الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (3/10)

والموت هو انتقال الروح من الجسد إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب،والروح مخلوقة مربوبة،خلقها الله سبحانه وتعالى ثم هي خالدة،والمقصود بالموت مفارقتها الجسد،قال ابن القيم في تعريف الموت:“والصواب أن  يقال إن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها،وخروجها منها،فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت،وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً فهي لاتموت بهذا الاعتبار“.

وقد ذكر الإمام الغزالي:“إن الموت معناه تغير حال فقط،وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد،إما معذبة وإما منعمة،ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه،بخروج الجسد عن طاعتها،فإن الأعضاء آلات الروح،والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها“.وانتهى إلى القول:“لايمكن كشف الغطاء عن كُنه الموت،إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة“.

وقال الإمام الطحاوي:“ونؤمن بِملكِ الموت الموكل بقبض أرواح العالمين“.قال الشارح:“والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها“.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:“قد استفاضت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب،ويقال لها:أخرجي أيتها الروح الطيبة“.

وذكر الدكتور أبو زيد في بحثه القيم“أجهزة الإنعاش وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والأطباء:“إن حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح البدن.وإن حقيقة المفارقة خلوص الأعضاء كلها عن الروح،لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية“.

3 ـ أمارات الموت عند الفقهاء:

إذا قررنا أن الموت هو مفارقة الروح الجسد،فإننا نقرر أيضاً أن هذا مفهوم ميتافيزيقي(أي من وراء الطبيعة)ولا نستطيع أن ندركه نحن بحواسنا،إذ أننا نجهل أمر الروح وكنهها،لا نعرف دخولها وخروجها إلا بعلامات تدل عليها.

وقد استدل الفقهاء على الموت ببعض الأمارات،وببعض الأحاديث النبوية،ونذكرها كما جاءت في بحث الدكتور بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي بشىء من الاختصار:

1 ـ عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“إن الروح إذا قُبض أتبعه البصر“[أخرجه مسلم].

2 ـ‘ عن شداد بن أوس يرفعه:“إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح،وقولوا خيراً،فإنه يؤمن على مايقول أهل الميت“[أخرجه أحمد في مسنده].

فشخوص بصر الميت علامة هامة على قبض روح الميت ومفارقتها لجسده،وقد ذكر الفقهاء علامات الموت عندهم وهي:انقطاع النفس،واسترخاء القدمين وعدم انتصابهما،وانفصال الكفين،وميل الأنف،وامتداد جلدة الوجه،وانخساف الصدغين،وتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة وبرودة البدن.

ولاشك أن هذه العلامات كلها ليست علامات مؤكدة على الموت،ماعدا توقف النفس الذي ينبغي أن يستمر لفترة من الزمن،وقد تنبه بعض الفقهاء إلى احتمالات الخطأ في تشخيص الوفاة،قال الإمام النووي في روضة الطالبين:“فإن شك بأن لا يكون به علة،واحتمل أن يكون به سكتة،أو ظهرت أمارات فع أو غيره،أُخر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره“.

4 ـ علامات الموت عند الأطباء:

1 ـ توقف التنفس والقلب والدورة الدموية:

يعد توقف التنفس والقلب والدورة الدموية توقفاً لا رجعة فيه،العلامة المميزة والفارقة بين الحياة والموت.

صحيح أن الأطباء يستطيعون إيقاف القلب عن العمل لمدة ساعتين أو أكثر أثناء عملية القلب المفتوح،لكن الدورة الدموية لا تتوقف،ولا لمدة ثوان،وكذلك يوقف التنفس الطبيعي بالتنفس بواسطة المنفسة في جميع حالات التخدير العام،وإجراء العمليات،كما أن التنفس بالمنفسةRespirator يستخدم في حالات توقف التنفس،وقد يجري التنفس في حالات الإسعاف بواسطة النفخ في الفم،أو بواسطة جهاز النفخ(كيس أمبو) الذي يحمله المسعفون في حقائبهم،وفي هذه الحالات جميعاً فإن التنفس يستمر،ولو بطريقة ميكانيكية غير طبيعية،وذلك غالباً ما يكون لفترة محدودة من الزمن،بحيث يعود الشخص المصاب إلى التنفس الطبيعي.

وهناك حالات لا يعود فيها الشخص إلى التنفس الطبيعي،ويبقى معتمداً فيها على المنفسة طوال حياته،كما يحدث في حالات شلل الأطفال الذي يصيب مراكز التنفس في البصلة السيسائيةMedulla،وهو الذي يعرف باسم الشلل البصلي،بسبب إصابة البصلة في الدماغ.

كما أن المصابين بالقصور التنفسي يحتاجون لاستخدام المنفسة،وبالذات المنفسة المساعدة،وهي التي تساعد الشخص على التنفس مع وجود تنفسه الطبيعي،ومثالها جهاز منفسة بينيت وغيرها من أنواع المنفسات.

وأما العلامات الدالة على توقف القلب والدورة الدموية توقفاً لا رجعة فيه فهي:

1 ـ توقف النبض في الشرايين وخاصة الشريان الكعبري أو العضدي أو الصدغي أو السباتي.

2 ـ توقف القلب،ويعتمد في ذلك على عدم سماع أصوات القلب بالسماعة الطبية،وينبغي أن يستمر ذلك التوقف التام لمدة خمس دقائق على الأقل،وفي حالات توقف القلب الفجائي ينبغي أن تستمر محاولات الإسعاف بضغط أسفل القفص الصدري وأسفل القص،بضغط متتال بمعدل 60 مرة في الدقيقة،وفي الوقت نفسه يتم التنفس الاصطناعي بمعدل 10 ـ 15 مرة في الدقيقة(بواسطة التنفس من الفم إلى الفم أو بواسطة جهاز أمبو)ويستخد جهاز مانع الذبذباتDefibrillator لإعادة نبض القلب وذلك بإعطاء شحنة كهربائية للقلب العليل.

وتستمر محاولات الإنقاذ هذه لمدة نصف ساعة،وفي بعض الحالات التي تبدو بها بعض علامات تدل على امكانية عودة الدورة الدموية إلى أكثر من ذلك.

أما إذا توقفت الدورة الدموية توقفاً تاماً لا رجعة فيه،وتوقف التنفس توقفاً تاماً كذلك،رغم محاولات الإنقاذ والإسعاف،فيعلن الطبيب أنذاك وفاة الشخص المصاب.

وهناك علامات أخرى ثانوية لتوقف الدورة الدموية،تذكرها كتب الطبي الشرعي بصورة خاصة،وأغلبهاعلامات وفحوص بسيطة تُجرى في بعض الحالات التي قد يكون فيها نوع من الشك في حالة الوفاة ولا داعي هنا للدخول فيها.

وبطبيعة الحال يتم تشخيص الوفاة بعد توقف القلب والدورة الدموية والتنفس توقفاً لا رجعة فيه،ولا يحتاج الأمر الانتظار حتى تحدث التغيرات الرُميّة،وإنما يتم التشخيص مبكراً.ولكن تشترط كثير من القوانين أن لا يتم الدفن إلا بعد مرور بضع ساعات على تشخيص الوفاة.ففي القانون المصري لايصرح بالدفن إلا بعد مرور 8ساعات صيفاً،و12 ساعة شتاء،على إعلان الوفاة،ولا يسمح بنقل الجثة من السرير في المستشفى إلى الثلاجة أو المشرحة إلا بعد مرور ساعتين على الأقل من تشخيص الوفاة.

ومن المعلوم أن كثيراً من خلايا الميت تبقى حية بعد إعلان الوفاة،ولذا نجد أن الخلايا العضلية تستجيب للتنبيهات الكهربائية،وتبقى بعض خلايا الكبد تحول السكر الجلوكوز إلى غلايكوجين.

ولا تموت الخلايا كلها دفعة واحدة،ولكنها تختلف في سرعة موتها وهلاكها بعد موت الإنسان،ويمكن إطالة عمر هذه الخلايا إذا وضعت في محلول مثلج،وخاصة مع الدفق بواسطة مضخة وهذا ما يتيح استخدام أعضاء وخلايا الميت لشخص آخر مريض محتاج إليها.

