معالم في طريق الدعوة إلى الله (3/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
ماقرره الإسلام لرعاية حقوق الفرد؟
من هنا قرر الإسلام حرمة الدم،فحفظ للفرد „حق الحياة“،وأعلن القرآن أن:{من قتلَ نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ النَّاسَ جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النَّاسَ جميعاً}[المائدة 32].وأوجبت الشريعة في قتل العمد القصاص،إلا أن يعفو أولياء المقتول،أو يقبلوا بدلاً،وأوجبت في قتل الخطأ الديّة والكفارة.
وقرر حرمة العرض،فصان للفرد „حق الكرامة“ فلا يجوز أن يهان في حضرته،أو يؤذى في غيبته،بأي كلمة أو إشارة تسوؤه:{يا أيُّها الّّذينَ آمنوا لا يسخرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكُنَّ خيراً منهنَّ ولا تَلمزوا أنفُسَكم ولا تنابزوا بالألقابِ بئس الإسم الفُسوقُ بعد الإيمان}[الحجرات11]{ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتاً فكرهتموه}[الحجرات12].
وقرر حرمة المال،فصان للفرد „حق التملك“،فلا يحل أخذ ماله إلا بطيب نفس منه،ولا يجوز للدولة،ولا لفرد آخر نهب ماله وأخذه بغير حق.قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:“إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام،كحرمة يومكم هذا،في شهركم هذا،في بلدكم هذا„.[متفق عليه عن أبي بكرة رضي الله عنه].
ـ وقرر حرمة البيت،فصان بذلك الفرد“حق الاستقلال الشخصي“ فلا يجوز لأحد أن يتجسس عليه،أو يقتحم عليه بيته بغير إذنه،قال تعالى:{لا تدخلوا بيوتاً غيرَ بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}[النور 27]،{ولا تجسسوا}[الحجرات 12].
ـ وقرر للفرد „حرية الاعتقاد„فلا يجوز أن يكره على ترك دينه،واعتناق دين آخر:{لا إكرهَ في الدِّينِ قد تبيّنَ الرُّشدُ من الغَيِّ}[البقرة 256]،{أفأنتَ تُكرهُ النَّاسَ حتَّى يكونوا مءمنينَ}[يونس 99].
ـ وقرر للفرد“حرية النقد: فمن حق كل فرد أن يعارض مايراه من عوج،وما يلاحظه من تقصير،بل من واجبه ذلك إذا لم يقم غيره به،وهو ماسماه الإسلام“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“.
ـ وقرر „حرية الرأي والفكر“ فمن حق كل إنسان،بل من واجبه أن يفكر وينظر.فقد أمر الإسلام الناس أن يتفكروا،ومادام التفكير حقاً أو واجباً لكل بشر فمن حقّ كل مفكر أن يخطىء ولا لوم عليه في ذلك.إن الإسلام لا يحرم المجتهد من المثوبة والأجر،وإن أخطأ إصابة الحقيقة.ففي الحديث الشريف:“اإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم ثم أخطأ فله أجر „[رواه الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه]
وليس في الدنيا دين ولا نظام يشجع على استعمال الفكر،ويرحب بنتائجه،أيا كانت مثل هذا الإسلام،الذي يثيب على الاجتهاد الخطأ.
ـ وقرر الإسلام“المسئولية الفردية“وأكدها تأكيداً بليغاً في كتابه فقال تعالى:{كل نفس بما كسبت رهينة}[المدثر 38]،{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}[البقرة286]،{ولا تزر وازرة وزر أخرى}[فاطر 18].
ماقرره الإسلام لحماية حقوق المجتمع:
ومع هذه الحقوق والحريات التي منحها الإسلام للفرد،فقد فرض عليه للمجتمع واجبات تكافئها،وقيّد هذه الحقوق والحريات الفردية،بأن تكون في حدود مصلحة الجماعة،وألا يكون فيها مضرة للغير،وليس للفرد أن يستخدم حقه فيما يؤذي الجماعة ويضرها،إذ لاضرر ولاضرار في الإسلام،أي:لا يضر الإنسان نفسه ولا يضار غيره،كما أن حق الفرد إذا تعارض مع حقوق الجماعة،فإن حق الجماعة أولى بالتقديم.
ـ فالحياة التي صانها الإسلام للفرد،إذا اقتضى المجتمع المسلم بذلها لحمايته وجب عليه أن يقدمها راضي النفس،قرير العين،معتقداً أن الموت هنا هو عين الحياة،وكذلك إذا اعتدى على حق نفس أخرى كقاتل العمد،أو على حق المجتمع في الأمن والاستقرار،كقاطع الطريق،أو خرج على دينه وفارق الجماعة كالمرتد فقدت حياته مالها من عصمة.
ـ حق التملك مقيد بأن يأخذ المال من حله،وينفقه في محله،ولا يبخل به إذا طلبته الجماعة،فملكية الفرد للمال ليست مطلقة كما ينادي أنصار“المذهب الحر“بل هي مقيدة بحدود الله وحقوق المجتمع،حتى إن انتزع هذا الملك من صاحبه يجوز للمصلحة الاعمة،على أن يعوض عنه ثمن المثل،ذلك أن المال مال الله،وهو مستخلف فيه،وبعبارة أخرى:هو وكيل الجماعة في رعايته وتثميره وإنفاقه،فإذا أساء التصرف في المال،كان من حق الجماعة أن تغل يده،وتحجر عليه،كما أن للجماعة حقوقاً في هذا المال،بعضها دوري ثابت كالزكاة بأنواعها،وبعضها غير دوري،كما في الحديث الشريف:“إن في المال حقاً سوى الزكاة„[رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس وقال الألباني حديث ضعيف]،بعضها يفرضه ولي الأمر عند الحاجة.
