رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ (2/7)
„كان محمد صلى الله عليه وسلم،قبل أن ينبأ رجلاً من العرب،ثم كان أول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم،فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حُبب إليه الخلاء،وكان يخلوا بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك،ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.ومن يومئذ صار هذا الرجل من العرب رسول الله الذي وجبت على الناس كافة طاعته والامتثال لأمره فيما نهى عنه وما أمر.
وقد فجئه الحق وهو بغار حراء في يوم الاثنين لثماني رعشرة ليلة خلت من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن،إذ قال له الملك:{اقرأ باسم ربك الذي خلق….}فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني،فزملوه حتى ذهب عنه الروع،فقال لخديجة وأخبرها الخبر:“لقد خشيت على نفسي!“ فقالت خديجة:“كلا ،والله لا يخزيك الله أبداً،إنك لتصل الرحم،وتَحمل الكل،وتُكسب المعدوم وتُقري الضيف وتُعين على نوائب الحق“.
يقول الاستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد217):
„أما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجماً متفرقاً في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدرأي الشرف والليلة المباركة كما في آيات أخرى وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله ويطلق على بعضه.وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة ورووا في حلها أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سماوات ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجماً بالتدريج وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان خلافاً لظاهر الآيات ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السماوات أو اللوح المحفوظ من حيث أنه لم يكن هداية لنا ولاتظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به إلا زادوا على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان كما قالوا أن الأمم السابقة كلفت بصيام رمضان ،قال الأستاذ محمد عبده ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شئ وإنما هي حواشي أضافوها لتعظيم رمضان ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل تعالى أنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا بل قال بعد إنزاله{هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعاً.وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السماوات السبع وأن مساحته كذا وأنه كتب في كل ماعلم الله تعالى فلاذكر له في القرآن،على أن اللوح المحفوظ الذي يذكرونه من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولانقص ولاتفصيل وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به، ومن خصه الله بشئ من علم الغيب التفصيلي فذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم“.انتهى كلام المنار.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 936):
„كان نزول القرآن في رمضان فرقاناً بين عهدين متغايرين:عهد ذل فيه الإنسان حتى عبد الحجر، وضل فيه العقل حتى استحب العمى،وفجر فيه الطغيان حتى أنكر الإنسانية،وعهد تدارك الله فيه عباده بلطفه، فهدى بنور دينه ضلال الفكر، وأقام بدستور شرعه ميزان العدل،ورفع سلطان خلافته معنى الإحسان |.
إن نزول القرآن الكريم هو الحادث الأكبر الذي غيّر مجرى التاريخ العالمي، ورفع الإنسانية من الحضيض إلى أعلى درجات السمو والسناء.
أنزله الله هدى للناس، ورحمة وشفاء للمؤمنين، وأنزله الله روحاً يُحيي، ونوراً يهدي، وصراطاً مستقيماً للسالكين، وهو أي القرآن الكريم الغيث العميم الذي أحيا الله به موات العقول والنفوس بعد جدب شديد، وهو النور الذي أضاء الله به الوجود بعد الظلام المديد، يقول تعالى: {شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ هدىً للناسِ وبيناتٍ من الهدى والفُرقان} [البقرة 185]،ويقول تعالى : {وكذلكَ أوحينا إليكَ رُوحاً من أمرنا ماكنتَ تدري مالكتابُ ولا الإيمان ولكن جعلناهُ نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادِنا وإنّكَ لتهدي إلى صراطٍ مستقيم}[ الشورى 53].
وإن شهرأ ينزل فيه كتاب يملأ العقول حكمة والقلوب طهارة، لذو طلعة مباركة ومقدم كريم (كما يقول الشيخ محمد الخضر حسين)، فكان السلف الصالح يقبلون على قراءة القرآن وتدبر آياته،وتفجير مكنوناته،والعمل بأحكامه،ومذاكرة معانيه الشريفة، والاعتبار بحكمه، والإتعاظ بمواعظه، والتأدب بآدابه، وأن يكون حجة لهم ولا يكون حجة عليهم.
وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: „كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود مايكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن،فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة“ [رواه البخاري] .
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع مع جبريل عليه السلام في شهر رمضان من كل عام يدارسه القرآن، وكان يعرض عليه القرآن في كل شهر مرة وفي السنة الأخيرة عرضه عليه مرتين، فقرأ القرآن كله،واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصص المسلمون قراءة جزء من القرآن في كل يوم من هذا الشهر المبارك بحيث يتم ختم القرآن في نهايته،وجاء في الحديث الشريف: “ الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، فيقول الصيام يارب منعته الطعام والشراب في النهار والقرآن يقول يارب منعته النوم في الليل“.
وأماالقسم الأعظم من الخلف المتخلف فهجروا القرآن قراءةً وتدبراً وترتيلاً وعملاً..ويمكن الرجوع إلى مقال“ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً“ في هذا الموقع.
ثانياً ـ وشهر رمضان هو شهر الجهاد والغزوات في سبيل الله:
ففي يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى، والتي سماها رب العالمين „غزوة الفرقان„، حيث كانت فيصلاً بين الذلّ والعزّة {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}، والضعف والقوة، وانتصر فيها الحقّ على الباطل،وأنزل الله الملائكة لنصرة المؤمنين“ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني مُمدّكم بألف من الملائكة مُردفين“،وفي هذه الغزوة المباركة توجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى ربِّ العالمين“ اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لاتعبد“. وبعدها رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنده متهلّل الوجه جاهراً بتلاوة الآية الكريمة“ سيهزم الجمع ويولون الدبر“ وكان النصر العظيم، حيث استشهد من المسلمين 14 شهيداً ،
وقتل فيها من رؤوس الكفر وطواغيت قريش أمثال أبي جهل وأمية بن خلف، والعاص بن هشام بن المغيرة..قُتل منهم سبعون، وأُسِر سبعون آخرون.
