وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (5/10)
أتيتِ نقية،وتذهبين نقية، كقطرة الطلّ على ورقةٍ من الورد،تلمعُ بكرةً،ولا تلبث أن تستطار بخاراً.بين نوحات الثاكلات،وترجيع الحمائم بالأسحار،وبكاء السماء،وابتسام الأرض تضادّ يغيظ الموجع.
لا أشكو بثي فيكِ،ولكني أستبقيه لأعتصرَ منهُ ذوبَ الشجون،ولأخاطبَ بهِ نفسي ناصحاً كلما غلبت عليها غفلات هذه الدار،وكادت تكون لها فتنة.
لا أستطيع دفعاً لشئ يسوقه المقدور،ولكني وفيٌّ أضمن لكِ ألا يلتام جرح يومك هذا.
تزولين أنتِ وتبقى ذكراكِ. كذاك الحياة،تزول الهيولى وتبقى الصور“.
أحمد شوقي(في وفاة والده):
ياليلة سميتها ليلتي لأنها بالناس مامرت
أذكرها،والموت في ذكرها على سبيل البث والعبرة
ليعلم الغافل ما أمسه؟ ما يومه؟ ما منتهى العيشة؟
نبهني المقدور في جنحها وكنت بين النوم واليقظة
الموت عجلان إلى والدي والوضع مستعص على زوجتي
هذا فتى يبكى على مثله وهذه في أول النشأة
وتلك في مصر على حالها وذاك رهن الموت والغربة
والقلب ما بينهما حائر من بلدة أسري إلى بلدة
حتى بدا الصبح، فولَّى أبي وأقبلت بعد العناء ابنتي
فقلت: أحكامك حرنا لها يا مخرج الحي من الميت
شوقي:
وما الجِراحُ بالآسى المُرجّى إذا لم يَقتُل الجثث اطّلاعا
ورُبَّ حديثِ خيرٍ هاجَ خيراً وذكرِ شجاعةٍ بعثَ الشجاعا
مَرِضت فما ألحَّ الداءُ إلا على نفسٍ تَعوَّدت الصّراعا
ومن يَتجرَعُّ الالامَ حَيّاً تَسُغْ عند المماتِ له اجتراعا
أرَقتَ وكيفَ يُعطى الغَمضَ جفنٌ تَسُلُّ وراءه القلبَ الرّوُاعا
ولم يهدأ وسادُكَ في الليالي لعلمك أن ستفُنيها اضطجاعا
عجبتُ لشارحٍ سَببَ المنايا يُسّمي الداءَ والعِلل الوِجاعا
وإنَّ النفسَ تهدأ بعد حينٍ إذا لم تَلقَ بالجزع انتفاعا
إذا اختلف الزمانُ على حزينٍ مضى بالدمع ثم محا الدِّماعا
شوقي يرثي مصطفى كامل وهو على فراش المرض:
ولقد نظرتُكَ والرّدى بك مُحْدِقٌ والداءُ ملءُ معالم الجُثمانِ
يبغي ويطغى والطبيبُ مُضَّلل قنِطٌ وساعات الرحيل ثواني
ونواظرُ العُوّاد عنكَ أمالها دمعٌ تُعالِجُ كتمهُ وتُعاني
فَهَششتَ لي حتى كأنّكَ عائدي وأنا الذي هدَّ السقام كَياني
ورأيتُ كيفَ تموتُ آسادُ الشّرى وعرفتُ كيف مصارع الشجعان
ووجدتُ في ذاك الخيال عزائِماً ما للِمنونِ بِدكهنَّ يدان
يا صَبَّ مصرَ ويا شهيدَ غرامها هذا ثرى مصر فنم بامان
اخلع على مصر شبابك غالياً والبس شباب الحور والولدان
فلعلَّ مصراً من شبابك ترتدي مجداً تتيهُ به على البلدان
حافظ إبراهيم:
سلامٌ على الدنيا سلامَ مُوَدِّعٍ رأى في ظلامِ القبرِ اُنْساً ومَغنما
أضَرَّتْ به الأولى فهامَ بأختِها فإن ساءت الأخرى فويلاهُ مِنهُما