5 ـ موت الدماغ:

إن التعريف الطبي القديم للموت،وهو توقف القلب والدورة الدموية والتنفس لا يزال سارياً بالنسبة لمئات الملايين من الوفيات التي تحدث سنوياً.ولكن هناك مجموعة من الحالات لا ينطبق عليها هذا المفهوم بسبب التقدم السريع في وسائل الإنعاش.وعلى سبيل المثال يتوفى في بريطانيا في كل عام نصف مليون شخص حسب التعريف القديم للموت،ولكن هناك أربعة آلاف حالة لاينطبق عليها هذا التعريف نتيجة التقدم الطبي في وسائل الإنعاش،بحيث يستمر القلب في النبض والرئتين في التنفس بواسطة المنفسة.

وتحدث هذه الحالات أساساً نتيجة حادث(سيارة أو غيرها) لشخص سليم في الغالب،وتؤدي هذه الحادثة المروعة إلى إصابة بالغة في الدماغ.وبما أن مراكز التنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية موجودة في الدماغ،بالذات في جذع الدماغ،فإن إصابة هذه المراكز إصابة بالغة دائمة تعني الموت.

وعادة ما يقوم الأطباء بمحاولة إنقاذ الحالات المصابة،إذ ربما تكون الإصابة مؤقتة وغير دائمة،فيستخدمون أجهزة الإنعاش بما في ذلك المنفسة التي تقوم بوظيفة الرئتين،وبمساعدة القلب ليستمر في عمله.

وباستخدام هذه الوسائل تستمر الدورة الدموية،ويستمر القلب في الضخ والنبض،وتستر الرئتاتن في التنفس،ولكن عند معاودة الفحص يتبين للأطباء أن الدماغ قد أصيب إصابة لا رجعة فيها،وأن الدماغ قد مات.وبالتالي فإن استمرار عمل القلب والمنفسة إنما هو عمل مؤقت لافائدة منه.إذ أن القلب سيتوقف حتماً خلال ساعات أو أيام على الأكثر من موت الدماغ،وإن كانت هناك حالة موثقة تبين فيها أن القلب استمر في العمل لمدة 68 يوماً بمساعدة الأجهزة بعد موت الدماغ.

ثم ظهرت المدرسة الأمريكية المتمثلة في اللجنة الخاصة من جامعة هارفارد عام 1968م والتي قامت بدراسة موضوع موت الدماغ،ووضعت مواصفاتها الخاصة لهوالتي تمثلت في العلامات التالية:

1 ـ الإغماء الكامل وعدم الاستجابة لأي مؤثرات.

2 ـ عدم الحركة(تلاحظ الجثة لمدة ساعة على الأقل)

3 ـ عدم التنفس(عند إيقاف المنفسة)

4 ـ عدم وجود أي من الأفعال الانعكاسية

5 ـ لايوجد نشاط في تخطيط الدماغ الكهربائي.

ولايعد تخطيط الدماغ إجبارياً،بل هو أمر اختياري.ومؤكد لعلامات موت الدماغ.

ثم قامت مجموعة مينيسوتا عام 1971م بتقديم مواصفات مشابهة مع اختلاف في التفاصيل لتشخيص موت الدماغ.وأكدت علىأن يكون السبب المؤدي إلى موت الدماغ معلوماًوأن لا يكون هناك أي حركة ذاتية في الجثة،وأن يتوقف التنفس توقفاً تاماً بعد إيقاف المنفسة،وأن لا تكون هناك أي أفعال منعكسة،وأن تبقى كل هذه الشروط بدون تغيير خلال 12 ساعة.

ودرست الجمعية الطبية الدولية المنعقدة في سيدنب بأوستراليا عام 1968م موت الدماغ،كما درسه في نفس العام المؤتمر العالمي المنعقد في جنيف في 13 ـ 14 حزيران 1968م.

ثم قامت الكليات الملكية البريطانية بتكوين لجان خاصة لدراسة موت الدماغ،وأصدرت توصياتها وتعريفاتها بموت الدماغ عام 1976م وعام 1979م.

وفي عام 1981م أصدر الرئيس السابق رونالد ريجان أمره بتكوين لجنة من كبار الأطباء المختصين وعلماء الدين والقانونيين لدراسة موضوع موت الدماغ،وأصدرت اللجنة قرارها وتصياتها في تموز عام 1981م.

وقد اعترفت معظم الدول بمفهومموت الدماغ تدريجياً،إما اعترافاً قانونياً كاملاً،وإما اعترافاً بالأمر الواقع،حيث أوكلت إلى الأطباء مهمة تشخيص الوفاة.

وهكذا بدأت منذ بداية الثمانينات حقبة جديدة في مجال تشخيص الوفاة لبعض الحالات الخاصة،والتي يتم فيها الموت نتيجة توقف القلب والدورة الدموية،بل نتيجة موت الدماغ.

الخطوات اأساسية لتشخيص موت الدماغ:

هناك ثلاثة خطوات أساسية لتشخيص موت الدماغ وهي:

ـ الشروط المسبقة:وتشمل الآتي:

1 ـ وجود شخص مغمى عليه إغماءً كاملاً ولا يتنفس إلا بواسطة جهاز التنفس(المنفسة)

2 ـ وجود تشخيص لسبب هذا الإغماء،ويوضح وجود مرض أو إصابة في جذع الدماغ،أو في كل الدماغ،وهذه الإصابة لا يمكن معالجتها ولا التخفيف منها.

ـ أهم أسباب موت الدماغ(جذع الدماغ أو كل الدماغ) وتتلخص في الآتي:

1 ـ إصابات الحوادث:مثل حوادث المرور والطائرات والقطارات وحوادث العمل،أو السقوط من حالق،أو أثناء القفز في المسابح أو في البحر،حيث يقفز الشخص ويرتطم رأسه بحجر،وهذه الحوادث تمثل 50% من جميع حالات موت الدماغ.

2 ـ نزف داخلي في الدماغ بمختلف أسبابه،ويمثل ذلك 30% من جميع حالات موت الدماغ في بريطانيا والدول الصناعية.

3 ـ أورام الدماغ،والتهاب الدماغ،والسحايا،وخراج الدماغ،وتمثل هذه المجموعة حوالي 20% من جميع حالات موت الدماغ.

الخطوة التالية للوصول لتشخيص موت الدماغ بعد استيفاء الشروط المسبقةـ هي عدم وجود سبب من أسباب الإغماء المؤقت والناتجة عن:

1 ـ الكحول والعقاقير مثل الباربيتورات والعقاقير المنومة والمهدئة الأخرى والتي تؤخذ أحياناً بكميات كبيرة أثناء محاولة الانتحار.

2 ـ انخفاض شديد في درجة حرارة الجسم كما يشاهد عندما يفقد شخص في المناطق الثلجية الباردة.

3 ـ حالات الإغماء الناجمة عن زيادة السكر في الدم(السبات السكري) أو نقصانه.

4 ـ حالات الإغماء الناتجة عن إصابة الغدد الصم بزيادة شديدة في الإفراز الهرموني  أو النقصان الشديد فيه كما في إصابات الغدة الدرقية أو الكظرية أو النامية.

5 ـ اضطراب الشوارد في الجسم،وحالات الصدمة.

وينبغي أولاً أن تعالج هذه الاسباب المؤقتة جميعاً قبلأن يتم تشخيص موت الدماغ أو جذع الدماغ.

ولا يعني هذا أن هذه الأسباب لا تسبب الوفاة في بعضالحالات،إلا أنه ينبغي التأكد أولاً أن هذه الأسباب قد أدت إلى خلل دائم بالدماغ أو جذع الدماغ في تلك الحالات الخاصة.

الفحوصات السريرية لموت الدماغ:

1 ـ عدم وجود الأفعال الانعكاسية من جذع الدماغ.(منعكسات الحدقة،ومنعكسات الألم للعصب مثلث التوائم،ومنعكس البلع..)

2 ـ عدم وجود تنفس بعد إيقاف المنفسة لمدة 10 دقائق،وبشروط معينة،يتم فيها إجراء هذا الفحص الهام،وذلك بإدخال أنبوب قسطرة إلى القصبة الهوائية،يمر عبرها الأوكسجين من الأنبوب إلى الرئتين،فإذا لم يحدث تنفس خلال عشر دقائق فإن ذلك يعني توقف مركز التنفس في جذع الدماغ عن العمل،رغم ارتفاع ثاني أوكسيد الكربون في الدم إلى الحد الذي ينبه مركز التنفس(أكثر من 50 مم زئبق في الدم الشرياني).وينبغي أن تعاد هذه الفحوص كلها من قبل فريق آخر من الأطباء بعد بضع ساعات من الفحص الاول،وبشرط أن لا يكون بين هؤلاء الأطباء من له علاقة مباشرة بزرع الأعضاء.

