِلَّةَ أبيكم إبراهيم} [الحج 78]، ولكن بعض الناس تحملهم طباعهم الخشنة على ركوب أصعب المراكب وسلوك أوعر المسالك، ويميلون إلى التنطع والتكلّف، ظناً منهم ان هذا دليل الإيمان القوي والعزيمة الصادقة والجدّ في تنفيذ أوامر الله سبحانه، ويقسون على أنفسهم أو على من يرشدونه من الناس، مع أن الإسلام دين اليسر، والمؤمن هيّن ليّن،يرفق بنفسه ويرّغبها في الخير ويحملها من الأعمال ماتطيق و“ إنّ المنبت لا أرضاً قطع ولاظهراً أبقى“ يراد به ذمّ الغلو، فعل من أغذّ السير حتى عطبت الدابة فانقطع عن أصحابه „.
وجاءت أقوا الصحابة والسلف الصالح تنهى أيضاً عن التشدد والغلو:
الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: „خيرُ هذه الأمة النَّمَطُ الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي[العقد الفريد ج2 ص186]
سلمان الفارسي رضي الله عنه: “ القصدَ والدّوام وأنت الجوادُ السابق.
مُطرّف بن عبد الله الشخير لإبنه: “ يابُنيّ إن الحسنة بين السيئتين (يعني الإفراط والتقصير) وخيرُ الأمور أوسطها“.
إن من أهم أسباب التشدّد والمغالاة والغلو:
1 ـ هي ردة فعل من بعض الشباب لما يشاهدونه من مظاهر التسّيب والتساهل من قبل بعض العلماء وكثير من الناس في مايتعلق بأمور الدين والعبادات والشريعة ومايتعلق بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر…فكانت ردة الفعل لديهم اللجوء إلى النقيض بإظهار التشدد والغلو وهذا خطأ كبير ومن الخطأ أن نواجه الأخطاء الموجودة بأخطاء اكبر منها لعلاجها.
2 ـالجهل: وهو من أهم الأسباب، والجهل لايقاوم إلا بالتعلم، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون عنه دينكم.وهناك بعض الدعاة يظن أنه يستطيع الإفتاء والحكم بمجرد الرجوع إلى بعض الكتب ويظن أنه بإمكانه بعد قراءتها أن يحكم ويفتي حسب مافهم من قراءة السطور والصفحات، وإن كان كثير منهم غير ضليع باللغة العربية والعلوم الشرعية وأصول الفقه والعلوم الدينية المختلفة، والعجيب أن المريض عندما يمرض لايعالج نفسه ولايقرأ في الكتب الطبية المتوفرة، بل يذهب إلى الطبيب المختص ويطلب منه المعالجة والمداواة،ولكن بعض الدعاة من أرباع ـ ولا أقول أنصاف ـ العلماء يُفتون ويقررون في شؤون الحلال والحرام وأمور الشرع والعقيدة وهم ليس عندهم العلم الكافي والوعي المطلوب ، ويظن أحدهم أن من قرأ كتاباً أو حضر بعض الجلسات وسمع بعض المحاضرات أن لديه القدرة على مداواة علل الامة وعلاجها، وغالباً مايكون هؤلاء في أحكامهم من أكثر الناس تشدداً لأن الناس أعداء ماجهلوا.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد[عبقرية المسيح ص123]:“الجمود يقف بصاحبه عند الكلمات والنصوص، يخيل إليه أنها مقصودة لذاتها فتصبح شغلاً شاغلاً له يمعن في تأويلها وتوجيهها واستخراج العقد والألغاز منها، وينتهي الأمر به إلى اعتبارها مسألة براعة وفطنة واعتبار الأحكام والعقوبات فرض للشارع لايجوز أن تفلت من بين يديه وإلا كان ذلك مطعناً في براعته وفطنته وهزيمة له أمام غرمائه المقصودين بتلك الأحكام والعقوبات“.
3 ـ العقد النفسية: إن بعض هؤلاء المتشددين لديهم عقد نفسية باطنة، وهم غير أسوياء من الناحية النفسية، وكثير منهم من الفاشلين على مستوى الدراسة والأعمال فيحاولون أن يعوضوا عقدة النقص لديهم أمام معارفهم ومن حولهم بأن يظهروا أنفسهم بأنهم على مستوى من التقوى والعلم والمعرفة ويلجؤون إلى التشدد في المسائل المختلف فيها فقهياً وتحتمل عدة وجوه ، ويظنون أنهم بذلك يظهرون أمام الناس على أنهم على درجة عالية من العلم والتقوى والزهد والورع.
إن التشدد يحسنه كل أحد ممن ضاقت معارفهم أو ضاقت صدورهم، فمن السهل الجنوح إلى المبالغة، والتشدد باسم الحذر والحيطة، والمبادرة إلى الرفض والتحريم أخذاً بالشبهات، واحتجاجاً بسد الذرائع، وهؤلاء ينسون قوله تعالى: {مايُريدُ اللهُ لِيجعلَ عليكُم من حرج}[المائدة6]، وقوله تعالى{ فقل لهم قولاً ميسوراً} [الإسراء 28]، وقوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} [النساء 28].
ومن جهة أخرى تجد أن غالبية هؤلاء المتشددين في أحكامهم على الناس من أكثر الناس تسّيباً في أمور دينهم وشريعتهم، يقول الشيخ عبد العزيز جاويش صاحب كتاب “ الإسلام دين الفطرة والحرية“ يقول: “ واعلم أن المتغالين في دينهم أقرب الناس إلى العجز في القيام به واحتمال تكاليفه“.
