الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

وجاءت سكرة الموتِ بالحقّ (2/10)

الثاني:لئلا يقع قومٌ بسببها في البهتان،والنسبة إلى الزنا.

وكذلك يجوز من يتمنى الشهادة في سبيل الله عز وجل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“لولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدتُ خلف سريّةٍ،ولوددتُ أنّي أُقتلُ في سبيلِ الله،ثم أحيا ثم أُقتل،ثم أحيا ثمَّ أُقتل“[متفق عليه].

وفي الحديث الشريف الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغهُ الله منازلَ الشهداء وإن مات على فراشه“.

وقد كان السلف الصالح يحبون الموت والشهادة في سبيل الله.قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه بشأن مسيلمة الكذاب:“والله لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة.

وكتب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أهل فارس:“والذي لا إله غيره لأبعثنَّ إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.

عن سلمان رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“رباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه،وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله،وأجري عليه رزقه،وأمن الفتّان“[رواه مسلم]

(الشهيد يحمى من فتنة القبر).

سكرات الموت:

قال تعالى:{ وجَاءتْ سَكرَةُ الموتِ بالحقِّ ذلكَ ما كُنتَ مِنهُ تَحيدُ}[ق 18 ].

جاء في موقع دار الإسلام:

„زفراتٌ تخرج،وحشرجاتٌ تتوالى،وأنفاسٌ تضطرب،وانتزاعٌ للروح،وآلامٌ تنوء بها الجبال،وتتلاشى عندها كل لذة،وتنسي معها ساعات الفرج،وتهون أمامها عذابات الدنيا وأنكادها،ورزاياها ومصائبها،هي الخطب الأفظع،والأمر الأشنع،والكأس التي طعمها أكره وأبشع،هي بابٌ وكلّ الناس داخله،وشرابٌ علقميّ المذاق وكل امرئ سيعاقره،إنه الحديث عن سكرات الموت، ووقوفٌ على معانيها وأدلتها، وأوصافها وأحوالها .

وقد سمّى الله في كتابه هذه الشدّة التي تلاقيها النفس عند انتزاع الروح بالسكرات،وهي جمع سَكْرة، والسّكرفي الأصل كما يقول الامام الأصفهاني: حالة تعرض بين المرء وعقله،وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر،يقولون: ذهب بين الصحوة والسكرة ،والمعنى أنه بين أن يعقل وألا يعقل،وهي تطلق كذلك للتعبيرعن شدّة الغضب والعشق والنعاس والألم،ومن الإطلاق الأخير جاء التعبيرعن شدّة الموت بالسكرات، فسكرة الموت:غشيته التي يُستدلّ بهاعلى حلول الموت،بما فيه من الشدائد والأهوال الناتجة عن نزع الروح.

ومن المعاني المُقاربة للمعنى السابق لفظ الغمرات،وهو تعبيرآخر عن سكرات الموت،مفرده:غَمْرة وهي الشدّة، يقال: كشفت الحرب عن غمارها: أي استبانت شدائدها،جاء في تفسير الجامع:“الغمرات جمع غمرة،وغمرة كل شئ: كثرته ومعظمه،وأصله الشئ الذي يغمر الأشياء فيغطيها „.

وتاسيساً على ما تقدّم،فإن غمرات الموت يقصد بها الشدّة المفظعة التي تغمر المحتضر وتعلوه وتستغرقه  وتغطي عقله وتذهله .

ويروى عن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه أنه قال لكعب الأحبار حدّثنا عن الموت؟فقال:نعم يا أمير المؤمنين،هو كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل،فأخذت كل شوكة بعرق،ثم جذبه رجل شديد الجذب،فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى“.

وقال شداد بن أوس:“الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن،وهو لأشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض،وغلي في القدور،ولو أن الميت نُشر(بعث من قبره)فأخبر أهل الدنيا بألم الموت،ما انتفعوا بعيش ولا تلذذوا بنوم“.

ويقال أنه دخل الحسن البصري رحمه الله على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت،فنظر إلى كربه،وشدّة ما نزل به،فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم،فقالوا له:الطعام يرحمك الله،فقال:يا أهلاه،عليكم بطعامكم وشرابكم،فوالله لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه“.

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى{وجاءت سكرة الموت بالحق}:

„والموت أشدّ ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه أو يبعد شبحه عن خاطره،ولكن أنّى له ذلك.والموت طالب لا يملّ الطلب،ولا يبطىء الخطى،ولا يخلف الميعاد،وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدبّ في الأوصال!وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان“ذلك ما كنت منه تحيد“ وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة! فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات!وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تغشّاهُ الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول:“سبحان الله إنَّ للموت سكرات„.يقولها وهو قد اختار الرفيق الأعلى واشتاق إلى لقاء الله.فكيف بمن عداه؟!

ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق“وجاءت سكرة الموت بالحقّ„وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحقّ كاملاً وهي في سكرات الموت،تراه بلا حجاب،وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد ولكن بعد فوات الأوان،حين لا تنفع رؤية،ولا يُجدي إدراك،ولا تُقبل توبة,ولا يُحسب إيمان.وذلك الحقّ هو الذي كذبوا به.وحين يدركونه ويصدقون به لا يجدي شيئاً ولا يفيد“.

ويقول الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (الرسالة العدد88):

„والرجل إذا بلغ هذا المبلغ كان حياً كالميت ساعة احتضاره،ينظر إلى كل ما في الحياة نظرة من يترك لا من يأخذ،ومن يعتبر لا من يغترّ،ومن يلفظ لا من يتذوق،ومن يُدرك السر لا من يتعلق بالظاهر.ويرى الشهوات كأنها من لغة لا يعرفها،فهي ألفاظ فيها معاني أهلها لا معانيه،وإنما تلبسُ كلماتنا معانيها من أنفسنا.وفي النفوس مثل الهشيم،إذا وقعت فيه المعاني المشتعلة استطار حريقاً وتضرمنوفيها على المجاهدة مثل الماء،إذا خالطته تلك المعاني انطفأت فيه وخمدت.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص65):

„وبعد أن أموت لا علاقة لي بالحياة على الأرض…فمن مات قامت قيامته…لماذا؟…لأنه يرى كل شىء..يراها في الدنيا…وبالنسبة له تنتهي فترة الإختبار التي هي المدخل إلى يوم القيامة…لذلك يقول الحق سبحانه:{يا أيُّها الّذينَ آمنوا لا تَتولَّوا قوماً غضبَ الله عليهم قد يئسوا من الآخرةِ كما يئسَ الكُفّارُ من أصحاب القبورِ}[الممتحنة 13].

لماذا قال الله سبحانه وتعالى:{كما يئس الكفار من أصحاب القبور}،لأن الذي يموت كافراً…يعلم يقيناً أن لا أمل له إلا العذاب في الآخرة…ولأنه رأى فهو يعرف أن لا أمل له في دخول الجنة…وأن لا أمل له في النجاة من النار…وهذا اليأس يصبح يأساً يقينياً…

فالإنسان يعرف مصيره ساعة يحتضر…تلك اللحظات التي هي بين الموت والحياة..يشاهد فيها الإنسان كل ما أخفى عنه…تلك الساعة التي تغادر فيها الروح الجسد..أو سكرة الموت كما يسميها الله سبحانه وتعالى…تلك اللحظات التي تخمد فيها بشرية الإنسان…وتنتهي فيها حياة الاستعلاء وحياة الكبر،وكل مظاهر الحياة الدنيوية بكل ما فيها ومن فيها.

وإذا أردت أن تشهد ذلك فانظر إلى إنسان قد تجبر وعلا وأعطاه الله أسباب الملك في الدنيا…تجده ساعة الاحتضار ضعيفاً ذليلاً عاجزاً…كل مظاهر الاستعلاء ذهبت…ينظر إليك في مسكنة غريبة،ويحاول أن يستنجد بكل من حوله…ولكن الكل عاجزون…في هذه اللحظة يأخذ الإنسان مقدمات الغيب…ويرى ما أخبره الله سبحانه وتعالى عنه ،ولم يكن يصدقه…ذلك لأن بشريته الآن قد خمدت…وما دامت البشرية خمدت،تهب نفحات الغيب…وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى:{وجاءت سكرةُ الموتِ بالحقِّ ذلكَ ما كنتَ منهُ تحيدُ}[ق 19].

أي ما كنت تظن أنه لن يقع…أو تحاول ألا تتذكره،وألا تعترف به،وكنت تظن أن هذه اللحظة لن تأتي…فإذا أتت فأنت تتوهم بأن شيئاً لن يحدث فيها..في هذه اللحظات بالذات لا تنفع التوبة..ولا يجدى الاستغفار…فمع سكرة الموت ينقطع عمل الإنسان الدنيوي..وتأتي الساعة التي ينتقل فيها كل منا إلى عالم البرزخ لينتظر الحساب..وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى:{فلولا إذا بلغتِ الحُلقومَ*وأنتم حينئذٍ تنظرون*ونحنُ أقربُ إليه منكم ولكن لا تبصرون}[الواقعة 83 ـ 85].

أي أن الإنسان وهو يحتضر يكون أقرب إلى ملكوت الله من أولئك الذين يقفون حوله ساعة الاحتضار..ومع أن أهل المحتضر يحيطون به إحاطة لصيقة عن قرب في هذه الساعة العصيبة…فإن ملكوت الله يكون أقرب منهم إليه…وتحيط بالإنسان في هذه الحالة إما ملائكة الرحمة إذا كان صالحاً..أو زبانية جهنم ـ والعياذ بالله  ـ إذا كان فاسقاً.

يقول سيد قطب رحمه الله:“لنكاد نسمع صوت الحشرجة،ونبصر تقبض الملامح،ونحس الكرب والضيق من خلال قوله تعالى:{فلولا إذا بلغت الحلقوم}…كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين من خلال قوله تعالى:{وأنتم حينئذ تنظرون}.

هنا في هذه اللحظة.وقد فرغت الروح من أمر الدنيا.وخلفت وراءها الأرض وما فيها،وهي تستقبل عالماً لا عهد لها به،ولا تملك من أمره شيئاً إلا ما ادّخرت من عمل،وما كسبت من خير أو شر.

هنا وهي ترى ولا تملك الحديث عما ترى.وقد انفصلت عمّن حولها وما حولها.الجسد هو الذي يراه الناظرون،ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمر شيئاً.

هنا تقف قدرة البشر،ويقف علم البشر،ينتهي مجال البشر.