الفحوصات المؤكدة:

1 ـ تخطيط الدماغ الكهربائي وينبغي أن يكون بدون أي ذبذبة(Flat EEG).

2 ـ عدم وجود دورة دموية بالدماغ،وذلك بتصوير شرايين الدماغ أو بفحص المواد المشعة.

الموقف الفقهي من قضية أجهزة الإنعاش وموت الدماغ:

أول من بادر إلى بحث هذه القضية المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،حيث عقدت ندوة في 24 ربيع الآخر عام 1405هجري الموافق 15 كانون الثاني عام 1985م في مدينة الكويت،وباشتراك مجموعة من الأطباء والفقهاء.

ثم ناقش مجمع الفقه الإسلامي والتابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه القضية في دورته الثانية المنعقدة بجدة في 10 ـ 16 ربيع الثاني عام 1406 هجري والموافق 22 ـ 28 كانون الأول عام 1985م.

وبعد مناقشات مستفيضة قرر تأجيل البت في هذا الموضوع إلى الدورة التالية والتي عقدت في عمان بالأردن في 8 ـ 13 صفر عام 1407هجري والموافق 11 ـ 16تشرين الأول عام 1986م.

وصدر فيها القرار التاريخي رقم 5 بشأن أجهزة الإنعاش حيث قرر المجتمع:

„إن الشخص قد مات،وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً على الوفاة إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

1 ـ إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً،وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

2 ـ إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً،وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه،وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص،وإن كان بعض الأعضاء لايزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.

وقام المجمعالفقهي لرابطة العالم الإسلامي ببحث هذا الموضوع في دورتيه الثانة والتاسعة وأصدر قراره في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة عام 1408هجري.

وأجاز رفع الأجهزة في مثل هذه الحالة،إلاأنه لم يُعد الشخص ميتاً من الناحية الشرعية ولاتسري عليه أحكام الموت إلا بعد توقف قلبه ودورته الدموية.

وقد أدى قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بعمان الأردن إلى فتح الطريق أمام زرع الأعضاء من المتوفين،حيث ينبغي أن يكون العضو المستقطع مثل القلب أو الكبد،متمتعاً بالتروية الدموية إلى آخر لحظة.وذلك كما يوفره تشخيص موت الدماغ،حيث يستمر الأطباء في التنفس الصناعي،وإعطاء العقاقير،بحيث تستمر الدورة الدموية لحين استقطاع الأعضاء المطلوبة من المتوفى.

2 ـ قتل الرحمة أو تيسير الموت

جاء في قرارات الدورة العادية الحادية عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث(مقال نشر في مجلة الرائد العدد 345 بقلم الأستاذ الدكتور محمد الهواري رحمه الله):

„تعريف قتل المرحمة Euthanasia:

هذه كلمة إغرقية(الأوتانازيا) وتتألف من مقطعين:السابقةEu وتهني الحسن أو الطيب أو الرحيم أو الميسر.

واللاحقة Tathanos وتعني الموت أو القتل.

وعليه فإن الكلمة تعني لغوياً الموت أو القتل الرحيم أو الموت الحسن أو الموت الميسر.

أما في التعبير العلمي المعاصر فتعني كلمة „الأوتانازيا“ :تسهيل موت الشخص المريض الميؤوس من شفائه بناء على طلب مُلحٍ منه مقدم للطبيب المعالج“.

ثانياً :أنواع قتل الرحمة:

لقتل الرحمة صور تطبيقية مختلفة هي:

1 ـ القتل الفعال أو القتل المباشر أو المتعمد:

ويتم بإعطاء المريض جُرعة قاتلة من دواء كالمورفين أو الكورار أو الباربيتورات أو غيرها من مشتقاتالسيانيد بنية القتل.

وهو على ثلاثة أحوال:

ـ الحالة الأولى:الحالة الاختيارية أو الإرادية:حيث تتم العملية بناءً على طلب ملح من المريض الراغب في الموت وهو في حالة الوعي أو بناءً على وصية مكتوبة مسبقاً.

ـ الحالة الثانية:الحالة اللإرادية:وهي حالة المريض البالغ العاقل الذي فقد الوعي ،حينئذ تتم العملية بتقدير الطبيب الذي يعتقد بأن القتل في صالح المريض،أو بناءً على قرار من ولي أمر المريض أو أقربائه الذين يرون أن القتل في صالح المريض.

ـ الحالة الثالثة:وهي حالة لا إرادية يكون فيها المريض غير عاقل،صبياً كان أو معتوهاً،وتتم بناءً على قرار من الطبيب المعالج.

2 ـ المساعدة على الانتحار:

وفي هذه الحالة يقوم المريض بعملية القتل بنفسه بناءً على توجيهات قدمت إليه من شخص آخر الذي يوفر له المعلومات أو الوسائل التي تساعده على الموت.

3 ـ القتل غير المباشر:

ويتم بإعطاء المريض جرعات من عقاقير مسكنة لتهدئة الآلام المبرحة،وبمرور الوقت يضطر الطبيب المعالج إلى مضاعفة الجرعات للسيطرة على الآلام،وهو عمل يستحسنه القائمون على العلاج الطبي،إلا أن الجرعات الكبيرة قد تؤدي إلى إحباط التنفس وتراجع عمل عضلة القلب فتفضي إلى الموت الذي لم يكن مقصوداً بذاته ولو أنه متوقع مسبقاً.

4 ـ القتل غير الفعال أو المنفعل:

ويتم برفض اوة إيقاف العلاج اللازم للمحافظة على الحياة ويلحق به رفع أجهزة التنفس الاصطناعي عن المريض الموجود في غرفة الإنعاش والذي حُكم بموت دماغه،ولا أمل أن يستعيد وعيه.

ومع أن التقاليد الطبية السائدة في بلدان العالم والكثرة الغالبة من الأطباء مازالت ترفض وتنفر بشدة مما يسمى قتل الرحمة،ومع أن القوانين السارية في معظم بلدان العالم تعتبر قتل الإنسان بأي صورة ولأي سبب جريمة يعاقب عليها القانون،إلا أن قتل الرحمة أخذ يُمارس بصورة متزايدة في عدد من البلدان الأوروبية مستتراً تحت أسماء مضللة تجعل السلطات تغض الطرف عنها أو تمتنع المحاكم من إيقاع العقوبات القانونية في حق مرتكبيها,وتكاد هذه الأمور تصبح ممارسة يومية في بلد كهولندا،حتى أصبح الأمر مُقنناً من قبل السلطات التشريعية.

ويبدو أن الممارسين للقتل يقيمون على بعض المبررات منها:

ـ الفلسفة اللادينية السائدة في الغرب التي تقيس قيمة الحياة بمساهمة الإنسان في المجتمع من إنتاج وإبداع،فإذا أصبح هالة على الغير فموته أولى.

ـ أن القتل الرحيم يُريح المريض ويخلصه من المعاناة والعذاب والآلام التي لا يطيق الصبر عليها.

ـ في القتل الرحيم تخفيف للمعاناة التي يتحملها أهل المريض وأصدقاؤه ومن يتولون رعايته،وكذلك توفير التكاليف المادية والأعباء الاقتصادية التي تتحملها الأسرة أو المجتمع.كماأن المؤيدين للقتل الرحيم يرون أن للمريض حقاً ذاتياً في تقرير مصيره وله الحق في أن يُقتل إذا طلب ذلك.

موقف المجلس الفقهي:

وبعد أن اطلع المجلس على المواقف القانونية المختلفة التي تتخذها الدول الغربية من القتل الرحيم بصورة متباينة ما بين مؤيد ومعارض،قرر المجلس ما يلي:

1 ـ تحريم قتل الرحمة الفعال المباشر وغير المباشر وتحريم الانتحار والمساعدة عليه،ذلك أن قتل المريض الميؤوس من شفائه ليس قراراً مباحاً من الناحية الشرعية للطبيب أو لأسرة المريض أو المريض نفسه.

فالمريض أيّاً كان مرضه وكيف كانت حالة مرضه لا يجوز قتله لليأس من شفائه أو لمنع انتقال مرضه إلى غيره،ومن يقوم بذلك يكون قاتلاً عمداً،والنص القرآني قاطع الدلالة على أن قتل النفس محرّم قطعاً لقوله تعالى:{ولا تَقتلوا النفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلا بالحقٍّ}[الأنعام 151]،ولقوله تعالى:{من أجلِ ذلكَ كتبنا على بني إسرائيلَ أنّهُ من قتلَ نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الارضِ فكأنّما قتلَ الناسَ جميعاً}[المائدة 32].

