رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ (6/7)
„إن الله عز وجل هو الذي يتولى جزاء الصائمين بنفسه، هو الذي يُعطيهم بيده، والكريم إذا أخذ على نفسه أنه هو الذي يعطي فإنه يجزل،ولايدع ذلك لوكلائه،ولالخزانه، وإنما يتولى الأمر بنفسه، وعطاء الله لاحدّ له،فهو أكرم الأكرمين، والغني الذي له ملك السماوات والأرض ومابينهما.. „. انتهى كلام القرضاوي.
ولذلك كان جزاء الإخلاص وحسن النية في عبادة الصوم أعظم الجزاء ووافر المغفرة عند الله تعالى.ولذلك قرن الله تعالى الصيام بحسن النية والإخلاص“إيماناً واحتساباً“ فالصوم الذي يأمر به الإسلام ويثيب عليه، ويفتح لصاحبه أبواب المغفرة والرحمة والعتق من النار هو ماكان لوجه الله تعالى ، وتصديقاً بوعد الله، وطلباً لما عند الله، قال تعالى:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}[ البينة 5 ]،وليس أن يصوم الإنسان حمية من مرض، أو سعياً إلى صحة، أو بقصد الرياضة ونقص الوزن، أو احتجاجاً على مظلمة كما يفعل أحياناً المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات ، أو خضوعاً لتقاليد وأعراف، أو اتباعاً لعادة، أو نحو ذلك من البواعث والأغراض.
وحين تكثر الطاعات في رمضان، فإنه يكثر الثواب، وحين تقل المعاصي، يقل فيه العقاب وإلى هذا يشير قوله صلى الله عليه وسلم: „إذا جاء رمضان، فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفدّت الشياطين“، ففتح أبواب الجنة دليل على كثرة الثواب، وإلى مايفتحه الله للناس في هذا الشهر من الطاعات، كما أن تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين إشارة إلى قلة المعاصي والذنوب ومايترتب عليها من قلة العقوبات.
وبعد:
فإن شهر رمضان كما يقول الاستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله : „هو مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الخلق، وتقوية الروح، واستئناف حياة أفضل وأكمل.. هؤلاء هم الذين يجدون في نهاره لذّة الأبطال في المعركة، قد اصطلوا بنارها وغبارها، ويجدون في مسائه وفي ليله وفي سَحَره وفجره لذة المعركة في ساعاتها الأخيرة، قد أغذوا السير يقتلون ويأسرون ويغنمون.. هؤلاء هم الذين تفتح لهم أبواب الجنة في رمضان وتُغلق عنهم أبواب النيران وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشرى والسلام، هؤلاء هم الذين ينسلخ عنهم رمضان مغفورة لهم ذنوبهم، مكفرة عنهم سيئاتهم ومجلوة بنور الله قلوبهم“.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
„إن رمضان(محطة) لتعبئة القوى النفسية والروحية والخلقية التي تحتاج إليها كل أمّة في الحياة، ويحتاج إليها كل فرد في المجتمع، إنه يمنحنا فيما يمنح، تذكيراً بالحق الذي تقوم السماوات والأرض عليه، وتخلقاً بالقوة التي لاتنتصر أمة بدونهان وشغفاً بالحرية التي لاتتم الكرامة الإنسانية إلا بها(حق، وقوة، وحرية) هذا هو بعض مايمنحنا رمضان في أيامه الجائعة، قوياً في حلبة الصراع لاينهزم منه، خلق حراً بأكرم معاني الحرية، لاتعلق به ذلة ولاعبودية. إن المسلم الصائم طواعية واختياراً وعبودية لله، وخضوعاً لجلاله، ورجاء للقرب منه والأنس بحضرته، يرى الأنانية والأثرة والعزلة والانقطاع عن مشاركة المجتمع في آلامه وأحزانه، يرى في ذلك باطلاً ما أحراه أن يترفع عنه وينتصر عليه.ويرى الأهواء والشهوات والظلم والبغي والعداوة والبغضاء ضعفاً يقتل روح الأمة ما أجدر به أن يثور عليه ويقف دونه، ويرى في لذة المناجاة مع الله، وتنفيذ شرعه فيما نهى وأمر، حرية تنأى به عن العبودية لغير الله من طعام وشراب ولذة وطمع وأماني كاذبة، فهو الحر دائماً وأبداً،وهو الحر الذي لاتتجلى حريته في القدرة على الانتقال من مكان إلى مكان بل في القدرة على أن يتحكّم في عواطفه وميوله،فيحبس عنها مايشاء ويطلق منها مايشاء.