هنا يعرفون ـ ولا يجادلون ـ أنهم عجزة عجزة،قاصرون قاصرون.

هنا يسدل الستار دون الرؤية،ودون المعرفة،ودون الحركة.

هنا تنفرد القدرة الإلهية والعلم الإلهي ويخلص الأمر كله لله بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال:{ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}

وهنا يجلل الموقف جلال الله،ورهبة حضوره،سبحانه وتعالى،وهو حاضر في كل وقت،ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر،فإذا مجلس الموت تجلله رهبة الحضور وجلاله.فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع.

وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجىء التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال:{فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين}

فلو كان الأمر كما تقولون:إنه لا حساب ولا جزاء.فأنتم إذن طلقاء غير مدينين ولا محاسبين.فدونكم إذن فلترجعوها ـ وقد بلغت الحلقوم ـ لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء.وأنتم حولها تنظرون.وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون!

هنا تسقط كل تعلة.وتنقطع كل حجّة.ويبطل كل محال.وينتهي كل جدال.ويثقل ضغط هذه الحقيقة على الكيان البشري،فلا يصمد له،إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل“.

وبنحو هذا المعنى جاء قوله تعالى :{ كَلّا إذا بلغتِ التَّراقي* وقِيلَ من رَاقٍ* وظنَّ أنَّهُ الفِراقُ }[القيامة 26-28].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:“إنه مشهد الموت.الموت الذي ينتهي إليه كل حي،والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي.الموت الذي يفرق الأحبة،ويمضي في طريقه لا يتوقف،ولا يتلفت،ولا يستجيب لصرخة ملهوف ولا لحسرة مفارق،ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف!الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام،ويقهر بها المتسلطين كما يقهر المستضعفين سواء!الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه.

„كلا إذا بلغت التراقي*وقيل من راق“

إنه مشهد الاحتضار،يواجههم به النص القرآني كأنه حاضر،وكأنه يخرج من ثنايا الألفاظ ويتحرك كما تخرج ملامح الصورة،من خلال لمسات الريشة.

„كلا إذا بلغت التراقي“

وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير،وتكون السكرات المذهلة،ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار..ويتلفت الحاضرون حول المحتضر يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ الروح المكروب.. „وقيل من راق“ لعل رُقية تفيد؟وتلوى المكروب من السكرات والنزع“والتفت الساق بالساق“وبطلت كل حيلة،وعجزت كل وسيلة،وتبين الطريق الواحد الذي يساق إليه كل حي في نهاية المطاف…

إن المشهد ليكاد يتحرك وينطق.وكل آية ترسم حركة.وكل فقرة تخرج لمحة.وحالة الاحتضار ترتسم ويرتسم معها الجزع والحيرة واللهفة ومواجهة الحقيقة القاسية المريرة،التي لا دافع لها ولا راد…ثم تظهر النهاية التي لا مفر منها“إلى ربك يومئذ المساق“ ويسدل الستار على المشهد الفاجع،وفي العين منه صورة،وفي الحس منه أثر،وعلى الجو كله وجوم صامت مرهوب“.

القيامة الصغرى والقيامة الكبرى:

يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:

„على أننا  لابد أن نتوقف عند قول الحق سبحانه وتعالى:{ولو ترى إذ الظالمونَ في غمراتِ الموتِ والملائكةُ باسطوا أيديَهُم أخرجوا أنفُسَكُم اليومَ تُجزونَ عذابَ الهُونِ}[الأنعام 93].

نتوقف عند قول الحق سبحانه وتعالى:{أخرجوا أنفسكم}.

والنفس كما قلنا هي التقاء الروح بالجسد..فكيف يطلب الملائكة من الظالم المحتضر أن يخرج نفسه.

لكي نفهم هذه الآية لا بد أن نضع في أذهاننا أن هذا المحتضر كان كافراً بالله وكذوباً بالبعث..وحينئذ إذا جاءت ساعة الاحتضار يكون حوله ملائكة العذاب أو زبانية جهنم..يقولون له هأنتذا ترى الآن ما كنت تكذب به..وترى العذاب الذي ينتظرك..فإذا كان لك قوة أو قدرة كما كنت تدعى في الحياة الدنيا فأخرج نفسك مما ينتظرك..اهرب من العذاب الشديد الذي سوف تلاقيه..أرنا أين ستذهب..لقد كانت لك قدرة في الحياة الدنيا..قدرة من الله ولكنك بدلاً من أن تستخدمها في شكر الله…انطلقت تقول على الله غير الحق..وتستكبر في الأرض،وتبارز الله بالمعاصي،ولكنك الآن خامد خافت…لا تملك شيئاً لنفسك،ولا صوتاً تستجير به بأنصارك…فأنت ترى العذاب وهو واقع بك،ولن تفلت منه.

ويتابع الشيخ الشعراوي رحمه الله:

„المؤمن يرى الملائكة أيضا،ولكنه يرى ملائكة الرحمة الذين يبشرونه بالجنة،ويستقبلونه بالسلام،ويكون فرحاً مستبشراً..فالإنسان حين يحتضر تكون قيامته قد قامت،ولا علاقة له بالأيام والأحداث القادمة إلى الدنيا…فهو قد انتهى دوره عند هذه اللحظة،وانتهت مهمته في الحياة،وانتقل إلى عالم القيامة:عالم الحساب لينتظر يوم تقوم الساعة.

ولذلك فإننا نقول لكل من يجهدون أنفسهم في أشياء هي من علم الغيب،ولم يصلوا إليها يقيناً…نقول لهم:لا تجهدوا أنفسكم في أشياء هي من علم الغيب ،ولم تصلوا إليها يقيناً..فما دام الله قد أخفى وجعل علم الساعة عنده،فلا أحد يعلمها سواه…

إذن لو عرفنا موعد الساعة،ماكان ذلك ليفيدنا على المدى الطويل..فإذا نظرنا إليها على المدى القصير إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية..وهي أن القيامة الصغرى عندما يموت الإنسان…والقيامة الكبرى في آخر الزمان…نجد أيضاً أن الأجل قد أخفى عنا..لماذا؟..لنتوقع الموت في كل لحظة فيسارع كل منا إلى الخير قدر إمكانه..ويبتعد عن الشر قدر استطاعته..ولو أن الأجل محدد معلوم لأثر ذلك على استمرارية الخير في الكون…ولزاد من استمرارية الشر…

إذن فالبحث عن موعد الساعة سواء كان نهاية للأجل أو نهاية للكون…لابد أن نتركه إلى حياة البرزخ…فإنها ينتقل من حياة لها قوانينها إلى حياة أخرى لها قوانينها المختلفة.

والله سبحانه وتعالى أراد أن يقرب ذلك إلى أذهاننا فأعطانا قانونين مختلفين في حياتنا…هما قانون اليقظة.وقانون النوم.فالإنسان وهو مستيقظ يحس بالأحداث..يؤثر فيها ويتأثر بها..ويحس بالزمن..ويرى بعينيه ويمشي بقدميه..إلى آخر ما نعرفه عن حياة اليقظة..“.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله عن معنى الآية „وجاءت سكرة الموت…..“ :جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب،وهو الحق الذي أخبرت به الرسل،ليس مراده أنها جاءت بالحقّ الذي هو الموت  فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق “ .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله عن معنى الآية „وجاءت سكرة الموت…..“ :جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب،وهو الحق الذي أخبرت به الرسل،ليس مراده أنها جاءت بالحقّ الذي هو الموت  فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق “ .

ربِّ أرجعون:

يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{حتى إذا جاءَ أحدهم الموت قال رب أرجعون*لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}[المؤمنون 99 ـ 100].يقول رحمه الله:

„إنه مشهد الإحتضار،وإعلان التوبة عند مواجهة الموت،وطلب الرجعة إلى الحياة،لتدارك ما فات،والإصلاح فيما ترك وراءه من أهل ومال…وكأنما المشهد معروض اللحظة للأنظار،مشهود

كالعيان!فإذا الردّ على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء،إنما يعلن على رؤوس الأشهاد:“كلا إنها كلمة هو قائلها„.كلمة لا معنى لها،ولا مدلول وراءها،ولا تنبغي العناية بها أو بقائلها.إنها كلمة الموقف الرهيب،لا كلمة الإخلاص المنيب.كلمة تقال في لحظة الضيق،ليس لها في القلب رصيد“.

ويقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله:“ولذلك لا يعرف الإنسان قيمة عمره،وقيمة دنياه، إلا ساعة الموت،فحين يأتيه الموت يقول:{لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصدّقَ وأكن من الصالحين}[المنافقون10]،لو تتركني يا رب قليلا،يوم أو نصف يوم،ساعتيننساعة،نصف ساعة،خمس دقائق،ولكن هيهات{ولن يؤخّرَ الله نفساً إذا جاءَ أجلًها والله خبيرٌ بما تعملون}[المنافقون 11]،{أو لمْ نُعَمّركمْ ما يتذكّرُ فيهِ من تذكّرَ وجاءكمُ النَّذيرُ فذوقوا فما للظالمينَ من نصير}[فاطر 37].

ويتابع الشيخ القرضاوي:“لذلك كان من المهم،أن نضع الآخرة نصب أعيننا،ولا نجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا كما قال الله تعالى لرسوله:{فأعرضْ عن من تولّى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياةَ الدُّنيا*ذلكَ مبلغهُم من العلمِ إنَّ ربّكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلهِ وهو أعلمُ بمن اهتدى}[النجم 29 ـ 30]،كل ما يعرفه،وكل همّه،ومحور تفكيره،وجل اهتمامه،يدور على الحياة الدنيا.

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:

„ذلك لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويوقن أنه ميت تتكشف له الحقائق ويرى ما لانراه نحن،كما جاء في قوله تعالى:{فكشفنا عنك غطاءكَ فبصرُكَ اليوم حديد}[ق22].

فيتمنّى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا وهو مايزال يحتضر،لماذا؟لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويُكذب بها،والذين يشاهدون حال الموتى ساعة الاحتضار يرون منهم إشارات تدل على أنهم يرون أشياء لا نراها نحن،كل حسب حاله وخاتمته.والجنود الذين صاحوا في المعركة:هبّي يا رياح الجنة،لابد أنهم رأوها وشمّوا رائحتها،وإلا مالذي جعلهم يتلهفون للموت،ويشتاقون للشهادة إلا أنهم يرون حالاً ينتظرهم أفضل مما هم فيه.

ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدّثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد عند الله،وكان في يده تمرات أو فمه يمضغها،فقال:يا رسول الله ،أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة،فأقتل في سبيل الله؟قال:نعم،فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة.كأنه استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مضغ التمرات.فإلى هذه الدرجة بلغ يقين هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونلحظ في هذه الآية“حتى إذا جاء أحدهم الموت„هكذا بصيغة المفرد“قال رب أرجعون„جاء بالجمع على سبيل التعظيم،ولم يقل ربَّ أرجعني،كما جاء في قوله تعالى:{إنا نحنُ نزلنا الذكر وإنا لهُ لحافظون}[الحجر 9].فهنا الحق تبارك وتعالى يُعظم ذاته،لكن هذا يُعظم الله الآن،وهو في حالة الاحتضار،وقد كان كافراً به،وهو في سَعة الدنيا وبحبوحة العيش.

أو أنه كرر الطلب:أرجعني أرجعني أرجعني،فجمعها الله تعالى أو:أنه استغاث بالله فقال:ربِّ ثم خاطب الملائكة:أرجعون إلى الدنيا.لكن،لماذا الرجوع؟

„لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون„أي:أنني تركت كثيراً من أعمال الخير،فلعلي إن رجعت بعد أن عاينت الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات،

أو لعلي أعمل صالحاً فيما تركت،لأني ضننت بمالي وبمجهودي وفضلي على الناس،وكنزت المال الكثير،وتركته خلفي ثم أحاسب عليه،فإن عدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة.

ثم تأتي الإجابة:“كلا إنها كلمة هو قائلها„أي قوله:أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت،إنها مجرد كلمة لا واقع لها،كلمة يقولها وقت الضيق والشدّة،فالله تعالى لن يرجعهم،ولو أرجعهم ما فعلوا،لذلك نفاها بقوله“كلا“التي ترد على قضايا تريد إثباتها،ويريد الله تعالى نفيها،كما ورد في سورة الفجر:{فأما الإنسان إذا ما ابتلاهُ ربُّهُ فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن *وأما إذا ما ابتلاهُ فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن}[الفجر 15 ـ 16]فيرد الحق سبحانه:“كلا“ لا أنت صادق ولا هو،فليس المال والغنى وكثرة العرض دليل إهانة،ولا الفقر دليل إجابة،فكلتا القضيتين خطأ،بدليل أنك إذا أعطاك الله المال،ثم لاتؤدي فيه حقّ الله وحقّ العباد،ولا يُعينك على أداء مافرض عليك صار المال وبالاً عليك وإهانة لا كرامة.ما جدوى المال إن دخلت في قوله تعالى:{كلا بل لا تُكرمون اليتيم}[الفجر17]؟ساعتها سيكون مالك حجّة عليك.كذلك الحال من يظن أن الفقر إهانة،فإن سلب الله منك المال الذي يُطغيك فقد أكرمك،وإن كنت لاتدري بهذا الإكرام.

ثم يقول سبحانه:“ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعثون„أي:كيف يتمنون الرجوع وبينهم وبينه برزخ يمنعهم العودة إلى الدنيا،لذلك تسمى الفترة بين الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية،فليست من الدنيا وليست من الآخرة.

وفي موضع آخر يُصور الحقّ سبحانه وتعالى هذا الموقف بقوله:{ولو رُدوا لعادوا لما نُهوا عنه}[الأنعام 28]أي:لو رددناهم من الآخرة لعادوا لما كانوا عليه من معصية الله.“

الشهادة عند الاحتضار:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الفوائد ص76):

„لشهادة „أن لا إله إلا الله“ عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها،لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها،قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة،وانقادت بعد إبائها واستعصائها وأقبلت بعد إعراضها وذلّت بعد عزها،وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها،واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته.                                                                                                                              وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه،فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها،واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه،فوجه العبد وجهه بكليته إليه ،وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه.      فاستسلم وحده ظاهراً وباطناً،واستوى سره وعلانيته فقال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه.

وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه.قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه،وخمدت نيران شهوته ،وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت نصب عينيه،وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله،فطهرته من ذنوبه،وأدخلته على ربه،لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة،وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها،فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها،وفرّ إلى الله من الناس،وأنس به دون ما سواه،لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحبّ الحياة وأسبابها،ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله.فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المستعان“.

عودة إلى سكرات الموت:

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

„اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغّص عليه عيشه ويتكدّر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته.وحقيقاً بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده لا سيما وهو في كل نَفَس بصدده كما قال بعض الحكماء:“كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك“.واعلم أن شدّة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها،ومن لم يذقها فإنّما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها،وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدّة ما هم فيه.فأما القياس الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم،فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح.فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم،والمؤلم يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء فلا يُصيب الروح إلا بعض الألم،فإن كان في الآلام   ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشدّه.

والنزع عبارة عن مؤلم بنفس الروح فاستغرق بجميع أجزائه حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حلَّ به الآلام،فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما لايجري في جزء من الروح ويلاقي ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة،وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهراً وباطناً إلا وتصيبه النار فتحسّه الأجزاء الروحاتية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم.وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسّهُ الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار.فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه،فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب ،وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل،ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم.فلا تسأل عن كربه وألمه حتى قالوا:“إن الموت لأشدّ من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض“ لأن قطع البدن بالسيف،إنما يؤلم لتعلقه بالروح.فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح.وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه وفي لسانه،وإنما انقطع صوت الميت وصياحه من شدّة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ كل موضع منه فهدَّ كل قوة وضعف كل جارحة فلم يترك له قوة الاستغائة.فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خواراً وغرغرة من حلقه وصدره،وقد تغيّر لونه،وأربد حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته وقد جذب منه كل عرق على حياله فالألم منتشر في داخله وخارجه حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه،وتتقلص الشفتان ويتقلص اللسان إلى أصله،وتخضر أنامله ،فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عرق،ولو كان المجذوب عرقاً واحداً لكان ألمه عظيماً فكيف والمجذوب لا من عرق واحد بل من جميع العروق،ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجياً،فتبدو أولاً قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه ،ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها إلى الحلقوم،ومنذ ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ويغلق دونه باب التوبة،وتحيط به الحسرة والندامة.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر„.[أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما].

وفي قوله تعالى:{ كل نفس ذائقة الموت } [آل عمران 185]  دلالة على أن كل المخلوقات تموت، وأنه تعاني سكرات الموت مع اختلاف ٍ في درجة الإحساس بالسكرات بين مخلوقٍ وآخر كما ذكر ذلك العلماء

سكرات الموت عند الكافرين والظالمين:

وفي سورة الأنعام قوله تعالى :{ ولو تَرى إذِ الظَّالِمونَ في غَمراتِ المَوتِ والملائكةُ باسِطُو أيديهِمْ أَخرِجُوا أنفُسَكُمُ اليومَ تُجزونَ عذابَ الهُونِ بما كُنتُم تقولونَ على الله غيرَ الحقِّ وكُنتُمْ عن آياتهِ تَستكبرونَ} [الأنعام 93]،وهذا وصفٌ تفصيلي للحظات انتزاع أرواح الكافرين وبيان شدّة ما يلاقونه من شدائد وأهوالٍ فظيعة،وكروبٍ شنيعة،في حالةٍ يعجز اللسان عن وصفها وبيانها،ويكفيهم ما يرونه من شدّة الملائكة وما يستقبلونهم به من العذاب،ويوبخونهم به من التقريع،وهي حالة لا يقدر الواصف أن يصفها، أقل ما يقال فيها :“تغشاهم سكرات الموت،وينزل بهم أمر الله، ويحين فناء آجالهم،والملائكة باسطوا أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، كما قال جلّ ثناؤه :{ فَكيفَ إذا تَوفَّتْهُمُ الملائكةُ يضربونَ وجُوهَهُمْ وأدبارَهُمْ* ذَلكَ بأنَّهُمْ اتَّبعُوا ما أسخطَ اللهَ وكَرهُوا رِضوانَهُ فأحبطَ أعمالَهُمْ } [محمد 27-28].

ويقول تعالى:{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكةُ يضربونَ وجوههمْ وأدبارهم وذوقوا عذابَ الحريق}[الأنفال 50]

يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:“والصورة هنا تنتقل بنا من عذاب الدنيا للكفار إلى ساعة الموت.

و“يتوفى“أي لحظة أن تقبض الملائكة أرواح الكافرين،والتوفي وهو قبض الأرواح يجىء مرة منسوباً لله سبحانه وتعالى مصداقاً لقوله :{وهوَ الذي يتوفاكم}ومرة يأتي منسوباً لرسل من الله:{توفّتهُ رسلنا}ومرة يأتي منسوباً إلى ملك الموت:{قل يتوفاكم ملكُ الموت}.

وهذا العذاب يحدث ساعة الاحتضار وهي اللحظة التي لا يكذب الإنسان فيها على نفسه،لأن الإنسان قد يكذب على نفسه في الدنيا،وقد يكون مريضاً بمرض لا شفاء منه فيقول:سأشفى غداً،ويعطي لنفسه الأمل في الحياة،وقد يكون فقيراً لا يملك من وسائل الدنيا شيئاً ويقول:سوف أغتني،لأن الإنسان يغلب عليه الأمل إلا ساعة الاحتضار،فهذه لحظة يوقن فيها كل ميت أنه ميت فعلاً ولا مفرّ من لقاء الله،ولذلك تجد أن الذي ظلم إنساناً لحظة يموت يقول لأولاده:أحضروا فلاناً لقد ظلمته فردّوا له حقوقه نحوي وما ظلمته فيه،والإنسان لحظة الاحتضار يرى كل شريط عمله.فإن كان مؤمناً رأى شريطاً منيراً،فيبتسم ويستقبل الموت وهو مطمئن.وإن كانت أعماله سيئة فهو يرى ظلاماً،ويتملكه الذعر والخوف لأنه عرف مصيره.

ويتابع الشعراوي رحمه الله:

„ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا….}نجد أنه قد حذف جواب“لو“ والمعنى لو كشف الحجاب لترى الملائكة وهم يتوفون الذين كفروا لرأيت أمراً عظيماً فظيعاً.ويقال أن الملائكة معها مقامع من حديد.أي قطع حديد ضخمة يضربون  بها وجوه الكفار وأدبارهم.ومن شدة الضربة واحتكاك الحديد بالجسم تخرج منه شرارة من نار لتحرق أجساد الكفار.

ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:{وذوقوا عذاب الحريق}[الأنفال 50].

إذن فهم يضربون الكفار ساعة الاحتضار ضرباً مؤلماً جداً هذا الضرب رغم قسوته،والشرر الذي يخرج منه لا يُنجيهم في الآخرة من عذاب الحريق.

وقد ضرب الله للناس المثل بحال المحتضر،وذلك في قوله تعالى :{ أشحَّةً عَليكُمْ فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهُمْ ينظرونَ إليكَ تدورُ أعينُهُمْ كالَّذي يُغشى عليهِ من الموتِ}[ الأحزاب 19]، فالآية جاءت لتصف بدقةٍ حال المنافقين الذين يعرقلون الناس عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعونهم عن ذلك بأقوالهم وأفعالهم،كيف يكون موقفهم من نداءات الجهاد؟ عندها ترى في أعينهم نظر الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى الجهات المختلفة يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها،وهذه النظرات الزائغة غير المستقرة تشبه كثيراً حال المحتضر الذي يعاني سكرة الموت،ونظير ذلك قوله تعالى :{ فإذا أُنزِلتْ سُورةٌ مُّحكَمَةٌ وذُكِرَ فيها القتالُ رأيتَ الَّذينَ في قلوبِهِم مرضٌ ينظرونَ إليكَ نَظَرَ المَغشيِّ عليهِ من الموتِ } [محمد 20 )،ووجه الشبه بيان شدّة ما يلاقيه من يؤمرون بالجهاد مع المسلمين،فتراهم من شدة الجبن،الذي خلع قلوبهم،والقلق الذي أذهلهم ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظر المغشي عليه، الذي يعالج انتزاع الروح“ .

ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله :“ من شدّة الرعب الذي في قلوبهم  يُشبهون المغمي عليه وقت النزع،فإنه يخاف ويذهل عقله،ويشخص بصره،ولا يطرف، فكذلك هؤلاء،لأنهم يخافون القتل „.

من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله(حسن وسوء الخاتمة):

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم،فإن كانت صالحة قالت :قدموني قدموني،وإن كانت غير صالحة قالت:يا ويلها أين تذهبون بها،يسمع صوتها كل شىء إلا الإنسان ولو سمعها لصعق“[رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{ وتزهق أنفسُهُم وهم كافرون}[التوبة55]،يقول رحمه الله:

„و“تزهق“ أي تخرج بصعوبة،لماذا؟لأن عابد الدنيا عمل من أجلها فقط.ولم يعمل شيئاً من أجل الآخرة،فعندما يأتي له الموت،يجد أنه لم يقدم شيئاً لآخرته،وأن ما ينتظره هو العذاب،ولذلك يكره أن يترك نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة.أما صاحب الأعمال الطيبة عندما يأتي له الموت فهو يستبشر،لأن الذي ينتظره خير يفوق كل الذي سيتركه.وجاء في الحديث الشريف الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه،ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.فقلتُ :يا نبي الله أكراهية الموت؟فكلنا نكره الموت.فقال:“ليس كذلك.ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحبّ الله لقاءه.وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه“[أخرجه مسلم والترمذي].

ويتابع الشيخ الشعراوي رحمه الله:“والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية،ومن النعمة إلى المنعم،ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المُسبِّب،فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد،أما في الآخرة فلا توجد أسباب،بل بمجرد أن يخطر الشىء على بالك تجده أمامك،أليست هذه حياة نعيم؟

إذن:فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن،والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه ملك الموت هو الكافر والعاصي،لأنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبياً إلى عذاب رهيب“.

(قال الحسن البصري رحمه الله:لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله،ومن كانت راحته في لقاء الله تعالى فيوم الموت يوم سروره وفرحه وأمنه وعزه وشرفه).

ويتابع الشيخ الشعراوي رحمه الله:

„وقد قيل للإمام علي رضي الله عنه:يا إمام،أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟فقال الإمام علي رضي الله عنه:الله أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل جواب السؤال عندك أنت،إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الآخرة.

أي:إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالاً فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة،لأنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجراً في الإخرة التي تعمل من أجلها،ولذلك تحبه.أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاءك يسألك تكون من أهل الدنيا،لأن معطى الهدية يزيدك في دنياك.وما دمتَ تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا.

ويقال:إن فلاناً أحسن الله خاتمته لأنهم دخلوا عليه لحظة الموت وجدوا وجهه أبيض وملامحه سمحة مستريحة.نقول:إن هذا صحيح،فهذه لحظة لا يكذب الإنسان فيها على نفسه.ونحن نعلم أن الإنسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالأمل في أن ينال الشفاء على يد طبيب بارع.لكن الأمر يختلف ساعة الاحتضار حين يعلم الإنسان أن الموت يتخلله وأنه ميت لا محالة،مصدقاً لقول الحق سبحانه:{فلولا إذا بلغتِ الحلقوم}[الواقعة].

ويرى ما كان محجوباً عنه في الدنيا.حينئذ يستعرض أعماله،فإن رأى شريط الحياة حلواً منيراً،ابتسم وانفرجت أساريره فيُقبض على هذا الوضع.أما من امتلأت حياته بالسوءِ والمعاصي فوجهه يسوّد وتنقبض أساريره فيُقبض على هذا الوضع.وهذا ما نسميه الخاتمة،فلحظة الاحتضار فيها يقين بالموت،تماماً كساعة الامتحان حيث تجد التلميذ الخائب مصفر الوجه مرتعداً ومتشنجاً،أما التلميذ المجتهد فيكون مُبتسماً منفرج الأسارير.

وفي ساعة الاحتضار يخلو الذهن من أي شىء إلا صحيفة عمله،فهي التي تبقى في بؤرة شعوره،وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن استقر فيه شىء فإنه لا يُنسى أبداً.فإذا عرف طالب قبل الامتحان بفترة قصيرة أن هناك سؤالاً سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه لا يفكر في شىء آخر غيره،ومجرد قراءته مرة تجعله يجيب الإجابة المتميزة،لأن بؤرة الشعور مثل آلة التصوير،تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة.إذن:فساعة الالتقاط هذه حيث لا شىء يشغل الذهن،تجد أن الشعور لا يتسع إلا لخاطر واحد،فلا يأتي خاطر آخر إليها إلا إذا تزحزح الخاطر الأول عنها.

وقوله تعالى:{وتزهق أنفسُهُمْ وهم كافرون}يعطينا معنيين:

ـ المعنى الأول:أن النعمة تظل معهم تلهيهم عن الله حتى تأتي ساعة الموت.

ـ والمعنى الثاني:أن ساعة الموت تكون شاقة وصعبة على الكافر والمنافق،لأنه يترك الأموال والأولاد ويذهب إلى العذاب.انتهى كلام الشيخ الشعراوي.

التعوذ من الشيطان عند الموت:

جاء في الحديث الشريف عن أبي اليسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو:“اللهم إنّي أعوذُ بكَ من الهدمِ،وأعوذ بك من التردّي،وأعوذ بك من الغَرقِ والحَرَقِ والهَرَم،وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت،وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبراً،وأعوذ بك أن أموتَ لديغاً„[رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال الحاكم صحيح الإسناد،وصححه الألباني في صحيح أبي داود].

قيل أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه لما نام على فراش الموت أتاه ولده عبد الله ليلقنه الشهادة،ويذكره بلا إله إلا الله،ولكن الإمام كان لا يتكلم إلا بكلمة واحدة،ولا يصرخ إلا بها،ولا ينطق إلا بها،كان يقول:لا،لا،ولما أفاق الإمام من سكرات الموت وكرباته وهوله،سأله ولده وهو يبكي:يا أبت! أقول لك:قل لا إله إلا الله وأنت تقول لي :لا،لا،؟فرد الإمام وقال يابني! أنا لا أتحدث معك،أتاني شيطانان،جلس أحدهما عن يميني،والآخر عن يساري يقول لي الأول:يا أحمد! لقد فتنا في دنياك ولو فتنا اليوم ما أدركناك بعد اليوم،يا أحمد! مت يهودياً،فإنه خير الأديان،والآخر يقول:يا أحمد!مت نصرانياً،فإنه خير الأديان،وأنا أقول:لا،لا،بل على دين محمد،على لا إله إلا الله،على كلمة التوحيد والإخلاص.

فمن الناس من يمنع الفتان كالمرابط في سبيل الله،ومن قتل شهيداً في سبيل الله،وأما من سواهم فيأتيه الفتان فيقول له:مت على دين اليهودية،مت على دين النصرانية،ويريه صورة أبويه وغير ذلك مما يفتنه،فمن ثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا فسيختم بخير،ولهذا قال تعالى:{يُثّبتُ الله الذينَ آمنوا بالقولِ الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضلُّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم 27].

يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“في الآية 27 من سورة إبراهيم {يثبت الله الذين آمنوا….}أي: في القبر،والقبر أول منازل الآخرة،يثبتهم الله في القبر،إذا سالهم الملكان عن ربهم ونبيهم والكتاب المنزل عليه من ربه ـ كما جاء في الأحاديثـ يثبتهم الله،أما الكفار والمنافقون لا يثبتون عندما يُسألون عن محمد،ويقولون:لا ندري سمعت الناس يقول قولاً فقلت مثلهم،أما المؤمن فهو يعرف من هو ربه،وما دينه،ومن رسوله وما كتابه،يثبته الله ويُنطقه بالحق في هذا الموقف،ولذلك جاء في الأحاديث:أن المراد بالقول الثابت هنا القول الثابت في القبر،ولكن الآية تشمل أيضاًنالقول الثابت في الآخرة حينما يُسأل الناس يوم القيامة:{فَوَرَبِّكَ لنسألنهمْ أجمعين*عمّا كانوا يعملون}[الحجر 92 ـ 93].

هناك تزل الأقدام،وتضل الأفهام،وتطيش العقول،يوم تُنشر الدواوين،وتنصب الموازين:{يُثبتُ الله الذين آمنوا} حين يٍابون يجيبون،تثبيت من الله،ثبتهم في الدنيا ويثبتهم في الآخرة“.

ومن الأحاديث التي وردت في ذلك:

ـ عن البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعاً:“المسلم إذا سئل في القبر:يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،فذلك قوله:{يثبتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}[رواه الشيخان].

