الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

معالم في طريق الدعوة إلى الله (2/13)

أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم، وكان عمل سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يُحوّل الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي وتراهم العيون، فلما انطلق هؤلاء الرجال في مشارق الأرض ومغاربها، رأى الناس فيهم خلقاً جديداً لاعهد للبشرية به، لأنهم كانوا ترجمة حية لفكرة لاعهد للبشرية بها. عندئذ آمن الناس بالفكرة لأنهم أمنوا بالرجل الذي تتمثل فيه، واندفعوا يحققونها في ذواتهم بالقدوة، فيسلكون نفس الطريق“ ويتابع رحمه الله وغفر له: “ ولقد انتصر محمد بن عبد الله يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً، وحوّل إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفاً، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب“.

ولابد أن يُنمّي الداعية نفسه باستمرار: ثقافة وعلماً ووعياً، وأن يستكمل جوانب الإيمان في نفسه: خُلقاً وتَصرفاً وسلوكاً، وأن يتحلّى بالصفات الرّبانية ما أمكنه،لكي نشاهد مانتمناه في هذا الدين العظيم: رجالاً وصفهم الأستاذ عصام العطار فأحسن الوصف: “ إننا نحتاج رجالاً لهم روح الأنبياء وصدق الأنبياء، وأخلاق الأنبياء،وصبر الأنبياء، وبصيرة الأنبياء، وجهادهم الخالص وارتفاعهم على المخاوف والشدائد والمغريات، والصغائر والتفاهات والأهواء، وثقتهم المطلقة بوعد الله، وتوكلهم عليه وتضحيتهم في سبيله في مختلف الظروف… ليُلهبوا نفوس المسلمين ويبعثوهم من الرقاد واليأس والإحباط والاستسلام، ويقودوا خطاهم بثقة وعزم، وأمانة وحكمة ووعي، إلى التحرر والتقدم والنجاة وإلى الحياة الكريمة والمستقبل المأمول“ .

نعم ، إن دعوة الإسلام تدعو من يحملها ويؤمن بها أن ينقلها إلى الناس، كل الناس، من الفرد إلى المجموع، ومن الجزء إلى الكل، ومن أمة التوحيد إلى سائر أمم العالمين: { يا أيُّها الرسولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ من رَبِّكَ وإن لم تفعل فما بَلَّغتَ رِسَالَته}[المائدة67]

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في أخر مؤلف له[مقومات التصور الإسلامي] يقول رحمه الله:

„إن طبيعة هذا الدين ترفض اختزال المعارف الباردة في ثلاجات الأذهان الجامدة! إن المعرفة في هذا الدين تحول لتوها إلى “ حركة“ وإلا فهي ليست من جنس هذا الدين“ ويتابع رحمه الله“ إن المعرفة للمعرفة ليست منهجاً إسلامياً… في الإسلام المعرفة للحركة، والعلم للعمل، والعقيدة للحياة“ ويتابع:“ واليوم لاقيمة للمعرفة التي لاتتحول ـ لتوها ـ إلى حركة، لاقيمة للدراسات الإسلامية في شتى مناهجها وشتى معاهدها، لاقيمة لاكتظاظ رفوف المكتبات بالكتب الدينية، ولا باكتظاظ الأدمغة بمضمونات هذه الكتب. إن هذا ليس هو الإسلام وليس هو العلم الديني. العلم الديني شئ يزاول في الحياة ويطبق في المجتمع، ويعيش في الواقع، ويتمثل في نظام، والإسلام هو سيادة هذا النظام، وليس للإسلام من صورة أخرى يعرفها الإسلام ويرضاها الله“.

الدعوة إلى الله والحركات وسائل لاغايات، وحتمية العمل الجماعي:

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“يجب أن يوقن الداعية أنه يدعو إلى سبيل الله، أي طريق الله،أي منهج الله الذي رسمه لهداية الناس حتى يُحسنوا العبادة لله وحده، ويُحسنوا التعامل بعضهم مع بعض، وبذلك يسعدون في الدنيا ويفوزون بحسن المثوبة في الآخرة.إن الداعية المسلم هنا لايدعو الناس إلى نفسه أو إلى قومه، بل يدعوهم إلى ربه وحده{ما كانَ لِبَشرٍ أن يُؤتِيَهُ الله الكِتابَ والحُكمَ والنُّبوَّةَ ثُمَّ يَقولُ للنَّاسِ كُونُوا عِباداً لي من دُون الله ولَكِن كُونوا رَبَّانيينَ بما كُنتُم تُعَلِّمونَ الكتابَ وبما كُنتُم  تدرسون}[آل عمران79] إنه لايدعو إلى نظام بشري ولا إلى فلسفة أرضية، ولا إلى قانون وضعي، بل يدعو إلى تحرير البشر من العبودية للبشر، وأن يتحرروا من عبودية بعضهم لبعض، وربوبية بعضهم لبعضن وأن يكونوا جميعاً عباداً لله وحده الذي خلقهم وسخر لهم مافي السماوات ومافي الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.ولهذا كانت رسائل محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملوك أهل الكتاب مختومة بهذه الآية{قُل يا أهل الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلمةٍ سَواء بَينَنا وبَينَكُم ألّا نَعبُدَ إلاّ الله ولانُشرِكَ بهِ شَيئاً ولايَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً من دون الله}[آل عمران64].انتهى كلام القرضاوي.

إن الدعوة إلى الله تعطي ثماراً أفضل ومردوداً أوسع، إذا ماتمت من خلال عمل جماعي منظم، تتناسق فيه الجهود وتتآزر فيه الإمكانيات، ولكننا نرتكب أفدح الأخطاء، وأشدّ الحماقات عندما ننجرف في التيار الأناني الذي يدعو إليه وللأسف بعض الدعاة، الذين يجعلون الهدف الرئيسي في مجال الدعوة، دعوة الناس إلى نظريات أو مذاهب أو أحزاب أو شخصيات معينة،ضاربين بعرض الحائط الهدف الرئيسي، وهو الدعوة إلى الله وإلى منهاجه السليم القويم، ويصبح  هدف هؤلاء الدعاة وللأسف تجميع الناس بغض النظر عن ثقافتهم وسلوكهم الإسلامي، ليس من أجل الدعوة إلى الله، ولكن من أجل محاربة التنظيمات والجمعيات والأحزاب الأخرى والدخول معها في معارك طاحنة، تارة باللسان وطوراً بالسنان!!

