رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ (5/7)
„في كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، ولعقله، وإرادته، ودع عنك الأركان الخمسة، فالامتحان فيها واضح المعنى بيِّن الأثر، وجاوِزها إلى أمُهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لايكمل إيمان المؤمن إلا بها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في القول والعمل، والصبر في مواطنه، والشجاعة في ميدانها،والبذل في سبله، فكلُّ واحدة، أو في كلُّ واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قِيَمٌ،وتهبط قِيَمٌ،وفي التوحيد امتحان لليقين، واليقين أساس السعادة، وفي الصلاة امتحان للإرادة، والإرادة أصل النجاح، وفي الحج امتحان للهمم بالسير في الأرض، وهو منبعُ العلم، وفي الصوم امتحان للصبر، والصبر رائد النصر.ويتابع رحمه الله : „غير أن الصوم أعسرها امتحاناً، لأنه مقاومة عنيفة لسلطات الشهوات الجسمية، ومقاوم الشهوات في نفسه أو في غيره قلّما ينتصر،فإن انتصر فقلّما يقف به الانتصار عند حدِّ الاعتدال،بل كثيراً مايجاوزه إلى أنواع من الشذوذ والتنطع،تأباها الفطرة والعقل، وهذه الروح المقاومة في الصوم هي التي راعتها الأديان والنِّحل، فجعلت الصوم أحدى عبادتها، تروض عليه النفوس المطمئنة، وتروض به النفوس الجامحة، ولكن الصوم في الإسلام يزيد عليها جميعاً في صوره ومدته، وفي تأثيره وشدته،فمدته شهر قمري متتابع الايام،وصورته الكاملة فطم عن شهوات البطن والفرج واللسان والأذن،وكل مانقص من أجزاء ذلك الفطام فهو نقص في حقيقة الصوم،كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة عن صاحب الشريعة، وكما تقتضيه الحكمة الجامعة من معنى الصوم، فلا يتوهمنَّ المسلم أنّ الصوم هو ماعليه العامة من إمساك تقليدي عن بعض الشهوات في النهار، يعقبه انهماك في جميع الشهوات بالليل،فإن الذي تشاهده من آثار هذا الصوم العرفي إجاعة البطن، وإظماء الكبد، وفتور الأعضاء، وانقباض الأسارير،وبذاءة اللسان، وسرعة الانفعال،واتخاذ الصوم شفيعاً فيما لايحب الله من الجهر بالسوء من القول، وعذراً فيما تبدر به البوادر من اللجاج والخصام والأيمان الفاجرة!!كلا، إن الصوم لايكمل، ولاتتم حقيقته، ولاتظهر حكمته ولاآثاره إلا بالفطام عن جميع الشهوات الموزَّعة على الجوارح،وللأذن شهوات في الاستماع، وللعين شهوات في امتداد النظر وتسريحه على الجوارح كلها،وإنّ له لضرواة بتلك الشهوات لايستطيع حبسه عنها إلا الموفَّقون من أصحاب العزائم القوية، وأنّ تلك الضراوة هي التي هوّنت خطبه حتى على الخواص، فلم يعتبروا صوم اللسان من شروط الصوم، وأعانهم على ذلك التهوين تقصير الفقهاء في تعريف الصوم،وقصرهم إياه على الإمساك عن الشهوتين، وافتتانهم بالتفريعات المفروضة، وغفلتهم عما جاء في السنة المطهرة من بيان لحقيقة الصوم وصفات الصائم.ويتابع رحمه الله : „صوم رمضان محكٌّ للإرادات، وقمع للشهوات الجسمية، ورمزٌ للتعبُّد في صورته العليا، ورياضة شاقة على هجر اللذائذ والطيبات،وتدريب منظم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت، ودرس مفيد في سياسة المرء لنفسه،وتحكُّمه في أهوائها، وضبطه بالجدِّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيهان وتربية عملية لخلق الرحمة بالعاجز المعدم، فلولا الصوم لما ذاق الأغنياء الواجدون ألم الجوع ولما تصوروا مايفعله الجوع بالجائعين وفي الإدراكات النفسية جوانب لايغني فيها السماع عن الوجدان،ومنها هذا، فلو أنّ جائعاً ظلَّ وبات على الطوى خمساً، ووقف خمساً أخرى يصوِّر للأغنياء البِطان مافعل الجوع بأمعائه وأعصابه، وكان حاله أبلغ في التعبير من مقاله، لما بلغ في التأثير فيهم ماتبلغه جوعةٌ واحدةٌ في نفس غنيٍّ مترفٍ.لذلك كان نبيُّنا إمام الأنبياء، وسيد الحكماء، أجود ما يكون في رمضان.انتهى كلام الشخ الإبراهيمي.
والشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في مقال له بعنوان“ رمضان شهر القوة“:
„المسلم في رمضان يصبر على وطأة الجوع والعطش، ويترك كل مااعتاده في النهار من ملذات ومرطبات ومنعشات، يصبر على الحرمان من ذلك كله بطواعية واختيار، لاخوفاً من سجن ولارهبة من عقاب في جسمه أو ماله،والصبر الاختياري على ملذات النفوس وأهوائها أكثر فائدة للنفس وللأمة من الصبر الذي تحمل عليه الفاقة،أو يُلجئ إليه الحرمان، أو تبعث عليه الرهبة من العقاب أو العذاب.إن الجندي الذي يتعلم الصوم اختياراً في أيام السلم، لن يكون أكثر صبراً على الجوع في قلب المعركة حين يحيط به العدو وينقطع مابينه وبين قيادته، كذلك الجندي المسلم الذي تحمل الصبر على الجوع شهراً من كل سنة، وبضع عشرة ساعة من كل نهار، حتى صار الصبر عنده على الدخان والشاي والقهوة ـ إن كان من المستهترين بها ـ أمراً اعتيادياً في شهر الصوم.إن الصبر على الشدائد قوة معنوية من أقوى الأسلحة التي تتسلح بها الأمم في كفاحها وحروبها، والصبر على الحرمان في قلب المعركة من أهم ماينتصر به الجيش على أعدائه، ونحن نعلم أن من أكبر مشكلات القيادة الحربية في العصر الحديث، تموين الجيوش بالطعام والغذاء“ .