ـ وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا وضع العبد في قبره،وتولى عنه أصحابه،إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له:ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟فأما المؤمن فيقول:أشهد أنه عبد الله ورسوله،فيقال له:انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً خيراً منه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعاً،وأما الكافر أو المنافق فيقال له:ما كنت تقول في هذا الرجل؟فيقول:لا أدري،كنت أقول كما يقول الناس،فيقال له:لا دريت ولا تليت،ثم يضرب ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين“[رواه البخاري]

وجاء في الحديث الشريف عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة:“اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر،وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال،وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات،اللهم إني أعوذ بك من المأثمِ والمَغرم.“[رواه الشيخان].

وفتنة المحيا:هي الفتن التي يلاقيها المسلم في حياته.

وأما فتنة الممات:فيمكن أن يكون المراد بها:ما يعرض للمسلم عند احتضاره وقرب مماته،فقد يعرض له الشيطان في آخر لحظات حياته،يحاول أن يضله،فسميت فتنة الممات لقربها من الموت.هذا ما قاله ابن دقيق العيد رحمه الله.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:“فتنة المحيا:هي أن يفتتن الإنسان بالدنيا.وينغمس فيها،وينسى الآخرة،وهذا ما أنكره الله تعالى على العباد:{بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرةُخيرٌ وأبقى}.[الأعلى 16]

أما فتنة الممات فتشمل شيئين:الأول ما يحدث عند الموت،والثاني ما يحدث في القبر.

فأما الأول:وهو الذي يحدث عند الموت:فإن الشيطان،أعاذنا الله منه،أحرص ما يكون على إغواء بني آدم عند موته،لأنها هي الساعة الحاسمة فيحول بين المرء وقلبه،بمعنى:أنه يوقع الإنسان في تلك اللحظة فيما يخرجه عن دين الإسلام….يحرص حرصاً كاملاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة.ولكن الذين آمنوا بالله حقاً،واتبعوا رسوله صدقاً،واستقاموا على شريعة الله،لن يخذلهم الله،ولن يختم لههم بسوء الخاتمة،فمن صدق مع الله،فليبشر بالخير..“.

ملائكة الرحمة وملائكة العذاب:

في سورة النازعات وردت أوصاف تتعلق بالملائكة الذين أوكلوا بهذه السكرات ،قال تعالى: {والنَّازِعاتِ غَرْقاً* والنَّاشِطاتِ نَشْطاً}[النازعات 1-2]، فالنزع الشديد لأرواح الكافرين،والأخذ اللين  لأرواح المؤمنين واستلالها برفق وسهولة .

جاء في الحديث الشريف عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار،فانتهينا إلى القبر ولمّا يُلحد،فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله،وكأن على رؤوسنا الطير،وفي يده عُودٌ ينكثُ في الأرض،فرفع رأسه فقال:“استعيذوا بالله من عذابِ القبر مرتين أو ثلاثاً“ثم قال:“إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكة من السّماءِ بيضُ الوجوه،كأنَّ وجوههمُ الشّمسُ،معهم كفنٌ من أكفان الجنة،وحنوطٌ من حنوط الجنة،حتى يجلسوا منهُ مدَّ البصر،ثم يجىء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه،فيقول:أيتها النّفس الطيبة،اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان،قال:“فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فِي السّقاء،فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين،حتى يأخذوها،فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط،ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال:“فيصعدون بها،فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا:ما هذا الروح الطيّب؟فيقولون:فلان بن فلان،بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمونه بها في الدنيا،حتى ينتهوا بها إلى السّماء الدنيا،فيستفتحون له فيُفتح لهم،فيُشيّعه من كلِّ سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها،حتى  يُنتهى به إلى السماء السابعة،فيقول الله عز وجل:اكتبوا كتابَ عبدي في عليين،وأعيدوه إلى الأرض،فإني منها خلقتهم،وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى،قال: فتُعاد روحه في جسده،ويأتيه ملكان،فيجلسانه فيقولان له:من ربُّك؟فيقول: ربّي الله،فيقولان له:ما دينك؟فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له:ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟فيقول:هو رسول الله صلى الله عليه وسلم،فيقولا له:وما عِلمك؟فيقول:قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت فيُنادي منادٍ في السّماء أن صدق عبدي،فأفرشوه من الجنة،وألبسوه من الجنة،وافتحوا له باباً إلى الجنة،فيأتيه من روحها وطِيبها،ويُفسحُ له في قبره مدَّ بصره،قال:“ويأتيه رجل حسن الوجه،حسن الثياب،طيّبَ الرّيح،فيقول:أبشِر بالذي يسرّك،هذا يومُكَ الذي كنت تُوعد،فيقول له :من أنت؟ فوجهك الوجه يجىء بالخير،فيقول :أنا عملُك الصالح،فيقول:ربِّ أقِم الساعة حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي“

قال:“وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا،وإقبالٍ من الآخرة،نزل إليه من السماء ملائكة سودُ الوجوه،معهم المُسوح،فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول:يا أيتها النفس الخبيثة،اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب،قال: فتُفرَّقُ في جسده فينتزعها كما يُنتزع السَّفودُ من الصوفِ المبلول،وفي رواية لأحمد:فينتزعها تتقطّع معها العروق والعصب فيأخذها،فإذا أخذها لم يدعوها في يده طَرفة عين حتى يجعلوها في تلك المُسوح،ويخرج منها كأنتنِ ريح جيفةٍ وُجدت على وجه الارض،فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملاٍ من الملائكة إلا قالوا:ما هذا الروحُ الخبيث؟فيقولون:فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا،حتى ينتهي به إلى السّماءِ الدنيا،فيُستفتح له فلا يُفتح له“

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{لا تُفَتَّحُ لهم أبوابُ السّماءِ ولا يدخلونَ الجنّةَ حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط}[الأعراف 40]فيقول الله عز وجل:اكتبوا كتابه في سِجّين في الأرض السفلى،فتُطرح روحه طرحاً،ثم قرا:{ومن يُشرك بالله فكأنّما خرَّ من السّماءِ فتخطفهُ الطيرُ أو تهوي بهِ الرِّيحُ في مكانٍ سحيق}[الحج 31]،فتعاد روحه في جسده،ويأتيه ملكان فيُجلسانه،فيقولان له:من ربّك؟فيقول:هاه هاه،لا أدري،فيقولا له:ما دينك؟فيقول: هاه هاه ،لا أدري،فيقولان له:ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟فيقول:هاه هاه لا أدري،فينادي منادٍ من السّماء:أن كذب،فافرشوا له من النار،وافتحوا له باباً إلى النار،فيأتيه من حرّها وسمومها،ويُضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه،ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه،قبيح الثوب،مُنتن الريح،فيقول:أبشر بالذي يسوءك،هذا يومك الذي كنت تُوعد،فيقول:من أنت؟فوجهكَ الوجه يجىء بالشرِّ،فيقول:أنا عملك الخبيث،فيقول:ربِّ لا تُقم الساعة“[رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي].

جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله:“الملائكة حين تنزع أرواح بني آدم،فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها،ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط.

وجاء في تفسير القرطبي رحمه الله:“الملائكة التي تنزع أرواح الكفار.قال ابن مسعود:يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم،من تحت كل شعرة،ومن تحت الأظافر وأصول القدمين نزعاً كالسفود ينزع من الصوف الرطب، يغرقها،أي يرجعها في أجسادهم،ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار“.

ويقول الشيخ الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله:

„النازعات،فما النازعات؟

النازعات قد اختلف في تعيينها،وتحديدها مفسرو السلف.فمنهم من قال:إنها الملائكة،يعنون:حين نزع أرواح البشر،فمنهم من تأخذ روحه بعنف فتغرق في نزعها.ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط وعقال.

قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير:“والنازعات غرقاً„:هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم،فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة،وهو مأخوذ من قولهم:نزع في القوس فأغرق،يقال: أغرق النازع في القوس،إذا بلغ غاية المدى،حتى ينتهي إلى النصل.فتقدير الىية:والنازعات إغراقاً.والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد.

وقوله“والناشطات نشطاً„النشط:هو الجذب،يقال:نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطا:نزعتها برفق،والمراد:هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها،وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر،لما بين النزع والنشط من الفرق،فالنزع جذب بشدة،والنشط جذب برفق ولين،فالملائكة تنشط أرواح المؤمنين ،كما تنشط الدلو من البئر.

أما قوله:“والسابحات سبحاً“،فمنهم من خصصه أيضاً بملائكة قبض الأرواح،ومنهم من حمله على سائر طوائف الملائكة.

أما الوجه الأول:فنقل عن علي وابن عباس رضي الله عنهم،وعن مسروق رحمه الله:أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رفيقاًنفهذا هو المراد من قوله“والناشطات نشطا“ ثم يتركونها حتى تستريح رويداً،ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة،كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يغرق،فكذا ها هنا يرفقون في ذلك الاستخراج،لئلا يصل إليه ألم وشدة،فذاك هو المراد من قوله:“والسابحات سبحا“.

وأما قوله:“فالسابقات سبقا“ فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار،وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة“.

الموت كتاب مؤجل:

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{وما كان لنفسٍ أن تموتَ إلا بإذنِ الله كتاباً مؤجلاً} [آل عمران 145]،يقول رحمه الله:

„هذا القول قد يدفع إلى التساؤل:وهل الموت أمر اختياري؟لا،ولكن تعبير الحق سبحانه له إيحاء،لأنك عندما تقول:ما كان لفلان أن يفعل كذا،فهذا معناه أن لفلان أن يختار أن يفعل ذلك أو لا يفعله،وفي قدرة فلان أن يفعل أو لا يفعل.أما عن قدرة الله فلا يمكن أن يقول أحد ذلك.

إننا نفهمه على فرض أن النفس تدفع نفسها إلى موارد التهلكة،فما لها أن تموت إلا بإذن الله.فإذا كانت النفس هي التي تدفع نفسها إلى موارد التهلكة،ومع ذلك لا تملك أن تموت،فكيف إذا لم تدفع نفسها إلى موارد التهلكة.إذن فالموت إن أرادته النفس فلن يأتي إلا أن يكون الله قد أذن بذلك.وإننا نجد في واقع الحياة صوراً شتى من هذه الصور.

