وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (8/10)
قد زاغت الأبصار فيما ترى إذ فات عنها سرك المودع
وليس في الإمكان عند النهى أبدع مما خلق المبدع
جميل صدقي الزهاوي:
هلم إلى جنبي فإني مريضة بحمى قوى جسمي بها تتزلزل
وسارع وأحضر لي طبيباً مدوياً كما كنت قبلاً إن تشكيتُ تفعلُ
ولكنني أخطأت فيما طلبته ذهولاً ومن قاسى الحوادث يذهل
فإني لا أبغي سواك مداوياً فأنت طبيبي والشفاء المؤمل
أقم عندنا لا ترحلن فإن تُقم فكل نحوسات الزمان ترحل
نعيش كما كنا نعيش بغبطة ونمرح في ثوب السلام ونرفل
فحينئذٍ لا حادث يستفزّنا ولا أحد بيني وبينك يفصل
وغاب فقالت آه بل أنت ميت ولكنما روحي إليك ستقبل
وحانت لصوب الطفل منها التفاتة فقالت وفياضٌ من الدمع مهمل
ولكن صبيّ من يقوم بأمره إذا زارني حتفي الذي أتعجل
أأترك من بعدي صغيري أحمداً وحيداً بلا حامٍ به يتكفل
وأحمد ريحاني فإن أبتعد فمن يشممه بعدي ومن ذا يقبل
جميل صدقي الزهاوي:
أموت نعم إني أموت ومن يعش فلابد من يوم يموت به مثلي
فما لي أراني جازعاً من منيتي كأن لم يمت في غربةٍ أحد قبلي
جزعت لأني للمقابر راحلٌ وأكثر سكان المقابر من شكلي
يدِبُّ البلى في الجسم مني سارياً مع الترب من بعضي لبعضي إلى كلّي
إذا كان أصلي من تراب فإنني سأرجع فيه بعد موتي إلى أصلي
جميل صدقي الزهاوي:
قضت ليلى وقد مرضت ثلاثاً يعذب روحها الداء الدفين
وكانت في الفراش تئن ليلى فجاء الموت وانقطع الأنين
جميل صدقي الزهاوي:
يا ويلتا سأموت بعد قليل وأفارِقُ الدنيا وكل جميل
سأجدُ مرتحلاً إلى دار البلى بعد المقام ولا يطول رحيلي
سأحث في ظلمات ليل حالك سيري إلى عدم بغير دليل
سأشط عن وطني الحبيبِ مُخَلِّفاً صحبي هناك واسرتي وقبيلي
سأنامُ ثم أنام في ملحودةٍ ضاقت وفي ليل عليَّ طويل
ستضئ بعدي الشمس في صحواتها وتعود تطلع غبَّ كلِّ افُولِ
ولسوف ينساني الألى أحببتهم ويصدّ عني صاحبي وخليلي
الزهاوي:
اطمئني يا نفس بعد اضطرابِ قد أقضَ الفراش منك اطمئني
إنَّ في الموتِ وهو منك قريب لخلاصاً من كُلِّ هَمٍّ وحزنِ
جميل صدقي الزهاوي:
أتعبتَ نفسكَ في الإصلاح مجتهداً بما كتبت وأنتَ الناحل الدنف
حتى مرضت فبتّ الليل مشتكياً من طول إظلامهِ والليل منتصف
وإن داءكَ من بعد استحالتهِ أعيا الأطباء في مصر كما اعترفوا
واشتدَّ من غير إنذارٍ فمت به كذلك الغصن بالنكباء ينتصفُ
ورُبَّ داء عَياء لا دواء له يأتي المريض على أعقابه التلفُ
ما كان أعدله لو كان يمهله لكنّما الموت في الأحكام معتسفُ
كان الجدير به إبقاء جذوته إذ ليسَ في نشر أنوار الهدى سرف
ما كنتً أجهلُ مذ شقّ الهدى بصري أنَّ الذي هو ماشٍ للونى يقفُ
أحمد الصافي النجفي:
ضاقَ صدري رحماكَ يا موتُ عَجِّلْ لا تمتني من شدّة الانتظار
أنت احلى من الحياة ولكّنْ شوهتك الحياة للنظار
ليس هذي الحياةُ غيرَ سِتارٍ فامضِ فينا لما وراءَ الستار
إن يكُ النومُ راحةً فلعمري أنتَ أبقى نومٍ وأهنأ قرار
