وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (1/10)
بسم الله الرحمن الرحيم
„وجاءت سكرة الموتِ بالحقِّ“
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونسترشده،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا،من يهده الله فلا مُضلّ له،ومن يُضلل فلاهادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،إقراراً بربوبيته،وإرغاماً لمن جحد به وكفر،وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر،ما اتصلت عين بنظر،أو سمعت أذن بخبر،بلّغ الرسالة،وأدّى الأمانة،اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد،وعلى آله وأصحابه،وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين،اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،إنك أنت العليم الحكيم،اللهم علّمنا ما ينفعنا،وانفعنا بما علّمتنا،وزدنا علماً،واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،واغفر لنا واهدنا وارحمنا وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الموت حقّ:
يقول تعالى:{كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ}[آل عمران 185].وقال تعالى:{كلُّ من عليها فانٍ*ويبقى وجهُ ربّكَ ذو الجلالِ والإكرامِ}[الرحمن 26 ـ 27].
نعم الموت حق،وهذه الحقيقة الأبدية الأزلية ليس لها استثناء،فالموت حوض الكل وارده، وسيشرب من كأسه وباب سيلج الجميع من خلاله،من عهد آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،لا يوجد استثناء،وحتى بحق أعظم الناس من الأنبياء،وكل من عليها فان ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى في سورة النجم:{وأنّهُ هوَ أماتَ وأحيا}[النجم44]،يقول رحمه الله:
„أمات وأحيا…أنشأ الموت والحياة،كما قال في سورة أخرى:{الذي خلق الموت والحياة}.وهما أمران معروفان كل المعرفة بوقوعهما المتكرر.ولكنهما خافيان كل الخفاء حين يحاول البشر أن يعرفوا طبيعتهما وسرهما الخافي على الأحياء…فما الموت؟وما ما حقيقتهما حين يتجاوز الإنسان لفظهما وشكلهما الذي يراه؟كيف دبت الحياة في الكائن الحي؟ماهي؟ومن أين جاءت؟وكيف تلبست بهذا الكائن فكان؟وكيف سارت في طريقها الذي سارت فيه بهذا الكائن أو بهذه الكائنات الأحياء؟وما الموت؟وكيف كان…قبل دبيب الحياة وبعد مفارقتها للأحياء؟إنه السر الخافي وراء الستر المسبل،بيد الله.
أمات وأحيا..وتنبثق ملايين الصور من الموت والحياة.في عوالم الأحياء كلها.في اللحظة الواحدة.في هذه اللحظة.كم ملايين من الأحياء ماتت,وكم ملايين الملايين بدأت رحلة الحياة.ودب فيها هذا السر من حيث لا تعلم ومن حيث لا يعلم أحد إلا الله.وكم من ميتات وقعت فإذا هي ذاتها بواعث حياة.وكم من هذه الصور يتراءى على مدار القرون،حين يستغرق الخيال في استعراض الماضي الطويل،الذي كان قبل أن يكون الإنسان كله على هذا الكوكب.وندع ما يعلمه الله في غير هذا الكوكب من أنواع الموت والحياة التي لا تخطر على بال إنسان.
ويقول في موضع آخر من الظلال(الآية 66 من سورة الحج):
„والموت سر آخر يعجز العقل البشري عن تصور كنهه،وهو يتم في لحظة خاطفة،والمسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة عريضة ضخمة…وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر“.
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال:كن في الدنيا كأنك غريب):
„روى البخاري في صحيحه،عن ابن عمر رضي الله عنهما،عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:“كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل“ وكان ابن عمر يقول:“إذا أصبحت فلا تنتظر المساء،وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك.[رواه البخاري وأحمد والترمذي وبن ماجه عن ابن عمر].
يقول الشيخ القرضاوي:“إن مشكلة الناس أنهم يحيون في الدنيا بعقلية الخالدين،يظنون أن الحياة لهم دائمة،فإن لم تكن دائمة،فهم يحسبون أن الموت عنهم بعيد،ودواء هذا كله،أن يُقصِّر الناس من آمالهم،وأن يعيشوا على ذكر من الآخرةنوأن يجعلوا الآخرة نصب أعينهم،ومن أجل هذا يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر بقوله:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل“.
فإن من الخطر أن يتخذ الإنسان الدنيا دار إقامة،ويتخذها وطناً دائماً،ويحسب أن لا رحيل له عنها، أو هكذا يفكر…وهكذا يُعامل نفسه…وهكذا يعامل الناس..إن عليه أن يعرف أن الدنيا دار ممر،لا دار مقر،كما قال العبد المؤمن الصالح،مؤمن آل فرعون وهو يدعو قومه إلى الله،ويقول لهم:{يا قومِ اتّبعونِ أهدِكمْ سبيلَ الرَّشادِ *يا قومِ إنّما هذهِ الحياةُ الدُّنيا متاعٌ وإنَّ الآخرةَ هيَ دارُ القَرارِ}[غافر 38 ـ 39].
الحياة الدنيا هي متاع،بل متاع قليل،بل هي متاع الغرور…والآخرة هي دار القرار،دار الإقامة…دار الخلود.فليكن الإنسان في الدنيا على إحدى هاتين الحالتين:حال الغريب،أو حال عابر سبيل.
الغريب الذي يقيم في أرض وهو يعلم أنها ليست أرضه،ويُقيم في بلد،وهو يعلم أنها ليست وطنه،فهو دائم الحنين إلى وطنه،دائم الحنين إلى أرضه،إلى مسقط رأسه،ومهد طفولته،ومهوى فؤاده،حيث يجتمع شمله بأحبابه وأصحابه…فهذا هو شأن المؤمن.
فوطن المؤمن ليس هو الدنيانإنما هو الجنة…فإن الله حينما خلق آدم ،أسكنه وزوجته الجنة،ثم أهبطه منها،ووعده وذريته من الصالحين بالرجوع إلى المسكن الأول…إلى الجنة.
والحالة الثانية التي يرشد إليها الحديث أن تعتبر نفسك غير مُقيم قط،وإنما أنت مسافر،تقطع مرحلة وراء مرحلة،ومنزلة عقب منزلة،حتى تذهب إلى مقصدك وإلى مأواك،وإلى دار مقامتك.
ويتابع الشيخ القرضاوي:“فهذه الدار دار مقيل،وليست دار إقامة،ولكن الناس عن ذلك غافلون .إن هذه الحياة ليست حياة خلود أبداً،لا تستحق أن يفرح الإنسان بها،إلا بما أوتي من فضل الله،:{قل بفضل الله وبرحمتهِ فبذلكَ فليفرحوا هو خيرٌ ممّا يجمعونَ}[يونس 58]،كيف يفرح بالدنيا من تهدم ساعاته فيها يومه،وأيامه تهدم شهره،وشهوره تهدم عامه،وأعوامه تهدم عمره؟وهكذا حتى تنتهي هذه الحياة،التي يتكالب الناس عليها ويتنافسون!.
ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال بعنوان“حكمة الموت“:
„الموت هو سنة الحياة،ونحن نرى مايقوم به رعاة الحدائق والبساتين من تشذيب الشجر،وقطع بعض فروعه وأغصانه،ليحيا سائر الشجرة وينمو ويثمر،إنه تضحية بالبعض من أجل الكل.وهذا هو قانون الحياة،ولولا هذا القانون ماقدمت أمة فلذات أكبادها،وأعز أبنائها شهداء في سبيل عقيدتها وشرفها فهم يموتون لتحيا الأمة،أي يقطع الفرع ليبقى الأصل حياً.
ولو عرف منطق الدين،لعرف أن وراء أمر الموت والحياة سر التكليف والابتلاء،وصهر الإنسان في هذه الدار الفانية ليعد للخلود في الدار الباقية:“{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً}.
لو آمن بمنطق الدين لعلم أن الموت ليس فناءً محضاً،ولا عدماً صرفاً،كما يتصور الجهلة والضالون.إنما الموت هو انتقال من حال إلى حال.ومن طور إلى طور،ومن دار إلى دار،كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:“إنكم خلقتم للأبد،وإنما تنقلون من دار إلى دار“.وقال الشاعر:وما الموت إلأ رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي.
فالميت في قبره يحيا حياة برزخية،يتلذذ فيها او يتألم،تمهيداً لحياة الخلود في الآخرة بما فيها من حسن الثواب أو سوء العذاب.
ولو عرف منطق الفلسفة لوقف متأملاً يسائل نفسه مرة ومرة عن حكمة هذا الأمر الخطير،الذي لم يدع كائناً بشرياً إلا فجعه في حبيب لديه،أو عزيز عليه.ولو فعل لوجد الحكمة أبين من فلق الصبح.ترى ماذا كان يحدث لو لم يكن الموت مكتوباً على بني الإنسان؟لو ظل الناس يتناسلون ويتكاثرون،ولا يموت منهم أحد؟وتمضي ألوف السنين وملايينها وهم يزيدون ولا ينقصون؟إن الذي نتصوره أن يجتمع العقلاء من الناس في كل بلد أو ناحية،ويفكروا في إعدام عدد منهم في كل عام مثلاً،حتى تخف الزحمة،وتتيسر المعيشة للباقين.
ولكن كيف الاختيار والتعيين:أيكون على كل أسرة أن تقدم من أفرادها عدداً؟أم الغرباء هم الذين يختارون العدد المطلوب؟أم يكون الاختيار بالقرعة؟وكيف يمكن التنفيذ إذا لم يكن الإنسان ـ بحكم خلقته ـ قابلاً للموت؟إن الموت الطبيعي أراح الناس من هذا كله،وكان في ذلك الخير،كل الخير،لأن الموت في الحقيقة ضرورة للحياة.