فَهُبيّ رياحَ الموتِ نُكْباً وأطفئي سِراجَ حياتي قبلَ أن يتحطّما
فما عصمتني من زماني فضائلي ولكن رأيتُ الموتَ للِحُرِّ أعصما
فيا قلبُ لا تَجزعْ إذا عَضّكَ الأسى فإنّكَ بعد اليومِ لن تتألما
ويا عينُ قد آنَ الجمودُ لمدمعي فلا سَيلَ دَمع تسكبين ولا دَما
ويا يدُ ما كَلّفُتكِ البَسَّطَ مرةً لذي مِنّةٍ أولى الجميلَ وأنعما
فللهِ ما أحلاكِ في أنمُلِ البِلى وإن كنتِ أحلى في الطُروسِ وأكرما
ويا قدمي ما سِرْتِ بي لِمَذَّلةٍ ولم ترتقي إلا إلى العِزِّ سُلّما
فلا تُبطئي سَيراً إلى الموتِ واعلمي بأنَّ كريمَ القومِ من مات مُكْرما
ويا نفسُ كم جَشّمتُكِ الصبرَ والرّضا وجَشّمتني أن ألبسَ المجدَ مُعْلَما
فما اسطَعْتِ ان تستمرئي مُرَّ طعمهِ وما اسطعتُ بين القومِ أن أتقدّما
فهذا فِراقٌ بيننا فَتَجّملي فإنَّ الردى أحلى مذاقاً ومطعما
ويا صدرُ كم حَلّت بذاتِكَ ضِيقةٌ وكم جالَ في أنحائكَ الهَمُّ وارتمى
فَهلّا ترى في ضِيقةِ القبرِ فُسحةً تُنَفِّسُ عنكَ الكَرْبَ إن بِتَّ مُبْرِما
ويا قبرُ لا تبخل برَدِّ تحيةٍ على صاحبٍ أوفى علينا وسَلَّما
وهيهاتَ يأتي الحَيُّ للميتِ زائراً فإني رأيتُ الوُدَّ في الحيِّ أسقما
ويا أيُّها النجمُ الذي طالَ سُهدَهُ وقد أخذت منه السُّرى أين يَمما
لعلّكَ لا تنسى عُهودَ مُنادمٍ تَعلّمَ منكَ السُّهدَ والأينَ كُلّما(الأين: التعب)
حافظ إبراهيم يرثي منصور فهمي(مجلة المنار العدد414):
آذنت شمس حياتي بمغيب ودنا المنهل يا نفس فطيبي
إن من سار إليه سيرنا ورد الراحة من بعد اللغوب
قد مضى“حفني“ وهذا يومنا يتدانى فاستثيبي وأنيبي
وارقبيه كل يوم إنّما نحنُ في قبضة علام الغيوبِ
اذكري الموت لدى النوم ولا تُغفلي ذكرته عند الهبوبِ
واذكري الوحشة في القبر فلا مؤنس فيها سوى تقوى القلوبِ
قدّمي الخير اختساباً فكفى بعض ما قدّمت من تلك الذنوبِ
راعني فقد شبابي وأنا لا أراع اليوم من فقد مشيبي
حن جناي إلى برد الثرى حيث أنسى من عدو وحبيب
مضجع لا يُشتكى صاحبه شدّة الدهر ولا شدّة الخطوبِ
لا ولا يُسئمه ذاك الذي يسئم الأحياء من عيش رتيب
حافظ ابراهيم مخاطباً حفني ناصف بك ،وكان حفني قد بعث إلى حافظ بأبيات يذكره فيها بالموت ويدعوه إلى الاستعداد له إذا نزلت به المنية:
أخشى عليكَ المنايا حتى كأنّكَ مني
إذا شكوتَ صداعاً أطلتَ تسهيدَ جفني
وإن عَراكَ هُزالٌ هيأتُ لحدي وقطني
وإن دعوتُ لِحيٍّ يوماً فإياكَ أعني
عُمري بِعمرِكَ رَهنٌ فَعِشْ أعِشْ الفَ قرنِ
محمود سامي البارودي في أواخر أيامه:
أيا ليل كم تعتادني فيك خيفة فأثبت مقهوراً لها حين ألقاها
وما بي من خوف ولكن حوائج وددت لو أني قبل موتي أقضاها
تلمُّ بي الأوجال في كلِّ ساعة يُحسُّ بها قلبي ويجهلُ مأتاها