ويتابع رحمه الله : “ بهذا الفهم الدقيق لرمضان وفلسفته، وبهذا التخلق الكامل بالصيام وأدابه، سجل تاريخنا القديم والحديث من النصر في معارك الحق آيات بينات، وترك للإنسانية من أبطال الإصلاح والفتوح والحكم والعلم أعلاماً شامخات.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:
„يغدو الناس كأنهم إخوة في أسرة واحدة،أو رفاق في مدرسة داخلية، يفطرون جميعاً في لحظة واحدة، فتراهم المساء مسرعين إلى بيوتهم، أو قائمين على مشارف دورهم أو على أبواب منازلهم، ينظرون في ساعاتهم ويتطلعون إلى المآذن بعيونهم،وإلى المدفع بآذانهم، فإذا سمعوا ضربة المدفع، أو أبصروا ضوء المنارة، أو رنَّ في أسماعهم صوت المؤذن، عمّت الفرحة الكبار والصغار، فانطلقت وجوه الكبار، وصاح الصغار بنغمة موزونة(اذّن، اذّن، اذّن) وطاروا إلى دورهم كعصافير الروض، يرضى كلٌّ بما قُسم له، ويحمد الله عليه،وقد راضهم الجوع على أن يتقبلوا كل طعام، فكل طعام هو في أذواقهم تلك الساعة أطيب طعام..فإذا فرغوا من طعامهم أمّوا المساجد فقاموا بين يدي ربهم وخالقهم صفاً واحداً، متراصة أقدامهم، ملتحمة أكتافهم،وجباههم جميعاً على الأرض، الغني والفقير، والكبير والمتواضع،والصعلوك والأمير،يذّلون لله، يضعون له وجوههم عند مواطئ الأقدام،فيعطيهم الله بهذه الذلة له عزّة على الناس كلهم،فتنخفض لهم رؤوس الملوك والجبارين حتى تقع عند أقدامهم، ومن ذلّ لله أعزّه الله،ومن كان لله عبداً جعله الله في الدنيا سيداً، ومن كان مع الله باتباع شرعه والوقوف عن أمره ونهيه، وإتيان فرائضه واجتناب محرّماته كان الله معه بالنصر والتوفيق والغفران، وبذلك ساد أجدادنا الناس، وفتحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، وحازوا المجد من أطرافه، وأقاموا دولة ماعرف التاريخ أنبل منها ولا أفضلن ولا أكرم ولا أعدل.
ويتابع رحمه الله : „رمضان الذي يجمع للصائم صحة الجسم وصحة الروح، وعظمة النفس، ورضا الله. رمضان الذي نجتلي فيه أجمل صفحات الوجود، وماكنا لنجتليها قبل رمضان، لأن الحياة سفر في الزمان، يحملنا قطار الأعمار فإذا قطع بنا أجمل مراحل الطريق حيث يولد النور، وتصفو الدنيا، ويسكن الكون، مرحلة السحر، قطعها بنا ونحن نيام لانفتح عليها عيوننا ولانبصر فتونها.رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية وتكون المساواة بين الناس، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر،بل يشترك الناس كلهم في الجوع والشبع، غنيّهم وفقيرهم، فيحسّ الغني بألم الجوع، ليذكره من بعد إذا جاءه من يقول له: أنا جوعان، ويعرف الفقير نعمة الله عليه، حين يعلم أن الغني يشتهي على غناه رغيفاً من الخبز أو كأساً من الماء، ويعلم الجميع حين يجلسون إلى مائدة الإفطار أن الجوع يسوّي بين المطاعم كلها، وليس الذي يطيب الطعام غلاء ثمنه، ولاجودة صنعه، ولا حسن مائدته، ولكن الجوع الذي يشهيّه، والصحة التي تهضمه، وأرخص طعام مع الصحة والجوع الذّ من موائد الملوك لمن كان مريضاً أو شبعان“ .
يقول الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:
„أما والله لو عمَّ هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعاً، لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه، وطرح المسألة النفسية ليتدارسها أهل الأرض دراسة عملية مدة هذا الشهر بطوله، فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها، ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه ـ لا في الكتب ـ معاني الصبر والثبات والإرادة وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان، فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة“ .
ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
„فهذا هو ـ أيها المسلمون ـ موسم المغفرة. هذا هو موسم المتقين، ومتجر الصالحين، وربيع المؤمنين، هذا هو الموسم، موسم تجار الآخرة. وللدنيا تُجار، وللآخرة تجار.تجار الدنيا يركبون الأخطار، ويجوبون الفيافي والقفار، ويركبون الأجواء والبحار، ويواصلون سهر الليل بعناء النهار، كل ذلك في سبيل ربح مادي، قد يكون وقد لايكون. وإذا كان هذا الربح، فقد ينتفعون به وقد لاينتفعون..وإذا انتفعوا به حيناً، فقد يدوم لهم النفع وقد لايدوم.. وإذا دام لهم، فإنهم أنفسهم لايدومون..فهذا هو شأن الحياة، وتلك هي سنة الله في هذه الدنيا.. هب الدنيا تُساق إليك عفواً أليس مصير ذلك إلى انتقال؟ وما دنياك إلا مثل ظل أظلّك ثم آذن بالزوال..وصدق الله العظيم: {اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعِبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموالِ والأولادِ كمثلِ غيثٍ أعجبَ الكفارَ نباتهُ ثمّ يهيجُ فتراهُ مُصفراً ثمّ يكونُ حُطاماً} [الحديد 20].تجار الدنيا يفعلون ذلك، أما تجار الآخرة: {رجالٌ لاتُلهيهمْ تجارةٌ ولابيعٌ عن ذكرِ الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة يخافونَ يوماً تتقلّبُ فيه القلوبُ والأبصار} [النور 37]. إن تجارتهم ليست في اللحم ولا الأرز ولا في التمر، ولا في البُر، ولا في الثياب، ولا في المتاع، إن تجارتهم إنما هي في الطاعات والقربات.. أسواقهم المساجد، وفرصهم ساعات السّحر، وأيام رمضان ولياليه.هؤلاء هم تجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر موسماً يُقبلون فيه على الله، يصومون فيحسنون الصيام، ويقومون فيحسنون القيام.لايصومون صيام البطن والفرج فحسب،بل صيام الجوارح عن كل مايغضب الله.ويقومون القيام، الذي تخشع فيه القلوب، وتطمئن فيه الأصلاب، وتستقر فيه الجبهات، فإنما يقبل الله الصلاة الخاشعة المطمئنة، هؤلاء هم تجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر ربيعاً، وموسماً،ومتجراً، فيتزودون منه، لقلوبهم وأرواحهم وأنفسهم، زاداً يُمدّهم وينفعهم لأحد عشر شهراً“.
