الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (4/10)

تيه بالسواك فبللته من ريقها وأعطته له،ودفن في حجرتها،وكانت رأت رؤيا أن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها،فلما دفن في حجرتها وكان أبوها قد أوّل لها الرؤية قال: ثلاثة من خير الناس يدفن في بيتك،فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها قال هذا هو القمر الأول قمر الأقمار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه دفن أيضاً في حجرتها.

ولما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه،طعنه أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله فقال عمر لإبنه عبد الله:اذهب إلى أم المؤمنين عائشة وقل لها:يسلم عليك عمر بن الخطاب،ولا تقل لها أمير المؤمنين،فلست اليوم للمؤمنين أميراً،ويستأذنك أن يدفن بجوار صاحبيه في حجرة عائشة.

فقالـ أما إني كنت أعددته لنفسي،أما إني والله لأوثرن به عمر على نفسي،وأذنت أن يدفن بجوار صاحبيه،فلما رجع عبد الله إلى أبيه وأخبره استبشر وقال له:إذا وافاني الأجل فاحملوا سريري وقفوا عند باب عائشة وقولوا لها عمر بن الخطاب يسلم عليك ويستأذنك أن يدفن إلى جوار صاحبيه فربما أذنت حياء مني وأنا حي،فإن إذنت فبها وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين…وأذنت لعمر..وكان هذا هو القمر الثالث“.

ـ عندما حضرت أبا بكر الصديق رضي الله عنه الوفاة أنشدت عائشة رضي الله عنها :

لعمرك  ما يغني الثراء عن الفتى                  إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فقال لها أبو بكر رضي الله عنه:“لا تقولي ذلك،ولكنه كما قال تعالى:{ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.

وقال لعائشة رضي الله عنها:انظروا ثوبي هذين،فاغسلوهما وكفنوني فيهما،فإن الحيّ أولى بالجديد من الميت.

ولما حضرته الوفاة أوصى عمر الفاروق رضي الله عنه:“ إني أوصيك بوصية،إن أنت قبلت عني:إن لله عزّ وجل حقاً بالليل لا يقبله بالنهار,وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل،وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة،وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة باتباعهم للحق في الدنيا،وثقلت ذلك عليهم،وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً،وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل،وخفته عليهم في الدنيا وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً“.

ـ ولما طعن عمر الفاروق رضي الله عنه جاءه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال:يا أمير المؤمنين،أسلمت حين كفر الناس،وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس،وقُتلت شهيداً ولم يختلف عليك اثنان،وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض.

فقال له:أعد مقالتك فأعاد عليه،فقال:المغرور من غررتموه،والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه.فقال: ضع رأسي على الأرض.فقلت:ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي؟

فقال:لا أمّ لك،ضعه على الأرض.فقال عبد الله:فوضعته على الأرض.فقال:ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز وجل“.

وأما أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنه قال حين طعنه الغادرون والدماء تسيل على لحيته::لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.اللهم إني أستعديك وأستعينك على جميع أموري وأسالك الصبر على بليتي“.

ولما استشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً.ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوباً عليها هذه وصية عثمان:

بسم الله الرحمن الرحيم

عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الجنة حق،وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد.عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله.

وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعد أن طعن قال: ما فعل بضاربي؟

قالوا:أ خذناه.

قال:أطعموه من طعامي،واسقوه من شرابي.فإن أنا عشت رأيت فيه رأيى،وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.

ثم أوصى الحسن أن يغسله وقال: لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً.

وأوصى:إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي،ولا تبطئوا،فإن كان خيراً عجلتموني إليه،وإن كان شراً ألقيتموني عن أكتافكم.

ينسب إلى الإمام علي رضي الله عنه لما أحسّ بضيق شديد في صدره واضطراب في نَفسه يوم قُتل أنه رددَ هذه الأبيات:

شدَّ حيازيمك للمو                                     ت فإنَّ الموتَ لاقيكا

ولاتجزع من المو                                     ت إذا حلّ بواديكا

وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند موته يقول:أجلسوني،فلما أجلسوه،قال: أنا الذي أمرتني فقصرّت،ونهيتني فعصيت،ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدّ النظر.فقالوا له: إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين.قال: إني أرى حضرة ماهم بإنس ولا جن ثم قبض رحمه الله وسمعوا تالياً يتلو{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}[ القصص 83].

وفي رواية أخرى أنه لما حضره الموت قال لبنيه وكان مسلمة بن عبد الملك حاضراً:يا بني،إني قد تركت لكم خيراً كثيراً لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقاً.

يا بني،إني قد خيرت بين أمرين،إما أن تستغنوا وأدخل النار،أو تفتقروا وأدخل الجنة،فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي،قوموا عصمكم الله…قوموا رزقكم الله…قوموا عني،فإني أرى خلقاً ما يزدادون إلا كثرة،ما هم بجن ولا إنس..

قال مسلمة:فقمنا وتركناه،وتنحينا عنه،وسمعنا قائلاً يقول:{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}.ثم خفت الصوت،فقمنا فدخلنا، فإذا هو ميت مغمض مسجى.

وهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول على فراش الموت:“ما من ليلة يُهدى إليَّ فيها عروس أنا لها محب،أو أُبشر فيها بغلام أحبَّ إليَّ من ليلة شديدة البرد،كثيرة الجليد،في سرية من المهاجرين،أصبّح فيها العدو.لقد طلبت القتل في مظانه(في كل مكان من الممكن أن يكون فيه موت ذهبت إليه)فلم يُقدر لي إلا أن أموت على فراشي،وما من عمل شىء أرجى عندي ـ بعد التوحيد ـ من ليلة بتها،وأنا متكرس،أمسك درعي،والسماء تهلني،منتظر الصبح حتى تغير على الكفار.

ثم قال كلمته المشهورة وهو يبكي:“ لقيت كذا وكذا زحفاً،وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف،أو رمية بسهم،وها أنا أموت حتف أنفي،كما يموت البعير،فلا نامت أعين الجبناء“.

ولما مات خالد ابن الوليد رحمه الله تعالى ارتفعت أصوات النساء في بكاء شديد في بيته،وفي المدينة المنورة بكاملها،وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:أرسل إليهن فانههن.فقال عمر:وما عليهن أن ينزفن دموعهن على أبي سليمان.ثم قال الفاروق رضي الله عنه:“على مثل أبي سليمان فلتبكي البواكي،قد ثلم في الإسلام ثلمة لا ترتق“.وتابع الفاروق:كان والله سداداً لنحور العدو،ميمون النقيبة“.

هذا بلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة وبكت زوجته وقالت:واحزناه، قال لها:“ بل واطرباه،غداً نلقى الأحبّة محمداً وصحبه „.

وهذا إمام العلماء معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول وهو يعالج السكرات: „مرحباً بالموت حبيب جاء على فاقة“.ونادى ربه حين جاءت ساعة الاحتضار قائلاً:“يا رب إنني كنت أخافك ،وأنا اليوم أرجوك…اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار،ولا لغرس الأشجار..وإنما لظمأ الهواجر،ومكابدة الساعات،ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم.ثم فاضت روحه بعد أن قال:لا إله إلا الله.