سادساً ـ وشهر رمضان هو شهر إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق:
القصد من الصيام وأداء فريضته : الإصلاح والتهذيب،وحسن الأخلاق، لاتعذيب النفوس بنحو الجوع والعطش ، وكبح شهوات البطن والفرج، أضف إليها كبح الشهوات التي تصدر عن الحواس وخاصة السمع والبصر واللسان.وكفُّ الجوارح كلها عن المحرمات وتجنب الانهماك في الشهوات المحرمة، كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش..والصيام أظهر عبادة في مقاومة الغريزة الحيوانية في كفِّ النفس عن الطعام والشراب وكل الشهوات.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 217 بتاريخ التاسع من نوفمبر عام 1904):
يقول تعالى:{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، ذكر الله تعالى حكمة إيجاب الصيام علينا فقال(لعلكم تتقون)، ومعنى (لعل) الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأناً، وأنصعها برهاناً، وأظهرها أثراً،وأعلاها خطراً،(شرفا)أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لارقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسرٌّ بين العبد وربه لايشرف عليه أحد غيره سبحانه،فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغيبة له من أكل نفيس وشراب عذب بارد وفاكهة يانعة وغير ذلك أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها لاجرمَ أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه وتعالى أن يراه حيث نهاه.وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لسعادة الروح في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً.انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟هل يحتال على أكل الربا؟هل يقترف المنكرات جهاراً؟هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارا؟كلا، وإذا نسي وألمّ بشئ منها يكون سريع التذكر قلايب الفيئ والرجوع بالتوبة الصحيحة{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فالصيام أعظم مرب للإرادة وكابح لجماح الأهواء فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل مايعتقد أنه خير لاعبداً للشهوات.
ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لايجد قوتاً فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذلك أمرهم بالتأسي به بل وصف المؤمنين بقوله(رحماء بينهم).
ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أديب العربية الأول رحمه الله في مقالة له بعنوان“ مدرسة الثلاثين يوماً“ يقول:
„هذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضاً ليتساوى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من ملك الملايين من الدنانير، ومن ملك القرش الواحد،ومن لم يملك شيئاً. كما يتساوى الناس جميعاً في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم، وفي ذهاب تفاوتهم الإجتماعي بالحج الذي يفرضه عليه من استطاع.فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لافيها،وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لاحين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة.ولو حققت رأيت الناس لايختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولابأنسابهم ولابمراتبهم، ولابما ملكوا، وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون على العقل والعاطفة، فمن البطن نكبة الإنسانية، وهو العقل العملي على الأرض.وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة، مدّ البطن مدّه من قوى الهضم فلم يبق ولم يذر.ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه سواء: ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحسّ واحد وطبيعة واحدة، ويحكم الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه، فيمسك حواشيه العصبية في الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثة من دخينة.وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم الرحمة ويدعو إليها،فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة،وهي التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته، ومن هذين(الاطمئنان والمساواة) يكون هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا المجتمع الإنساني.ويتابع رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه: „من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم،إذ يبلغ اشد المبالغة، ويدقق كل التدقيق، في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة،فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولاطريقة غيرها إلا النكبات والكوارث، فهما طريقتان، كما ترى، مبصرة وعمياء، وخاصة وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة.ومتى تحققت رحمة الجائع الغنيّ للفقير أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة، فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول “ أعطني“ ثم لايسمع منه طلباً من الرجاء، بل طلباً من الأمر لامفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى من كان في مثل بلائه“ .ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنارالعدد43):
„أما الصوم الذي هو عبادة الشهر فرياضة بدنية،وتأديب للشهوة البهيمية،وإشعار للغني المنعم، بحاجة الفقير المعدم،بحيث تتحرك عاطفة الشفقة بالإحسان إليه، ويعظم في نفسه مقدار الله عليه،لأن الأشياء تدرك قيمتها بفقدها،والأمور تعرف بضدها، فمن غلبته الشهوة على نفسه، وملكت عليه أمره،فلم يصم فهو حيواني الطبع يزاحم الخنزير والقرد في خاصيتيهما وإن من الحيوانمايمسك عن الطعام والشراب لعلة الشرف فيقال إن الأسد لايأكل من فريسة غيره
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه
ومن آداب الصيام كف الجوارح كلها عن المحرمات وأي اعتبار للكف عن الشهوات المباحة كالأكل والوقاع في الحل مع الانهماك في الشهوات المحرمة كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش، وقد ضرب الإمام الغزالي للصائم المنهمك في المعاصي مثل من يبني قصراً ويهدم مصراً „.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(وحي الرسالةج1 ص81، والرسالة العدد 25 بتاريخ 25 ديسمبر 1933) في مقال له بعنوان “ رمضان“ :
„نعم رمضان! ولابد من رمضان بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش مستكلب النفس مستأسد الهوى متنمر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البر في شعوره،ويرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق والخير مايمسكها العام كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس.فرمضان رياضة للنفس بالتجرد، وثقافة للروح بالتأمل، وتوثيق لما وهى بين القلب والدين،وتقريب لما بعد بين الرقة والمسكين، وتأليف لما نفر من الشمل الجميع، وتندية لما يبس من الرحم القريبة، ونفحة من نفحات السماء تفعم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة.ورمضان ثلاثون عيداً من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور، وتشرق لياليها بالنور، وتفتر مجالسها بالأنس.ويتابع رحمه الله: „ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق. يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة ممتزجة الروح، متحدة العقيدة، متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة“.
ويتابع رحمه الله:“ولكن رمضاننا الأول وا اسفاه لم يخفَّ على طبع المدينة الحديثة!فرمته بقلة الإنتاج وكثرة الإهلاك وشل الحركة وقتل الصحة،ونفته إلى أحياء العمال وقرى الفلاحين، واتخذت لنفسها من بقايا رمضان آخر رقيق الدين، خفيف الظل،باريسي الشمائل، يبيح النظرة المريبة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والسيجار الغليظ،ولا يسالهم من ظرفه إلا أن يجعلوا العشاء عند الفروب وبعد طلقة المدفع!وإذا كان في بيوت المحافظين قارئ يقرأ القرآن، وذاكر يذكر الله،فليكن في بيوت المتجددين(راديو)يرجّع اصوات الغناء،وحاك يردد أهازيج الرقص!
وهكذا تجدُّ الليالي ونحن نلعب!كأنما كتب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فنتأثر بها ولانؤثر فيها،وكأنما همنا أن نعيش صعاليك على تقاليد الأمم دون أن تميزنا خصيصة من قومية،ولا شعيرة من عقيدة!