إن من وراء هذه الدعوات التي لم يرد بها وجه الله أناساً حملوا شعارات الإسلام ورفعوا راياته،ولكنهم وللأسف يتخذون الإسلام سلماً للوصول إلى مصالحهم الدنيوية ومنافعهم المادية،ويساعدهم في انحرافهم هذا جهل الأفراد الذين ينضوون تحت لوائهم، وسذاجة الأتباع الذين يصدقون أقوالهم،إن أمثال هؤلاء الناس أقرب للجهل منهم للعلم، وللسذاجة أقرب منهم للوعي، ونسأل الله أن يشرح صدورهم لمعرفة الحق وإتبّاعه،وأن يهديهم وإيانا إلى الصراط المستقيم.

يقول الأستاذ العلامّة الشيخ محمد لطفي الصباغ حفظه الله في كتابه [ نداء إلى الدعاة]:

„إن الكارثة الكبرى في العمل الإسلامي أن تَتحوّل تنظيماتنا إلى غايات،يُقدم لها الولاء،وتضحي أحزاباً توجه إليها ضروب التبعية والاحترام دون وعي ولابصيرة،وأن يفكر الشباب بغير العقلية الإسلامية الرشيدة حتى يغدو الإنحراف شيئاً مألوفاً مستحسناً“ ويتابع حفظه الله: „إن الإلحاح على موضوع الولاء للتنظيم بعيداً عن ذكر الكتاب والسنة يُبلّد في الأخ السامع الإحساس بالغلط، ويُصّم أذنيه عن سماع الحق، ويُعمي عينيه عن رؤية الخطأ، ويُشل تفكيره، فهو لايسمع إلا نغماً واحداً، ولايرى إلا بعين واحدة، ولاينظر إلا صفحة واحدة، ولايفكر إلا في مسار واحد…إنه ليس على استعداد لقبول أية كلمة مهما كانت هذه الكلمة مهذبة وموضوعية مادامت تتصل بشئ يفهم منه نقد الجماعة التي يعمل فيها“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

„إن الأصل في الدعوة أن تكون للإسلام،ولابد أن تعرف كل حركة من الحركات أو جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب أنها وسيلة لخدمة الإسلام وإقامة نظامه وحكمه وهداية الناس إلى سواء السبيل،ولايجوز بحال من الأحوال أن نضع الوسيلة في مستوى الغاية أو نعطيها مكانها أو نُحِلّها مَحلها فهذا إن حصل انحراف خطير عن الإسلام نفسه وضلال يتسع مداه على الأيام“.ويقول أيضاً:“إنني عندما أفكر للإسلام والمسلمين لا أفكر لهم في حدود سني وصحتي وعُمري، فلا أحبسُ أهدافهم في حدود طاقتي وقدرتي وحياتي وموتي، وإنما أفكر لهم في حدود الإسلام وما يطلبه الإسلام في الحاضر والمستقبل. إن أهدافي البعيدة هي أهداف الإسلام والمسلمين جميعاً، وما لا أستطيع تحقيقه بنفسي يُحققّه غيري، أو تُحققّه الأجيال المقبلة من بعدي.. وحَسبي أن أؤدي بإخلاص دوري الذي أستطيع أداءه في العمل الإسلامي الشامل المنبسط في المكان ، والممتد في الزمان، الذي يجب أن تتكامل فيه الجهود كلها في العصر الواحد، وعبر سائر العصور،أما أن اجعل نفسي هي الأصل لا الإسلام، وأُحدّد بظروفي الخاصة أهداف الإسلام والمسلمين، وآمال الإنسان.. فأنانيةٌ وانتهازيةٌ واستغلال، وخيانة لله ولرسوله وللمسلمين، ولسائر الناس“.

نعم لابد من التقاء الجهود وتَوحد الرايات من أجل الهدف الأسمى والنبيل الذي التقى عليه جميع المخلصين من الدعاة بغض النظر عن اختلاف مشاربهم وتعدد اجتهاداتهم لأن الرب واحد والدين واحد والنبي واحد، وكذلك لأننا في مواجهة مجموعة من الأعداء المتشاكسين فيما بينهم ولكنهم التقوا على هدف واحد وهو القضاء على دعوة وروح وجوهر الإسلام في هذه الأمة.

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله:“تعيش أمتنا الإسلامية في هذه الحقبة من عمرها حياة مُضطربة قلقة.وتمتلكها الحيرة في اختيار الطريق.إنها على مفترق طرق في حياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية ،وقد خُطط لها أن تحيا الحقبة الدقيقة، في ظل أنظمة هدّامة تكيد للإسلام ورجاله،وتُنكّل بدعاته وعلمائه،وتطارد آثاره في شتى جوانب الحياة. ذلك لأن هذا الدين هو الذي استطاعت الأمة بتمسكها بتعاليمه أن تقاوم كل مخططات الإبادة والعدوان التي تعرضت لها،وأن ترد كيد المعتدين إلى نحورهم،وأن تخرج من معظم المعارك ظافرة محتفظة بمقومات وجودها.