ولما مرض الخليفة هارون الرشيد رحمه الله ويئس الأطباء من شفائه وأحس بدنو أجله قال: أحضروا لي أكفاناً فأحضروا له…فقال: احفروا لي قبراً…فحفروا له…فنظر إلى القبر وقال: ما أغنى عني ماليه…هلك عني سلطانية…

وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما حضره الموت دعا ابنه فقال:“يا عبد الرحمن إن عبد الله بن مسعود يوصيك بخمس خصال فاحفظهن عني:أظهر اليأس للناس فإن ذلك غنى فاضل،ودع مطلب الحاجات إلى الناس فإن ذلك فقر حاضر،ودع ما تعتذر منه من الأمور ولا تعمل به،وإن استطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فافعل،وإذا صليت صلاة فصلِ صلاة مودّع كأنّكَ لا تصلي بعدها“.

وهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة بكت زوجته ..فقال :ما يُبكيك؟

قالت:وكيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفناً

فقال لها:لا تبكي وأبشري فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم:ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا ومات في قرية وجماعة،وأنا الذي أموت بفلاة،والله ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق.

قالت:أنّى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق.

فقال انظري فإذا أنا برجال  فألحت ثوبي فأسرعوا إلي فقالوا:ما لك يا أمة الله؟

قالت:امرؤ من المسلمين تكفنونه..

فقالوا: من هو؟

قالت:أبو ذر

قالوا:صاحب رسول الله

ففدوه بأبائهم وأمهاتهم ودخلوا عليه فبشرهم وذكر لهم الحديث

وقال:أنشدكم الله،لا يكفنني أحد كان أميرأ أو عريفاً أو بريدا

فكل القوم كانوا نالوا من ذلك شيئاً غير فتى من الأنصار فكفنه في ثوبين لذلك الفتى.

وصلى عليه عبد الله بن مسعود.فكان في ذلك القوم.

ولما جاء الصحابي أبا الدرداء رضي الله عنه الموت قال:ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟الا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ثم قبض رحمه الله.

والصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بكى عند موته،فقيل له:ما يُبكيك؟

فقال:عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب،وحولي هذه الأزواد.وقيل:إنما كان حوله إجانة وجفنة ومطهرة!

(الإجانة:إناء يجمع فيه الماء،والجفنة:القصعة يوضع فيها الماء والطعام،والمطهرة:إناء يتطهر فيه).

والصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال عندما حضره الموت لمن حوله:أجلسوني.فأجلسوه…فجلس يذكر الله…ثم بكى…وقال:الآن يا معاوية..جئت تذكر بعد الانحطام والانهدام…أما كان هذا وغضّ الشباب نضير ريان.؟ثم بكى وقال:يارب يارب،ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي…اللهم أقل العثرة واغفر الزلة…وجد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا وثق بأحد سواك..ثم فاضت روحه رضي الله عنه.

وجاء (في البصائر والذخائر – التوحيدي – ج1 ص223):

„لما احتضر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه رفع يديه وقال متمثلاً:

هو الموتُ لا أدهى من الموت والذي                        أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع

ثم قال :“ اللهم فأقِلِ العَثَرة،واعفُ عن الزّلة،وعُدْ بِحلمك على جهل من لا يرجو غيرك،ولا يثق إلا بك، فإنك واسعُ الرحمة  تعفو بقدرة،وما وراءك مذهبٌ لذي خطيئة موبقة يا أرحمن الراحمين „. فبلغ سعيد بن المسيب  قوله فقال : „لقد وُفقّ  عند الموت في الطلب  إلى من لا مثله مطلوب إليه،فإن ينجُ أبوعبد الرحمن من النارغداً فهو الرجل الكامل،ما أخوفني عليه“ .

وحينما حضرت الوفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه بكى طويلاً..وحوّل وجهه إلى الجدار،فقال له ابنه:ما يُبكيك يا أبتاه؟أما بشرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم…فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه وقال:إن أفضل ما نعد…شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله..

إني كنت على أطباق ثلاث…لقد رأيتني ما أحد أشدّ بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني،ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته،فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار…

فلما جعل الله الإسلام في قلبي،أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت:ابسط يمينك فلأبايعنك،فبسط يمينه،قال:فقبضت يدي..فقال:مالك ياعمرو؟

قلت:أردت أن أشترط.

فقال:تشترط ماذا؟

قلت:أن يغفر لي.

فقال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله،وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها،وأن الحج يهدم ما كان قبله؟

وما كان أحد أحبّ إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحلى في عيني منه،وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له،ولو قيل لي صفه لما استطعت أن أصفه،لأني لم أكن أملأ عيني منه.ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.

ثم ولينا أشياء،وما أدري ما حالي فيها؟

فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار،فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سناً ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها،حتى أستأنس بكم،وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؟.

عمرو بن العاص: كان يقول:عجباً لمن نزل به الموتُ وعقله معه كيف لا يصفه . فلما نزل به الموت ذَكرَّه ابنه بقوله وقال : صِفْهُ. قال : „يا بني :الموتُ أجَلُّ من أن يوصف ولكني سأصِفُ لك،أجدني كأنَّ جبلَ رَضوى على عنقي، وكأنَّ في جوفي شوك السُّلاء،وأجدني كأنَّ نَفَسي يخرج من إبرة „.(طبقات ابن سعد)

وجاء في (الكامل للمبرد ج1 ص347):“ دخل ابن عباس على عمرو بن العاص وهو يحتضر فقال له : يا أبا عبد الله إنكَ كنتَ تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموتُ حتى اسأله كيفَ يجد؟قال: „أجدُ السماءَ كأنها مُطَبقَةٌ على الأرض،وأنا بينهما،وأراني كأنمّا أتنفسُ من خَرْتِ ابرة(ثقبها) ثم قال: اللهم خُذْ عيني حتى ترضى، ثم رفع يديه فقال: اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا، فلا برئٌ فأعتذر،ولا قويٌ فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم فاض“ .

ولما حضرت الوفاة أبو موسى الاشعري رضي الله عنه دعا فتيانه وقال لهم:اذهبوا فاحفروا لي وأعمقوا…ففعلوا..

فقال: اجلسوا بي،فوالذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين،إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعاً،وليفتحن لي باب من أبواب الجنة،فلأنظرن إلى منزلي فيها وإلى أزواجي،وإلى ما أعدّ الله عز وجل لي فيها من النعيم،ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي،وليصيبني من روحها وريحانها حتى أبعث.

وإن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي،حتى يكون أضيق من كذا وكذا،وليفتحن لي باب من أبواب جهنم،فلأنظرن مقعدي وإلى ما أعد الله عز وجل فيها من السلاسل والأغلال والقرناء،ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي،ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث“.

ـ لما انتهت غزوة أحد قال رسول الله صلى الله عليهى وسلم من يذهب فلينظر ماذا فعل سعد بن الربيع؟

فدار رجل من الصحابة بين القتلى…فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه فناداه…ماذا تفعل؟

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لأنظر ماذا فعلت؟

فقال سعد:اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وأخبره أني ميت وأني قد طعنت إثنتي عشرة طعنة وأنفذت في،فأنا هالك لا محالة،واقرأ على قومي السلام وقل لهم  ياقوم لاعذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف..

وأما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقد قال قبل أن تفيض روحه:ما آسى من الدنيا على شىء إلا على ثلاثة:ظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومراوحة الأقدام بالقيام لله عز وجل وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت.

ولما حضرت الوفاة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:“حبيبٌ جاء على فاقة،لا أفلح من ندم،اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إليّ من الغنى،والسّقمُ أحبّ إلي من الصحة،والموت أحب إليَّ من العيش،فسّهل عليَّ الموت حتى ألقاك“.