ويقول في مقال آخر (وحي الرسالة ج1 ص406) بعنوان „الصيام بين عهدين نشره عام 1937م:
„كان عهدنا بالصوم قبل اليوم أن يكون عصياناً للنفس في طاعة الله، وحرماناً للجسم في مبرّة الروح،ونكراناً للذات في معرفة الناس فالجوارح مغلولة عن الأذى، والمشاعر مكفوفة عن الشهوة، والخواطر مستغرقة في الدعاء،بين نهار كله إحسان وتأمل وتصدق، وليل كله قرآن وتواصل وتهجد. فلا الغني يهيج به البطر، ولاالقوي تفرط عليه القدرة، ولاالفقير يتجهم له الحرمان، وكأنما زالت الفروق بين الناس فأصبحوا سواسية في نعمة الدين وسعادة الدنيا. ويتابع رحمه الله: „كان الرجل الدنيوي الشهوان إذا أقبل عليه رمضان تاب وتطهر، فلايفتح فمه لهجر، ولاعينه لفحش، ولاأذنه للغو، ولاقلبه لخطيئة.يقضي يومه مضطرباً في المعاش على أفضل مايكون الخلق. فإذا كان تاجراً لايدلس، أو صانعاً لايزور أو عاملاً لايفرط، أو معاملاً لايخون. ويحيي ليله في استماع القرآن ومواصلة الأخوان وموادة ذوي القربى. فإذا ماانقضى بعض الشهر بدا عليه شحوب الصوم وذبول الصلاة وكلال السهر وخشوع الورع“.
ويقول في مقال آخر(وحي الرسالة ج4 ص171):
„رمضان هو التمرين الرياضي السنوي للنفس،يشترك فيه المسلمون في جميع أقطار الأرض،يصومون في وقت واحد،ويفطرون في وقت واحد، وينصرفون عن اللذات الحسية والنفسية ليتجهوا بالتأمل والتعبد والخشوع إلى الله،فيغضوا أبصارهم عن المنكر،ويكفوا ألسنتهم عن الفحش، ويصموا آذانهم عن اللغو،ويغلوا أيديهم عن الأذى،ويصدوا أهواءهم عن السوء، وتلك هي العناصر الجوهرية لعقيدة الصوم.
إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي من صومي هو الجوع والصدى وإن قلت صمت يوماً فما صمت
ويتابع رحمه الله: “
وهذه القيود والحدود التي تضمنها معنى الصوم هي المجاهدة التي تعود الإنسان ضبط النفس وقوة الإرادة.وضعف الإرادة إنما يقوى برياضة النفس على الحرمان المؤلم، كما يقوى الجسم برياضة البدن على الجهد العنيف، وكما يقوى العقل برياضة الذهن على التفكير العميق.والرياضة الروحية هي حكمة الصيام في الأديان كلها{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وتقوى الله ومجاهدة النفس هما الغاية من هذه الحكمة وقد اجتمعا في قوله تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} فالخوف من الله هو التقوى، ونهي النفس عن الهوى هو المجاهدة.
ويقول أيضاً (مجلة الرسالة العدد 936):
„ويستقبل المسلمون في رمضان ثلاثين عيداً من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور،وتشرق لياليها بالنور،وتفتر مجالسها بالأنس.ففي المدن يغمر الصائمين فيض من الشعور الديني اللطيف يجعلهم بين صحوة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في الله،يتأملون أكثر مما يعملون،ويستمعون أكثر مما يتكلمون. فإذا أمسى المساء وفرغوا من الطعام انتشروا في المدينة بالبهجة والزينة،فالرجال يحضرون محافل القرآن أو السمر في البيوت أو في المنديات،والنساء يوزعن الوداد على منازل القريبات والصديقات،والأطفال يفرحون باناشيدهم ومصابيحهم الميادين والطرقات،والدور الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات،والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسبيحنترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته.
وفي القرى يرجع الفلاح في رمضان نقياً كقطرة المزن،طاهراً كفطرة الوليد،فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الهجر ولا يأتي المنكر.ثم تعتريه حال من الصوفية الشاعرة فيعف لسانه ويخشع قلبه وتلين يده،فلا تسمع منه لغواً في حديث،ولا عنفاً في جدل،ولا بغياً في خصومة،فإذا أذهله الغضب فرفع صوته ندم عجلان واستغفر وقال: اللهم إني صائم! وما أجمل أن ترى فاتك الأمس وقد أصبح ناسك اليوم يمشي من البيت إلى المسجد في ثوبه النظيف وئيد الخطو،غضيض الطرف،لا يترك السبحة،ولا يفتر عن التسبيح لسانه. حتى إذا قضيت صلاة العصر جلسوا على المصاطب يستمعون القصص أو الوعظ إلى أن تؤذن الشمس بالمغيب،فيمدوا الموائد في الطريق أمام بيوتهم ويدعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة،ثم لا يلبث الإخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدة واحدة،يصيب منها من يشاء ما يشاء“.
ويقول أيضاً رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 228 بتاريخ 15 نوفمبر عام 1937م):
„كان عهدنا بالصوم قبل اليوم أن يكون عصياناً للنفس في طاعة الله،وحرماناً للجسم في مَبرّة الروح،ونكراناً للذات في معرفة الناس،فالجوارح مغلولة عن الاذى،والمشاعر مكفوفة عن الشهوة،والخواطر مستغرقة في الدعاء، بين نهار كله إحسان وتأمل وتصدّق، وليل كله قرآن وتواصل وتهجُّد،فلا الغني يهيج به البطر، ولا القوي تفرط عليه القدرة،ولا الفقير يتجهم له الحرمان،وكأنما زالت الفروق بين الناس فأصبحوا سواسية في نعمة الدين وسعادة الدنيا!“.
ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد السادس ص 65):
„إن الحكمة الكبرى في الصيام هي القدرة على النفس، فهي الحكمة التي يحتاجها الغني والفقير، ويستفيد منها المجدود والمحروم. فالقدرة على النفس هي كل شئ في مقاييس الأخلاق والفضائل، بل هي مناط الأخلاق والفضائل جميعاً في كل حالة وكل معيشة،أيا كان حظها من الغنى والفقر،ومن السعادة والشقاء.وليس في وسعنا أن نتخيل فضيلة تخلو من قدرة الإنسان على نفسه، بل ليس في وسعنا أن نتخيل تكليفاً يقوم به الإنسان من غير تطويع نفسه،ولافرق في التكليف بين فرائض الدين وفرائض الدنيا، أو بين العبادات ونظام الاجتماع ونظام الحياة الفردية الذي يفرضه الإنسان على نفسه لأداء عمل من الأعمال.هذه القدرة على النفس هي حكمة الصيام الكبرى، وهي جزاء واف لصيام الصائم، يساوي بل يزيد على مافاته من حظ الطعام والشراب“ .
ويقول أيضاً رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد22 ص588):
„الإرادة هي فضيلة الفضائل في الصيام.ومتى عرفت هذه الحكمة فآداب رمضان كلها محصورة فيها مستفادة من معناها،ولا حاجة بالصائم إلى أدب غير أن يذكر أنه يريد الصيام وأنه يقوم بفريضة يطلبها ويعلم نفعها ويحمل جهدها،وإن لم تكن مفروضة عليه.
فليس من أدب رمضان أن يتململ الصائم وأن يتجهم لمحدثيه وأن يبدو منه ما يدل على الضيق بالفريضة كأنه مكره عليها مطيع لها بغير رضاه.