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد128 بتاريخ 16 كانون الأول عام 1935):
„كان الإسلام المهاجر من مكة الجاهلية لايزال خافض الجناح في يثرب،وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لايزالون تحت البلاء:يمتحن الله صبرهم بالألم، ويختبر إيمانهم بالفتنة،ليمحص الذين يجتبيهم لنشر الدعوة،ويَعلم الذين يصطفيهم لجهاد الرسالة،فالقرشيون يُوثبون عليهم القبائل،واليهود ينصبون لهم الحبائل،والمنافقون يدسون لهم الغدر في الملق.فلما أذن الله لدينه أن يعود ولمجده أن يسود ولنوره أن يتم،أرسل جنوده الثلثمائة إلى وادي بدر، يتعاقبون على سبعين نِضواً من أباعر المدينة،ويستعينون بصبر المجاهد على القلة،وبعزة المؤمن على الذلة،وبعفة الزاهد على الفاقة،ويسيرون في استغراق الصوفي المدَلّه إلى ما وعدهم الله من إحدى الطائفتين:العِير أو النفير،وإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، ولكن العير الذي يفهق بالثراء الضخم نجا به أبو سفيان على الساحل،فلم يبق إلا مكة الغاضبة لثروتها وسطوتها ودينها قد نزلت بالعُدوة القصوى من الوادي مع أبي جهل!تسعمائة وخمسون من فلذات كبدها أرسلتهم في الخيل والحديد يجيشون على محمد بالغِل،ويفورون على صحبه بالحفيظة،ويرون الإسلام في هذا العدد القليل والمظهر الهزيل قد أمكنهم من نفسه،ودلهم على مصرعه.
التقى الجمعان في صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان،وكان المسلمون على فقرهم وضعفهم ثلث المشركين، وكان المشركون على كثرتهم وعُدّتهم صفوة قريش،فموقف الإسلام من الشَّرك كان يومئذ موقف محنة.كان بين العُدوتين في بدر مفرق الطرق،فإما أن يقود محمد زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك.وقفت مدينة الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد على القليب،ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب!!فكان طريق وعَقبة، ونور وظلمة،وإله وشيطان!فأما أن يتمزق ثراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدد نور الله في هذا القفر،وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر،ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه الطريق، ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الموقعة!
(اللهم هذه قريش قد أتت بخُيلائها تحاول أن تكذب رسولك! اللهم فنصرك الذي وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الارض!) ذلك كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أمام العريش ووجهه إلى القبلة،ويداه إلى السماء، ورداؤه من الذهول في الله يسقط عن منكبيه فيرده الصِّديق ويقول: بعض هذا يا نبي الله فإن ربك منجز وعده!وماهي إلا خفقة من خفقات الوحي حتى نزل الوعد بالنصر،وجاءت البشرى بالجنة،فغاب المسلمون في إشراق عجيب من الإيمان،لا يرسم في أخيلتهم إلا الحُور،ولا يصور في عيونهم إلا الملائكة، وقذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهار السد الغليظ أمام النبع النابض من صخور بدر،وانجاب القَتَم الكثيف عن النور الوامض من ربوع يثرب،وانكشفت المعجزة الغلهية عن انتصار ثلثمائة على قرابة ألف!!
موقعة بدر الكبرى لاتذكر بخطتها وعدتها ونفقتها وعديدها في تاريخ الحرب،فلعلها في كل ذلك لاتزيد على معركة بين حيين في المدينة،إنما تذكر بنتائجها وآثارها في تاريخ السلم ،لأنها كانت حكماً قاطعاً من أحكام القدر غيّر مجرى التاريخ،وعدَّل وجهة الدنيا،ومكّن للعرب في دورهم أن يُبلغوا رسالة الله، ويؤدوا أمانة الحضارة،ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.
لم يكن النصر فيها ثمرة من ثمار السلاح والكثرة،ولكنه كان ثمرة من ثمار الإيمان والصدق،والإيمان الصادق قوة من الله فيها الملائكة والروح، وفيها الأمل والمثل،وفيها الحب والإيثار،فلا تبالي العَدد ولا ترهب السلاح ولا تعرف الخطر!
بهذا الإيمان الصادق خلق الله من الضعف قوة في بدر والقادسية واليرموك،وبهذا الإيمان الصادق جعل الله من البادية الجديبة والعروبة الشتيتة عمرانا طبق الأرض بالخير،وملكاً نظم الدنيا بالعدل،وديناً الّف القلوب بالرحمة.
إن اليوم السابع عشر من رمضان سيظل يوماً مشهوداً في تاريخ الأمة العربية بنزول القرآن وغلبة الحق“.
وقد اعتبر هذا النصر معجزة وتأييداً من الله عزّ وجلّ للدين الجديد،وقال صلى الله عليه وسلم شاكرأ أنعم الله عليه بهذا النصر العظيم“ الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصرعبده وهزم الأحزاب وحده„.
وقال أيضاً(الرسالة العدد936):
„وكانت معركة بدر في رمضان حكماً قاطعاً من أحكام القدر،غيّر مجرى التاريخ، وعدّل وجهة الدنيا،ومكّن للعرب في دورهم أن يبلغوا رسالة الله،ويؤدوا أمانة الحضارة،ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.كان المسلمون في بدر على ضرهم وفقرهم ثلث المشركين.وكان المشركون على كثرتهم وعدتهم صفوة قريش. فموقف الإسلام من الشرك كان يومئذ موقف محنة.كان بين العدوتين في بدر مفرق الطريق،فإما أن يقود محمد صلى الله عليه وسلم زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك.وقفت مدنية الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد صلى الله عليه وسلم على القليب،ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب.فكان طريق وعقبة،ونور وظلمة،وإله وشيطان،فإما أن يتمزق تراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدّد نور الله في هذا القفر،وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر،ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه السبيل،ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الوقعة.ولقد أراد الله أن تتم المعجزة فانتصر ثلاثمائة مسلم على قرابة ألف مشرك“.