ـ لما حضرت عبادة بن الصامت رضي الله عنه الوفاة قال:أخرجوا فراشي إلى الصحن.ثم قال:اجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي.فجمعوا له…فقالب:إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا،وأول ليلة من الآخرة،وإنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شىء،وهو والذي نفس عباده بيده،القصاص يوم القيامة،وأحرج على أحد منكم في نفسه شىء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي.

فقال:أغفرتم لي ما كان منى ذلك؟

قالوا :نعم.

فقال: اللهم اشهد…أما الآن فاحفظوا وصيتي…أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي،فإذا خرجت نفسي فتوضئوا فأحسنوا الوضوء،ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجداً فيصلي ثم يستغفر لعباده ولنفسه،فإن الله عز وجل قال:{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}..ثم أسرعوا بي إلى حفرتي،ولا تتبعوني بنار.

وأما الحسن البصري رضي الله عنه فإنه لما حضرته المنيّة حرك يديه وقال:هذه منزلة صبر واستسلام.

وأما عبد الله بن المبارك رحمه الله فإنه حين جاءته الوفاة واشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق..ورفع الغطاء عن وجهه وابتسم قائلاً:لمثل هذا فليعمل العاملون…لا إله إلا الله..ثم فاضت روحه.

وأما الفضيل بن عياض رحمه الله فإنه لما حضرته الوفاة،غشي عليه،ثم أفاق وقال:وابعد سفراه..واقلة زاداه…

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يحتضر وهو يقرأ قوله تعالى{إنّ المتَّقينَ في جنَّاتٍ ونَهَر* في مَقعدِ صِدقٍ عند مليكٍ مُقتدرٍ}]القمر 54-55].

وجاء( في معجم الادباء –ياقوت الحموي –ج5 ص203):

حدّث المزني وهو أبو ابراهيم اسماعيل بن يحيى قال : دخلت على الشافعي  رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه  فقلت: كيف أصبحت؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلاً وللإخوان مفارقاً، ولكأسِ المنية شارباً، ولسوء فِعالي ملاقياً، وعلى الله جلّ ذكره وارداً،ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أو إلى النار  فأعزّيها  ثم بكى وأنشأ يقول:

فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي                          جعلتُ رجائي نحو عفوك سُلّما

تعاظمني ذنبي  فلما قرنتهُ                               بعفوكَ ربي كان عفوكَ أعظما

فما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزلْ                       تجودُ  وتعفو مِنَّةً وتكرُّما

فإن تعف عني تعفُ عن ذي إساءة                       ظلومٍ غشومٍ قاسي القلب مجرما

وإن تنتقم مني فلست بآيسٍ                               ولو دخلت روحي بجرمي جهنما

فلو لولاك َ لم يُقَدرْ بإبليسَ عابدٌ                           فكيفَ وقد أغوى صَفيّكَ آدما

وجاء في مجلة الرسالة العدد158 مقال للأستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله في موت سعيد بن المسيِّب رحمه الله:

„قال أبو حازم:قال سعيد بن المسيب في مرضه الذي مات فيه:إذا ما متّ فلا تضربوا على قبري فسطاطاً،ولا تحملوني على قطيفة حمراء،ولا تتبعوني بنار،ولا تؤذنوا بي أحداً،حسبي من يبلغني ربي ولا يتبعني.

وقال عبد الرحمن بن الحارث المخزومي:اشتكى سعيد ابن المسيب فاشتدّ وجعه،فدخل عليه نافع بن جبير يعوده وهو مضطجع على فراشه،فأغمي عليه،فقال لمحمد ابنه:حول فراشه،فاستقبل به القبلة،ففعل،فأفاق فقال:من أمركم أن تحولوا فراشي إلى القبلة؟أنافع بن جبير أمركم؟فقال نافع:نعم،فقال له سعيد:لئن لم أكن على القبلة والملة لا ينفعني توجيهكم فراشي.وفي رواية:ألست امرأً مسلماً،وجهي إلى الله حيثما كنت؟

وقال زرعة بن عبد الرحمن:شهدت سعيد بن المسيب يوم مات يقول:يازرعة،إني أشهدك على ابني محمد،لا يؤذن بي أحداً،حسبي أربعة يحملوني إلى ربي،ولا تتبعني صائحة تقول فيّ ما ليسَ فيّ.

وقال يحيى بن سعيد:لما حضر سعيد بن المسيب،ترك دنانير،فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني.

وقال :دخلنا على سعيد نعوده،ومعنا نافع بن جبير،فقالت أم ولده إنه لم يأكل منذ ثلاث فكلموه،فقال نافع بن جبير:إنك من أهل الدنيا ما دمت فيها،ولا بد لأهل الدنيا مما يصلحهم فلو أكلت شيئاً.قال: كيف يأكل من كان على مثل حالنا هذا بضعة يذهب بها إلى النار أو إلى الجنة.فقال نافع:أدع الله أن يشفيك،فإن الشيطان قد كان يغيظه مكانك من المسجد.قال: بل أخرجني الله تعالى من بينكم سالماً“.

قال محمد بن مطرّف بن داود:دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت،فقلنا يا أبا حازم،كيف تجدك؟قال: أجدني بخير،أجدني راجياً الله، حسن الظن به،ثم قال:إنه والله ما يستوي من غدا وراح يعمر عقد الآخرة لنفسه،فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت،حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له،ومن غدا وراح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب“.

ولما حضرت الوفاة الخليفة العباسي المأمون قال:أنزلوني من على السرير.فأنزلوه على الأرض.فوضع خده على التراب وقال:يا من لايزول ملكه…ارحم من قد زال ملكه.

ويروى أن عبد الملك بن مروان لما أحس بالموت قال: ارفعوني على شرف،ففعل ذلك،فتنسم الروح،ثم قال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير.وإن كثيرك لحقير.وإن كنا منك لفي غرور.

ولما احتضر هشام بن عبد الملك نظر إلى أهله يبكون حوله فقال:جاء هشام إليكم بالدنيا وجئتم له بالبكاء،ترك لكم ما جمع وتركتم له ما حمل،ما أعظم مصيبة هشام إن لم يرحمه الله.

ويقال إن الخليفة المعتصم العباسي قال عند موته:لو علمت أن عمري قصير هكذا ما فعلت..

وقال حكيم بن حزام(كان من العقلاء والحكماء عاش ستين سنة قبل الإسلام في الجاهلية وستين سنة في الإسلام)عندما حضره الموت:“لا إله إلا الله اللهم إني كنت أخشاك،فأنا اليوم أرجوك“.

وجاء في كتاب وحي القلم للرافعي رحمه الله(ج2 ص92):

„أعلمت أن رجلاً من المسلمين قد مرض،فأعضلَ مرضه فأثبتهُ على سريره ثلاثين سنة لا يتحرك،وطوى فيه الرجل الذي كان حياً ونشر منه الرجل الذي سيكون ميتاً،فبقي لا حياً ولا ميتاً ثلاثين سنة؟

أفتدري من كان الصابر ثلاثين سنة على بلاء الحياة والموت مجتمعين في عظامٍ ممددةٍ على سريرها،إنه إمامنا عمران بن حُصين الخزاعي الذي أرسله عمر بن الخطاب يُفقّه أهل البصرة وتولّى قضاءها،وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قدمها خيرٌ من عمران بن حصين،  ودخل عليه أخوه العلاء،فرآه مثبتاً على سرير الجريد كأنّما شُدَّ  وما شُدَّ إلا بانتهاك عصبه وذوبان لحمه ووهن عظامه،فبكى أخوه فقال:لم تبكي؟قال:لأني أراك على هذه الحال العظيمة.قال: لا تبك،فإن أحبّهُ إلى الله تعالى أحبّهُ إلي.ثم قال:إن هذه الأرض تحمل الجبال فلا يشعر موضع منها بالجبل القائم عليه ،إذ كان تماسك الأرض كلها قد جعل لكل موضع منها قوة الجميع،ولولا هذا لدّك الجبل موضعه وغارَ به،فالبلاء محمول على هِمّة الروح لا على الجسم،وهذا معنى  الخبر:“إن المؤمن بكل خير على كل حال،إن روحهُ لتُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل“.