كم نعاني الآلام من أجلِ لقيا كَ فأنت الجنانُ حّفتْ بنار
إن جسر الحياة قد ضاق فينا فازدحمنا في السير كالتيار
نتوخى العبور من ضيق الكون سِراعاً إلى فسيح القفار
راح كل يسابق الصحبَ في الس ير كأنّما عيشنا في فرار
قد سئمتُ الحياة إذا كررت لي فأرحني من عالم التكرار
بدر شاكر السياب:
أهكذا السنون تذهبُ
أهكذا الحياة تنضبُ
أحسُّ أنني أذوبُ،أتعبُ
أموت كالشجر
بدر شاكر السياب:
لأكتب قبل موتي،أو جنوني،أو ضمور يدي من الإعياء
خوالج كلِّ نفسي،ذكرياتي،كُلَّ أحلامي
وأوهامي
وأسفحُ نفسيَ الثكلى على الورق
يقرأها شقيٌ بعد أعوام وأعوام
ليعلمَ أن أشقى منه عاش بهذه الدنيا
وآلى رغمَ وحش الداء والآلام والأرقِ
ورغم الفقر أن يحيا
عبد الله البردوني:
تمتصني أمواج هذا الليل في شرهٍ صموتْ وتعيدُ ما بدأت،وتنوي أن تفوت ولا تفوت
فتثيرُ أوجاعي وترغمني على وجع السكوت وتقول لي: مت أيها الذاوي .. فأنسى أن أموت
لكن في صدري دجى الموتى وأحزان البيوت ونشيجُ أيتام بلا مأوى،بلا ماء وقوت
وكآبة الغيم الشتائي وارتجاف العنكبوت وأسى بلا إسم واختناقات بلا اسم أو نعوت
محمد محمود الزبيري:
ونحسُّ المنون تدنو إليه ونراهُ ينهار منها ويَنهّدْ
يجتدي من يد الفرنج سويعات من العمر عندهم قد تحدد
والمنايا امضى من الطبّ إقداماً وأهدى إلى الضحايا وأقصد
محمد محمود الزبيري:
خَطبٌ أثارَ على الشجون شجوناً ودهى الفؤادَ الوادِعَ المحزونا
أوّاه.. يا أبتاه لهفةُ مُوْجَعٍ لا يستقِرُّ تلهُّفاً وحنينا
سافرتُ أرتادُ الشفاء فلم أجد في الأرضِ من طبّ يَرُدُّ منونا
جاء العلاجُ من الطبيب يريد أن تُشفى وكانَ الموتُ فيك كمينا
أخرْتُهُ عن وقته وكأنّما نِلْتُ الحياة من الطبيب ديونا
هيهات أرتجِعُ السلامة بعد أن ذهبتْ وحَلَّ الخطبُ فيك يقينا
وغَدوتُ في „عدن“ أروح وأغتدي وأظُنُّ في كيد الزمان ظنونا
وأجولُ من حولِ السرير كأنّما أمسيتُ من ألم عليك طعينا
أترَقبُ الألطافَ تأتي بالذي أعيا الطبيبَ وأعجزَ المسكونا
وإذا بقارعةٍ تَحلُّ ونكبةٍ تُضفي عليَّ من الشقاء فنونا
وإذا بقلبي لا يُطاقُ وجيبُهُ وبدمع عيني لا تكفّ هتونا
وإذا بأفراحي التي أوليتني دهراً تعود مناحة وأنينا
ميخائيل نعيمة في قصيدة“إلى دودة“ (الرسالة العدد 319):
تدبّين دبّ الوهن في جسمي الفاني وأسعى بجدٍ خلفَ نعشي وأكفاني
فأجتاز عمري راكضاً متعثراً بأنقاض آمالي وأشباح أشجاني
وأبني قصوراً من هباءِ وأشتكي إذا عبثت كفّ الزمان ببنياني
ففي كل يوم لي حياة جديدة وفي كل يومٍ سكرة الموت تغشاني
ولولا ضباب الشك يادودة الثرى لكنت ألاقى في دبيبك إيماني
فأترك أفكاري تذيع غرورها وأترك أحزاني تكفن أحزاني
وأزحف في عيشي نظيرك جاهلاً دواعيَ وجدي أو بواعث وجداني
ومستسلماً في كلِّ أمرٍ وحالةٍ لحكمة ربي لا لأحكام إنسان
فها أنت عمياء يقودك مبصر وأمشي بصيراً في مسالكِ عميان
لك الأرض مهد والسماء مظلمة ولي فيهما من ضيق فكري سِجنان