كما أنهم في معاملاتهم مع أهلهم ومعارفهم ومع الناس يغلب على خلقهم الفظاظة وجلافة الطبع وقسوة القلب والقول، والميل لقهر الغير والاستهزاء من الناس والتلفظ معهم بأشد العبارات وأقسى الكلمات.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله[عبقرية محمد ص134]:“إن أناساً يُشدّدون على أنفسهم عن كزازة في الطبع (انقباض ويبس ) وضيق في الحظيرة وعجز عن ملابسة الدنيا، وهذه نقائص تعاب في مقياس الفكر والأخلاق“.ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله [فيض الخاطر ج3 ص68]: „واستكشف علماء النفس أن مثل هؤلاء الملتزمين المدمنين على الجد كانوا أقرب إلى القسوة على الناس، وأقلهم بهم رحمة، وأبعدهم عن التسامح، وعلى يد أمثال هؤلاء قامت محاكم التفتيش في أوروبا، وعُذب الناس على يد زياد بن أبيه والحجاج، وأبي مسلم الخراساني وأمثالهم من المسرفين في الجد“.
ورحم الله سيد الخلق والمرسلين الذي يقول: “ من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله„.[ رواه مسلم].
والأخطر من كل ذلك وهذا ماشاهدناه في القديم على يد الخوارج وحديثاً على يد الكثير من الفرق الضالة هي إصدار الأحكام بقتل الناس وتكفيرهم والحكم عليه بالردة والقتل واستعمال أشد أنواع التعذيب والقسوة في معاملة الناس سواء من المسلمين أو أصحاب الديانات الأخرى.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله [ موسوعة العقاد المجلد السادس ص344]:“وليس الخطر كله من الأعداء، وليس الأمان كله من الأصدقاء، فقد يجئ الخطر على الإيمان من غلاة التجديد، وقد يجئ الخطر على المعرفة من غلاة الجمود، وقد يتقابل هؤلاء وهؤلاء على قوة واحدة، فيسري إلى الأمة شلل لاتنفع معه معرفة ولا إيمان“.
والسؤال كيف علينا أن نواجه أمثال هؤلاء من المتشددين والمغالين؟
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله موجهاً كلامه لأمثال هؤلاء[كتاب الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف]: „يجب أن يتخلوا عن التشدد والغلو ويلزموا جانب الاعتدال واليسر، خصوصاً مع عموم الناس الذين لايطيقون مايطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى،ولابأس بأن ياخذ المسلم في مسألة أو جملة مسائل بالأحوط والأسلم ولكن إذا ترك دائماً الايسر واتبع دوماً الأحوط أصبح الدين في النهاية مجموعة أحوطيات لاتمثل إلا الشدة والعسرة، والله يريد بعباده السعة واليسر، ويضيف حفظه الله: „ولئن كان التيسير مطلوباً في كل زمان، فإنه في زماننا ألزم وأكثر تطلباً، نظراً لما نراه ونلمسه من رقة الدين وضعف اليقين، وغلبة الحياة المادية على الناس، وعموم البلوى لكثير من المشكلات، حتى أصبحت كأنها القاعدة في الحياة وماعداها هو الشواذ، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر،وكل هذا يقتضي التسهيل والتيسير، ويضيف: “ وهنا نذكر أن التيسير المطلوب لايكون بتطويع الأحكام البشرية لتكون في خدمة الواقع بحيث يتم قبول كل ماهو قائم أو تبريره، وإضفاء غطاء أو رداء شرعي له، ذلك أمر مرفوض طبعاً لأنه يفتح الباب للإنخلاع من الشريعة تدريجياً، ولكن المقصود هو الاعتدال في فهم النصوص، وتناولها بصورة لاتشق على الناس ولاتحملهم حرجاً ولاتلزمهم بما فوق طاقتهم“.
ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله[الموافقات]:“إن المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلايميل بهم مذهب الشدة، ولايميل بهم إلى طرف الإنحلال،فذلك هو الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، من حيث أن مقصد الشارع حمل الناس على المتوسط من غير إفراط ولاتفريط، وخروج المفتي عن تلك الحدود خروج عن مقصد الشرع.
نعم، إننا بحاجة في هذا الزمان وكل زمان إلى العلماء الصالحين الأتقياء الذين يقفون في وجه هؤلاء المُغالين المُنحرفين ، يبُينّون أخطائهم ويحاولون أن يهدوهم، فإن أبوا، فأن عليهم أن يبينوا حكم الإسلام فيهم وفي انحرافاتهم، وأن يبينوا لعامة المسلمين ولكل الناس جوهر الإسلام الحقيقي دين الوسطية والاعتدال، دين الرحمة والمحبة، دين التيسير والتسهيل.
روى معاذ بن رفاعة عن ابراهيم بن عبد الرحمن العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدُوله، يُنفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين[كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي فصل العلم ص44ـ 45]
(عدول: ج عدل : اهل التقوى والورع، الغالين:المتشددين الذين جاوزوا الحد وأدخلوا في الدين ماليس منه تشددا،انتحال المبطلين:ادعاء المبطلين بعض مافي الدين،تأويل الجاهلين: العدول بنصوص الدين عن ظواهرها المفهومة إلى مايتفق مع اهوائهم وجهالتهم من غير أصل يبنى عليه ذلك التأويل ويقاس)
6 ـ الموعظة الحسنة:
من أهم العناصر في الدعوة إلى الله أن يخاطب الداعية الناس على قدر عقولهم وأفهامهم،وأن لايطيل عليهم في حديثه وخطبه ومواعظه، وأن يستعمل من وسائل الدعوة الكثيرة المتاحة له مايفيد الدعوة بحسب الظروف الزمانية والمكانية واستعداد الناس للتلقي والإستيعاب.