فإذن الحكمة البالغة،والعدل المبسوط بالتدبير الإلهي هو الصواب الذي لا معدل عنه،ولا محيص منه،وهو غاية الجود الذي ليس وراءه غاية أخرى لطالب مستزيد،أو راغب مستفيد،والخائف منه هو الخائف من عدل الباري وحكمته،بلهو الخائف من وجوده وعطائه.فقد ظهر ظهوراً حسناً أن الموت ليس بردىء كما يظنه جمهور الناس،وإنما الردىء هو الخوف منه،وإن الذي يخاف منه هو الجاهل به وبذاته.وقد كان ظهر أيضاً فيما تقدم من قولنا أن حقيقة الموت هي مفارقة النفس للبدن،وهذه المفارقة ليست فساداً للنفس،وإنما هي فساد المتركب.فأما جوهر النفس الذي هو ذات الإنسان ولبه وخلاصته فهو باق بحاله“.
ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(نور وهداية):
„ولقد طالما وقفت هذا الموقف ففكرت في الزمان وتفلسفت،وعدت إلى ماضيّ فحزنت وفكرت في المستقبل فأيِست،ثم رأيت ذلك باطلاً كله،كله باطل! لا الماضي يعود ولا الحاضر يدوم ولا المستقبل يأتي،تفنى اللّذاذات وتذهب الأحزان،وتمر الأيام بنا في طريق القبر حتى نبلغه،فتكون خاتمة المطاف هذه الآلام التي نوّدع بها الدنيا،والتي تُنسينا كل لذة وكل متعة استمتعنا بها.
ويا ليت الموت هو الغاية! إن الموت بداية لذّة لا آخر لها أو ألم ما له من نهاية.
فأين نحن،وفي أي واد من أودية الضلال نتخبط؟اللهم إني أتوجه إليك في هذه الساعة لتصلني بك وتدلني على اطريق إليك حتى أعرفك،فلقد عرفت أن كل شىء سواك باطل.
ما الحياة؟ماهذه الفترة القصيرة من الزمان السّرمدي؟وما الزمان في جنب الله الباقي؟وما الجمال الدنيوي؟وما الحب الأرضي؟وما العلم؟أليس العلم كله إدراك سطر واحد من سفر الوجود وكشف حفنة واحدة من رمال الصحراء؟فما أجهل العلم إذن بالوجود!وما أحمق العلم حين يرفع رأسه ليتكلم في الموجِد وقد خرس عمّا أوجد،ولينظر إلى الخالق الباقي وقد عمي عن المخلوقات الفانية!وهل عرف العلم من نحن ومن أين جئنا وإلى أين نسير؟“.
ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 223 بتاريخ 6 نيسان عام 1943ن):
„من قديم والإنسان أمام الموت مرتاع فزع،ومع أن الموت هو النتيجة الحتمية الطبيعية للحياة،لم يتقدم الإنسان أي خطوة في سبيل تهوين أمره وتلطيف وقعه،ومع أنا إذا نظرنا إليه من الناحية الاجتماعية لا من الناحية الفردية،وجدناه أمراً لا بد منه لحياة الجيل الحاضر والجيل المستقبل،إذ الأرض يستحيل البقاء عليها والعيش فيها،إذا لم يكن الموت ـ مع كل ذلك ـ فهذا التفكير المعقول لم يخفف الشعور بهول الموت،وهذه المصيبة الكبرى.
أمامه تنهار كل القيم:المال والجاه والمنصب،واللذائذ تتضاءل كلها أمامه،فيستهونها واجدها ويستقل شأنها فاقدها.
وفي كل يوم عبر،فهو لايرحم شاباً لشبابه،ولا عظيماً لعظمته،ولا أباً لحنوه،ولا صحيحاً لصحته،سواء عنده كل شىء.
وكلما كان الميت أعظم،كانت العبرة به أعظم،ومن أجل ذلك وقف الناس وقفة اتعاظ بموت الجبابرة،أمثال الإسكندر،ودارا،وتيمورلنك،ونيرون،ونابوليون،إذ رأوا أن جبروتهم انهار أمام الموت كما ينهار السائل الفقير،والمسكين الحقير،فإذا الدنيا كلها،والجبروت كله، والعظمة كلها فقاقيع مسها الهواء فزالت،وكأن الحياة لعبة في الهواء،أو كتابة على ماء.
وفي الأدب العربي قصة طريفة،بعثرت فجمعناها،ورويت روايات مختلفة فاخترنا خيرها،وهي أن الإسكندر لما مات اجتمع حول جثته جمع من الفلاسفة من تلاميذ أرسطو،فقال عظيمهم:ليقل كل منكم قولاً يكون للخاصة معزياً،وللعامة واعظاً.
فقام أحدهم وضرب بيده على التابوت وقال:أيها النطيق ما أخرسك،أيها العزيز ما أذلك، أيها القانص كيف وقعت في الشرك؟من هذا الذي يقنصك؟
وقام ثان فقال:هذا القوي الذي أصبح اليوم ضعيفاً،والعزيز الذي أصبح اليوم ذليلا.
وقال ثالث:قد كانت سيوفك لا تجفّ،ونقمتك لا تؤتمن،ومدائنك لا تُرام،وعطاياك لا تبرح،وضياؤك لا يخبو،فأصبح ضوءك قد خمد،ونقمتك لا تُخشى،وعطاياك لا تُرجى،وسيوفك لا تُنتضى،ومدائنك لا تُمنع.
وقال رابع:هذا الذي كان للملوك قاهراً،أصبح اليوم للسوقة مقهوراً.
وقال خامس:قد كان صوتك مرهوباً،وكان ملكك غالباً،فأصبح الصوت قد انقطع،والملك قد اتضع.
وقال سادس:كنت كَحلم نائم انقضى،أو كظل غمام انجلى.
وقال سابع:لئن كنت أمس لا يأمنك أحد،لقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد.
وقال ثامن:هذه الدنيا الطويلة العريضة طويت في ذراعين.
وقال تاسع:كفى للعامة أسوة بموت الملوك،وكفى الملوك عظة بموت العامة.
وقال عاشر:قد حرّكنا الإسكندر بسكونه،وأنطقنا بصمته.
وهذه القصة إن شك فيها المؤرخ،لا يشك في قيمتها الأديب والمعتبر.
ورحم الله الحسن البصري إذ يقول:“ما أكثر المعتبَر وأقل المعتبر“.
يقول الأستاذ فيصل بن عبد الحمن الشدي(موقع صيد الفوائد ):
„إننا لاندري متى نفارق دنيانا إلى قبورنا،ونجهل الحال التي يختم بها لنا،ولا نعلم أي عمل نلقى به ربنا،والموت قد تسبقه إلى العبد نذرٌ وعلامات من مرض مهلك،أو حرب مبيدة،أو حكم من بشر بقصاص أو قتل سواء كان بحق أو باطل.وقد يأتي الموت للعبد بغتة وهو على أتم حال يكون فيها وأحسنها،وهذا الذي يفجع الأحياء،ويخافه الناس على أنفسهم،لقلة الزاد،وضعف الاستعداد.
وهذا يوجب على العباد الخوف الدائم،وترقب الموت في أي لحظة{فسبح بحمد ربّكَ وكن من الساجدين*واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}[الحجر].
إن الله فطر الأحياء على الخوف من الموت،واتقاء أسبابه،واجتناب مظانه،كما فطرهم على التشبث بالحياة،وبذل الغالي والنفيس فيها،ومع أن الأحياء تفر من الموت،وتتقي أسبابه،فإن كل مخلوق لا بد أن يموت{كلُّ من عليها فان*ويبقى وجهُ ربّكَ ذو الجلال والإكرام}[الرحمن].
وإذا كان هم الكافر في الدنيا أن يستمتع بلذاتها،ويعب من شهواتها فإن همة المؤمن في الدنيا عمارة الآخرة،والتزود من الباقيات الصالحات،مستحضراً الموت والقبر والحساب والجنة والنار،فمن فعل ذلك كانت دنياه مطية لآخرته ومزرعة لها.
ونسيان الموت سبب للهو والغفلة والانغماس في الدنيا كما أن تذكر الموت سبب للزهد في الدنيا والإقبال على العمل الصالح،ولذا حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على تذاكر الموت وعدم نسيانه لئلا نغفل فقال صلى الله عليه وسلم:“ أكثروا ذكر هاذم اللذات“[رواه النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
ويقول الأستاذ العلامة راتب النابلسي حفظه الله:“لا يستطيع أحد أن ينكر حدث الموت،لكن الناس يتفاوتون لا في الإنكار أو التصديق بل يتفاوتون في مدى الاستعداد للموت،يستعد للموت بالتوبة الصادقة،والعمل الصالح،وبطلب العلم،وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وبالدعوة لله عز وجل،وبتربية الأولاد،الناس يتفاوتون لا في تصديقهم أو تكذيبهم بحدث الموت،ولكنهم يتفاوتون في مدى الاستعداد للموت.وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن أكيسكم أكثركم للموتِ ذكراً،وإن أحذركم أشدكم استعداداً له،ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور،والإنابة إلى دار الخلود،والتزود لسكنى القبور،والتأهب ليوم النشور„[رواه البيهقي]انتهى كلام النابلسي.
إنَّ الموت حقّ،وسكرات الموت حق ،فلابد من أن يتذكر الإنسان أنه يعيش حياته الدنيا لفترة معينة ومن ثم ينتقل إلى الدار الآخرة،حيث النعيم الخالد المقيم،أو الجحيم الخالد المقيم.