ـ والحريات والحقوق كلها مقيدة برعاية أخلاق المجتمع وعقائده ومثله العليا،فليس معنى حرية الاعتقاد أو الرأي،إباحة الطعن على الإسلام وأهله،وإذاعة الكفر بالله ورسوله وكتابه،والتشكيك في القيم العليا،ونشر الخلاعة والفجور،فإن حرية الإفساد لا يقرها عقل ولا شرع.
ـ المسئولية الفردية التي أكدها الإسلام،نراه قد أكد مسئولية الفرد عن الجماعة،فكل فرد في المجتمع المسلم راع في مجال من المجالات،كما في الحديث الصحيح:“كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته„[متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]،فكما أن الإمام راع مسئول عن الأمة،فإن الرجل في بيته راع مسئول عن الأسرة،والمرأة راعية في بيت زوجها،والخادم راع في مال مخدومه،وكل على ثغر الإسلام،فلا يجوز له إهمالها…وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي مسئولية المسلم عن المجتمع،وتوجب عليه مراقبة أحواله،وتقويم عوجه إن اعوج بكل ما استطاع،بيده أولاً،فإن لم يستطع فبلسانه،فإن لم يستطع فبقلبه:وذلك أضعف الإيمان.
وليس لمسلم أن يعتزل الحياة والناس ويقول:نفسي نفسي!ويدع نار الفساد تلتهم الأخضر واليابس من حوله،فإن هذه النار إذا تركت وشأنها،لم تلبث أن تحرقه هو،وتحرق كل ما يحرص عليه.ولهذا يقول القرآن الكريم:{واتَّقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الَّذينَ ظلموا منكم خاصةً واعلموا أن الله شديدُ العقابِ}[الأنفال 25]،وفي الحديث الشريف:“إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه“[رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه].
ـ ومن معاني الجماعة في الإسلام ما عرف في الشريعة باسم“فروض الكفاية“فكل علم أو صناعة أو حرفة أو نظام أو مؤسسة،تحتاج إليها الجماعة المسلمة في دينها أو دنياها،فتحقيقها فرض كفاية على المسلمين،على معنى أنه إذا قام بها عدد كاف فقد ارتفع الحرج،وسقط الإثم عن باقي الجماعة،وإلا أثمت الجماعة كلها،واستحقت عقوبة الله .
ـ والمسلمون مسئولون مسئولية تضامنية عن تنفيذ شريعة الإسلام،وإقامة حدوده،ومن هنا كان خطاب التكليف في القرآن إلى الجماعة.وتكرر قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا}،بهذه الصيغة الجماعية ليؤكد وجوب التكافل بين الجماعة كلها بمثل قوله تعالى:{والسَّارِقُ والسَّارقةُ فاقطعوا أيديهما}[المائدة38]،{الزَّانيةُ والزَّاني فاجلدوا كُلَّ واحدٍ منهُما مائةَ جلدةٍ}[النور 2]،وإن كان الذي يقوم على هذه الحدود هو الدولة والحكام،لأن الجماعة كلها مسئولة عن إقامتها،مؤاخذة بعقاب الله إذا عطلتها.
ـ حتى العبادة التي هي صلة بين العبد وربه،أبى الإسلام،إلا أن يضفي عليها روحاً جماعية،وصبغة جماعية،فدعا إلى صلاة الجماعة،ورغب فيها،حتى جعلها أفضل من صلاة المسلم وحده،بسبع وعشرين درجة،وكلما كان عدد الجماعة أكبر،كان ثواب الله عليها أعظم،بل هم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحرق على قوم بيوتهم،لتخلفهم عن الجماعة في المسجد،ولم يرخص لأعمى،يسمع الأذان،أن يصلي في بيته ويترك صلاة الجماعة،وقال:“لاصلاة لمنفرد خلف الصف„[رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن علي بن شيبان رضي الله عنه وهو حديث حسن]كراهية منه للشذوذ والإنفراد،ولو في المظهر،وإذا صلى المسلم منفرداً في خلوة لم تزل الجماعة في وجدانه وضميره،فهو إذا ناجى الله ناجاه بصيغة الجمع،ولإذا دعاه دعاه باسم الجميع:{إياك نعبد وإياك نستعين*اهدنا الصراط المستقيم}[الفاتحة 5 ـ 6].
كما شرع صلاة الجمعة في كل اسبوع مرة،وصلاة العيد في كل عام مرتين،وفرض الحج في العمر مرة على كل مسلم،وكلها شعائر لا بد أن تؤدى في صورة جماعية.
ـ في مجال الآداب والتقاليد حث الإسلام على جملة من الآداب الاجتماعية،أراد بها أن يخرج المسلم من الفردية والانعزالية،التي قد تروق للانطوائيين من الناس،فتحية الإسلام،والمصافحة عند اللقاء،وتشميت العاطس ،والتزاور والتهادي،وعيادة المريض،وتعزية المصاب،وصلة الأرحام،وإحسان الجوار،وإكرام الضيف،وحسن الصحبة في السفر والحضر،والبر باليتامى والمساكين وابن السبيل،وغير ذلك من الآداب والواجبات،هي التي جعلت الشعور الجماعي،والتفكير الجماعي،والسلوك الجماعي،جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلم.
ـ وفي مجال الأخلاق،حث الإسلام على المحبة والإخاء والإيثار،وأمر بالتعاون على البر والتقوى،ودعا إلى توحيد الكلمة وجمع الصف،كما دعا إلى التراحم والتسامح،وإلى البذل والتضحية،واحترام النظام،والطاعة لأولي الأمر في المعروف.