لئن ضاقتا بي لم تضيقا بحاجتي ولكن بجهلي وادعائي بعرفاني
ناصيف اليازجي:
عشنا كأنا لم نعِشْ ونموتُ عن كثب كأنا لم نكن بين الورى
ذهبَ الزمانُ ومن طواهُ مقدماً وكذاكَ يذهبُ من يليه مؤخرا
نبكي ونضحك للمنيّة والمنى وكلاهما عبث يدور مكررا
ابراهيم المنذر (1875-1950) في قصيدة „الدنيا أم“ (شعراء عرب مهاجرون – نجيب البعيني ص56) قصة طفل مريض يتعذب وهو على وشك الموت،والأم بقربه جاثية باكية تريد ان تعصر دمها في شرايين وحيدها علّها تمنحه الحياة :
الطفلُ فوقَ سريرهِ رَقَدا والنارُ فيه تُحرِقُ الكَبدا
نزلتْ به الحُمَّى فما تركتْ إلا فؤاداً باتَ مُتَقِدَّا
والموتُ أرسلَ فوقَهُ مَلَكاً بَسَطَ الجناحَ ليخطِفَ الولدا
والأمُ جاثيةٌ ومُقْلَتُها يَنَهَّلُّ منها دَمعُها بَرَدا
لا صوتَ يُسْمَعُ في الديارِ سوى زفراتِها والأُنْسُ قد فُقِدا
وإذا شقيقته الفتاة وقد كانت تعاني الدرسَ والجُهدا
هي مثلُ عمرِ البدرِ مكتملاً نوراً تمايل عطفها ميدا
جاءت فشاهدت الصغير على ذاك السرير وليس فيه جَدا
صرخت : أخي روحي حبيبي ما ذا نابك انطق وادفع النكدا
قد كنت عند الصبح سلوتنا والآن لا سلوى ولا رغدا
ورنت إلى العلياء ضارعة فرأت ملاك الموت قد رصدا
ماذا تريد ؟ أخي وحيدَ أبي دعه يعش فالأنس فيه غدا
أمّا إذا ماشئت تضحية فأنا أكون عن الشقيق فدى
أحنى ملاك الموت هامته قال اتبعيني واقطعي الأمدا
فمشت ومرّ على حديقتها حيث الجمال يموج متحدا
ورأت رفيقات الدرس كما ال غزلان تقفز والسرور شدا
وبدت ضمامات الزهور على أعناقهن صففنها عقدا
وتمثّلت قبراً يُغيبّها ويضم منها ذلك الجسدا
فبكت وقد رجفت جوانحها لا تبتغي أن تترك البلدا
أنا لي أبٌ يحنو عليّ ولي اُمٌ تذوب لفرقتي كمدا
وإذا أبو الطفل انثنى عَجِلا مِنْ شُغْلِهِ للبيتِ مُفتقدا
فرأى ابنَهُ دَنِفاً يذوبُ وَطَرْفُ الأمِ من آلامها سَهِدا
كَفٌ تَجُسُّ بها يديه وبالأ خرى تُهدئ قلبهَا جَلَدا
وبدا ملاكُ الموتِ فَوقَهُما ظِلاً رهيباً يُرعِبُ الأسدا
هذا وحيدي يا ملاكُ ولا أرجو سِواهُ في الورى عَضُدا
وبعد ذلك يصف حالة الأم عندما يفتح الطفل عينيه وتضمه الى صدرها قائلة روحي، ياروح أمك:
رَجَعتْ فألفتْ نَجلَها يقظاً يَفْتَرُّ عن ثغرٍ حوى بَرَدا
أماهُ ،رُوحي جاوَبتهُ وقد بَسطتْ ذراعيها لهُ سَنَدا
وتعانقا ملكينِ ما وجَدتْ عينايَ مِثلهما،ولن تجدا
وإلى السَّما رفعتْ نواظِرَها بالدَّمعِ تشكرُ ربها الصّمدَّا
محمد بن عبد الملك الزيات:
ألا من رأى الطفلَ المُفارقَ اُمَّهُ بُعيدَ الكرى عيناهُ تبتدرانِ
رأى كلَّ اُمٍّ وابنها غيرَ اُمِّهِ يبيتانِ تحتَ الليلِ ينتجيانِ
وباتَ وحيداً في الفراشِ تحثُّهُ بلابلُ قلبٍ دائمِ الخفقانِ
ألا إنَّ سَجْلاً واحداً قد أرَقْتُهُ من الدّمعِ أو سَجلينِ قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيتُ فإنّما اُداوي بهذا الدّمع ما تريانِ
وإنّ مكاناً في الثرى خُطَّ لحدُهُ لمن كان في قلبي بكلِّ مكانِ
