معالم في طريق الدعوة إلى الله (1/13)
- ١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٤ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٥ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٦ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٧ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٨ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ٩ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٠ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١١ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٢ معالم في طريق الدعوة إلى الله
- ١٣ معالم في طريق الدعوة إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم
معالم في طريق الدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين،والعاقبة للمتقين،وأزكى صلوات الله وتسليمه على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، الذي أرسله ربه بشيراً ونذيراً ورحمة للعالمين،وحجة على الناس أجمعين،رسولنا وقائدنا واسوتنا وحبيبنا وشفيعنا يوم الدين، وعلى آله وصحبه أفضل السلام والتسليم الذين{آمنوا به وعزّروه ونصروهُ واتبعوا النورَ الذي أنزل معه أولئك همُ المفلحون}[الأعراف 157]،ورضي الله عمن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
لقد رسم القرآن الكريم دستوراً للدعوة إلى الله في آية من آيات القرآن المكي في سورة النحل وقد أوجزها القرآن بإعجازه البياني في كلمات معدودة موجهاً الخطاب فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى خطابه من الأمة من بعده، إذ الدعوة إلى الله ومنهاجه القويم ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل إن أمته مطالبة أيضاً بواجب التبليغ والدعوة إلى الله. يقول الله تعالى: {ادعُ إلى سبيلِ رَبِّكَ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجَادِلهُم بالتي هي أحسنُ إنَّ رَبّكَ هُوَ أعلَمُ بمن ضَلَّ عن سبيلهِ وهُوَ أعلمُ بالمُهتدين} [النحل 125] .
الدعوة لغة: جاء في المصباح المنير:دعوت الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير،ودعوت زيداً:ناديته وطلبت إقباله.ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة، فهو داعي الله. والجمع دعاة وداعون.. والنبي داعي الخلق إلى التوحيد.
وجاء في المفردات للراغب الأصفهاني:والدعاء إلى الشئ: الحثّ على قصده.. قال تعالى{والله يدعو إلى دار السلام}[يونس25]وقال:{وياقومِ مالي أدعوكُم إلى النَّجاةِ وتَدعُونني إلى النار* تَدعُونني لأكفُرَ بالله وأُشرِكَ بهِ ماليسَ لي بهِ عِلم ٌوأنا أدعُوكُم إلى العزيزِ الغفّار} [غافر41 ـ 42]
وجوب التبليغ والدعوة إلى الله:
يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله:
„كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم نورَ الله في الأرض،وهدايته للناس في كل الأجيال إلى أن يرث الله الارض ومن عليها:{وما أرسلناكَ إلا كافةً للنّاسِ بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمون}[سبأ 28].وكانت رسالته رحمة الله بالعالمين،يرون فيها تراحم بني الإنسان،وتواصل أهل الأرض على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وتباين اقاليمهم ومشاربهم:{وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين}[الأنبياء 107].{يا أيُّها النّاسُ إنّا خلقناكمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكمْ شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرَمكُمْ عندَ الله أتقاكمْ إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ}[الحجرات13ٍ.
لقد أرسل الله تعالى ومنذ بدء الخليقة على الأرض الرسل والأنبياء بدءاً بأبي البشر آدم عليه السلام، ومروراً بموكب الأنبياء والرسل الكرام مثل نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وخُتمت الرسالات بسيد الخلق والبشروالأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
وكانت دعوة الرسل إلى أقوامهم خاصة، ومن ثم على لسان خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم إلى قومه وإلى كل العالمين أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا الطاغوت.
يقول تعالى:{قُلْ إنّي لن يُجيرَني منَ الله أحدٌ ولنْ أجِدَ من دُونهِ مُلتحدا}[الجن 22].
يقول سيد قطب رحمه الله:“وهذه هي القولة الرهيبة،التي تملأ القلب بجدّية هذا الأمر…أمر الرسالة والدعوة…والرسول صلى الله عليه وسلم يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة…إني لن يُجيرني من الله أحد،ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية،إلا أن أبلغ هذا الأمر،وأودي هذه الأمانة،فهذا هو الملجأ الوحيد،وهذه هي الإجارة المأمونة.إن الأمر ليس أمري،وليس لي فيه شىء إلا التبليغ،ولا مفر لي من هذا التبليغ.فأنا مطلوب به من الله ولن يجيرني منه أحد،ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني،إلا أن أبلّغ وأدّي.
يا للرهبة!ويا للروعة!وياللجدّ!
إنها ليست تطوعاً يتقدّم به صاحب الدعوة،إنّما هو التكليف.
التكليف الصارم الجازم،الذي لامفر من أدائه.فالله من ورائه.وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس.إنما هو الأمرُ العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه.وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدّد.إنها تكليف وواجب.وراءه الهول ووراءه الجد،ووراءه الكبير المُتعال“.
يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله في كتاب“من بقايا الأيام“:“وهذا المنهج الذي نهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو منهج الرسل جميعاً في الدعوة إلى الله وإقامة شرعه، وهو المنهج الذي يلائم فطرة الإنسان التي فطره الله عليها وما سنَّ في خلقه من السنن.يقول الله عز وجل: {ولقد بعثنا في كُلِّ أمّةٍ رَسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل 36].
ويفصّل لنا تعالى بعض ذلك فيقول: {ولقد أرسلنا نُوحاً إلى قومهِ فقالَ ياقومِ اعبدوا اللهَ مالَكُم من إلهٍ غيرُهُ أفلا تتقون}[ المؤمنون 23]، وقال تعالى: {ثُمَّ أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين* فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله مالكم من إلهٍ غيره أفلا تتقون}[ المؤمنون 31 ـ 32]، {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين}[ المؤمنون 42]، {ثم أرسلنا رُسُلنا تترا} [المؤمنون 44] ، يتتابعون على تبيان هذه الحقيقة الخالدة وعلى الدعوة إليها وتقريرها وترسيخها في القلوب والعقول رسولاً بعد رسول: {وما أرسلنا من قبلكَ من رسولٍ إلا نُوحي إليهِ أنَّهُ لا إلهَ إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء25 ] ، إلى أن ختم الله تعالى رسله بمحمد صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقول: {قل إنّما أنا بشرٌ مِثلُكُم يُوحى إليَّ أنما إلهُكُم إلهٌ واحدٌ فاستقيموا إليهِ واستغفروهُ وويلٌ للمشركين} [فصلت6 ].