2 ـ يحرمُ على المريض أن يقتلَ نفسه ويحرمُ على غيره أن يقتله حتى لو أذن له في قتله،فالأول انتحار والثاني عدوان على الغير بالقتل،وإذنه لا يُحل الحرام،فهو لايملك روحه حتى يأذن لغيره أن يقضي عليها.والحديث معروف في تحريم الانتحار عامة،فالمنتحر يُعذّب في النار بالصورة التي انتحر بها خالداً مخلداً فيها أبداً،إن استحلَّ ذلك فقد كفر وجزاؤه الخلود في العذاب،وإن لم يستحله عُذّب عذاباً شديداً.

3 ـ لا يجوز قتل المريض الذي يُخشى انتقالُ مرضه إلى غيره بالعدوى،حتى لو كان ميؤوساً من شفائه(كمريض الإيدز مثلاً)،فلا يجوز قتله لمنع ضرره،ذلك لأن هناك وسائل عديدة لمنع ضرره كالحَجر الصحي ومنع الاختلاط بالمريض،بل يجب المحافظة عليه كآدمي يقدّم له كل مايتطلب من الغذاء والدواء حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً،وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم:“ما أنزل الله داءً إلا أنزلَ له شفاءً“،وفي الحديث الذي رواه الترمذي:“يا عبادَ الله تَداووا فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضعَ له دواءً“،وفي الحديث الذي رواه أحمد:“إن الله عزَّ وجلَّ لم يُنزل داءً إلا أنزلَ لهُ شفاءً علمهُ من علمهُ وجهلهُ من جهله„.فهذه الأحاديث تعطينا أملاً في اكتشاف دواء لمثل هذه الأمراض،كما اكتشفت أدوية لأمراض ظنَّ الناس أن شفاءها ميؤوسٌ منه،فلا يصحُّ قتلُ حامله لليأس من شفائه،ولا لمنع الضرر عن الأصحاء.

4 ـ وبالنسبة لتيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش الاصطناعي عن المريض الذي يعتبر في نظر الطب“ميتاً“ أو في „حكم الميت“ وذلك لتلف جذع الدماغ  أو المخ،الذي  به يحيا الإنسان  ويحسُّ ويشعر،وإذا كان عمل الطبيب مجرد إيقاف أجهزة العلاج فلا يخرج عن كونه تركاً للتداوي فهو أمر مشروع ولا حرج فيه،وبخاصة أن هذه الأجهزة تُبقي عليه هذه الحياة الظاهرية ـ المتمثلة في التنفس والدورة الدموية ـ وإن كان المريض ميتاً بالفعل،فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر،نظراً لتلف مصدر ذلك كله،وهو المخ.

وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل ويحجز أجهزة قد يحتاج إليها غيره مما يجدي معه العلاج.والله أعلم.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال بعنوان“قتل الرحمة…حقيقته وحكمه:

„قتل الرحمة:تيسير الموت:

التعريف:تسهيل موت الشخص بدون ألم بسبب الحمة لتخفيف معاناة المريض سواء بطرق فعالة أو منفعلة.

أمثلة:

1 ـ مريض مصاب بالسرطان يعاني من الألأم والإغماء ويعتقد الطبيب بأنه سيموت بأي حال من الأحوال ويعطيه جرعة عالية من علاج قاتل للألم الذي يوقف تنفسه.

تيسير الموت المنفعل:

هنا لا تتخذ خطوات فعالة لإنهاء حياة المريض بل يترك للمرض أن يأخذ أدواره بدون إعطاء المريض أي علاج لإطالة حياته.

أمثلة:

1 ـ مريض نهائي بالسرطان أو الإغماء من إصابة بالرأس أو التهاب سحائي ولا يرجى شفاؤه منه،ومصاب بالتهاب الرئة التي إن لم تعالج ـ وهي ممكنة العلاج ـ يمكن أن تقتل المريض وإيقاف العلاج من الممكن أن يعجل بموت المريض,

2 ـ طفل مشوه تشويهاً شديداً بتصلب أشرم ـ شوكة مشقوقة ـ أو بشلل مخي يمكن أن يترك من دون علاج إذا أصيب بالتهاب الرئتين أو بالتهاب السحايا، ويمكنأن يموت الطفل من هذه الالتهابات.

والتصلب الأشرم هي حالة غير طبيعية للعمود الفقري تؤدي إلى شلل الساقين وفقدان السيطرة على المثانة والأمعاء الغليظة والطفل المريض بهذا الداء يكون مشلولاً يحتاج إلى عناية خاصة طيلة حياته.

أما الشلل المخي فهي حالة تلف في المخ خلال الولادة تسبب تخلفاً عقلياً وشللاً في الأطراف بدرجات متفاوتة،ومثل هذا الطفل يكون مشلولاً جسمياً وعقلياً ويحتاج لعناية خاصة طيلة حياته.

ويثور التساؤل حول ماسبق في نقطتين:

1 ـ هل تيسير الموت الفعال مسموح به في الإسلام؟

وجواب العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله:

فقتل الرحمة بالطريقة المشار إليها في المثال الأول أي التي يتدخل فيها الطبيب بإعطاء المريض دواء يعجل بموته هذه غير جائزة بحال من الاحوال،أما الحالات التي يتدخل فيها الطبيب برفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي أجمعالأطباء على أنه لن يعود للحياة مرة أخرى بسبب موت جذع الدماغ فهذا جائز،فتيسير الموت الفعال في المثال الأول لا يجوز شرعاً،لأن فيه عملاً إيجابياً من الطبيب يقصد قتل المريض والتعجيل بموته،بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء المتسبب في الموت،فهو قتل على أي حال.سواء كان بهذه الوسيلة أم بإعطاء مادة سمية سريعة التأثير،أم بصعقة كهربائية أم بآلة حادة،كله قتل،وهو محرم،بل هو من الكبائر الموبقة.ولا يزيل عنه صفة القتل أن دافعه هو الرحمة بالمريض،وتخفيف المعاناة عنه.فليس الطبيب أرحم به ممن خلقه.وليترك أمره إلى الله تعالى،فهو الذي وهب الحياة للإنسان وهو الذي يسلبها في أجلها المسمى عنده.

تيسير الموت المنفعل(بإيقاف العلاج):

وأما تيسير الموت „بالطرق المنفعلة“ فإنها تدور على إيقاف العلاج عن المريض،والامتناع عن إعطائه الدواء،الذي يوقن الطبيبر أنه لاجدوى منه،ولا رجاء فيه للمريض،وفق سنن الله تعالى وقانون الأسباب والمسببات.

ومن المعروف لدى علماء الشرع:أن العلاج أو التداوى من الأمراض ليس بواجب عند جماهير الفقهاء،وأئمة المذاهب،بل هو في دائرة المباح عندهم.وإنما أوجبه طائفة قليلة،كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية.وبعضهم استحبه.

بل قد تنازع العلماء:أيهما أفضل:التداوى أم الصبر؟فمنهم من قال الصبر أفضل،لحديث ابن عباس في الصحيح عن الجارية التي كانت تصرع وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها،فقال: إن أحببت أن تصبري ولك الجنة،وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك فقالت:بل أصبر،ولكني أتكشف،فادع الله لي ألا أتكشف،فدعا لها ألا تتكشف(متفق عليه).

ولأن خلقاً من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون،بل فيهم من اختار المرض،كابي بنكعب،وأبي ذر رضي الله عنهما ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي.

هذا هو رأي فقهاء الأمة في العلاج أو التداوي للمريض فأكثرهم يجعلونه من قسم المباح،وأقلهم يجعلونه من المستحب،والأقل منهم يجعلونه واجباً.

وأنا (يقول القرضاوي) مع الذين يوجبونه في حالة ما إذا كان الألم شديداً،والدواء ناجحاً،والشفاء مرجواً وفق سنة الله تعالى.

وهو الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي تداوى وأمر أصحابه بالتداوي،كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في هديه صلى الله عليه وسلم في زاد المعاد…وأدنى ما يدل عليه ذلك هو السنية والاستحباب.

ومن هنا يكون العلاج أو التداوي حيث يرجى للمريض الشفاء مستحباً أو واجباً،أما إذا لم يكن يرجى له الشفاء،وفق سنن الله في الأسباب والمسببات التي يعرفها أهلها وخبراؤها من أرباب الطب والاختصاص،فلا يقول أحد باستحباب ذلك فضلاً عن وجوبه.