أحقُّ مكانٍ بالزيارةِ والهوى فهل أنتما إن عُجتُ منتظرانِ
فهبني عَزَمتُ الصّبرَ عنها لأنني جليدٌ فمن بالصبرِ لإبنِ ثمانِ
ضعيفُ القوى لا يعرفُ الأجرَ حِسبةً ولا يأتسي بالناسِ في الحَدثانِ
ألا من اُمنِّيهِ المنى فأعِدُّهُ لعثرةِ أيامي وصَرفِ زماني
ألا من إذا ما جئتُ أكرمَ مجلسي وإن غبتُ عنهُ حاطني ورعاني
فلم أرَ كالأقدارِ كيفَ يصبنني ولا مثلَ هذا الدّهرِ كيفَ رماني
كان مالك بن الرّيب من مازن تميم،وكان لصاً يقطع الطريق ،ولما ولّى معاوية بن سفيان رضي الله عنه سعيد بن عثمان خراسان،سار فيمن معه فأخذ طريق فارس،فلقيه بها مالك بن الريب،وكان مالك فيما ذُكر من أجمل العرب جمالاً وأبينهم بيانا.فلما رآه سعيد أعجبه،ومالكٌ في نفر من أصحابه فقال له:ويحك يا مالك! ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العَداء وقطع الطريق؟
قال: أصلح الله الأمير!العجزُ عن مكافأة الإخوان.
قال: فإن أغنيتُك واستصحبتُك،أتكفّ عما تفعل وتتبعني؟
قال: نعم،أصلح الله الأمير! أكفّ كفاً ما كفّ أحدٌ أحسنَ منه.
فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر،وكان معه حتى قُتل بخراسان.. طُعن فسقط وهو بآخر رمق،فقال هذه القصيدة يرثي بها نفسه،ويذكر غربته(أحد أعداد مجلة الحديقة لمحب الدين الخطيب)؟
ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه“رجال من التاريخ“ في قصيدة مالك بن الريب:
„قصيدة وهبها للموت،إذ تغنى له فيها،فوهب له الموت بها الحياة.لم يتفلسف فيها تفلسف المعري،ولا تجبر تجبر المتنبي،ولا أغرب إغراب الدريدي،ولكنه جاء بأقرب الأفكار،في أسهل الألفاظ،فجاءت من هذه السهولة عظمة القصيدة.
شاعر لم يعش شاعراً،ولكنه مات شاعراً.عاش عمره كله يغنى بسنانه للحرب،لا يغنى بلسانه للحب،لا يعمل لوصال الأحبة،وسلب القلوب،ولكن يعمل لقطع الطرق،وسلب القوافل.كان لصاً من أشهر لصوص العصر،ثم تاب ومشى إلى الجهاد في جيش ابن عفان ،حتى أدركته الوفاة وهو على أبواب خراسان،فرثى نفسه بهذه القصيدة،التي لا أعرف في موضوعها إلا قصائد معدودات في آداب الأمم كلها.
عربي عاش عمره كله في جزيرته،ما استمتع بحياته ،ولا ناجى طيف ذكرياته ،ولا انتشى برحيق آماله،لأنه لم يجد يوم راحة،يخلو فيه إلى نفسه فيحس لذة الأحلام،وجمال التذكر،وسحر الأمل،لينبثق في نفسه الشعر المخبوء فيها،كما يختبىء الماء في بطن الجبل،يرقب معولاً يفتح له الطريق.
وها هو ذا الآن ملقىً على صعيد غريب عنه،في بلاد لا يعرفها ولا تعرفه ،ولا يألفها ولا تألفه،فهو يتذكر الآن…الآن فقط…بلده وأرضه،ويدرك قيمة تلك النعم الجسام،ولا يدرك المرء قيمة النعم إلا بعد زوالها،وتثور في نفسه الأماني،فلا يتمنى إلا أن يبيت ليلة أخرى بجنب الغضى،وأن يسوق كرة أخرى إبله إلى المرعى،ويذكر كيف كان يزدري هذه النعمة التي يراها الآن عظيمة،ويتمنى ـ وليس ينفع التمني ـ لو أنه لم يسر من تلك الديار،أو لو طال مشيه فيها قبل أن يخرج منها حتى تطول متعته بها.