وشهر رمضان كما يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :
„ليس صياماً فحسب، ولكنه صيام وقيام واعتكاف وقراءة للقرآن وجُود وعطاء وجهاد في سبيل الله، وإن من واجبنا أن نستفيد في هذا الشهر من كل مافي هذا الشهر، لنخرج منه أوثق صلة بالله عز وجل وأقوى رابطة بكتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكثر تجسيماً لتعاليم الإسلام في حياتنا وعملاً به وله في سائر الشؤون والمجالات..
ويتابع حفظه الله“ يجب أن نجعل هذا الشهر المبارك في حياتنا شهر تغيير عميق، وشهر بناء جديد لأنفسنا، أفراداً وجماعات، وشهر تزود واستعداد للإنطلاق الحقيقي في العمل الإسلامي، والخروج من الروتين المميت والاستمرار التاريخي العفوي الأعمى، إلى الحياة الغنية الواعية والإبداع المتجدد المبصر والمستوى الذي يؤهل للنصر في هذا العصر، فإن علينا ان نربح معركة الإسلام أو نموت“ .
وفي مقالة له بعنوان“ رمضان يودع..فماذا يقول“ يقول الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله:
„تودون استعادة ماكان لآبائكم من مجد كللوا به جبين الدهر شرفاً وفخاراً، و لكن أين أنتم من آبائكم بالأمس؟ فأولئك قوم جعلوا رضا الله تعالى فوق أهوائهم، وإطاعته فوق شهواتهم، أولئك قوم فهموا الإسلام قانوناً كلياً لايتجزأ فأذعنوا لكل صغيرة وكبيرة فيه برضا وطيب نفس، أولئك قوم كانوا يتوّقون الذنوب كما تتوّقون أنتم اليوم جراثيم المرض، أولئك كانوا قوماً يرون الحياة وسيلة لنيل الدرجات العلى في الآخرة، فكانوا يردون حياض المنايا ونفوسهم ظمأى إلى ارتشاف كأس الشهادة، يدعون الله صباح مساء أن لايردهم إلى بلادهم ولا إلى أهلهم ولا إلى أولادهم.أولئك قوم كان لهم من خشية الله تعالى ماكفل لهم انتظام الأمور في مجتمعهم، فكان الأمير منهم أشد حنواً على رعيته من الأم على ولدها، وكان العالم منهم لايألو جهداً في إرشاد العامة إلى مناهج الحق، ولو ناله في ذلك اذى أو عذاب، وكان الغني منهم يجود بالمال راضية به نفسه، لايبغي بذلك إلا رضا الله تعالى،وكان التاجر منهم صادقاً أمينا عفيفا في بيعه وشرائه، وكانت المرأة فيهم عَفَّة الفؤاد طاهرة الذيل على آداب وانقياد لأحكام الله تعالى.
„أما أنتم فكباركم ظالمون، وعلماؤكم نائمون،وأغنياؤكم ضنينون، وشبابكم مفتونون، وتجاركم غشاشون كذابون،ونساؤكم متبرجات منصرفات عن هدى الله تعالى. أما أنتم اليوم ففي غرور يملأ أدمغتكم، وفي شهوات تستولي على أفئدتكم، وفي غفلة غشت على أبصاركم، ترون الدنيا أعزّ مايطلبه الرجال،والترف أسمى ماتطمح إليه الأنظار، والمال والجاه الكاذب أحق مايقتتل عليه الأبطال،فلا غروأن تخضع لآبائكم الدنيا وأن تخضعوا أنتم إلى الدنيا، ولاغرو أن يعطيهم الله تعالى ما أرادوا إذ كانوا معه كما أراد، وأن يسلب منكم ما أعطاكم إذ كنتم مع الأهواء كما تريد، ولاغرو أن يُملوا إرادتهم على العالم وأن يُملي عليكم إرادته شذاذ العالم{أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله} ، {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم}.
ويتابع رحمه الله وأسكنه فسيح جناته: „يقول رمضان:ذلك هو الفرق بينكم وبين آبائكم، وذلك هو السبب الحقيقي لفشلكم في نهضتكم، بينته لك على حقيقته،والآن وقد أزمعت على الرحيل اليوم، فلي إليكم رجاء في إبلاغ كلماتي هذه إلى أسماع المسلمين:
„أيها المسلمون: كيف ترضى أمة لها دين وعقل وذكاء، أن يغلبها أقوام في أطباعهم جفوة، وفي قلوبهم قسوة،وفي خلقهم نبوة، تتنافى آدابهم مع آدابها، ولاتلتئم أذواقهم مع أذواقها، ثم هم على إشراك بالله وكفر بدينه؟
„أيها المسلمون:إن كان أعداؤكم ملكوا الدنيا وهم على إشراك بالله، فما أحراكم بالملك وأنتم على إيمان به.وإن كانوا سادوا العالم وهم على مجون ودعارة فما أحراكم بالسيادة وأنتم على تقوى وطهارة.