علي الجارم في سعد زغلول على فراش الموت :
لهفي عليه وهو رَهْنُ فِراشهِ مُتَفرزاً من دائهِ القتَّال
لهفي على لَيثِ الكنانةِ أُغمِدتْ أظفارهُ من بعدِ طُولِ صيالِ
قَنَصَتْ بناتُ الدهرِ واحِدَ دهرهِ ورمتهُ من أدوائها بِعُضالِ
يرنو إليهِ العائدونَ بأعيُنٍ غُزْرِ الدموعِ كثيرةِ التسآلِ
مُتقدمينَ،تسوقُهمْ لُمَعُ المنى متراجعينَ مخافة الإعوالِ
والموتُ يسخرُ بالحياةِ وطِبّها جُهدُ الحياةِ نهايةُ الآجالِ
يَفِدونَ للبيتِ الكريمِ كأنَهمْ زُمَرُ الحجيجِ تسيرُ في أرسالِ
عرفوا الجميلَ، ولا تزالُ بقيةٌ في الناسِ للإحسانِ والإجمالِ
علي الجارم يعزي في عبد العزيز جاويش:
فيامن رأى عبد العزيز تنوشهُ نيوبٌ لعادي الموت ايُّ نيوبِ
طريحاً على أيدي الاُساةِ كأنّهُ حِمالةُ عَضْبٍ أو رشاءُ قليب(حبل بئر)
فيا ويحَ للصدرِ الرحيبِ الذي غدا بِمُزدَحمِ الآلامِ غير رحيبِ
تَدِّبُ به في موطنِ الحلمِ عِلّةٌ لها كالصِّلال الرُّقشِ شرُّ دبيبِ
ترى القلبَ منها واجباً أن تَمسَّهُ فتتركهُ قلباً بغيرِ وجيبِ
أصابتْ نظاماً للمعالي فبدّدتْ ومقصِدَ آمالٍ ومجدَ شُعوبِ
علي الجارم:
مَرضْتَ، فقلنا مَشرفيُّ بغمده توارى،ونجمٌ عن قليلٍ سَيطلعُ
ولم ندرِ أن الموتَ باسطُ كفّهِ إلى الغُصنِ في رَيعانهِ وهو مُونِعُ
وأنّ قضاءَ اللهِ حُمَّ، فما لنا محيصٌ،ولا مما قضى الله مَفزَعُ
إذا برعَ الطبُ الحديثُ فقل له: يدُ الموتِ أمضى من يديك وأبرَعُ
وإنّ الفتى ماضٍ وماضٍ طبيبهُ وعائدهُ من بعدهِ والمُشَيّعُ
اسماعيل صبري(مشاهير شعراء العصر ص160):
إن سئمتَ الحياةَ فارجع إلى الأر ضِ تَنمْ آمناً من الأوصابِ
تلك أمٌ احنى عليك من الأ م التي خَلَّفتكَ للأتعاب
لا تَخفْ فالمماتُ ليسَ بماحٍ منكَ إلا ما تشتكي من عذاب
كُلُّ مَيتٍ باقٍ وإن خالف العن وانُ ما نُصَّ في غضونِ الكتاب
وحياةُ المرءِ اغترابٌ فإن ما تَ فقد عاد سالماً للتراب
اسماعيل صبري:
يا موتُ خُذْ ما أبقتْ ال أيامُ والساعاتُ مني
بيني وبينكَ خطوةٌ إن تَخطُّها فرّجتَ عني
علي محمود طه يصف أحدهم(صاحب الأهرام) على فراش الموت:
قم يا فتى الأهرام وانظر رفقة ينتظرون خطاك في الميعادِ
ويسائلون بك العشيّ كدأبهم هذا النديّ!فأين صدر النادي؟
يا لهف،ماعلموا بأنّك مزمع سفر الحياة ورحلة الآبادِ
يا لهف ما ظفروا كما عوّدتهم عند الوداع بنظرة وتنادي
حين الوفاء ألجم شيمتك التي أسرت قلوب أحبّة وأعادي
دخلوا عليكَ البيتَ جسماً ضارعاً متفرّداً،والموتُ بالمرصادِ
والفكرُ صحوٌ،والجبينُ شُعاعةٌ ألاقةٌّالرّوحُ في إيقادِ
والشّمسُ بينَ سحابتين تدجّتا رَمَقٌ يُصارِعُ حَينَهُ ويُرادي
