وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (6/10)
وليّت في إثر الذين رثيتهم ُ وأقمت فيهم مأتمَ الأشعار
وسُقيتَ من كاسٍ تطوف بها يدٌ محتومةُ الأقداح والأدوارِ
عبد الرحمن صدقي يصف زوجته في مرض موتها(الشعر بعد شوقي . محمد مندور ج3 ص623):
دعوت لها الأفذاذ في الطبِّ جملة وشتى ومن غرب نماه ومشرق
فلم يأتلوا جُهداً ولا وجه حيلة وقد سوروا دون الظنون وخندقوا
نهاري حيران ألاقي أساتها وأرسل في إثرِ الدواءِ وألحق
وليلي سهران لصيق فراشها أراعي إلى أنفاسها وأحملق
تقول بصوت قد تهضّمه الضنى وأجهشَ حتى ما يبين منطق
أأشفى؟ أجل يا قرّة العينِ لا تهبى ولا تجزعي إنَّ الشفاء محقق
مقالة ملتاع الجنان أقولها وبين الرجاء واليأسِ قلبي مرهق
وترمقني منها لواحظ وامق تجلى هواه كله حين يرمق
نُجَرّعها مُرَّ الدواءِ تسيغه وناظرها في ناظري مُعلق
وننحى عليها إبرة بعد إبرة فترضى وهذا جلدها يتمزّق
تريد لتحيا من رضاها بصحبتي ولولاي ما كانت من الموت تفرق
وتحرص أن تبدو كعهدي جميلة يطالعني منها على السقم رونق
تعرَّقتها يا داء ما شئت جاهداً ولكن حسّ الروح في الوجه مشرق
عبد الرحمن شكري – مجلة الرسالة العدد 247-:
إذا ما دنا الموت من هالك وأيقن ألا يطول البقاءْ
وقد زال ما كان من نشوة ومن شِرَّةٍ نال عنها العزاء
ولاح له عيشه ماثلا وقد بُزَّ عما جناه الرياء
وأفهمَ ما كان من حرصه وأبصر ما قد طواه الخفاء
يُرى آسفاً أن عدا أو جنى وأن كان منه الأذى والعداء
وليس يُرى آسفاً لإغتفار دعاه قديماً فلبّى الدعاء
فليس على صفحه آسفاً ولكن على النيل ممّن أساء
أيأسف أن ضاع ثأر سُدىً ومُتِّعَ خصم له بالبقاء
عَدوان عاشا على إحنة وباعا السماحة بيع الإماء
أباحا النفاق وكيد اللئام لنيل الحطام وكسب الهباء
إذا ما دنا الموت من واحد أيشمت خصم له بالفناء
أيفرح مثل الجبان استراح وبُشِّرَ بالأمن بعد العداء
أيطعنه طعن نذل خصيما صريع التراب مُراق الدماء
ومرأى الحِمام كمرأى السَّقام يُذِلُّ العُتُلَّ ويُخزي الجفاء
هو الموت يشفي قلوب العدى ويختم بالصلح حرب البقاء
وقد يُطلبُ الصلح من فرحة تعير الشماتة ثوب السخاء
وكم من عداء غدا أُلفةً فيا عبثا إذ تراق الدماء
كم احتربت أمم ثم عادت كأن لم تذق في الحروب الشقاء
ألم تسمع الأرض نوح الجريح يُوَدِّع حتى جنون الرجاء
أما اختلطت بالصديد الدماء أما أفعم الموت نتنَ الهواء
وكم عُنق لقتيل، به عضاضُ عدو صريع العداء
عضاضٌ يحاول خلد الضغائ ن في جسد خَلقهُ للفناء
فيا عبثا لجهود الأنام سيمضي الرخاء ويمضي العناء