يقول الأستاذ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مقال:كلنا نموت):
„هل رأى أحد منكم يوماً جنازة؟هل تعرفون رجلاً كان إذا مشى رجّ الأرض،وإن تكلم ملأ الأسماع،وإن غضب راعَ القلوب،جاءت عليه لحظة فإذا هو جسد بلا روح،وإذا هو لا يدفع عن نفسه ذبابة،ولا يمتنع من جرو كلب؟!!!
هل سمعتم بفتاة كانت فتنة القلب وبهجة النظر،تفيض بالجمال والشّباب،وتنثر السحر والفتون،تبذل الأموال في قبلة من شفتيها المطبقتين كزر ورد أحمر،وتراق الكبرياء على ساقيها القائمتين كعمودين من المرمر،جاءت عليها لحظة فإذا هي قد آلت إلى النتن والبلى،ورتع الدود في هذا الجسد الذي كان قبلة عبّاد الجمال،وأكل ذلك الثغر الذي كانت القبلة منه تشترى بكنوز الأموال؟!
هل قرأتم في كتب التاريخ عن جبار كانت ترتجف من خوفه قلوب الأبطال،ويرتاع من هيبته فحول الرجال،لا يجسر أحد على رفع النظر إليه ،أو تأمل بياض عينيه،قوله إن قال شرع ،وأمره إن أمر قضاء،صار جسده تراباً تطؤه الأقدام،وصار قبره ملعباً للأطفال،أو مثابة“لقضاء الحاجات“.؟!!
هل مررتم على هذه الأماكن،التي فيها النباتات الصغيرة،تقوم عليها شواهد من الحجر،تلك التي يقال لها المقابر؟!!
فلماذا لا تصدقون بعد هذا كله،إن في الدنيا موتاً؟!
لماذا تقرؤون المواعظ،وتسمعون النذر فتظنون أنها لغيركم؟وترون الجنائز وتمشون فيها فتتحدثون حديث الدنيا،وتفتحون سير الآمال والأماني…كأنكم لن تموتوا كما مات هؤلاء الذين تمشون في جنائزهم،وكأن هؤلاء الأموات ما كانوا يوماً أحياء مثلكم،في قلوبهم آمال أكبر من آمالكم،ومطامع أبعد من مطامعكم؟
لماذا يطغى بسلطانه صاحب السلطان،ويتكبر ويتجبر يحسب أنها تدوم له؟إنها لاتدوم الدنيا لأحد،ولو دامت لأحدٍ قبله ما وصلت إليه.ولقد وطىء ظهر الأرض من أهم أشدّ بطشاً،وأقوى قوة،وأعظم سلطاناً؟فما هي….حتى واراهم بطنها فنسي الناس أسماءهم!
يغترُّ بغناه الغني،وبقوّته القويّ،وبشّبابه الشّاب،وبصحته الصحيح،يظن أن ذلك يبقى له…وهيهات…!
وهل في الوجود شىء لا يُدركه الموت؟!
البناء العظيم يأتي عليه يوم يتخرب فيه،ويرجع تراباً،والدوحة الباسقة يأتي عليها يوماً تيبس فيه،وتعود حطباً،والأسد الكاسر يأتي عليه يوم يأكل فيه من لحمه الكلاب،وسيأتي على الدنيا يوم تغدو فيه الجبال هباءً،وتشققّ السماء،وتنفجر الكواكب،ويفنى كل شىء إلا وجهه.
يوم ينادي المُنادي:{لمن الملك اليوم}
فيجيب المُجيب:{لله الواحد القهار}
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت.
فاذكروا الموت لتستعينوا بذكره على مطامع نفوسكم،وقسوة قلوبكم،اذكروه لتكونوا أرقّ قلباً وأكرم يداً،وأقبل للموعظة،وأدنى إلى الإيمان،اذكروه لتستعدوا له،فإن الدنيا كفندق نزلت فيه،أنت في كل لحظة مدعو للسفر،لا تدري متى تُدعى،فإذا كنت مستعداً:حقائبك مغلقة وأشياؤك مربوطة لبيّت وسرت،وإن كانت ثيابك مفرقة،وحقائبك مفتوحة،ذهبت بلا زاد ولا ثياب،فاستعدوا للموت بالتوبة التي تصفي حسابكم مع الله،وأداء الحقوق،ودفع المظالم،لتصفوا حسابكم مع الناس.
ولا تقل أنا شاب…ولا تقل أنا غني…
فإن ملك الموت إن جاء بمهمته لا يعرف شاباً ولا شيخاً،ولا عظيماً ولا حقيراً ولا غنياً ولا فقيراً..
ولا تدري متى يطرق بابك بمهمته….!!
ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في مقال بعنوان“صوت القبر“:
„يا من لهم في القبور أموات!
إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة،فيجب أن يكون معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذه الدنيا.
القبر فم ينادي:أسرعوا أسرعوا،فهي مدة لو صُرفت كلها في الخير ما وفت به،فكيف يضيع منها ضائع في الشر أو الإثم! لو ولد الانسان ومشى وأيفع وشب واكتهل وهرم في يوم واحد،فما عساه كان يضيع من هذا اليوم الواحد؟إن أطول الأعمار لا يراه صاحبه في ساعة موته إلا أقصر من يوم.
ينادي القبر:أصلحوا عيوبكم،فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي بقيت كما هي إلى الأبد.
هنا قبر،وهناك قبر،وهنالك القبر أيضاً،فليس ينظر في هذا عاقل إلا كان نظره كأنه حكم محكمة على هذه الحياة كيف تنبغي وكيف تكون.
في القبر معنى إلغاء الزمان،فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامه،وأن يُسقط منها أوقات الشر والإثم،وأن يميت في نفسه خواطر السوء،فمن معاني القبر ينشأ للإرادة عقلها القوي الثابت،وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكاناً في زمن هذا العقل،كما لا يجد الليل محلاً في ساعات الشمس.
ثلاثة أرواح لا تصلح روح الإنسان في الارض إلا بها:روح الطبيعة في جمالها،وروح المعبد في طهارته،وروح القبر في موعظته“.
ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 89ـ مقال:عروس تزف إلى قبرها):
„واهاً لك أيها الزمن!من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعاًَ،وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه،كما أن لكل مخلوق سر روحه،وليس إليه لا هذا ولا هذا.
أيتها الدنيا،هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!
ويا عجباً لأهل السوء المغترين بحياة لابد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟حياة عجيبة غامضة،وهل أعجب وأغمض من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكرة في حقيقتها؟
فعندما تحين الدقائق المعدودة التي لا ترقمها الساعة ولكن يرقمها صدر المحتضر…عندما يكون ملك الملوك جميعاً كالتراب لا يشتري شيئاً البتة…
أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة،لا أعمارنا ولا حظوظنا.ولا قيمة للمال أو الجاه،أو العافية،أو هي معاً إذا سلب صاحبها الأمن والقرار! والآمن في الدنيا من لم تكن وراءه جريمة لا تزال تجري وراءه.والسعيد في الآخرة من لم تكن له جريمة تطارده وهو في السموات“.
ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(الإنسان في القرآن الكريم ـ ص66):
„إن حبّ الحياة والرغبة في البقاء غريزة ثابتة في النفس الإنسانية،وما أوجدها الله إلا لتؤدي دوراً إيجابياً في استمرار عمران الأرض وقيام شؤون الحياة،وبسببها قامت حضارات،وتحقق كثير من التقدم.ولكن الطواغيت الذين يريدون قهر الجماهير واستغلالهم وتسخيرهم لخدمتهم وتصريفهم كما يشاؤون انتبهوا إلى هذه الحقيقة فجعلوا التهديد بالموت السلاح التقليدي الذي يشهرونه على الشعوب والأفراد في سبيل إذلالهم.
أما الإسلام في هذا الموضوع فقد قرر أن الله عز وجل هو الذي يُحيى ويميت فقال:{وهوَ الّذي ذَرَأَكُمْ في الأرضِ وإليهِ تُحشرونَ*وهوَ الّذي يُحيى ويُميتُ ولهُ اختلافُ الّليلِ والنّهارِ أفلا تعقلونَ}[المؤمنون 79 ـ 80].
وقرر أن الأجل محتوم لا يمكن أن يتقدم لحظة ولا أن يتأخر،وأن هذا في الأمم كما هو في الأفراد.قال تعالى:{اللهُ يَتوفَّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها والّتي لم تَمُتْ في منامها فَيُمسِكُ الّتي قضى عليها الموتَ ويُرسِلُ الأخرى إلى أجلٍ مُسَمّىً}[الزمر 42].وقال:{وأنفِقوا من مارَزقناكُم من قبلِ أن يأتيَ أحدَكُمُ الموتُ فيقولَ ربِّ لولا أخّرّتني إلى أجلٍ قريبٍ فاصَّدَّقَ وأكنْ منَ الصّالحينَ*ولنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نفساً إذا جاءَ اجَلُها واللهُ خبير بما تعملونَ}[المنافقون 10 ـ 11].وقال:{ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجلٌ فإذا جاءَ أجلُهُم لا يستأخرونَ ساعةً ولا يستقدمونَ}[الأعراف 34].
ويقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص33):
„والحق الذي كان يجب على المنتسبين للأديان كافة أن يفقهوه وأن يقفوا عنده هو أنّ الموت مرحلة تتلوها حياة أضخم من حياتنا هذه،وأعمق إحساساً،وأرحب آفاقاً.