„أيها المسلمون:إن الحياة نعمة لايستحقها إلا الشاكرون، وما الشكر عليها إلا صمود لنوائب الدهر ويقظة لدسائس العدو، وعمارة للأرض بنشر دين الله في أرجائها.
وداعاً أيها المسلمون، فقد أضنى الأسى كبدي، وقرّح البكاء جفوني.
وداعاً أيها المسلمون، فسألقى اليوم ربي أشكو إليه ذلّ التوحيد، وعزّ الشرك، واضطهاد الهدى وموت الضمائر.
ثم قال لي رمضان: وأنت استودعك الله.
ثم مضى في طريقه وكأنما تقطّعت نفسي على فراقه حسرات“.
وأخيراً والمسلمون يودعون شهر الصيام شهر الرحمة والمغفرة والإيمان، شهر المواساة والتواصل والتآلف والغفران، شهر الصبر وشهر النصر وشهر غزوة بدر غزوة الفرقان،ويهتفون وينشدون ويرتلون:
لا أوحش الله منك ياشهر الحسنات
لا أوحش الله منك ياشهر الخيرات
لا أوحش الله منك ياشهر الرضوان
لا أوحش الله منك ياشهر الرحمن.
ومن القصائد الجميلة في توديع شهر رمضان:
شهر رمضان لقد كَرُمتَ نزيلاً ونويت من بعد المقام رحيلا
وأقمت فينا ناصحاً ومؤدباً وشفيت منا بالفؤاد غليلا
نبكيك يا شهر الصيامٍ بأدمعٍ تجري فتحكي في الخدود سيولا
أسفاً على الإنس الذي عوّدتنا وصنيع فعل لا يزال جميلا
شهر الأمانة والصيانة والتقى والفوز فيه لمن أراد قبولا
تبكي المساجدُ حسرةً وتأسُّفاً إذ عطلّت من أنسه تعطيلا
فيه الجنان تَفتّحت لقدومهِ وتّزيّنت ولدلانها تجميلا
وتفيأت أشجارها بظلالها وقطوفها قد ذُلّلت تذليلا
والشاعر الأندلسي ابن زيدون يُعزي أحدهم بذهاب شهر الصوم:
نُعَزِّيكَ عن شهرِ الصيام الذي انقضى فإنّكَ مفجوعٌ به فَمُصابُ
هُوَ الزَورُ لو تُعطى المنى وضعَ القصا ليزدادَ من حسن الثوابِ مُتابُ
شهدتُ لأدّى منكَ واجبَ فرضهِ عليمٌ بما يُرضى الإلهَ نقابُ
وجاورتَ بيتَ الله أنساً بمعشرٍ خشوهُ فخرّوا رُكعاً وأنابوا
لقد جَدَّ إخباتٌ وحَقَّ تَبتلٌّ وبالغَ إخلاصٌ وصحَّ متابُ
يقول الشيخ أبو سعيد فرج بن لب(نفح الطيب ج5 ص512)في وداع شهر رمضان:
أأزمعتَ يا شهرَ الصيامِ رحيلا وقاربتَ يابدرَ الزمانِ أُفولا
أجِدَّكَ قد جَدتْ بك الآنَ رحلةٌ رويدكَ أمسكْ للوداعِ قليلا
نزلتَ فأزمعتَ الرحيلَ كأنّما نويتَ رحيلاً إذ نويتَ نزولا
وما ذاكَ إلا أن أهلكَ قد مضوا وتفانوا فأبصرتَ الديار طلولا
تفكّرت في الأوقاتِ ناشئةَ التُّقى أشدَّ به وطأً وأقومَ قيلا
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(وحي الرسالة ج4 ص372:
„أما أنتم معاشر الذين خرجوا من رمضان بزاد من التقوى للقلب والروح، وذخيرة من الخير للوطن والأمة، وعدة من الصبر للجاد والعمل، فإنكم أحرى أن تهنأوا بحزنكم في توديع شهر الصوم، وبفرحكم في استقبال يوم الفطر، فإن الحزن على رمضان تقوى وبر، لأنه حزن على خير مضى وأنس فات، وأن الفرح بالعيد عبادة وشكر، لأنه فرح ببشرى نزول الوحي وذكرى يوم بدر“ .
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
„هناك أناس يصلون حبالهم بالله طوال شهر رمضان،فإذا انقطع رمضان ،قطعوا ما بينهم وبين الله،ولذلك دائماً ما نقول :من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات ،أو أوشك أن يموت ،ومن كان يعبد الله ،فإن الله حي لا يموت.
وكان السلف يقولون:بئس القوم،قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان،كن ربانيّاً ولا تكنْ رمضانياً،لا تكن موسميّ الطاعة،تعرف الله في وقت من أوقات السنة،ثم تفارقه في باقي السنة.
إن من علامة قبول رمضان:الاستمرار في الخير،الاستمرار في الطاعة،فما شرع الله رمضان إلا لنشحن به بطاريات القلوب،فإن البطاريات تفرغ،وتحتاج إلى تعبئة،فيأتي رمضان لتعبأها بالصيام والقيام،والذكر وتلاوة القرآن،والاجتماع على القرآن والدروس الرمضانية،فتشحن البطارية لتنفعك طوال الشهور الأحد عشر التالية،فإذا مرَّ رمضان وبطاريتك فارغة،لم ينفعك رمضان في هذه الحالة“.