ولقد قام الأنبياء والرسل جميعاً صلوات الله عليهم وسلامه بمهمة التبيلغ والدعوة إلى الله وترك عبادة الطاغوت بجميع أسمائه ومُسمياته من منطلق لا إكراه في الدين ،يقول تعالى{لا إكراهَ في الدِّين قد تبيَّنَ الرُشدُ من الغَيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمنُ بالله فقد استمسكَ بالعروةِ الوثقى لا انفصامَ لها واللهُ سميعٌ عليم}[البقرة256].
وجاء في السيرة النبوية الشريفة“بعث أبو طالب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال: ياابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا ليعطوك وليأخذوا منك.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، كلمة واحدة تُعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال أبو جهل: نعم وابيك ، وعشر كلمات، قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ماتعبدون من دونه“.
يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله:
„وإن كانت الدعوة المحمدية قد سلكت الطريقة البشرية،مع أن شريعتها إلهية،فقد ابتدأها محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه كما تبتدىء الدعوات الاجتماعية والخلقية والإصلاحية يتولى صاحبها الإقناع الفردي،حتى إذا تكونت جماعة اتحدت فيها الغاية،ووحدّها المنهج العملي،والوحدة النفسية،أعلن الداعي وجهر ونادى بها،وجادل وصاول وتعرض للابتلاء والإبلاء.
ولذلك دعا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الهداية أقرب أقربائه،وأولى أوليائه،دعا زوجه ومولاه،وربيبه عليّاً،ثم صفيه المختار ووليه المجتبى،وصدِّيق الأمة أبا بكر،رضي الله عنهم جميعاً،ثم سارت الدعوة بين الأولياء في ذلك المسار النوراني حتى تكونت الجماعة الصالحة،فأمره ربه أن ينذر عشيرته،وقال له:{وأنذر عشيرتكَ الأقربينَ}[الشعراء 214].فأنذرهم وبشرّهم،ثم أمره بالدعوة العامة،وأن يصدع بأمر ربه،فقال:{فاصدعْ بما تؤمر وأعرض عن المشركين}]الحجر94].عندئذ تقدم الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم والداعي العظيم المؤيد من السماء،والمنصور بالعقل والوسائل الأرضية،فدعا الجموع وبلغهم رسالت ربهم،ولما كذبوا تحداهم بالمعجزة القاهرة،والآيات الباهرة،والحجج الدامغة،والبراهين القاطعة،وأخذ يجادلهم بالتي هي أحسن،ويدعوهم بالموعظة الحسنة،فقاوم أقواؤهم دعوته بالصد عن سبيل اللعه،والإعراض عن كلمة الحق،واتّبعه الضعفاء،وهم دائماً مجيبو دعوة الحق،لصفاء نفوسهم من أدران المادة،وعنفوان السلطان،وبُعدهم عن جفوة الطغيان،وعدم تمرس نفوسهم بالشر والعدوان.
ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مجلة لواء الإسلام العدد الثالث ـ ذي القعدة 1389 هجري(:
„فنحن العرب الأمة الوارثة للوحي الإلهي الأخير.كلفنا أن نعمل به وأن ندعو غيرنا إليه أو بتعبير آخر كلفنا أن نصوغ أنفسنا في قالبه صياغة جميلة معجبة.وأن نغرى الآخرين بإتباعنا واقتفاء آثارنا والنسج على منوالنا.وقد نجح آباؤنا الأوائل في ذلك المضمار فكانوا طليعة حضارية رائعة.ثم تسللت إلينا علل الامم البائدة.فطوت راياتنا بعدما ازدان بها الأفق دهراً طويلاً.وانسحبنا من الميدان بغير نظام.وخيم على العالم الإسلامي أجمع سكون البِلى والضياع.
وليس عجيباً أن تكثر العوائق أمام هذا النهوض الواجب.فإن عداوة الحق قديمة قدم الشيطان ومذ خلق الله آدم ومكّن في الارض ذريته „.
إلى ماذا ندعو؟
إذاً فالدعوة التي يتوجه بها الداعية إلى الناس هي الدعوة إلى الله تعالى وإلى سبيله المستقيم: { قُلْ هذهِ سبيلي أدعو إلى الله على بَصيرةٍ أنا ومن اتَّبعني وسبحانَ الله وما أنا من المشركين}[ يوسف 108].
وقد كانت دعوة الرسل إلى أقوامهم خاصة والرسول صلى الله عليه وسلم لقومه ولكل الناس بالدعوة إلى الله تعالى:
{ لقد أرسلنا نوحاً إلى قومهِ فقال ياقومِ اعبدوا الله مالكُم من إلهٍ غيره} [الأعراف 59]
{ وإلى عاد أخاهم هُوداً قال ياقوم اعبدوا الله مالكُم من إلهٍ غيره}[ هود 52]
{وإلى ثَمود أخاهم صالحاً قال ياقوم اعبدوا الله مالكُم من إلهٍ غيره}[الأعراف 73].
{وإلى مدين أخاهم شعيباُ قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} [الأعراف 85]
{ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}[ النحل 36]
وختمت الرسالات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته خاتمة الرسالات، وكان القرآن الكريم الذي أنزل عليه خاتم الكتب السماوية. ولقد كرّم الله عز وجل سيد الأنبياء والمرسلين بأن جعل دعوته لقومه وللناس أجمعين ولكافة العالمين: { وأرسلناك للناس بشيراً ونذيراً}.
والمقصود بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى منهجه الحكيم وشرعه القويم وهو دين الإسلام: {إنَّ الدِّينَ عندَ الله الإسلام}[ آل عمران19 ]، فالإسلام هو موضع الدعوة وحقيقتها، وعلى الدعاة أن يعلموا أنه مامن نبي بعثه الله إلا بعثه بهذا الدين نفسه أي دين الإسلام.
