الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ (1/7)

 

رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلامضلَّ له، ومن يُضلل فلاهادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

ها نحن إزاء دورة جديدة من دورات الفلك، نستقبل شهر رمضان المبارك من جديد، شهر القرآن والجهاد، شهر الصيام والقيام، شهر الجود والعطاء، شهر المحبة والتسامح والإحسان، شهر الصحة والعافية.

ومن فضل الله علينا أن تأتينا مواسم تتلوها مواسم من الخير والبركات نتعرض فيها لنفحات من الله عزَّ وجلّ كما جاء في الحديث الشريف: “ ألا إنّ لربكم في دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها„.

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:

„ورمضان نفحة إلهية تهبُّ على العالم الأرضي في كل عام قمريّ مرّة،وصفحة سماوية تتجلّى على أهل الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبرّه،ومن لطائف الإسلام حكمته وسرّه، فلينظر المسلمون أين حظّهم من تلك النفحة، وأين مكانهم في تلك الصفحة“ .

لقد أظلَّكُم شهر الصيام والقيام، شهر العبادة والسيادة، شهر سمو الروح ونقاء العقيدة،شهر المغفرة والرحمة للمسلمين ولكل البشرية. جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في المسلمين في آخر يوم من شعبان فقال: „أيُّها الناس، قد أظلّكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً. من تقرّب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وأخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لاغناء لكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لاغناء لكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار“ . [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه].

وفي حديث آخر رواه الطبراني: „أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحطّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء. ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويُباهي بكم ملائكته، فأرُّوا الله من أنفسكم خيراً، فإنّ الشقي من حرم فيه رحمة الله عزّ وجلّ“ .

هو أكرم وأعظم شهر عند المسلمين، وهو جدير بأن يتخذوا أيامه مواسم لعبادة الله، وشكر الله ، والبرّ بعباد الله، والتراحم والتعاطف والتعاون بينهم.

هو شهرٌ فضلّه الله على كل الشهور، وفيه ليلةٌ من خير الليالي، يؤجر فيه الصائم المحتسب أجراً لاحدَّ له .قال قتادة: „إن الله اصطفى صَفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رُسُلاً ومن الناس رُسُلاً، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحُرُم،واصطفى من الايام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعَظِّموا ماعظّم الله“ .

فرضه الله تعالى في السنة الثانية من الهجرة، وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنوات، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي شهر رمضان قبل البعثة يخلو بنفسه في غار حراء ويتحنّث ـ أي يتعبّد ـ فيه قبل بعثته عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام رمضان ولياليه كحاله في غيره من الشهورمليئة بالطاعات والقربات، ويزيد فيها في هذا الشهر المبارك لأنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وقد كان رغم أنه قد غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر أشدّ الأمة اجتهاداً في عبادة ربه وقيامه بحقه.

يقول الشيخ محي الدين الخطيب في مقال له بأحد أعداد مجلة الحديقة تحت عنوان“ رمضان يتكلم“ يقول رحمه الله:

„رمضان ضيف قديم من ضيوف الإسلام: شهد عصر السعادة، وفيه هبط الوحي بكلام ربّ العزّة على قلب الهادي الأعظم، فغيّر به وجهة التاريخ،ومازال هذا الضيف الكريم القديم يغادي المسلمين ويراوحهم شهراً كاملاً في كل عام، ليرى موضع الأمانة المحمدية من نفوسهم،وليراقب قيامهم عليها“ .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل هذا الشهر المبارك عند رؤية هلاله بالدعاء قائلاً: “ اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان  والسَّلامة والإسلام، رَبِّي وربُّك الله، هلالَ رُشدٍ وخير“ . [رواه الترمذي وقال حديث حسن].

يقول الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:

„وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو ـ مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها ـ إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر.وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهو عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الاسلوب العملي الذي يدّرب الصائم على أن يتمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته ويبقيه مصراً على الامتناع، متهيأ له بعزيمته، صابراً عليه بأخلاق الصبر، مزاولاً في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة، ترسخ لاتتغيرولاتتحول، ولاتعدو عليها عوادي الغريزة“ .