ويقول شيخ الأزهر محمد أبو زهرة رحمه الله:“قال تبارك وتعالى{قُل بِفَضل اللهِ وبِرَحمتهِ فبذلكَ فليَفرحوا هُوَ خَيرٌ ممَّا يجمعون}[يونس 58]، إذا أسباب الفرح نلخصها فيما يلي:
دخل علينا رمضان فصمناه ولله الحمد لذا حُقّ لنا أن نفرح.
ختمنا القرآن، أو ختمنا عدة ختمات متتالية، وراجعنا تفاسيره، حُقَّ لنا أن نفرح.
أزلنا الخصام والمشاحنة بيننا وتصافحنا وتعانقنا حباً وعفواً عن بعضنا ،فحُقّ لنا أن نفرح.
تناولنا طعام الإفطار مع ضعفاء المسلمين من الأيتام والمساكين وجالسناهم، فحُقَّ لنا أن نفرح.
بكينا الدموع، وذرفناها على مامضى من تقصير وتفريط في جنب الله، فحُقَّ لنا أن نفرح.
انتحبنا في المحاريب دعاء لنصرة الإسلام وعزّه بصدق وإخلاص وثقة ويقين، فحُقّ لنا أن نفرح.
واصلنا الأرحام وتزاورنا في الله، ونسينا ماكان من جفاء وقطيعة، فحُقّ لنا أن نفرح.
توجهنا بِكُلّيتنا إلى الله تبارك وتعالى حباً وإخلاصاً وسمعاً وطاعة، فحثقّ لنا أن نفرح.
أخرجنا زكاة أموالنا، وأخرجنا زكاة الفطر،فمسحنا الدموع من على جبين الضعفاء، فحُقّ لنا أن نفرح.
ابتعدنا عن الظلم، وأكل أموال المسلمين الضعفاء وظلمهم والتعدي عليهم، فحُقّ لنا أن نفرح.
اعتكفنا بالمساجد، وتفكرنا في آخرتنا ومعادنا وراجعنا أنفسنا، فحقّ لنا أن نفرح.
ابتعدنا عن العادات السيئة من التدخين ومشاهدة المحرمات في التلفاز، فحقّ لنا أن نفرح.
ويتابع رحمه الله:“فرحتنا الكبرى يوم نحرر قدسنا من يد عدونا، وتعود إلى رحابنا فنصلي في محرابنا ونعتكف في جنباته أو نستشهد على أعتابه.
فرحتنا الكبرى يوم نرى بلاد المسلمين محررة من كل طاغوت ملحد أو صليبي كافر أو مسلم فاجر.
فرحتنا الكبرى حينما نرى كل من حبس ظلماً وقد تم الإفراج عنه.
فرحتنا الكبرى حينما تكون كلمة الله هي العليا في الأرض، فلاحكم إلا حكمه ولاتشريع إلا تشريعه، التشريع الكامل العادل الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
فرحتنا حينما تفتح الدنيا أمامنا فتزال الحواجز بين الدول، ويسير الراكب على دابته في أرض الله لايخش إلا الله والذئب على غنمه.
فرحتنا الكبرى حينما نرى المنهج التعليمي الإسلامي منتشر في ربوع الأرض:ليملأها نوراً وبهاءً وعدلاً،وسعادة فلاخصام ولاحروب ولامشاحنات، بل يضع الإنسان اللقمة في فم أخيه فيتلّذذ بطعمها في فمه.
هذه ليست أحلام، بل وقائع إن شاء الله، وما وقائع اليوم إلا أحلام الأمس، وأحلام اليوم وقائع الغد.{ولاتيأسُوا من رَّوحِ الله إنّه ُلاييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون} [يوسف 87]
وبعد:
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: „ثلاثة لاتُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين„.
إننا لنتوجه إلى الله تعالى في شهر رمضان بالدعاء إلى الله عز وجل ونحن الصائمون المظلومون، وخاصة في ماتعيشه الأمة العربية والإسلامية في هذا الزمان حيث تكالبت عليها قوى الشر من كل حدب وصوب ومن كل بقاع الأرض، وما تتعرض له من صنوف الأذى والتعذيب والتدمير والاستصال والتهميش الذي لم تشهد له البشرية مثيلاً على كرّ العصور ومرّ الدهور إننا ندعو الله الجبار القهار، الرحمن الرحيم وبكل أسمائه وصفاته الحسنى أن يرفع عن المسلمين المحن والبلاء والتعذيب والتدمير، وأن يُلهمهم وخاصة على مستوى قياداتهم وزعمائهم السّداد والرشد وحسن التدبير، وأن يعينهم أفراداً وجماعات، حركات ودويلات، على العودة الصادقة إلى إسلامهم ودينهم وقرآنهم وأن يستمدوا منهم القوة الربانية والحكمة الإلهية التي تمكنهم أن يحولوا ضعفهم قوة، وذلتهم عزة، وتناحرهم تعاونا،وتفرقهم وحدة .