ويصبحُ من كان خصماً لدوداً عزيزاً ويُبْغَضُ إلفُ المساء
عبد الرحمن شكري من قصيدة غلام مريض يكلم أمه:
خبريني أمي أئن متُّ ماتت نزعاتي إليكم وحنيني؟
والحنانُ الذي أضمُّ به ك لَّ قريب معانق أو قرينِ
والضياءُ الذي ترين بعيني أمضئٌ سواد تلك المنون
وهل المرءُ في الممات غبينٌ أم هو المرءُ فيه غيرُ غبين
عاهديني أن لا تعاني لموتي حرقات تفيض ماءَ الجفون
وإذا شئتِ فاجعليه رشاشاً ذلك الدمع واحبسي من أنين(القليل من الدمع)
في قليلٍ من البكاءِ بلاغٌ وكثيرُ البكاء داء العيون
لست أرضى لحرِّ وجهك أن يز رى به من شحوب وجه الحزين
لست أرضى لأضلعٍ حملتني أن تعاني حملَ الأسى المكنون
ولصدرٍ قد كان يحنو على جس مي في المهد لوعة من شجون
العصافير في الرياض تغني لا كجسمي تحت الترابِ الدفين
كنتُ في العيش مثل هذي العصافي ر أغنى في وكريَ المأمون
فألاحت لي المنون بوجهٍ أي راءٍ يرضيه وجه المنون؟
ليس ما بي خوف الجبانِ ولكن خوف جهلٍ لا خوف جبن وهون
كالمكان الخراب يبعث في النف سِ خشوعاً ورعدةً للظنين
فهو يخشى وليس يعرف ما يخ شى ووجه الفناء غير أمين
ولي الدين يكن:
سقى الله داراتِ القرافةِ ديمةً ترفُّ على قومٍ هنالك هُجَّدِ
تَعوَّدَ كلٌّ بؤسَها ونعيمَها وعشنا على بؤسٍ ولم نَتعوّدِ
أحِنُّ إلى تلك المراقدِ في الثرى ولو استطيعُ اليومَ لأخترتُ مرقدي
فأنزلتُ جسمي منزلاً لا يملُّهُ يكونُ بعيداً من أعادٍ وحُسَّدِ
وما يتمنى الحرُّ في ظِلِّ عيشةٍ تَمرُّ لاحرارٍ وتحلو لأعبُدِ
لقد أتعبتني،والمتاعبُ جَمَّةٌ مسيرةُ يومي بين أمسي والغدِ
ألمّا يئِنْ أن يستريحَ مجاهِدٌ ألمّا يَئِنْ أن يبلغَ المنهلَ الصَّدي
فزعتُ من الآمالِ باليأسِ عائِداً فإن تُدْنني منها اللباناتُ أبعُدِ
فلا ترتعي منّي بقلبٍ مُعَذَّبٍ ولا تبخلي مني لطرفٍ مُسَّهدِ
فيا ريحُ إن يعصف بي الشجوُ سكّنّي ويا غيثُ إن يُضرمني الوجدُ أحمدِ
ويا ساكناتِ الطير في دولةِ الدُّجى أرى إن دعاكِ الصُبحُ أن لا تُغردي
لديَّ شكاياتٌ وأنتِ شجيّةٌ فإن تستطبيها لشجوكِ أنشدي
ولا تحسبي التقليدَ يذهِبُ حُسنها فكم حسناتٍ قد أتت من مُقَلّدِ
تَزَهّدتُ في وصلِ المعالي جميعها ومن يطَّلبها كاطَّلابي يزهدِ
وبِتُّ،تساوت في فؤادي مناهِجٌ تُودّي لخفضٍ،أو تؤدّي لسؤددِ
وإني في بيتٍ صغيرٍ مهدّمٍ كأنّي في قصرٍ كبيرٍ مُشيَّدِ
عفا الله عن قومٍ أتاني غدرُهم فَرُبَّ مُسئٍ، لم يُسئ عن تعمُّدِ
وكم من نفوسٍ يستطيلُ ضلالُها ولكن متى ما تبصرُ النورَ تهتدِ
ولي الدين يكن:
أيا ليل كم تعتادني فيك خيفة فأثبتُ مقهوراً لها حين ألقاها