عضد الدولة البويهي على فراش الموت:

لما مات عضد الدولة البويهي،وكان ما كان  من ضخامة ملك وعزة جاه،وهو الذي لقب بشاهنشاه،ولي المملكة وقد استولى الخراب عليها فعمرّها،وتخلص فيها من اللصوص والمفسدون فأمنّها،ونظم المخبرين،فعنده أخبار العالم الإسلامي في سرعة البرق،ورتب الجواسيس حتى خاف الرجل امرأنه والسيد خادمه،وهو شديد لا يلين،وقاس لا يرحم،وما أكثر من قتل وشرّد لسبب يستوجب ولغير سبب،حتى رووا عنه أنه أولع بجارية شغلته بجمالها وحسن حديثها عن بعض شؤون الملك،فأغرقها حتى لا يعود لمثلها،وزهت له الدنيا فاغترّ بها ووصف نفسه في شعره بأنه ملك الأملاك غلّاب القَدر،وقصده المتنبي فرأى ملكاً كبيراً،ونعيماً عظيماً،وقدرة قادرة،وسطوة قاهرة،فصرخ:

وقد رأيتُ الملوك قاطبة     وسرتُ حتى رأيتُ مولاها

ومنْ مناياهم براحته          يأمرها فيهم وينهاها

وإن له شرقها ومغربها       ونفسهُ تستقل دنياها

تجمعت في فؤاده همم        ملء فؤاد الزمان أحداها

وكان في ملكه كرمان وفارس وعمان والعراق والموصل وديار بكر وحران ومنبج،خضعت له وخافت منه واستكانت له،وفزع منه الصغير والكبير،ثم ماذا؟

أصابه المرض وهو في السابعة والأربعين،فأذل نفسه وأحقر شأنه،واستدعى له مهرة الأطباء فعجزوا عجزه وذلوا ذله،فأخذ يقول الشعر ينعي نفسه:

قتلت صناديد الرجال فلم أدع                 عدواً ولم أمهلْ على ظِنّةٍ خَلقا

وأخليتُ دورَ الملك من كلِّ نازلٍ              فشرّدتهم غرباً وبدّدتهم شرقا

فلما بلغتُ النجمَ عزَّاً ورفعةً                   وصارت ركاب الخَلقِ أجمعَ لي رِقا

رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي           فها أنذا في حجرتي عاطلاً مُلْقَ

ثم جعل يقول:ما أغنى عني ماليه،هلك عني سلطانيه،إلى أن مات.

إذا كان هذا ففيمَ غرور المغترّ،وطمع الطامع،وسطوة الظالم،وطغيان المستبد،وخيلاء المعجب؟

ورحم الله الحسن البصري،إذ يقول:“ما أكثر المُعتبّر وأقلّ المُعتبِر“.

(نقلاً عن مقال للأستاذ أحمد أمين ـ مجلة الثقافة ـ العدد 223).

مصطفى السباعي رحمه الله وفي ساعة من ساعات اشتداد الآلام،وبعد أن صارحه الأطباء بيأس من شفائه فاضت نفسه المؤمنة الراضية بهذه الأبيات التي يودع فيها وداع مفارق أهله وأحباءه وذويه:

أهاجكَ الوجدُ أم شاقتكَ آثار                                 كانت مغاني نعمَ الأهلُ والدارُ

وما لعينكَ تبكي حُرقة وأسىً                                وما لقلبِكَ ما ضجَّت بهِ النارُ؟

على الأحبّة تبكي أم على… طَللٍ                            لم يبق فيه أحباءٌ وسُمارُ؟

وهل من الدّهر تشكو سوءَ عشرتِهِ                         لم يوف عهداً ولم يهدأ له ثأر؟

هيهات يا صاحبي آسى على زمن                          ساد العبيدُ به وأقتيدَ أحرارُ 

أو أذرفُ الدمع في حبٍّ يفاركني                            أو في اللذائذِ والآمال تنهار

فما سبتني قبلَ اليومِ غانيةٌ                                   ولا دعاني إلى الفحشاء فجَّار

أَمَتُّ في الله نفساً لا تطاوعني                                في المكرمات لها في الشرِّ إصرار

وبعتُ في الله دنيا لا يسود بها                               حقٌ ولا قادها في الحكم أبرارُ

وإنّما حزني في صِبيةٍ دَرَجوا                                غُفْلٍ عن الشرِّ لم تُوقدْ لهم نارُ

قد كنت ارجو زماناً أن أقودَهمُ                                للمكرماتِ فلا ظلمٌ ولا عارُ

والآنَ قد سارعت خُطوي إلى كَفنٍ                           يوماً سيلبسه بَرٌ وجبّارُ

باللهِ يا صبيتي لا تهلِكوا جزعاً                               على أبيكم طريقُ الموتِ أقدارُ

تركتكم في حِمى الرحمن يكلؤكم                              من يهدهِ اللهُ لا توبقْهُ أوزارُ

وأنتم يا أهيلَ الحيِّ صِبيتُكمْ                                   أمانةٌ عندكم هل يُهمل الجارُ؟

أفدي بنفسيَ أُماً لا يفارقها                                    هَمٌ وتنهارُ حزناً حين أنهار

فكيف تسكن بعد اليومِ من شَجَنٍ                              يا لوعةَ الثكل ما في الدّار دَيَّارُ

وزوجةً منحتني كل ما ملكت                                  من صادقِ الودِّ تحنانٌ وإيثارُ

عشنا زماناً هنيَّاً من تواصلنا                                 فكم يؤرقّ بعدَ العزِّ إدبارُ

وأخوة جعلوني بعد فقد أبي                                  أباً لآمالهم روضٌ وأزهارُ

أستودع الله صحباً كنت أذخرهم                              للنائبات لنا أنسٌ وأسمارُ

الملتقى في جنان الخلد إن قُبلت                             منا صلاةٌ وطاعاتٌ وأذكارُ

مصطفى السباعي في قصيدة أخرى بعنوان „رويدك“:

ومُنتظرٍ موتي ليشفي غيظه                                   رُويدّك إن الموت أقرب موعد

كلانا سيلقى الله من غير ناصرٍ                                فيحكم مَنْ منا الشقيّ ومن هُدي

أغاظك مني شهرة ومحبّة                                     من الناس أولتني قلادة سؤدد؟

لَعمرُك ما ذاك الذي قد أهابَ بي                              إلى دعوة الاصلاح في ظلِّ أحمد

ولكنّه الإخلاص والعلم والظمأ                               وطول عناء الأمس واليوم والغد

أبى المجد أن يعنو لكل مُضلّل                                 تسيّره الأهواء خبطاً بفدفد