وبجوار ذلك حذر من الحسد والبغضاء والحقد،والفرقة والتنازع،وسائر الرذائل التي تنشأ من الأنانية والغلو في حب الذات وحب الشهوات“.
وجاء في مجلة المنار للشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد203 بتاريخ 17 نيسان عام 1904):
„ذلك إن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا همّ له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين وقسم تحكم تقاليده بالروحانية الخالصة وترك الدنيا وما فيها من اللّذات الجسمانية كالنصارى والصابئين وطوائف من وثني الهند أصحاب الرياضات. وأما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين كحق الروح وحق الجسد فهي روحانية جثمانية وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع حقوق الإنسانية فإن الإنسان جسم وروح، حيوان ومَلك.فكأنه قال جعلناكم أمو وسطاً تعرفون الحقين،وتبلغون الكمالين،{لتكونوا شهداء} بالحق(على الناس)الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين،وعلى الروحانيين إذ أفرطوا وكانوا من الغالين،فتشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين:{إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}[الجاثية 24] بأنهم أخلوا إلى البهيمية،وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين:إن هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس وحرمانها من جميع ما أعدّه الله لها في هذه الحياة: بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية،تشهدون على هؤلاء وهؤلاء وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها،ذلك بأن ما هديتم إليه هو الكمال الإنساني الذي ليس بعده كمال لأن صاحبه يعطي كل ذي حق حقه ـ يؤدي حقوق ربه وحقوق نفسه وحقوق جسمه وحقوق ذوي القربى وحقوق سائر الناس“.
يقول الأستاذ والمفكر الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله في مقال له بعنوان“عقيدة شاملة“:
„يبدو إلى الذهن أن الشمول الذي امتازت به العقيدة الإسلامية صفة خفية عميقة لا تظهر للناظر من قريب ولابد لإظهارها من بحث عويص في قواعد الدين وأسرار الكتاب وفرائض المعاملات،فليست هي مما يراه الناظر الوثني أو الناظر البدوي لأول وهلة قبل أن يطّلع على حقائق الديانة ويتعمّق في الإطلاع.
ومن المحقق أن إدراك الشمول من الوجهة العلمية لا يتأتى بغير الدراسة الوافية والمقارنة المتغلغلة في وجوه الأتفاق ووجوه الاختلاف بين الديانات،وبخاصة في شعائرها ومراسمها التي يتلاقى عليها المؤمنون في بيئاتهم الاجتماعية.
ولكن الناظر القريب قد يدرك شمول العقيدة الإسلامية من مراقبة أحوال المسلم في معيشته وعبادته،ويكفي أن يُرى المسلم مستقلاً بعبادته عن الهيكل والصنم والأيقونة والوثن ليعلم أنه وحدة كاملة في دينه ويعلم من ثم كل مايرغبه في ذلك الدين أيام أن كان الدين كله حكراً للكاهن ووقفاً على المعبد وعالة على الشعائر والمراسم مدى الحياة.
فلما ظهر المسلم في تلك الآونة ظهر الشمول في عقيدته من نظرة واحدة،ظهر أنه وحدة كاملة في أمر دينه يصلي حيث شاء ولا تتوقف له نجاة على مشيئة أحد الكهان،وهو مع الله في كل مكان{فأينما تُولّوا فَثَمّ وجهُ الله}[البقرة 115].
ويذهب المسلم إلى الحج فلا يذهب ليستتم من أحد بركة أو نعمة يضفيها عليه،ولكنه يذهب كما يذهب الألوف من إخوانه. ويشتركون جميعاً في شعائره على سنة المساواة،بغير حاجة إلى الكهانة والكهان.
كذلك لا ينقسم المسلم قسمين بين الدنيا والآخرة، أو بين الجسد والروح،ولا يعاني هذا الفصام الذي يشق على النفس احتماله ويحفزها في الواقع إلى طلب العقيدة ولا يكون هو في ذاته عقيدة تعتصم بها من الحيرة والانقسام.{وابتغِ فيما آتاكَ الله الدارَ الآخرة ولا تنسَ نصيبكَ من الدنيا}[القصص77].
فإذا كانت العقيدة التي تباعد المسافة بين الروح والجسد تعفينا من العمل حين يشق علينا العمل فالعقيدة التي توحد الإنسان وتجعله كلاً مستقلاً بدنياه وآخرته شفاء له من ذلك الفصام الذي لا تستريح إليه السريرة إلا حين تضطر إلى الهرب من عمل الإنسان الكامل في حياته،وحافز له إلى الخلاص من القهر كلما غُلب على أمره ووقع في قبضة سلطان غير سلطان ربه ودينه.
ومن هنا لم يذهب الإسلام مذهب التفرقة بين مالله وما لقيصر، لأن الأمر في الإسلام كله لله:{بل لله الأمرُ جميعاً}[الرعد31]،{ولله المشرق والمغرب}[البقرة 115]،{ربُّ المشرقِ والمغربِ ومابينهما إن كنتم تعقلون}[الشعراء28].
وإنما كانت التفرقة بين مالله وما لقيصر تفرقة الضرورة التي لايقبلها المتدين وهو قادر على تطويع قيصر لأمر الله وهذا التطويع هو الذي أوجبته العقيدة الشاملة وكان له الفضل في صمود الأمم الإسلامية لسطوة الاستعمار،وإيمانها الراسخ بأنها دولة دائلةنوحالة لابدّ لها من تحويل.
وقد أبت هذه العقيدة على الرجل أن يطيع الحاكم بجزء منه ويطيع الله بغيره،وأبت على المرأة أن تعطي بدنها في الزواج وتنأى عنه بروحها وسريرتها،وأبت على الإنسان جملة أن يستريح إلى الفصام الوجداني،ويحسبه حلاً لمشكلة الحكم والطاعة قابلاً للدوام.