وإذا كان تعريض المريض للعلاج بأي صورة كانت ـ شرباً أو حقناً أو تغذية بالجلوكوز ونحوه ،أو توصيلاً بأجهزة التنفس والإنعاش الصناعي،أو غير ذلك مما وصل إليه الطب الحديث،ومما قد يصل إليه بعد ـ يطيل عليه مدة المرض،ويبقى عليه الآلام زمناً أطول،فمن باب أولى ألا يكون ذلك واجباً ولا مستحباً،بل لعل عكسه هو تاواجب أو المستحب.

فهذا النوع من تيسير الموت ـ إن صحت التسمية ـ لا ينبغي أن يدخل في مسمى قتل الرحمة،لعدم وجود فعل إيجابي من قبل الطبيب،إنما هو ترك لأمر ليس بواجب ولا مندوب،حتى يكون مؤاخذاً على تركه.

تيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش:

إذا كان عمل الطبيب مجرد إيقاف أجهزة العلاج،فلا يخرج عن كونه تركاً للتداوي شأنه شأن الحالات الاخرى،الذي سماها“الطرق المنفعلة“.ومن أجل ذلك أرى إخراج هذه الحالة وأمثالها عن دائرة النوع الاول „تيسير الموت بالطرق الفعالة“ وإدخالها في النوع الآخر.

وبناء على ذلك يكون هذا أمراً مشروعاً ولا حرج فيه أيضاً،وبخاصة أن هذه الأجهزة تبقي عليه هذه الحياة الظاهرية ـ المتمثلة في التنفس والدورة الدمويةـ وإن كان المريض ميتاً بالفعل،فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر،نظراً لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ.

وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفات كثيرة دون طائل،ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره،ممن يجدي معه العلاج،وهو ـ وإن كان لا يحس ـ فإن أهله وذويه يظلون في قلق وألم مادام على هذه الحالة،التيقد تطول إلى عشر سنوات أو أكثر.

تحضير الأرواح 

يقول الشيخ الدكتور العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله تحت عنوان“تحضير الأرواح…رؤية فقهية“:

بسم الله،والحمد لله والصلاة على رسول الله،وبعد:

الذي نعتقده نحن المؤمنين بالأديان أن في الكون قوى غير منظورة وعوالم كثيرة غير محسوسة،منها:

1 ـ أرواح الموتى: فعقيدتنا أنها باقية بعد الموت،وأنها لا تفنى بفناء الجسد،وأنها تنعم أو تعذب،وأن القرآن أخبرنا عن الشهداء،أنهم {أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله}(آل عمران 169 ـ 170).وهذا طبعاً لأارواحهم أما أجسادهم فقد تكون عظاماً نخرة أو تراباً مبعثرا.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه(رواه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه).

وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور،أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقولون:“السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون ونحن اللاحقون“(رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها)…وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل،ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد.قال ابن القيم في كتاب الروح:“والسلف مجمعون على هذا،وقد توافرت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به“.

وهذا بناء على أن الروح ذات قائمة بنفسها كما هو مقتضى أصول أهل السنة،وقد تظاهرت على ذلك أدلة القرآن والسنة والآثار والاعتبار والعقل والفطرة وأقام ابن القيم رحمه الله على ذلك أكثر من مائة دليل.وقد خاطب الله النفس بالرجوع والدخول والخروج ودلت النصوص الصريحة على أنها تصعد وتنزل وتقبض وتمسك وترسل وتنفتح لها أبواب السماء وتسجد وتتكلم….الخ ماورد.

2 ـ الملائكة،وهم خلق نوراني غير محسوس،يقومون بوظائف شتى منها حفظ الإنسان،وكتابة أعماله وتوفى روحه{إن كل نفس لمّا عليها حافظ}(الطارق 4)،{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}(الرعد 11)،{وإنّ عليكم لحافظين@ كراماً كاتبين}(الانفطار 10 ـ 11)،{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكل بكم}(السجدة 11)،{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين}(النحل 32)،{تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا}(فصلت 30).

وعالم الملائكة عالم مفطور على طاعة الله،ليس له شهوة تفتنه عن ذكره{يسبحون الليل والنهار لا يفترون}(الأنبياء 20)،{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}(التحريم 6).

3 ـ الجن:وهو عالم روحي آخر،ولكنهم مكلفون كالإنسان،ولذلك يوجه القرآن الخطاب إلى الفريقين:{يامعشر الجن والإنس}(الرحمن 33).

وفي القرآن سورة كاملة عن الجن تحدثوا فيها عن أنفسهم وعن علاقتهم برجال من الإنس،,ان منهم المسلمين ومنهم القاسطين {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}(الجن 14).والكفرة من هؤلاء الجن هم الشياطين وهم ذرية إبليس وجنوده وقد قال الله عنهم:{إنهُ يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}(الأعراف 27).

إذا عرفنا هذا فمن أي هذه العوالم الثلاثة تلك الأرواح الخفية التي تحرك السلال والأقلام؟

لا نستطيع أن نقول:إنها أرواح الموتى الذين كانوا معنا بالأمس،فإن كثيراً من هذه الارواح المستحضرة،تدخل فيما لا يعنيها،وتفتى بما لا تعلم وتقول مالا تعرف وتكذب في أشياء ،وتتطاول على الغيب الذي استأثر الله به،وما نظن أرواح الموتى فارغة لهذا العبث،فهي إما في نعيمها أو عذابها،في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

والعجيب أننا لم نسمع عن روح واحدة لكافر أو فاجر صدقت الناس ما تعانيه من عذاب الله الذي أخبر القرآن أنها تلقاه بمجرد الموت {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق}(الأنعام 93)،{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم}(الأنفال 50)،{النارُ يُعرضون عليها غُدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب}(غافر 46)،{فلولا إذا بلغتِ الحُلقوم@وأنتم حينئذ تنظرون@ونحنُ أقربُ إليه منكم ولكن لا تُبصرون@فلولا إن كنتم غيرَ مدينين@ ترجعونها إن كنتم صادقين@ فأمّا إن كان من المُقربين @فَرَوحٌ ورَيحان وجنّةُ نعيم@ وأمّا إن كان من أصحابِ اليمين@فسلامٌ لكَ من أصحابِ اليمين@وأمّا إن كان من المُكذبين الضالين@ فَنُزلٌ من حميم@وتصلية جحيم@ إنّ هذا لهوَ حقّ اليقين}(الواقعة 83 ـ 95).

فهذه منازل الأرواح عقب الموت،وقد صرحت الآيات بأن أرواح المكذبين الضالين لها نزل من حميم وتصلية جحيم.

فهل يمكن أن تكون أرواح الكفار والملحدين العصاة طليقة من كل فيد بحيث تذهب حيث تشاء وتستجيب لكل من يطلبها لا رقيب عليها ولا حسيب؟!

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى بدر من المشركين فألقوا في قليب ـ بئر ـ ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم:“يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان ،هل وجدتم ماوعد ربكم حقاً ؟فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً،فقال له عمر:يا رسول الله،ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟فقال: والذي بعثني بالحق،ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،ولكنهم لا يستطيعون جواباً“.

فإذا كانت هذه الأرواح لا تستطيع مجاوبة النبي الكريم وهو أعمق البشر حاسة روحية،وأوصل الناس بعوالم الغيب،فكيف بغيره من بني الإنسان؟

وقد استدل بعضهم على جواز استحضار الموتى بقراءة القرآن بقوله تعالى:{ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى}(الرعد 31).

والحق أن في الآية دلالة واضحة على أن تكليم الموتى بالقرآن ممتنع فقد ورد في سبب نزولها أن مشركي مكة اقترحوا على النبي تعنتاً أن يسير بقرآنه الجبال عن مكة فتتسع لهم،ويتخذوا فيها البساتين،وأن يفجر بقرآنه عيوناً وأنهاراً،وأن يتلوه على متاهم فيخاطبوهم ويخبروهم بصدقه،لإانزل الله هذه الآية.وكلنا يعلم أن (لو) تفيد امتناع جوابها لامتناع شرطها.

وإذا كانت هذه الأشياء الخفية التي تحضر أو تستحضر ليست هي أرواح الموتى فإنا نعتقد كذلك أنها ليست ملائكة،فهي كما قلنا تكذب وتتناقض وتستطيل على الغيب،وتزعم لنفسها أسماء من البشر،وما هكذا تكون الملائكة،بل هم عباد لله مكرمون {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}(الأنبياء 27).