وليس من أدب رمضان أن يهرب الصائم من إرادته بقضاء النهار كله في النوم تاركاً للطعام،لأنه غافل عن مواعيده غير متنبه إليه.
وليس من أدب رمضان أن يفلت زمام الإرادة بعد غروب الشمس فلا يعرف الصائم له إرادة تصده عن الإفراط في الطعام والشراب إلى موعد الإمساك.
وليس من أدب رمضان أن يصوم الإنسان وهو معرض للتهلكة بصيامه فإن من كان مريضا لم تجب الفريضة عليه ولا معنى لأداء الفريضة إذن إلا أنه يريد لنفسه الهلاك، وهذا محرم عليه.
كلمة (الإرادة) وحدها تلخص آداب رمضان ولا تحتاج إلى إسهاب في تفسيرها وتعديد أنواعها|.
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد368):
„الصيام عبادة روحية جسدية،قد شرع لما فيه من المنافع الشخصية والاجتماعية،فهو يروض الأجساد، كما تعطش الزروع وتضمر الجياد،فيفني الرطوبات والمواد الرواسب فيها، التي تصلب الشرايين وتعيق حركة الدم فيها،ويعيد المعد المصابة بالتمدد إلى تقلصها وتغضنها، حتى قال بعض الأطباء أن صيام شهر واحد(كرمضان) يصلح ما أفسده التمدد طول العام، ويمرّن المرء على احتمال الجوع والعطش بالاختيار، فيسهلان عليه إذا الجأه إليهما الاضطرار،في سفر أو سجن أو مجاعة أو قتال،ويشعر الأغنياء المترفين بحاجة الفقراء المعوزين،ويساوي بينهم في هذه العبادة وآثارها كما يساوي بينهم في سائر شعائر الدين.
وهو فوق ذلك المربي الأعظم للإرادة، وإنما يتفاضل أعاظم الرجال بما في الإرادة من قوة العزيمة، فلولاها لما استسهل صعب،ولا ثبت شجاع في الحرب،ولما أقدم المصلحون على تغيير المنكرات،ولا سيما مقاومة الظلم والاستبداد،ولما ثبت عامل على عمل حتى يتقنه،ولما صبر ذو مصاب على مصابه حتى يأمن خطره،ولما احتفظ أمين بالأمانة،إلا بقدر ما يخاف في الدنيا من عقوبة الخيانة،وناهيك بأمانة الأعراض،والمحافظة على شرف النساء.
وهو فوق ذلك مراقبة لله عز وجل، وتقرب إليه بما يرضيه من تزكية النفس،وتوجه إلى الكمال الأعلى،والحياة الروحية الفضلى،حياة النبيين والصديقين، بل الملائكة المقربين.
إن الصائم المسلم هو الذي يحكم سلطان الإرادة بقانون الإيمان على هوى النفس فيمنعها من التمتع بأعظم الشهوات شأناً عندها،فينال منه الجوع والطعام بين يديه،ويبرح به الظما والماء البارد أمام عينيه،ويشتد شوقه إلى ملامسة زوجه وهي منه على طرف الثمام وحبل الذراع،فيعرض عن ذلك ويتركه بوازع الإيمان،ابتغاء لمرضاة الله تعالى وتحصيلاً للفوائد التي شرعها الصيام.
ألم تر أن الذي يربي إرادته ويحكمها في أشد شهواته وأقواها مدة شهر كامل في كل عام على الأقل جدير بأن لا تنازعه نفسه أكل شئ من أموال الناس بالباطل ولا العبث بشئ من أعراضهم؟أو ليس الذي يقدر على ترك أعظم ضروريات الحياة مما أحلّ الله له وقرب منه متناوله يكون أقدر على ترك ما حرّم الله عليه من جنسها ومما هو أدنى منها،وأجدر بأن يغلب هوى النفس الذي يغريه بها؟
يقول تعالى:{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}وإنما التقوى ملكة يقدر صاحبها بوازعها النفسي على اتقاء كل مايدنس نفسه ويدسيها من ترك واجب، أو اقتراف محظور، وهذه الملكة كسائر الملكات، تكتسب بالأعمال النفسية والبدنية التي يقوى بها سلطان الإرادة على نزعات الأهواء.
إن أحقّ الناس بتحصيل هذه الملكة وبسائر فوائد الصيام الروحية والاجتماعية والجسدية من جمعوا بين حكم الله وحكمته فيه ورعوا ذلك حق رعايته،فالإسلام علم وتربية بنيا على أساس الحكمة والفلسفة،ذلك نص قوله تعالى{كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون}وقد يستفيد كثير من الناس حكمة العبادة ويجنون ثمرتها،وإن لم يتلقوا بالتعليم أن ذلك هو المصلحة التي شرعت لأجلها،كما يستفيد بعض الناس من شئ يأكله أو يشربه، فيكون من حيث لايدري شفاء من مرض ألم به، أولئك هم الذين أخلصوا دينهم لله فكان لهم من العلم بكل عبادة أنها ترضي الله تعالى وأن تركها يؤدي إلى سخطه واستحقاق عذابه.
ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مجلة الرسالة العدد986 بتاريخ26 آيار عام 1952م):
„ورمضان الحلو الجميل، الذي يقوم فيه الناس من هدآت الأسحار، وسكنات الليالي، حين يرق الأفق ،وتزهر النجوم،ويصفو الكون ويتجلى الله على الوجود يقول:ألا من مستغعر فأغفر له؟ ألا من سائل فأعطيه؟ ألا من تاب فأتوب عليه؟ يسمعون صوت المؤذن يمشي في جنبات الفضاء،مشي الشفاء في الأجسام،والطرب في القلوب،ينادي: يا أرحم الراحمين. فيسري الإيمان في كل جنان، ويجري التسبيح على كل لسان، وتنزل الرحمة في كل مكان.
رمضان الذي ينيب فيه الناس إلى الله ويؤمون بيوته،ففي كل بلد من بلاد الإسلام مساجد، حفل بالعباد والعلماء،ليس يخلو مجلس فيها من مصل أو ذاكر،ولا أسطوانة من تال أو قارئ،ولا عقد من مدرس أو واعظ،قد ألقوا عن عقولهم أحمال الإثم والمعصية،والغل والحسد،والشهوات والمطامع ،ودخلوا بقلوب صفت للعبادة،وسمت للخير،قطعوا أسبابهم من عالم الأرض ليتصلوا بعالم السماء.تفرقوا في البلدان،واجتمعوا في الإيمان،وفي الحب،وفي هذه القبلة يتوجهون كلهم إليها،لا عبادة لها،ولا التجاء إليها،فما يعبد المؤمن إلا الله.
ويتابع الطنطاوي رحمه الله:“رمضان الذي تتحقق فيه المساواة، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر،بل يشترك الناس كلهم في الجوع وفي الشبع، يفطرون جميعاً في لحظة واحدة،ويمسكون جميعاً في لحظة واحدة،كأن المسلمين كلهم طلاب مدرسة داخلية، يجتمعون على مائدة واحدة.