وقال الأستاذ أحمد حسن الزيات في مقال آخر في الرسالة العدد1046:
„وأما يوم الفرقان فهو يوم التقى الجمعان:جمع المدينة وجمع مكة في بدر.وكان المسلمون على فقرهم وضرهم ثلث المشركين،وكان المشركون على كثرتهم وعدّتهم صفوة قريش.فكان موقف الإسلام من الشرك يومئذ موقف محنة…كان بين العدوتين الدنيا والقصوى من وادي بدر مفرق الطريق،فأما أن يقود محمد زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وإما أن يردّها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك،وقفت مدنية الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد على القليب،ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب،فكان طريق وعقبة،ونور وظلمة،وإله وشيطان،فإما أن يتمزّق تراث الإنسانية على هذا الصخر،ويتبدّد نور الله في هذا القفر،وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر،ويتصل الماضي بالمستقبل من هذا الطريق،ويبدأ التاريخ عهده الجديد من هذه الموقعة..وما هي إلا خفقة من خفقات الوحي حتى نزل الوعد بالنصر وجاءت البشرى بالجنة.فغاب البدريون في إشراق عجيب من الإيمان لايرسم في أخيلتهم إلا الحور،ولا يصور في لأعينهم إلا الملائكة وقذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهار السد الغليظ أمام النبع النابض من صخور بدر،وانجاب القتم الكثيف عن النور الوامض من ربوع يثرب.وانكشفت المعجزة الإلهية عن انتصار ثلثمائة على قرابة ألف.
إن موقعة بدر الكبرى لا تذكر بخطتها وعدتها في تاريخ الحرب،وإنما تذكر بنتلئجها وآثارها في تاريخ السلم،لأنها كانت حكماً قاطعاً من أحكام القدر غير مجرى التاريخ وعدل وجهة الدنيا ومكن للعرب في دورهم لأن يبلغوا رسالة الله ويؤدوا أمانة الحضارة ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.
ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 191):
„كذلك كانت معركة بدر حرباً مقدسة،أثيرت من أجل الحق والفضيلة والسلام والإسلام…فمشت إلى بدر(عصابة المجرمين) من قريش،مزهوة زهو اللصوص،شامخة بآنافها شموخ القتلة،مستكبرة استكبار قطاع الطرق…ومشت فرق الجنود المسلمين متواضعة لله خاضعة له،لا قوة لها إلا قوة الحق،ولا سلاح إلا سلاح الإيمان،ولا غرض لها إلا تطهير الأرض من أدران الشرك وأوضار الظلم ومحو الأرستقراطية السخيفة العاتية…
والتقتا في (بدر) فالتقى الحق بالباطل،والنور بالظلام،ووقف الجنود والحراس وجهاً لوجه…ووقف التاريخ على الطرق يرقب النتيجة ـ فإما أن ينتصر المسلمون فيمضي صعداً ويرقى في مدارج العلاء متوشحاً بوشاح الحضارة،وإما أن يندحروا فينحدر إلى الهاوية…فلم ينجل الغبار حتى خرجت راية محمد صلى الله عليه وسلم خفاقة منصورة وخرج اللصوص بين قتيل ملقى للسباع والطير قد خسر الدنيا والآخرة،وأسير في عنقه حبل يساق إلى (المحكمة)“.
ويقول الشيخ الدكتور العلامة يوسف القرضاوي عن غزوة بدر:“احتفل بها الله سبحانه وتعالى في كتابه، وذكر اسمها بالنص، فقال تعالى:{ولقد نصرَكُم اللهُ ببدرٍ وأنتُم أذلة}[آل عمران123]، وسمّى يومها يوم الفرقان:{وما أنزلنا على عبدنا يومَ الفرقانِ يومَ التقى الجمعان}[الأنفال 41]، وأنزل في شأنها سورة تتلى هي سورة الأنفال.
احتفل الله سبحانه وتعالى ببدر، واحتفلت بها الملائكة، فإن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:“ماتعدون أهل بدر فيكم؟قال: من أفضل المسلمين“ أو كلمة نحوها، قال جبريل: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة“.
واحتفل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينما ارتكب أحد الصحابة خطيئة كبيرة، تعد في عصرنا نوعاً من الخيانة العظمى، حين أراد أن يُفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أراد فتح مكة وغزو مكة، وأرسل إلى قريش بخبره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يباغتهم بالفتح، فيجبرهم على التسليم بأقل الخسائر الممكنة، أو بدون خسائر، وقال: „اللهم خذ العيون والأبصار عن قريش“. ولكن هذا الصحابي الجليل“حاطب بن أبي بلتعة ضعفت نفسه،ووسوست له الوساوس، فأراد أن يتخذ يداً عند أهل مكة، ويقدم لهم خدمة، لأنه لم يكن من ذوي عصبية معروفة، وليس له عشيرة قوية، فأراد أن يخدم أهل مكة،وقال في نفسه:مادام إن الله سينصر نبيه فلن يضره هذا..وهكذا.ولما اكتشف أمره، أراد عمر بن الخطاب أن يقتله، وقال: يارسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:“ياعمر، ومايدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر، فقال:اعملوا ماشئتم، فإني قد غفرت لكم“.