إن على دعاة الإسلام أينما كانوا، سواء أكانوا في بلادهم أم كانوا مشردين تحت كل كوكب، مُبعثرين في أرجاء المعمورة،أن يدركوا أهمية هذه الحقبة، وأن يَتعالوا على أنانياتهم، وأن يعلموا حق العلم أن نزاعهم بعضهم مع بعض سلاح في أيدي أعدائهم، وأن القضاء عليهم هدف اجتمعت عليه قوى الكفر واتجاهاته، وأنه قضاء حاسم لامراعاة فيه ولارحمة ولالين.إن أعداء الإسلام لايفرقون بين حركة وحركة ولابين اتجاه واتجاه..إن على الدعاة أن يعلموا أنهم بنزاعهم يُمكّنون لعدوهم من استئصالهم جميعاً“.

ويقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله في كتابه الحل الإسلامي…فريضة وضرورة:“العمل الجماعي ضرورة، لأن هذا مايفرضه الدين والواقع معاً:

ـ فالدين يأمرنا بالإتحاد والتعاون على البر والتقوى، وهذا من أخصّ أعمال البر والتقوى وأهمها وأشدها خطراً.

ـ والقرآن يطالبنا فيقول:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون}[آل عمران104].

والأمة ليست مجموعة أفراد متناثرين ولامجرد جماعة.

ـ والقاعدة الشرعية تقرر:“أن مالايتم الواجب إلا به فهو واجب“ وإقامة مجتمع إسلامي تحكمه عقيدة الإسلام وشريعته، أمر واجب، ولاسبيل إلى تحقيق هذا الواجب إلا بجماعة وأمة.

ـ والواقع يرينا أن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وأن جهود الأفراد مهما توافر لها من إخلاص، لاتستطيع أن تؤثر التأثير المطلوب لتحقيق الهدف المنشود، لأنها ضعيفة الطاقة محدودة المدى،وقتية التأثير.

ـ وإذا نظرنا إلى القوى المناوئة للإسلام ـ على اختلاف أسمائهم وأهدافها ووسائلها ـ وجدناهم يعملون في صورة جماعات وتكتلات وأحزاب وجبهات، ولايُقبل ـ في ميزان الشرع ولا العقل ـ أن يقابل الجهد الجماعي المنظم، بجهود فردية مبعثرة، وإنما يقابل التكتل بتكتل مثله أو أقوى منه، ويقابل التنظيم بالتنظيم.وإلى هذا يشير قوله تعالى{والذينَ كَفروا بَعضُهُم أولياءُ بعض إلاّ تفعلوهُ تَكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبير}[الأنفال 73]، أي: إن لم يُوالِ بعضكم بعضاً، وينصر بعضكم، كما يفعل الكفار، تحدث الفتنة والفساد، لأتحادهم وتفرقكم وتناصرهم وتخاذلكم“.

ويلخص الشيخ القرضاوي المعالم الرئيسية للعمل الإسلامي الراشد في مايسمى الخطوط العشرة لترشيد الصحوة وهي كما يلي:

1 ـ من الشكل والمظهر إلى الحقيقة والجوهر،فإن دين الله عقائد وأعمال وليست صوراً وأشكالاً“إن الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن  ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم“.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

2 ـ من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل“فإن الله إذا أراد بأمة سوءاً فتح عليهم باب الجدل ومنع العمل“ كما قال الإمام الأوزاعي.

3 ـ من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، لأن الله لاينصر الأمم بالفوضى والجهل.

4 ـ من الفروع والذيول إلى الرؤوس والأصول، إذ من ضيع الأصول حرم الوصول.

5 ـ من التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير، لأن من قواعد دين الله رفع الحرج، وإن الرفق مادخل شيئاً إلا زانه وماخلا من شئ إلا شانه.

6 ـ من الجمود والتقليد، إلى الاجتهاد والتجديد، إذ كما قال جار الله الزمخشري“ امش في دينك تحت راية السلطان، ولاتقنع بالرواية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجب في عرينه بأعز من الرجل المحتج على قرينه، وما العنز الجرباء تحت الشمأل البليل بأذل من المقلد عند صاحب الدليل“، وكما قال البشير الإبراهيمي“ إن بهيمة تنقاد خير من مقلد ينقاد“.

7 ـ من التعصب والانغلاق، إلى التسامح والانطلاق، فإن سعة الصدر وسعة الأفق من شيم النفوس الكبيرة، وضيق العطن وضعف النظر، من شيم النفوس الحقيرة.

8 ـ من الغلو والانحلال إلى الوسطية والاعتدال،فإن دين الله بين الغالي فيه والجافي،وقد أثر من كلام علي رضي الله عنه“عليكم بالنمط الأوسط الذي يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي“.

9 ـ من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة،فإن أهل السنة يعظمون الحق ويرحمون الخلق.

10 ـ من الاختلاف والتشاحن إلى الائتلاف والتضامن،لأن الله أمر المؤمنين بالاعتصام، وترك التنازع والاختلاف حيث قال سبحانه{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}[الأنفال 46] وقد أثر من كلام السلف“ كدرُ الجماعة خير من صفو الفرقة“، و“ إن الاجتماع مع الضعف قوة،والافتراق مع القوة ضعف“.

الدعوة في كل زمان ومكان وفي كل الظروف والأحوال:

إن الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، ليست عبادة مشروطة بزمان أو مكان معين كبعض العبادات مثل الصلاة والصيام والحج… وإنما هي عبادة يقوم بها كل مسلم قادر في كل الظروف وفي كل الأماكن.والدعوة إلى الله ودينه القيّم الحنيف واجب على كل مسلم ومسلمة حسب امكانياته وظروفه.ولنا في رسول الله وصحابته ومن تبعهم ووالاهم القدوة الحسنة والنبراس الذي يستضئ به الدعاة ويسلكون الصراط السوي المستقيم.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد117):

„ماقام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب ولاثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة.وما تداعت أركان ملة بعد قيامها ولا انتكث فتل شريعة بعد أحكامها ولادرست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها إلا بترك الدعوة.فالدعوة حياة كل أمر عام تدعى إليه الشعوب والأقوام سواء كان ذلك الأمر حقاً وغصلاحاً في نفسه أو كان باطلاً مموهاً بالحق وإفساداً مغشى بالإصلاح ومسمى باسمه.ومن راجع التاريخ يعلم أنه ماوجد أحد يدعو إلى شئ ولم يجد تابعاً  وهانحن أولاء نرى المذاهب الباطلة تنمو بالدعوة ويعم انتشارها والمذاهب الحقة تتضاءل وتعفى آثارها.