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :

„ونحن نردِّدُ الآن ماكان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُهلَّ هلالَ هذا الشهر المبارك على المسلمين أجمعين بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام،وأن يجعله لهم هلال رُشدٍ وخير،فقد فقدوا الأمن والسلامة، والحرية والكرامة، والبصيرة والرُّشد،وتشعَّبت بهمُ الأهواء، وتفرّقت بهمُ السبلُ، وضلَّ كثيرٌ منهم الطريق، وجَرَت دماؤهم، بأيديهم وأيدي غيرهم، وماتزال تجري، وصرخت فواجعهم ومواجعهم وماتزال تصرخُ وتصرخُ وتستغيثُ في كلِّ مكان من الأرض، فلابُدَّ لهمُ الآن من انتفاضةٍ حقيقيةٍ صادقة شاملة تردُّهم إلى الله عزّ وجلّ، وإلى منهج الله عزّ وجلّ، وتُخرجهم من هذه الحالة الزَّرية البائسة اليائسة، فتُحييهم بعد موت،وتجمعهم بعد فرقة، وتُقويّهم بعد ضعف،وتُعزُّهم بعد ذُلّ، وتتقدّم بهم بعد تخلف،وتضعهم على خريطة العالم كرَّة أخرى رادّة للحقِّ والعدل والهداية والخير.. وأين تكونُ بداية ذلك كلّه إن لم تكن في هذا الشهر المبارك:شهر رمضان الذي أنُزل فيه القرآن، وبدأت به مسيرة الإسلام الخالد العظيم؟!.

وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ إذا جاء رمضان: فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفّدت الشياطين„، وفي رواية لمسلم“ فُتّحت أبواب الرحمة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين“ . وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه: “ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان: صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفُتّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادي: ياباغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة“. [رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وصححه الألباني].

وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً، وقد حضر رمضان: أتاكُمْ رمضانُ، شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأرُوا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله عز وجل“.[ رواه الطبراني في مسند الشاميين، وقال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني ورواته ثقات].

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي محاضرات عامة: أتاكم رمضان):

„يُرغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في استقبال هذا الشهر الكريم بأفضل مايكون الاستقبال، كما يستقبل الإنسان ضيفه العزيز عليه، الحبيب إليه، الغائب عنه، كذلك يستقبل المؤمن رمضان… يستقبلون هذا الشهر المبارك كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ورغب فيه“ شهر بركة، يغشاكم الله فيه“ أي يحوطكم برعايته وعنايته. ومن مظاهر هذه الرعاية والعناية أن ينزل فيه الرحمة، ويحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء.تنزل رحمات الله في هذا الشهر، فيَغفر الذنوب، ويُكّفر السيئات،فرصة للمسلم يتطّهر فيها من أدرانه، ومن غفلات قلبه، ومن أرجاس حسّه، ومن هواجس نفسه، ومن آثار خطاياه، طوال أحد عشر شهراً مضت عليه.ويتابع الشيخ القرضاوي:

ـ فهو فرصة لتكفير الذنوب:والله سبحانه وتعالى، من فضله وكرمه، جعل للمسلم فرصة يومية، بالصلوات الخمس، يغتسل فيها كما يغتسل الإنسان في النهر الجاري، خمس مرات، فإذا بقي بعد ذلك من دّرَنه، تأتي فرصة أسبوعية، هي فرصة الجمعة، وصلاة الجمعة، ولقاء الجمعة، الذي جعله الله عيداً اسبوعياً للمسلمين، فإذا بقي بعد ذلك من أدرانه شيئ، تأتي الفرصة السنوية، الموسم الدوري، شهر رمضان، فيحطّ الله به الخطايا عن عباده، ويخرجهم من هذا الشهر طاهرين مطهّرين. يقول صلى الله عليه وسلم: „من صام رمضان إيماناً واحتساباً: غفر له ماتقدم من ذنبه“ وقال صلى الله عليه وسلم“ من قام رمضان إيماناً واحتساباً :غفر له ماتقدم من ذنبه„. وجاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:“الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ مابينهن إذا اُجتنبت الكبائر“ [رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ـ ودعوة الصائم فيه لاتُرّد:جاء في الحديث النبوي الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: „ثلاثة لاتُردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطر،ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتي، لأنصرنَّك ولو بعد حين“. [رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني].وقال صلى الله عليه وسلم:„إن للصائم عند فطره دعوة لاتردّ“ وكان عبد الله بن عمرو راوي هذا الحديث يجمع أولاده عند الإفطار ويدعو الله عز وجل وكان من دعائه أن يقول:اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ أن تغفر لي“ رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك  والبيهقي.ويتابع الشيخ القرضاوي“يحط الله في هذا الشهر الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر الله سبحانه وتعالى إلى تنافسنا في الخيرات ، وتسابقنا في الطاعات، فيباهي بعباده المؤمنين ملائكة السماوات، يقول: انظروا إلى عبادي كيف تركوا شهواتهم ولذائذهم، وكل مايرغبون فيه؟ تركوا ذلك من أجلي.يباهي الله بنا ملائكة السماوات فأرُوا الله من انفسكم خيرا، فإن الشقي من حُرم في هذا الشهر رحمة الله عز وجل.روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد حضر رمضان: “ إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم“. [رواه ابن ماجه والطبراني وقال الألباني حسن صحيح].

ويتابع الشيخ القرضاوي: „إن الذي يمر عليه رمضان وهو لازال غارقاً إلى أذنيه في شهواته، لازال سادراً في معاصيه، لازال مطموس البصيرة، محجوب القلب عن الله عز وجل، مُغلق الباب بينه وبين ربه، مثل هذا الإنسان المسكين، هيهات هيهات أن يُغفرله.. إذا لم يُغفر له في رمضان فمتى يُغفر له؟! لقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر يوماً فسمعه الصحابة يقول: “ آمين. آمين. أمين. فلما نزل، قالوا: يارسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين. آمين. آمين. قال: “ إن جبريل أتاني فقال“ من أدرك شهر رمضان ولم يُغفر له دخل النار، فأبعده الله، قل: آمين. فقلت: آمين„.[رواه أبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني عن أبي هريرة وصححه الألباني].وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: „رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة“ . [رواه أحمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني].

فيا خيبة هذا المحروم البائس، الذي دعا عليه أمين الوحي جبريل، وأمَنّ على دعائه محمد صلى الله عليه وسلم.انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

ويقول الأديب الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 936 بتاريخ 11 حزيران عام 1951م):

„استقبل المسلمون في أقطار الأرض شهرهم العظيم رمضان. استقبلوه بعد أحد عشر شهراً قضوها في صراع المادة وجهاد العيش،تكدر فيها القلب، وتبلد الحس،وتلوث الضمير.فهو يجلو صدورهم بالذكر،ويطهر نفوسهم بالعبادة،ويزود قلوبهم من قوى الجمال والحق والخير بما يمسكها العام كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس“.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال آخر بعنوان“مرحباً بربيع القلوب“ نشره في مجلة الرسالة العدد 1095 بتاريخ 7 كانون الثاني عام 1965م:

„بعد أحد عشر شهراً من العام قضاها المسلمون في جهاد العيش وصراع المادة فقاسوا في صيفه سعار الشهوات،وكابدوا في خريفه خمود المشاعر،وعانوا في شتائه موت الضمائر،يأتيهم ربيع الأرواح في رمضان فيحيى موات قلوبهم بالبر،ويوقظ رواقد نفوسهم بالذكر،ويرجع بأرواحهم إلى منبعها الأزلي فتبرأ من أوزار الحياة،وتطهر من أوضار المادة،وتتزود من مذخور الخير بما يقويها على احتمال المحن والفتن في دنيا الآمال والآلام بقية العام كله.

لذلك كان رمضان في الشرع الإلهي طهوراً من رجس العام وهدنة في حرب القوت وروحاً في مادية الكون.

وقد اختصه الله بهذه الميزة على سائر الشهور ليوميم من أيامه كان لهما في تاريخ العالم أرفع الشأن وفي مصير الإنسان أبلغ الأثر:يومه السابع عشر من السنة الحادية والأربعين من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم،وهو يوم القرآن،ويومه السابع عشر من السنة الثانية لهجرته وهو يوم الفرقان.