نجد من يضيق ذرعاً بهذه الحياة،لأن طاقته الإيمانية لا تتسع للبلاء والكدّ في الدنيا فينتحر،إنه يريد أن يفر مما لا يقدر على دفعِ أسبابه.أما الذي يملك الطاقة الإيمانية الرحبة فأي شقاء أو بلاء يقابله بقول:إن لي رباً،وما أجراه عليّ ربي فهو المربي الحكيم الذي يعرف مصلحتي أكثر مما أعلم،ولعل هذا البلاء كفارة لي عن ذنب.

وهذا عكس من يفر مما لايقدر على دفع أسبابه،فيحاول أن يقتل نفسه،وكل منا قد رأى أو سمع عن بعض الذين يريدون ذلك لكن يتم إنقاذهم ويدركهم من ينفذ مشيئة الله في إنقاذهم،كغسيل المعدة لمن ابتلع أقراصاً سامة،أو إطفاء حريق من أشعل في نفسه النار.فالمنتحر يريد لنفسه الموت ولكن الله إذا لم يأذن،فلا يبلغه الله هذا،فقد تجد منتحراً يريد أن يطلق على نفسه رصاصة من مسدس فلا تنطلق الرصاصة،أو تجد مُنتحراً آخر يريد أن يشنق نفسه بحبل معلق في السقف فينقطع الحبل،لماذا؟لا يقبض الحياة إلا من وهب الحياة.

إن الكتاب إذا انطوى فقد انتهى الأمر،حتى عندما يلتقي الإنسان بأسد،فيستوي الموت بالناب،كالموت بظفر الأسد.فإن نام الموت عن الإنسان فقد يشفيه من أمراضه قرص دواء أو جرعة ماء.أما إن استيقظ الموت فالطب والعلاج قد يكونا ذنباً أو أداة للموت.

والحق يقول:{وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا}.ولنلحظ قوله“بإذن الله“ فهي تدلنا على أن الله هو الذي يطلق الأذن.والإذن يكون للملائكة ليقوموا بهذه المسألة،ولذلك نجد القرآن الكريم حين يتعرض لهذه المسألة يسند مرة هذه العملية لله فيقول سبحانه:{الله الذي يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسك التي قضى عليها الموت ويُرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون}[الزمر 42].

ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لملك واحد:{قل يتوفاكم ملكُ الموت الذي وُكل بكم ثم إلى ربكم تُرجعون}[السجدة 11].

ومرة يسنده الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك الموت:{وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتى إذا جاءَ أحدكم الموتُ توفته رسلنا وهم لا يُفرطون}[الأنعام 61].

والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلاغ عنه،لأن كل أمر يحدد الأجل ليس بمراد الموكل بإنهاء الأجل،إنما هو من بإذن الله تعالى الذي يحدد ذلك.

وصيرورة الأمر بالموت إلى الملائكة ببلاغ من الله،هذا هو الإذن،والإذن يقتضي مأذوناً،والمأذون هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك،وملك الموت تلقى الإذن من الله سبحانه وتعالى“.

وفي قوله تعالى: {وهوَ القاهرُ فوقَ عِبادهِ ويُرسِلُ عليكُم حَفظةً حتَّى إذا جاءَ أحدَكُمُ الموتُ توفَّتهُ رُسُلنَا وهُم لا يُفرِّطُونَ*  ثُمَّ رُدُّوا إلى الله مَولاهُمُ الحَقِّ  ألا لهُ الحُكْمُ وهو أسرعُ الحاسبينَ } [الأنعام 61-62 ]، وقوله سبحانه :{ قُلْ يتوفَّاكُم  مَّلكُ الموتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى ربكُمْ تُرجعونَ }[السجدة 11 ]،بيانٌ أن ملك الموت موكلٌ من خالقه تبارك وتعالى بمهمة قبض الارواح واستلالها من الأجسام وإخراجها منها، يساعده في ذلك عدد آخر من الملائكة .

موت الفجأة:

يراد بموت الفجأة :الموت الذي يأتي بغتة على حين غفلة،ووقوعه بلا سبب سابق مؤدي له كمرض وغيره،ودون حدوث معاناة أو مشقة من مقدماته أو سكراته.ويسمى أيضاً موت الفوات،أو موت السكتة.

ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذة من موت الفجأة،وإنما الحديث الصحيح:“اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك،وتحول عافيتك،وفجاءة نقمتك،وجميع سخطك„[أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].أما ما ورد من استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من موت الفجأة فقد بين العلماء إن في إسناد ذلك الحديث ضعف ولا يصحّ.

ولكن من علامات الساعة كما ورد في الحديث الشريف ازدياد عدد حالات الموت فجأة .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة“[رواه الطبراني وحسنه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه].وهذا مانراه في العصور الأخيرة حيث ازدادت عدد حالات الوفاة فجأة بسبب الحروب والمجاعات والأوبئة وأمراض القلب والصدر وازياد عدد حالات الحوادث بالسيارات والطائرات والنكبات والزلازل وغيرها.

يقول الأستاذ فيصل بن عبد الرحمن السندي(موقع صيد الفوائد):

„وأكثر ما يخافه المؤمن في الموت أن يباغته وهو لم يتهيأ له،وإلا فإن المقدم على الموت لمرض أو نحوه تتغير حياته في آخر أيامه،فترخص عنده الدنيا وتعظم الآخرة،فيكون ما ألمَّ به من علامات الموت ومقدماته خيراً له،ذلك أن من عادة الإنسان التسويف في التوبة والعمل الصالح،وطول الأمل والرغبة في الدنيا،وكل ذلك من الغرور والشيطان.

ومن عجيب ما يقدر الله تعالى على الإنسان موت الفجأة،ويكون عاماً وخاصاً:

أما العام فيشمل أهل بلاد بوقوع وباء مهلك يحصد الأرواح،ويملأ المقابر،ويتساقط الناس فيه سراعاً،حتى تفنى أسر وعشائر بكاملها،وتغلق دور وتخلو من ساكنيها،وحفار القبور لا يرفع ظهره من كثرة من يدفنون ،وقد وقع ذلك كثيراً في القديم والحديث،وفي الشرق والغرب.

وأما الخاص فيقع لفرد أو أسرة على إثر هدم أو حريق أو غرق أو نحوه،ثم كانت حوادث السيارات في العصر الحاضر من أوسع المجالات الفردية لموت الفجأة.

وقد يموت العبد بشىء لا يظن أنه يموت به أبداً،وكم من ضربة لا تؤلم مات المضروب بها،وليست إلا مقادير قُدرت على بني آدم،كانت هذه أسبابها،كبرت الأسباب أم صغرت.

وموت الفجأة لا يُذم ولا يُمدح،فقد يكون رحمة للمؤمن الطائع كما يكون عقوبة على الكافر والفاجر،فمن كان مستعداً للموت كل حين بالإيمان والعمل الصالح فإن موت الفجأة رحمة في حقه،وتخفيف عليه.ومن كان متثاقلاً عن الطاعات،مسارعاً إلى المحرمات فإن موت الفجأة نقمة عليه وعذاب في حقه،لأن الميت يبعث يوم القيامة على ما مات عليه،ولأنه لا يتمكن من التوبة،ومن أداء ما عليه من الحقوق،ولذا كان موت الفجأة كأخذة الغضب،وجاء في حديث عن أبي داود عن عُبيد بن خالد السلمي :“موت الفجأة أخذةُ أسف“[صححه الألباني].قال النخعي رحمه الله تعالى:إن كانوا ليكرهون أخذة كأخذة الأسف أي الغضب.

وموت الفجأة لا يخرج عن قدر الله تعالى وتدبيره،ومعلوم أن الدعاء يرد القدر،وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:“اللهم إني أعوذُ بك من الهدم وأعوذُ بك من التردي وأعوذ بك من الغرق والحرق….“[راه أبو داود عن أبي اليسر رضي الله عنه].

وموت الفجأة قد يكون من فجاءة النقمة،ثم إن فجع الإنسان بموت صفي أو قريب فيه زوال النعمة،وتحول العافية،ولذا تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك،وحري بمن يخاف الفواجع والمفاجأت أن يحافظ على هذا الدعاء المبارك.

ولما كان موت الفجأة أخذه أسف في حق المفرط،والأسف هو الغضبان،فإن مما يطفىء غضب الله تعالى الصدقة كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إنَّ الصدقة لَتطفىءُ غضبَ الربّ وتدفعُ عن ميتة السوء“[رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب،وصححه ابن حبان]“.

وجاء في موقع إسلام ويب عن موت الفجأة:

„جاء في الحديث الشريف  عن عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“موت الفجأة أخذةُ أسف“[رواه أحمد وأبو داود].

إذا غضضنا الطرف عن الاختلاف اليسير في مسألة وقف الحديث ورفعه في ظل وجود عدد من العلماء الذين يصححونه،فإن وصف النبي صلى الله عليه وسلم لموت الفجأة بأنه“أخذة أسف“قد تفهم بأنها حالة تستوجب الذم،فالأسف من حيث الأصل اللغوي هو الغضب،ومنه قوله تعالى:{فلما آسفونا انتقمنا منهم}[الزخرف 55].وهذا يقودنا إلى السؤال التالي:هل موت الفجأة بحد ذاته مذموم؟أو أنه كما يقال أمارةٌ على سوء الخاتمة؟

إن النصوص الشرعية من حيث الأصل لا تدل على أن الموت السريع دون معالجة السكرات التي يراها الناس في المحتضرين ذات دلالة مذمومة بحيث يُظن بصاحبها ظن السوء،وهذا ما يشير إليه العلماء وله دلائل من الشرع.فقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله باباً في صحيحه وعنوّنه:باب موت الفجأة البغتة،وأورد بعده حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي افتلتت نفسها،وأظنها لو تكلمت تصدقت،فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟قال نعم)،والمقصود بالافتلات :الموت بغتة.

والفيصل في المسألة أن الذمّ في موت الفجأة لا من حيث الاصل،ولكن من حيث ما يترتب عليه،فميت الفجأة لا تتاح له الفرصة في أن يُلقن الشهادة كما هو الحال للمحتضرين الآخرين،وقد لا يكون مستعداً للقاء الله،بخلاف من تقدّمت له الدلائل وساق الله تعالى له من الشواهد على قرب مفارقته للدنيا،فاستعد للقاء خالقه ومولاه،وليس هذا بحاصلٍ لمن يفجؤه الموت.