وقد بدأ الإسلام يضعف منذ اقتنع أهله بالترف والنعيم وأهملوا العناية بالدعوة إليه وإنما طال زمن نموه وكثرة ماصرفه من الموانع لقوته وأصالته في الحق ولذلك  ما أمكن لأهل دين آخر أن يردوا مسلماً يعرف الإسلام عن دينه بل صعب عليهم أن يردوا المقلدين فيه عنه لوضوح الفرق بينه وبين مايدعون إليه من الأديان الاخرى وغاية ما أمكنهم هو أن يفتنوا عدداً قليلاً ممن ليس لهم من الإسلام إلا أنهم من صنف يسمى أهله المسلمون ويسمى دينهم الإسلام „.

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك فرصة للدعوة إلا استغلها، ولم يجد مجالاً وطريقاً للدعوة إلا سلكه، بدون أن يعيقه عائق أو حائل.دعا قومه ولم يأل في دعوته، وواجهه قومه وكفار قريش بكل مجالات التكذيب والافتراء والعناد والإعراض والأذى النفسي والجسدي حتى أنهم همّوا بقتله، ومع ذلك بقي ثابتاً كالطود، راسخاً كالجبال، لم يُقصّر ولم ينهار ولم يفقد العزيمة والصبر،وعندما وجد منهم كل ذلك لم يتوقف عن الدعوة لهم ولغيرهم حيث توجه إلى الطائف ،وعمد إلى نفر من ثقيف فدعاهم فلم يقبلوا دعوته، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم ورموه بالحجارة وأمعنوا في أذاه، فلجأ إلى بستان ودعا ربه بهذا الدعاء الرائع، دعاء النبي الواثق بربه ودعوته مخافة أن يكون قد قَصّر في دعوته وحاشا لله أن يكون قد قصّر، فيقول مخاطباً ومناجياً الله عز وجل:“ اللهُمَّ إليك اشكو ضَعف قُوتي، وقِلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، وأنت ربُّ المُستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكلني؟ إلى بعيدٍ يتجَهمني؟ أم إلى عدوٍ مَلكّته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي،أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة ،من أن تُنزل بي غَضبك، او يَحلّ عليّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولاحول ولاقوة إلا بك„.ولم يقف به الأمر عند دعوة قومه والاتجاه للطائف، بل إنه كان أيضاً كان يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم يدعوهم إلى الله،وأنه رسوله المرسل، وكان أن استجاب له رهطُ من الخزرج حين دعاهم، وقال بعضهم لبعض:ياقوم، والله إنه للنبي الذي تتوعدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه وصدّقوه وقبلوا منه ماعرض عليهم من الإسلام، وانصرفوا إلى المدينة وذكروا لقومهم ماحدث لهم، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سمي „بيعة العقبة الأولى“.

يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه:“كنت فيمن حضر العقبة الأولى على أن لانشرك بالله شيئاً، ولانسرق، ولانزني، ولانقتل أولادنا،ولانأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولانعصيه في معروف. فإن وفّيتم فلكم الجنة، وإن غَشيتم من ذلك شيئاً فأُخذتم بحَدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سُترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذّب، وإن شاء غفر“.

نعم، إذا أغلق في طريق الدعوة باب، فلاتيأس واطرق الأبواب الأخرى، وإذا سُدّ سبيل فاعلم أن الله سوف يفتح لك بجهادك وصبرك وعملك سبلاً أخرى {والَّذينَ جاهَدوا فينا لنهدينَّهُم سُبلنا وإنَّ اللهَ لَمعَ المُحسنينَ}[العنكبوت 69].

إن بعض الدعاة يحاول أن يجد لنفسه الأعذار والمبررات التي تزّين له أحياناً الامتناع عن القيام بهذا الواجب العظيم، ويظن نفسه أنه من خلال هذه الأعذار قد أعذر نفسه أمام الله.. ولكنه مخطئ.

ـ إن بعض الدعاة يمنعه من القيام بواجب الدعوة ـ كما يزعم ـ معارضة الأهل وخاصة الوالدين، وأنهم يناصبونه العداء، فنقول لأمثال هؤلاء عودوا إلى سيرة أبي الانبياء إبراهيم عليه السلام، فلقد كان يدعو قومه وأباه دون كَلل ولامَلل، وهم يناصبونه أشدّ العداء، بل أرادوا أن يحرقوه لولا رعاية الله له، ومع ذلك لم يبتعد عن واجب الدعوة، ولم يتوقف، وكان يدعو الله أن يغفر لقومه ويهدي أباه…فالدعوة إلى الله تبقى مستمرة رغم معارضة الأهل ،ورغم ممانعة الوالدين، ولكن على هؤلاء الدعاة أن يكونوا في علاقاتهم مع أبائهم وأمهاتهم حكماء، رحماء،رفقاء بهم، وأن يحملوا لهم في قلوبهم المحبة، وأن يسألوا الله لهم الهدى، وأن يطيعوهم في مالا معصية فيه، وأن يكون قدوتهم في ذلك مواقف بعض الصحابة أمثال سعد بن أبي وقاص، ومصعب بن عمير رضي الله عنهما.

ـ وبعض الدعاة يدعو الله إذا توفر“ الأمن“ و“الطمأنينة„، ويتوقف عن الدعوة إذا واجهه الطاغوت، أو جَبهته أرتال الجاهلية، وهؤلاء ينسون أو يتناسون أن أفضل النتائج وأحسن الثمار يحصل عليها الداعية وهو يواجه الموت والطاغوت، لأنه عندها يصدق في قوله وفعله، ولقد كان لموقف موسى عليه السلام من فرعون وهامان وتحديه لهما، كان لهذا الموقف أكبر الأثر في إسلام السحرة وتحملهم العذاب ودخول دين الله.