وما بي من خوف ولكن حوائج وددت لو أني قبل موتي أقضاها
تَلُمْ بي الأوجال في كل ساعة يُحسُّ بها قلبي ويجهل مأتاها
ولي الدين يكن في أواخر أيامه:
مُتْ يا وليَ الدينِ مُتْ ما ثَمَّ من يبكيكا
ودّعْ حياتك هذهِ ما ذُقتهُ يكفيكا
وقال:
ما لهذا السقام لازم جسمي حلّ مني مابين عظمي وجلدي
كل يوم أذوب شيئاً فشيئاً ولقد ذاب قبل ذلك كبدي
غير مجد في الموت طبّ ولكن أنتمو تحسبون ذلك يُجدي
وقال:
يا جسداً قد ذاب حتى امحّى إلا قليلاً عالقاً بالشقاء
أعانكَ اللهُ بصبرٍ على ما ستعاني من قليل البقاء
أحمد رامي يصف والده على فراش الموت(الرسالة العدد 578):
يا نهر أيامي،أما آخر لشقّة العيش التي أقطع
أربت همومي فنبا مضجعي وصاحب الآلام لا يهجع
أب طريح في فراش الضنى أقضّ في رقدته المضجع
تتابعت في الليل أنّاته وكل أنّات الدجى تسمع
شكا من الداء الذي شفّه وانهمرت من عينه الأدمع
وقال أخشى أن يحل الرّدى ولي قطا زُغبٌ ولي مطمع
أخاف أمضي عنهم تاركاً عشهم تلوى به زعزع
ولي أخ يا نهر عيشي خلت منه ديار وخلا مهيع
وكان أنسي في ضمير الدجى وكان لي من عطفه مرتع
فهل لذي العلّة من صحة وهل لنضو نازح مرجع
وهل لليل العيش من مشرق يجلو ظلام اليأس إذ يطلع
لو كنت فرداً لم أرع إربة إن كان يعطي الدهر أو يمنع
لكن لي أماً ولي أخوة ولي أباً في ظلّه نرتع
ولا يطيب العيش إلا إذا سقاهم حوض المنى المترع
زكي مبارك يرثي محمد فريد:
سلوا برلين عمن حلَّ فيها يُفَتِّتُ كَبدَهُ المرضُ العنيدُ
مضى يستوهبُ الأيام عمراً تتمّ به المساعي والجهود
فلم يذهب بِعلّته طبيبٌ ولم يكتبْ له عمرٌ جديد
وخَرَّ على السرير وحُبُّ مصرٍ على تبريح عِلَّتهُ يزيد
فما ضمن البقاءَ له صديقٌ ينادي: لا عدمتُكَ يا فريد
فيا لهفي عليك وأنت كهلٌ غريبٌ عن أحبتهِ بعيدُ
تموت فلا ترى مثواك أمٌ ولا أختٌ ولا زوجٌ ودود
ولا يروي ثراك أخٌ شقيقٌ بدمعتهِ ولا طِفلٌ وليد
عائشة التيمورية ترثي ابنتها :
إن سالَ من غرب العيون بحورُ فالدهر باغٍ والزمان غدورُ
فلكل عين حقّ مِدرار الدما ولكلِ قلبٍ لوعةٌ وبثورُ
سُتر السنا وتحجبت شمسُ الضحى وتغّيبت بعد الشروق بدورُ
ومضى الذي أهوى وجرّعني الأسى وغدت بقلبي جذوةٌ وسعيرُ
ياليته لما نوى عهد النوى وافى العيون من الظلام نذيرُ
ناهيك ما فعلت بماءِ حشاشتي نارٌ لها بين الضلوعِ زفيرُ
لو بثّ حزني في الورى لم يُلتفت لمصاب قيس والمصاب كبيرُ
طافت بشهر الصوم كاسات الردى سَحراً وأكوابُ الدموع تدورُ
فتناولت منها ابنتي فتغيرّت وجناتُ خدِّ شانها التغييرُ
فذوت أزاهيرُ الحياة بروضها وانقدّ منها مائسٌ ونضيرُ