فأما يوم القرآن ففي ليلته المباركة تجلّى الله لجبل النور كما تجلّى من قبل لجبل الطور،فأنزل الروح الأمين بالإشراقة الأولى من كتابه الكريم على قلب نبيه العظيم،فاستعلنت منذ تلك الليلة معاني الحق،واستبانت سبل السلام.واستقامت موازين العدل،وخرج الناس من ظلام حالك كانوا يعمهون فيه، إلى نور ساطع صاروا يهتدون به.

وأما يوم الفرقان فهو يوم التقى الجمعان:جمع المدينة وجمع مكة في بدر…وكان المسلمون على فقرهم وضرهم ثلث المشركين،وكان المشركون على كثرتهم وعدتهم صفوة قريش.وكان موقف الإسلام من الشرك يومئذ موقف محنة،كان بين العدوتين الدنيا والقصوى في بدر مفرق الطريق،فأما أن يقود محمد صلى الله عليه وسلم زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وأما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك،لذلك كان النصر في موقعة بدر حكماً قاطعاً من أحكام الله غير مجرى التاريخ،وعدل وجهة الدنيا،ومكن للعرب في دورهم أن يبلغوا رسالة الله،ويؤدوا أمانة الحضارة،ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.

رمضان هو التمرين الرياضي السنوي للنفس،يشترك فيه المسلمون في جميع أقطار الارض،يصومون في وقت واحد،ويفطرون في وقت واحد،وينصرفون عن اللذات الحسية والنفسية ليتجهوا بالتأمل والتعبد والخشوع إلى الله،فيغضوا أبصارهم عن المنكر،ويكفوا ألسنتهم عن الفحش،ويصموا آذانهم عن اللغو،ويغلوا أيديهم عن الاذى،ويصدوا أهواءهم عن السوء.وتلك هي العناصر الجوهرية لعقيدة الصوم،وهذه القيود والحدود التي تضمنها معنى الصوم هي المجاهدة التي تعود الإنسان ضبط النفس وقوة الإرادة.

وضعف الإرادة إنما يُقوى برياضة النفس على الحرمان المؤلم،كما يقوى الجسم برياضة البدن على الجهد العنيف،وكما يقوى العقل برياضة الذهن على التفكير العميق.والرياضة الروحية هي حكمة الصيام في الأديان كلها.{يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيامُ كمت كُتبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}وتقوى الله ومجاهدة النفس هما الغاية من هذه الحكمة.وقد اجتمعتا في قوله تعالى:{وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنَّ الجنة هي المأوى}فالخوف من الله هو التقوى،ونهى النفس عن الهوى هو المجاهدة.

على أن للجوع أثراً شديداً في تصفية النفوس وتلطيف الطباع،لأن كدر النفس إنما يكون في الأكثر من كدر الجسد.وقد قالوا:“إن البطنة تذهب الفطنة“لذلك اتخذ كثير من أئمة الدين ورجال التصوف الجوع سبيلاً إلى تهذيب النفس وتقوية العقل وإذكاء الروح.قال الإمام علي رضي الله عنه يصف العارف بالله:“قد أحيا عقله وأمات نفسه حتى دقّ جليله ورقّ غليظه“ يريد بجليله بدنه الضخم وبغليظه طبعه الكثيف.وقال يحيى بن معاذ:“الجوع للمريدين رياضة وللتائبين تجربة وللزاهدين سياسة وللعارفين تكرمة“.

ورمضان ثلاثون عيداً من أعياد القلب والروح،تفيض أيامها بالسرور،وتشرق لياليها بالنور،وتفتر مجالسها بالأنس،ويغمر الصائمين فيض من الشعور الديني اللطيف يجعلهم بين صحوة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في الله يتأملون أكثر مما يعملون،ويستمعون أكثر مما يتكلمون.

ورمضان بعد أولئك كله رباط اجتماعي وثيق يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف وبين أفراد الأمة بالتزاور والتألف،وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة ممتزجة الروح متحدة العقيدة متفقة الفكرة متشابهة النظام متماثلة المعيشة“..