إن الاستعلاء على الطاغوت وتحدي الجبروت من قبل الداعية المخلص الصادق يكون لها من الأثر مالاتفعله مئات الكتب والرسائل، وقد تكون عاقبته الشهادة،وهذا أجمل مايتمنى المرء المسلم الصادق، وفي كل حال تكون ثمرته التحام الناس بالأفكار التي يحملها الداعية وتأثرهم بها عاجلاً  أم آجلاً.

ـ  وبعض الدعاة يبرّر الأعذار لتقصيره بمطاردة الطاغوت وأعوانه، وعدم استقراره مكانياً ونفسياً،ولايجد الوقت الكافي لكي “ يلم أنفاسه“.وهؤلاء نحيلهم إلى كتب السيرة الشريفة تقصّ عليهم مافعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة إلى المدينة المنورة، فلقد كان مطارداً، ملاحقاً، وضعت قريش أكبر المكافآت لمن يأتي به ، ومع هذا فإن ذلك لم يمنعه أن يعرض الإسلام على بريدة بن الحصيب الأسلمي وركبه عندما التقاهم مابين مكة والمدينة،فأسلموا ودخل الإسلام قلوبهم. ولم تمنعه مطاردة أهل الطائف له، وأذاهم له وتسليط غلمانهم عليه بالأذى والشتم ، لم يمنعه ذلك من عرض دعوة الإسلام على “ عداس“ الذي لقيه في إحدى ضواحي الطائف.

ـ وبعض الدعاة إذا أُدخل السجن، يظن أن هذا نهاية المطاف، ونهاية واجب الدعوة، فقد انتهت مهمته وقد أدى واجبه.وهؤلاء يغفلون أو يتغافلون عن أن السجن قد يكون مدرسة للدعوة أيضاً، يمكن أن يؤثر من خلالها الداعية ويكون له أعظم التأثير.إن يوسف الصديق عليه السلام ، الكريم ابن الكريم ابن الكريم، لم يمنعه السجن، والظلم الذي تعرض له من أن يدعو من معه في السجن إلى الله تعالى: {ياصاحبيَ السِّجنِ أأربابٌ مُتفرقونَ  خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القهَّارُ* ماتعبُدونَ من دونهِ إلا أسماءً سَمّيتُموها أنتم وآباؤُكم ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ إنِ الحُكمُ إلا لله أمرَ ألا تعبدوا إلا إيّاه ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لايعلمون} .[يوسف 39 ـ 40].

وحتى ولو كان في السجن وحده يمكن أن يؤثر من خلال الكتابة والكلمة، فسيد قطب رحمه الله كتب أعظم مؤلفاته الإسلامية وخاصة كتاب „الظلال“ وهو في سجنه يتحدى الطاغوت، وكان لشهادته في سبيل الله أكبر الأثر في نشر مؤلفاته وكتاباته، عندما ارتبط مداد القلم بدم الشهادة.

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: “ أنا ماذا يصنع أعدائي بي، أنا جنتي في صدري، إن قتلي شهادة، ونفيي سياحة ، وسجني خلوة“ .

ـ والمرض هو عذر شرعي قد يسقط عن الداعية بعض الفروض ولكن ليس منها فرض الدعوة،فهؤلاء نوجههم إلى سورة البقرة تقصّ علينا قصة سيدنا يعقوب عليه السلام وهو على فراش الموت لاينسى تذكير أبنائه بالدعوة إلى الله: {أم كُنتُم شُهداءَ إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيهِ ماتعبدونَ من بعدي قالوا نعبدُ إلهكَ وإلهَ آبائكَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}.[البقرة 133].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال: „تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه.. الوصية التي كرّرها يعقوب في أخر لحظة من لحظات حياته، والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته.ويتابع:“ إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة،قوي الإيحاء، عميق التأثير… ميت يحتضر. فماهي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ماهو الشاغل الذي يسيطر على خاطره وهو في سكرات الموت؟ ماهو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ماهي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم ،؟ إنها العقيدة…هي التركة، وهي الذخر، وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل الذي لاتشغل عنه سكرات الموت“.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 200 بتاريخ الثالث من أذار عام 1904):

„ووصى بها“ أي بالملة أو الخصلة (إبراهيم بنيه ويعقوب) غذ قال كل منهما لولده(يابنيّ إن الله اصطفى لكم الدين)أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم(فلاتموتن غلا وأنتم مسلمون) أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لاتتركوا ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين فإن الإنسان لايضمن حياته بين الشهيق والزفير“.

ولقد أثرَّ في أشدّ التأثير ـ ولايزال ـ الداعية الكبير الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله والذي لم يمنعه المرض الشديد، والعجز المزمن عن ممارسة الدعوة إلى الله حتى آخر لحظة من لحظات حياته، فكان مثالاً حياً واقعياً، كيف يمكن من خلال الألم والمعاناة أن تكتب أحسن الكلمات، وأصدق العبارات، ومن خلال المرض أن تتحدى كل المثبطات وكل المعيقات.

ـ وقد يكون النفي والإبعاد نهاية طريق الدعوة بالنسبة لبعض الدعاة، ولكنه عذر مرفوض، فعلى الداعية أن يتحرك وإن فارق الأهل والوطن والأحباب، ففي كل مكان تجد فيه من يستمع إلى الحق ويتبعه فهو وطن لك،وكل أناس يمشون معك في هذا الطريق المستقيم هم أهلك وأحبابك.

لقد كان لبعض الدعاة في هذا الزمان الذي عشنا فيه ومنهم الاستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله، دور كبير في إقامة مراكزللدعوة ونشر رسالة الإسلام والحق، رغم النفي والتشرد والمرض وملاحقة الطاغوت، وأصبحت هذه المراكز منارات تنير الطريق لكثير من الضائعين والحائرين والشاردين وخاصة في ديار الغرب فجزاهم الله عن الإسلام وعنا خير الجزاء.