اللهم إنا نسألك في هذا الشهر المبارك شهر الخير والرحمات، شهر الصبر والنصر ، شهر العزة والكرامة، شهر الحرية من قيود ابالسة أعداء الدين، وشهر العبودية الخالصة لك يارب العالمين، نسألك يارب العالمين، وياناصر المستغيثين أن ترفع عنا البلاء وأن تقبلنا ولاتردنا، أن تنظر لنا بعين رحمتك وأن تمد لنا يد العون.
اللهم فرج عن الإسلام والمسلمين، وفرج عن المكروبين والمحرومين والمسجونين والأيامى واليتامى والحائرين.
اللهم ردنا إلى إسلامنا رداً جميلاً، واعل راية الحق والدين عالية فوق كل أرض وتحت كل سماء.
أنت وحدك الملجأ والمعين، وبك وحدك القوة، وعليك المعتمد، ومنك العون والفرج والنصر الأكيد ولاحول ولاقوة إلابك ، والحمد لله رب العالمين.
رمضان… شهر الصيام والصحة
المعنى الشرعي للصيام:
الامتناع عن الطعام والشراب وغشيان النساء وسائر المفطرات من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس مع النية.قال تعالى:{وكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يتبيَّنَ لكُمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصيامَ إلى الليل}[البقرة187].
المعنى اللغوي:
الصيام لغة: هو الإمساك عن أي شئ والامتناع عن الانتقال من حال إلى حال، فمن امتنع عن الطعام أو الكلام أو الارتحال كان في اللغة العربية صائما. يقول تعالى على لسام مريم البتول { نذرتُ للرَّحمنِ صوماً فلن أُكَلِّمَ اليوم إنسيّا}[مريم 26].وهذا يدل على أن الصيام كان يتمثل عند السيدة مريم بالإمساك عن الكلام، ولذا اقتصر تفاهمها مع قومها على لغة الإشارة يقول تعالى: {فأتت بهِ قومَها تحمِلُهُ قالوا يامريمُ لقد جِئتِ شيئاً فرِيّاً * يا أختَ هارونَ ماكانَ أبُوكِ امرأَ سَوءٍ وما كانت أمُّكِ بَغيّاً* فأشارت إليه قالوا كيفَ نُكَلِّمُ من كانَ في المهدِ صبيّا}.[مريم 27 ـ 29].
وأما المعنى اللغوي لشهر رمضان:
ورد في لسان العرب: قال ابن دريد: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي هي فيها، فوافق رمضان أيام رَمَض الحر وشدته فسُمي به، وكان رمضان يسمى في الجاهلية ناتقا. والرَمض: شدّة وقع الشمس على الرمل. قال الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الفراء: رمضان مأخوذ من رَمِض الصائم يَرْمض: إذا حرّ جوفه من شدّة العطش.
وشهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي جاء ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: „{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}[ البقرة 185].
يقول العلامة الجزائري الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى: „ومن عظم منزلة الصوم عند الله أن شرّعه عقوبة وكفارة عن ارتكاب بعض المخالفات :كالحنث في اليمين، والتمتع بالعمرة إلى الحج، والظهار، وقتل الخطأ، وفطر العمد في رمضان.ولم يجعل هذا لغيره من العبادات والأركان فلاتكفير عن ذنب بصلاة ولاحج ولامال من جنس الزكاة.
فرض الصيام وتاريخ الصوم:
لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها تأخر فرض الصيام إلى السنة الثانية من الهجرة، بعدما توطّنت النفوس على التوحيد والصلاة(التي فرضت في السنة العاشرة من البعثة بعد حادثة الإسراء والمعراج)، وألفت أوامر القرآن.قال تعالى: {شهرُ رمضان الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفُرقانِ فَمَن شهِدَ منكُم ُالشَّهرَ فليَصُمه} [البقرة 185] وقال تعالى:{ يا أيُّها الذين أمنوا كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذينَ من قَبلكُم لعلّكم تتَّقون}[البقرة 183].
ووجوب الصيام ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “ فُرض الصيام أولاً على وجه التخييربينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل للشيخ الكبير إذا لم يطيق الصوم أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ورخصّ للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم لإن فطرهما لم يكن لخوف مرض وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام“.
ولم يكن الصيام معروفاً فقط عند المسلمين، بل عند الأمم السابقة أيضاً، وإنه وإن كان ليس في التوراة التي بين أيدينا مايدل على فرضية الصيام على اليهود، بل جاء فيها الترغيب فيه ومدح من يؤديه، وقد ثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوماً، وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم اليوم العاشر من محرم وأنه يصومونه بليلته ولعلهم كانوا يسمونه عاشوراء ولهم أيام أخر يصومونها نهارا(كما جاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله).كما أن الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة تدل على أن سيدنا داود كان يصوم يوماً ويفطر يوما.
وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعترف بها اليوم نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير قبل عيد الفصح وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، وكذلك الحواريون ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروباً أخرى من الصيام وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم، وصوم عن السمك، وصوم عن البيض واللبن. وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصيام اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه من بعد وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار.