فإذا فرغ الناس من طعامهم، أموا المساجد، فقاموا بين يدي الله صفاً واحداًن لا غني ولا فقير، ولا صغير ولا كبير، متراصة أقدامهم، ملتحمة أكتافهم،وجباهمم جميعاً على الأرض، فأين في الوجود مساواة مثل هذه المساواة؟
رمضان الذي تشيع فيه خلال الخير،ويعم الحب والوئام،فإذا أردتم أن تصوموا حقاً فصوموا عن الأحقاد،واذكروا ما في أعدائكم من خلال الخير، فأحبوهم لأجلها،واغفروا لهمنوادفعوا بالتي هي أحسن،فإذا الذي بينكم وبينه عداوة كأنه ولي حميم.وليس يخلو أحد من خلة خير، وليس في الدنيا شر مطلق، حتى الموت! فإنها قد تمر بنا ساعات نرتجي فيها الموت.
وإذا جعتم هذا الجوع الاختياري، فاذكروا من يتجرع غصص الجوع الإجباري،واشكروا ربكم على نعمه.وليس الشكر أن ترددوا ألف مرة باللسان: الحمد لله! الحمد لله! ولكن شكر الغني البذل للفقراء،وشكر القوي إسعاد الضعفاء، وشكر السلطان إغاثة اللهفان.وأعطوا من نفوسكم كما تعطون من أموالكم، فرُبّ بسمة مع العطاء، تنعش السائل أكثر من العطاء،وكلمة خير لجار تحيي الجار، وبش في وجه ذي الحاجة والاعتذار عنها خير من قضائها مع الترفع عليه عند السؤال،والمن عليه بعد النوال.
هذا رمضان يا أيها الأخوان،فخذوا منه الصحة لأجسامكم، والسمو لأرواحكم،والحب لقلوبكم، والقوة والنبل، والبذل والفضل، وخذوا منه ذخراً للعالم كله يكن لكم ذخراً“.
ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله في مقال له بعنوان“ عبادة الأحرار“ يتكلم عن رمضان :
„الصيام هو طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعاً في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لاليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معاً سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معاً سواء من سلطان الشهوات بل ليخرجا معاً سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف فلا يخاف أحدهما إلا الله،ومن سلطان الرياء فلايعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربه أحد، ولايحول بينه وبين الاستجابة لربه شئ من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.ويتابع رحمه الله: “ فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها، ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها،من رق النفس وشهواتها ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل.فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب فرضاً وتأتيه تطوعاً.ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق، لايرضى لها أن تذل لأعظم حاجات البدن لأنها أقوى منها،ولا لأعتى مطالب الحياة لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض لأنها أعز سلطاناً منها“..
يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقالة له بعنوان“ حكمة الصوم في الإسلام:
„أما شهر رمضان عند الأيقاظ المتذكّرين، فهو شهر التجليات الرحمانية على القلوب المؤمنة، ينضحها بالرحمة،وينفح عليها بالرّوح، ويخزها بالمواعظ، فإذا هي كأعواد الربيع جدّةً ونضرة، وطراوة وخضرة. إن رمضان يحرّك النفوس إلى الخير، ويسكّنها عن الشر، فتكون أجود بالخير من الريح المرسلة، وأبعد عن الشر من الطفولة البلهاء، ويطلقها من أسر العادات، ويحرّرها من رقّ الشهوات، ويجتثّ منها فساد الطباع، ورعونة الغرائز، ويطوف عليها في ايامه بمحكمات الصبر،ومُثبّتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه.ويتابع رحمه الله: „وينفرد الصوم من بين العبادات بأنه قمعٌ للغرائز عن الاسترسال في الشهوات التي هي أصل البلاء على الروح والبدن،وفطم أمهات الجوارح عن أمهات الملذات،ولامؤدب للإنسان كالكبح لضرواة الغرائز فيه، والحدّ من سلطان الشهوات عليه، بل هو في الحقيقة نصر له على هذه العوامل التي تبعده عن الكمال، وكما يحسن في عرف التربية أن يؤخذ الطفل بالشدة في بعض الأحيان، وأن يعاقب بالحرمان من بعض ماتميل إليه نفسه،يجب في التربية الدينية للكبار المكّلفين أن يؤخذوا بالشدة في أحيان متقاربة كمواقيت الصلاة“ ولإنها لكبيرة إلا على الخاشعين“ ، أو متباعدة كشهر الصوم، فإنه لايأتي إلا بعد أحد عشر شهراًن كلها انطلاق في المباحات، وإمعان فيها واسترسال مع دواعيها،وإن شهراً في التقييد الجزئي بعد أحد عشر شهراً في الأنطلاق الكلي لقليل، فهو يسر في الإسلام مابعده يسر، وسماحة مابعدها سماحة“. انتهى كلام الشيخ الإبراهيمي.
وشهر رمضان هو فرصة لأن يكتسب الإنسان الصفات الصالحة والاخلاق الحسنة وخاصة منها عون المستعينين وغوث المستغيثين وإصلاح ذات البين، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة“ [كما جاء في حديث الترمذي]، وقال في بعض الروايات“ لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين“ .فالإصلاح بين الناس والمتخاصمين والتقريب بينهم من أعظم الصلات وأفضل القربات عند الله عز وجل وخاصة في شهر الصيام.
ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز رحمه الله:
„الصوم في الإسلام لايكفي فيه هذا المظهر السلبي المادي الذي يقوم على اجتناب المفطرات لأي باعث كان ـ ولأي هدف اتفق ـ وإنما هو قبل كل شئ عمل روحي أيجابي، يتحرى فيه الهدف الذي حدّدته الشريعة، ويجعل الصائم فيه نيته وفقاً لإرادة ربه منه. إن الله الرحيم لاتغنيه من صومك مرارته وحرارته، ولايناله من جسمك ذبوله وهزوله، وأنه إذا كانت هناك اديان ونِحل ترى في ألم الجسم مقصداً يُطلب، وترى في الارتفاق بالطيبات عدواً يحارب، فليس الإسلام من بين هذه الأديان، وكيف وهو الذي يقول“ لاتحرموا طيّبات ما أحلّ الله لكم“المائدة، ويقول{ يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر} البقرة.ويتابع رحمه الله: „ليس هدف الصوم إذاً هو الألم البدني ـ وإن كان هذا الألم يقع في طريقه ـ إن الله عزّ وجلّ يقول في سورة البقرة“كتب عليكم الصيام“ ولم يقل لعلّكم تتألمون، كما أنه لم يقل لعلّكم تصحون، أو لعلّكم تقتصدون، وإنما قال :“لعلّكم تتقون“، فجعل الصوم اختباراً روحياً وتجربة خلقية، وأراد منه أن يكون وسياتك إلى نيل صفة المتقين، واكتساب ملكة التقوى.ويتابع رحمه الله: „إن منزلة الصيام هي أسمى مراتب التقوى وأكرمها عند الله تعالى، فلأن سائر العبادات جوانب تحببها إلى النفس الكريمة وتقرّبها من مقتضى الطباع السليمة، ففي الصلاة مثلاً حلاوة المناجاة، وفي الزكاة أريّحية الجود والكرم، وفي الجهاد عزّة الحميّة وإباء الضيم، وأما الصيام فإنه ليس فيه معاونة من الطباع بل فيه من العكس معاندته ومقاومته، فكان أقرب الأعمال إلى الخلوص من الشوائب، ولعلّه من أجل ذلك كانت الأعمال يثاب عليها بأضعاف معلومة من العشرة إلى السبعمائة ضعف إلا الصوم فإن تضعيف جزائه لايدخل تحت حصر ولاحدّ“ .
ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله :
„من فوائد الصيام كسر النفس، فإن الشبع والرّي ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، ومنها تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد يُقسّي القلب ويعميه،وتحول العبد عن الذكر وتستدعي الغفلة، وخلو الباطن من الطعام والشراب يُنوّر القلب ويُوجب رقّته، ويزيل قسوته ويُخليه للذكر والفكر. ومنها أن الصيام يُضيّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من بني آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصوم وجاءً لقطعه شهوة النكاح“.
يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقالة له بعنوان“ معنى الصوم“ نشرت عام 1373 هجري:
“ الصوم في الإسلام عبادة سلبية، بمعنى أنها إمساك عن عدة شهوات نفسية في اليوم كله لمدة شهر معين، فليس فيها عمل ظاهر للجوارح كأعمال الصلاة وأعمال الحج مثلاً.ولكن آثار الصوم في النفوس جليلة، وفيهِ من الحكم أنه قمع للقوى الشهوانية في الإنسان، وأنه تنمية للإرادة،وتدريب على التحكم في نوازع النفس، وهو في جملته امتحان سنوي يؤدِّيه المسلم بين يدي ربه، والنجاح في هذا الامتحان يكون بأداء الصوم على وجهه الكامل المشروع، ولكن درجة النجاح لايعلمها إلا الله، لتوقف الأمر فيه على أشياء خفية لاتظهر للناس، ومنها الإخلاص „.
وبهذا كلّه يتحقق الهدف السامي والأساسي من الصيام وهو التقوى بجميع ماتعنيه من معاني مادية ومعنوية على مستوى الروح والجوارح، وبهذا ينتصر الإنسان، ويكون الصيام له جُنّة ووقاية، يقول تعالى: “ {يا أيُّها الذين أمنوا كُتب عليكمُ الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون}“ البقرة
يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله: „لعلّكم تتقون“، أي تصيرون اتقياء، فإن الصوم يقهر النفس ويخطمها عن مألوفاتها، وذلك مما يورث التقوى،وقد فسرت „الجنة“ في حديث“الصيام جنة“ بالوقاية والسترة من المعاصي رعاية لهذا المعنى، وقد كنى عليه الصلاة والسلام عن طهارة نفوس الصائمين من رجس المعاصي وتخلصها من البواعث على الفواحش بغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين، كما كنى عن تنزيل الرحمة وحسن القبول للأعمال بفتح أبواب الجنة“.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وقد قال الله تعالى عنه: {وإنّكَ لعلى خُلقٍ عظيم} ا[لقلم4] وقد حذرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سوء الأخلاق بوجه عام وخاصة في رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم“الصيامُ جُنّة، فإذا كان أحدكم صائماً فلايرفث، ولايجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم“ [رواه أبو داود].
فهو جنة له من الآثام، وجنة له من سوء الأخلاق،وجنة له من المعاصي، وجنة له من فحش القول والأعمال، وجنة له من قول الزور والعمل به.
(الرفث: الكلام في الأمور الجنسية وكل كلام قبيح، الصخب: الصياح ورفع الصوت والشجار والقتال مع الناس)
إذا لم يكن في السمعِ مني تصامم وفي مقلتي غَضٌّ وفي منطقي صمتُ
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ وإن قلت:إني صمتُ يوماً فما صمتُ
(أبو بكر بن عطية الأندلسي)
يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله:
„الصيام جُنّة“، والجنّة: هي الدرع والترس، الذي يستتر به الإنسان في الحروب، حتى لاتتناوشه السهام والنبال، فهو يقي صدره، ويحفظ نفسه بهذه الجُنّة. كذلك الصيام، كما جاء في الحديث: „ الصيام جنة أحدكم من النار كجنة أحدكم من القتال„[رواه أحمد في المسند والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وقال الأرناؤوط اسناده صحيح على شرط مسلم].وفي حديث آخر: „الصيام جنة، وحصن حصين من النار“ [رواه أحمد والبيهقي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد اسناده حسن].
ويتابع الشيخ القرضاوي“ فهو درع يقي صاحبه من الإثم والمعاصي في الدنيا، ويقيه من النار في الآخرة وهذا .. مالم يخرق هذه الجنة.. كما جاء في الحديث: “ والصوم جنة مالم يخرقها“ [رواه أحمد في المسند واسناده حسن]. يخرق هذه الدرع بالغيبة، بالكذب، بالمعاصي التي تخدش الصيام وتجرحه وتزيل آثاره.
و قد قال صلى الله عليه وسلم : “ من لم يَدَع قولَ الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه“ [رواه البخاري وأصحاب السنن].وقال صلى الله عليه وسلم: “ رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع„[ رواه ابن ماجه واللفظ له والنسائي وابن خزيمة والحاكم].
يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله في مقال له بعنوان“ الصيام نشر عام 1322هجري:
„يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم“ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك“، كيف تكون رائحة فم تقذر بتناول الأعراض، والتمضمض بنحو الكذب والهذيان والمراء أطيب عند الله من ريح المسك؟ وكيف يستاهل صيام تجهم وجهه بسماجة المعاصي أن يضاف إلى ملك الملوك جل جلاله، ويتولى جزاءه بنفسه؟وكيف يكون الصيام جنة ووقاية من عذاب الله وقد انخرق سياجه وتدنس ذيله بقول الزور، والتلبس بالآثام التي تهيئ له في نار جهنم وطاء وغطاء؟
(الخلوف: هي رائحة فم الصائم المتغيرة من ترك الطعام والشراب طول النهار، هذه الرائحة التي قد ينفر منها بعض الناس، هي أطيب عند الله من ريح المسك)
ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في مقال له بعنوان “ اثر الصوم في النفوس“ نُشر في العدد43 من جريدة البصائر في 12 تموز سنة 1948:
„صوم رمضان محك للإرادات النفسية، وقمع للشهوات الجسمية، ورمز للتعبد في صورته العليان ورياضة شاقة على هجر اللذائذ والطيّبات، وتدريب منظم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت،ودرس مفيد في سياسة المرء لنفسه، وتحكّمه في أهوائها،وضبطه بالجِدِّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيها، وتربية عملية لخلق الرحمة بالعاجز المعدم“.