فهو على لسان نوح عليه السلام: { فإن توَلَّيتم فما سألتُكم من أجرٍ إن أجريَ إلا على الله وأُمرتُ أن أكونَ من المسلمين}[يونس72]، وعلى لسان ابراهيم وإسماعيل عليهما السلام: { رَبّنا واجعلنا مُسلمِين ِلكَ ومن ذُرِّيتنا أُمّةً مُسلمةً لك} [البقرة128]،وعلى لسان موسى عليه السلام: {وقال موسى ياقومِ إن كُنتُم أمنتُم بالله فعليهِ توكَّلوا إن كنتم مسلمين}[يونس 84]، وعلى لسان يوسف عليه السلام: {رَبِّ قد آتيتني من المُلكِ وعلّمتني من تأويل الأحاديثِ فاطرَ السّمواتِ والأرض أنتَ وليِّ في الدنيا والآخرة تَوفَّني مُسلماً وألحقني بالصَّالحين}[ يوسف 101]، وعلى لسان الحواريين أتباع عيسى عليه السلام 111: { وإذ أوحيتُ إلى الحواريينَ أن أمنوا بي وبرسولي قالوا أمنّا واشهد بأنَّنا مسلمون}[المائدة 111]، وعلى لسان سليمان عليه السلام وملكة سبأ بلقيس: {قالت ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي وأسلمتُ مع سُليمانَ لله ربِّ العالمين}[النمل 44].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}[العنكبوت 46]:
„إن دعوة الله التي حملها نوح عليه السلام والرسل من بعده حتى وصلت إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم لهي دعوة واحدة من عند إله واحد،ذات هدف واحد،هي ردّ البشرية الضالة إلى ربّها،وهدايتها إلى طريقه،وتربيتها بمنهاجه.وإن المؤمنين بكل رسالة لأخوة للمؤمنين بسائر الرسالات:كلهم أمة واحدة،تعبد إلهاً واحداً،وإن البشرية في جميع أجيالها لصنفان اثنان:صنف المؤمنين وهم حزب الله.وصنف المشاقين لله وهم حزب الشيطان،بغض النظر عن تطاول الزمان وتباعد المكان.وكل جيل من أجيال المؤمنين هو حلقة في تلك السلسلة الطويلة الممتدة على مدار القرون“.
والذي حدث أنه بتعاقب الدهور وكرِّ العصور، ظهرت أممٌ في الأرض،دخلها الفساد والظلم والانحراف، وشاعت فيها المنكرات،ودخلت فيها البدع والمفاسد وابتعدت عن دين وشرع الله، واتجهت لعبادة الطواغيت وأرباب الهوى، فأرسل الله رسله تترا من أجل الإصلاح والتوجيه والتبيين، وكان الإسلام الذي أنزل على خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه وأصحّ صورة، ديناً شاملاً كاملاً متوازناً، يُناسب الفطرة، ويُحقق الكرامة، ويُكسب سعادة الدارين،أضف إلى ذلك أن الله تعالى ضمن لهذا الدين السلامة من أي تحريف أو تغيير أو تبديل أو تعديل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر 9].
وبالإضافة إلى هذه الدعوة الأصلية والأساسية، أي :الدعوة إلى دين الله، فإنه يجب على الداعية ـ وهذا من صلب الدعوة إلى الله ـ أن ينظر في مجتمعه وأن يحاول ما أمكن إصلاح مافيه من العلل والفساد التي قد تشوبه أو تعتريه، وهكذا كان حال الأنبياء والرسل، يدعون إلى الله وفي نفس الوقت وبلا انفصال يحاولون إصلاح أمراض المجتمع، وكشف علله وأخطائه،ولا أريد الإسهاب هنا والتفصيل، بل أكتفي بالإشارة إلى موقف نبيّ الله شُعيب عليه السلام والذي دعا قومه إلى عدم التلاعب بالميزان: {وإلى مَدينَ أخاهُم شُعيباً قالَ ياقومِ اعبُدوا اللهَ مالكُم من إلهٍ غَيرُهُ قد جاءتكُم بَيّنةٌ من رَّبِّكُم فأوفُوا الكَيلَ والمِيزانَ ولاتَبخَسوا الناسَ أشياءَهُم ولاتُفسدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحِها ذَلِكُم خيرٌ لكُم إن كُنتُم مُؤمنين} [الأعراف 85] ،ونبي الله لوط عليه السلام الذي دعا قومه إلى عدم اتخاذ الذكور من دون الإناث: { كَذَّبت قومُ لُوط ٍالمُرسلين* إذ قالَ لَهُم أخُوهُم لوطٌ ألاتتَّقون*إنّي لكُم رسولٌ أمينٌ*فاتَّقوا اللهَ وأطيعون*وما أسألُكُم عليهِ من أجرٍ إن أجريَ إلا على ربِّ العالمين* أتأتُون الذُّكرانَ من العالمين* وتذرُونَ ماخلقَ لكُم رَبُّكُم من أزواجِكُم بل أنتم قومٌ عادون}[الشعراء 160 ـ 166].
من يدعو؟
إن الدعوة إلى الله أمرلازم وفرض على الإنسان المسلم الداعية، في كل زمان ومكان، والمسلم هو الوارث الحقيقي الوحيد للديانات السماوية عامة ورسالة الإسلام خاصة، وهي خاتمة الرسالات، ورسولها الكريم هو خاتم الأنبياء.فلايهود هذه الأيام يمثلون رسالة موسى وهارون عليهما السلام، ولانصارى اليوم يمثلون رسالة عيسى عليه السلام.
إن الإسلام والمسلمين هم المُمثل الوحيد لرسالة محمد عليه السلام وإخوته أنبياء الله من قبل، فنحن ـ أي المسلمين ـ نحمل هذه الرسالة إلى الدنيا جميعاً، ونحن من يتحمل تبعات وأعباء هذه الدعوة الكريمة. يقول تعالى: {وأنزَلنا إليكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصدّقاً لما بينَ يديهِ من الكتابِ ومُهيمِناً عليه} [المائدة 48]، ويقول تعالى: {آمن الرسولُ بما أنزلَ إليهِ من رَّبِّهِ والمؤمنونَ كُلٌّ آمنَ بالله وملائكتهِ وكُتُبِهِ ورُسُلهِ لانُفرِّقُ بين أحدٍ من رُسله وقالوا سَمعنا وأطعنا غُفرانكَ رَبّنا وإليكَ المصير}[البقرة 285].
وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مايقارب الثلاثة وعشرين سنة، دعا في كل مكان، وفي كل زمان، ولم يتنازل عن دعوته الحق حتى توفاه الله إلى جواره الكريم.
يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 1051 بتاريخ 5 آذار عام 1964):
„يتطلب تجديد اللإسلام نظرة أخرى إلى الرجال الذين يحملون علومه،وينصرون في الحياة مبادئه،فإن الطريقة التي يتكونون بها،والمستويات التي لا يجوزون حدها،تظلم الإسلام وتقف بنجاحه عند آفاق دانية.