وفي مقال له آخر بعنوان:“من أيّام رمضان الخوالد“ يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات (الرسالة العدد 1046 بتاريخ 30 كانون الثاني عام 1964م:

„كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أقبل شهر رمضان هجر المهاد اللين،وفارق الزوجة الحنون وتزود الزاد اليسير ثم صعد جبل حراء على ألف وخمسمائة متر من شمال مكة،ليستعين بالصوم والاعتكاف والتأمل على استجلاء الحقيقة الإلهية التي خفيت بين جاهلية العرب ووثنية قريش….وهناك على قمة الجبل المخروطي الشاهق،وفي صمته الملهم الرائع،وفي غيابة الفضاء الرهيب،كان يفكر في الملكوت الدائم ويسبح للجلال القائم،ويفنى في الوجود المطلق.فإذا جنه الليل أرسل نظره وفكره في أشعة القمر أو في أضواء النجوم يستطلع المجهول ويستجلي الغامض،ويرقب انبثاق النور عن الخالق،وانكشاف الستور عن الحق.حتى إذا أجهده التفكير وأرهقته الحيرة،أوى إلى الغار الموحش النابي فيستلقى على صخره سويعات ثم يستيقظ قبل أن تغور النجوم فيتعبد ويتجه بروحه اللطيف الصافي إلى الملأ الأعلى حتى تهيأ بطول الرياضة والعبادة والخلوة لتبليغ الرسالة.

ويقول الشاعر الكبير محمود حسن اسماعيل في استقبال شهر رمضان:

أضيفٌ أنت حلَّ على الأنام                           وأقسمَ أن يُحيّا بالصيام؟   

قطعتَ الدهرَ جواباً وفيّاً                              يعود مزاره في كلِّ عام

تُخيم لايحدّ حماك ركنٌ                               فكلِّ الأرض مهدٌ للخيام

نسختَ شعائر الضيفان، لمّا                         قنعتَ من الضيافة بالمقام

ورحتَ تسُنُّ للأجوادِ شرعاً                         من الإحساس عُلويّ النظام

بأنَ الجود حرمان وزهدٌ                            أعزُّ من الشرابِ أو الطعام

أشهرٌ أنت أم رُؤيا متابِ                            تألق طيفها مثل الشّهاب؟

تمرّغّ في ظلالك كلَّ عاصٍ                         وكلّّ مُرجَس دنس الإهاب

فأنت مُحيّرُ الآثام.. تجري                          فتلحقها بأحلام العذاب

تراك شفيع توبتها، فتخزى                       وتوأدُ تحت أجنحة الشباب!

وأنت منارةُ الغفران، يأوي                       إليك اليائسون من المتاب

وعند الله سُؤلكَ مُستجابٌ                         ولو حُمِلّت أوزارَ التراب

وقفتَ خطاكَ عند البائسينا                       فكنت لليلهم فلقاً مُبينا

تُساقُ إليك أمواجُ التحايا                        فتدفعها لباب المُعوزينا

فكم آهات محروم حداها                         إليك البؤس، فانقلبت رنينا

فأنت مُفزّعُ البخال، تجري                     خُطاكَ على حجارتهم معينا

وأنت مُلقنُ الأيدي نداها                      ومُكسبها التراحمَ والحنينا

يخافك كلَّ قارون شحيح                      فيخجل أن يردَّ السائلينا

ومنذ تهلَّ ترهبُكَ الذنوبُ                     وتختشع السرائرُ والقلوبُ

وتفزع أن تقابلك المعاصي                  فتُهرع، أو تُقنع، أو تذوبُ

ويُجفل أن يراك اخو هواها                  ولو قتلت مشاعرهُ العيوبُ

كأنك فارسُ الأيام، تبدو                      فيصعقها مُهنّدكَ الغضوبُ

كأنّ بكفك البيضاءُ سِرّاً                    من النجوى تكتمهُ الغيوبُ

تُجابهُ كلَّ غيّان عنيدٍ                       فيكتتمُ الغواية، أو يتوبُ

جعلت الناس في وقت المغيبِ            عبيد ندائك العاتي الرهيبِ

كم ارتقبوا الأذان كأنّ جُرحاً              يُعذبهم تلفتَ للطبيبِ

وأتلعت الرقاب بهم، فلاحوا               كركبانٍ على بلدٍ غريبِ

عُتاةُ الإنس، أنت نسخت منهم           تذللِ أوجهٍ، وضنى جُنوبِ

فيا من لقمةٍ وحفيفِ ماءٍ                 يقلبُ روحه فوق اللهيبِ

علام البغيُ والطغيان؟ إني               كفرتُ بمنطق الدنيا العجيب!