لم يبق بعد هذا إلا أن تكون هذه القوى الخفية من عامل الجن والشياطين ،وفي العقيدة الإسلامية متسع لمثل هذا،فوجود الجن والشياطين حقيقة مقرة،ومع كل إنسان قرينه من الشياطين كما معه قرينه من الملائكة.وفي الحديث الشريف:“مامن أحد إلا وله شيطان„(رواه مسلم)وفي القرآن الكريم:{قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}(ق 27).

ومن حسن الحظ أن هذا الذي نعتقده قد قاله سكرتير جمعية الأهرام الروحية الأستاذ حسن عبد الوهاب الذي استقال منها،وأعلن توبته ووزع منشوراً يذيع فيه رأيه على الناس وقد نشرته صحيفة الجمهورية في 23 من رمضان سنة 1379هجري،منه هذه الفقرات:“لقد أزال الله عن قلبي في شهر رمضان غشاوة الضلال،وثبت لي أخيراً ثبوتاً قاطعاً لا شك فيه أن الشخصيات التي تحضر وتزعم أنها أرواح من سبقونا من الأهل والاحباب،ليست إلا شياطين وقرناء من الجن يلبسون على الناس ما يلبسون،والآن وأنا أودع هذه الحقبة الشقية من عمري،أجدد إسلامي،وأساعيد إبماني،وأودع زملاء أعزاء، لا أحمل لهم في قلبي إلا كل عطف وإشفاق ورثاء،ملحاً على الله أن ينير بصيرتهم،وينقذهم من أوحال هذه العقيدة الفاسدة“.

ثم ما الغرض الذي من أجله تستحضر الأرواح؟أهو سؤالها عما كان وما يكون من شئون غيبية؟

ومن قال:إن الأرواح ـ جناً أو ملائكة وغيرها ـ تطلع على الغيب المطلق وتخبر به؟والله يقول في شأن الجن مع سليمان:{فلمّا خرَّ تبينت الجنُُ أن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب المُهين}(سبأ 14) ويقول على لسانهم:{وأنا لاندري أشرُّ أُريد بمن في الأرض أم أرادَ بهم ربُّهم رَشدا}(الجن 10) ويعلن عن موقف الخلق جميعاً بالنسبة للغيب  فيقول:{قل لا يعلمُ من في السماوات والأرض الغيبَ إلا الله)النمل75)،{وعنده مفاتِحُ الغيب }(الأنعام 59)ويقول على لسان خاتم الرسل:{ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لا ستكثرتُ من الخيرِ وما مسنيَ السوء}(الأعراف 188).

وهل هذا الاستنطاق بالغيوب إلا من قبيل الكهانة والتكهن الذي أعلن الإسلام الحرب علي:“من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ „(رواه أحمد والحاكم وصححه وأقروه)،“ليس منا من تكهن أو تكهن له„(رواه الطبراني والبزار عن عمران بن حصين بإسناد حسن) إنها الكهانة القديمة في زي جديد.

وما يصدق أحياناً من بعض ما تخبر تلك الا{واح ليس غيباً حقيقياً،بل هو غيب نسبي مما يعرفه بعض الناس عن بعض،ويعرفه قرناء الإنسان من الجن والإنس.وما أقل ما يصدق وما أكثر الكذب والخلط في تلك التنبؤات،ولكن الناس عادة ينسون الكذب في 99مرة ويتذكرون الصدق مرة واحدة ولعلع صدفة من الصدف.

أم أن الغرض من تحضيرها هو العلاج الروحي كما يقال؟

وندع سكرتير الجمعية الروحية المستقيل يجيب على هذا فيقول:“أما عن بدعة العلاج الروحي الذي تعلن عنه جمعية الأهرام الروحية بين حين وآخر فهي عملية إيحاء وهمي،وأنا شخصياً أنفقت نصف عمري في هذه العملية،وكنت مريضاً طيلة هذه المدة بأكثر من مرض لازمني إلى اليوم،وكان من الأولى أن أعالج نفسي ،أقولها بكل أسف:لم يحدث شىء من هذا…!!

إن نبي الإسلام قد اتخذ الأسباب الظاهرة في الوقاية والعلاج،وقال ـ فيما رواه البخاري :“إنما الشفاء في ثلاثة: شَربة عسلٍ،أو شَرطة محجمٍ،أو كيّةٍ بنار،وأنهى أمتي عن الكيِّ„(رواه البخاري عن ابن عباسرضي الله عنهما) فحصر الشفاء فيما يعرفه الناس في زمنه وفق السنن المعتادة،وقد احتجم هو،وأمر بالحجامة لغيره وبعث بطبيب إلى بعض الصحابة،وحارب تعليق التمائم والودع وغيرها مما يزعم الناس أثره الخفي في العافية والشفاء وقال:“من علق تميمة فلا أتمّ الله له،ومن علق ودعة فلا ودع الله له„(رواه أحمد والحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر ورجالهم ثقات كما في الفيض).

فما الغرض إذن من وراء هذه الظاهرة وإذاعتها وشغل الناس بها في هذه الآونة اللهم إلا بلبلة الأفكار،واضطراب العقائد،وصرف الناس عن الجدّ باللعب واللهو،والحياة حولنا لا تلهو ولا تلعب؟ولقد أثبت بعض الباحثين أن وراءظاهرة تحضير الأرواح يد الصهيونية العالمية،التي تستغله لتحقيق أهدافها في دنيا الناس.

ربما كان للغرب عذر إذا انشغل بمثل هذه الأشياء ليرفه عن نفسه ويخفف بها غلواء ماديته،فقد أغرقته المادية إلى أذنيه،فلا عليه إذا تسلى بالا{واح وتحضيرها بعد أن حطم الذرة وغزا الفضاء.

أما نحن الذين نحفر الصخر بأظافرنا لنصل ما انقطع،ونتدارك ما فات،ونلحق بالركب بل نسبقه إن أمكن،فكيف نشغل أنفسنا بمثل هذا العبث،وعندنا من روحانية ديننا،وفلسفة عقائدنا،وخصوبة إيماننا ما يغذي أشواقنا الروحية ويشبع نهمنا الوجداني والفطري،وينير بصائرنا،ويفسر لنا حقيقة الكون والحياة والإنسان!

بين جيلين:

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله (مقال بعنوان:بين جيلين ـ الرسالة العدد 692):

انتفض شعر المتنبي فرمى إلي بهذين البيتين،وهما على بساطة لفظهما كالجبلين الشامخين في تاريخ الإنسانية:

سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها           مُنعنا بها من جَيئة وذُهوبِ

تملكها الآتي تملك سالبٍ                  وفارقها الماضي فِراقِ سليبِ

أفليس لملَك الموت من عمل إلا إخلاء الطريق للقادم،حتى يتاح له أن يغدو ويروح في الارض التي ورثها عن السابق الفاني الذي مهّد له بمواطئه سبيل الحياة!!ولعل ملك الموت يحارُ أحياناً حيرة تديرُ رأسه في الأمر الذي حمل أوزاره،وكُلف بقضائه،ولعله يرى أحياناً أنه يزيلُ خيراً كثيراً ليخلفه شرٌّ كثير،فهو يتردد تردُّد المتحسر على ذاهبٍ هو أولى بالبقاء من قادم،ولكنه يقضي قضاءه الذي لا يجد عنه مندوحة ولا مهرباً،وهو ككل صاحب صناعة قد ألفها ودرب عليها،ولا يجيد سواها،فهو يعيش بها على الرضى وعلى السخط،وعلى الفقر والغنى،وعلى الفتور والنشاط،وهو كسائر الخلق مُيَّسرٌ لما خُلق له،ولو تُرك له أن يختار لاختار قديماً كثيراً على جديد كثير،ولآثر ناساً على ناس وحياةً على حياة.ولقد أرثي أحياناً لهذا المخلوق البائس الذي يسره الله لصناعة الإفناء والإهلاك،فإنه ولا ريب يرى ما لانرى،ويحس ولا نحس،ولربما كُلّف أن يقبض الروح من زهرة ناضرة لم تكد تستقبل الحياة.فهو يذوب لها رقة وحناناً لما سوف تتجرّعه من غُصصه وسكراته وحشرجته ومكارهه،فكيف يقسو على من هو بالرحمة أولى،وبالبقاء أخلق من أخرى لم يبق فيها العمر المتقادم إلا الأعواد والأشواك والجذور التي ضربت فيها الأوقات،وبرِم بها البلى من طول مُراغمتها له على العيش!