إن الله اختار المُبلغين عنه من أكرم البشر عرقاً،وآلقهم فكراً،وأزكاهم معدناً وأرحبهم طاقة.واستنبتهم في بيئات تحفهم بالإكبار،وترمقهم بالتجلّة وربما عادتهم هذه البيئات بعد أن يبلغوا رسالت ربهم وكرهت أشدّ الكره ما يجيئون به من وحي.بيد أن أشدّ خصومهم لايستطيع أن يجرح أشخاصهم،ولا أن يغمز أخلاقهم،ولا أن يلمح في سيرتهم الماضية أو الحاضرة ما يخزيهم به…ولقد كان أبو سفيان حامل راية الحرب على محمد صلى الله عليه وسلم زماناً طويلاً،فلما علم أنه تزوج ابنته بعد إسلامها وممات رجلها لم يشعر قط بأثارة من غضاضة،بل أحسّ أنها صارت إلى الرجل الذي يشرفها وقال:هو الفحل لا يجدع أنفه.
وصدور الدعوة الدينية عن رجال تلك مكانتهم الشخصية وضع للأمور في مواضعها فإن العظائم كفؤها العظماء.
وتعريف الناس بالله وسياستهم بِهداه وفك آصارهم النفسية والاجتماعية بشرعه ذلك كله ينتقى له السادة من البشر.السادة بمواهبهم وكفايتهم.لا بالزعم والدعوى…ولذلك قال ابن مسعود:“لايزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم،فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا“.
والأكابر ليسوا أصحاب الجثث الضخمة ولا الأسنان المتأخرة ولا الثروات العريضة ولا الوظائف المهيبة…إن الأكابر في فهم ابن مسعود هم أصحاب الهمم البعيدة،والمروءات العالية،والعفة الظاهرة والأبصار السديدة والأفئدة الزاكية.
وقد يكونون أمراء أو لا يكونون.وقد يكونون أغنياء أو لا يكونون.فتلك أعراض لا تمس قيمهم الخاصة ولا تؤثر فيهم علواً أو هبوطاً.
وهناك فرق بين ذينك العنوانين:رجال الإسلام،وعلماء الإسلام.
فرجال الإسلام كل عامل في حقل من حقوله،كل قائم على ثغرة من ثغزره،كل مشتغل القلب واللبّ بخدمته ونصرته في أي ميدان وقفه القدر فيه وهيأته مواهبه له.وبديهي أن يكون لذى هؤلاء نصاب من المعرفة الدينية يكفيهم في مرضاة الله واتقاء محارمه ولا يعنيهم أن يتزيدوا من فنون الثقافات الدينية الكثيرة فذاك شأن له مجاله ورجاله.
أما علماء الإسلام فقوم مخصصون في العلوم الدينية ووسائل غرسها في المجتمعات مستبحرون في أصولها وأدلتها وطرق الدفاع عنها…
يقول الأديب الإسلامي العظيم عباس محمود العقاد في كتابه (عبقرية محمد ص71):
„اللهم هل بلغت“ هذه هي اللازمة التي ردّدها النبي صلى الله عليه وسلم في أطول خطبه الأخيرة، وهي خطبة الوداع، وهي لازمة عظيمة الدلالة في مقامها، لأنها لخصّت حياة كاملة في ألفاظ معدودات، فما كانت حياة النبي كلها بعملها وقولها وحركتها وسكونها إلا حياة تبليغ وبلاغ، وما كان لها من فاصلة خاتمة أبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه“ جلال ربي الرفيع فقد بلغت“.
ويقول الشيخ القرضاوي حفظه الله:
„أكرمنا الله بأن وضع لنا نموذجاً بشرياً تتمثل فيه الأسوة الحسنة ويتجسّد فيه الكمال البشري، اقصى الكمال البشري، الذي يمكن أن يرتقي إليه بشر، هذا النموذج هو محمد صلى الله عليه وسلم{لقد كان لكم في رسولِ الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كانَ يرجو اللهَ واليومَ الآخر وذكرَ الله كثيراً}[الأحزاب 21]، كان الناس في حاجة إلى نموذج تتجسد فيه الكمالات البشرية، الناس ليسوا فلاسفة، إنما الناس العادييون يحتاجون إلى شئ مَرئي مُحسّ مُجسّم فكان هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جسد فيه تعاليم وأخلاق القرآن كما قالت زوجه وألصق الناس به، عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن أخلاقه، فقالت: „كان خلقه القرآن„، القرآن مُفسراً ومُجسّماً في حياته صلى الله عليه وسلم“.ويقول أيضاً:“اختار محمداً وهو أفضل الخلق ليحمل الرسالة العامة الخالدة الخاتمة،واختار العرب ليكونوا قومه وصحابته، واختار لغة العرب لتكون اللغة التي ينزل بها القرآن العظيم{الله أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالته} [الأنعام 124]، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى العرب وحدهم إنما أرسل إلى العالمين{تباركَ الذي نزلَ الفرقانَ على عبدهِ ليكونَ للعالمينَ نذيرا}[الفرقان1]، وقال تعالى{وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين} [الانبياء 107]، وقال تعالى{ وما أرسلناكَ إلا كافةً للناسِ بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لايعلمون}[سبأ 28]، وقال تعالى{ قُل يا أيُّها الناسُ إنّي رسولُ الله إليكم جميعاً}[الأعراف158]، {وأُوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}[الأنعام 19].
وجاء في جزء من الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: “ أعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي:كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة„، وفي رواية مسلم:“ وبعثت إلى كل أحمر وأسود“، وفي رواية:“ وبعثت إلى الخلق كافة„.
ويقول الجاحظ في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامه:“وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشّاه بالقبول،وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام،مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته،لم تسقط له كلمة، ولا زلّت به قدم، ولابادت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولايلتمس إسكات الخصم إلا بمايعرفه الخصم، ولايحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفَلَج(الفوز والغلبة) إلا بالحق، ولايستعين بالخلابة(الخداع) ولايستعمل المواربة، ولايهمز ولايلمز، ولايُبطئ ولايُعجل ولايسهب ولايحصر“.
وقد كرّم الله عز وجل أمة الرسول الأمين بأن أشركها معه في مهمة الدعوة إلى الله عز وجل : { كُنتُم خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس تأمرونَ بالمعروفِ وتَنهونَ عنِ المُنكرِ وتُؤمنون بالله}[آل عمران110]“.
يقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الرسالة العدد550):
„للرسالة المحمدية جانبان:جانب التلقي عن الله رب العالمين،وهو خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد من أمته،وجانب الفهم والبيان،والدعوة والإرشاد،والعمل على توسيع نطاق الإسلام ومد رواقه،وتنظيم الشئون بأحكامها،وإلى هذا الجانب ترجع عزة الإسلام وبقاؤه على الدهر فتياً لا تزعزعه العواصف ولا تنال منه الأحداث.ويشارك الرسول من أمته في هذا الجانب من آتاه الله العلم والحكمة،وقذف في قلبه النور والهداية،وكشف له عن سر تشريعه، وبصّره بمواقع الأمر والنهي، والتحليل والتحريم،ووهبه غيرة تحمله على الجهاد في ذلك كله، وعلى الصدق والإخلاص في هذا الجهاد!