ـ وبعض الدعاة يظن أنه إذا دعا أياماً بل عدة أسابيع وأشهر، ولم يجد صدى لندائه فإنه يظن أنه قد أدى مهمته، وقد أعذر نفسه متبعاً قول القائل“ قل كلمتك وامش“ وينسى هؤلاء أن الدعوة مستمرة باستمرار الحياة لا انقطاع لها، ولعلّ قصة سيدنا نوح عليه السلام، الذي دعا قومه مئات السنين، سراً وعلانية، ليلاً ونهاراً،ولم يتوقف عن الدعوة حتى وقد بدأ الماء يفور ويطغى وهو يجادل ابنه علّه يستجيب، إنها قصة من أجمل القصص في الحرص على الدعوة وعدم استعجال النتائج، وإلا كان مصير الداعية من التعجل وعدم الصبر ما أصاب سيدنا يونس عليه السلام، حيث بين الله تعالى له بالعقوبة الدنيوية الطريق الصحيحة، فعاد إلى نفسه يلومها، وسبّح بحمد ربه وهو في بطن الحوت، حتى أخرجه الله تعالى منه وبعثه إلى قوم دعاهم ، فهداهم الله بدعوته.

نعم…إن الدعوة إلى الله واجب مستمر باستمرار الحياة، فإذا سُدّ في وجهك سبيل فعليك أن تبحث عن سبيل آخر، وإذا مافشل أسلوب فعليك بابتكار أسلوب جديد،وإذا فشلت هنا، فقد تنجح هناك، فعلى الداعية أن يسعى ويجاهد في طريق الدعوة والاستمرار به، لأن نهاية الطريق لوحة مكتوب عليها“الجنة“ إن كان في دعوته مؤمناً، صادقاً، مخلصاً،والله مع الداعية لاينساه بل يكلؤه ويرعاه ويهديه سبيله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(مقال بعنوان:هذا هو الطريق ـ مجلة الرسالة العدد983 بتاريخ الخامس من آيار عام 1952):

„كلما رأيت المتوجسين عن الجهر بكلمة الله،وهم يزعمون الإيمان بالله.كلما سمعتهم يجمجمون بهذه الكلمة ولا يصدعون خيفة أن يمسهم القرحنوأن تسلط عليهم قوى الشر والطغيان..كلما وجدتهم يلبسون هذا الضعف ثوب الكياسة واللباقة والمرونة والدهاء…كلما أبصرت هذا كله تمثلت لي تلك الآيات القدسية الكريمة ترسم الطريق:{ولا تحسبنَّ الذين قتُلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون}[آل عمران 169]..الطريق الذي لا طريق غيره إلى النصر والعزة والمنعة والتوفيق..وهتفت من أعماق ضميري:ألا إن هذا الدين لواحد،ألا وإنه لن يصلح آخره إلا بما صلح به أوله…ألا وإن هذا هو الطريق….

{الَّذينَ قالَ لهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قد جمعوا لَكُم فاخشوهُم فزادَهُم إيماناً وقالوا حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ}[آل عمران 173]إنهم لم يقولوا:نحن قلة ضعيفة في كثرة باغية،فلنصبر على الذل،ولنرض بالهوان،ولنجامل الشر،ولنتق الطغيان..

حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً..فالمؤمن يوقن:{إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم}[الرعد11]وإن أمر الله إنما يتم بعباده الذين ينفذون أمره،وإن السماء لا تمطر على الناس عزاً ولا نصراً لإنما هم يصلون قلوبهم بجبار السماء فتهون عليهم قوى الأرض ،وتهون معها حياة الارض.وعندئذ ينقلبون بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.وعندئذ يمكّن الله لهم في الأرض،لأنهم صدعوا بكلمة الله،ولم يخشوا غير الله.

وبعد فإن الإسلام الذي ندعو إليه عقيدة تنبثق منها شريعة،ويقوم على هذه الشريعة نظام اجتماعي،ونظام دولي،ونظام إنساني.ولا سبيل لفصل العقيدة عن الشريعة،ولا فصل الشريعة عن النظام الذي ننشئه وتحكمه.فهذه العقيدة لا تتم،بل لا توجد،إذا لم تنشأ معها آثارها الطبيعية التي لا فكاك منها.

إن الإسلام لا يعيش في الظلام،فهو نور يعيش في النور.وإن الإسلام لا يخادع ولا يُداور،فهو كلمة الحق التي تكره المداورة والخداع.وإن الإسلام حقيقة واقعة تعيش في الارض،لا سراً ولا مؤامرة تتوارى عن الأنظار“.

خذوا الإسلام جملة

إن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وارتضاه للعالمين .{إنّ الدينَ عند الله الإسلام} [البقرة19]، {ومَن يبتغِ غيرَ الإسلامِ دِيناً فلن يُقبلَ منهُ وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران 85].

والإسلام هو دينٌ شاملٌ كاملٌ متوازن.

إنه دينٌ شاملٌ، يشمل جميع نواحي الحياة، ولايقتصر منها على جانب دون آخر، ولايختص بناحية دون أخرى،فهو دين النفس والروح والجسم، ودين الفرد والأسرة والمجتمع، وهو دين الحياة والعبادات والمعاملات، وهو دين الحكم والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية…

جاء في مجموعة دائرة سفير للمعارف الإسلامية العدد17 ـ18:

„والمقصود بالشمول في الإسلام استيعابه لجوانب الحياة كلها، فهو الرسالة التي امتدت طويلاً حتى شملت آماد الزمن،وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم،وامتدت عمقاً حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة.