واحتفى الصحابة رضوان الله عليهم بأهل بدر،فكانوا يقولون: فلاناً بدرياً،يعني ممّن شهد بدرا، ويقولون:كان أبوه بدرياً،أو كان جده بدرياً،يعني كابراً عن كابر. فيمس الأبناء والأحفاد خير بدر وفضل بدر.ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:“ماالسر في تمجيد بدر، وتكريم بدر، وتعظيم بدر وأهل بدر إلى هذا الحد، فماهي بدر؟
إن بدراً من حيث الزمن هي ضحوة نهار،يعني لم تستمر كما استمرت حرب البسوس عند العرب، لمدة أربعين سنة،ولامثل الحرب العالمية الأولى أو الثانية لمدة خمس سنوات،وإنما هي ضحوة نهار. فهي من حيث الزمن بسيطة جدا.وأما بدر من حيث الأعداد الذين اشتركوا، فليس عدداً كبيراً، ليس مثل الحرب العالمية، التي اشترك فيها ملايين،وعشرات الملايين،ومئات الملايين،بل كان عدد المقاتلين من المسلمين نحو310 رجلا، والمشركون ثلاثة أضعاف المسلمين، يعني حوالي الألف.ومن حيث عدد الضحايا فليست بالملايين كما الحرب العالمية، بل لم يتجاوز عدد الشهداء من المسلمين 14 شهيدا، وكان عدد قتلى المشركين 70 قتيلاً ومثلهم من الأسرى.هذا يدل على أن هذه المعركة كانت بسيطة، فما سر هذا الاهتمام بهذه الغزوة؟
إن سر الاهتمام بهذه الغزوة، أنها كانت أول معركة يلتقي فيها الإسلام والكفر،يلتقي فيها التوحيد والوثنية،يلتقي فيها معسكر الرحمن ومعسكر الشيطان، معركة بين الله والطاغوت.
كان هؤلاء بالعدوة الدنيا،وهؤلاء بالعدوة القصوى، ولكن فرق مابين هؤلاء وهؤلاء، هو فرق مابين الحق والباطل، فرق مابين أبي جهل ومحمد صلى الله عليه وسلم، فرق كبير جداً.
وكانت أول مرة يلتقي هذان الفريقان وجهاً لوجه، فلو هُزم الإسلام في هذه المرة،لكانت كارثة، ثم هناك أمر آخر، هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، والقرآن آخر كتب الله نزولاً،والإسلام آخر شرائع السماء، وهذه الأمة آخر الأمم، ليس هناك أمة بعدها.
فلو هُزم المسلمون والرسول فهذا يعني أنه لم يعد هناك أحد يعبد الله وحده،وينتهي التوحيد من الأرض،ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم في بدر، بحرارة وحُرقة شديدة، يقول:“ اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم أنجز لي ماوعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم“ وظل يلحّ على ربه، وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه يربت على كتفيه، ويقول: هوّن عليك يارسول اله، فوالله لينصرنّك الله، وليُبيضن الله وجهك.
فهذه هي قيمة هذه المعركة، النتيجة المترتبة عليها،وهي بقاء التوحيد في الأرض، فلو ذهب محمد وأصحابه، سينتهي بذلك دور التوحيد في الأرض.
ولذلك كان نصر بدر، نصراً له قيمته في التاريخ،وكان جديراً أن يحتفي به القرآن، وتحتفي به السنة، ويحتفي به الصحابة، ويحتفي به المسلمون إلى يومنا هذا.ويتابع الشيخ القرضاوي:“هل نطمع في نصر كنصر بدر؟
لم لا نطمع أيها الأخوة في نصر كنصر بدر؟ الله هو الله، ولكن بشرط أن نكون مؤمنين كإيمان اهل بدر، نمشي على أقدامهم.أما أن نطمع في نصر كنصر بدر، ونحن جالسون لانقدم شيئا، ولانبذل شيئاً، ونقول : يارب انصرنا!
لابد أن ندعو ونحن نستعد للمعركة، وندعو ونحن في المعركة، في الميدان، كما جاء في القرآن:{ولما برزوا لجالوتَ وجنودهِ قالوا ربنا أفرِغ علينا صبراً وثَبت أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرين* فهزموهم بإذن الله}[البقرة 250 ـ 251].
النصر ممكن جداً، والملائكة التي نزلت في بدر، موجودة، جبريل عليه السلام وأعوانه موجودون، ولكنهم لايتنزلون إلا على المؤمنين{إذ يُوحي ربُّكَ إلى الملائكةِ أنّي معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوبِ الذين كفروا الرُّعبَ فاضربوا فوق الأعناقِ واضربوا منهم كُلّ بنان}[الأنفال12].
يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة ألقاها من إذاعة صوت العرب بالقاهرة في 15 أيار عام 1955):
„وقعة بدر هي أمُّ الوقائع في تاريخ الإسلام الحربي لأنها أول غزوة شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، بعد غزوات الاستطلاع. ويوم بدر هو يوم الفرقان لأنه أول يوم انتقلت فيه الدعوة الإسلامية من اللسان والحجة والنظر إلى السيف والدّم. وهي أول وقعة تقررت فيها قواعد الحرب وأحكامه وآدابه، وللحرب في الإسلام معنى غير المعنى الذي يعرفه الناس، وأحكام لم تحد عن العدل وآداب لم تخرج عن الرحمة، فالحرب في نظر الإسلام مفسدة لاترتكب إلا لدفع مفسدة أعظم منها، وأكبر المفاسد هي الوثنية التي هي آفة العقل والفكر وحجر عثرة في سبيلهما،ويليهما في الفساد والضرر الوقوف في وجه دعوة الحق وسدّ سبيلها إلى العقول والأفكار.وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمضى خمسة عشر عاماً في الدعوة باللسان الذي ينفذ الحكمة ويمد الرحمة، ويخاطب من الإنسان أشرف مافيه وهو العقل، فلاعجب بعد ذلك إذا التجأ إلى السيف الذي ينطف بالدم ويخطف الأرواح ويخاطب الأعناق والهامات.