وهذا المُعجز العالي الرّخيمُ              أذانُ الله، والذكرُ الحكيمُ

تلاهُ في سكون الليل تالٍ                 فكاد لهولهِ تهوي النجومُ

نداء تفزعُ الأفلاكُ منهُ                  ويخشعُ في مساربه السّديمُ

على سمع الهداة يضوعُ عطراً          وتُقذفُ منه للغاوي رجومُ

أصاخ الكونُ مسحوراً إليه              وخرّ لبأسهِ الأزلُ القديمُ

تنزّل فوق صدرك من عُلاهُ           بشيرُ الوحي، والدّينُ القويمُ

ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة المنارالعدد 149):

فديتك زائراً في كلِّ عام               تحيي بالسلامة والسلام

وتُقبل كالغمام يفيضُ حيناً            ويبقي بعده أثر الغمام

وكم في الناس من كلفٍ مشوق      إليك وكم شجيٍّ مستهام

رمزتَ له بألحاظ الليالي             وقد عيَّ الزمان عن الكلام

فظل يعدُّ بعد يوم                      كما اعتادوا لأيام السقام

ومدَّ له رواقُ الليل ظلاً           ترفُّ عليه أجنحة الظلام    

فبات وملءُ عينيه منامٌ              لتنفض عنهما كسل المنام

ولم أرَ قبل حبك من حبيب        كفى العشاق لوعات الغرام

فلو تدري العوالم مادرينا         لحنّت للصلاة وللصيام

وما كلُّ الأنام ذوي عقول        إذا عدّثوا البهائم في الأنام

بني الإسلام هذا خير ضيف      وقد يغشى الكريم ذرى الكرام

يلمُّكمُ على خير السجايا         ويجمعكم على الهمم العظام

فشدُّوا فيه أيديكم بعزم            كما شدَّ الكميُّ على الحسام

وقوموا في لياليه الغوالي         فما عاجت عليكم للمقام

وكم نفر تغرهم الليالي             وما خلقوا ولاهيَ للدوام

وخلو عادة السفهاء عنكم           فتلك عوائد القوم اللئام

يحلون الحرام إذا أرادوا            وقد بان الحلالُ من الحرام

ومن روته مرضعة المعاصي        فقد جاءته أيامُ الفطام

ويقول الشاعر عبد الكريم الكرمي(أبو سلمى):

رمضان السّمح الكريم يد الله على العالمين عذب النمير

أنت من علم المساواة فالناس سواء في بردك المنشور

أنت وحدّتهم فلا فرق ما بين يتيم وبين ربِّ سرير

وقال الشاعر محمد الأسمر:

رعى الله شهر الصوم،أما نهارهُ        فعافٍ وأما ليلهُ فهو ساهرُ

وحيّا رجالاً حين لاح هلاله             مشت بينهم مشيّ النسيم البشائرُ

بطان ،إذا ما الشمس أرخت قناعها        خماص،إذا ما أقبلت وهي سافرُ

خضوعاً لمن فوق السماوات عرشهُ        ويعلمُ منهم ما تُكّنُ السرائرُ

هو الله،فاعبدهُ العبادة كلّها                   إذا راح يلهو بالعبادة فاجرُ

وعندما ننظر كيف كان السلف الصالح يستقبلون هذا الشهر العظيم، وننظر إلى ماحولنا ونشاهد كيف ينظر قسم كبير من الخلف المتخلف إلى هذا الشهر المبارك، فإننا نجد أن هناك بوناً شاسعاً واختلافاً صارخاً بين فهم كل منهما لحلول شهر رمضان .