فإن تكن الأيام أودّت بصحتي                                 وعاقت خطى عزمي بكل مُسدَّد

فما كنتُ خوّاراً ولا كنتُ يائساً                                ولست بثاوٍ في فراشي ومقعدي

سأمشي إلى الغايات مشي مكافح                             ألوذ بعزِّ الله من كل مُعتد

وأحمي لواء الحق من أن يدوسه                            طغاة غدوا حرباً على كل مُرشد

فمن ساءه عزمي على السير إنني                          إلى الله ماضٍ فليطل هَمُّ حسَّدي

وإن يأس أحبابي عليَّ من الرّدى                           لطول السُرى، فالموت في الحقِّ مسعدي

مصطفى السباعي في قصيدة ثالثة بعنوان „أيها السائرون“:

أيها السائرون في موكب الح                                قِّ سراعاً للخير لا للمغانم

صدقوا الله عهدهم فتنادّوا                                   للمنايا لا يعبؤون بظالم

عرّجوا في الطريق نحو جريح                              كان في الله ثورة لا تُسالم

كافح الظالمين في صولة الظل                              م وللشرّ دولة ومعالم

ثم شاءت إرادة الله أن يق                                   صى بعيداً عن خوض تلك الملاحم

أوثقته الأسقام بضع سنين                                  في اكتمال الشّباب والحظ باسم

أرغمته الآلام أن يلزم البي                                  ت إذ الخطب في العشيرة داهم

علم الله كرههُ راحة الجس                                  م إذا البغي في المرابع جاثم

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله في مقال بعنوان:“في لجج البحر“(الشيخ يرثي نفسه):

„مات علي الطنطاوي.وليس عجباً أن يموت،والموت غاية كل حي،ولكن العجيب أن يرجع بعدما مات،ليصف للقراء الموت الذي رآه…

لم يكن يعرف من السباحة إلا درساً واحداً،كان قد تلقاه من أكثر من ثلث قرن،على معلم لم يسبح أبداً.وأخذت أسبح السباحة التي أعرفها:أرفع رجلي،وأحرّك يدي،فإذا تعبت خرجت أستمتع بالشمس والهواء،وكنت ممتلئاً بالصحة،أكاد أتوثب من النشاط توثباً،وكان الموت بعيداً عن فكري،والموت أبداً أبعد شىء في أفكارنا عنا،وإن كان أقرب شىء في حقيقته منا،نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا،نشيع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها،نتكلم كلام الدنيا،ونرى مواكب الموت تمر بنا كل يوم،فلا نفكر ولا نعتبر،ولا نقدر أننا سنموت كما ماتوا،ومات من كان أصحّ منا صحة،وكان أشدّ منا قوة وأكبر سلطانا،وأكثر أعوانا،فما دفعت عنه الموت لما جاءه صحته ولا قوته،ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه،نعرف بعقولنا أن الموت كأس سيشرب منها كل حيّ،ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا،وتحجبها عنا شواغل يومنا،وتوافه دنيانا،يقول كل واحد منا بلسانه:إن الموت حقّ وإنه مقدّر على كل حيّ،ويقول بفعله لم أموت،لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي،فلا يزال في العمر فسحة لي دائما،ولن يأتي أجلي أبداً.

وعاودت الدخول في الماء،وأطلب البقاء فيه،وحاولت الوقوف فإذا أنا لا أجد الأرض الصلبة من تحتي،وحاولت أن أرفع رأسي فأنظر،فإذا أنا لا أجد الهواء ولا أبصر شيئاً،وأحسستُ أن الماء المالح قد تدفق على فمي،وأنفي،فأنا لا أملك إلا أن أبلعه وأنشقه،وبدأت أحس آلاماً لا تصور ولا توصف،ليست في الرأس ،وليست في عضو من الأعضاء وحده،ولكنها في كل ذرة من جسدي،وروحي،وشعرت كأن قد ألقيت علي صخرة ضخمة،وأن أعصابي تجذب من تحتها وتقلع،كما تجذب خيوط الحرير مما خالطها من الشوك،وصار كل همي من دنياي أن أجد نسمة واحدة من الهواء فلا أجدها.فقلت:هذا هو الموت،هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه،والذي أراه بعيداً عني،لم يحن حينه،ولم يدن موعده،لذلك كنت أؤجل التوبة من يوم إلى يوم،أقول إذا بلغت من الشباب تبت،فلما بلغتها قلت:أتوب في الاربعين،فلما جاوزتها قلت:أنتظر حتى أتم بناء الدار،فلما أتممتها فلت:أتوب وأتفرغ إلى الله،إذا بلغت سن التقاعد،كأني أخذت على ملك الموت عهداً،ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد،فها هو ذا قد جاء على غير ميعاد.

لقد أمحت(والله)صورة الدنيا كلها من أمامي .ومالي وللدنيا.ولم يبق لي فيها إلا لحظات معدودات،أنا أتجرع فيها ثمالة كأس اللآلام ،لم يبق لي منها ما يغريني بها،حتى الأهل والولد شغلت بنفسي عنهم،فلا تصدقوا ما تقرؤونه في القصص من ان المشرف على الغرق،يفكر في أحبائه أو في أعماله،أو في أدبه وعلمه ومقالاته وأشعاره،أو يهمه ما يقال فيه من بعده وما كان ذلك من غير المسلم،أما المسلم فلا يرى في تلك الساعة إلا ما هو قادم عليه.

وازدحمت عليَّ الخواطر فيما أفعله،فحاولت التشهد والتوبة أولاً،فلم أستطع النطق بشىء مما كان في فمي من الماء،وازدادت علي الآلام ولكنها لم تقطع خواطري،وكان ذهني في نشاط عجيب ما أحسست مثله عمري كله،وكنت بين خوف من الموت ورغبة فيه:أرغب فيه أرجو أن تكون هذه الميتة على الإيمان،وأخاف لأنه ليس لدي ما أقدم به على الله،وقد فاجأني الموت ،كما يفاجىء التلميذ المهمل،الذي لا يزال يؤجل المطالعة والحفظ،ويقول:الإمتحان بعيد،وتمضي الأيام،حتى إذا رآه صار أمامه قطع أصابعه ندماً،وأذهب نفسه حسرة،وما نفعه ذلك شيئاً.

ونظرت فإذا كل ما ربحته من عمري لحظات ،لحظات كنت أحس فيها حلاوة الإيمان،وأخلص فيها التوجه إلى الله تقابلها عشرات من السنين كنت سابحاً فيها في بحار الغفلة،تائهاً في بيداء الغرور،أحسب من جهلي،أن الأيام ستمتد بي،لم أدر أن العمر ساعات محدودة،وأن ذلك هو رأس مالي كله ،فإن أضعته لم يبق لي من بعده شىء.

ونظرت فإذا المقاييس كاملة تتبدى ساعة الموت،وإذا كل ما كنت أحبه وأنازع عليه، قد صار عدماً!وإذا أنا لم أخذ معي شيئاً،بنيت داراً فما حملت معي منها حجراً،واقتنيت مالاً فما كان لي منه،إلا ما ظننتُ من قبل أني خسرته ،وهو ما أخرجته لله،وكتبت ألفاً من المقالات في عشرات من السنين،فما نفعني إلا كلمة قلتها لوجه الله،وأين هي؟وعرفت لذائذ الحياة كلها،فما الذي بقي في يدي وأنا أموت غرقاً من لذائذ،وما الذي استبدلته بالعمل الصالح الذي لا أرجو النجاة الآن إلا به؟

وغلبني ألم الموت،ولم يعد في طوقي أن أفكر،فرجعت إلى الله وتصورت كرمه وعفوه،وكان يغلب عليَّ الأمل وحب الحياة،فأضرب بيدي ورجلي وأرفع يميني أشير بها،ثم يدركني اليأس فأسلم أمري إلى الله،ولم أكن أتمنى بعد المغفرة،إلا شيئاً واحداً،هو أن يخفف الله عني بتعجيل موتي ،أخشى أن يطول بي هذا الألم فوق ما طال.