ويمكن النظر إلى موت الفجأة من زاوية أخرى،بأن يقال:هو يختلف باختلاف متعلقه،فإن تعلق بأهل الصلاح والتقوى،كان رحمة من الله لأصحابه،إذ خفف عنهم سكرات الموت وصانهم من معالجة شدّته،وإن تعلّق بأهل الفسق والفجور كان نقمة من الله عليهم،إذ لم يمهلهم حتى يتوبوا ويتداركوا أمرهم،وبذلك يكون رحمةً للصالحين،ونقمة على الكافرين،والفاسقين ،وقد جاء عن عبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قولهم:“هو أسف على الفاجر،وراحة للمؤمن“.

هذا هو موت الفجأة وانسلال الروح على حين غرة،فلا مقدمات ولا علامات،ولا أمارات ولا دلالات،ولا إمهال ولا إخطار،فليحذر كل الحذر المتهاونون الغافلون،الذين غرّهم طول الأمل،وغرّهم بالله الغرور،ولينتبه المسوفون للتوبة،والمشتغلون بحطام الدنيا ومتاعها،ولابد من المحاسبة الجادة للنفس،والعودة إلى الله تعالى،قبل أن يفجأ الموت،ولات حين مندم،قال الله تعالى:{أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين*أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين*أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين}[الزمر 56 ـ 58].

سكرات الموت والأنبياء والصالحين:

فمقتضى الحديث أن الأصل في احتضار الكافر الشدّة،والأصل في احتضار المؤمن السهولة واليسر، ويستثنى من هذا الأصل أن تحصل الشدة في انتزاع الروح للمؤمن  تكفيراً لسيئاته وتعظيماً لدرجاته، وإعلاءً لمكانته .

ويشهد للإستثناء المذكور آنفاً قول زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه :“ إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شئ  لم يبلغه بعمله، شُدّد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة „. وروي بهذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :“الموت كفارة لكل مسلم “ [رواه البيهقي في شعب الإيمان وقال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين:حديث صحيح حسن].

وفي ضوء التقريرالسابق يمكننا فهم ما قاساه الأنبياء من شدّة هذه السكرات،ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم عبرة، فإنه وإن كان سيد الخلق وحامل لواء الحمد وصاحب الحوض والشفاعة،وأقرب من دنا إلى الربّ تبارك وتعالى حسّاً ومعنى،إلا أنه ذاق من ذات الكأس المريرة، تروي لنا عائشة رضي الله عنها تلك اللحظات فتقول:“إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان بين يديه ركوة–أي علبة فيها ماء-فجعل يدخل يديه في الماء،فيمسح بهما وجهه ويقول:“لا إله إلا الله إن للموت سكرات„[ رواه البخاري ].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها عليه الصلاة والسلام :“ لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا،الموافاة يوم القيامة „[ رواه ابن ماجة ].

وبيّن الإمام الطحاوي أن لتشديد الموت على الأنبياء فائدتان :

إحداهما : تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم،وليس من باب العذاب والمجازاة،واستدّل بالحديث الصحيح القائل:عن مصعب بن سعد عن أبيه،قال: قلت: يارسول الله،أيُّ الناسِ أشد بلاءً؟قال:“الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل„[رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني]

الثانية : أن يعرف الخلق أن ألم الموت وشدّته حاصلة ولو لم تظهر على العصاة والمذنبين المستحقين لها  فإن بعض الكفرة أو العصاة قد يموتون فلا يُرى عليهم أثر النزع،ويظن الظان سهولة أمر الموت، فكان من الحكمة الإلهية تقدير شئ من هذه الشدة على بعض أنبيائه، ليكون إخبارهم عنها مع كرامتهم على الله تعالى دليلاً قاطعاعلى هذه السكرات لإخبار الصادقين عنه،وبياناً أن ألم الموت قد لا يكون ظاهراً للعيان  وخفاؤه لا يعني بالضرورة انتفاؤه .

أما أسعد الناس في الموت فهم الشهداءعند ربهم، فقد ثبت في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ ما يجد الشهيد مسّ القتل،إلا كما يجد أحدكم من القرصة „[رواه أصحاب السن غير أبي داود] .

تلقين المحتضر:

وفي السنة النبوية:تلقين الميت،والمراد بتلقين الميت أن يكون عنده من يذكره بلا إله إلا الله،فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لقنوا موتاكم لا إله إلا الله„[رواه مسلم].وجاء في الحديث النبوي الشريف:“من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة„[رواه أبو داود وهو حديث صحيح،صححه الألباني].

وقال أنس بن سيرين:شهدت أنس بن مالك وقد حضره الموت فجعل يقول:“لقنوني لا إله إلا الله،فلم يزل يقولها حتى قُبض رضي الله عنه“.

ويستحب إغماض عيني الميت بعد قبض روحه.

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة،وقد انشق بصره،فأغمضه،ثم قال:“إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله„[رواه مسلم].

حسن الظن عند الاحتضار:

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:

„الخوف والرجاء كجناحي الطائر،إذا استويا استوى الطائر وتمّ طيرانه،وإذا نقص أحدهما وقع الطائر في النقص،وإن ذهب أحدهما أو كلاهما،صار الطائر عرضة للهلاك“،وقال تعالى جامعاً بينهما:{أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه}[الزمر 9].

ولا يجتمع الخوف والرجاء في قلب العبد عند سكرات الموت إلا أعطاه الله ما يرجوه من الرحمة،وأجاره مما يخافه من العقوبة،وأنعم عليه بالمغفرة.

وفي رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على شاب في الموت،فقال:“كيف تجدك؟“قال:والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو،وآمنّه مما يخاف„[رواه الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني عن أنس رضي الله عنه].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث:“لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسنُ الظنَّ بالله“[رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه].

وجاء في الحديث الصحيح:“قال الله عز وجل:أنا عند ظن عبدي بي،إن ظنَّ خيراً فله،وإن ظنَّ شراً فله“[أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وروى الإمام أحمد بمسنده أن عقبة بن عمرو أبا مسعود البدري الأنصاري قال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:“إن رجلاً حضره الموت،فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا متّ فاجمعوا حطباً كثيراً جزلاً،ثم أوقدوا فيه ناراً،حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت،فخذوها،فدقوها،فذرّوها في اليم،ففعلوا،فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له:لم فعلت ذلك؟قال: من خشيتك،فغفر الله عز وجل له“وقد ورد الحديث في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة جاء في بعضها“فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه،وأمر البر فجمع ما فيه،قال له :كن فإذا هو رجل قائم،قال:ما حملك على ما صنعت؟قال: مخافتك وأنت أعلم فما تلافاه أن غفر له“

(المحش:احتراق الجلد وظهور العظم).

فالإنسان المفارق لدنياه،المقبل على مولاه،لم يبق له إلا التعلق بعفو الله ورحمته،وعظيم فضله،ورجاء كرمه،ولا بد أن يسبق إلى ذهنه في هذه اللحظة أن رحمة الله وسعت كل شىء،وأنها غلبت غضبه،وأن عفو الله أحب إليه من الانتقام،ولأن الشيطان يأتيه ويجعله يسخط على الله،أو يخوّفه فيما هو قادم عليه،فحسن الظن بالله أقوى سلاح يدفع به عن وساوس الشيطان ونفثاته .

وهذا هو حسن الظن بالله،والذي ينبغي أن يكون عليه كل من نزل به الموت،حتى يحب لقاء الله،فيحب الله لقاءه.

بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني:

سأل محرر الدنيا الأستاذ الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي  هذا السؤال قبل موته بشهرين فأجابه ونشر المقال في مجلة الرسالة العدد203:

„ماهي الكلمات التي تقال عن الحي بعد موته إلا ترجمة أعماله في كلمات؟فمن عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيىء لنفسه ما يحسن أن يأخذه،ويعد للناس ما يحسن أن يتركه،فإن الأعمال أشياء حقيقة لها صورها الموجودة وإن كانت لاترى.

وبعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم،إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدواً،وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق،ويرتفع الحسد بموت المحسود،وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه،وتبقى الأعمال تنبه إلى قيمة عاملها،ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه،وينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله.

ومن هنا كان الموت أصدق وأتم ما يعرف الناس بالناس،وكانت الكلمة بعده عن الميت خالصة مصفاة لا يشوبها كذب الدنيا على إنسانها،ولا كذب الإنسان على دنياه وهي الكلمة التي لا تقال لإلا في النهاية،ومن أجل ذلك تجىء وفيها نهاية ما تضمر النفس للنفس.

أما أنا فماذا ترى روحي وهي في الغمام وقد أصبح الشىء عندها لا يسمى شيئاً؟إنها سترى هذه الأقوال كلها فارغة من المعنى اللغوي الذي تدل عليه لاتفهم منه شيئاً إلا معنى واحداً هو حركة نفس القائل،وخفقة ضميره.فشعور القلب التأثر هو وحده اللغة المفهومة بين الحي والميت.

سترى روحي أن هؤلاء الناس جميعاً كالأشجار المنبعثة من التراب عالية فوقه وثابتة فيه،وستبحث منهم لا عن الجذوع والأغصان والأوراق والظاهر والباطن،بل عن شىء واحد هو هذه الثمرة الإنسانية السماوية المسماة القلب.وكل كلمة دعاء وكلمة ترحم وكلمة خير.ذلك ما تذوقه الروح من حلاوة هذه الثمرة.

الصبر والاحتساب لأهل الميت:

والاحتضار هو فترة عصيبة وشدّة غير مألوفة تصيب المحتضر،ولكن في نفس الوقت هناك الحزن والتأثر والاحتساب من أهل المحتضر.ولعل موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم من ماريا القبطية يعطينا مثالاً على الصبر والاحتساب والامتثال لقدر الله بدون شكوى ولا جزع.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين،وكان ظئراً لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم،فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه،ثم دخل عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه،فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان!فقال له عبد الرحمن بن عوف:وأنت يا رسول الله؟فقال صلى الله عليه وسلم:“إن العين تدمع،والقلب يحزن،ولا نقول إلا ما يرضي ربنا،وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون„[رواهى البخاري].وكان ذلك في شهر ربيع الأول السنة العاشرة للهجرة،وكان عمره ستة عشر شهراً.

الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله  يصف كيف مات ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم (وحي الرسالة ج1 ص316-317):

„ولكن أنبياء الله موضع بلائه وسر حكمته ! دعوتهم الحقّ والحقّ ثقيل،وعدّتهم الصبر كليل،وبرهانهم  الألم والألم قاتل ! غرباء في الأرض لأنهم من السماء،وأغراض لسهام القدر لأنهم ضحايا، وأمثلة لبؤس العيش لأنهم عِبَر! هذا ابراهيم حبّة قلب أبيه وسواد عين اُمه مسبوتاً  على فراش المرض تحت النخيل ! تذوي نضارته على وهج الحُمّى،وتذوب حشاشته على عراك الموت وأمه وخالته  قائمتان على سريره تشبهان منظراً يهون  في جانبه على الوالدين الجنون والكفر والعدم ! وهذا أبو ابراهيم  يضعضعه النبأ المرّوع فيتحامل  على عبد الرحمن بن عوف،ويمشي ثقيل الخطى لهيف الفؤاد على الصغير المحتضر ! أخذ النبي إبراهيم من حجر أمه فوضعه في حجره، ثم نظر من خلال الدمع إلى قسماته  المشرقة  تغشّاها ظلال الموت وقال بصوت متهدج وفؤاد متأجج  واستسلام مطمئن :“ إنا يا ابراهيم لا نغني عنك من الله شيئاً “ ثم يقول:“ إن العين  لتدمع  وإن القلب  ليجزع،وإنا بعدك يا إبراهيم لمحزونون،أما والله لولا أنه أمر حقّ ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك بأشدّ من هذا“.

ومن مات له قريب فليحتسب ويصبر ويسعى في نفعه بالصدقة عنه،والدعاء له،وإبراء ذمته في الحقوق التي عليه.

يقول الأستاذ محمد رجب البيومي(الرسالة العدد 926):

„يقع الموت على الإنسان فيخطفه من بين أهله وذويه،ويحمله إلى حفرة دامسة حالكة،لا يسطع فيها نجم ولا يهب بها نسيم،ووراءه أكباد تتقطع حسرة على فراقه،ودموع تتساقط حزناً على غربته،وأجسام ترتدي السواد،فتثير كامن اللوعة ودفين الوجد.

وقد يحاول كثير من المرزوئين في أحبائهم وأعزائهم التجلد والتماسك فيظهرون الرضا والاستسلام بضع ساعات،ثم تهب عليهم الذكريات الموجعة فتطير الأمن وتمزق الصبر،ويصبح الصابر القانع،كالهالع الجازع،فريسة في أيدي الحزن يمزق أحشاءه،ويريق دموعه،حتى يمنّ الله عليه بالسلو مرة ثانية فيتماسك ويتجلد،إلى حين محدود…

ولعل غموض الموت سبب أصيل للحيرة التي يعانيها الإنسان من جرائه،فلو أدرك المرء أمره ،وما يعقبه من خطوات مستترة خافية،لا تنتهي إلى نتيجة معينة،ووقف عند حد لا يقبل التجاوز ووطد العزم على قبوله راضياً أو كارهاً،وهنا تتبدد الحيرة وينتهي التساؤل،ولكن ذلك لن يكون ،فالباب موصد،تعلوه الأقفال،ولن يزال ما وراءه خافياً عن الإفهام.

قضايا فقهية:

1 ـ موت القلب وموت الدماغ

يقول الدكتور محمد علي البار:

„لابد من تعريف للموت،ومعرفة علاماته وكيفية تشخيصه.ورغم أن ملايين البشر قد أتوا إلى الدنيا ثم مانوا،ورحلوا عنها دون الحاجة إلى طببيب لتشخيص ذلك،إلا أن كثيراً من الحالات تم فيها تشخيص الموت خطأ،وأدى ذلك إلى دفن بعض الأحياء،ثم تبين أن هؤلاء لم يموتوا بعد،وقد كتب ابن أبي الدنيا كتاباً فيمن عاش بعد الموت.وكذلك كتب“ادجار آلان بو“مجموعة من القصص ؤتحكي حوادث لأشخاص دفنوا وهم أحياء،وكتب“الكونت كارنيس كارنيكي“ مجموعة من الاقتراحات والتوصيات،مثل أن يوضع في النعش أعلام وأجراس،وتفتح كوة من القبر بحيث يستخدمها الشخص إذا دفن أثناء غيبوبته وهو لم يمت بعد.

وإذا كان نشخيص الموت لمن عاش ثم فقد الوعي أمراً عسيراً في بعض الأحيان،فإن تشخيص الموت في المولود أكثر صعوبة.وقد كان القدماء يُعدّون الطفل المولود ميتاً،مالم يستهل صارخاً،وكم من المواليد ينزلون دون أن يبدأوا حياتهم بالصراخ؟وقد أدى هذا الإجراء إلى دفن آلاف الأطفال المواليد الذين كانوا يعانون من صعوبة ما في التنفس،وبالتالي لم يبدأوا حياتهم بالصراخ.

يقول فضيلة مفتي تونس الشيخ محمد مختار السلامي موضحاً آراء الفقهاء الأقدمين في المولود الذي لم يستهل صارخاً:“يقول خليل بن اسحاق:ولا سقط ما لم يستهل صارخاً،ولو تحرك أو بال،أو رضع.إن هذه الفقرة تجعل مقياس الحياة الصوت.وقد فصل اللخمي ماتكون به الحياة فقال:“اختلف في الحركة والرضاع والعطاس،فقال مالك“لا يكون بذلك حكم الحياة.قال ابن حبيب:“وإن أقام يوماً يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت،وإن كان خفياً.قال إسماعيل:“وحركته كحركته في البطن لا يحكم له فيها بحياة.قال عبد الوهاب:“وقد يتحرك المقتول.وعارض هذا المازري وقال:“لامعنى لإنكار دلالة الرضاع على الحياة،لأنا نعلم يقيناً أنه محال بالعادة أن يرضع الميت.وليس الرضاع من الأفعال التي تكون بين الطبيعة والاختيارية،كما قال ابن الماجشون:“إن العطاس يكون من الريح،والبول من استرخاء المواسك،لأن الرضاع لايكون إلامن القصد إليه،والتشكك في دلالته على الحياة يطرق إلى هدم قواعد ضرورية،والصواب ما قاله ابن وهب وغيره أنه كالاستهلال بالصراخ.

وقد زعم بعض الفقهاء الاقدمين أن عمر رضي الله عنه لما طُعن كان معدوداً في الاموات،رغم أنه كان يتكلم ويعهد.وذلك لأن الطبيب سقاه لبناً فخرج اللبن من الجرح من بطنه.وقال ابن القاسم:“إنه لو قتل رجل عمر آنذاك لما قُتل به،لأن القاتل هو الأول،وهو أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة،ولو مات مُورث لعمر آنذاك لما ورثه لأن عمر نفسه كان معدوداً في الاموات.

وهذا كله يدل على شيئين:أولهما:أن الطب كان متأخراً في تلك الازمنة،بحيث يعد عمر رضي الله عنه في الأموات،ولو حدث مثل ذلك في العصر الحديث لأمكن إنقاذه بسهولة.

والثاني:أن تعريف الموت ينبغي لأن يترك إلى الفئة المختصة بذلك،وهم الأطباء والله سبحانه وتعالى يقول:{فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[النحل 43].

ولا شك أن تشخيص الموت أمر قد تكتنفه الصعوبات،ولذا فإن تُرك للعامة فإن احتمال خطا في التشخيص سيؤدي إلى الحكم على العديد من الاشخاص بالموت،وهم لايزالون أحياء.

1 ـ تعريف الموت:

إن تعريف الموت مثل تعريف الحياة،أمر تكتنفه كثير من الصعوبات،رغم أن العلامات الفارقة بين الموت والحياة،وبين الكائن الحي والجماد،أمر يدركه الإنسان بفطرته،كما يدركه بمعارفه.فالكائن الحي يتنفس ويتغذى وينمو ويتكاثر،ويتحرك ثم تختلف بعد ذلك طرق التنفس والغذاء والنمو،والتكاثر والحركة بأشكالها المتعددة التي لا تعد ولا تحصى،وأصعب تلك الكائنات تحديداً هي الفيروسات،فهي كالجماد لاتتحرك،ولاتنمو ولاتتنفس ولا تتغذى خارج الكائنات الحية،بل تتبلور مثل بعض الجمادات،فإذا مادخلت إلى جسم الكائن الحي،تحكمت في سرِّ السرّ فيه،وجعلته عبداً لها،لايتحرك إلا بمشيئتها،ولا ينقسم إلا حسب أوامرها،وكل انقسام في الخلية المصابة بالفيروس ينتج فيروسات جديدة،تخرج لتهاجم خلايا أخرى،ولولا أن الله يهب الأجسام الحية القدرة على مقاومة هذا الغزو الفيروسي،لأبادت الفيروسات جميع الكائنات الحية ىابتداءً من البكتريا وانتهاءً بالإنسان،وما هو أصعب وأشدّ من الفيروسات مجموعة البرايون التي تسبب جنون البقر وأشباهه فهي مجرد بروتينات ولا يوجد فيها حامض نووي على الإطلاق،ومع هذا تتم العدوى والتكاثر.وقد سببت صدمة لعلماء البيولوجيا.

وفي جسم الكائن الحي المتعدد الخلايا مثل الإنسان أو الحيوان أو النبات تموت ملايين الخلايا كل يوم،ويخلق الله بدلاً عنها ملايين أخرى،ويبقى الكائن الحي على قيد الحياة،مادامت عملية البدء والإعادة مستمرة فيه.

2 ـ المفهوم الديني للموت:

تقرر معظم الأديان والفلسفات الأدبية أن موت الإنسان هو خروج الروح من بدنه،ومغادرته إلى حيث لا نعلم.وهذا المفهوم موجود لدى الأمم القديمة مثل المصريين القدماء والبابليين والآشوريين والصينيين والهنود والإغريق.

وهو موجود إلى اليوم لدى المسلمين واليهود والنصارى والهنادكة والبوذيين وعقائد الشنتو في اليابان.

وفي الإسلام يُعد الموتى خروج الروح من الجسد،وقد وكل الله ملائكة يقومون بإخراج الروح،يقول تعالى:{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم}،ويقول تعالى:{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق}،وقال سبحانه:{قل يتوفاكم ملم الموت الذي وُكل بكم ثم إلى ربكم تُرجعون}،وقال تعالى:{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}وقال:{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم}.

والآيات بعد ذلك كثيرة في الكتاب العزيز،الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.وكلها تصرح بأن الموت هو خروج النفس(الروح)من الجسد بواسطة الملائكة.

وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم توضح كيفية إخراج الملائكة لروح المؤمن وروح الكافر،وما في الأول من تيسير،حتى تسيل مثل الماء من فم السقاء،وما في الثاني من تنكيل،حتى تخرج كما يخرج السفود المبلل من كومة من الصوف.