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“
فالتعبير القرآني بقوله „أخرجت“يدل على أن هناك من أخرج هذه الأمة، وهو الله جل جلاله،فلم تنبت هذه الأمة من نفسها كنبات البريةن بل أنبتها منبت بذر بذرتها، وتولى رعايتها.وهي لم تخرج لنفسها، بل أخرجت للناس،لهداية الناس، ولنفع الناس، وإصلاح الناس،وإخراجهم من الظلمات إلى النور.فهي ـ في المقام الأول ـ أمة دعوة ورسالة مبعوثة مما بعث به رسولها إلى الناس، ولذا قال عليه الصلاة والسلام“إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين„.ويتابع الشيخ القرضاوي:“وأمة الإسلام مكلفة بحمل هذه الرسالة العالمية إلى العالم، فلايجوز لها أن تحتكر الخير والنور لنفسها، بل عليها بعد أن اهتدت بنور الله أن تهدي الآخرين إليه، وبعد أن صلحت بالإيمان والعمل الصالح أن تصلح الأمم وتدعوها إلى الخير الذي أكرمها الله به“.
ومن الصفات الأساسية للمؤمنين في القرآن{التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله}[التوبة 112].وكما مدح القرآن الكريم الآمرين الناهين، ذمّ الذين لا يأمرون بالمعروف ولايتناهون عن المنكر قال تعالى: {لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريم ذلك بما عَصوا وكانوا يعتدون*كانوا لايَتناهون عن منكرِ فعلوهُ لَبئسَ ماكانوا يفعلون} [المائدة78 ـ 79].
ولذلك فإن رسالة الإسلام والدعوة إليه لم تنته بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هي مُمتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك من خلال أمة الإسلام، خير الأمم..ماتمسكت بإيمانها ودينها وإسلامها.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
„نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قد أكرمنا الله عز وجل بكرامات عدّة، أكرمنا بهذه الرسالة العظيمة التي ختم الله بها الرسالات، رسالة الإسلام، الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت أبعاد الزمن وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عُمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة، شؤون الفرد والجماعة، شؤون الجسم والروح، وصدق الله العظيم{ويومَ نبعثُ في كلِّ أمةٍ شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاءِ ونزلنا عليك الكتابَ تِبياناً لكل شئٍ وهدىً ورحمةً وبُشرى للمسلمين}[النحل 89]، خصّنا الله بهذه الرسالة، وبحفظ مصادر هذه الرسالة، مصدرها الأول هو القرآن كتاب الله عز وجل فتكّفل الله بحفظ هذا الكتاب، لم يَكِل حفظه إلى الأمّة، كما وكّل حفظ التوراة إلى أصحابها، كما قال تعالى{ بما استحفظوا من كتاب}[المائدة 44]، أي بما طلب إليهم حفظه، الله هو الذي تولّى حفظ هذا الكتاب حينما قال ووعدَ وعداً مؤكّداً{إنا نحنُ نزلنا الذكر وإنا لهُ لحافظون}[ الحجر9]، فهيأ الله الوسائل والأسباب لحفظ هذا الكتاب وتواتر عبر أجيال الأمة،من جيل الصحابة إلى جيل التابعين إلى أتباع التابعين، إلى اليوم، يحفظه الآلاف وعشرات الآلاف، من أبناء هذه الأمة، وكما قرّر المُحققون من العلماء أن السّنة مُبينة للقرآن وضمان الله تعالى لحفظ القرآن يستلزم حفظ السنة، لأن حفظ المُبين يستلزم حفظ بيانه، ومن هنا هيأ الله الأسباب لحفظ السنة، حينما دفع العلماء وهيأهم لينخلوا الأحاديث ويَردوا ضعيفها ومكذوبها ويحفظوا صحيحها، وحسنها، فهذا مما أكرم الله به هذه الأمة، أن حفظ لها مصادر هذا الدين لاتوجد أمة حفظ كتابها كما حفظ كتاب هذه الأمة“.
ويقول الأستاذ العلامة محمود شلتوت رحمه الله(الرسالة العدد913):
يقاسي العالم اليوم ألواناً من الشرور والمفاسد،ويكابد أصنافاً من الآلام والمتاعب،تقض عليه مضاجع الأمن والاستقرار، وتزلزل كيان الطمأنينة والسعادة في الأفراد والجماعة.وما مثل الناس في هذا الزمان إلا كمثل قوم في سفينة أخذتها الأعاصير من كل جانب،واضطربت في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب،ظلمات بعضها فوق بعض،يكاد اليم يبتلعها بمن فيها،أو كمثل قوم حوصروا بالنار ذات الوقود في بيت مغلق النوافذ وقد تقطعت بهم الأسباب،وجمدوا في أماكنهم شاخصة أبصارهم يشهدون التهام النار لمتاعهم ونفائسهم وأموالهم وأبنائهم وأنفسهم،ثم لا يستطيعون أن يحركوا ساكناًنولا يلتمسوا طريقاً للخلاص،سوى الصياح والعويل والاستغاثة من الخطر الذي داهمهم وحلّ بدارهم!!
وليس لهذه النكبة فيما يرى عقلاء العالم من سر سوى انسياق الناس في حياتهم مع نظم وضعها الإنسان وأملتها عليه الشهوات والنزعات، لم تُبن على مصالح البشر ولم يلاحظ فيها مقتضى الطبيعة الإنسانية التي تفترض المساواة في الحقوق والواجبات،فجاءت مختلفة باختلاف بواعثها،مضطربة باضطراب ألوانها وغاياتها،متنازعة بالعصبية لها،والتناحر عليها،كل أمة تعمل جاهدة على أن يسود نظامها،وتعلو كلمتها،ويستقر في العالم سلطانها،وتصبح ذات السيادة المطلقة،والكلمة النافذة.
فمن الطبيعي وهذا شأنها وشأن واضعيها والمتعصبين لها أن تقضي بالعالم إلى هذا الشر المتفاقم،وأن توقد نيران الحروب في جميع أرجائه ،مابين حرب تصلى الشعوب نيرانها،وتدمر البلاد والديار أسلحتها،وحرب باردة تأتي على الهدوء والسكينة، فتزلزل الأمن والقرار من القلوب،وتثير الخوف والفزع في النفوس،وتهيج في المجتمع ألوان النفاق والأخلاق الفاسدة، وتحلّ عرى الجماعة،فيصبح الأخ عدواً لأخيه ،والأمة شيعاً وأحزاياً يتربص كلّ بالآخرين دوائر السوء، ويقدّر كل منهم أن خيره كله في نجاته هو،وشر الآخرين.وأنه ليس عليه لوطنه ،ولا لمواطنيه وبني جنسه شيء من الحقوق ينبعث بها الشعور من قلبه،ويتحقق بها معنى التعاطف والتراحم.