إن هذا الشأن العظيم ـ شان العقيدة الشاملة التي تجعل المسلم“وحدة كاملة“ ـ لا يتجلى واضحاً قوياً كما يتجلى من عمل الفرد في نشر العقيدة الإسلامية.فقد أسلم عشرات الملايين في الصحارى الافريقية على يدي تاجر فرد أو صاحب طريقة متفرد في خلوته لايعتصم بسلطان هيكل ولا بمراسم كهانة،وتصنع هنا قدرة الفرد الواحد مالم تصنعه جموع التبشير ولا سطوة الفتح والغلبة، فجملة من أسلموا في البلاد التي انتصرت فيها جيوش الدول الإسلامية هم الآن أربعون أو خمسون مليوناً بين الهلال الخصيب وشواطئ البحرين الأبيض والأحمر، فأما الذين أسلموا بالقدوة الفردية الصالحة، فهم فوق المائتين من الملايين،أو هم كل من أسلم في الهند والصين وجزائر جاوة وصحارى أفريقية وشواطئها إلا القليل الذي لا يزيد في بداءته على عشرات الألوف.
كذلك يخاطب الإسلام العقل ولا يقصر خطابه على الضمير أو الوجدان،وفي حكمه أن النظر بالعقل هو طريق الضمير إلى الحقيقة،وأن التفكير باب من أبواب الهداية التي يتحقق بها الإيمان.{قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[سبأ 46].
وتوصف العقيدة الإسلامية بالشمول لأنها تشمل الأمم الإنسانية جميعاً كما تشمل النفس الإنسانية بجملتها من عقل وروح وضمير.
فليس الإسلام دين أمة واحدة ولا هو دين طبقة واحدة، وليس هو للسادة المسلطين دون الضعفاء المسّخرين،ولا هو للضعفاء المسّخرين دون السادّة المسلّطين،ولكنه رسالة تشمل بني الإنسان من كل جنس وملّة وقبيل:{وما أرسلناكَ إلاّ كافةً للناسِ بشيراً ونذيراً}[سبأ28].
بهذه العقيدة الشاملة غلب المسلمون أقوياء الأرض ثم صمدوا لغلبة الأقوياء عليهم يوم دالت الدول وتبدلت المقادير وذاق المسلمون باس القوة مغلوبين مدافعين“.
ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 1041 بتاريخ 26 كانون الأول عام 1963):
„يجب أخذ الدين كله دون تفريط في نص من نصوصه أو قاعدة من قواعده.
فإن العدوان على الدين بالانتقاص من معالمه كالعدوان على الدين بالافتراء والتزيد وكلاهما بعد عن الحق وضلال عن الغاية.
وليس في المصحف سورة تؤثر وأخرى تهدر.أو آية نرضى حكمها وأخرى نسخطه.إن الوحي كله نظام إلهي متكامل يتسم بالقداسة والعصمة في جملته وتفصيله فلا مكان لإطراح جانب منه واصطحاب جانب آخر للاهتداء على درب الحياة والتغالب على وعورة الطريق.
وقد حكى الله عن بني إسرائيل ناعياً عليهم تلك التفرقة التي تجعلهم ينفذون جزءاً من ميثاق الله ويهملون جزءاً آخر:{وإذ أخذنا ميثاقَكُم لا تسفِكونَ دماءَكُم ولا تُخرجونَ أنفُسَكُم من دياركم ثم أقررتُم وأنتم تشهدون*ثم أنتم هؤلاء تقتلونَ أنفُسَكمُ وتُخرجونَ فريقاً منكم من ديارهم تَظاهرونَ عليهم بالإثم والعدوانِ وإن يأتُوكُم أسارى تُفادُوهم وهو مُحرَّمٌ عليكم أخراجُهُم أفتؤمنونَ ببعض الكتابِ وتكفرونَ ببعض فما جزاءُ من يفعلُ ذلكَ منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويومَ القيامةِ يُردُّونَ إلى أشد العذاب وما الله بغافلٍ عما تعملونَ}[البقرة 84 ـ 85]
والواقع أن الفضيلة لاتتجزأ.فالصدق يكون في جميع الأمور.ومع جميع الناس،وكذلك العدالة والأمانة ولا يعد امرؤ ما فاضلاً إذا كان أميناً في بعض الأحوال وخائناً في البعض الآخر.
وكذلك لا يعد مؤمناً إذا قبل بعض الفروض وجحد بعضها الآخر،أو قرر أعمال جانب من الدين وإهمال الجانب الآخر.إن ذلك في منزلة الكفر بالدين كله.
وقد بُلي المسلمون بعد انهيار شخصيتهم الاجتماعية والسياسية في القرن الماضي بأناس يختلونهم عن تعاليم دينهم بحذر ودهاء.
فتراهم يتظاهرون باحترام النبوةزولا بأس أن يصفوا الإسلام بأنه دين الفطرة والتقدم.حتى إذا ووجهوا بأحكامه في الحلال والحرام ومطالبه في الصلاة والصيام انكمشوا وتقهقروا.إنهم يأخذون من الدين ما يحبون ويدعون ما لا يعجبهم وهواهم الخفي مع مبادىء أخرى مستوردة من الشرق أو الغرب هي التي يعجبون بها ويوفون لها ويقبلون من الإسلام ما يوافقها وينبذون ما يناقضها.