حياة تعدُّ حياتنا هذه لهواً وعبثاً إلى جانبها،ولذلك يعبّرُ القرآن عنها بلفظ أكبر في مبناه ليكون أوسع في معناه فيقول:{وما هذه الحياةُ الدنيا إلا لَهوٌ ولَعبٌ وإنَّ الدارَ الآخرة لَهيَ الحيوانُ لو كانوا يعلمون}[العنكبوت 64].
إن الشعور بأن الموت بداية فناء مطلق وهمٌ يشيع للأسف بين الكثيرين،وهو الذي يخامر المنتحرين عندما يقررون مغادرة الحياة.
إنهم معذّبون بالإحساس الساري في أعصابهم بحملهم الغمّ والكرب ،فما الذي يريحهم من هذا الإحساس؟الموتُ الذي يتوهمونه ضياعاً وانقطاعاً وفراغاً من كل شعور!!
فكيف إذا علموا بالحقيقة المرّة،ووجدوا أنفسهم التي يريدون إزهاقها ما تزال باقية لم يتغير منها إلا الإهاب الذي احتواها حيناً،ثم عريت عنه دون أن ينقص وعيها أو يقلَّ حسُّها؟!
إنّ ما بعد الموت طورٌ آخر من أطوار الوجود الإنساني يتسّم بزيادة الوعي وحدّة الشعور.
ويتابع رحمه الله:“الواقع أن الجزع والجبن والتحسر وشتى العواطف التي تنتاب الناس بإزاء الموت تعود إلى فهمه على أنه انتقال من وجود إلى عدم،ومن ضياء إلى ظلام،ومن إيناس إلى وحشة.
فهل يدري هؤلاء أن هذه الحياة الدنيا بما فيها ومن فيها ستكون ذكريات حافلة مثيرة،وأن يوماً لابدّ منه سوف يقدم ليتلاقى فيه الصالحون،فيقول بعضهم لبعض:{إنّا كنّا قبلُ في أهلنا مُشفقين*فَمنَّ اللهُ علينا ووقانا عذابَ السَّموم*إنّا كُنّا من قبلُ ندعوهُ إنّهُ هو البرُّ الرحيم}[الطور 26 ـ 28]“.
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامه ص89):
„والحديث عن الموت،أو انتهاء الحياة حديث يمكن أن يلخص في سطور قليلة…فالموت كما قلنا من خلق الله مصدقاً لقوله تعالى:{الذي خلقَ الموتَ والحياةً ليبلوكم أحسنُ عملاً}[تبارك 2].
ولعلنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد قدم في هذه الآية الموت على الحياة…فقال سبحانه:{خلقَ الموت والحياة}
ولنا أن نتساءل :لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الموت على الحياة؟فنجد أنه لسببين:
السبب الأول أنه يسبق الحياة…فالله سبحانه وتعالى يقول:{كيفَ تكفرون بالله وكُنتمْ أمواتاً فأحياكُم ثمَّ يُميتُكم ثمَّ يُحييكم ثمَّ إليه تُرجعون}[البقرة 28].
أي أن الموت يكون قبل الحياة.. ومن هنا فهو سابق للحياة..
والثاني أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الموت حتى إذا تذكرناه سارعنا إلى الخير والإيمان والعمل الصالح..ولكنه ليس في حاجة لأن يلفتنا إلى الحياة…فدوافع الحياة متمكنة متأصلة في النفس البشرية..
إذن فنحن محتاجون دائماً لأن يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى الحقيقة…فيأتي ذكر الموت أولاً ليلفتنا الله سبحانه وتعالى إليه حتى لا نحسب أننا أخذنا الحياة اغتصاباً واقتداراً،ولن نخرج منها.
والموت هو انتهاء الإرادة البشرية…فما دمت حياً فإنك تستطيع أن تفعل كذا ولا تفعل كذا…ويكون لك اختيار وبدائل..ولكن متى جاء الموت انتهى هذا الإختيار تماماً،ولم يعد لك اختيار فيما سيفعل بك ،أو سيقع عليك من أحداث …من لحظة الموت إلى يوم القيامة،فالإرادة البشرية انتهت مهمتها في اختبارات الدنيا…وما دامت قد انتهت مهمتها فهي الأخرى لم يعد لها وجود.
وهكذا تنتهي إرادتك البشرية…وتنتقل إلى حياة البرزخ التي لا تملك فيها إرادة…ثم يوم القيامة الذي لا تملك فيه أيضاً إرادة…على أننا لابد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى:{كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموتِ ثمَّ إلينا تُرجعون}[العنكبوت 57].
هل للموت مذاق وطعم يتذوقهُ الإنسان؟هل له طعم مثل الطعام مثلاً؟
نقول إن الله سبحانه وتعالى يستخدم لفظ الذوق لأنه الإحساس الصارخ في الأشياء الذي يحس بها كيانك كله…فأنت مثلاً ترى بعينيك ،وتسمع بأذنيك ،وتلمس بيديك،وتشم بأنفك…ولكن الذوق باللسان هو الشىء الذي يعود بالنفع على هيكل الجسم كله..فيعطيك إحساساً باللذة وجمال الطعم..ويعطي جسدك الطاقة التي يعيش بها..ويعطي الدم الغذاء الذي يحتاج إليه..ويعطي المعدة ما تمتصه للجسم ويعطيك القدرة على الحركة.
وهكذا نرى أن أثر الذوق يصل إلى الجسد كله..وفي ذلك يقول الحقّ سبحانه وتعالى:{وذوقوا عذابَ الحريق}[الأنفال 50].
أي أن الكفار حين يعذبون في النار يصل الحريق إلى كل خلية من أجسادهم ،كما يصل الطعام إلى كل خلية من خلايا الجسد في الحياة…“.
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{كل نفس ذائقة الموت}(تفسير الشعراوي):
„فالموت معناه أعمّ وهو:انتهاء الحياة سواء أكان بنقض البنية مثل القتل،أم بغير نقض البنية مثل خروج الروح وزهوقها حتف الأنف.ولذلك فالعلماء الذين يدققون في الألفاظ يقولون:هذا المقتول لو لم يُقتل،أكان يموت؟نقول :نعم،لأن المقتول ميت بأجله،لكن الذي قتله هل كان يعرف ميعاد الأجل؟لا.إذن فهو يُعاقب على ارتكابه جريمة إزهاق الروح،أما المقتول فقد كتب الله عليه أن يفارق الحياة بهذا العمل.
إذن فكل نفس ذائقة الموت إما حتف الأنف وإمّا بالقتل.ولأن الغالب في المقتولين أنهم شهداء،والشهداء أحياء،لكن الكل سيموت،يقول تعالى:{ونفخَ في الصور فَصُعقَ من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله}[الزمر 68].
ويقول الشهيد سيد قطب في الظلال:
„إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس:حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة،محدودة بأجل،ثم تأتي نهايتها حتماً…يموت الصالحون،يموت الطالحون،يموت المجاهدون،ويموت القاعدون،يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد.يموت الشجعان الذين يأبون الضيم،ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن…يموت ذوو الإهتمامات الكبيرة والأهداف العالية،ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص.
الكل يموت(كل نفس ذائقة الموت)[آل عمران 185]..كل نفس تذوق هذه الجرعة،وتفارق هذه الحياة…لا فارق بين نفس ونفس في تذوقّ هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع…إنما الفارق في شىء آخر.
الفارق في قيمة أخرى.الفارق في المصير الأخير:
{وإنّما تُوفّونَ أجورَكُم يومَ القيامةِ فَمنْ زُحزِحَ عن النَّارِ وأُدخِلَ الجنَّةَ فقد فاز وما الحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرورِ}[آل عمران 185]
هذه هي القيمة التي يكون فيها الإفتراق،وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلان عن فلان.القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد.والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب.
(فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)..
ولفظ(زحزح) بذاته يصور معناه بجرسه،ويرسم هيئته،ويلقي ظله!وكأنّما للنار جاذبية تشد إليها من يقترب منها،ويدخل في مجالها!فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلاً قليلاً ليخلصه من جاذبيتها المنهومة!فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها،ويستنقذ من جاذبيتها،ويدخل الجنة…فقد فاز.
صورة قوية.بل مشهد حيّ،فيه حركة وشدّ وجذب!وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته.فللنار جاذبية!أليست للمعصية جاذبية؟أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة عن جاذبية المعصية؟بلى!وهذه هي زحزحتها عن النار!أليس الإنسان ـ حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة ـ يظل أبداً مقصراً في العمل…إلا أن يدركه فضل الله؟بلى!وهذه هي الزحزحة عن النار،حين يدرك الإنسان فضل الله،فيزحزحه عن النار!“.
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{إنّكَ ميّتٌ وإنَّهم ميّتون}[الزمر 30]،يقول رحمه الله:
„كان كفار مكة إذا أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء أو وعكة صحية،أو نزلت به شدّة كما حدث في أُحد يفرحون لذلك،فما بالك لو مات رسول الله؟لذلك يقرر القرآن لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة{إنّكَ ميتٌ وإنّهم ميتون} فعلام يفرحون وهذه نهاية الجميع،كما قال عز وجل في موضع آخر:{وما جعلنا لبشرٍ من قبلكَ الخلدَ أفإن متَّ فهم الخالدون}[الأنبياء 34].
لكن المسألة لن تنتهي عند هذا الحدّ،إنما بعد الموت حياة أخرى،فيها حساب وجزاء ووقوف بين يدي الله تعالى،وساعتها سيكون النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مقام،أما أنتم فسيكون موقفكم موقف المخالفين لله،فماذا تقولون؟هذا معنى قوله سبحانه:{ثمَّ إنكم يومَ القيامةِ عندَ ربّكم تختصمونَ}[الزمر 31].