ولعمري أن العالم سيظل في هذه الحيرة،وهذا الاضطراب بل في هذا البحر اللجي من الشرور والمفاسد، ولا يجد راحة مادية، ولا يحسّ راحة روحية،ولا يتنسم شيئاً من النسيم الذي يبشر بالخلاص والنجاة،سيظل كذلك ما ظلّ متمسكاً بأهداب هذه النظم التي أنتجها الإنسان،واتخذها أساساً لحياته فما ذاق منها إلا الخوف والجوع، والظلم والطغيان.
ويتابع الاستاذ شلتوت رحمه الله:“وبحال أن تجد الإنسانية علاج هذا الطغيان فيما وضعه الإنسان أو يضعه بروح الآثرة والزهو والغرور،إنما العلاج الحق في الرجوع إلى ذلك العلاج الإلهي الخالد الذي يستند في صدوره وتنظيمه وإبداعه إلى العليم بخفيات النفوس، الخبير باتجاهات القلوب،وذلك هو الإسلام وحده الذي مهما تعددت مبادئه وتنوعت إرشادته يرجع إلى كلمتين اثنتين:إيمان،وعمل صالح{منْ عَملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مُؤمنٌ فَلنحيينَّهُ حياةً طيبة ولنجزينَّهُم أجرَهُم بأحسنِ ما كانوا يعملونَ}[النحل97].{والعصر*إنَّ الإنسانَ لفي خُسر*إلا الذينَ أمنوا وعملوا الصّالحاتِ وتَواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصّبر}.[العصر 1 ـ 3]
لقد مرّت على الإنسانية حقب انتبها فيها مثل ما انتابها في هذه الحقبة من شرور وآثام وطغيان،وما أنقذها من شر تلك الويلات إلا هذا العلاج الإلهي، زكاها وطهرها وعلمها الكتاب والحكمة، وحولها من مجاري الشر والشقاء إلى سبيل الخير والفلاح،والإنسانية هي الإنسانية، والويلات هي الويلات،والعلاج هو العلاج، فليكن علاج الآخرين هو علاج الأولين“.
ويقول الشيخ الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله:
„والإسلام كدين خالد يُمثل الحقّ في أروع صوره وأعظمها نقاء،يجد في كل جيل جُنوداً يبذلون في سبيله المُهج والأرواح،ويستلذّون في سبيل دعوته المرّ والصعب،لايعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلاً،ولا الملل إلى عزائمهم طريقاً،وهذا تاريخ الإسلام منذ بزوغ فجره حتى اليوم مايزال تتلاحق فيه أفواج الدعاة جيلاً بعد جيل،كلما هلك منهم عَلم قام من بعده أعلام، وكلما هوى منهم في الطريق مُصلح تتالى من بعده مصلحون وكلما هزّتهم نكبة ارتفعت رؤوسهم من بعدها شرفاء صادقين لاتزيدهم النكبات إلا صدق عزيمة وشدة مِراس“.
ولقد كرّم الله عز وجل رجال الدعوة من المؤمنين، حيث قرن الإيمان بالله مع الدعوة إليه ، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من صفات المؤمنين بخلاف المنافقين: {المُنافقونَ والمُنافقاتُ بَعضُهم من بعضٍ يأمُرُونَ بالمُنكَرِ ويَنهَونَ عن المعروف}[التوبة67] {والمُؤمِنُونَ والمؤمناتُ بَعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمُرُون بالمعروفِ ويَنهون عن المنكر}[التوبة 71].
وكل من يسمع نداء الدعوة عليه أن ينقلها إلى الآخرين، يقول تعالى: {الذينَ يُبَلِّغُونَ رسالاتِ الله ويَخشَونَهُ ولايَخشَونَ أحداً إلا الله وكَفى بالله حسيباً}[ الأحزاب 39].
وقال صلى الله عليه وسلم: „نَضّرَ الله امراً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه“ [رواه الترمذي]، وفي رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ نَضّرَ الله امراً سمع مني حديثاً فحفظه حتى يُبلغه غيره، فإنه رُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه“ [أخرجه الحاكم وأحمد وغيرهما بسند صحيح].وفي حديث آخر رواه البخاري:“ليبلِّغ الشاهد منكم الغائب فإنّ الشاهد عسى أن يُبلّغ من هو أوعى له منه„.وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:“مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً:فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا.وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به“.
إن المؤمن الحق هو الذي لايكتفي بتطبيق الإسلام على نفسه وأسرته، وينعم بنعيم الإيمان وحلاوة الإسلام، وإنما هو من يسعى لحمل دعوة الله إلى كل النفوس الظامئة إلى مَعين الحق والهداية، والمتشوّقة إلى نور المعرفة والبعد عن ظلمات الغواية.
يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
„إن الدعوة فرض على كل مسلم.وكل مسلم مأمور بالدعوة إلى دينه بصورة ما، وبطريقة ما،كل مافي الأمر أن صورة الدعوة تختلف من شخص لآخر، حسب الاستطاعة والإمكان.فهناك من يدعو إلى الله بتأليف كتاب أو كتب.وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء محاضرة في جامعة أو في مركز ثقافي.وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء خطبة جمعة في مسجد أو إلقاء درس ديني فيه.وهناك من يدعو بالكلمة الطيبة، والصحبة الجميلة، والأسوة الحسنة.وهناك من يدعو بالإنفاق على الدعاة، أو على نشر انتاجهم، أو على تأسيس مركز للدعوة، على نحو ماقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا„.[رواه الشيخان عن زيد بن خالد]، ونحن نقيس عليه فنقول: من جهز داعياً إلى الله فقد دعا“.انتهى كلام القرضاوي .