وإلى هذا الاسلوب في هدم الإسلام وإلى ذلك الفريق من الهدّامين أشار شيخ الإسلام الأسبق محمد الخضر حسين رحمه الله وأحسن جزاءه حين قال:“ترى أحدهم يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشد ما يؤذيه عدوه الكاشح ويضع على هذا الإيذاء نقاباً يخفيه كتسميته النبي ومجاراته المؤمنين في الصلاة والسلام عليه،ولا يتباطأ قلم الكاتب من هؤلاء أن يصف الدين بالسماحة والحكمة“.إلى أن يحدث عن شىء من أصوله أو أحكامه المفصلة فتراه ساعتئذ ينكرها متغالفلاً أنها من الدين،أو متأولاص لنصوص لا تقبل التأويل.
ويتابع الشيخ الغزالي رحمه الله:“وخير ما نتمسك به لإحباط تلك الدسائس الثقافية توكيد الحقيقة التي شرحناها آنفاً“أن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ“.ونسيج عريض من التعاليم المتشابكة لا يمكن قصه ولا تمزيقه وأن الأخذ بهذه التعاليم كلها في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات لبّ الإيمان وشرط بقائه.وأنه لا يؤذن لأحد أبداً باعتناق ما يهوى واجتناب ما يكره…
إن الإسلام روح وجسد،وإيمان ونظام،عقيدة باطنة تشبه الوقود الذي يحرك الآلات،ثم مجموعة الوصايا والأوامر والنواهي والحدود والشعائر التي تسير الحياة إلى وجهة معينة ووفق أسلوب خاص.
ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:
„إن رسالة الإسلام الإصلاحية الاجتماعية،كنظام كامل شامل يكفل للإنسانية السعادة والاستقرار والطمأنينة والسلام ويحل ما بين يديها وما خلفها من مشكلات جسام،تمتاز عن كل ما عرفت البشرية إلى الآن من النظم والرسالات بأمور ثلاثة:
الأول:بشمول مبادئها النظرية التي ضمت كل خير جاء به غيرها مع تركها كل ما يعلق بذلك من أضرار،فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته الخالدة:الإخاء الإنساني،والحرية والسلام،إذ حطم الفوارق العنصرية بين الشعوب،وقضى على كل نعرات الأجناس والألوان،وعلى روح الكراهية والحقد والتعصب الذميم بين أفراد الشعوب بمثل قوله تعالى:{يا أيُّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكمْ شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرمكم عندَ الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ}[الحجرات 13].
وربى أتباعه على حب السلام فختام صلواتهم سلام،وتحيتهم في الأولى والآخرة سلام…
ومن المبادئى التي اشتمل عليها الإسلام كذلك: العدل الاجتماعي...فالإسلام يعلن في المجتمع مبادىء العدل المقرونة بالرحمة:{إنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسان}[النحل 90]،والعدل في الحكم:{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}[النساء 58]،والعدل مع الخصوم:{ولا يَجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا اعدلوا هوَ أقربُ للتقوى}[المائدة 9]، والعدل ولو على الاقارب والأصدقاء:{كونوا قوّامينَ بالقِسطِ شُهداءَ لله ولو على أنفُسكمْ أو الوالدينِ والأقربينَ إن يكنْ غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تّتبّعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تُعرضوا فإنَّ الله كان بما تعملونَ خبيراُ}[النساء 135].
وضمن حقوق الأسرة والمرأة وضمن الحياة الطيبة لأفراد المجتمع على السواء.
وأمّن حق الحياة والملك والعمل والحرية والعلم والأمن لكل فرد.
وحدد موارد الكسب فلا ضرر فيها ولا ضرار،مع الشدة في محاربة الجرائم والفساد.
وحل مشاكل المال.وقضى على نظام الطبقات.وطارد الرأسمالية القاسية.وقضى على سوء الاستغلال والنظام الربوي.وكفل حقوق العمال والأجراءزوضمن تعاون الحاكم والمحكوم على البر والتقى.
والأمر الثاني:الذي تمتاز به هذه الرسالة هو رسم الطرائق التطبيقية وتبسيطها وتحويلها إلى أعمال يومية،وما الصلاة والصوم والزكاة والحج وما وضع الإسلام من عبادات وقربات وأعمال إلا مظهر من مظاهر هذا التطبيق في ألطف صورة ,أجمل آثاره.
والأمر الثالث:اعتمادها على الضمير الإنساني الموصول برب العالمين،وتقريرها الجزاء في الحياة الآخرة للعاملين.
ويقول الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 505 بتاريخ الأول من تشرين الأول عام 1932م):
„إن دين الإسلام هو دين الفطرة،والعقل والفكر،والعلم والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان،والحرية والاستقلال.
1 ـ الإسلام دين الفطرة:
قال الله تعالى:{فأقِم وجهكَ للدِّينِ حنيفاً فطرةَ الله التي فطرَ النَّاسَ عليها لاتبديلَ لخلقِ الله ذلكَ الدِّينُ القيّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاس لا يعلمون}[الروم30]، الحنيف وهو الميل عن المعوج إلى الاستقامة، وعن الضلالة إلى الهدى،وعن الباطل إلى الحق، ويقابله الزيغ وهو الميل من الحق إلى الباطل…
وفطرة الله التي فطر الناس عليها هي الجبلة الإنسانية،الجامعة بين الحياتين:الجسمانية الحيوانية، والروحانية الملكية،والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب،وما أودع فيها من غريزة الدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون والسنن والأسباب .
2 ـ الإسلام دين العقل والفكر:
أما ذكر العقل بإسمه وأفعاله في القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة،وأما ذكر أولي الألباب ففي بضع عشرة مرة،وأما كلمة أولي النهى أي العقول فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه .والآيات الدالة على الدعوة إلى التفكر والتدبر في خلق الله والكون و…
3 ـ ىالإسلام دين العلم والحكمة:
ذكر أسم العلم معرفة ونكرة في عشرات من آيات القرآن الحكيم،وذكرت مشتقاته أضعاف ذلك، وهو يطلق على علوم الدين والدنيا بأنواعها، فمن العلم المطلق قوله تعالى:{ولاتقف ما ليس لك به علم}[الإسراء 17]، وقال تعالى:{إنما يخشى الله من عباده العلماء}[فاطر 28][والآيات كثيرة.