في شاطئٍ قاني المياهِ كأنَّها مصبوغةٌ بدمِ النهارِ الفادي
هي صورةٌ لكَ،والمساءُ مقارِبٌ والرُّوحُ رَكْبٌ،والمنيَّةُ حادي
والقلبُ في كَفِّ القضاءِ فراشةٌ رَفافّةٌ،والعمرُ وَشْكُ نَفادِ
عجباً أيشكو قَلبَهُ من قلبهُ كنز الرّضى،والخيرِوالإسعادِ
وتخونهُ الأنفاسُ وهو رَحابةٌ كم نَفَّسَتْ عن أُمةٍ وبلادِ ؟
وإذا أتى الأجلُ النفوسَ فلا تَسَلْ عن صحةِ الأرواحِ والأجسادِ
أحمد رامي في أبيه وكان طريح الفراش:
أبٌ طريحٌ في فِراشِ الضَنى أقَضَّ في رَقْدتهِ المَضجعُ
شكا من الدَّاءِ الذي شَفَّهُ فجالَ في مُقْلتهِ المَدْمعُ
وقال أخشى أن يَحِلَّ الرَّدى ولي قَطا زُغْبٍ،وليَ مَطمَعُ
أخافُ أمضي عنهم تارِكاً عِشهُمُ تلوي به زعزَعُ
عزيز أباظه يصف زوجته على فراش الموت(قصيدة وحي الغروب):
قلتُ لما رايتُها تتهادى لمغيبٍ في جوف يَمٍّ سحيقِ
وهي مُصفرَّةُ الأديمِ كما اصفرَّ مشوقٌ أضناهُ نأيُ مشوقِ
سابقٌ في سديمه جدَّ في السير فأخلى السبيل للمسبوقِ
سُنةُ الكونِ والحياةِ دواليكَ غروبٌ مستأنفٌ من شروقِ
أنتِ ذكّرتني بشمس من الحور تولّت في حُسنها المرموقِ
في إطارٍ من الجلالِ سَنىٍّ وطرازٍ من الشبابِ أنيقِ
قلتُ هذا صدري تعالي إليه رُبَّ صدرٍ حانٍ عليك شفيقِ
طالعتني بنظرةٍ تجمعُ العطفَ إلى الوُدِّ والوفاء العميقِ
في طوايا صفائها الشكرُ لله وتصديقُ وعدهِ المصدوقِ
خَصّها اللهُ بامتحانٍ غليظٍ حملتهُ حملَ الشكورِ المُطيقِ
ثم قالتْ في أنّةٍ وأناةٍ أزِفتْ ساعةُ الفراقِ السحيقِ
لا تُرَعْ واحمل الفجيعة جَلداً لستَ للضعفِ دونها بخليقِ
وأشارت لطفلةٍ تشهدُ الهولَ بقلبٍ دامٍ وجفنٍ غريقِ
قالت: ارعَ الأولادَ وابقَ كما كنتَ مثالَ الأبِ المُحبِّ الرفيق
ومضت تنزَعُ الحياة وتُلقى في زفيرٍ أعباءَها وشهيقِ
في سنىِّ لامحٍ وعَرْفِ ذكيٍّ وابتسامٍ عذبٍ ووجه طليق
لو تراها تقولُ قد مسّها البُهرُ فآوت إلى سُباتٍ رقيقِ
ووقفنا مُروَّعين نُجيلُ الطرفَ بين التكذيبِ والتصديقِ
ثم عدنا للحقِّ عانين صَرعى من مُفيق يهذي وغيرِ مُفيق
ذهبت كالندى تألقَّ فوق الزهر في غُرّة الصباحِ الطليقِ
ومضت كانطلاقةٍ من أسارٍ ونأت كانفراجةٍ من ضيقِ
والبواكيرُ للخواتيمِ تُقضى وهما هامةُ الفناءِ السحيقِ
خليل مطران:
ما بالُ ذاكَ الجسمِ باتَ من الضّنى كالرَّسمِ في جُرفٍ بهِ مُنهارِ
ما بالُ ذاكَ العزمِ بعدَ مَضائهِ عَثَرتْ بهِ العِلّاتُ كُلَّ عِثار
ما بالُ ذاكَ القلبِ بعدَ خُفوقِهِ تنتابهُ هدآتُ ا لاستقرارِ
أمسى يُعالجُ سَكرةً في نزْعهِ من لم يذُقْ في العمرِ طعمَ عُقارِ
ولو استطاع لما أضاعَ دقيقةً يمضي الزمانُ بها مُضيَّ خَسارِ
أكذاكَ يختِمُ في الشقاءِ حياتهُ من كان جمَّ الجاهِ والإيسارِ