إننا عندما نتحدث في وجوب الدعوة إلى الله، ومن هو الداعية إلى الله، لابد أن ننتبه بشكل خاص إلى هذه النقاط الثلاثة الآتية:
1 ـ يظن البعض ـ وظنه خاطئ بالطبع ـ أنه عندما يقرأ قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا عليكُم أنفُسَكُم لايَضُرُّكُم من ضَلَّ إذا اهتديتُم}[ المائدة 105] ، أن هذه الآية تُجيزله السكوت عن المنكر إذا رآه،وتبيح له الابتعاد عن تغيير الباطل إذا استطاع، مادام هو وأسرته في دائرة الإيمان،يواظبون على أداء شعائر الإسلام!! ولقد نبّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وبيّن للناس خطأ فهمهم عند قراءة هذه الآية، وقال مُبيناً وموضحاً: „يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يَعمّهم الله بعقاب منه“ [رواه أبو داود وغيره].
نعم، إن دعوة الناس ملزمة لكل مسلم، وواجب على كل من اعتنق هذا الدين، ولكنّ الله عز وجل يبيّن في الآية السابقة أنه إذا لم يهتدِ الضال بعد بيان طريق الهداية له، ولم يتبع المنحرف سبل السلام بعد إرشاده إليها، فإنه هو المسؤول عن ذلك، ولايجازى على الجرم بعدئذ سواه: {ولاتزر وازرةٌ وِزرَ أخرى}[فاطر18]، وأما من يظن أن هذه الآية تبرر له قعوده وتقاعسه وتخلصه من واجب الدعوة، مادام هو في نفسه صالحاً مهتدياً، فإنه الوهم بعينه!!
إن أمر الدعوة إلى الله ليس تطوعاً، وإنما هو التكليف الصارم الجازم الذي لامفر من أدائه وإن أمر الدعوة إلى الله ليس الشعور باللذّة الذاتية في حمل الخير والهدى إلى الناس فقط، ولكنه الاستجابة للأمر العلوي الذي لاتردد معه ولاهروب من تبعاته: {قُلْ إنِّي لن يُجِيرَني من الله أحدٌ ولن أجِدَ من دُونهِ مُلتَحَداً* إلا بلاغاً من الله ورسالاتهِ ومن يَعصِ اللهَ ورَسُولَهُ فإنَّ لهُ نارَجهنمَ خالدينَ فيها أبدا}[الجن22 ـ 23].
2 ـ يقول بعضهم: إن مهمة الدعوة إلى الله من الفروض الكفائية لا العينية، ويستندون إلى ذلك بقوله تعالى: {ولتَكُن مِنكُم أمَّةٌ يَدعُونَ إلى الخيرِ ويأمُرُونَ بالمعروفِ ويَنهَونَ عن المُنكَرِ وأُولئِكَ هُمُ المفلحون}[ آل عمران 104].ونجيبهم على ذلك قائلين: قد يكون لهذا الكلام صحة في حال وجود حكومات ومجتمعات إسلامية تطبق الإسلام، وتُربي الدعاة وتوجههم، وتساهم في إرشاد وهداية باقي الأمم والناس، ولكننا اليوم وفي عصرنا الحاضر، حيث تتعرّض الأمة الإسلامية لأقوى أنواع الضغوط، ويُتربص بها الدوائر من كل جانبن وحيث سلطّت قوى البغي والشر كل ماتملكه لمحاربة الإسلام والمسلمين، من خلال الافتراءات المتكررة، والشبهات المدمرة،والتشكيك المستمر الدائم في حقائق الإسلام ويقيناته، والسخرية من الدين وأتباعه سراً وعلناً، جهاراً نهاراً، وإطلاق نيران الشهوات والفتن والأهواء من خلال أبالسة الإنس أتباع إبليس الجن… إن كل هذا يفرض على كل مسلم صادق النفس مع الله، ومخلص القلب والنيّة، أن يتحوّل إلى جندي يقوم بواجب الدعوة إلى الله قدر الاستطاعة،وفي نطاق إمكانياته، من أجل أن يسد ثغرة… وما أكثر الثغرات؟! ومن أجل أن يدفع باطلاً…وما أكثر الباطل؟! ومن أجل أن يسترد حقاً… وما أكثر الحق المُضَيّع؟!
نعم، إننا في هذه الأيام بالذات بحاجة إلى كل فرد واع، ومسلم مخلص أمين صادق، وإلى كل جهد مثمر وكل طاقة ممكنة لمواجهة التحديات… وما أكثرها؟!
يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „إنّ التخلي عن العمل الإسلامي في هذه الأيام بالذات هو تخلٍ عن الإسلام نفسه، وإسهامٌ في هزيمته وانتصار أعدائه عليه، ولا يفعل ذلك مسلم صادق الإسلام،ولارجل عنده ذرة من الغيرة والمروءة والوفاء“.
3 ـ وهناك من يدّعي أن مهمة القيام بالدعوة إلى الله ونشرها تفرض على من يريد أن يتصدّى لها أن يكون على جانب كبير من العلم والمعرفة وأمور الشريعة والدين.ونقول لهم: إن المكلف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة، لأن الأمة الإسلامية تتكوّن منهم،وأمر الدعوة لايختص بالعلماء فقط أو من يسمونهم خطأ “ رجال الدين“ فهؤلاء يختصون بتبليغ تفاصيل الدين وأحكامه ومعانيه، نظراً لسعة علمهم ومعرفتهم بالكليات والجزئيات.
إن أكبر الدعاة إلى الله وأكثرهم تأثيراً وإرشاداً هو من يتمثّل الإسلام في حياته ، ويُطبقه في واقعه، ويعمل بتشريعاته وأحكامه، ويتادّب بأدابه، ويتجّمل بصفاته، وهذا واجب كل مسلم.وقد يكون هذا أعظم أثراً من محاضرات طويلة تُلقى، أو مواعظ عديدة تُتلى، وخاصة إذا لم يقترن الوعظ أو الخطاب بأخلاق القرآن وحلاوة الإيمان.
نعم، إن كل مسلم هو مُكلّف بالدعوة إلى الله على قدر استطاعته وإمكانياته. يقول تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}[يوسف 108].
وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ فليبلغ ـ العلم ـ الشاهد الغائب“.ويدخل في معنى الشاهد كل مسلم علم من أمر الإسلام شيئاً.
يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله في كتابه“ قضايا في الدين والحياة والمجتمع“ يقول حفظه الله: „إن على كل واحد من رجال الإسلام أن يُسهم في عرض مايعلم من حقائق هذا الدين، وألا يكلّ ولايملّ، وأن يستغل كل فرصة ويغتنم كل مناسبة، وذلك لأن للكلمة سلطاناً كبيراً، ولاسيما إن قيلت في الوقت المناسب والأسلوب المُحبّب“.