يقول الشيخ محي الدين الخطيب رحمه الله(نفس المرجع السابق):

„سمعت رمضان يقول: إن فرق مابين مسلمي اليوم ومسلمي العصر الذي نزل به القرآن يرجع إلى أمر واحد قريب المدى، ولكن الوقوع في هذا الأمر يبعد مابين المسلم والإسلام إلى أقصى مدى. كان مسلمو عصر القرآن إذا اعتقدوا العقيدة: امتزجت بدمائهم،وجرت في دمائهم مع أنفاسهم، وكانت معيار تصرفاتهم في الغضب والرضا، والفاقة والغنى، والحرب والسلم، والعسر واليسر..إن الآية الواحدة من كتاب الله عزّ وجلّ كانت تكفي الواحد منهم لإنارة بصيرته وإيقاظه مما هو فيه،وتغير مجرى حياته تغييراً عملياً،فيخرج إلى قومه مبشراً بالهدى الذي ملأ قلبه، ولم يكن يبشر بما نعرفه من صنوف الجدل، ولابمانلقيه على منابر مساجدنا وجمعياتنا من خطب كثيرة ومحاضرات طويلة، بل كان يبشر بأخلاقه الكريمة ووفائه الصادق وسيرته المثلى وفضائله المحمدية..وأما الآن فتسمع من المسلم كلاماً كثيراً في محاسن الإسلام، وبراهين كثيرة على صحة الإسلام، وأخباراً كثيرة عن أمجاد الإسلام، ثم لاتلبث أن تراه يخون ذلك لمصلحة حقيرة من مصالح الدنيا، أو لدرجة وضيعة من درجات الجاه القذر،أو لرآسة ذليلة على عشرات قليلة من الناس يخدعهم بأنه يرشدهم إلى الله وهو لايبتغي منهم إلا أن ينعم بهم في دنياه.ويتابع رحمه الله“ لقد ترك أهل الصدر الأول أمانة الإسلام بين أيدي الأجيال الآتية،فخلفهم عليها في هذا العصر خلف اتخذوا من هذه الأمانة صندوقاً لأمانة أخرى هي المصالح الذاتية، فأمانة الإسلام وسيلة إليها، وصندوق يراد منه حفظ تلك المصالح،فهم يحرصون على صندوق الدين مادامت فيه أمانة الدنيا، فإذانقلتها يد القوة من صندوق الدين إلى صندوق آخر من صناديق الشيطان، رمى القائمون على صندوق الدين هذا الصندوق في الفرن ليكون وقوداً، وعكفوا على أمانتهم الدنيوية في صندوقها الجديد مهما كان نوعه“.انتهى كلام الشيخ الخطيب.

نعم هناك فئة من الناس ولكنها وللأسف بالمقارنة مع الملياري مسلم الذين يعيشون على البسيطة في هذا الزمن من يرون في رمضان شهراً لتجديد الإيمان وتصفية النفس وشحذ الأخلاق وتهذيب العقيدة… ولكن الغالبية من الناس ـ وللأسف ـ من لايرى في هذا الشهر كما يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(مقالة أصناف الناس في رمضان):

„من لايرى فيه أكثر من حرمان لافائدة منه، وتقليد ديني لامبرر له،وقد تقدمت الحضارة وتطور الفكر الإنساني بحيث لايسيغ ـ في زعمه ـ هذه القيود الدينية الثقيلة، فهو عازم على الإفطار فيه ، مجاهر بذلك، مستهزئ من الصائمين، ساخر بعقولهم وتفكيرهم وسلوكهم.

„ومنهم من لايرى فيه إلا جوعاً لاتتحمله أعصاب معدته، وعطشاً لاتقوى عليه مجاري عروقه، فهو عازم على الإفطار، مستخف فيه بالناس، متظاهر بالصيام أمام من لايعرفه، مجاهر به أمام من لاينكر عليه.

„ومنهم من يرى في رمضان موسماً سنوياً للموائد الزاخرة بالطعام والشراب، وفرصة جميلة للسمر واللهو إلى بزوغ الفجر، والنوم العميق في النهار حتى غروب الشمس، فإن كان ذا عمل برِم بعمله،وإن كان ذا معاملة ساءت معاملته، وإن كان موظفاً ثقل عليه أداء واجبه“.انتهى كلام السباعي رحمه الله.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله:

„اما إذا كان في دنيا الإسلام من يستقبل رمضان بالوجه الكالح والصدر الضيق واللسان الطويل والغيظ الحانق فهم ثلاثة: الخمّار الرومي، والشيطان المُغوي، والمسلم المزيف.