ومعنى( إنك ميّت)هكذا بالتشديد.أي ذاهب منتهٍ إلى الموت ففرق بين ميّت بتشديد الياء وميت بسكونها،ميّت يعني من سيموت ويؤول إلى الموت،ولو كان حياً،لأن الله خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم وهو ما يزال حيّاً.أما ميت(بدون التشديد) فمن مات بالفعل.
ومن ذلك قول الشاعر:
وكلُّ أنامِ الله في الناسِ ميّتٌ وما الميتُ إلا من إلى القبرِ يُحملُ
وقوله تعالى:{إنك ميّتٌ وإنهم ميّتون} فيه تطمينٌ وتأسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم،كما خاطبه سبحانه بقوله:{فإمّا نُرينَّكَ الذي نعدُهُمْ أو نتوفينَّكَ فإلينا يُرجعونَ}[غافر 77]،وهنا قال:{ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}[الزمر 31].
يعني:إما أن ترى انتقام الله منهم في الدنيا وإلا ففي الآخرة،إذن:من مصلحتك أن تنتقل إلى الرفيق الأعلى لنختصر المسافة،وترى بعينك مصارع الكافرين المعاندين،فلا تضعف ولا تذل،لأن لك مآلاً عند الله تأخذ فيه جزاءك،ويأخذون جزاءهم“.
ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:“(إنك ميت وإنهم ميتون):
„إنه الموت نهاية كل حي،ولا ينفرد بالبقاء إلا الله وفي الموت يستوي كل البشر بما فيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم يلي ذلك تقرير ما بعد الموت.فالموت ليس نهاية المطاف.إنما هو حلقة لها ما بعدها من حلقات النشأة المقدرة المدبرة،التي ليس شىء منها عبثاً ولا سدى.فيوم القيامة يختصم العباد فيما كان بينهم من خلاف.ويجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام ربه ويوقف القوم للخصومة فيما كانوا يقولونه ويأتونه،ويواجهون به ما أنزل الله إليهم من الهدى“.
ويقول الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي (مقال:ذكر الموت ومنازل الآخرة ـ شبكة الألوكة):
„ومن أعلام الهداية على الطريق للسائرين والمشتاقين إلى الجنة ونعيمها وأحوالهم،ذكرهم الدائم للموت ،مع قصر الأمل،وتذكر منازل الآخرة،من أعظم السبل الموصلة إلى الجنة ونعيمها،ودلالة على الإيمان بها،والاستعداد لها،كما أنه من أعظم الأسباب الموصلة لزيادة الإيان في القلب،واستقامة الجوارح على الطاعات،وكفّ النفس وزجرها عن المعاصي والمحرمات،واستحضار مراقبة الله تعالى حقَّ المراقبة.
فالموت هو:حق مقدّر من الله على خلقه،ومفارقة للحياة بخروج الروح من الجسد،وانفصال مؤقت عنه،يكون معه شدائد وسكرات للمحتضر،ويُبشر عندئذ ببشرى الصالحين والأولياء إن كان مؤمناً،أو بسوء عذاب إن كان فاجراً فاسقاً،ثم تعود له الروح في عالم القبر والبرزخ،فيُقعد في قبره،ويُسأل من الملكين،عن الرب والدين والرسول.
ولهذا فالحياة الدنيا كقنطرة للآخرة،والسائر العاقل فيها يعدُّ نفسه فيها من الغرباء الراحلين عنها،ولهذا يُكثر من ذكره للموت والفراق،ليكون على حال المسافر الراحل،فلا يتعلق منها بشىء،بل يُعلّق قلبه بالدار الباقية في الآخرة،فهو غريب على حال الاستعداد والرحيل،ويؤكد هذا ما جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال:“كن في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابرُ سبيل“،وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:“إذا أمسيتَ،فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحتَ،فلا تنتظر المساء،وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك„[رواه البخاري].
وجاء أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال:خطّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً،فقال:“هذا الإنسان،وهذا أجله،فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الاقرب„[رواه البخاري].
وقد حوت سورة“ق“ من حقائق الموت وحقائق الآخرة الكثير من المشاهد التي تورث القلب خوفاً ووجلاً وقرباً وطمعاً في عفوه وكرمه تعالى،وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر منها على المنبر في يوم الجمعة،ولنا فيه الأسوة الحسنة.
قال ابن القيم رحمه الله:“وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي،ويُغني عن كلام أهل الكلام،ومعقول أهل المعقول،فإنهاتضمنت تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوّة والإيمان بالملائكة،وانقسام الناس إلى هالك شقي،وفائز سعيد،وأوصاف هؤلاء وهؤلاء،وتضمنت إثبات صفات الكمال لله،وتنزيهه عما يُضاد كماله من النقائص والعيوب،وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى،والعالمين:الأكبر وهو عالم الآخرة،والأصغر وهو عالم الدنيا.وذكر فيها خلق الإنسان ووفاته وإعادته،وحاله عند وفاته ويوم معاده،وإحاطته سبحانه به من كل وجه،حتى علمه بوساوس نفسه،وإقامة الحفظة عليه،يُحصون عليه كل لفظة يتكلم بها،وأنه يوافيه يوم القيامة،ومعه سائق يسوقه إليه،وشاهد يشهد عليه،فإذا أحضره السائق قال:{هذا مالديَّ عتيدٌ}[ق 23]،أي :هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته،فيقال عند إحضاره:{ألقيا في جهنم كلَّ كفارٍ عنيدٍ}[ق 24]،كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان،فيقال:هذا فلان قد أحضرته،فيقول:اذهبوا به إلى السجن،وعاقبوه بما يستحقه“.
كراهية الموت وحبّ الحياة:
قال تعالى:{قُلْ إنَّ الموتَ الذي تفِرُّونَ منهُ فإنَّهُ مُلاقيكمْ ثمَّ تُرَدُّونَ إلى عالمِ الغَيبِ والشّهادةِ فينبّئكُمْ بما كنتًم تعملون}[الجمعة 8].
يقول الشيخ محمد صالح المنجد(الموقع):“يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان:حب المال،وطول العمر“[رواه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
ففطر الله نفوس العباد على حب الحياة،والرغبة في طول العمر،وكراهية الموت.
وفي رواية لمسلم:“يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان:الحرص على المال،والحرص على العمر“.
فمع أنه يكبر في السن،ويطعن فيه،ويصبح شيخاً،لكن الامل في طول الحياة،يبقى حيّاً شاباً في نفسه،مع أن آماله وحرصه على الدنيا من المتوقع أن تكون قد صغرت وقلت.ونظراً لأن الموت يقطع عن الحياة،والناس يريدون الحياة، فلا عجب أن يكره الناس الموت.وهذه القضية حب الحياة،وطول العمر،يشترك فيها المسلم والكافر،والبر والفاجر،والطائع والعاصي.
ويتابع:“فهل كراهية الموت مذمومة أو ممدوحة؟هل هي بحد ذاتها تنقص من قدر المؤمن؟هل هي كراهية الموت تخالف أمر الدين أو تنزل من رتبة المسلم؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:“من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه،ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه“قالت عائشة أو بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم:“إنا لنكره الموت؟الحقيقة والصراحة أننا نكره الموت.قال:“ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته„[رواه الشيخان].
إذاً،الكلام السابق „من أحب لقاء الله…..“ليس أثناء الحياة،لكن إذا حضرت الملائكة،إذا نزل الموت بالعبد،قال:“إذا حضره بالموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شىء أحب إليه مما أمامه،فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه،وإن الكافر إذا حضر“ يعني نزل به الموت الذي لا يرتفع „بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شىء أكره إليه مما أمامه،كره لقاء الله وكره الله لقاءه„[رواه الشيخان].
وقال الإمام النووي رحمه الله:“معنى الحديث:إن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعاً،هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة،فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه،وما أعد له،ويكشف له عن ذلك،عند نزول الموت يكشف له،هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار،فأهل السعادة عند نزول الموت يحبون ما بعده،لأنهم الآن يرون ما هم صائرون إليه،ويرون ملائكة الرحمة،فيحبون ما لابعد الموت،لأنهم يريدون الانتقال إلى النعيم،وقد بدأت أوائله تأنيهم،وبشائره تتلى عليهم:{إنَّ الذينَ قالوا ربُّنا الله ثمَّ استقاموا تتنزّلُ عليهمُ الملائكةُ ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّةِ التي كنتم تُوعدونَ}[فصلت 30]،ويكشف له عن ذلك،فيحبون لقاء الله،وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه،لما علموا،يعني عند نزول الموت،عند سحب الروح،عند حضور الملائكة،لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه،ويكره الله لقاءهم“.
يقول الشيخ محمد صالح المنجد(موقع الشيخ ـ مقال بعنوان:ذكر الموت):
„حديثنا عن أمر يكرهه الكثيرون،ولا يحب كثير من الناس سماعه،بل ويشردون عن مجالسه شرود البعير الضال عن أهله،ونظراً لأن كثيراً من الناس ينفرون من سماعه،ويفرون من الحديث حوله فإن الله عز وجل قال لهم:{قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه مُلاقيكم}.