يقول عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد ص 74 ـ 75): „فمحمد العربي القرش الناشئ في بني سعد، العالم بلهجات القبائل حتى ماتفوته لهجة قبيلة نائية في أطراف الجزيرة، لم يكن في كلامه كله غريب يجهله السامع أو يحتاج تبيانه إلى مراجعة، وسر ذلك أنه يريد أن يبلغ أو يريد أن يصل إلى سامعه، ولايريد أن يقيم بينه وبين السامع حاجزاً من اللفظ الغريب أو المعنى الغريب، ومن ذلك ماروي عنه صلى الله عليه وسلم: “ أنه كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه، وأنه كان يبغض التكلف والاغترار بالبلاغة“.
ومن النواحي الهامة التي يجب على الداعية الانتباه إليها: الابتعاد عن الإطالة على الناس في حديثه أو خطبه، لأن طول الحديث والإسهاب فيه يدعوان إلى الملل والضجر،وهذا قد يؤدي بدوره إلى نتائج عكسية على الدعوة والداعية، وقد قال عمر الفاروق رضي الله عنه: من كثر كلامه كثرسقطه.
تكلم ربيعة الرأي يوماً بكلام في العلم فأكثر، فكأنما العُجب داخله، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه فقال: ماتُعدّون البلاغة يا أعرابي؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب. قال: فما تعُدّون العيّ؟ قال: ماكنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجراً!
وإذا عدنا إلى سيرة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وأخبار الصحابة والتابعين والصالحين نجد أنهم قد استوعبوا هذا الدرس وأدركوا مدى أهمية إيصال الدعوة إلى الناس، ولكن بكلام موجز مفيد.
تخبرنا كتب السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي اختصّه الله بجوامع الكلم، كان لايُطيل الكلام وخاصة في الخطب ـ إلا في حالات نادرة ـ وإذا عدنا إلة خطبة حجة الوداع والتي جمعت كل ماتحتاج إليه الأمة، فإننا نجد أنها لاتتجاوز بضعة عشرة سطراٍ.
وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه الكريم. روى الشيخان عن أبي وائل شقيق أبي سلمة قال:“ كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لودَدَتُ أنك ذكرتنا كل يوم. فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم ، وإني أتخَوّلكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَوّلنا بها مخافة السآمة علينا“.
ومما يُروى عنه أيضاً رضي الله عنه: “ حدّث الناس ماحدّجوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتوراً فأمسك“.
وجاء في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال:“حدّث الناس كُلَّ جمعةٍ مرّةً، فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاث مرات،ولاتُملَّ الناس هذا القرآن، ولاألفينّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصُّ عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه. فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله وأصحابه لايفعلون إلا ذلك الاجتناب“.
يقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله في كتابه [قضايا في الدين والحياة والمجتمع ص55]: “ إنها كلمات رائعات نافعات، قالهنّ ابن عباس وهنّ خلاصة تجربته في مخاطبة الناس ودعوتهم إلى الخير، وعصارة فهمه لأدب الكلام كما يقضي بذلك الكتاب الكريم والسنة المطهرة، يوصي بهذه الكلمات من يتصدّى لدعوة الخلق إلى الإسلام. كلمات تزخر بالحكمة وتزدان بالصواب ،وهي مع ذلك كله قد صيغت بأسلوب جميل محكم“. ويتابع حفظه الله: „إن هذه الكلمات درس للدعاة إلى الله جميعاً ولاسيما للدعاة الذين يكثرون الكلام عن حسن قصد، ويسرفون في الوعظ.وهذا الإكثار والإسراف نتيجة لغلط في تصور الدعوة، ليست الدعوة كلاماً فقط، كما يظن كثير من الناس، إن الكلام لون من ألوان الدعوة إلى الله نافع وضروري، ولكنه ليس وحده الدعوة“ .
نعم،إن العبرة ليست بطول الكلام، وكثرة مايُقال، ولكن العبرة بمقدار مايصل من الكلمات إلى القلوب وتأثيرها فيها.
كان سيد التابعين الإمام الحسن البصري رحمه الله يحضر خطبة الجمعة، وأخذ الخطيب يجلجل ويتكلم فأطال، وبعد الانتهاء من الصلاة قال له الحسن: ياهذا، إن بقلبك شراً أو بقلبي.
وقد أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أحد عماله فقال له: “ إذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام يُنسي بعضه بعضاً..وقال أحدهم: “ أقِل من الكلام فإنما لك ما وُعيَ عنك“.
كما أن كثرة الكلام تعرض الداعية للوقوع في الغلط، وقد يخوض في تفاصيل ليس عنده اطلاع كاف عليها، أو لايوفيها حقها فتُفهم خطأ، وقد قيل: من يتكلم كثيرأ يغلط كثيراً. وقال الجاحظ: “ للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، مافضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكلال فذلك هو الفضال(المبتذل من قول أو غيره) والهذر والخطل والإسهاب الذي سمعت الخطباء يعيبونه. وقال الحسن البصري: „لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام يفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه، فإذا همّ بالكلام تكلم به له أو عليه“.