لبست ثيابَ السقم في صغرٍ وقد ذاقت شراب الموت وهو سريرُ
جاء الطبيب ضحى وبشّرَ بالشفا إنّ الطبيب بطبّه مغرورُ
وصفَ التجرّع وهو يزعمُ أنه بالبُرْءِ من كل السقام بشيرُ
فتنفست للحزن قائلة له عجّل ببرئي حيث أنت خبيرُ
وارحم شبابي إن والدتي غدت ثكلى يشير لها الجوى وتشيرُ
وارأف بعين حُرمت طيب الكرى تشكو السُّهاد وفي الجفون فتورُ
لما رأت يأس الطبيب وعجزه قالت ودمعُ المقلتين غزيرُ
أُمّاهُ وقد كلَّ الطبيبُ وفاتني مما اُومّلُ في الحياة نصيرُ
أُمّاهُ قد عزّ اللقاءُ وفي غدٍّ سترين نعشي كالعروسِ يسيرُ
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي هو منزلي وله الجموعُ تصيرُ
قولي لرب اللحد رِفقاً بابنتي جاءت عروساً ساقها التقديرُ
وتجلّدي بإزاءِ لحدي بُرهةً فتراك روحٌ راعها المقدورُ
أُمّاهُ قد سلفت لنا أمنية يا حسنها لو ساقها التيسيرُ
كانت كأحلام مضت وتخلّفت مُذ بان يومُ البين وهو عسيرُ
عودي إلى ربعٍ خلا ومآثر قد خلفت عني لها تاثيرُ
صوني جهاز العرس تذكاراً فلي قد كان منه إلى الزفاف سرورُ
جرّت مصائب فرقني لك بعد ذا لبس السواد ونُفِّذ المسطورُ
والقبر صار لغصن قدِّي روضة ريحانها عند المزار زهورُ
أُمّاهُ لا تنسي بحقِّ بنوتي قبري لئلا يحزن المقبورُ
فأجبتها والدمع يحبسُ منطقي والدهر من بعد الجوارِ يجورُ
بنتاهُ يا كبدي ولوعة مهجتي قد زال صفوٌ شانه التكديرُ
لا توص ثكلى قد أذاب فؤادها حزنٌ عليك وحسرةٌ وزفيرُ
أبكيك حتى نلتقي في جنة برياض خُلد زينتها الحورُ
إن قيل „عائشة“ أقول لقد فنى عيشي وصبري والإله خبيرُ
ولهي على „توحيدة“ الحسن التي قد غاب بدرُ جمالها المستورُ
قلبي وجفني واللسان وخالقي راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ
مُتعتِ بالرضوان في خلد الرضا ما ازينت لك غرفة وقصورُ
أحمد زكي أبو شادي يرثي زوجته(الرسالة العدد668):
ماذا تُفيدُكِ لوعتي وبكائي؟ هذا فناؤكِ مُؤذِنٌ بفنائي
أسديتِ عمرك للحياة فما وفت ومضيتِ للأبرارِ والشهداءِ
لهفي عليكِ وقد أتيتُ مودِّعاً فبكيتُ فوق جبينك الوضاء
زانت الممات جماله وتناثرت مني الدموعُ عليكِ كالأنداءِ
كانت حشاشتي المذابة حرقة وبقيّة المكنوزِ من نعمائي
فترنحتْ بفجيعتي،وتضوّعت بسريرتي،وتلألات بوفائي
وروت مُحياً كان جنة نعمتي وملاذ تفكيري ووحي ذكائي
وطرحتِ آلام الحياة عزيزة فبدوتِ بين سماحةٍ وصفاءِ
وأقبلُ الوجه الحبيب،وطالما أودعتُ فيه صبابتي ورجائي
وأكاد أنسى للماتِ خشوعه لما نسيتُ تجلّدي ومضائي