وفي غزوة بدر مواقع للعبر، ومكامن للعظات، ومآخذ للتشريع الحربي لسنن الله في الأسباب. ويتابع الشيخ رحمه الله:“والعبرة البليغة لقومنا العرب في زماننا هذا من وقعة بدر هي نصر الله للفئة القليلة على الفئة الكثيرة فلايقول المتوسمون في آيات الله وسننه: ان النصر كان خارقة غيبية وان كانوا يعتقدون ان النصر من عند الله يهبه لمن شاء، ولكنه لايهبه إلا بأسبابه وأحكم ماقال الحكماء الربانيون: إذا أراد الله شيئاً هيأ اسبابه.إن انتصار نيف وثلاثمائة على ثلاثة اضعافهم ليس خارقة غيبية الأسباب، وإنما هو جار على السنن المعتادة.هذا في الماديات ومثله في المعنويات، علمنا بانتصار الفئة القليلة على الكثيرة بإحسان التدبير، وإحكام الرأي، ولطف التحيل، فلماذا نغفل عن الإيمان والعقيدة،وأثرهما في انتصار أصحاب بدر على ثلاثة أضعافهم؟إن المسلمين انتصروا يوم بدر بالإيمان الصحيح القوي الذي ثبت العقائد فثبتت الإرادات فاندفعوا اندفاع من يريد أن يموت ليحيا دينه وقومه وبلاده.كانوا يعتقدون أن مايقاتلون عليه هو الحق من ربهم،وأن محمداً الداعية إلى هذا رسول الله الصادق الأمين،وأن موتهم في سبيل دعوته طريق إلى الجنة التي وعدوها، فتصوروا خلودها كرأي العين،ووعد الله بها كقبض اليد، وأنه ليس بينهم وبين دخولها إلا فراق الروح للجسد، وأن الموت لافرار منه، وأنه ملاقيهم ولابد،وأن هذه الأرواح ودائع أو بضائع، والودائع مسترجعة، والبضائع لها سوق ولها قيم،فاختاروا السوق ميدان الجهاد، والبيع لله، والقيمة رضاه وجواره.ويتابع رحمه الله: „ذلك اللقاء يوم بدر لم يكن بين طائفتين قليلة وكثيرة، وإنما كان بين عقيدتين حقّ وباطل، وإرادتين مصممة وواهنة،وحسب الحق في عالم الظهور أن يجد من يمثله، فإذا وجد سقطت معه مقاييس اللغة والكثرة والقلة من الحساب والاعتبار،ومثاله في عالم الشهود قطعة من الحديد توازن بأضعاف حجمها من القطن،ولما ظهرت هذه السنة عملياً في بدر، جاء القرآن بتقريرها علمياً في سورة الأنفال: {إن يَكُن منكُم عِشرونَ صابرونَ يَغلبوا مائتينِ وإن يَكُن منكُم مائةٌ يغلبوا الفاً من الذين كفروا بأنَّهم قوم لايفقهون* الآن خفَّفَ اللهُ عنكُم وعَلم أنَّ فيكُم ضَعفاً فإن يكُن منكُم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكُن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذنِ الله والله مع الصابرين}.[الأنفال 65 ـ 66].
يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
“ أفترون المسلمين يوم بدر، أفترونهم يومئذ خاضوا المعركة في قلة من العدد والعُدد ثم انتصروا على أقرانهم من أبناء عمومتهم ومواطنيهم نصراً مؤزراً خلّده القرآن الكريم في مُحكم آياته، أفترونهم استطاعوا أن يحرزوا هذا النصر لولا أن الصيام بثّ فيهم من القوة ونصرة الحق والحرية الروحية الكاملة ما جعلهم يخوضون المعركة أقوياء أحرارا؟إن بطشوا بطشوا بقوة الله، وإن رَموا رموا بعزّة الله، وإن صالوا وجالوا كانت قوة الحقّ وإشراقة الروح هي التي تسدد لهم الهدف وتدلهم على مقاتل الأعداء. ويتابع رحمه الله: “ ثم هل ترون معاركنا التي انتصرنا في اليرموك والقادسية وجلولاء وحطين وغيرها، هل كانت تتم بهذه الروعة المعجزة التي لاتزال تذهل كبار الباحثين في أسرارها، لولا أن أهلها كانوا يتخلّقون بخلق الصائمين، من عفة وسمو، وتضحية وفداء، وتحمل للشدائد، وخضوع لله واستعلاء على كل ماسواه، واستهزاء بقوى الباطل مهما كثرت؟ ذلك أنهم وصلوا أرواحهم بقوة الله، ومن ذا الذي يغلب الله؟ انتهى كلام السباعي .
ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 734):
„في يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وفي السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى،وهي الواقعة العظيمة التي فرّق الله فيها بين الحق والباطل،وأعزّ الإسلام ودمغ الكفر وأهله ،وكانت فيصلاً في تاريخ الإسلام.
كانت بدر الكبرى هي المنّة العظمى على البشر جميعاً،إذ أتاح الله يومئذ للمسلمين أن يسيحوا في الارض،وأن ينصروا الله وأن يجعلوا كلمته هي العليا،وأن يردوا العرب إلى شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام وهي الحنيفية السمحة،فانكشفت خلائق العرب بنبلها وكرمها وعدلها وصفائها حتى لم يبق على ظهر الأرض من بلغته الدعوة،أو من رأى هؤلاء الأحرار المؤمنين حتى تبع قبلتهم وآثرهم بالحب،فمكّن الله للعرب أن يفتحوا الأرض ويثلوا العروش ويملكوا ما أظل ملك كسرى وقيصر في ثمانين عاماً،وأقاموا حضارة قامت على العدل والمساواة والإنصاف والتسامح،وعلى رعاية أهل الأديان وحياطتهم،وعلى ردّ بغي الباغين وعدوان المعتدين من أي مِلة كانوا“.
ويقول الأستاذ محمد سعيد الطنطاوي (رسائل مسجد الجامعة ـ المجموعة الثالثة ـ مقال:صور ومواقف قبيل معركة بدر):
„وبدر هي الفيصل بين عهدين ،وفيها من الصور المثيرة والمعاني الرفيعة ما يتعذر حدّه وحصره.