والكلام الكثير المُمل يُسئ إلى كرامة الداعية وقد يعرضه إلى ألوان من الحرج والمهانة، ومنها: أن ينفضّ الناس عن مجلسه، أو قد يعمد بعضهم إلى مقاطعته والتشويش عليه، وقد يتطور الأمر إلى السباب والشتائم والضرب.سمعت من أحد الأساتذة الفضلاء هذه القصة: أطال أحد الخطباء في يوم الجمعة من خطبته وحديثه، وأخذ الناس يتململون ويضجرون، وظهر ذلك في وجوههم وتصرفاتهم وحركاتهم، فما كان من والد هذا الخطيب ـ الذي كان يستمع معهم ـ إلا أن أنزله من على المنبر!!
والأقبح من كل هذا أنه يوجد من الدعاة الذين لايتركون أنفسهم على سجيتها، بل يتكلّفون الكلام ويتكلمون بملء أشداقهم تفاصحاً وتعاظماً واستعلاء، فيأتي كلامهم مملولاً وتفاصحهم مرذولاً.
روى البخاري رضي الله عنه عن أنس رضي الله عنه قال: “ نُهينا عن التكلف„.وروى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “ إنّ أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون„أخرجه أحمد والترمذي].وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلّل بلسانه كما تتخلّل البقرة“ [ رواه الترمذي] فهؤلاء أناس وخطباء يتكلمون كثيراً ويتشدقون في كلامهم وترى ألسنتهم تمسح شفاههم التي جفت من كثرة الكلام كالبقرة تتخلل بلسانها.
ومن وسائل الدعوة والموعظة الحسنة: الخطبة والمقال والكتاب والحوار بمختلف أشكاله….
إن الخطبة من وسائل الدعوة الهامة، ولقد فرض الله تعالى خطبة الجمعة على المسلمين للوعظ والإرشاد، وتقديم الحلول للمشاكل الطارئة. وهنا لابد من الانتباه إلى حسن أداء الخطبة وعدم الإطالة كما ذكرنا،ولابد من وضوح الفكرة في ذهن الخطيب لتصل إلى المستمع بشكل واضح، وأن يتجنب الخطيب فيها التكلف والفظاظة، وأن يتجنب الغلظة والقساوة على المستمعين.
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:“ولو سألت من شئت من المصلين عن هذه الخطب لسمعت منه طرفاً من عيوبها:
فمن عيوبها: هذا التطويل وهذا الإسهاب حتى لتزيد الخطبة الواحدة ـ أحياناً إلى نصف ساعة، مع أن السنة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة، وألاتزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصل، أي على صفحتين إثنتين فقط.وهذه خطب الرسول المأثورة وخطب الصحابة منها ماهو صفحة واحدة أو أقل من ذلك.
ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين، بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شئ، وينتقل من موضوع إلى موضوع، فلايوفي موضوعاً منها حقه من البحث،ولايخرج السامع له بنتيجة عملية.ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره،لأخذ السامع منه عبرة، وحصل من الخطبة على فائدة.
ومن عيوبها: أن الخطيب ـ أعني بعض من يخطب ـ يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس قدر عقولهم ولايكلمهم على مقتضى أحوالهم، ولايسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محال.
ومن عيوبها: هذا التكلف في الإلقاء، وهذا التشدق في اللفظ، وهذه اللهجة الغريبة. وخير الإلقاء ماكان طبيعياً لاتكلف فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم قد كره المتشدقين وذمهم.
ومن عيوبها: أن من الخطباء من يأتي بأحكام غير محققة ولامسلمة عند أهل العلم يفتي بها على المنبر ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتفق عليها وأمر بها العامة وترك الخلافيات لمجالس العلماء لكان أحسن.
ومنهم ـ وهذا كثير ـ من يأتي بالأحاديث الموضوعة أو الضعيفة المتروكة، مع أنه لايجوز لأحد أن يسند حديثاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتوثق من صحته“.