مالك بن الريب يرثي نفسه:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنّ ليلةً بِجنبِ الغضى أُزجي القِلاصَ النواجيا
فليتَ الغضى لم يقطعِ الركبُ عَرْضَهُ وليتَ الغضى ماشي الرِّكابَ لياليا
لقد كانَ في أهلِ الغضى لو دنا الغضى مَزارٌ، ولكنَّ الغضى ليس دانيا
ألم ترني بعتُ الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
وأصبحتُ في أرضِ الأعادي بُعيدما أراني عن أرضِ الأعادي قاصيا
دعاني الهوى من أهل أُودٍ وصحبتي بذي الطّبسين،فالتفتُ ورائيا
أجبت الهوى لمّا دعاني بزفرةٍ تقنّعتُ منها،أن أُلام،ردائيا
أقول وقد حالت قرى الكردِ دوننا: جزى الله عَمراً خيرَ ما كانَ جازيا
إن الله يَرجعني من الغزو لا أُرى وإن قلَّ مالي طالباً ما ورائيا
تقول ابنتي،لما رأت طولَ رحلتي: سِفاركَ هذا تاركي لا أبا ليا
لعمري، لئن غالتْ خُراسانُ هامتي لقد كنت عن بابى خراسان نائيا
فلله درّي، يوم أترُك طائعاً بنيَّ بأعلى الرَّقمتين، وماليا
ودرُّ الظِّباء السانحاتِ عشيّة يُخبِّرنَ، أني هالكٌ، مَنْ ورائيا
ودرُّ كبيريّ اللذينِ كلاهما عليَّ شفيقٌ ناصح لو نهانيا
ودَرُّ الرجال الشاهدين تفتُّكي بأمريَ ألا يقصرا من وَثاقيا
ودرُّ الهوى من حيث يدعو صِحابه ودر لحاجاتي ودرّ انتهائيا
تذكّرتُ من يبكي عليَّ فلم أجد سوى السيفِ والرُّمحِ الرُّدينيّ باكيا
وأشقرَ محبوكاً يجرّ لجامه إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا
ولكن بأكنافِ (السُّمَينةِ) نِسوةٌ عزيزٌ عليهنّ العشيّةَ ما بيا
صريعٌ على أيدي الرجالِ بقفرة ٍ يُسَوّون لحدي حيثُ حُمَّ قضائيا
ولمّا تراءت عندَ مَرْوَ منيتّي وخلَّ بها جسمي،وحانت وفاتيا
أقولُ لأصحابي :ارفعُوني فإنّني يقرُّ بعيني أن (سُهيلٌ) بدا ليا
فيا صاحبيْ رَحلي ،دنا الموتُ فانزِلا برابيةٍ،إني مقيمٌ لياليا
أقيما عليَّ اليومَ أو بعضَ ليلةٍ ولا تُعجلاني،قد تبينّ شانيا
وقُوما ،إذا ما اسُتلَّ رُوحي فهيّئا ليَ السِّدرَ والأكفانَ عند فنائيا
وخُطّا بأطرافِ الأسنّةِ مَضجعي ورُدّا على عينيَّ فضلَ ردائيا
ولا تحسُداني،باركَ الله فيكُما من الأرضِ ذاتِ العَرضِ أن تُوسِعا ليا
خُذاني فَجُرّاني ببردي إليكما فقد كنتُ قبل اليوم صعباً قياديا
وقد كنتُ عطّافاً إذا الخيلُ أدبرت سريعاً إلى الهَيجا إلى من دَعانيا
وقد كنتُ محموداً لدى الزاد والقرى وعن شتميَ ابن العمِّ والجارَ وانيا
وقد كنتُ صبّاراً على القِرنِ في الوغى ثقيلً على الأعداءِ عضباً لسانيا
فَطَوراً تراني في ظِلالٍ ونعمةٍ وطورأ تراني والعِتاقُ ركابيا(رواية:ويوما تراني)
ويوماً تراني في رحىً مستديرةٍ تُخرِّقُ أطرافُ الرِّماح ثيابيا
وقوما على بئر السَّمينة أسمِعا بها الغرَّ والبيضَ الحِسان الرَّوانيا:
بأنّكما خلَفتُماني بقفرةٍ تهيلُ عليَّ الريحُ فيها السّوافيا
ولا تَنسيا عهدي خليليَّ بعد ما تقطَّعُ أوصالي وتبلى عِظاميا
ولن يعَدمَ الوالُونَ بثّا يُصيبهم ولن يعدم الميراثُ منّي المواليا
يقولون: لا تبْعَدْ،وهم يدفنونني وأينَ مكانُ البُعدِ إلا مكانيا!