4 ـ الإسلام دين الحجة والبرهان:
يقول تعالى:{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم }وقال تعالى:{ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به عند ربه إنه لايفلح الكافرون}والآيات كثيرة…
5 ـ الإسلام دين القلب والوجدان والضمير:
يقول تعالى:{إنَّ في ذلك لذكرى لمن كانَ لهُ قلبٌ أو ألقى السّمعَ وهو شهيد}[ق 36]وفي سورة الشعراء{يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}والآيات كثيرة..
6 ـ منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود:
ومن هذه الآيات:قال تعالى:{وإذا قيل اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لايعقلون شيئاً ولايهتدون}وقوله تعالى:{وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالاتعلمون} والآيات كثيرة..
7 ـ الحرية الشخصية للدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورياسة السيطرة:
قال تعالى:{ولو شاءَ ربُّكَ لآمنَ من في الأرضِ كلُّهُم جميعاً أفأنتَ تُكرهُ النَّاسَ حتى يكونوا مؤمنينَ}[يونس 99].
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:“علم الله تعالى رسوله أن من سننه في البشر أن تختلف عقولهم وأفكارهم في فهم الدين وتتفاوت أنظارهم في الآيات الدالة عليه فيؤمن بعض ويكفر بعض،فما كان يتمناه صلى الله عليه وسلم من إيمان جميع الناس مخالف لمقتضى مشيئته تعالى في اختلاف استعداد الناس للإيمان وهو منوط باستعمال عقولهم وأنظارهم في آيات الله في خلقه،والتمييز بين هداية الدين وضلالة الكفر“.
ويقول الأستاذ محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الرسالة العدد913):
„ليس الإسلام ـ كما يظن الذين يجهلون حقيقته ـ دين نسك وعبادة فقط،تقتصر مهمته على تنظيم علاقة الإنسان بربه ،وإنما هو ـ كما ينطق كتابه ـ دين عملي، عام، خالد.ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بمواطنيه وبني جنسه،ويرسم للجميع طريق السعادة في الدارين:الدنيا والآخرة{إنَّ هذا القرآنَ يهدي للّتي هيَ أقومُ ويُبشِّرُ المؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصّالحاتِ أنَّ لهم أجراً كبيرا*وأن الذينَ لا يؤمنونَ بالآخرةِ أعتدنا لهم عذاباً أليما}[الإسراء9 ـ 10].{يا أيّها الذينَ أمنوا استجيبوا لله وللرسولِ إذا دعاكم لما يُحييكم}[الأنفال 24].{ولو أنَّهم أقاموا التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزلَ إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحتِ أرجلهم}[المائدة 66].{فَمن اتّبعَ هُدايَ فلا يَضلُّ ولا يشقى*ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضَنكاً ونحشرهُ يوم القيامةِ أعمى*قالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرا*قالَ كذلكَ أتتكَ آياتُنا فنسيتها وكذلكَ اليوم تُنسى*وكذلكَ نجزي من أسرفَ ولم يؤمن بآياتِ ربّه ولعذابُ الآخرةِ اشدُّ وابقى}[طه 123 ـ 127].
ويتابع رحمه الله:“شرع الله الإسلام،وجعل منه نظاما يكفل سعادة الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة، لم يترك عنصراً من عناصر الخير والفلاح،وعناصر الحياة الطيبة والسعادة الخالدة إلا أمر به ودعا إليه ،وحثّ عليه،ولم يترك عنصراً من عناصر الشرّ والفساد ،وعناصر الحياة الذليلة والشقاء المقيم إلا نهى عنه وحذر منه ونفر منه.
ذلك أن الإسلام بنى تنظيمه للعالم على الواقع وهو :إن الإنسان جسم وروح،وأن للجسم حظاً ومتعةنوأن للروح حظاً ومتعة، وأن للإنسان شخصية مستقلة عن بني جنسه،وشخصية يكون بها لبنة في المجتمع الوطني والإنساني،وأن له بكل من هاتين الشخصيتين حقوقاً وعليه واجبات.ولا تتحقق سعادة الإنسان إلا باستكماله حظ الجسم والروح ،وتنظيم حقوقه وواجباته في نفسه وفي مجتمعه دون إفراط ولا تفريط.وكل ما جاء به الإسلام من عقائد وعبادات وآداب وتشريعات لا يخرج عن هذه الدائرة،دائرة رعاية حظ الجسم وحظ الروح للإنسان منفرداً ومجتمعاً“.
ويقول العلامة الأستاذ محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الرسالة العدد601):
„ولكن ماسر الصلاحية التي استحقت بها شريعة الإسلام أن تكون هي الشريعة الخالدة؟
ليس الباحث أن يستقصي جميع الأحكام التي جاءت بها الشريعة المحمدية حكما حكما، ويتتبع ذلك في كل جزئية من الجزئيات ليختبر مبدأ الصلاحية ويعرف مداه،فإن هذا شيء يطول ولا يكاد يقف عند حد.ولكن حسبه أن ينظر إلى مبدأ واحد هو المحور الذي تدور عليه سلئر الأحكام مهما تعددت وتنوعت،وبيان ذلك: أن من يتأمل حالة العالم في عصوره المتعاقبة وأطواره المتتابعة يعرف حق المعرفة أنه كان يتردد بين طرفين من إفراط وتفريط.وكان ذلك شأنه في كل شيء:في العقائد ، في الأخلاق، في صلة الإنسان بالحياة،في علاقة الفرد بالمجتمع،في علاقة الأمم بعضها ببعض،في طريقة التشريع،إلى غير ذلك من سائر الشئون، وقد جاء الإسلام فأدرك أن العالم لايصلح بواحدة من هاتين الخطتين،وإنهما منافيتان للفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية،منافيتان لسنن الاجتماع التي تقضي بالوقوف عند الحد الوسط في كل شيء لضمان البقاء والصلاح،وعدم التعرض للانحلال والفساد.أدرك الإسلام ذلك فجاءت شريعته وسطاً لا إفراط فيها ولا تفريط،ووقعت أحكامها ومبادئها مهما تنوعت وتشعبت في هذه الدائرة التي رسمها الله في كتابه العزيز{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}،{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.