وشهر رمضان هو شهر الطاعة والنظام، فالمسلم الصائم إنما يمتنع عن طعامه وشرابه وعاداته امتثالاً لله تعالى وطاعة لله ورسوله، وهو شهر النظام فهو كما يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
„يأكل بنظام وينام بنظام ويستيقظ بنظام، والمجتمع الإسلامي في رمضان مجتمع يتجلى فيه النظام بأروع مظاهره، جوعٌ واحدٌ في النهار، تحفزٌ لإفطار واحد قبيل المغرب،إفطارٌ واحدٌ عند الغروب، صلاةٌ واحدة في العشاء والتراويح والفجر، إنه نظام لامثيل له في أمة من الأمم، نظام يستوي فيه الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والحاكم والرعية،والغني والفقير، لاتمتاز فيه طبقة عن طبقة، ولافرد عن فرد، يالها من روعة ما أجلّها في أعين الباحثين عن أجدى الوسائل لتربية الأمم على الطاعة والنظام“.
وفي شهر رمضان المبارك تتلاقى النفوس وتجتمع الأرواح وتزول الخصومات، وما أجملها من لحظات عندما تجتمع الأسرة الواحدة أو مجموعة من الأسر على مائدة الإفطارفي جو من الروحانية العميقة والألفة والمودة، وما أصعب هذه اللحظة على الوالدين وخاصة الأم إذا لم يكن أحد أبنائها معهم يشاركهم فرحة الإفطار.يقول الشيخ علي الطنطاوي في مقال له بعنوان“ صديقي رمضان „يصف لنا روح التعاون والمحبة والتآخي والألفة التي كانت تسود الحياة الاجتماعية في دمشق في هذا الشهر المبارك، وقد نشر المقالة في مجلة الرسالة العدد331 بتاريخ 24 رمضان عام 1358هجري فيقول:
„صديق عزيز لقيته وأنا طفل في دمشق ثم افتقدته وأنا شاب أذرع الأرض وأضرب في بلاد الله.ففرحت بلقائه وأحببته، وألمت لفقده وازداد حنيني إليه. فاين أنت ياصديقي رمضان؟
„كنت أرقب قدومه، وأحسب له الأيام والليالي على مقدار مايحسن طفل من الحساب. فإذا جاء فرحت به وضحكت له روحي التي كنت أرى الدنيا تضحك له وتفرح بقدومه.
„كنت أبصره في المدرسة، فالمدرسة في رمضان مسجد، وفيها تلاوة وذكر. وأهلوها أحبة.مافيهم مدرس يقسو على طلاب وطلاب يكرهون المدرس.لأن رمضان وصل النفوس بالله. أشرق عليها من لدنه النور فذاقت حلاوة الإيمان. ومن ذاق حلاوة الإيمان لم يعرف البغض ولا الشرّ ولا العدوان.
„كنت أراه في الأسواق. فالأسواق تعرض بضاعة رمضان وتفيض عليها روح رمضان فتمحو الغش من نفوس أهلها محواً ويملؤها خوف الله ورجاؤه وتقف ألسنتهم عن الكذب لأنها عمرت بذكر الله واستغفاره ، وهانت عليهم الدنيا حين أرادوا الله والدار الآخرة فغدا الناس آمنين أن يغشّهم تاجر أو يخدعهم في مال أو متاع. ويمضي النهار كله على ذلك. فإذا كان الأصيل ودنا الغروب تجلّى رمضان على الأسواق بوجهه فهشّت له وجوه الناس وهتفت بإسمه ألسن الباعة، فلا تسمع إلا أمثال قولهم“ الصايم في البيت بركة“ “ الله وليك ياصايم“ “ الله وليك ومحمد نبيك“.ثم لاترى إلا مسرعاً إلى داره حاملاً طبق الفول“ المدمس“ أو “ المسبحة“ أو سلال الفاكهة أو قطع “ الجرادق“ ثم لاتبصر إلا مراقباً المنارة في دمشق أو منتظراً المدفع.فإذا سمع آذان المؤذن أو طلقة المدفع دخل داره. والأطفال يجتمعون في كل رحبة في دمشق ليسمعوها فيصيحون: أذن.. أذن.. أذن ثم يطيرون إلى منازلهم كالظباء النافرة.
„وكنت أبصر رمضان يؤلف بين القلوب المتباينة، ويجلو الأخوة الإسلامية، فتبدو في أكمل صورها فيتقابل الناس عند الغروب تقابل الأصدقاء على غير معرفة متقدمة فيتساءلون ويتحدثون ثم يتبادلون التمر والزبيب، ويقدمون الفطور لمن أدركه المغرب على الطريق فلم يجد مايفطر عليه، تمرة أو حبة من زبيب، هينة في ذاتها، تافهة في ثمنها، ولكنها تنشئ صداقة وتدل على عاطفة، وتشير إلى معنى كبير.
„وكنت أنظر إلى رمضان وقد سكنت الدنيا ساعة الإفطار وأراح أهلها من التكالب على الدنيا والازدحام على الشهوات، وضمّ الرجل إلى أهله، وجمع الأسرة على أحلى مائدة وأجمل مجلس وانفع مدرسة.فإذا انتهت ساعة الإفطار بدا رمضان يظهر في جلاله وجماله وعظمته المهولة في المسجد الأموي. وكنت أذهب إلى المسجد بعد المغرب وأنا طفل فأراه عامراً بالناس ممتلئاً بحلق العلم كما كان عامراً بهم ممتلئاً بها النهار بطوله. فأجول فيه مع صديقي سعيد الأفغاني خلال الحلقات نستمع مايقوله المدرسون والوعاظ، وأشهد ثرياته وأضواءه وجماعاته، ومن صنع الله لهذا المسجد أن صلاة الجماعة لاتنقطع فيه خمس دقائق من الظهر إلى العشاء الآخرة في أيام السنة كلها، وقد بقي ذلك إلى اليوم على ضعف الدين في النفوس وفساد الزمان.ثم يكون العشاء وتقوم من بعده التراويح ولها في الأموي منظر ما رأيت أجلّ منه ولا أعظم إلا صلاة المغرب حول الكعبة في مسجد الله الحرام فإن ذلك يفوق الوصف، ولايعرف قدره إلا بالعيان، وليس يقل من يصلي التراويح في الأموي عن خمسة آلاف، وقد يبلغون في الليالي الأواخر الخمسة والعشرين ألفاً، وهو عدد يكاد يشك فيه من لم يكن عارفاً بحقيقته ولكنه الواقع، يعرف ذلك الدماشقة ومن رأى الأموي من غيرهم.