غداةَ غدٍ، يالهفَ نفسي على غدٍ إذا أدلجوا عني وأصبحتُ ثاويا
وأصبحَ مالي من طريفٍ وتالدٍ لغيري،وكان المالُ بالأمسِ ماليا
فياليت شعري هل تغيّرتِ الرَّحى رحا المُثلِ أو أضحت بفلج كما هيا
إذ الحيّ حَلّوها جميعاً،وأنزلوا بها بقراً حُم العيون سواجيا
وعين وقد كان الظلام يُجنها يسُفنَ الخزامى مرَّة والأقاحيا
فياليت شعري، هل بكت أُمَّ مالكٍ كما كنتُ لو عالَوا بنعيّكِ باكيا !
إذا مِتَّ فاعتادي القُبورَفسلّمي على الرَّمس،أُسقيتِ السحابَ الغواديا
على جَدَثٍ قد جرَّتِ الريحُ فوقَه تراباً كسَحقِ المَرنبانيَّ هابيا
رهينة أحجارٍ وتُربٍ تضمَّنت قرارتُها منّي العظامَ البواليا
فيا صاحبي،إمَّا عَرضتَ فبلغنْ بني مازنٍ والرَّيبِ أن لا تلاقيا
وعَطِّلْ قلوصي في الرِّكابِ فإنّها ستفلِقُ أكباداً وتُبكي بواكيا
غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفرةٍ يدَ الدهر،معروفاً بأن لا تَدانيا
أقلِبُ طرفي فوق رحلي فلا ارى بهِ من عُيونِ المؤنساتِ مُراعيا
وبالرَّملِ منّا نِسوةٌ لو شهِدنَني بكينَ وَفدّينَ الطبيبَ المُداويا
فمنهنَّ أمّي وابنتاها وخالتي وباكيةً أخُرى تهيجُ البَواكيا
وما كانَ عهدُ الَّرملِ عندي وأهِلهِ ذَميماً ولا وُدّعِتُ بالرَّملِ قاليا
أبو الحسن علي الحصري يرثي ولده – مجلة الرسالة العدد161-:
حاشاك من نار على الأحشاء يزداد ضِعفاً حرها بالماء
عزيتني فيما ترى وعزوتني للصابرين ولات حين عزاء
من لي بأجر الصابرين وأعظمي موهونة من أعظم الأرزاء
هل مستطيع أن يكفكف دمعه من لا براح له على البُرحَاء
لهفي على ريحانة راحت إلى مثوى ثواب ليت فيه ثوائي
سالت حشاشة نفسه من أنفه فشهدت منه مصرع الشهداء
ونظرت في قطع الرعاف فلم تمط حمك المنية حيلة الحكماء
فإذا أراد الله ميتة مدنف أخفى على الآسي دواء الداء
داواه من أدواه حتى قال لي لا تأتني من ذا الردى بدواء
لا أشتكي أني حرمت إجابة لولا شعوب لدَعَّ عنه دعائي
والخير فيما اختار خالقه فقد آلت به الضراء للسراء
ولقد يَسُرُّ الله بالبأساء في أحكامه ويضرّ بالنعماء
عرضت له تفاحة نفاحة بعض الأماء فرد بالإيماء
ولو استطاع القول قال مشافها تفاح جنات الخلود شفائي
عبد الغني لك المسرة غائبا ولي المساءة مصبحي ومسائي
وقال أيضا- نفس المرجع-:
كان عبد الغني للعين نورا ولقلبي هدى وللعيش طيبا
كان شيبي به شبابا فلما بان ردّ الشّباب مني مشيبا
كنت في غربتي كأنّي به في وطني،فانقضى فعدت غريبا
لم يدع فقده لمغناي معنى فخلا آهلا وضاق رحيبا
لست أنسى مقامه ومقامي وكلانا مثل القتيل خضيبا
أنفه ينثر العقيق وعيني تنثر الدمع بالعقيق مشوبا
ضمني شاكيا إلي فقلبي كلما يشتكي يطير وجيبا
وبودي لو احتملت فداء عنه ذاك الضنى وتلك الكروبا
لو أطق فيه حيلة غير أني مذ قضى نحبه ألفت النحيبا