كم كنتُ أعلقُ بالخيالِ توهماً وأرى الشّفاءَ ولاتَ حين شفاء
ويغالطُ القدرَ العتيَّ تفاؤلي وأنا الخصيمُ لخدعةٍ ورياءِ
آبى اعترافاً بالممات،كأنني لما بكيتُكِ قد أضِلَّ بكائي
أو أن هذا الموت حقّ ثابت إلا على الأحباب والخلصاء
أو أن عيشي أن أراكِ بجانبي مهما هُزلتِ فلا يهدُّ بنائي
أعتاضُ باللمحاتِ عن أُغنيّةٍ وعن الحديثِ العذبِ بالإيماءِ
وأعدُّ أنفاساً وهبتِ،ذخيرتي وحفيفَ ألفاظ همستِ،رخائي
وأموِّه الألمَ الدفينَ وأتقي عِلماً به،وأصدُّه بغبائي
وأكادُ أقسو في مُجانبةٍ له أو ليسَ جسمكِ رمز كل نقاء؟
مُتنزّهاً عن كل ما شان الورى مُترفعاً عن عِلّةٍ وعناءِ
حتى صدمتُ،ولا كصدمةِ شاهق متحطمٍ بصخوره الصمّاءِ
فجننتُ من حُزني وعِفتُ حصانتي ودفنتُ كلَّ رجاحتي العمياء!
لهفي عليك زميلتي في رحلتي وشريكتي في الصفو والضراء
لم أرض غيري أن يسير مُشيّعاً أو أن تُوزَّع حرقتي وعنائي
وكتمتُ نعيك،كم أضن بذكره وأحوطهُ بنُهايَ واستحيائي
لبيتُ رغبتكِ الزّكية دائماً ووعيتُها نبلاً ولطفَ حياء
وجعلتُ مأتمك الرهيبَ عواطفي وبخلتُ بالتنويهِ والإفضاءِ
حتى تفجر بي الأنينُ مَلاحما وجرى النظيم بأدمعي ودمائي
ما كنتُ أحسب أن يومك سابقي أو أن أيام الحياة ورائي
كنا نهيىء للرحيل متاعنا وننسق الآمالَ غير بطاء
ونهيبُ بالدنيا لتشهد حظنا ونهشُّ للأيام والأنباءِ
ونردُّ عادية الانام تسامحاً مستغفرين لجاحدٍ ومرائي
متسابقينَ لنملأ الدنيا سنىً بالحبِّ ووالإيثارِ والإيحاءِ
فإذا رحيلكِ للنوى ووداعنا للحظِّ،والباقي الكليمُ ذمائي
غدرت بي الدنيا،كأني لم أصُغْ فيها الثناءَ فما أفادَ ثنائي
ووهبتها ـ كرما ـ عزيز مواهبي فجنت عليَّ شهامتي وعطائي
اليومَ أدركُ ايَّ عبءٍ فادحٍ عني رفعتِ وما مدى أعبائي
كم كنت أحلم بالهناءةِ والرَّضى لك في نهاية عمركِ المتنائي
فأودُّ من قلبي بقاءكِ بعدما أفنى وأحسبُ في هواكِ بقائي
وأعدُّ عمركِ وحده عمري وما أرضى سواكِ من الحياةِ جزائي
فتناثرَ الحلمُ الجميلُ وأقفرت دنيايَ من حُلمٍ ومن أضواءِ
وبقيتُ وحدي لا عزاءَ أرومهُ والذكرياتُ تزيد من برحائي
من عشتُ أفديها بكلِّ جوارحي فإذا الفداءُ يهونُ وهي فدائي
من علّمتني أن أقدس واجبي مهما شقيت فأستطيب شقائي
من لم تودّعْ في السقامِ وفاءها للناسِ حين مضوا بكلِّ وفاءِ
من لم تفارقها الشجاعة مرة حتى الممات،شجاعة العظماء
فمضت وخلّتني وحيداً عابراً قفر الحياة أنوء بالأنواءِ
أقتاتُ بالحزنِ المبرِّح راضياً وأعافُ كلَّ ملاحةٍ وسناءِ
قالوا:تصبر! إن حولك رفقة منها،وحسبك صفوةُ الابناء
ورثوا مكارم خلقها وسماتها إرثاً تدلُّ به على الآباءِ