فالإسلام دين شامل للأجيال كلها، ليس موقوتاً ولامخصوصاً بزمان،وللعالم كله ليس لأرض دون أخرى،أو لشعب دون الباقين،وللمجالات والملكات والأطوار الإنسانية جمعاء.وتعاليم الإسلام في جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع بعامة شاملة لكل الجوانب:

1 ـ فالعقيدة شاملة في تفسيرها لحقائق الكون وقضاياه الكبرى،كالهدف من خلق الإنسان، ووظيفته في الأرض، وعلاقته بالكون وبالله تعالى.

2 ـ والعبادة شاملة في استيعاب ملكات الإنسان وجوارحه، فهي تربط القلب باللسان،والروح بالبدن كله،والعقل بالروح والبدن.فالصلاة مثلاً تربط عبادة اللسان بالتلاوة والتكبير والتسبيح والدعاء، وعبادة الجسم بالقيام والقعود والركوع والسجود، وعبادة العقل بالتفكّر والتأمل في معاني القرآن وأسرار الصلاة، وعبادة القلب بالخشوع والحبّ لله والشعور بمراقبته.

3ـ والأخلاق  شاملة لجوانب الحياة، من علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبأهله وبأصدقائه وبسائر أفراد مجتمعه، وتحقق في ذلك درجات عالية من تزكية النفس والروح.ولم تقدم أي من الفلسفات ـ قديماً وحديثاً ـ جهداً يقارب ماوصل إليه النظام الأخلاقي الإسلامي.

4 ـ والتشريع شامل في استيعابه لجوانب الحياة كلها، فيشمل الأحكام الخاصة بالعبادات والمعاملات المالية وغير المالية والعقوبات على الجرائم والأحكام الخاصة بنظام الأسرة والحقوق والواجبات بين أفرادها، ونظام الدولة من حكومة وقضاء، وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها من دول العالم..الخ.

والإسلام حين يُنفّذ نظاماً كاملاً متكاملاً تتحقق للإنسان من ورائه فوائد كثيرة،وتُحلُّ مشكلاته كلها. أما حين يؤخذ منه مايوافق الهوى الشخصي لبعض الناس فإن ذلك يجرُّ أسباب الفوضى والاضطراب، فضلاً عن التخلف والهزائم الحضارية.

وهو دين كامل، قد أكمله الله عز وجل، وأتمّ به علينا نعمته، وارتضاه لنا دينا{اليومَ أكملتُ لكُم دِينكُم وأتممتُ عليكُم نِعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلامَ دِينا}.[المائدة3]

وهو دين الوسطية والتوازن، لايغلو في ناحية على حساب أخرى، ولايقصر في جانب على حساب جوانب أخرى.

جاء في دائرة السفير للمعارف(المرجع السابق):

„والوسطية هي : الاعتدال،وبالاعتدال يتحقق التوازن في الأهداف والمقاصد، التي تحقّق للإنسان خير الدنيا والآخرة.

فالإسلام وسط بين الروحية والمادية، فليس هو بالدِّين القائم على الاهتمام بالروح دون الجسد كالرهبانية المسيحية، وليس هو القائم على النظرة المادية المطلقة، كما هو الحال عند اليهود.ولذا جاء دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم:“اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر„.فهذا الدعاء يعكس نظرة المسلم إلى الدنيا والآخرة، ويفصح عن الاعتدال والوسطية في كليهما معاً.

وهو وسط بين الفردية والجماعية، يحقق للفرد والجماعة أهداف كل منهما، في معادلة مُيّسرة مانعة للصدام، الذي عجزت الفلسفات القديمة عن الفصل فيه،فلاهو يجنح إلى التحرير المطلق للفرد، القائم على تحقيق مصالحه الخاصة، دون النظر إلى الجماة، كما تفعل الرأسمالية،ولاهو يقتل الفرد في المجموع، ويذيب مصالحه من أجل مصلحة الجماعة، كما في بعض المذاهب الاشتراكية.فهو وسط في تشريعه، فلم يغال في التحريم ـ مثلاً ـ كما في اليهودية، التي أسرفت في التحريم، بسبب جنوحهم إلى الظلم والبغي والتشبّع المادي من الحياة بلا ضابط. قال تعالى{فَبِظُلمٍ من الذينَ هادوا حَرَّمنا عليهم طَيباتٍ اُحِلَّت لهم وبِصَدِّهم عن سبيلِ الله كثيراً*وأخذِهِمُ الربا وقد نُهوا عنهُ وأكلِهِم أموالَ الناسَ بالباطلِ}[النساء 170 ـ 161].كما أنه لم يسرف في التحليل كما في المسيحية، التي أباحت كل شئ محرّم في التوراة، مع زعم اصحابها أن رسالة المسيح كانت تتميماً لرسالة التوراة، وليست نقضاً لها.

وكان ضابط الإسلام في تحليله وتحريمه: أن يبيح الطَّيب النافع ويُحرّم الخبيث الضار، فقد جاء في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن{يَامرُهُم بالمعروفِ وينهاهم عن المُنكرِ ويُحِلّ لهمُ الطّيباتِ ويُحرّمُ عليهمُ الخبائثَ ويضعُ عنهم إصرَهُم والأغلالَ التي كانت عليهم}[المائدة 157].

وهو وسط في علاقة العبد بربه، بين ترسيخ معنى الخوف والرهبة،وبين الإحساس بالأمن والأنس بالله والتلذذ بمعايشة كلماته،ودعائه في الصلاة وخارجها.

وهو دين يتجاوب مع الكون الكبير، الذي أقيم على التوازن والاعتدال،فلايقاوم نواميسه،ولايخالف سننه.

والوسطية سبيل إلى البقاء والاستمرار، لأنها تعني العدل في مقابل الغلو،والاستقامة في مقابل الميل والانحراف، والخيرية في مقابل الرذيلة،التي تنبع من الميل إلى الهوى واتباع الشهوات، والقوة في مقابل ضعف المنطق وتهافت الحجّة عند أصحاب الاتجاهات المغالية.انتهى كلام السفير.

ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال:الوسطية ـ موقع القرضاوي):

„إن الوسطية تتجلى واضحة في كل جوانب الإسلام،نظرية وعملية،تربوية وتشريعية.