هي في العقيدة وسط بين الذين ينكرون الإله، ويزعمون أن هذه الحياة الدنيا ليست إلا وليدة المصادفات والتفاعلات المادية{إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وبين الذين يقولون بالتعدد، ويتخذون مع الله أندادا:تقرر في صراحة وجلاء أن الله إله واحد،وأنه المعبود الذي لا يعبد سواه{قل هو الله أحد*الله الصمد*لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد}، {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون}،{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.
وهي في الأخلاق وسط بين الذين يتحللون من كل الفضائل وبين الذين يشتطون في تصور الفضيلة والتزام طرف التشديد فيها:تقر أن الفضيلة وسط بين رذيلتين: لا جبن ولاتهور،لابخل ولا تبذير،لا استكبار ولا استخذاء،لا جزع ولا استكانة.وأساس ذلك كله قوله تعالى:{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا}،{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}.
وهي في صلة الإنسان بالحياة وسط بين المادية البحت التي لا تعرف شيئا وراء ما يقع عليه الحس من طعام وشراب ولذات وشهوات وغلبة وبطش وجمع للاموال وتكاثر وتفاخر،وبين الروحية البحت التي تزهد بالحياة وتعرض عنها إعراضا تاما، فلا زواج ولا سعي ولا عمل، ولكن تبتل مطلق وإهمال للأسباب!يقرر الإسلام في ذلك الوسط أيضاً فيقول:{وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}،{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}،{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.
وهي في طريقة التشريع ووضع قوانين الحياة وسط:لم تدع الناس يشرعون لأنفسهم في كلشيء ولم تقيدهم بتشريع من عندها في كل شيء بل نصت وفوضت:نصت فيما لا تستقل العقول بإدراكه، كالعبادات زمانا ومكانا وكيفية ونحو ذلك،وفيما لا تختلف المصلحة فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، كالمواريث وأصول المعاملات، من بيع وشراء وتحريم لأكل أموال الناس بالباطل ونحو ذلك،وفوضت فيما يدرك العقل الخير فيه وتختلف المصلحة فيه بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ومن هنا وجد الاجتهاد وكان ركنا من أركان الشريعة الإسلامية حفظ الله به للعقل الإنساني كرامته.
وهي في تحديد علاقة الفرد بالجماعة وسط أيضاً:لم يترك الفرد طليقاً يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء ولم تدعه كالوحش في الفلاة يجري ويمرح ويعبث ويفترس ما يقدر عليه،ويتحكم فيه الأقوى منه، ولم تلغ شخصه،وتنس استقلاله، وتضيعه في غمار الجماعة لا يعمل إلا لها،ولا يفكر إلا فيها،ولا يعرف لنفسه وجوداً غير وجودها، كأنه جزء من آلة يتحرك بحركتها ويسكن بسكونها،ولكنها اعتبرته ذا شخصية مستقلة،وفي الوقت نفسه اعتبرته لبنة في بناء المجتمع،فأثبتت له، بالاعتبار الأول، حق الملكية لماله ودمه والهيمنة على نفسه وولده،ومنحته في هذه الدائرة حق التصرف بما يراه خيرا له وسبيلاً لسعادته في حياته،وأوجبت عليه بالاعتبار الثاني،حقا في نفسه بالخروج للغزو والجهاد في سبيل رد العدوان عن الوطن،وحقا في ماله في البذل والإنفاق في سبيل الله،وأوجبت عليه إرشاد الأمة وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وأوجبت عليه أن يعمل لإنجاب النسل الصالح وتكثير سواد الأمة به فيختار الولود ذات الدين والخلق، لتقوى بذلك الأمة ويعلو شأنها.
وفي مقابل هذه الحقوق التي قررتها الشريعة على الفرد للجماعة،أوجبت على الجماعة للفرد حقوقاً لا سعادة إلا بها:كفلت له دمه وماله وعرضه،وشرعت لحمايته حق القصاص وحق الحد والتعزير، وجعلت له حق في أن تعينه بمالها إذا افتقر، وبذلك تبادل الفرد مع المجتمع الحقوق والواجبات وجعلت سعادة الحياة منوطة بالتعادل بين الجانبين،وعدم طغيان أحدهما على الآخر.
وكذلك كان شأن الشريعة الإسلامية في تحديد علاقة الأمة بغيرها من الأمم:لم ترض للمسلمين بحياة الضعف والذلة وأن يكونوا عزلا من القوة ينتظرون حظهم،ويترقبون مصيرهم،وما تقرره الأمم الأخرى في شأنهم،ولم ترض لهم كذلك بحياة الظلم والاستبداد والفتك بالضعفاء والاعتداء على الآمنين في أوطانهم وأموالهم،ولكنها أمرت المسلمين بالاستعداد والتقوى بالعدة والعدد{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}،وأمرتهم أن يدعوا إلى الله بالحجة والبرهان لا باقهر والإكراه{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}،{افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}.