إن عدم استعاب الخطباء إلى هذه الأمور في الخطبة يكون لها التأثير والصدى السلبيان على الخطيب والمستمعين:
ذكر الأستاذ الشيخ محمد لطفي الصباغ حفظه الله أن إمام جامع أطال في خطبته، فبدأ الناس يتململون ويشتكون حتى أن البعض منهم غادر المسجد، فما كان من هذا الإمام إلا أن خاطبهم بهذا القول الجارح: “ {فمالَهُم عن التَّذكرةِ مُعرضين* كأنَّهُم حُمُرٌ مُستَنفرةٌ* فرَّت من قَسورة}[المدثر 49 ـ 51] يقول الأستاذ الصباغ:“ فقل لي كيف يستجيب الناس لمن يخاطبهم بهذا الكلام، وكيف نطلب من الناس أن يطيقوا سماع هذا الكلام الطويل الممل، والموعظة القاسية والشتيمة المنكرة. إن العجب ليس في أنهم غادروا المسجد ولكن العجب كل العجب أنه لم يقم أحد لهذا الخطيب وأدّبه!!ويتابع حفظه الله :“إننا نقول لأمثال هؤلاء المنفرين إنكم لستم أغير من الله على دين الله، ولاأحكم من الله في وضع الأشياء مواضعها من شريعة الله فلاتتنطعوا ولاتغلوا في دينكم غير الحق، ولاتسيئوا بمواقفكم الجاهلية أو الغالية إلى الإسلام، ولتعلموا أن من شدّد نفّر، ومن تراخى تآلف“.ويقول أيضاً حفظه الله[ تذكرة الدعاة ص9]:“والمؤلم أن الواعظ الناجح العالم قليلٌ جداً في أكثر بقاع المسلمين، ونظرة متأملة لخطباء الجمعة تدل على هذه القلة التي نشير إليها، فما أكثر ماتسمع صراخ هؤلاء الجهلة الذين يرتقون منابر المسلمين وهم لايقيمون ألسنتهم في قراءة آية من كتاب الله وقلما يوردون حديثاً صحيحاً، وتراهم يطيلون خطبهم وهي غثاء ويتكلمون فيما لايعلمون ونصيبهم من العلم قليل“.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد432):
„إن أولى ما ينبغي أن يتحلى به الواعظ أن يبدأ بنفسه فيعظها،وأن يخلص قوله لله وعمله،وأن يفرغ من شهوات نفسه،فلا تملكه شهوة الشهرة والجاه ولا شهوة الغنى ولا شهوة النساء،وأن يكون في فعله أوعظ منه في قوله،فلا يأمر الناس بالزهد ثم يخالفهم إلى ما زهدهم فيه فيزاحم المتكالبين عليه،ولا يتظاهر بالدين ابتغاء الدنيا وتوصلاً إليها،فيجمع من حوله العاملين على الكسب الحلال،والجادين في جمع المال من حله،ليأخذ من أموالهم ما يتعالى به عليهم،وليذوق لذائذ العيش من عطاياهم،وليسلبهم فوق ذلك حريتهم وعقولهم وكرامة أنفسهم عليهم،فيصرفهم في مآربه،ويسيرهم حيثما شاء،ويذلهم بين يديه ليستكبر عليهم،ويجعل الدين وسيلة إلى ذلك،فيجعل طاعة نفسه من طاعة الله،بل ربما جعل نصيبها من هذا الشرك أكبر،والعياذ بالله من ذلك.
ويتابع الشيخ الطنطاوي:“إن أول شرط للواعظ أو الخطيب أن يكون مخلصاً في وعظه لله،والشرط الثاني أن يكون عالماً بالعربية،عارفاً بالتفسير والحديث روايته ودرايته،والفقه اصوله وفروعه،وإلا كان وبالاً على الدين وأهله.ولقد أدركت من العامة من كان يكور العمامة،ويطيل اللحيةنثم يعقد للتدريس في مسجد دمشق الجامع فيقول ماشاء له الجهل والهوى ويجعله ديناً،والمفتي والقاضي والعلماء يمرون عليه أو يعلمون به فلا ينكرون عليه،ولو اعتدى هذا الرجل على جبة أحدهم لأقام عليه الدنيا.أفكان الدين أهون على أحدهم من جبته؟والشرط الثالث حسن الأسلوب في الوعظ،ومخاطبة الناس على قدر عقولهم،وابتغاء طريق اللين واللطف.والشرط الرابع هو أن يعلم الواعظون أنه ليس في الإسلام طبقة هي أولى بالله من طبقة،وليس بين العبد وربه وسيطنوأن الإسلام ليس فيه(رجال إكليروس)،فغذا علموا ذلك اقتصدوا في تكفير الناس لأتفه الأسباب،وراجعوا الآثار الواردة ليعلموا حقيقة الكفر والإيمان،فلا يرمون بالكفر كل من خالفهم في رأي أو ناقشهم في مسألة قد يكون لها وجوه…“
ولابأس في مجال الدعوة من اللجوء إلى أسلوب القصة، فهذا يسهل الفهم والحفظ{لقد كانَ في قَصَصهِم عِبرةٌ لأُولي الألبابِ ماكانَ حديثاً يُفترى ولكن تصديقَ الذي بين يديهِ وتفصيلَ كُلِ شئٍ وهُدى ورحمةً لقوم يؤمنون}[ يوسف111]، وقال تعالى : {فاقصُصِ القَصَصَ لعلّهُم يتفكّرون}[ الأعراف 176].
إن في القصة عبرة وموعظة دون أدنى شك، ويعظم تأثير الناس بالعبرة بمقدار مايكون المتحدث موهوباً في عرض القصة وصياغتها وحبك عقدتها وتشويق السامعين إلى متابعتها، والتركيز على النواحي الواقعية، وتجنب الأقاصيص الكاذبة، والأكاذيب المفضوحة، والأسانيد الباطلة الضعيفة.
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله: „للقصة سحر آخاذ وتأثير نفاذ، وللنفس تعلق بها كبير. يشترك في ذلك الكبير والصغير، والعالم والأمي، والحضري والبدوي.وإن الدعاة إلى الله يحتاجون أول مايحتاجون إلى الاسلوب الحسن، وأنهم مدعوون أن يجددوا في أساليبهم، وأن يختاروا أكثرها قرباً إلى النفوس ويتابع:“ إننا نريد من الداعية أن يكون ناجحاً في دعوته، ومن أهم أساليب نجاحه أن يكون حديثه حديثاً ممتعاً مفيداً مشوقاً، فلايجوز أن يُغرق نفسه وسامعيه بالكلام المجرد النظري لأنه لو فعل ذلك أملَّ السامعين ونفرّهم، ويمكن أن يدرأ عن حديثه ذلك الملل بأن يُضّمن حديثه قصة من قصص القرآن أو السنة أو السيرة، ويعلّق عليها أو قصة من القصص الواقعية „.