وكيف يفعل هذا البائس حين يعلمُ أنه قد دنا أجلُ عقل عبقريّ لم يتمَّ عمله لخير هذه الحياة الإنسانية،فهو مأمور أن يطفىء نوره ليخلفه عقل دَجُوجيّ لا يأتي إلا بالسواد والإظلام؟أترى أنامله ترتجف من الإشفاق والضنّ والبُقيا على هذا السراج الذي أمر أن يقطع عنه أسباب الحياة؟أم تراه يفعل ذلك وهو مسلوب العقل والإرادة والإحساس كأنه قائد من رجال الحرب الحديثة،لا عقل له إلا الحرب،ولا إرادة له إلا الحرب،ولا إحساس له إلاالحرب،فهو كله حرب على الجنس البشري شِيبه وولدانه ورجاله ونسائه،لا يرحم صغيراً،ولا يوقر كبيراًنولا يشفق على أم ولا ذات جنين!أم تراه يعلم ما لا نعلم من خبىء هذه الحياة الدنيا،وأن جليلها الذي نُجلّه ونوقره،هو أولى الشيئين بالمهانة والتحقير،وأن الحقير الذي نزدريه كان أولاهما بالتجلة والتوقير؟فهو إذن يؤدي عمله راضياً عن نفسه وعما يعمل،لا تزعجه الرحمة لما لا يستحق رحمة،ولا يُمسك يده الإشفاق عما لا يستأهل إلا الإرهاق والتعذيب.وكأننا نحن إنما نحبُّ ونبغض ونرضى ونكره على قدر إدراكنا وما بلغ،لا على منطق الحياة المتطاولة الآماد والآباد،فنرى الأشياء متصلة بمصالحنا ومنافعنا،ومحصورة في حاجات أنفسنا وآمال قلوبنا،لا متماسكة ممتدة في كهوف الأمس السحيق،وسراديب الغد العميق.

فلو أن هذا المَلك كان ميسَّراً لإدراك الحياة ومعانيها بمثل العقل الذي ندركها نحن به،وكان كمثلنا في تقدير الأقدار على قياس الحاجات والآمال الراهنة محجوباً عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله،لرأيناه يحرص أحياناً على أن يُبقي على بعضنا ويُعجل أحياناً في القضاء على بعض آخر نظنُّ،ويظنُّ معنا،أنه لا معنى لبقائه في هذه الدنيا ليكون زحاماً من الزِّحام لا عمل له إلا أن يَعوق المتقدم،ويعثر به الماشي،ويتفلل من جرائه حدُّ الماضي المتعجل،ولكان الناس يومئذ يأتون إلى الدنيا ليجدوها ممَّهدة من نواحيها لا يلقى لاحقٌ عَنتاً من وجود سابق،ولا يُصادف إلا طريقاً خالياً لا يضطره إلى جهاد ولا حيلة ولا حذر،ولا يحمله على النظر والتأمل والهمة في إصلاح الفاسد والفكر في أسباب الفساد،وبذلك يتعطل العقل وتقف الإرادة ويستنيم المرءُ إلى الراحة حين يرضى عن عمل من سبقه من الذين أبقى الموت عليهم لأنهم أهلٌ للحياة.وكذلك تنقطع مادة الحياة،ويتفانى الخلق بالرضى والقناعة كما يتفانون اليوم بالسخط والطمع.بيد أن موت الرضى والقناعة شرٌّ كله لأنه عقيم لا ينتج،أما موت التسخط والطمع فهو إلى الخير أقرب،لأنه يبقي البقية الصالحة التي تستمر بها الحياة متجددة على وجه الدهر.

ومن أجل ذلك قُدر للآتي القادم على الدنيا أن يأتي منذ ولد وفي إهابه حب التملك والتسلط والأثرة والعناد واللجاج في صغير الأمر وكبيره،وكذلك الطفل.وقُدّر للذاهب الراحل عن هذه الدنيا أن يدلف إلى الغاية،وقد نفضَ عن نفسه أحبَّ أشيائها إليه فهو يؤثر الزُّهد والإيثار وسعة العقل وقلة المبالاة في كبير الأمر وصغيره،وكذلك الشيخ. فإذا الآتي متملك سالب،وإذا الماضي مفارق سليب.

وقديماً قال القائل:

لكلِّ جديد لذّةٌ،غير أنني            وجدتُ جديدَ الموتِ غير لذيذ

فيأتي الآتي إلى جديد الحياة،فإذا هو بها مشغوفٌ لهيف،وإذا هو نفسه جديد،فهو معجب بجديد نفسه ساخرٌ من قديم غيره،وإذا سرُّ كل(آت) هو جدته الموفورة،وسرُّ الضعف في كل(ماض) هو جدّته البالية.وللجديد نخوة ونشوة وإرباء على القديم،وفي القديم هيبة وذهول وتقصير عن الجديد،والصراع بين القديم والجدبد هو صراع على الحياة وعلى البقاء وعلى الخلود،ولذلك لم يخلُ وجه الأرض قط من نزال دام مفزع بشع بين هذين الجبارين:الجبار الآتي الذي يريد أن يستأثر بالحياة،والجبار الراحل الذي يلتمس لجبروته الخلود:ولا تزال الدنيا دنيا ما اصطرع هذان الجباران،فإذا سكن ما بينهما فقد انطفأت يومئذ جمرة الحياة،ولم يبق إلا رمادها.

كيف واجه  الرسل والصحابة والتابعين والصالحين ساعة الموت وهم على فراش الموت:

إن لحظات الاحتضار في حقيقتها هي اختصار لحياة الإنسان كلها، فمن الثابت المشاهد أن العبد يموت على ما عاش عليه،لهذا اختلفت جداً أحوال المحتضرين،فلو نظرت إلى أحوال الصحابة عند موتهم لوجدت ثباتاً من عند الله تعالى وفرحاً بقدوم الموت لأنه يقربهم من لقاء الله تعالى.

الرسول صلى الله عليه وسلم:

ـ في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الاول للسنة الحادية عشرة للهجرة كان المرض قد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم،وسرت أنباء مرضه بين أصحابه،وبلغ منهم القلق مبلغه،وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصى أن يكون أبا بكر إماما لهم،حين أعجزه المرض عن الحضور إلى الصلاة.

وفي فجر ذلك اليوم وأبو بكر يصلي بالمسلمين،لم يفاجئهم وهم يصلون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستر حجرة عائشة،ونظر إليهم وهم في صفوف الصلاة،فتبسم مما رآه منهم فظن أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج للصلاة،فأراد أن يعود ليصل الصفوف،وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم.فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأومأ إلى أبي بكر ليكمل الصلاة،فجلس عن جانبه وصلى عن يساره…وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته،وفرح الناس بذلك أشد الفرح،وظن الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفاق من وجعه،واستبشروا بذلك خيراً.

وجاء الضحى…وعاد الوجع لرسول الله صلى الله عليه وسلم،فدعا فاطمة..فقال لها سراً أنه سيقبض في وجعه هذا،فبكت لذلك..فأخبرها أنها أول من يتبعه من أهله ،فضحكت..

واشتدَ الكرب برسول الله صلى الله عليه وسلم..وبلغ منه مبلغه..فقالت فاطمة:واكرباه…فرد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم:„لا كرب على أبيك بعد اليوم.“

وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته للمسلمين وهو على فراش موته:“الصلاة الصلاة..وما ملكت أيمانكم…الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم..وكرر ذلك مرارا“ً.

ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وبيده السواك،فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم،قالت عائشة:آخذه لك؟فأشار برأسه أن نعم…فاشتد عليه…فقالت عائشة:ألينه لك…فأشار برأسه أن نعم…فلينته له…

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل يديه في ركوة فيها ماء،فيمسح بالماء وجهه وهو يقول:„لا إله إلا الله…إن للموت سكرات“.

وفي النهاية ..شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم…وتحركت شفتاه قائلاً:…مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ،اللهم اغفر لي وارحمني…وألحقني بالرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى..اللهم الرفيق الاعلى… اللهم الرفيق الأعلى.

وفاضت روح خير خلق الله…فاضت أطهر روح خلقت إلى ربها..فاضت روح من أرسله الله رحمة للعالمين وصلى الله عليه وسلم تسليماً.

ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله في كتابه فقه السيرة:

„شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوعكة المرض الذي نزل به أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة.وبدأت آلامه صداعاً حاداً،عاناه في سكون،حتى ثقل عليه الوجع،وهو في بيت زوجه ميمونة…فلم يستطع الخروج.