ثم لما خارت قواي،وأوشكت أن أغوص فلا أطفوا أبداً،خيّل إليَّ أنّي أسمع أصواتاً تناديني،وأحسست بيدي تمس شيئاً صلباً،أدركت أنه طرف من زورق،ففرحت فرحة ما فرحت قط مثلها،وشعرت أني أرفع إلى الزورق،ثم غبت عن نفسي وهم يمسكون برجلي لأخرج بعض ما في جوفي من ماء البحر.

لقد خرجت بنفس جديدة،واتعظت موعظة أرجو أن تدوم لي،وعرفت قيمة الحياة،وحقيقة الموت،ونحن لا نعرف من الموت إلا ظاهره دون حقيقته،نراه عدما،ونندب القريب والحبيب إن وضعناه في حفرة باردة،وخلفناه وحيدا،تأكله الدود،وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة،ولكن جسده،والجسد ثوب يخلع بالموت،كما تخلع الحية ثوبها،فهل يبكي أحد على ثوب خلع؟!

وما الموت إلا انتقال إلى حياة أرحب وأوسع ،إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل،ولو كان الموت فناء لكان نعمة.

ولو أنا إذا متنا تُركنا         لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا           ونسأل بعدها عن كل شىء

فإذا كان الموت سفرة لابد منها،فالعاقل من تهيأ لها،وأعدّ لها الزاد والراحلة،وذكرها دائماً كي لا ينساها،ونظر في كل شىء،فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه،وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهد فيه وانصرف عنه“.

ويقول الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني (مقال:في وقع الموت ـ الرسالة العدد136):

„وقد راقبت الموت في أكثر من مرة،وشهدت كثيرين وهم في سياقه،ثم ماتوا بين يدي،وكان الموت في هذه الحالات كلها على أثر نضوب الحيوية ونفاد القدرة على المقاومة.وكانت إحدى الميتات بسبب النزف،فظل العقل حاضراً لا يغيب ولا تغيم سماؤه،ولا يتعكر صفوه،وكان الإحساس بدنو الأجل قوياً،ولا شك أن الرغبة في الحياة كانت عظيمة،والجزع من الفناء كان شديداً،ولكن الجسم لم تكن له قوة تستخدمها الإرادة،فخرج النفس الأخير في سلام ومن غير أن يبدو للناظر أثر للصراع.

وميتة أخرى شهدتها،كان الصراع فيها كأعنف ما يمكن أن يكون ،لأن الجسم بوغت بعدوان المرض المنذر،فتنبه فيه كل كامن من قوته،وهبت إرادة الحياة تدفع هذه الغائلة،وكان يخيل إلي وأنا أنظر كأنّ إنساناً ألقي به في الماء وهو لا يعرف من السباحة إلا لفظها،وكما يفعل المرء حين يلقى نفسه في الماء ويخشى عليها الغرق،فتراه يضرب بيديه ورجليه بغير حساب أو تفكير ويهز رأسه هزاً عنيفاً،وينفخ ويرغى،كذلك كنت أرى أمي لما أصابتها الذبحة،وسكنت الآلام بفضل العلاج يومين،وبدأنا نستبشر،ولكن النكسة جاءت،أو لا أدري ماذا حدث ،فجعلت نوبات من الاختناق تعتريها،وبينها في أول الأمر فترات طويلة جعلت تقصر شيئاً فشيئاً حتى صارت دقائق.وكانت أول الأمر تقاوم الاختناق بشدة،وتعالج التنفس بجهد عنيف،يظهر أثره في كل عضلة من عضلات الوجه والعنق،وفي اضطراب الصدر وخفق القلب وفي دفع اليدين والرجلين،وكان همّي أن أقوي إرادة الحياة في نفسها وأن أمدّها بما يكفي من الأمل والثقة والشجاعة،ولكن كرّات الاختناق أوهت قوتها،ولم يذهب عقلها ولا ضعف ولا كلّ ،ولكن ما خير العقل وما غناؤه وحده؟؟وبأي شىء يشتد أزره؟فما جاءت آخر النوبات كان كل ما وسع الجسم أن يكافح به هذه الغارة أن الشفة السفلى اختلجت مرة أو مرتين،فهمد الجسم وكفّ القلب عن النبضان وانقطعت الأنفاس.

ويتابع:“ومن هنا كانت الشيخوخة ـ أي الضعف ـ والمرض الطويل أو المضني،بمثابة التدريب على الموت.وكل امرىء يقرن الشيخوخة أو المرض بالموت،ولا يستغربه حين يحل بالهرم أو الذي خامره الداء،ولكن موت الشاب يصدم النفس ويرجّها،لأن الشباب ـ وهو أوان الحيوية الزاخرة لا يقترن في الأذهان بفكرة الموت.أما الشيخ الهرم فإن كل من يراه يجري بخاطره أنه هامة يوم قريب،وأخلق أن يكون الموت أقرب إلى خاطره،وأجرى بباله،وأشد مثولاً وأكثر حضوراً،لأنه أحس بنفسه وأدق إدراكاً لما خسر من قوته ،وعلماً بما صار إليه من الوهن والفتور بالقياس إلى ما كان عليه من المنّة والنشاط والخفة والمرونة.ويألف المرء الضعف واليبس فيألف المصير الذي يرى نفسه ينحدر إليه بسرعة أو على مهل ،فيكون هذا كالرياضة له على السكون إلى المآل المحتوم،وهذا هو معنى قولي إن الشيخوخة أو المرض تدريب على الموت“.

جاء في( معجم الادباء – ياقوت الحموي- ج4 ص504):

حُدِّثَ عن النَّظام  أنه دخل على سيبويه في مرضه فقال له: كيفَ تجدُكَ  يا أبا بِشر؟ قال أجدني  ترحلُ العافية عني بانتقالٍ،وأجدُ الداء يخامرني بِحلولٍ،غير أني وجدت الراحة منذ البارحة . قلت: فما تشتهي ؟  قال : أشتهي أن أشتهي(يرجو أن يعود إليه قدر من الصحة يجعله يشتهي الأشياء)، فلما كان من بعد  ذلك اليوم دخلت إليه وأخوه يبكي وقد قطرت من دموعه قطرةٌ على خَدِّه فقلت : كيفَ تجدك؟ فقال:

يَسُرُّ الفتى ما كان قدَّمَ من تُقىً                          إذا عَرَفَ الداءَ الذي هو قاتله

قال النظام : ثم مات من يومه .