الناس أيها الأخوة يفرون من ذكر الموت،ويفرون من الموت،ويحسب الإنسان أنه إذا خنس من الموت بوسيلة،أنه قد فر منه،وأنه لن يقع فيه،وإذا هو يفر من سماع مواعظ الموت،لأنها تقطع عليه لذات الدنيا،وتجعله يعيش في مخاوف عظيمة،لذلك ترى أكثر الناس لا يحبون سماع مثل هذه المواعظ،ولكن الله عز وجل قرر في قرآنه العظيم،وكتابه العزيز،حتى لا يظن ظان أنه بعيد عن هذا الموضوع فقال جلا وعلا:{ كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت}فالحياة متاع الغرور،وكل شىء إلى الله صائر،ولا يبقى إلا وجه الله العظيم.
إننا نحتاج حاجة عظيمة إلى التمعن والتفكر في هذه المٍآلة،لأنها أساس التقوى ولبّ العمل الصالح،وهي دافع مهم من الدوافع على القدوم على الله عز وجل بأعمال صالحة،إذا فكر الإنسان في الميت:يفكر كيف قد سالت العيون،وتفرقت الخدود،مساكين أهل القبور،عن يمينهم التراب،وعن يسارهم التراب،ومن أمامهم التراب،ومن خلفهم التراب،كانوا أهل الدور والقصور فصاروا أهل التراب والقبور،كانوا أهل النعمة فصاروا أهل الوحشة والمحنة،قد سالت العيون،وصدأة الجفون،وتقطعت الأوصال،وبطلت الآمال،وصار الضحك بكاء،والصحة داء،والبقاء فناء،والشهوة حشرات،والتبعات زفرات،فما بيدهم إلا البكاء والحسرات،نفدت الأعمار وبقيت الأوزار“.
هل الموت نعمة؟
يقول تعالى:{واللهُ خلقكُمْ ثمَّ يتوفَّاكُمْ ومنكم من يُردُّ إلى أرذلِ العمرِ لكي لا يعلمَ بعدَ علمٍ شيئاً}[النحل 70].
يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله:“إن الله سبحانه جاء بهذه الآية في معرض النِعم،فهل يكون الموت نعمة؟
نعم الموت نعمة،فلو أن الناس يولدون ولا يموتون،كيف ستكون النتيجة،فالكرة الأرضية الآن رغم(الموت)فيها 6 مليارات من البشر،ومن سنتين تقريباُ بدأ المليار السابع،ويشكو الناس الآن من قلة الموارد،ومن شح الموارد،ويريدون تحديد النسل…الخ،ولو لم يكن كتب الله الموت على الناس،كان لا بد أن يجتمع الناس،ويجتمع كل قرية ويبحثوا في مشكلة العدد الزائد من الناس،وربما وجد البعض الحلّ أن نقطع رقاب كبار السن،حتى يتيحوا فرصة للجيل القادم،فلا يمكن إلا هذا،فسيقول الشباب:لماذا يحتل هؤلاء هذه الأماكن،ويحجزون عنا الترقي،لماذا لا يدع هؤلاء أماكنهم للجيل الصاعد الواعد،حتى يأخذ حقه،ويحتل مساحته…
فسيتصرف الناس عندئذ ليقضي بعضهم على بعض،وربما تحصل مشكلات بين الناس واختلافات،فتقول قبيلة:نترك شيوخنا حتى المائة،وآخرون يقولون:بل للثمانين،وآخرون :للسبعين…قطعاً سيختلف الناس.فكان هذا الحل من الله تبارك وتعالى،بان الموت يقضي على الناس أولاً بأول.هذه هي سنة الله في الحياة.ولذلك كان الموت نعمة،فربما يستغرب بعض الناس أن توجد في سورة النعم،أن يمتن الله على الناس أنه يتوفاهم،بل هي نعمة من الله تبارك وتعالى“.
أفراح الروح:
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان“أفراح الروح“ وهي رسالة سطرها سيد قطب إلى شقيقته أمينة ونشرت عام 1959م يقول فيها:
„أختي الحبيبة…هذه الخواطر مهداة إليك….
إن فكرة الموت ما تزال تخيل لك،فتتصورينه في كل مكان،ووراء كل شىء وتحسبينه قوة طاغية تُظل الحياة والأحياء،وترين الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة.
إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة،وما يكاد يصنع شيئاً إلا أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات!
مد الحياة الزاخر هو ذا يعج من حولي!…كل شىء إلى نماء وتدفق وازدهار…الأمهات تحمل وتضع،والناس والحيوان سواء.الأرض تتفجر بالنبت المتفتح عن أزهار وثمار…السماء تتدفق بالمطر،والبحار تعج بالأمواج…كل شىء ينمو على هذه الأرض ويزداد!
بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشة ويمضي،أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات! والحياة ماضية في طريقها،حية متدفقة فوارة،لا تكاد تحس بالموت أو تراه!
الجرح سرعان ما يندمل،وصرخة الألم سرعان ما تستحيل مراحا..
الشمس تطلع،والشمس تغرب،والأرض من حولها تدور،والحياة تنبثق من هنا ومن هنا…كل شىء إلى نماء…نماء في العدد والنوع،نماء في الكم والكيف…لو كان الموت يصنع شيئاً لوقف مد الحياة! ولكنه قوة ضئيلة حسيرة،بجانب قوة الحياة الزاخرة الطافرة العامرة…من قوة الله الحي…تنبثق الحياة وتنداح!!
عندما نعيش لذواتنا فحسب،تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة،تبدأ من حيث بدأنا نعي،وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود.
أما عندما نعيش لغيرنا،أي عندما نعيش لفكرة،فإن الحياة تبدو طويلة عميقة،تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض.
إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة،نربحها حقيقة لا وهماً،فتصور الحياة على هذا النحو،يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا.وليس الحياة بعدة السنين،ولكنها بعداد المشاعر.
إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة،حينما نعيش للآخرين،وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين،نضاعف إحساسنا بحياتنا،ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية.
لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة! لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعاً أن أعمل هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مد لي في الحياة،ولكن الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع،إن آخرين سوف يقومون بها،إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء فأنا مطمئن إلى أن العناية التي تلحظ هذا الوجود لن تدع فكرة صالحة تموت…
لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة! لقد حاولت أن أكون خيّراً بقدر ما أستطيع،أما أخطائي وغلطاتي فأنا نادم عليها.إني آكِلُ أمرها إلى الله وأرجو رحمته وعفوه أما عقابه فلست قلقاً من أجله،فأنا مطمئن إلى أنه عقاب حق وجزاء عدل،وقد تعودت أن أحتمل تبعة أعمالي خيراً كانت أو شراً…فليس يسوءني أن ألقى جزاء ما أخطأت حين يقوم الحساب.
الوفاة الصغرى والوفاة الكبرى:
قال تعالى:{الله يتوفَّى الأنفُسَ حين موتها والتي لم تَمتْ في منامها فَيُمسكُ التي قضى عليها الموتَ ويرسلُ الأخرى إلى أجلٍ مُسمىً إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرون}[الزمر42].
يقول ابن القيم رحمه الله معلقاً:“وهو أحد القولين في الآية،وهو أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولاً والمرسلة من توفيت وفاة النوم،والمعنى على هذا القول:أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها مثل يوم القيامة ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.
والقول الثاني في الآية:إن الممسكة والمرسلة في الآية كلتاهما توفيت وفاة النوم،فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها،ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى أجلها لتستكمله.واختار شيخ الإسلام هذا القول،وقال:عليه يدل القرآن والسنة،قال:فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليه الموت من هذه الأنفس التي توفاها النوم،وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا بإرسال،بل هي قسم ثالث“.ثم قال ابن القيم:“والذي يسترجح هو القول الأول،لأنه سبحانه أخبر بوفاتين:وفاة كبرى،وهي وفاة الموت،ووفاة صغرى وهي وفاة النوم،وقسم الأرواح قسمين:قسماً قضى عليها بالموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت،وقسماً لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها،وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولاً فهذه ممسكة وهذه مرسلة،وأخبرأن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها،فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين:وفاة موت ووفاة نوم لم يقل:{والتي لم تمت في منامها}فغنها حين قبضت ماتت،وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك:{يتوفى الأنفس حين موتها}بعد أن توفاها وفاة النوم،فهو سبحانه توفاها أولاً وفاة نوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك؟والتحقيق أن الآية تتناول النوعين:فإنه سبحانه ذكر وفاتين،وفاة نوم،ووفاة موت،وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى،ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل نفس ميت سواء أمات في النوم أم في اليقظة،ويرسل نفس من لم يمت فقوله:{يتوفى الأنفس حين موتها}،يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام:.
وجاء في الحديث الشريف :“قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه،وليسم الله،فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه،فإذا أراد أن يضطجع،فليضطجع على شقه الأيمن،وليقل سبحانك ربي،باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه،إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين“[رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وروى البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده الأيمن،ثم يقول:“اللهم باسمك أموت وباسمك أحيا“وكان إذا استيقظ يقول:“الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور.الحمد لله الذي رد إلى روحي،وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره“.
ومن هذا الحديث الشريف يتبين أن الروح تترك الجسد أثناء النوم،فيمسك الله تعالى الروح التي قضى عليها الوفاة،ولا يردها إلى جسدها،أما التي لم يقدر عليها الوفاة،فيردها إلى بدنها فيستيقظ صاحبها.
وقوله صلى الله عليه وسلم:“الحمد لله الذي أحيانا بعد موتنا“ فيه الدليل على أن النوم موت أصغر.