أما عند الأمم الأخرى فإن الصوم لم يقتصر على الناحية التي فرضتها الأديان المختلفة، بل إنه قاعدة صحية درج عليها الأقدمون لحفظ أجسامهم وسلامتها، إذ كانوا يعدون الصوم أنجع طريقة للوقاية من العدوى، وخاصة عند انتشار الأوبئة، لأن الصوم تنظف الأجهزة وتزال بواسطته الأطعمة الراكدة في الأمعاء وغيرها.وفي مصر القديمة كان يفرض على الراغبين في الالتحاق بخدمة معابد ايزيس وازوريس أن يصوموا سبعة أيام كاملة لايتناولون فيها غير بضع جرعات من الماء، وكانت مدة الصوم تمتد أحياناً إلى 42 يوماً.ومن خلال أوراق البردي نتبين كيف أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ما تمليه شعائرهم الدينية.
وأما اليونانيون فقد فرضوا الصوم في دياناتهم على انواع متعددة، فكان سقراط وأفلاطون يصومان عشرة أيام من كل بضعة شهور، كما كان بعض اليونانيين ينقطع عن الطعام يومين أو ثلاثة، غير أن الشعب كان يصوم في بعض المواسم استرضاء للآلهة وطلباً لعفوها.ولعل أبو قراط ـ القرن الخامس قبل الميلاد ـ أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية.
أما سكان اسبارطة فلم يدخروا وسعاً في تدريب أبنائهم على الصوم رغبة في أن يكونوا أقوياء أشداء يستطيعون أن يواصلوا القتال من الصبح إلى المساء دون اكتراث لما يصادفهم من الجوع والعطش.وقد نهج الفرس منهج اليونان في ترويض أبنائهم على الصوم منذ نعومة أظفارهم ليكونوا أشد وأقوى على تحمل المشاق.وفي أمريكا الشمالية كان الهنود الحمر ولايزالون إلى اليوم رغم اختلاطهم بالسكان البيض يقدسون الصوم ويعدونه من أنواع الرياضة البدنية النبيلة، ولذا يلجؤون إلى ترويض أبنائهم على هذا النوع من الرياضة منذ صغرهم.وأما الهنود وخاصة منهم“اليوجا“ أو فقراء الهنود فإنهم ضربوا الرقم القياسي في تحمل الجوع بين الأمم جميعاً إذ توصل بعضهم إلى صوم شهرين كاملين.
وأما عند العرب قبل الإسلام فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها مايفيد أن العرب قبل الإسلام كانت تصوم عاشوراء، واستنتج ابن اسحق من تعبد النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء في رمضان قبل البعثة على أن العرب كانت تعرف الصوم وسيلة من وسائل العبادة والتفكر.
هذه نبذة موجزة نفهم منها أن الأمم جميعا قد جاءت في شرائعها السماوية والوضعية بطلب الصوم من أتباعها، وأنها كانت تمارسه وتقوم به .
الصوم والصحة
تتردد هنا بعض الأسئلة حول علاقة الصيام بالصحة البدنية والنفسية، ومن أجل الجواب على هذه التساؤلات نُقسّم الموضوع إلى ثلاث نقاط رئيسية:
! ـ هل للصيام تأثير إيجابي على الصحة البدنية والنفسية بشكل عام؟
2 ـ هل الصيام ينفع في علاج كل الأمراض الجسمية أو بعضها؟ وماهي الأمراض التي ثبت فائدة الصيام بها؟
3 ـ هل الصيام على العكس وكما يدّعي البعض له تأثيراته الضارة على الجسم والصحة كما يردّد بعض المستشرقين أو المتحاملين على الإسلام؟ وهل هناك أمراض لايفيد فيها الصوم ، بل قد يكون ضاراً لها؟
أولاً: الصوم والصحة بشكل عام:
جاء في مقال في مجلة العربي(التي تصدر في الكويت) بتاريخ الاول من أذار(مارس) عام 1992م ، وفي موقع „بيروت كوم “ تحت عنوان „الصوم ضرورة“مايلي:
„لم يعد هناك أي شك لدى الباحثين المنصفين من أن الصوم هو ضرورة من ضروريات الحياة.وقد أثبتت الحقائق التاريخية والدينية والعلمية هذه المقولة.لقد عرف الإنسان الصوم ومارسه منذ فجر البشرية. وأقدم الوثائق التاريخية مانقش في معابد الفراعنة وما كتب في أوراق البردي من أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ماتمليه شعائرهم الدينية.
„إن الصوم ومنذ عدة قرون هو أحد الوسائل العلاجية المعروفة عند معظم الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء.ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت(450 قبل الميلاد) أن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ولاحظ هيرودوت أنهم كانوا ـ أيامها ـ وربما بسسب الصوم أحد أكثر الشعوب صحة.
وفي اليونان القديمة صام الفيلسوف أبيقور(القرن السادس قبل الميلاد) أربعين يوماً قبل أن يؤدي الامتحان الكبير في جامعة الاسكندرية، لشحذ قواه العقلية وطاقة الإبداع عنده.
أما سقراط(470 ـ 399 قبل الميلاد) فإنه كان يصوم عشرة أيام كلما طمح إلى حسم أمر يستحق ذروة التفكير.
وأبو قراط، وهو أبو الطب اليوناني القديم(460 ـ 370 قبل الميلاد)، كان يصف للمرضى في أحرج المراحل أن يصوموا.وهو أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية.
ثم جاء الروماني جالينوس، في القرن الثاني الميلادي، وأوصى بالصوم كعلاج لكل أعراض“ الروح السالبة“ وكان يعني بذلك حالات الحزن وفقد الحب وفرط التوتر.