وجاء في أمالي المرتضى:“ومن المعمرين زهير بن جَناب عاش مائتي سنة وعشرين سنة،وكان سيداً مطاعاً شريفاً في قومه،ويقال:كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه،كان سيد قومه وشريفهم ،وخطيبهم،وشاعرهم،ووافدهم إلى الملوك،وطبيبهم ـ والطب في ذلك الزمان شرف ـ وحازي قومه ـ الحزاة :الكهان ـ وكان فارس قومه،وله البيت فيهم، والعدد منهم“.وأوصى بنيه فقال:“ يا بني،قد كبرت سنّي،وبلغتُ حَرْساً من دهري ،فأحكمتني التجارب ،والأمور تجربة واحتيال،فاحفظوا عني ما أقول وعُوه ،إياكم والخور عند المصائب،والتواكل عند النوائب ،فإنّ ذلك داعية للغم ،وشماتةً للعدو،وسوء ظن بالربِ،وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين ،ولها آمنين ،ومنها ساخرين،فإنه ما سخر قومٌ قطّ إلا ابتلوا،ولكن توقعوها،فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة،فمقصّر دونه ومجاوزٌ لموضعه،وواقعٌ عن يمينه وشماله،ثم لابدَّ أنه مصيبه“.وهو القائل:

ليتَ شعري والدهرُ ذو حَدثان                          أيّ حينٍ منيّتي تلقاني

أسُباتٌ على الفراشِ خُفاتٌ                              أم بكفّي مُفَجَّعُ حرَّان

وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره:

لقد عُمرِّتُ حتى ما أبالي                              أحتفي في صباحي أم مسائي

وحُقّ لمن أتتْ مائان عاما                             عليهِ أن يملَّ من الثواءِ

ويتكلم الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله عن وفاة ابنه(الرسالة العدد 144):

„يا قارئي أنت صديقي فدعني أرِقْ على يديك هذه العبرات الباقية!هذا ولدي كما ترى رُزقته على حال عابسة كاليأس،وكهولة بائسة كالهرم،وحياة باردة كالموت،فأشرق في نفسي إشراق الأمل،وأورق في عودي إيراق الربيع،وولد في حياتي العقيمة معاني الجدّة والاستمرار والخلود!

كنت في طريق الحياة كالشارد الهيمان،أنشد الراحة ولا أجد الظل،وأفيض المحبة ولا أجد الحبيب،وألبس الناس ولا أجد الأنس،وأكسب المال ولا أجد السعادة،وأعالج العيش ولا أدرك الغاية!فلما جاءني(رجاء) وجدتني أولد فيه من جديد،فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال،وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال،وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل يدفعه من ورائه طمع،ويجذبه من أمامه طموح!

ماهذا الضياء الذي يشع في نظراتي؟ما هذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي؟ما هذا الرضى الذي يغمر نفسي؟ماهذا النعيم الذي يملأ شعوري؟ذلك كله انعكاس حياة على حياة،وتدفق روح في روح،وتأثير ولد في والد!؟

ثم انقضت تلك السنون الأربع!فصوّحت الواحة وأوحش القفر،وانطفأت الومضة وأغطش الليل،وتبدّد الحلم وتجهّم الواقع،وأخفق الطب ومات رجاء!!

لم يكن رجاء طفلاً عادياً حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه،إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق!

والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحمام الراصد في وعكة قال الطبيب إنها (البرد)،ثم أعلن بعد ثلاثة أيام أنها (الدفتريا)!لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السموم بالزهرة الغضة!ولكن ذكاءه وجماله ولطفه ما برحت قوية ناصعة،تصارع العدم بحيوية الطفولة،وتحاجُّ القدر في حكمة الحياة والموت!!

والهفَ نفسي عليه ساعة أخذته غصّة الموت،وأدركته شهقة الروح،فصاح بملء فمه الجميل بابا!بابا)كأنما ظن أباه يدفع عنه ما لا يدفع عن نفسه!

لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء،وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء!“.

وقال الأستاذ أحمد أمين مُعزياً الدكتور أحمد حسن الزيات في وفاة ابنه „رجاء“(مجلة الرسالة العدد 142):

„سعيت أمس لعزائك،في (رجائي)و(رجائك)،فرأيتك واجماً ساهماً،مولهاً مدلهاً،فانعقد لساني،وتخلّف ذهني،وفاض دمعي.

وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؟أو كيف أستطيع أن أخفف ما بك وما استطعت أن أخفف حزني؟

رأيت بك كمداً باطناً،وحزناً مكتمناً،فعلمت أنك تتجرّع  غصص الهمّ،وتختزن برحاء الكرب،فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة،وتنفس عن نفسك بدمعة،ولكن عزّ الصبر،وعزّ الدمع،فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المرائر.

وا رحمتاه لك! لقد كان (رجاء)قبلة رجائك،ومعقد آمالك،وحديث أحلامك،وملء سمعك وبصرك،تشوفته حياتك،وترقبته مطلع شبابك،حتى جاد به الزمان البخيل،فربطت أسبابك بأسبابه،وتعلقت بأهدابه،فلما شِمت مخايله،ورقبت منه النجح،عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقاً،ولا يثبت على عهد،فأخلف ظنك،ونقض املك،فإذا الدنيا أضغاث أحلام،ووساوس أطماع.

ولكن يا أخي ـ ما الجزع مما لابد منه،وما الهلع مما قدر،ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهوانهانأفليست إلا مرسحاً تمثل عليه أدوار مختلفة،مرة مهزلة،ومرة مأساة،ونحن في حين ممثلون،وفي حين ناظرون.وليس لنا أن نبالغ في الألم،ونغلو في الجزع،فقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبداً،وعشنا بعده أبداً،وإنما الأمر دور يعقب دوراً،ولاحق منا إثر سابق،وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأية سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل،ونبكي على الميت،ونود أن لو بقى ليستمتع بها،ويتذوق طيباتها،إنما هي سلسلة عناء،وضروب شقاء،تنوعت ألوانها،واتحدت حقيقتها،ولو أنصفنا لغبطنا من مات،وأشفقنا على من بقى،ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها،ووفر على نفسه عبئاً ثقيلاً ينتهي مختصره بما ينتهي مطوله،وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس،من أن تذهب وهي ذابلة يعافها الناس.

وليس الوفاء للميت بالإفراط في الحزن،والإمعان في البكاء،إنما الوفاء بمقابلة دواعي الحزن بدواعي الصبر،وليست الحكمة في إضعاف الحي من أجل الميت،إنما هي في إحياء الحي من أجل الحي والميت.

وقد أخطأ الناس فغلوا في استفظاع الموت والاحتفاء به،وهولّوا في الاستكثار من مظاهره،ولو عقلوا لقابلوه كما يقابل كل قانون طبعي في هذا العالم،زهرة تنضر وتذبل،وشمس تطلع وتغرب،ونجم يتألق ويأفل،وسماء تصحو وتغيمـ ولو عقلوا أيضاً لرددوا هذا المعنى في نفوسهم،واطمأنت له عقولهم،فإذا كان فهو ما تخيلوه،وإذا حدث فهو ما توقعوه،وإذن لخفّ الألم وانقطع الجزع.

أي أخي ـ ليكن ما أراده الله،ولنلوّن حياتنا بلون من ألوان التصوف،رضاء بالقدر،واستخفاف بالعالم وما فيه،وطمأنينة إلى قوانينه،وإيمان بعظمة الله وسلطانه،والتجاء إليه أن يتولاك برحمته ويظلك بإحسانه.

أي أخي ـ لقد أصبحت منسرق القوة،ضعيف البنية،مرهف الحس،رقيق الصحة ـ ولئن كان الانتحار جريمة لا تغتفر،ويأساً لا يرضاه الله،فليس هو ـ فحسب ـ في إطلاق عيار ناري،أو القاء النفس في اليم،أو ما عهدت من ضروب إزهاق الروح،ولكن من ضروبه أيضاً الاستسلام للحزن والتسمم بالغم،والاسترسال في أسباب الكرب،فهو انتحار بطىء ولكنه شر من الانتحار العاجل أعيذك بالله منه،واربأ بنفسك عنه.