وأخرج الأئمة أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ليلة الوادي ـ عندما ناموا واستيقظوا ـ :“إن الله قبض أرواحكم حين شاء،وردها حين شاء“.{إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرون}.
أي إن إمساك الأرواح وإرسالها أثناء النوم والموت،آيات كثيرة وعظيمة،تدل على كمال قدرة الله عز وجل وحكمته وشمول رحمته لقوم يتفكرون.
يقول صاحب اللسان:الوفاة: الموت وهي نوعان:وفاة صغرى ويقصد بها النوم،ووفاة كبرى ويراد بها الموت.
يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:
„إنه سبحانه يسمي النوم وفاة،وسماه ـ أيضاً ـ موتاً.وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض.ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة،والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة،إذن فمن الممكن أن تكون الوفاة بمعنى النوم.
ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضاً،فالحق يقول:{أفاإن ماتَ أو قُتلَ}[آل عمران 144].
فالموت هو خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة،أما القتل فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح.وقد قال الحقّ على لسان المسيح عليه السلام:{فلما توفيتني}أي أخذتني كاملاً غير منقوص.وهذه مسألة لا تنقض الرفع.إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه:إنه مجرد شهيد على قومه في زمن وجوده بينهم،ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على القوم تكون لله،فالحق سبحانه شهيد دائماً ورقيب دائماً،ولكن عيسى ببشريته يقدر أن يشهد فقط،والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع“.
وذكر ابن عاشور في تفسيره أن حالة النوم حالة انقطاع أهم فوائد الحياة عن الجسد وهو الإدراك،سوى أن أعضاءه الرئيسية لم تفقد صلاحيتها للعودة إلى أعمالها حين الهبوب من النوم“.
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في قوله تعالى:{وجعلنا نومكم سُباتا}[النبا 9]:
„خلق الله الإنسان والحيوان بحيث يحتاج إلى النوم،وجعل هذا النوم سباتاً،أي قاطعاً للإنسان عن العمل المرتبط بحال اليقظة،فيأخذ جسمه حقه من الراحة،وعبّر ب(السبات) عن الموت،لما بينهما من التشابه التام في انقطاع الحياة،ولهذا قيل:النوم هو الموتة الصغرى،والموت هو النومة الكبرى.ومثل:النوم موت خفيف،والموت نوم ثقيل!وفي هذا جاء قوله تعالى:{وهو الذي يتوفاكم بالليل}[الأنعام 60]،وقوله:{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}[الزمر42]،ومن وصايا لقمان :يا بني كما تنام فتوقظ،كذلك تموت فتنشر!
أينما تكونوا يُدرككم الموت:
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{أينما تكونوا يُدرككمُ الموتُ ولو كنتم في بروجٍ مُشيدّةٍ}[النساء 78]يقول رحمه الله:
„والحق هنا يتعرض لقضية الموت مع المكان.فالعقل البشري الذي يتوهم أن بإمكانه الاحتياط من الموت مكاناً عليه أن يعي جيداً أنه لا يستطيع ذلك،فوجود الشخص عند ظرف ما لا يدفع ولا يمنع عنه الموت،فالعندية سواء في معسكر الكفر أو في معسكر الإيمان لن تمنع حدوث الموت.
والعندية ـ كما نعلم ـ تعطي ظرف المكان.فلطافة تغلغل الموت تخترق أي مكان وزمان ما دام الحق قد قضى به،وأعداء الإنسان في عافيته وفي حياته كثيرون،لكن إن نظرنا إليها في العنف نجدها تتناسب مع اللطف.فكلما لطف عدو الإنسان ودقّ،كان عنيفاً،وكلما كان ضخماً كان أقل عنفا.فالذي له ضخامة قد يهول الإنسان ويفزعه،ولكن بإمكان الإنسان أن يدفعه.لكن متى يكون العدو صعباً؟يكون العدو صعباً كلما صغر ولطف ولا يدخل تحت الإدراك.فيتسلل إلى الإنسان.ولذلك فأخطر الميكروبات التي تتسلل إلى الإنسان،ولا يدري الإنسان كيف دخلت إلى جسده ولا كيف طرقت جلده،ولا يعرف إصابته بها إلا بعد أن تمر مدة التفريخ الخاصة بها وتظهر بجسده آلامها ومتاعبها.إنها تدخل جسم الإنسان دون أن يدري،ولا يعرف لذلك زماناً أو مكاناً.
ويلفتنا سبحانه إلى أن الشىء عندنا كلما لطف ازداد عنفاً،ولا تمنعه المداخل.فما بالكم بالموت وهو ألطف من كل هذا،ولا أحد يستطيع أن يحتاط منه أبداً.
وما مقابل الموت؟إنه الحياة حيث توجد الروح في الجسد.وما كُنه الروح؟لا يعرف أحد كنه الروح على الرغم من أنه يحملها في نفسه،ولا أحد يعرف أين تكون الروح أو ما شكلها،ولا أحد يعرف من رآها أو سمعها أو لمسها.
وعندما يقبضها الله فإن الحياة تنتهي.والحق هو الذي جعل للحيّ روحاً،وعندما ينفخها فيه تأتي الحياة.
إن الحقّ سبحانه يلفتنا وينبهنا إلى ذلك فيترك في بعض ماديتنا أشياء لا يستطيع العلماء بالطب ولا المجاهر أن يعرفوا كنهها وحقيقتها،فنحن لا نعرف مثلاً الفيروس المسبب لبعض الأمراض.
فإذا كان الله جعل للإنسان روحاً يهبه بها الحياة،فلماذا لا نتصور أن للموت حقيقة،فإذا ما تسلل للإنسان فإنه يسلب الروح منه،وبذلك نستطيع أن نفهم قول الحقّ سبحانه وتعالى في سورة الملك{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير*الذي خلق الموت والحياةَ ليبلوكم أحسنُ عملاً}[الملك 1 ـ 2].
يقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:
„ومن العجيب أن يقول القرآن:{الذي خلق الموت والحياة)،وهذا يدلنا على أن الموت،ليس فناء محضاً،ولا عدماً صرفاً،كما يتصور الماديون،لأن العدم لا يُخلق.
إن الموت رحلة،وانتقال من حياة إلى حياة،ومن دار إلى دار،كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:“إنكم خلقتم للأبد،وإنما تنقلون من دار إلى دار،ونحن ننتقل من هذه الدار إلى تلك الدار بالموت“.وقال الشاعر:
وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
(انتهى كلام الشيخ القرضاوي)
إذن فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس،بل عملية إيجابية،وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية يناسب دقة الصانع.ووصف الحقّ أمر الموت والحياة في سورة الملك وقدّم لنا الموت على الحياة،مع أننا في ظاهر الأمر نرى أن الحياة تأتي أولاً ثم يأتي الموت.لا،إن الموت يكون أولا،ومن بعده تكون الحياة.فالحياة تعطي للإنسان ذاتية ليستقبل بها الأسباب المخلوقة،فيحرث الأرض أو يتاجر في الاشياء أو يصنع ما يلائم حياته ويمتع به السمع والبصر،فيظن أن الحياة هي المخلوقة أولا.
ينبهنا ويوضح لنا الحق:لا تستقبل الحياة إلا إذا استقبلت قبلها ما يناقض الحياة،فيقول لنا عن نفسه(الذي خلق الموت والحياة)وهذا ما يسهل علينا فهم الحديث القدسي الشريف الذي يشرح لنا كيف يكون الحال بعد أن يوجد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ويأتي الحقّ سبحانه بالموت في صورة كبش ويذبحه.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ أملح،،فيوقف بين الجنة والنار،،فيقال:يا أهل الجنة:هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون نعم، هذا الموت.قال: ويقال:يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرون، ويقولون نعم، هذا الموت، قال:فيؤمر به فيُذبح ، قال:ثم يقال:يا أهل الجنة،خلود فلا موت،ويا أهل النار،خلود فلا موت،قال:ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وأنذرهم يومَ الحسرةِ إذ قُضيَ الأمرُ وهم في غفلةٍ وهم لا يؤمنون}[مريم 39].[رواه مسلم].ويتابع الشيخ الشعراوي رحمه الله:
„وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة.ويعلمنا الله أنه يقضي على الموت،فنحيا في خلود بلا موت.وينبه الناس الذي كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل الله لو كانوا عندهم لما ماتوا.نقول لهم:العندية عندكم لا تمنع الموت.ولو كان من دنا أجله وحان حَينه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت.
وسبحانه وتعالى يقول(أينما تكونوا يُدرككم الموت)أي أينما توجدوا يدرككم الموت.وكلمة“يدرككم“دليل على أن الإنسان عندما تدبّ فيه الروح ينطلق الموت مع الروح،إلى أن يدركهها في الزمن الذي قدره الله.وكلمة „يدرك“ توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة:“حتى إذا أدركها جرت،فلا أحد منكم إلا هو مُدرك“،ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق:“الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك“.
وسبحانه وتعالى يوضح أنه أتى بالموت ليؤدي حاجتين:الحاجة الأولى:أن من يؤمن عليه أن يستحضر الموت لأن جزاءه لا يكون له منفذ إلا أن يموت ويلقى ربه،ويعلم أن الحاجب بينه وبين جزاء الخالق هو الموت،فساعة يسمع كلمة الموت فهو يستشرف للقاء الله،لأنه ذاهب إلى الجزاء.
والحاجة الثانية:أن غير المؤمن يخاف الموت ويخشاه ولا يستعد له ويخاف أن يلاقي ربه.إذن فكلمة الموت تعطي الرّغب والرّهب.فصاحب الإيمان ساعة يسمع كلمة الموت يقول لنفسه:إن متاعب الدنيا لن تدوم،أريد أن ألقى ربي.