تمضي الحوادث والسنون وتنقضي أممٌ على أممٍ صباحَ مساء
ويظلُّ قلبي هيكلاً لكِ خالداً أبداً يرتل لوعتي ورثائي
حسن كامل الصيرفي يرثو الشاعر علي محمود طه(الرسالة 907):
لم يبق لي في طريق العمر أحباب خلا الطريق وأحباب الرؤى غابوا
كانوا خيالاً،وكان العيش حلم كرى مضى به قدر للعمر نهاب
لم أنس آخر لقيانا وقد دمعت شمس الأصيل ورقّت منه أطياب
وأنتَ في حجرة كان الشفاء بها وهماً،وخلف صراع الطبّ وثاب
كدمعة في جفونِ العين بارقة حتى يحين لها في الخدِّ انسكاب
روح تشفّ عن الأحلام حائرة والجسم قد شفّه سقم وأوصاب
ترنو إلى الأفقِ الدامي فتحسبه فتى من الحزن قد خانته أعصاب
تقضي لياليك بعد الأنس منفرداً لم يهو ساحك خلان وأتراب
سأمان ترقب أياماً مغربة كما تحول نحو الغرب جواب
في عزلة لم يقصر ليلها سمر ولم تكشف دجالها الجهم أكواب
قاسيتها محنة ما كاد غاشمها ينزاح عن كتف الغاني وينجاب
كان اللقاء وداعا،والحديث صدى من عالم الغيب لم تدركه ألباب
نشكو جراحاتنا والدمع يحبسه عن أن يسيل أبي النفس غلاب
نرجو ونأمل والأقدار ترقبنا والموت يحجبه عن وهمنا الباب
„علي“! كان غروب الشمس موعدنا يوم الخميس،فمالي منه أرتاب؟
أطارد الوهم عن نفسي وبي وجل كما يطارد وحش الغاب هيّاب
حتى تلقيت هول النعي فانتثرت خواطري في ظلام الحزن تجتاب
لم يبق منعاك لي جهداً أفيك به حق الرثاء ودمع العين منساب
ما أعجب القدر اللاهي بعالمنا إذ تبسم أبدى الشرة الناب!
إن فرّق الموت جسمينا فغن لنا في عالم الروح لقيا ليس تنجاب
ابراهيم عبد القادر المازني(الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر للدكتور القط ص149):
فيا مرحباً بالموت يثلج بردُهُ فؤادي،وينسيني طويلَ عنائيا
تموتُ مع المرءِ الهمومُ،ولن ترى ككأسِ الردى من علّة العيش شافيا
ولست على شئٍ بآسٍ وإنني لأهجرُ ظهر الأرضِ جذلان راضيا
وما طالَ عمري،غير أن لواعجا أطلن عنائي فاجتويت مقاميا
أهابَ بنا داعي الردى فترحموا وقولوا:سقى الله القلوبَ الظواميا
وقُمْ ودّع الأرضين عني فإنني بقيد الردى المحتوم إلا لسانيا
لقد أفردته نفسُهُ بين قومه فعاشَ خيالاً بينهم مترائيا
وما كان إلا قوة أحدقت بها حوائل ضعفٍ أمرُها ليس باديا
فعاد وما يستطيع حملاً لساعة فكيف بأيام حملن لياليا
ابراهيم عبد القادر المازني في قصيدة بعنوان :فتىً في سياق الموت:
نعدُّ أنفاسَهُ ونحسبُها والليلُ فيهِ الظلامُ يلتطِمُ
إذا خروجُ الحياةِ أجهدَهُ تساقطت عن جبينهِ الدِّيمُ
صدرٌ كصدرِ الخضّمِ مضطربٌ جحافلُ الموتِ فيهِ تزدحِمُ