ومن وسائل الدعوة اللجوء إلى وسائل الاعلام المتاحة المرئية والسمعية والصحف والمجلات.. فهي تساعد كثيراً في نشر الدعوة ولكننا وللأسف مازلنا مقصرين في الاستفادة منها والاستعانة بها في مجال دعوتنا.
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله: „وكلما ذكرت قضية الدعوة ثار شجني وعظم حزني لحال المسلمين الذين يملكون بدينهم كل الحلول النافعة والأدوية الناجعة لأمراض الإنسانية ومشكلاتها، وعلى الرغم من ذلك فهم لايدعون إلى دينهم بواقع عملي يحيونه ولابوسائل الإعلام والدعاية المعاصرة من خطابة وكتابة وإذاعة وما إلى ذلك“.
إن الدعوة إلى الله ليست مجرد الكلام والوعظ كما يظن البعض، إن الدعوة إلى الله كما يقول الأستاذ الحبيب محمد لطفي الصباغ حفظه الله: „سلوك حسن، وعاطفة صادقة، ولهفة جارة لملهوف، وإغاثة جادة لمستغيث، ومعونة مجدية لمحتاج، وإجارة قوية لمستجير، ومواساة رقيقة دافئة لمحزون، وكتابة عميقة لمؤلف، وتخطيط واع مدرك للعمل،وأمور أخرى كثيرة جداً تكون وفق ماتقتضي حال المدعويين، وقد تختلف هذه الأمور من قوم إلى قوم، ومن بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر“.
7 ـ حسن المجادلة:
الجدل لغة:ترجع إلى جادل، مجادلة، وجدالا، أي ناقش وخاصم.والجدل:مقابلة الحجة بالحجة. والمجادلة: أي المناظرة والمخاصمة.
والجدل الذي يكون لإظهار الحق محمود،يقول تعالى{وجادلهم بالتي هي أحسن}[النحل125].وأما الجدل على الباطل وطلب المغالبة فهو مذموم، يقول تعالى{ويُجادِلُ الذين كفروا بالباطلِ لِيدحضوا به الحق}[الكهف 56].
والمراء:قيل هو الجدال(فتح القدير)، وقال الإمام الطبري رحمه الله :ماريت فلاناً:إذا جادلته. وقيل: هو طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير.وقيل: إن المراء لإثبات قول باطل، والجدال: لإثبات قول قد يكون باطلاً وقد لايكون.
والفرق بين الجدال والمراء:قيل هما بمعنى واحد غير أن المراء مذموم لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهوره،وليس كذلك الجدال.وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“المراء في القرآن كفر„[رواه أبو داود وصححه الألباني].ومعنى المراء في القرآن: أي الشك فيه وهذا كفر.
يقول الأستاذ ناجي الطنطاوي(كلمات نافعة ص67):
„وقد عرف العلماء المجادلة بأنها دفع القول على طريق الحجة،فأنت تسمع مايقوله خصمك وتستوعبه ثم تدفع قوله بحجةٍ علميةٍ منطقيةٍ مقبولة.وفرقوا بين الجدل والجدال فقالوا إن الجدل في الدين محمودٌ لأنه يكشف ماغمض من أمور الدين ويظهر الأدلة العلمية التي تميز الحق من الباطل،أما الجدال فقد قالوا عنه إنه مذمومٌ لأنه يكون في الغالب لإظهار الباطل في صورة الحق،قال تعالى:{وإن جادلوكَ فقلِ الله أعلمُ بما تعملون} وفي هذه الآية أدبٌ حسنٌ علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتاً ومراءً ومعاندةً فمن واجبك أن تسكت عن جوابه وأن تمتنع عن مناظرته.
أما المراء فهو الجدال بالباطل.قال الإمام الغزالي رحمه الله:المراء طعنك في كلامٍ لإظهار خللٍ فيه لغير غرضٍ سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه.وقال الإمام النووي رحمه الله:اعلم أن الجدال قد يكون بحقٍ وقد يكون بباطلٍ قال تعالى:{وجادلهم بالتي هي أحسن}وقال تعالى:{مايجادلُ في آياتِ الله إلا الذين كفروا}.قال:فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محموداً وإن كان في مدافعة الحق أو كان جدالاً بغير علمٍ كان مذموماً.وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“ماضل قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أُوتوا الجدال“.
يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص370):
„وصف الله الإنسان بأنه أكثر شئٍ جدلاً، وهذا يدل على مبلغ قدلاته على الحيلة الفكرية، التي تمكنه من أن يجادل بالحق أو بالباطل، ويكر ويفر ويراوغ في المجادلة. قال الله تعالى:{ولقد صَرّفنا في هذا القرآنِ للناس من كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنسانُ أكثرَ شئٍ جدلا}[الكهف 54].
فهذه الآية تدل على أن الله تبارك وتعالى قد صرّف في القرآن الكريم لهداية الناس إلى الحق والخير من كل مثل،لئلا يدع لأي جدالٍ هو فيه أقدر كائن خلقه الله.إنسان مهرباً جدلياً ينسل منه إلى الباطل الذي يجد لديه هوى نفسه، إذ يحاور ويداور في جدالٍ هو فيه أقدر كائن خلقه الله.