„فالرومي صاحب القهوة أو الحان يستقبل في رمضان الكساد المحزن لأن القهوة في النهار يكثر فيها الجلوس ويقل الطلب، والحان في الليل تهجره الكئوس ويفارقه الطرب، ورمضان هو المسئول.

“ والشيطان يستقبل في رمضان حصناً من الخير لايدخله الشر ولاتفتحه الرذيلة. فإذا حاول ابليس أن يدنو منه ردّه الذكر بالنهار. وصدّه القرآن بالليل فيظل كما يعتقد مصفداً بالأغلال مُقيّداً بالسلاسل حتى ينطلق من إساره في آخر يوم من أيام رمضان.

„والمسلم المزيف يجد في رمضان فطاماً لشهواته، ولجاماً لغرائزه، وقيداً لحريته،فهو يرميه بما يرميه به الأوربيون من قلة الإنتاج، وكثرة الإهلاك وشلّ الحركة، وقتل الصحة، فيشيح بوجهه عنه، ويتخذ لنفسه رمضان آخر رقيق الدين خفيف الظل باريسي الشمائل، يبيح النظرة الآثمة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والكأس الدهاق والسيكار الغليظ. ولايكلفه إلا أن يجعل عشاءه من باب المجاملة عند الغروب وبعد طلقة المدفع“ .

ويقول في مقال آخر(وحي الرسالة ج4 ص174):

„على أن هؤلاء الصوامين القوامين قد انقرضوا فلم يعد يستقبل رمضان منهم أحد.إنما يستقبله اليوم أقوام بعد عهدهم عن الإسلام الصحيح، فيستقبلونه لاباعتباره ركناً من أركان الدين الخمسة يقيم الدين من أقامه ويهدمه من هدمه،ولاباعتباره طهوراً للنفس ونوراً للقلب وجلاء للمشاعر،ولكنهم يستقبلونه باعتباره تقليداً من التقاليد الموروثة وعيداً من الأعياد المقررة، فيتمتعون فيه بنعيم العيش، ويتفننون في الطعام والشراب، ويتأنقون في الثياب والزينة،ويتدفقون في الأنس واللهو، ويسرفون على بطونهم بالأكل حتى تمرض، وعلى جيوبهم بالبذل حتى تفرغ، وينفقون على هذا الشهر وحده مايكاد يقرب من نفقة العام كله.وفي الإفراط في اللهو والأكل والنوم، تضيع حكمة الإسلام في الصوم“.

وهناك من يبدي امتعاضه من شهر الصوم الذي يمنع عنه اللذات والحرام،ويمنع عنه موبقات النفس وما اعتاد عليه من فساد وإفساد فيعلنها صريحةً واضحة لا أهلاً بك ياشهر الصيام،وهؤلاء نحيلهم إلى ربِّ العالمين.ومن هؤلاء :

قال شوقي غفر الله له:

رمضانُ ولّى هاتها يا ساقي                               مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ

البحتري:

فتروَّ من شعبان!إنَّ وراءهُ                              شهراً يُمانعنا الرحيقَ السّلسلا

وشاعر المجون والفسق أبو نواس قبل أن يعلن توبته آخر حياته:

وإني بشهر الصوم إذ بان شامتٌ                           وإنك يا شوالُ لي لصديقُ

وقال أيضا:

ولّى الصيام وجاء الفِطر بالفرجِ                          وأبدتِ  الكأس ألواناً من الملحِ

نعم هناك فرق كبير مابين السلف الصالح وكثير من الخلف المتخلف في رؤيتهم لشهر الصيام ومافيه من حكم وعبر وأحكام:

أولاًـ إن شهر رمضان هو شهر نزول القرآن الكريم،في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، حيث أنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجعله الله في بيت العزّة، ثم نزل به جبريل عليه السلام على قلب الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم منجماً على حسب الوقائع والمناسبات على فترة 23 سنة .

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد 734*):