ومن أوائل الصور التي نصادفها فيها،صورة الكتيبة المؤمنة،يزيد أفرادها قليلاً على ثلاثمائة،ليس لهم إلا سبعين بعيراً،يعتقبونها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنهم يعتقبون بعيراً.أبى عليه الصلاة والسلام إلا أن يواسي أصحابه بنفسه ،ويكون فيهم كأحدهم ،حتى يبين الشكل الصحيح للأمير الأمين في المجتمع السليم.
ونسير مع كتيبة الإيمان فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم،يستشير الناس ويخبرهم عن قريش،فيقوم أبو بكر الصديق فيقول فيحسن ،ثم يقوم عمر بن الخطاب فيقول فيحسن،ثم يقوم المقداد بن عمرو فيقول:“يا رسول الله إمض لما أراك الله فنحن معك،والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:{فاذهبْ أنتَ وربِّكَ فقاتلا إنا هَهُنا قاعدون}ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون،فوالذي بعثكَ بالحق لو سرت بنا إلى بَرك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ويدعو له به.ثم يقول:أشيروا علي أيها الناس.إنما يريد الأنصار،الذين كانوا معظم الجيش،يتعرف إلى نواياهم أيرون نصرته في كل وجه وكل مسير،أم يقتصرون في نصرهم له على الدفاع عنه أمام من يدهمهم في المدينة؟والجيش الذي يعتمد عليه في المعركة هو الذي يؤمن أفراده بهدفهم ويندفعون إلى بذل نفوسهم في سبيله،لا أن يساقوا سوقاً ويدفعوا إليه دفعاً.
وينتبه سعد بن معاذ ـ حامل راية الأنصار ـ لهذا فيقول:والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل.قال:فقد آمنا بك وصدقناك،وشهدنا أن ما جئت به هو الحق،وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة،فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك،فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك،وما تخلّف منا رجل واحدنوما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداًنإنا لصبرُ في الحرب صُدق في اللقاء لعلَّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسرْ بنا على بركة الله.
فيُسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وينشّطه ذلك فيقول:سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.
ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج مع أبي بكر الصديق ليتحسس أخبار العدو،يرى شيخاً من العرب،يقال إنه سفيان الضّمري،فيسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم،فيجيب الشيخ لا أخبركما حتى تُخبراني ممن أنتما،فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا أخبرتنا أخبرناك،ويستقصي الشيخ فيقول:أو ذاك بذاك؟فيجيبه :نعم.فيقول الشيخ:فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا،فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا،وللمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم،وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا،فإن كان الذي أخبرني صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا،للمكان الذي به قريش،فلما فرغ من خبره قال:من انتما؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:نحن من ماء،ثم انصرف عنه،ويأخذ الشيخ يقول:ما من ماء،أمن ماء العراق؟.
ونعجب ممَّ نعجب؟أمن مواساة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لأصحابه بنفسه،إذ يذهب هو والصديق لتسقط الأخبار،لا يخلد إلى راحة،ولا يجد الفزع إلى قلبه طريقاً،أم من هذا الجواب المحكم الذي أجاب فيه الرجل ـ دون اللجوء إلى الكذب ـ عما سأل،بغير أن يعرّض المسلمين إلى الخطر،بكشف أمرهم،وتسرّب خبرهم إلى قريش،فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب…
ولا يكتفي الرسول الحكيم بهذا،فيعلمنا كيف نعدّ للأمور عدتهانونستقصي في ذلك جهدنا،ونستفرغ وسعنا،وذلك حين يبعث في أمسية اليوم ذاته ،علي بن أبي طالب،والزبير بن العوام ،وسعد بن أبي وقاص،في نفر من اصحابه،إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه.ويطيع هؤلاء النفر الأبطال،بدون تردد،وبغير مناقشة فيجدون على الماء غلامين لقريش،يقال لأحدهما أسلم،وللآخر عريض،أبو يسار،أرسلوهما ليحملا إليهم من الماء.فأتوا بهمانوسألوهما ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ـ فهذا من الإعداد أيضاً،بل من أهم الإعداد،فقالا:نحن سقاة قريش،بعثونا نسقيهم من الماء.فكره القوم خبرهما،ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ـ للقافلة التي خرجوا في طلبها،ليوهنوا بأخذها قريشاً ويرهبوهم ،ويقووا المسلمين بها على حربهم ـفضربوهما،فلما اشتدّوا في ضربهما قالا:نحن لأبي سفيان فتركوهما!فلما أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته،وسلّم قال:إذا صدقاكم ضربتموهما،وإذا كذباكم تركتموهما؟صدقا والله،إنهما لقريش،أخبراني عن قريش.قالا:هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:كم القوم؟قالا:كثير.قال: ماعدّتهم؟قالا: لاندري.قال: كم ينحرون كل يوم؟قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراًزفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:القوم فيما بين التسعمائة والألف.ثم قال لهما:فمن فيهم من أشراف قريش؟قالا:عتبة بن ربيعة،وشيبة بي ربيعة،وأبو البختري بن هشام،وحكيم بن حزام،ونوفل بن خويلد،والحرث ابن عامر،وطعيمة بن عدي بن نوفل،والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود،وأبو جهل بن هشام ،وأمية بن خلف،ونُبيه ومُنبه ابنا الحجاج،وسهيل بن عمرونوعمرو بن عبد ودّ…فأقبل رسول الله صلى الله على الناس،فقال:“هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها“.
وها نحن أيضاً في موقف جديد،نرى فيه فراسة المؤمن،وصفاء نظر النبوة،وآثار الصلاة في النظر إلى الأمور،في ذلك الموقف الذي ظهر فيه الإصرار على البغي،والتعنت فيه،ومغبة ترئيس الجهلة البغاة،وسوء المنقلب في طاعتهم واتباعهم.وذلك حين ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت،فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تنحدر من الكثيب،قال:„اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها،تحادُّك وتُكذِّب رسولك،اللهم فنصركَ الذي وعدتني،اللهم أحِنُهُم الغداة„ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر،فقال:“إن يكن في أحد من القوم خير،فعند صاحب الجمل الأحمر،إن يطيعوه يرشدوا“.