والسبب في كون الإنسان أكثر شئٍ جدلاً أن القدرات الفكرية التي زود الله الإنسان بها، قد مكنته من استخدام حيل كثيرة، تعتمد على الإظهار والإخفاء،والمراوغة والمخادعة بمكر عظيم،فهو بذلك قادر على أن يكون طويل النفس في المجادلة بالحق أو الباطل.يضاف إلى ذلك قدرات النطق والتعبير التي زوده الخالق بها، والتي يستطيع بها تصريف كلامه في كل باب من أبواب القول بالحق أو الباطل.
ونلاحظ أن في تاريخ الإنسان أنه مامن رسول أرسله الله إلى قوم إلا جادلوه بالباطل جدالاً عنيفاً،يقول تعالى:{وما نرسلُ المرسلينَ إلاّ مُبشرين ومنذرين ويُجادلُ الذين كفروا بالباطلِ لِيدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أُنذروا هُزُواً}[الكهف18].
ويقول تعالى:{مايُجادِلُ في آياتِ الله إلاّ الذين كفروا فلا يغرُركَ تَقَلُّبهم في البلاد* كذّبت قبلَهُم قومُ نوحٍ والأحزابُ من بعدهم وهَمّت كلُّ أُمّةٍ برسولهم ليأخذوهُ وجادلوا بالباطلِ لِيدحضوا بهِ الحقَّ فاخذتهم فكيفَ كانَ عقاب}[غافر 4 ـ 5].فدل هذا النص على أن كل أمة همت برسولهم ليأخذوه، وأن كل أمة جادلوا رسولهم بالباطل ليدحضوا به الحق“.
إن الدعوة إلى الله تتطلب من الداعية أن يكون على علم بما يدعو إليه، وعلى معرفة بأحوال وأوضاع من يدعوهم، وأن يلتزم آداب الإسلام في حسن المجادلة وخاصة منها:سعة الصدر، ورحابة الأفق، واللين في الخطاب، والرفق في الكلام،، وأن يكون موضوعياً في جداله وعرض دعوته بعيداً عن الانفعال والحماسة المفرطة، ونائياً عن النرفزة والعصبية الزائدة، مؤيداً دعوته وعرضه بالحجج القوية البينة والأدلة القويمة السليمة
إن ارتكاس وتجاوب الناس مع دعوة الحق يتجلى في واحد من الأصناف الخمسة التالية:
ـ الصنف الأول:يتميز بالتجاوب السريع والانصياع لدعوة الحق بدون مماراة أو مماطلة،وبدون لجاجة أو مكابرة، والقبول التام بها عن اقتناع وتَيقُّن وتثبت، والرضوخ لأدلة العقل والحجج القوية والبراهين العلمية.
نجد مثالاً لما ذكرنا عندما نطالع كتب السيرة والأعلام في إسلام العمرين: أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة وعمر الفاروق رضي الله عنهما وأرضاهما،يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:“مادعوت أحداً إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ماكان من أبي بكر بن أبي قحافة“.[سيرة ابن اسحق].
وإذا رجعنا إلى السيرة نقرأ إسلام سيدنا عمر الفاروق كما ذكره ابن اسحاق.
„أن عمر خرج يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه… قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم… فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد ياعمر؟فقال: أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسّفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.فقال نعيم:والله لقد غرّتك نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً..أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم…قال: وأي أهل بيتي؟ قال ختنك(صهرك) وابن عمك سعيد بن زيد ابن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه… فعليك بهما… قال.. فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما،فلما دخل قال: ماهذه الهينمة(الصوت الخفي) التي سمعت؟قالا له:ماسمعت شيئاً! قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة لتكفّه عن زوجها،فضربها فشّجها فلما فعل ذلك قالت له أخته: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع مابدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ماصنع فارعوى، وقال لأخته: اعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً، أنظر ماهذا الذي جاء به محمد..وقرأ سورة طه، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه،فلما سمع خباب خرج إليه فقال له : ياعمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فاللهَ اللهَ ياعمر.فقال له عند ذلك عمر: دلني ياخباب على محمد حتى آتيه فأسلم“.
نعم، إن عمر الفاروق رضي الله عنه كان ممتلئاً حقداً وغيظاً وغضباً، وكان ينوي إيقاع الشر بأخته وزوجها وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يبطش بهم جميعاً، ولكنه بمجرد سماع كلام الله عزوجل يُتلى عليه ـ وهو العلامة في الجاهلية بأمور اللغة والشعر والبيان ـ تراه وكأنه مسّته صعقة كهربية غيّرت من كيانه، وكيف لا؟وكلمات الله عز وجل قد لامست قلبه بل وصلت حتى الشغاف، بعد أن كان مغطى بكنان وران من أوضار الجاهلية، وأزالت الغشاوة عن بصره، والتي كانت تعميه عن رؤية الحق، وأزاحت الغمامة عن بصيرته، والتي كانت تحجب عنه نورالهدى والإيمان،فإذا بهذا البركان من الغضب المشحون بالحقد والذي كان يغلي ويريد أن ينفث سمومه وحميمه ولهيبه فيمن حوله، يتحول بعد سماع آيات الله الكريمة إلى ينبوع حنان وأمان، وإذا بهذا السيف الذي كان مصلتاً على الإسلام وأهله، يتحول بقدرة الله عز وجل إلى سيف يحمي ذمار الإسلام ويدفع عنه البلايا وأهل الخصام والكفر.