هذا هو الصراط المستقيم، والمبدأ الوسط الذي تسير عليه الشريعة الإسلامية في جميع أحكامها، والذي صلحت به لكل زمان ومكان، واستحقت به الخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(هذا الدين ـ تحت عنوان خطوط مستقرة):
„من العصبية القبلية،بل عصبية العشيرة، بل عصبية البيت،التي كانت تسود الجزيرة العربية…ومن عصبية البلد، وعصبية الوطن،وعصبية اللون، وعصبية الجنس…التي كانت تسود وجه الأرض كله..من هذه العصبيات الصغيرة التي لم تكن البشرية تتصور غيرها في ذلك الزمان،جاء الإسلام ليقول للناس:إن هناك إنسانية واحدة،ترجع إلى أصل واحد،وتتجه إلى إله واحد.وإن اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان،واختلاف العشائر والآباء…كل أولئك لم يكن، ليتفرق الناس ويختصموا، ويتحوصلوا وينعزلوا ولكن ليتعارفوا ويتآلفوا،وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض ويرجعوا بعد ذلك إلى الله الذي ذرأهم في الأرض واستخلفهم فيها.وقال لهم الله سبحانه في القرآن الكريم:{يا أيُّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمَكُم عند الله أتقاكم إنّ الله عليمٌ خبير}[الحجرات13] وقال تعالى:{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجها وبثَّ رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلونَ به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً}[النساء1]وقال تعالى:{ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآياتٍ للعالمين}[الروم22].
ولم تكن هذه مبادئ نظرية،ولكنها كانت أوضاعاً عملية..لقد انساح الإسلام في رقعة من الأرض فسيحة، تكاد تضم جميع الأجناس وجميع الألوان…وذابت كلها في النظام الإسلامي. ولم تقف وراثة لون، ولا وراثة جنس، ولا وراثة طبقة،ولا وراثة بيت دون أن يعيش الجميع إخواناً،ودون أن يبلغ كل فرد منهم ماتؤهله له استعدادته الشخصية،وما تكفله له صفته الإنسانية.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 1013):
„وحين ننظر إلى مقامات الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ من ناحية الاستعداد لإدراك الوحدة الكبرى،ومن ناحية شمول الرسالة لكل جوانبها،ومن ناحية محيطها وامتدادها نجد محمداً صلى الله عليه وسلم في القمة العليا فالإسلام هو أكمل تصوير لتلك الوحدة:وحدة الخالق الذي ليس كمثله أحد،ووحدة الإدارة التي يصدر عنها الوجود كله بكلمة:“كن“.ووحدة الوجود الصادر عن تلك الإدارة،ووحدة الناموس الذي يحكم هذا الوجود،ووحدة الحياة في الخلية الساذجة إلى الانسان الناطق،ووحدة البشرية من آدم إلى آخر أبنائه في الأرض،ووحدة الدين الصادر من الإله الواحد إلى البشرية الواحدة،ووحدة الرسل المبلغين لهذه الدعوة،ووحدة المؤمنين الذين لبوا دعوة الدعاة،ووحدة النفس البشرية جسماً وعقلاً وروحاً،غريزة وميلاً وشوقاً،ووحدة العمل والعبادة ما دام كلاهما متجهاً إلى الله،ووحدة الدنيا والآخرة داري العمل والجزاء“.
ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله[من بقايا الأيام]:“إن الإسلام ـ كما يظهر ذلك لأدنى تأمل ـ يمحو من حياة الإنسان والمجتمع التناقض الموهوم،ويزيل الصراع المصطنع، ويزاوج بين الروح والمادة، والعقيدة والعقل، والضمير والسلوك، ويلائم بين المبادئ الثابتة والتطور السليم، وبين نشاط الفرد ومصلحة الجماعة“.
ولقد أمر الله عز وجل المسلمين بأخذ الإسلام بكل جوانبه وأبعاده دون إغفال جانب منه أو إهمال أخر{يا أيُّها الذين أمنوا ادخُلوا في السِّلمِ كافة ولاتتّبعوا خطواتِ الشيطانِ إنّهُ لكم عدوٌّ مبين} [البقرة208].
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 224 الموافق 20 شباط عام 1905):
„والسلم بكسر السين وفتحها :المسالمة والانقياد والتسليم فيطلق على الصلح والسلام وعلى دين الإسلام.قرأ ابن كثير ونافع والكسائي بفتح السين والباقون بكسرها.وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالإسلام وعليه الجلال وقال في تفسير(كافة): حال من السلم أي في جميع شرائعه:وهذه كلمة عظيمة وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة ذلك أنها تفيد وجوب أخذ الإسلام بجملته بأن ننظر في جميع ماجاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخروأن أدت إلى ترك كثير من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل،أو تحكيم الاحتمال بلا حجة أو دليل،ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم وأن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه لولوا منك فراراً، وأعرضوا عنك استكباراً،وقالوا مكر مكراً كباراً،إذ دعا إلى ترك المذاهب،وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد، ومن آيات العبرة في هذا المقام إننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة،ووصلت إلى الحقيقة،بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق،والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع فشو الجهل وتعصب اهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون،وبجاهها يعيشون ويكرمون،وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة،وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة،لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكيناً لهم مما يهوون من الفساد والإفساد،إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم بإتباعهم فيه لأن الخواص إذا اتحدوا تبعهم العوام،وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام،وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين،والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض،أي يعملون ببعضه على أنه دين،ويتركون بعضاً بالتأويل أو غير التأويل،كشأن من لم يصدق بأنه من الله،فوجوب أخذ القرىن والدين بجملته، وفهم هدايته من مجموع ماثبت عمن جاء به،أمر مقرر في ذاته“.