وقام عتبة بن ربيعة خطيباً في قومه فقال: يا معشر قريش،إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً،والله لئن أصبتموه،لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه،قتل ابن عمه،أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته،فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب،فإن أصابوه فذاك الذي أردتم،وإن كان غير ذلكنألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون“.
قال حكيم بن حزام:فانطلقت حتى جئت أبا جهل،فوجدته قد نثَل درعاً من جرابها(أي أخرجها منه)فهو يهيئها،فقلت له:يا أبا الحكم،إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا،فقال:انتفخ والله سَحره(أي رئته يعني خاف وفزع )حين رأى محمداً وأصحابه،كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد،وما بعتبة ما قال،ولكنه رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور،وفيهم ابنه فقد تَخوَّفكم عليه.ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال:هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس،وقد رأيت ثأرك بعينك،فقم فانشد خُفرتك(أي عهدك ومقتل أخيك)فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ:واعمراه!واعمراه! فحميت الحرب،واشتدّ الأمر،وأجمع الناس على ماهم عليه من الشر فأفسد على الناس ال{اي الذي دعاهم إليه عتبة“.
ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني رحمه الله(الرسالة العدد 247):
„وكانت النفرة الأولى إلى بدر،حيث تصاول الخير والشر كفاحاً،وحيث وقف المؤمنون صفاً واحداً سلاحهم التقوى وإيمان بالله لا يتزعزع،واثقين بأنه لا بد ناصرهم مع قلتهم وضعفهم على الشرك وأهله الذين خرجوا بطرين مستطيلين،عادين على الله وعلى رسوله والمسلمن.ولقد صدق المسلمون يومئذ الحملة وأخلصوا النية،وأرخصوا في سبيل الله دماءهم وأموالهم فنصرهم الله النصر المؤزر،ورجعوا إلى المدينة مغتبطين بما أذل الله من الباطل ورفع من الحق،وما مكن لهم من صناديد قريش حتى أوسعوهم قتلاً وأسراً.
ويقول الأستاذ الدكتور محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله(مقال:غزوة بدر في القرآن الكريم):
„إن غزوة بدر كانت فرقاناً بين الحقّ والباطل ،وكانت المعركة التي تحققت بها العزة للإسلام ولحملته وأتباعه،لقد انتصرت فيها القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة بإذن الله، وينطبق عليها مضمون ما ذكرته الآية الكريمة:{قُلْ للّذينَ كفروا سَتغلبونَ وتُحشرونَ إلى جهنَّمَ وبئسَ المِهادُ*قد كانَ لكم آيةٌ في فئتينِ التقتا فِئةٌ تُقاتِلُ في سبيل الله وأخرى كافرةٌ يَرونهم مِثليهم رأيَ العَينِ والله يؤيدُ بِنصرهِ من يشاءُ إنَّ في ذلكَ لَعبرةً لأُولي الابصارِ}[آل عمران 12 ـ 13].
فلننظر خبر هذه الغزوة العظيمة في كتاب الله عز وجلّ .
قال الله تعالى:{ولقد نَصَركُمُ اللهُ ببدرٍ وأنتُم اذِلَّةٌ فاتَّقوا الله لعلَّكم تشكرونَ*إذ تقولُ للمؤمنينَ ألَن يَكفيَكُمْ أن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بثلاثةِ ىلافٍ من الملائكةِ مُنزَلينَ*بلى إن تصبروا وتَتَّقوا ويأتوكُم من فَورِهمْ هذا يُمدِدكمْ رَبُّكم بِخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ*وما جعلهُ الله إلا بشرى لكُم ولِتطمئنَّ قُلوبُكُم بهِ وما النَّصرُ إلا من عندِ الله العزيزِ الحكيم}[آل عمران 123 ـ 126}.
وقد ذكر الله سبحانه مسير القوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشاً قد ساروا إليهم يريدون الحرب والقضاء على الرسول ودينه،وهم خرجوا يريدون العير طمعاً في الغنيمة،فقال تعالى:{وإذ يَعِدُكُمُ اللهُ إحدى الطَّائفتينِ أنَّها لكُم وتَودُّونَ أنَّ غيرَ ذاتِ الشَّوكةِ تكونُ لكُم ويُريدُ اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بِكلماتهِ ويقطعَ دابرَ الكافرينَ}[الأنفال 7].
وتصور السورة حال المسلمين في قوله تعالى:{إذ تستغيثونَ رَبَّكُمْ فاستجابَ لَكُم أنِّي مُمِدُّكُمْ بالفٍ من الملائكةِ مُردِفينَ*وما جَعلهُ اللهُ إلا بُشرى ولِتطمئنَ بهِ قُلوبُكمْ وما النَّصرُ إلا من عندِ الله إنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ}[الأنفال 9 ـ 10].
وجاء في السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى المشركين بالحصباء من يده فقال تعالى:{وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى}[الأنفال 17].
وفي السورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن الكفار قليلون،وهذا من لطف الله بنبيه:{إذ يُرِيكَهُمُ الله في منامِكَ قليلاً ولو أراكَهُم كثيراً لَفشلتُم ولتنازعتُم في الأمرِ ولكنَّ اللهَ سَلَّمَ}[الأنفال 43].
ومرة أخرى أراكهم عند اللقاء قليلين،ليقضي الله أمراً فيه الخير،قال تعالى:{وإذ يُريكُمُهُم إذ التقيتُم في اعينِكُمْ قليلاً ويُقَلِّلُكُم في أعينُهِم ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً}[الأنفال 44].