وأما الشيخ الطبيب العالم ابن سينا(980 ـ 1037م)، فإنه لم يتنازل عن الصوم كدواء، بل كان مفضلاً لديه ويقول: “ إنه الأرخص ويصفه للغني والفقير „.
„والحقيقة أن الإنسان لايصوم بمفرده، فقد تبين لعلماء الطبيعة أن جميع المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر الغذاء من حولها.
ويعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لاتستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها.وإن أي مخلوق لابد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه،وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة. فالصيام يساعد العضوية على التكيف مع أقل مايمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أن العلوم الطبية العصرية اثبتت أن الصوم وقاية وشفاء لكثير من أمراض العصر.
إن الصيام الذي فرضه سبحانه وتعالى على المسلمين هو صيام سهل ويسير، لامشقة فيه ولاضرر، قال تعالى: {يريدُ اللهُ بكمُ اليُسرَ ولايريدُ بكمُ العُسرَ} [البقرة 185].
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(وحي الرسالة ج4 ص 172):
„وإن للجوع أثراً شديداً في تصفية النفوس وتلطيف الطباع، لأن كدر النفس يكون في الأكثر من كدر الجسد.وقد قالوا: إن البِطنة تُذهب الفطنة“، ولذلك اتخذ كثير من أئمة الدين ورجال التصوف الجوع سبيلاً إلى تهذيب النفس وتقوية العقل وإذكاء الروح.قال الإمام علي رضي الله عنه يصف العارف بالله: „قد أحيا عقله وأمات نفسه، حتى دقّ جليله ورقّ غليظه“ يريد بجليله بدنه الضخم وبغليظه طبعه الكثيف.وقال إبراهيم ابن أدهم: “ لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النعمة، ويفتح عليها باب الشدة“. وقال يحيى بن معاذ: “ الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزاهدين سياسة، وللعارفين تكرمة“.
وتشير كثير من الدراسات العلمية إلى أن الصيام في شهر رمضان الكريم هو صيام سهل ميسور للأصحاء المقيمين، لامشقة فيه ولاضرر. إن الصيام أثناء النهار يترافق مع عملية تقويض للغليكوجين(مولد السكر) وخاصة في الكبد، ويترافق مع تحلل الشحوم والمواد الدهنية وخاصة المتراكمة تحت الجلد بحيث توفر الطاقة والنشاط ومايحتاجه الجسم من الحريرات أثناء نهار الصوم وهذا مايسمى „انتقال الجسم إلى التغذية الداخلية“، وبعد تناول وجبتي الإفطار والسحور يتم تعويض الجسم جزئياً بما فقده من هذه المدخرات.كما أنه يحدث أثناء الصيام وهذا مهم جدأ استمرار وزيادة عملية تخلص الجسم من تراكم الفضلات والسموم.حيث تبين أن القناة الهضمية تتخلص من فضلاتها ومافيها من عناصر مرضية وخاصة الجراثيم، كما يتم التخلص من السموم والفضلات المتراكمة ، وخاصة حمض البول والبولة الدموية والأمونياك …عن طريق اللعاب والعصارات الهضمية والعرق والبول والافرازات المخاطية.
وتحصل أثناء الصيام عملية تجدد للأنسجة بعد أن تخلصت من سمومها وفضلاتها، وهذا يشاهد بشكل خاص على مستوى عناصر الدم حيث تتشكل كريات حمراء نشيطة وشابة، ويصبح الجلد أكثر نضارة وحيوية، كما أن القناة الهضمية تعود أكثر نشاطاً على مستوى الإفرازات والعمليات الهضمية.
والصيام في رمضان يستمر لعدة ساعات، وإن أجهزة وأنسجة وخلايا الجسم تعمل في هذه الساعات بكل نشاط وحيوية لأنه يأتيها ماتحتاج إليه من المدخرات التي ذكرناها سابقاً والتي تكفي حتى في حالات الصيام الشديد الذي يستغرق عدة أيام بل أسابيع، وهذا لايحدث في شهر رمضان فالأمر مقصوراً على عدة ساعات وحتى في حالة الصيام في أشهر الصيف الطويلة.
إنَّ الصوم من الناحية الحيوية مفيد للبدن عامة، وللجهاز الهضمي خاصة، وهناك شهادات لكثير من علماء وأطباء الغرب في هذا الموضوع.
يقول الدكتور „ماك فادون“ وهو من علماء الصحة الكبار في أمريكا في كتابه الذي ألفه عن الصيام: „إن كل إنسان يحتاج إلى الصيام، وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض، فتثقله وتُقل نشاطه. فإذا صام خفّ وزنه، وتحّللت هذه السموم من جسمه، فيصفو صفاءً تاماً، ويُحسّ بنشاط وقوة لاعهد له بهما من قبل“ .ولقد عالج هذا الطبيب بالصوم كثيراً من الأمراض، فوجد أن أكثر الأمراض تحسناً بالصيام أمراض جهاز الهضم وخاصة المعدة ثم أمراض الدم والعروق الدموية“.
وكان العالم „هنريك تانر“ وكتابه “ الصوم إكسير الحياة“ ممن أشار إلى فائدة الصيام كعلاج وعمرّ حتى التسعين.
ويقول البروفسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه“الجوع من أجل الصحة“:“ أن على كل إنسان وخاصة سكان المدن الكبرى أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 ـ 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته؟.