إن عمراً رضي الله عنه وأمثاله هم أناسٌ قد جُبلوا على حبِّ الحق وأهله، ولكن يوجد بينهم وبين الحق والوصول إليه مسافات تقصر أوتبعد، ولكن ما أن يلاقوه أو يسمعوا به حتى يفعل بهم فعل الدواء المناسب الشافي، الذي أصاب جسماً عليلاً أضناه الداء، واحتار به الأطباء،فبمجرد أن يتناول الدواء يحصل الشفاء بإذن الله تعالى، وإذا بهذا الجسم المُضنى المُعنّى المُنهك أصبح أقوى مما كان عليه وأنشط، وإذا بنا نرى عمر الفاروق رضي الله عنه وكيف تحوّل إلى الإسلام عن قناعة واعتقاد ويقين، كيف تحوّل بالإسلام من إنسان مغمور في الجاهلية إلى إنسان من أعظم من عرفت البشرية عدلاً وحكماً ومساواةً وتحكيماً لشرع الله والغيرة الصادقة على دينه، والدفاع عن أهله..
يقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله في كتابه القيّم [عبقرية عمر]:“وأسلم الجاهلي الشريف كما كان ينبغي أن يسلم،وكما كان يقيناً سيسلم في مناسبة من المناسبات، فإذا العالم الإسلامي قد فُتحت فيه صفحة جديدة، صفحة يقرأ فيها القارئ قبل كل شئ ماذا يصنع الإسلام بالنفوس،ويعلم منها أن هذا الدين كان قدرة بانية منشئة من لدن المقادير التي تسيطر على هذا الوجود: كان قدرة تلابس الضعيف فيقوى،وتلابس القوي فتنمى قوته وتجري به في وجهته،وكان يداً خالقة حاذقة تأخذ الحجارة المبعثرة في التيه فإذا هي صرح له أساس وأركان، وفيه مأوى للضمائر والأذهان ويتابع رحمه الله:“رأت كيف يصبح العدل والحق طبيعة حياة، وكيف يصبح مخلوق من اللحم والدم وكأنه لايأكل طعامه ولايروي ظمأه إلا ليعدل ويعرف الحق، وكأنه لايصحو ولاينام إلا ليعدل ويعرف الحق، وكأنه لايتنفس الهواء إلا ليمتنع الظلم عن الناس وتدول دولة الباطل بين الناس، وكأنما العدل والحق دينٌ عليه يطالبه به ألف غريم، وهو وحده أقوى في المطالبة بهما من ألف غريم“.
ومثال آخر على سرعة الاستجابة لدعوة الحق في سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه.
حين علم سعد بن معاذ أن ابن خالته أسعد بن زرارة يجمع الناس في بيته ويأتي إليهم مصعب بن عمير ويدعوهم إلى الإسلام،ويدخلون في هذا الدين الجديد غضب،وقال ما هذا الذي يجري بين ظهرانينا،يفتن الضعفاء منا ويخرجهم من دينهم ودين آبائهم؟وأخذ حربته وذهب إلى ابن خاته أسعد بن زرارة ليقفا وجها لوجه أمام مصعب بن عمير..وحينما وقف أمام أسعد ومصعب،متشتما يتكلم بكلام شديد وعنيف،وكان رجلاً فيه شيء من الحدة قال:اتركوا ديارنا،قال مصعب:أو غير ذلك؟قال: وما غير ذلك؟قال: تجلس فتسمع منا فإن أعجبك ما قلناه وقبلته فالحمد لله،وإن كان غير ذلك عجلنا عنك ما تكره،قال سعد بن معاذ:أنصفت،فجلس،وتلا عليه القرآن،وعرض عليه الإسلام،قال أسعد ومصعب:فعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يعلنه،فانفرجت أساريره،وظهر التأثر،فقال ما الذي يطلب من الإنسان إذا أراد أن يدخل دينكم هذا،قال له تذهب فتغتسل وتتطهر وتطهر ثوبك وتصلي ركعتين وتشهد شهادة الحق…ففعل ذلك وشهد ألا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.وعاد سعد بن معاذ إلى قومه الذين خرج من عندهم مغضباً،فحينما رأوه من بعيد قالوا لقد عاد سعد بغير الوجه الذي ذهب به،فجمع قومه في داره وقال لهم:يا بني عبد الأشهل تعلمون ما أمري فيكم،قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا،وأيمننا نقيبا،قال: إن كلامكم عليّ حرام،رجالكم ونسائكم،حتى تؤمونوا بالله ورسوله،فقالوا جميعاً:آمنا بالله ورسوله،فلم يكن رجل أيمن ولا أبرك على قومه من سعد بن معاذ،فلم يبق في بني عبد الأشهل من رجل أو امرأة إلا دخل في الإسلام“.
هكذا يفعل الإيمان فعله في النفوس،ينقلها من حضيض الدنيا ووضاعة الثرى، إلى سنا المجد وسنام الذرى، ومن عمق الوهاد إلى أعالي النجاد، ومن إيثار الحياة، وقيد الشهوات، وتحكّم اللذات، إلى حرية الروح والفكر والذات.
إنه الإيمان الذي جعل من عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ، وكان حديث مجتمعه في ملابسه وعطره ومشيته التي كانت تسمى المشية العمرية حديث الدنيا كلها في زهده وعدله وورعه وخلافته الراشدة.
وهو الإيمان الذي حوّل الإبن البار بأبيه الكافر،عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ولعن أباه، إلى المسلم البار بدينه الجديد، يدفع ثمن بره استشهاده يوم موقعة اليرموك.