ماذا تفي من حقِّهِ بعد الذي عاناه كلُّ قلائدِ الأشعارِ
إن الذي يبلوهُ شاري قومهِ غيرُ الذي نتلوهُ في الأسطارِ
ماتَ الرئيس فصارَ كُلَّ مسيرةٍ ذاكَ النعيَّ وطارَ كلّ مطارِ
مات العصاميّ العظاميُّ الذي ما كان بالعاتي ولا الجبارِ
مات الذي مارى سواهُ في الهوى يومَ الحفاظِ وعاشَ غيرِ مُمارِ
خليل مطران:
أقولُ لها والدّاءُ يُنحِلُ جسمها عَزاءكِ لا بأسٌ عليكِ فتجزعي
كذبتُ على أنَّ الأكاذيبَ رُبَّما أطالتْ حياةً للحبيبِ المُودّعِ
ولكن أراها ينفثُ الدّمَ صدرُها فاشعرُ في صدري بمثلِ التقطّعِ
وأحنو عليها حِنيّةَ الأُمِّ مشفقاً وهيهاتَ تحميها من البينِ أضلعي
وأرنو إليها باسماً متكلّفاً فتفشي مِراراً سِرَّ خوفي أدمعي
وما غَرَّها مني افترارٌ وإنّما يَدُلُّ على اليأسِ انكشافُ التَصنُعِ
إذا افتَرَّ ثَغري من خلالِ كآبتي على ما بقلبي من آسىً وتَفَجُعِ
فقد يَبسِمُ البرقُ البعيدُ وإنَّهُ لذو ضَرَمٍ مُضْنٍ ورعدٍ مُرّوعِ
فبينا يُناجي نفسَهُ وفؤادُهُ كَشِلْوٍ بأنيابِ الغُمومِ مُبَضعِ
دَعَتْهُ وقالتْ يا حبيبي إنَّهُ دنا أجلي فالزمْ على القُربِ مَضجعي
متى تبتعدْ أُوجِسُ حِذاراً من الرّدى ولكننّي أسلو الرَّدى إن تكن معي
أيُذْكِرُكَ التوديعُ أوَّلَ مُلتقىً كَشفنا بهِ سِترَ الغرامِ المقَّنَعِ
وَحِلفتنا أن لا يُصَدِّعَ شَملَنا فِراقٌ على رَغمِ الزمانِ المُصَدِّعِ
فَعِشْ سالماً واغنمْ شِبابكَ مُطْلقاً من العهدِ ولأُجْعَلْ فِداكَ بمصرعي
وما كان ذاكَ العهدُ إلا وديعةً تَلَقيتها من ذي وفاءٍ سَمَيذَعِ
وعندَ النَوى تُوفَى الأماناتُ اهلَها وَيُنهى إلى أربابهِ كُلُّ مُودَعِ
ولكنْ إذا مَلَّكتَ قلبكَ فاحتفظْ بِرسمي وحَسبي فيهِ أصغرُ موضعِ
فأصغى إليها وهو يشهدُ نَزْعها وَينزِعُ في آلامهِ كُلَّ مَنْزِعِ
وقالَ أبى اللهُ الخيانةَ في الهوى فإنْ لمْ أمُتْ بالعهدِ فلأ تطوعِ
فيا بَهجةَ البيتِ الذي هوَ بَعدها كَدارسِ رَسمٍ فاقدِ الأنسِ بَلقَعِ
ويا زهرةَ الحبِّ التي بذُبولها ذُبولُ فؤادي الناشئ المُتَرَعرعِ
لئن تَنزلي دارَ الفناءِ وحيدةً فلا كانَ قلبي في الهوى قلبَ أروعِ
وإن عُدتُ فيمن شَيعوكِ فلا يكنْ بموتيَ لي من صاحبٍ ومُشَيِّعِ
ولما أجابت داعيَ البينِ مَوهناً أجابَ كما شاءَ الوفاءُ وما دُعي
أصابت سِهامُ اليأسِ مَقتَلَ قلبِهِ فما نُعيتْ حتى على إثرهَا نُعي
على أنها الدنيا اجتماعٌ وفرُقةٌ وتَخْلُفُ دارَ البينِ دارُ التَجمعُ
خليل مطران في فتاة ماتت شابة (الديوان ص97) :
منْ بالمنونِ لوالهٍ صَبِّ ذاكي الأضالعِ مُقْلَقِ الجَنبِ
ليت الرزيئةَ فيك أودت بي فنجوتُ من ألمي ومن كربي
وفزعتُ من نفسي إلى ربي
يا مُنيتي ماكنتُ بالجَزعِ في حادثٍ أيامَ كنتِ معي