يقول الشاعر عمر أبو ريشة في غزوة بدر:
وقفَ الحقُّ وقفةً عند بدر شحذتْ في الغيوبِ سيفَ القضاءِ
ووراءَ التلالِ ركبُ أبي سف يان يحمي سريّة الفيحاء
وقريشٌ في جيشها اللجب تسعى بين وهجِ القنا وزهو الحداءِ
بلغت منحنى القليب ولفّتْ مَنْ عليهِ ببسمةِ استهزاءِ
وأرادت أكفاءها فتلقّا ها عليٌّ ذؤابةُ الأكفاءِ
جَزَّ بالسيفِ عنقَ شيبة وارتدَّ إلى صحبهِ خضيبَ الرداءِ
وعيونُ النبيِّ شاخصةً تر قصُ في هُدبها طيوفُ الرجاءِ
ودنتْ منهُ عصبة الإثمِ والموتِ على راحها ذبيح عياءِ
فرماها بحفنةٍ من رمال ورنا ثائر المنى للعلاءِ
ودعا“شاهت الوجوه“ فيا أر ض اقشعري على اختلاج الدعاءِ
قضى الأمر يا قُريشُ فسيري للحيِّ واندبي على الأشلاءِ
واحذري الطيب أن يمس غلاماً في ندىً أو غادةً في جناءِ
يومُ بدر يومٌ أغرُّ على الأيامِ باقٍ إن شئتِ أو لم تشائي
ركزَ اللهُ فيهِ أسمى لواءٍ وجثا الخلدُ تحتَ ذاكَ اللواءِ
وقال حسان بن ثابت:
سرنا وساروا إلى بدر لحينهمو لو يعلمون بعين العلم ما ساروا
دلاهمو بغرور ثم أسلمهم إن الخبيثَ لمن والاهُ غرارُ
وقال: إني لكم جار،فأوردهم شرّ الموارد،فيه الخزي والعارُ
وقال حسان بن ثابن معيراً فرار الحارث بن هشام وتركه أخاه أبا جهل يقتل في ميدان القتال:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام
وبنو أبيه ورهطه في معرك نصر الإله به ذوي الإسلام
وقال حسان بن ثابت ايضاً في غزوة بدر:
وخَبّرْ بالذي لا عيبَ فيه بصدقٍ غيرَ أخبارِ الكذوبِ
بما صنعَ المليكُ غداةَ بدرٍ لنا في المشركينَ من النصيبِ
يُناديهم رسولُ الله لمّا قذفناهمْ كباكبٌ في القليبِ
ألم تجدوا كلامي كان حقاً وأمرُ اللهِ يأخذُ بالقلوبِ
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا صدقتَ وكنتَ ذا رأيٍّ مُصيبِ
وقال كعب بن مالك الأنصاري:
عجبت لأمر الله، والله قادر على ما أراد ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقي معشراً بغوا،وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستنفروا من بليهم من الناس،حتى جمعهم متكاثر
بهن أبدنا جمعهم،فتبددوا وكان يلاقي الحين من هو فاجر
قخرّ أبو جهل صريعاً لوجهه وعتبة قد غادرنه وهو عائر
وشيبة والتيمي غادرن في الوغى وما منهم إلا بذي العرشِ كافرُ
فأمسكوا وقود النار في مستقرها وكل كفور في جهنم صائرُ
تلظى عليهم ،وهي قد شبّ حميها بزبرِ الحديدِ والحجارة ساجر
يقول الشاعر محمود حسن اسماعيل في غزوة بدر(الرسالة العدد180):
خَفقَ العرشُ بالنشيدِ المطهرْ فدع الشعرَ والأغاني…وكَبِّرْ
رجفتْ في الجنان كالزعزع القصَّ افِ تدوي بجانبيَّ وتزأرْ
من فجاجِ الغيوبِ هاجت صباحاً ثورةٌ في الرمالِ هبّتْ تُزمجرْ
قيل بدرٌ فزلزلت هدأة النأي وكاد النشيدُ بالدمِّ يقطر
أقبلت كالعجاجِ في هبوة الحرْبِ (قريشٌ) على الحياضِ تُنَفِّرْ
حشدوا موكبَ المنايا وخفَّوا لضياءِ الإلهِ غاوينَ فجّرْ
يتراءونَ كالصواعقِ في الرمال ووجهُ الضحى من الروعِ أغبرْ
كالشياطينِ جلجلت في دجى الليلِ وهاجت في البيد تعوى وتُصفرْ
أرزمت فوقهم سيوفهم،وريعت من تناديهمُ أضاءةٌ ومغفرْ
زلزلوا راسي الجبال ،وراحتْ منهمُ البيدُ تقشَّعر وتذعرْ
ومضى الشركُ بينهم مزعج الهي جة طيشانَ كاللّظى المتسعِّرْ
جمَّع الهول كلّه في يديه ومضى بالحِمامِ في الهولِ يزفرْ
إن يكن كبرهُ أجنَّ البلايا لنبيِّ الإسلام…فالله أكبرْ
وعلى التلِّ خاشع في عريشٍ قُدسيِّ الظلالِ زاكٍ مُنوَّرْ
كاد من طيبهِ الجريدُ المُحنَّى من ذُبولِ البِلى يميس ويُزهرْ
هالةٌ تسكبُ الجلال،وتندى بوميض الهدى يُفيق ويسحرْ
لو رمتْ كاسف البصيرة أعمى عاد منها مُبلج القلب أحورْ
باسطٌ كفّهُ إلى الله يدعو: رَبِّ حُمَّ القضا لدينكَ فانصرْ
إن أجناديَ البواسلَ قُلٌّ وخميس العدو كالموج يَزخرْ
خفقةٌ من كرى تجلّتْ عليه مال من طهرها الرِّداءُ المُحبَّرْ
وإذا الوحيُ بارقٌٌ مُستهلٌّ من سماء الغيوب هَنَّا وبَشّرْ