وأذن له نساؤه أن يُمرَّض في بيت عائشة،لما رأين من ارتياحه إلى خدمتها له ،فخرج من عند ميمونة بين الفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب.

وكان الألم قد أوهى قواه.فلم يستطع مسيراً.فانتقل بينهما معصوب الرأس،تخطُّ قدماهُ على الأرض..حتى انتهى إلى بيتها.

واشتدت وطأة المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم،واتّقدت حرارة العلة في بدنه.فطلب أن يأتوه بماء يتبرد به..ماء كثير! أهريقوا على سبع قرب من آبار شتى.

قالت عائشة:فأقعدناه في مخضب لحفصة،ثم صببنا عليه الماء،حتى طفق يقول:حسبكم ،حسبكم.

كانت هناك مهام كثيرة،ترتقب صحوه ليُبتَّ فيها ولكن أعباء العلة حبسته في قيودها،فلم يستطع منها فكاكا.

وإذا استطاع أن يخرج في فترات قليلة تخف فيها حدة المرض فإلى المسجد ليلقى نظرات أخيرة على الأمّة التي صنعها والرجال الذين أحبهم.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً على المنبر فال:“إن عبداُ خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ماشاء،وبين ما عند الله،فاختار ما عند الله“ فبكى أبو بكر ثم قال:فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله.

قال أبو سعيد:فتعجبنا له،وقال الناس:انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد يخير ويقول:فديناك بآبائنا وأمهاتنا!

قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخيّر،وكان أبو بكر أعلمنا به.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن أمنَّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً،لاتخذت أبا بكر خليلاً،ولكن أخوة الإسلام“.

وفي رواية:“ولكن صحبة،وإخاء إيمان،حتى يجمع الله بيننا عنده„[أخرجه البخاري ومسلم]

وحدث في أثناء المرض أن مرت أوقات هادئة،خيلت لمحبي الرسول صلى الله عليه وسلم أن أمانيهم في عافيته نجحت،وأنه يوشك أن يقوم ليستـأنف كفاحه في سبيل الله،وليظل يحبوهم بعطفه وحرصه وإيناسه ورحمته.

فعن عبد الله بن كعب بن مالك أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه.

فقال الناس: ياأبا حسن،كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟قال: أصبح بحمد الله بارئاً.

فأخذ بيده العباس بن عبد المطلب فقال: ألا ترى؟إنك بعد ثلاث عبد العصا وإني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا،وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت.فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله فيمن يكون هذا الأمر،فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا استوصى بنا خيراً،قال علي:والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطينا الناس أبداً،والله لا أسألها رسول الله أبداً“[أخرجه البخاري).

وزادت وطأة المرض على رسول اله صلى الله عليه وسلم،وعانى من بَرحائه ألماً مضاعفاً،حتى تأذت فاطمة ابنته من شدة ما يلقى،فقالت: واكرب أبتاه!فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم „[رواه البخاري].

وترامت الأخبار إلى جيش أسامة،فشاع الحزن والاضطراب في صفوفه .عن محمد بن أسامة عن أبيه قال: لما ثقل رسول الله،هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة،فدخلناها على رسول اله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت لا يتكلم،فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على،فعرفت أنه يدعو لي[أخرجه البخاري].

وأغمي عليه مرة فلده أهله،فلما أفاق كره ذلك منهم[أخرجه البخاري عن عائشة].

وحين عجز النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالناس، استقدم أبا بكر ليؤمهم.فخشيت عائشة أن يكره الناس أباها ويتشاءمون من طلعته.فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق وإنه متى يقم مقامك لا يطيق.فقال: مروا أبا بكر فليصلِ بالناس.فكررت عائشة اعتراضها.فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:“إنكن صواحب يوسف.مروا أبا بكر فليصل بالناس“[أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها].

وصلى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة.

وهذه الأيام التي تخلف فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يؤم المسلمين،كانت من أشد الأيام ثقلاً عليه.وصحّ عنه أنه قال:“إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم“[أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه].

ومع فيح الحمى وحدة مسها لبدنه،فقد ظل يقظ الذهن،مهموماً بتعاليم الرسالة،حريصاً على تذكير الناس بها.وكان يخشى أن ترتكس أمته،فتتعلق بالأشخاص و“الأضرحة“ كما ارتكس أهل الكتاب الأولون.وشدته في إخلاص التوحيد لله هي التي جعلته وهو يعالج سكرات الموت،يرّهب المسلمين من هذه المزالق.

عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم قالا:لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه،فإذا اغتم،كشفها عن وجهه فقال ـ وهو كذلك ـ :“لعنة الله على اليهود والنصارى،اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدـ يحذر ماصنعواـ“[أخرجه الشيخان].

وكان يخشى أن تغلب شهوات الغيّ والكبر على أمته.هذه الخشية حملت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أن ينبه المسلمين إلى معاقد الخير ليتمسكوا بها.

عن أنس بن مالك قال:كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم.حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره،وما يكاد يفيض بها لسانه“[حديث صحيح أخرجه ابن ماجه وأحمد ]

وربما غلبه الشوق لحضور الجماعة ورؤية الأصحاب في أيامه الأخيرة فتحامل على جسمه المنهوك،وانسل إلى المسجد من حجرة عائشة،فصلى بالناس وهو قاعد.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ثم وجد خفة فخرج.فلما أحس به أبو بكر،أراد أن ينكص،فأومأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي،والناس يأتمون بأبي بكر“[حديث صحيح أخرجه أحمد وابن ماجه].

عل أن أبا بكر ظل يصلي بالناس هذه الأوقات التي مرض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صبيحة اليوم الذي قُبض فيه وكان الرسول صلى الله عليه وسلم معلق القلب بشئون أمته.

وكأن الله أراد أن يطمئنه على كمال انقيادها وحسن اتباعها،فأشهده آخر وقت حضره وهو في الدنيا،إذ أقبل المؤمنون من بيوتهم إلى المسجد فجر الإثنين الذي قُبض فيه،واصطفوا لصلاتهم خشعاً مخبتين،وراء إمام رقيق التلاوة فياض الإخلاص،ورفع النبي صلى الله عليه وسلم الستر المضروب على منزل عائشة،وفتح الباب وبرز للناس.

فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم ابتهاجاً برؤيته،وتفرجوا يفسحون له مكاناً فأشار بيده:أن اثبتوا على صلاتكم،وتبسم فرحاً من هيئتهم في صلاتهم.

قال أنس بن مالك:ما رأيت رسول الله أحسن هيئة منه في تلك الساعة“[أخرجه البخاري ومسلم].

ثم رجع وانصرف الناس،وهم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفق من وجعه.

واطمأن أبو بكر لهذا الظن،فرجع إلى أهله بالسنح ـ في ضواحي المدينة.

قالت عائشة رضي الله عنها:وعاد رسول الله من المسجد ،فاضجع في حجري.ودخل علينا رجل من آل أبي بكر في يده سواك أخضر،فنظر رسول الله إلى يده نظراً عرفت منه أنه يريده.فأخذته فألنته له ثم أعطيته إياه.فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله،ثم وضعه.ووجدت رسول الله يثقل في حجري.فذهبت أنظر في وجهه.فإذا نظره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة.قلت:خيرتَ فاخترت،والذي بعثك بالحق.وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم[حديث صحيح ].

وفي خطبة له عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله:

„لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رشح أبا بكر ليصلي بالناس،فقالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق ولا يملك نفسه من الدموع فليتك تأمر أحداً غيره فيصلي بالناس وهي تقول ما بي إلا أن يتشاءم الناس من أن أبا بكر يصلي بدل رسول الله ذكرت له هذا الأمر مرة ومرة فقال:ليصل أبو بكر بالناس،إنكن صواحب يوسف(في الإلحاح والتكرار)فصلى أبو بكر بالناس واشتد المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم،فكان من حرصه على العدل أن يبيت كل يوم عند امرأة من نسائه حتى لا يقال إنه فضل أحداهن،وكان يقول أين أنا غداً؟فلما كرر السؤال فهم نساؤه أنه يريد يوم عائشة فاتفقن على أن يتركن له الخيار ليقيم،فأقام عند عائشة رضي الله عنها بقية أيام مرضه حتى لحق بربه.قالت عائشة:مات رسول الله في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري واختلط ريقه بريقي،حين أشار لها أن تأ