أحسن الله عزاءك،وأجمل صبرك،وأجزل أجرك“.

وقال الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(الرسالة العدد43ـ مقال بعنوان:الموت والحياة):

„أبت عليَّ نفسي أن تكتب اليوم إلا في الموت،وهل نتاج الكاتب إلا قطعة من نفسه؟يفرح فيرقص قلمه،وينقبض فيسبل قلمه بالدمع،وقد كرهت للقراء هذا العنوان فأضفت إلى الموت الحياة،ولست أدري لم يلطف ذكر الحياة الموت،ولا يلطف ذكر الموت الحياة.

ولكن ما الجزع من الموت وقد طال عهدنا به ،وعرفه بنو آدم منذ عرفوا الحياة.ولمَ لم يالفوه كما ألفو كثيراً من المرّ حتى اعتادوه.

ولكن أعظم الناس شأن الموت لما أحاط به من ظروف،وما اتصل به من خيالات،وأُثير حوله من رعب بالغ بعض من رجال الدين في تفظيع الموت،وهوّلوا من شأنه تهويلاً تنخلع له القلوب،وتقشعر منه الجلود،لأنهم رأوا في ذلك درساً قاسياً يردع المجرم عن إجرامه،ويزع الآثم عن إثمه،ولكن أخشى أن يكونوا قد أفرطوا إفراطاً شلّ النفس وأشاع فيها اليأس.وأنهم  ـ وقد عهد إليهم أن يعادلوا بين الترغيب والترهيب ـ قد أرهقوا كفة الترهيب حتى ثقلت وهوت،وخفّفوا كفّة الترغيب حتى شالت وعلت،ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتنا نتسخط الحياة ونتبرم بها.ثم ما هذه الأخلاق التي هي أشبه ما تكون بأخلاق العبيد!لا ندعى للخير إلا بالعصا،ولا تطلب منا الفضيلة إلا بالسياط؟

أليس خيراً من ذلك أن يحدونا إلى الخير الحب.لا أن يسوقنا إليه الرعب؟

ثم زاد الموت سوءاً ما أحاطه به الأحياء من مظاهر الفزع والألم،فصراخ تنفطر له المرائر،وبكاء يذيب لفائف القلوب،والناس حول الميت بين ساهم البصر،ومطرق الطرف،ومكروب النفس،وناكس الرأس،يتأوه الآهة تنقصف منها ضلوعه،ويزفر الزفرة تتصدع منها نفسه،ولست أظن أن هذا وأمثاله من طبيعة الإنسان،قد يكون من طبيعته الحزن على فقد القريب والصديق،ولكن ليس من طبيعته الجزع“.

وجاء في (العقد الفريد ج4 ص3):أ عرابي يدعو ويصف داء الموت „اللهم اغفر لي والجلد بارد، والنفس رطبة، واللسان منطلق،والصحف منشورة، والأقلام جارية، والتوبة مقبولة،والأنفس مريحة، والتضرع مرجو، قبل أزّ العروق، وحَشَك النفس،وعَلَز الصدر، وتزيل الأوصال،ونصول الشعر، وتحيّف التراب“.

من احدى مقالات محمود محمد شاكر (جمهرة المقالات-عن وفاة ذو الرّمة)):

„ثارت نفس ذي الرمة ثورتها على مي،وقلق،فاضطرب في البلاد حتى أبعد، فذهب إلى أصبهان،فلم يطق أن يقيم بها  فعاد إلى دياره … فلم يلبث ذلك الشاب القصير،النحيف،الخفيف العارضين،أن استحال شيخاً شَخْتاً(الدقيق الضامر)،دقيق العظام ،قد براه الحب والضنى ولمّا يشرف على الأربعين.فلم يلبث ذو الرمة على ذلك أن اشتكى „النوطة“-وهي زيادة تحدث في النحر كأنها غُدّة ،تمور بين الجلد واللحم إذا حركتها- فوجع بها دهراً حتى قال:

ألِفتُ كلابَ الحَيِّ حتى عَرَفنني                            ومُدّتْ نِساج العنكبوت على رحلي

فلما تماثل عزم على أن يخرج إلى الشام،إلى هشام بن عبد الملك،فقال لأخيه مسعود: يا مسعود! قد أجدني تماثلت،وخفّت الأشياء عندنا،واحتجنا إلى زيارة بني مروان، فهل لك بنا فيهم؟فقال نعم ! وركب ذو الرمة ناقته فقمصت به، فانفجرت النوطة التي كانت به . فلما بلغ موعد اخيه جهد فقال: أردنا شيئاً وأراد الله شيئاً. وإنّ العلة التي كانت بي قد انفجرت. مكث أياماً حتى ثقل،وكان معه من أخواله الحجاج الأسدي فسأله: يا غيلان ! كيف تجدك! فقال: أجدني والله يا أبا المثنى اليومَ في الموت لا غداة أقول:

كأني غداة الزُّرْق يا مي مُدْنِفٌ                        يَكيد بنفسٍ قد أحمّ حِمامها

فلما احتضر كان أخر ما قاله:

ياربِّ قد اشرفتْ نفسي،وقد علمتْ                     علماً يقيناً لقد أحصيت ثاري

يا مُخْرِجَ الروح من جسمي إذا احتضرت                    وفارجَ الكرب،زحزحني عن النار

ـ ولي الدين يكن في طفلة له رأها تحتضر وهي في الشهر الثالث من عمرها(مجلة الزهور العدد35 بتاريخ الاول من حزيران عام 1913م):

„أقصرت عنكِ وسائلُ العناية،وخابت في استبقائكِ آمال القلبين المشفقين اللذين طال خفوقها عليكِ في الليالي الطويلة.وها أنتِ اليوم على وشك التوديع.لم تتعلمي ما يقولُ المودّعون،لأنكِ لم تبلغي سنَّ القول.ولستِ تفهمين ما يُقال فيكِ،لأنكِ لم تصلي إلى زمن الفهم.

أشفقتُ عليكِ من أوجاع تُحسينَ بها ولا تدركينها.ثلاثةُ أشهر،كثلاث طرفاتٍ بالجفن،مضت وكأنّها لم تكن.ليت الشفاه التي لا مست قبلاتها تينك الوجنتين الذابلتين جفت قبل أن تكونَ ممراً للتأوهِ .. وليت تلك الأنفاس التي سرت على وجهكِ الغضِّ التهبت في أحشائنا قبل أن تنقلب زفرات..

أعددتك ذخراً، وإذا بكِ مسلوبة. ظننتكِ لي،فإذا بكِ للثرى.

لهفي عليكِ إذ تذهبين،ولم تري من سطوري ما يكون لكِ عظة من بعدي.بل لهفي عليَّ إذ أستندي عيونَ النيّرات بمصراع أرتجله،وأنا أطلبُ اليومَ فيكِ كلامَ الرثاء،فلا تساعفني المعاني.إن يخطئكِ الحِمام،وهيهات ما أظنهُ فاعلا! فقد أبقى لي الدهرُ أملاً كاد يزمع الرحيل.وإن يأخذكِ كما أخذ أجدادكِ وجدّاتكِ من قبل،فقد أسرعتِ في قطع طريق يتظالع في قطعها الخلائق.