ولذلك يجب أن يستحضر المؤمنون بالله تلك القضية.وحين يستحضرون هذه القضية يهون عليهم كل مصاب في عزيز،فالإنسان ما دام مؤمناً فهو يعرف أن العزيز الذي راح منه إما مؤمن وإمّا غير مؤمن ،فإن كان مؤمناً فليفرح له المؤمن الذي افتقده،لأن الله عجّل به ليرى خيره،فإن حزنت لفقد قريب مؤمن فأنت تحزن على نفسك.وإن كان الذي ذهب إلى ربه غير مؤمن،فالمؤمن يرتاح من شره.إذن الموت راحة،والذي عمل صالحاً يستشرف إليه،وهذا رغب،أما الكافر فهو خائف،وهذا رهب“.
ويقول الأستاذ منصور فهمي في مقال له بعنوان“مآتمنا“:
„ألا إن الموت لا يطلب إلينا إلا أمراً واحداً،هو أن نتعظ به،فإنه أفصح خطيب،ونحفظ الوفاء لمن يموت في الحزن الصادق،وما مظهر الحزن الصادق إلا غمامة جميلة تعلو الوجه،ودمعة حارة تروي الوجنات،وتأوه صامت ينتزع من أعماق الفؤاد“.
وجاء في كتاب الأمالي للقالي:“حدثنا أبو بكر الأنباري قال حدثنا الزنادي قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:“ما الجزع مما لابدَّ منه،وما الطّمع فيما لا يُرجى،وما الحيلة فيما سيزول!وإنما الشىء من أصله،فقد مضت قبلنا أصولٌ نحنُ فروعها،فما بقاءُ فرعٍ بعد أصله.إنما الناس في الدنيا أغراضٌ تنتصل فيهم المنايا،وهم فيها نهبٌ للمصائب،مع كل جَرعة شَرَق،وفي كل أكلة غَصص،لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى،ولا يُعَمَّرُ مُعَمّر يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله،وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم،فأينَ المهرب مما هو كائن!وإنما نتقلّب في قدرة الطالب،فما أصغر المصيبة اليوم مع عظيم الفائدة غداً،وأكبرَ خيبةَ الخائب فيه“.
وفي الحديث الشريف:“استحيوا من الله عز وجل حقَّ الحياء.فقيل: يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حقّ الحياء؟قال:“من حفظ الرأس وما وعى،والبطن وما حوى،وترك زينة الحياة الدنيا،وذكر الموت والبلى،فقد استحيا من الله حق الحياء„[رواه الترمذي].
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه،فرأى ناساً كأنهم يكتشرون ـ تظهر أسنانهم من الضحك ـ قال:“أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات ،فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول:“أنا بيت الغربة ..وأنا بيت الوحدة،وأنا بيت التراب،وأنا بيت الدود،فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر:مرحباً وأهلاً أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إليَّ،فإذا وليتك اليوم،وصرت إليّ،فسترى صنعي بك.قال:فيتسع له مدّ بصره،ويفتح له باب إلى الجنة.وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر،قال القبر:“لا مرحباً ولا أهلا،أما إن كنت لأبغض من مشى على ظهري إليّ،فإذا وليتك اليوم،وصرت إليّ،فسترى صنعي بك.قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض…إلى أن يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار“)“[رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل من الأنصار فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:يا رسول الله،أيّ المؤمنين أفضل؟قال: أحسنهم خُلقاً.قال: فأيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكراً،وأحسنهم لما بعده استعداداً،أولئك الأكياس„[رواه ابن ماجه].
وعن شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“الكيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،والعاجز من أتبعَ نفسهُ هواها،وتمنّى على الله„[رواه الترمذي].
عدم تمني الموت:
جاء في الحديث النبوي الشريف:عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لا يتمنينَّ أحدكم الموت لِضرّ نزل به،فإن كان لابد مُتمنياً فليقل:اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي،وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي„[متفق عليه].ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت،لأنه يحرم المؤمن من خير الطاعة،وفرصة التوبة،واستدراك ما فات،والتقرب إلى الله تعالى.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لا يتمنى أحدكمُ الموت،ولا يدعُ به من قبلِ أن يأتيه،إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله،وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً„[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].وفي حديث آخر رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:“لا يتمنى أحدكمُ الموت،إما محسناً فلعلّهُ يزداد،وإمّا مسيئاً فلعلّهُ أن يَستعتبُ“.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله(فتاوى معاصرة ص707):
„تمنّي الموت:هذا ممنوع شرعاً،فالإنسان ليس من حقّه أن يدعو ربّه أن يعجل بموته،أو يتمنى الموت،فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك،وقال:“لايتمنين أحدكم الموت لضرَ نزل به،فإما محسناً فعسى أن يزداد،وإما مسيئاً فعسى أن يتوب“(رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه)،أي أن الإنسان لا ينبغي أن يستعجل الموت،ولا أن يتمناه،لأنه أحد رجلين:إما أن يكون من المحسنين فطول عمره سيتيح له فرصة للزيادة من الإحسان.وإما أن يكون مسيئاً فعسى أن يهيىء الله له فرصة للتوبة….يستعتب ويرجع إلى الله عز وجل ،فلماذا يطلب الموت؟وفي حديث آخر:“فإن كان ولا محالة،فليقل:اللهم أحينّي ماعلمت الحياة خيراً لي،وتوفنّي إذا كانت الوفاة خيراً لي„(رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه).يدع الأمر لله،لا يختار لنفسه،فإن كانت الحياة خيراً له،فإن طول عمره خير يطلب ويرجى،وجاء في الحديث:“خير الناس من طال عمره وحسن عمله„(رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي بكر رضي الله عنه بإسناد صحيح)،فلعل بقاءه في الحياة منفعة له،ومنفعة للناس،وإن كان الموت خيراً له،توفاه الله،لأنه قد يكون،إذا طال به الأجل ارتكب شيئاً لاتحمد عاقبته ،فيترك الأمر إلى علم الله وإلى أذن الله وإلى مشيئته.
هذا هو أدب المؤمن مع الله.
أما أنه بمجرد إصابته ببلاء في الدنيا،كأن توفيت له زوجة أو بنت،أو ولد أو نزل به مرض،يتمنى معه فراق الحياة،وتصبح حياته كلها جحيماً،فهو الذي يجعل من حياته جحيماً…لأن الإنسان بإمكانه أن يجعل حياته طيبة سعيدة بالرضا وباليقين.
الفرح والروح في الرضا واليقين…فيرضى الإنسان بما عند الله عز وجل،يرضى بقضاء الله وقدره،ويوقن بالجزاء عند الله…وهو راض بيومه،موقن بغده…هذا الرضا وهذا اليقين يعطيه الفرح والروح والأمن النفسي،والطمأنينة الروحية هذه التي قال فيها بعض السلف:“إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك جالدونا عليها بالسيةف“.فهي ليست سعادة القناطير المقنطرة،ولا سعادة القصور المشيدة،ولكنها سعادة النفس“(انتهى كلام الشيخ القرضاوي).
إن طول العمر للمؤمن الذي يعمل صالحاً هو خيرٌ له ،يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:“خير الناس من طال عمره وحسن عمله„[رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].وقال صلى الله عليه وسلم:“طوبى لمن طال عمره وحسن عمله“[رواه الطبراني وأبو نعيم وصححه الألباني].
وهذا الأحاديث تدل على أن من أصابه ضر من مرض أو شدة أو فقر أو خوف أو مصيبة من مصائب الدهر ومن رزايا الزمان أن لا يقل“ليتني أموت“أو اللهم أسألك الموت إلى غير ذلك من العبارات لأنه لا يعلم أين الخير المقدر له هل هو في استمرار الحياة أو أن يتوفاه الله.وإنما يترك الأمر لله عز وجل فهو أرحم وأعرف وا‘لم بشؤون عباده.يقول الإمام النووي رحمه الله:“في الأحاديث التصريح بكراهة تمني الموت لضرٍّ نزل به من فاقة،أو محنةٍ بعدوّ،ونحوه من مشاق الدنيا،فأما إذا خاف ضرراً أو فتنة في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث،وقد فعله خلائق من السلف“.
ولا شك أن موت الإنسان بعيداً عن الفتن،خير له من أن يفتن في دينه.
عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“اثنتان يكرههما ابن آدم:الموت،والموتُ خيرٌ للمؤمن من الفتنة،ويكره قلة المال،وقلة المال أقلُّ للحساب“[رواه أحمد وصححه الألباني].وقد دلّ على مشروعية تمني الموت في هذه الحال أيضاً دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:“وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون„[رواه الترمذي وصححه الألباني].
وفي الحديث الشريف عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى اللهى عليه وسلم قال:“أسـألك لذّة النظر إلى وجهك،والشوق إلى لقائك،في غيرِ ضرّاءَ مضرّة،ولا فتنة مضلة“[رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه الألباني].
وهناك من يدخل تمني السيدة مريم العذراء في هذا الباب حين قالت:{يا ليتني متُّ قبلَ هذا وكنتُ نَسياً منسياً}[مريم 23] فهناك بعض الفقهاء ومنهم القرطبي وابن كثير قال:أن مريم عليها السلام تمنت الموت من جهة الدين،لوجهين:
الأول:أنها خافت أن يُظن بها الشر في دينها وتُعيّر،فيفتنها ذلك.