نعم، إن الاسلام لايتحَقّق في النفوس، ولاينتشر بين الناس إلا بوجود الرجال الدعاة وإلا بقي ـ كما يحاول البعض ـ تراثاً وكتباً تملأ المكتبات، ونظريات لاتشاهد طريقها في عالم الواقع والحياة، فلابد من وجود هؤلاء الرجال الدعاة ولابد من أن يُطّوروا أنفسهم وإمكانياتهم، لكي يواجهوا عالماً متغيراً مليئاً بالمطامع والأحقاد، غارقاً في السفاسف والإلحاد، بعيداً عن الإيمان والأخلاق، موسوماً بالكفر والنفاق.
يقول الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(مقال:عواقب سكوت علماء الدين عن الضلال في الدين ـ جريدة البصائر العدد 36 بتاريخ 17 أيار عام 1948):
„ولعلماء الإسلام سلطان على الأرواح ،مستمدّ من روحانية الدين الإسلامي وسهولة مدخله إلى النفوس:تخضع له العامة عن طواعية ورغبة،خضوعاً فطريّاً لا تكلف فيه،لشعورها بأنهم المرجع في بيان الدين،وبأنهم لسانه المعبر حقاً عن حقائقه،والمبين لشرائعه،وبأنهم حُراسه المؤتمنون على بقائه،وبأنهم الورثة الحقيقيون لمقام النبوة،وكان العلماء يجمعون بين وظيفة التبيين في التعبديات، وبين وظيفة التقنين في المعاملات،أما الخلفاء فلم تكن وظيفتهم ـ في الحقيقة ـ إلا التنفيذ لما يراه العلماء من مصلحة في المعاملات الفردية أو الاجتماعية.
بقي العلماء ظاهرين على الحق،يتولون القيادة الحقيقية للأمة في غير ما يمسّ السلطان المادي الزائف،وكانوا أيقاظاً لكل حدث يحدث في الإسلام،وكانوا كلّما رأوا شبح بدعة خفّوا إلى إزالتها:وكلّما أحسّوا بضلالة ومنكر في الدين بادروا إلى تغييره بالفعل والقول:يُجسم لهم الاحتياط الصغائر فيعاملونها معاملة الكبائر،لا يتساهلون ولا يترخّصون،سداً لذرائع الفتنة والضلال،وكانوا يصدرون في أعمالهم وأحكامهم عن الكتاب والسنّة،فيصدرون عن الدليل الذي لا يضلّ ،ويستندون إلى الحجة التي لا تُدحض،وكانت الأمة ترجع إليهم ،فترجع إلى وحدة متماسكة في الدين لا تتفرّق بها السبل،ولا تتشعّب الآراء،إلى أن فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدين وفروعه،وغطّت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق،فرأت منهم العامة غير ماكانت ترى من وحدة في الدين،عاصمة لوحدتها في الدنيا،ووحدة في العلم،عاصمة من تفرّقها في المصالح،وجرّوها إلى ماهم فيه من خلاف،فجرّتهم إلى ماهي فيه من فساد،وضعف لذلك سلطانهم عليها،فتوزّع أمرها أمراء السوء الظالمون،وقادة السوء الجاهلون،واجتمع هؤلاء على قصد واحد وهو استغلال العامة فاصطلحوا.
ويتابع رحمه الله:“ماظلم الله العلماءـولكن ظلموا أنفسهم،ولم يشكروا نعمة العلم،فسلبهم الله ثمراته من العزة والسيادة،والإمامة والقيادة،وكان لخلو ميدان السلطة والأمر منهم أثر فاتك في عقائد المسلمين وأخلاقهم،وكان من نتائجه إلقاء الأمة بالمقادة إلى من يُضلّ ولا يهدي من المشعوذين الدّجالين.فاضلوها عن سواء السبيل،ومكّنوا فيها للداء الوبيل“
ويقول الشيخ الإبراهيمي رحمه الله في مقال آخر(وظيفة علماء الدين ـ مجلة المنهل بتاريخ اكتوبر عام 1952):
„لا توجد في الإسلام „وظيفة“ أشرف قدراً،وأسمى منزلة،وأرحب أفقاً، وأثقل تبعة،وأوثق عهدا،وأعظم أجراً عند الله ،من وظيفة العالم الديني!ذلك لأنه وارث لمقام النبوّة وآخذ بأهم تكاليفها وهو الدعوة إلى الله وتوجيه خلقه إليه وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه ويقبلوه،ثم يعملوا به ويعملوا له.
فالعالم،بمفهومه الديني في الإسلام،قائد ميدانه النفوس،وسلاحه الكتاب والسنّة وتفسيرهما العملي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه،وعونه الأكبر على النتصار في هذا الميدان أن ينسى نفسه ويذوب في المعاني السامية التي جاء بها الإسلام،وأن يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار،وأن يكون حظه من ميراث النبوة أن يزكي ويعلم وأن يقول الحق بلسانه ويحققه بجوارحه،وأن ينصره إذا خذله الناس،وأن يجاهد في سبيله بكل ما آتاه الله من قوّة.
أما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه القيادة فهي أن يبدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي فلا يأمر بشيء مما أمر به الله ورسوله حتى يكون أول فاعل له،ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول تارك له..كل ذلك ليأخذ عنه الناس بالقدوة والتأسي أكثر مما يأخذون عنه بوساطة الأقوال المجرّدة والنصوص اللفظية،لأن تلاوة الأقوال والنصوص لاتعدو أن تكون تبليغاً،والتبليغ لا يستلزم الاتّباعنولا يثمر الاهتداء ضربة لازم ولا يعدو أن يكون تذكيراً للناسي وتبكيتاً للقاسي،وتنبيهاً للخامل،وتعليماً للجاهل وإيقاظاً للخامل وتحريكاً للجامد ودلالة للضال…أما جر الناس إلى الهداية بكيفية تشبه الإلزام فهو في التفسيرات العملية التي كان المرشد الأول يأتي بها في تربيته لأصحابه،فيعلمهم باعماله،أكثر مما يعلمهم بأقواله..لعلمه ـ وهو سيد المرسلين ـ بما للتربية العملية من الأثرفي النفوس،ومن الحفز إلى العمل بباعث فطري في الاقتداء“.
يقول سيد قطب رحمه الله في كتابه “ دراسات إسلامية“ يقول: „إن النصوص وحدها لاتصنع شيئا ،وإن المصحف وحده لايعمل حتى يكون رجلاً،وإن المبادئ وحدها لاتعيش إلا أن تكون سلوكاً، وقد كان الهدف الأساسي الذي عمل له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصنع رجالاً لا أن يلقي مواعظاً فقط، وأن يَصوغ ضمائراً لا أن يُدبج خطباً، وأن يبني أمة لا أن يُقيم فلسفة.