والآن بتُّ مُخَلَّدَ الفزَعِ ميتاً بلا أملٍ ولا طمعِ
حيّاً بذكرِ معاهد الحُبِّ
تمتْ سعادُتنا على قَدَرٍ فسطت عليها غَيرةُ القدرِ
أودتْ معاً بالعينِ والأثرِ وتخلّفَ الباقي من الخبرِ
ذكرى وتبصرةً لذي لُبِّ
زالت حقيقةٌ ذلكَ الحُلُمِ وقضى الأبرُّ الطاهرُ الشيّمِ
منّا فراحَ فريسةَ العّدمِ وظللِتُ فيه فريسةَ الألمِ
حتى يَمنَّ الله بالقرُبِ
فَقْدَ النّفوسِ عذوبةَ الأملِ فَقْدَ العيونِ النُّورَ وهو جلي
فقدَ العزيزِ العزَّ لم يَطُلِّ فقدَ الفتى الدنيا على عجلِ
إذ جاءها ضيفاً على الرُّحبِ
خليل مطران وإسعاف أحدهم وموته:
وحَفلنَ حول سريرهِ ينهرنهُ لكنْ أحطنَ بصخرةٍ صَماءِ
فرفعنَ عنهُ غطاءَهُ فوجدنهُ بالميتِ أشبه منهُ بالأحياءِ
عالجنهُ جُهدَ العلاجِ ولم يكنْ شئٌ ليوقظهُ من الإغماءِ
حتى إذا دُعيَ الطبيبُ فجاءهمْ راعَ القلوبَ بنفي كُلِّ رجاءِ
فَتبدّلتْ أفراحهم في لحظةٍ بمناحةٍ وسرورُهمْ ببكاءِ
وكذا الحقيقةُ جِدُّها ومِزاحها سِيّانِ في الإشقاءِ والإفناءِ
محمود حسن اسماعيل يرثي علي الجارم الذي مات في حفل وهو يستمع لشعره:
لا لحنه عازف ولا وتره ما كان من طيّ النشيد ينتظره
أصغى لأنغامه ومهجته نوح مع الطير هاجه سحره
يهتزّ لهفان في تسمعه كأنما قد سرى به قدره
الله في جنبه ولوعته هشيم غصن أذابه شرره
أحسّ بالعمر في مقاطعه وقافيات العذاب تعتصره
والموت في جرسها ونغمتها خطو من الغيب لا يرى أثره
ما زال يدنيه من غياهبه حتى احتواه بنظرة بصره
فخَرّ في صمته،وفرّ به سرٌّ على الناس غامض خبره
وقيل: ما باله ! وما وهنت خطاه .. قلت انتهى عمره
باك أتى والدموع في يده وبل من النار واكفٌ مطره
ترتجُّ من حزنه قصيدته ويصطلي في لهيبها ضجره
قد خاف من حرّها فراح لها يصغي بقلبٍ تخيفه ذكره
ما أوشكت تنتهي مناحتها وينتهي من معنيّها عبره
حتى غدا صرخةً على فمها وداع من لن يردّه سفره
لكن قضى الله وانتهى بطلٌ كنا لريب الزمان ندخره
ابراهيم ناجي في رثاء أحمد شوقي:
هيهات أنسى قبل بينك ساعةً جمعت صحابك في غروب نهار
والشمس في سقم الغروب وأنت في لون الشحوبِ معصفرٌ ببهارِ
منحت وقد ذهبت شعاعاً غارباً كسناك طوافّاً على السُّمارِ
تشكو لي الضعفَ المُلِّمَّ لعلَّ في طبي مَقيلاً من وشيك عثارِ
وكشفتَ عن متهدّم جال الردى متهجماً في صرحهِ المنهارِ
فرأيتُ ما صنعَ الضنى في صُورةٍ حالت،وخلى هيكلاً كإطارِ
ووجمتُ! ألمحُ في الغيوبِ نهايةً وأرى بعينيَ غايةَ المضمارِ
وأرى النبوغَ وقد تهاوى نجمهُ والعبقريةُ وهي في الإدبارِ
أو لم يكن لك من زمانك ذائداً وثباتُ ذهنٍ ماردٍ جبار؟
أو لم يكن لكَ من حِمامكَ عاصماً ذاكَ الجبينُ مكللاً بالغار؟