ـ وسطية الإسلام في العبادات والشعائر:

والإسلام وسط في عباداته،وشعائره بين الأديان والنِحل التي ألغت الجانب“الرباني“.جانب العبادة والتنسك والتأله.من فلسفتها وواجباتها،كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده…وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والانتاج،كالرهبانية المسيحية.

ولعل أوضح دليل نذكره هنا:الآيات الآمرة بصلاة الجمعة::{يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا نوديَ للصَّلاةِ من يومِ الجُمعةِ فاسعوا إلى ذِكرِ اللهِ وذَروا البيعَ ذلكم خيرٌ لكُم إن كنتُم تعلمونَ*فإذا قُضيتِ الصَّلاةُ فانتشروا في الارَِضِ وابتغوا من فضلِ الله واذكروا الله كثيراً لعلَّكُم تُفلحونَ}[الجمعة 9 ـ 10].

فهذا هو شأن المسلم مع الدين والحياة حتى في يوم الجمعة:بيع وعمل للدنيا قبل الصلاة،ثم سعي إلى ذكر الله وإلى الصلاة،وترك للبيع والشراء وما أشبهه من مشاغل الحياة،ثم انتشار في الأرض وابتغاء الرزق من جديد بعد انقضاء الصلاة،مع عدم الغفلة عن ذكر الله كثيراً في كل حال،فهو أساس الفلاح والنجاح.

ـ وسطية الإسلام في الأخلاق:

والإسلام وسط في الأخلاق بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً أو شبه ملاك،فوضعوا له من القيم والآداب ما لايمكن له،وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيواناً أو كالحيوان،فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيراً محضاًنوهؤلاء أساءوا بها الظن،فعدوها شراً خالصاً،وكانت نظرة الإسلام وسطاً بين أولئك وهؤلاء.

فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مركب فيه العقل،وفيه الشهوة،فيه غريزة الحيوان،وروحانية الملاك،قد هدى للنجدين،وتهيأ بفطرته لسلوك السبيلين،إما شاكراً وإما كفوراً.فيه استعداد للفجور واستعداد للتقوى.ومهمته جهاد نفسه ورياضتها حتى تتزكى:{ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها*وقد خاب من دساها}[الشمس 7 ـ 10].

ـ وسطية الإسلام في التشريع:

والإسلام وسط كذلك في تشريعه ونظامه القانوني والاجتماعي،وأبرز ما تتجلى فيه الوسطية هنا:مجال الفردية والجماعية.

التوازن بين الفردية والجماعية:

وفي النظام الإسلامي تلتقي الفردية والجماعية في صورة متزنة رائعة،تتوازن فيها حرية الفرد ومصلحة الجماعة،وتتكافأ فيها الحقوق والواجبات،وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم.

إن عالمنا اليوم يقوم فيه صراع ضخم بين المذهب الفردي،والمذهب الجماعي.فالرأسمالية تقوم على تقديس الفردية،واعتبار الفرد هو المحور الأساسي،وتعطيه الحقوق الكثيرة،التي تكاد تكون مطلقة،فله حرية التملك،وحرية القول،وحرية التصرف،وحرية التمتع،ولو أدت هذه الحريات إلى إضرار نفسه،وإضرار غيره،مادام يستعمل حقه في „الحرية الشخصية“،فهو يتملك المال بالاحتكار والحيل والربا،وينفقه في اللهو والخمر والفجور،ويمسكه عن الفقراء والمساكين والمعوزين،ولا سلطان لأحد عليه،لأنه هو „حر“.

والمذاهب الاشتراكية،وبخاصة المتطرفة منها كالماركسية تقوم على الحطّ من قيمة الفرد والتقليل من حقوقه،والإكثار من واجباته،واعتبار المجتمع هو الغاية،وهو الأصل. وما الأفراد إلا أجزاء أو تروس صغيرة في تلك“الآلة“ الجبارة،التي هي المجتمع،والمجتمع في الحقيقة هو الدولة،والدولة في الحقيقة هي الحزب الحاكم،وإن شئت قلت:هي اللجنة العليل للحزب،وربما كانت هي زعيم الحزب فحسب،هي الدكتاتور!!

إن الفرد ليس له حق التملك إلا في بعض الأمتعة،والمنقولات،وليس له حق المعارضة،ولا حق التوجيه لسياسة بلده وأمته،وإذا حدثته نفسه بالنقد العلني أو الخفي،فإن السجون والمنافي وحبال المشانق له بالمرصاد!

أما الإسلام فقد كان موقفه فريد حقاً،لم يمل مع هؤلاء ولا هؤلاء،ولم يتطرف إلى اليمين ولا إلى اليسار.

إن شارع هذا الإسلام هو خالق هذا الإنسان،فمن المحال أن يشرع هذا الخالق من الأحكام والنظم ما يعطل فطرة الإنسان أو يصادمها.وقد خلقه سبحانه على طبيعة مزدوجة:فردية واجتماعية في آن واحد.فالفردية جزء أصيل من كيانه،ولهذا يحب ذاته،ويميل إلى إثباتها وإبرازها ويرغب في الاستقلال بشؤونه الخاصة.

ومع هذا نرى فيه نزعة فطرية إلى الاجتماع بغيره،ولهذا عُدَّ السجن الانفرادي عقوبة قاسية للإنسان،ولو كان يتمتع داخله بما لذّ وطاب من الطعام والشراب.

والنظام الصالح هو الذي يُراعي هذين الجانبين:الفردية والجماعية،ولا يطغى أحدهما على الآخر.فلا عجب أن جاء الإسلام وهو دين الفطرة نظاماً عدلاً،لا يجور على الفرد لحساب المجتمع،ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد،لا يدلل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له،ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه،وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه،دون حرج ولا إعنات،ويقرر له من الحقوق ما يكافىء واجباته،ويُلبي حاجته،ويحفظ كرامته،ويصون إنسانيته.