„وحدث عن الليالي الأواخر في دمشق ولاحرج، وبالغ ولاتخش كذبا فإن الحقيقة توشك أن تسبقك مبالغة . تلك هي ليالي الوداع يجلس فيها الناس صفوفاً حول السدة بعد التراويح ويقوم المؤذنون والمنشدون فينشدون الأشعار في وداع رمضان بأشجى نغمة وأحزنها ثم يردد الناس كلهم:
„ياشهرنا ودعتنا عليك السلام. ياشهرنا هذا عليك السلام“.
ويتزلزل المسجد من البكاء حزناً على رمضان.
وسحر رمضان ـ إنه السحر الحلال ـ إنه جنّة النفس ونعيمها في هذه الدنيا.
فأين ذهب رمضان؟ وأنّى لي بأن تعود أيامي التي وصفت لأعود إليه؟
إني لا أشتهي شيئاً إلا أن أعود طفلاً صغيراً لأستمتع بجو المسجد في رمضان وأنشق هواءه، وأتذوق نعيمه، لم أعد أجد هذا النعيم وما تغيرت أنا أفتغيرت الدنيا؟
إني لأتلفت أفتش في غربتي عن رمضان فلا ألقاه في المسجد ولا في السوق ولا في المدرسة. فهل مات رمضان؟إذن فإنا لله وإنا إليه راجعون
لقد فقدت أنس قلبي يوم فقدت أمي، وأضعت راحة روحي يوم افتقدت رمضان، فعلى قلبي وأمي ورمضان وروحي رحمة الله وسلامه!“.
ويقول في مقال آخر هو في الأصل حديث إذاعي ألقاه الشيخ رحمه الله من إذاعة دمشق يقارن فيه بين شهر رمضان قديما وحديثاً(تاريخ إذاعة الحديث عام 1975م) يقول رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه:
„هذا الحديث عن رمضان، وفي رمضان النور والعطر. وفي رمضان الخير والطهر. وفي رمضان الذكريات الكثر. ففيه نزل الذكر. وفيه ليلة القدر. وكان فيه نصر بدر. وفي آخره عيد الفطر.ورمضان نور على المآذن ونور في القلوب. ورمضان صوم عن الطعام وصوم عن الحرام.إن كانت الحياة تنازعاً على الحياة، فهذا الشهر إدراك لسر الحياة.وإن كان العمر كله للجسم، فهذا الشهر للروح. وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام، فهذا الشهر للحب والوئام.
„رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها، فكنت تحس به حيثما سرت. تراه في المساجد الممتلئة بالمصلين والقارئين والمتحلقين حول كراسي المدرسين. وتراه في الأسواق، فلاتجد عورة بادية، ولامنكراً ظاهراًولامطعماً مفتوحاً ولامدخناً ولاشارباً.وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن، لأن أفسق البائعين لايغش في رمضان. والمرأة تعمل مطمئنة لأنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام لأن المسلم الصائم لايشتم ولايلوم في رمضان. والرجل يجئ إلى بيته وهو آمن من أن يجد من زوجه نكداً أو إساءة ، لأن المرأة الصائمة لاتؤذي زوجها في رمضان. ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل المنزل لص، لأن اللصوص يضربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان.
„أما رمضان الجديد ، فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة، ولم يعرف بعد الطريق إليها. ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها. فالمساجد مملوءة بالمفطرين. والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة الدخان. والشياطين تصفد في رمضان، لكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان.
„ولقد كان أشد الناس بعداً عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفساً زكية متعبدة، كما ينزع ثوبه الوسخ ويستبدل به ثوباً نظيفاً. والبيوت التي كان يسودها الخصام تتحول في رمضان إلى دور أمن وسلام ، والمدينة تصير كلها أسرة واحدة أو مدرسة داخلية يأكل الناس فيها في وقت واحد، وينامون في وقت واحد، ويقومون في وقت واحد.
„إذا دنت ساعة الغروب رأيت الناس جميعاً مسرعين إلى بيوتهم، وهذا يحمل صحن الفول المدمس، وهذا يحمل الجرادق، والبرازق، وتكون المائدة منصوبة حتى أفقر الناس يجد في رمضان فطوراً شهياً لأن كل صائم في رمضان يتفقد جيرانه ومن حوله، فلا يأكل هو الطعام الطّيب، والألوان الكثيرة، وجاره لايجد الخبز والجبن.
„وتصطف الأسرة كلها حول المائدة، يجمعها شعور واحد. شعور يجمع الغني والفقير،والأمير والأجير،هو الجوع.أغنى الناس يشتهي قبل المغرب ملعقة من حساء أو رشفة من شراب. والأولاد يقفون على الشرفات، أو على جوانب الطريق، فإذا رأوا مصباح المنارة، أو سمعوا المدفع صاحوا بنغمة موزونة ولحن موقع: أذن، أذن، أذن.وطاروا إلى بيوتهم كما تطير العصافير إلى اعشاشها إذا رأت طلائع الليل. وتخلوا الطرق وتهدف الأصوات ثم ترتفع من كل مكان: من الكوخ ومن القصر على السواء، كلمة واحدة: الحمد لله، كلهم شبع، وكلهم رضي، وكلهم شكر. الذي أكل السبعة الألوان، والذي أكل الخبز والمسبحة والفول.
„ثم يمضي الرجال إلى المساجد ليصلوا التراويح، أو يصلوها مع أهليهم وأولادهم. وتكون الأسواق مضاءة والأولاد مزدحمين فيها، على بائع المثلجات إن كان الوقت صيفاً أو بائع الفول النابت.ومن أراد لهواً لم يجد إلا الحكواتي يقص قصة عنتر ـ وكلها بطولة ونبل ـ لاكهذه القصص الآثمة الداعرة التي تغضب الكلاب.
„فإذا مضت ساعة بعد صلاة العشاء انطفأت الأضواء وخلت الأسواق وانصرف الناس إلى دورهم ليناموا. والمسحر لايجئ إلا في وقت السحور، لايجئ نصف الليل ليوقظك من نومك ويقرع بطبلته رأسك كما يفعل الان، وأنت مجبر أن تقول له أشكرك، وتدفع له أجرته على أنه كسر دماغك وحطم أعصابك.ولم تكن هذه الإذاعات التي لاتسكت لحظة في رمضان، ولاكانت في البيوت هذه الأجهزة الشنيعة، مصيبة المصائب الراد(الراديو) الذي تستطيع كل امرأة جاهل وكل ولد لعاب أن يزعج به مئة بيت، ولايكلفه ذلك إلا أن يمد اصبعه وهو نائم فيدير زره أنملة فيدخل الداء العصبي على كل ماسكن هذه البيوت ويهرب رمضان المسكين بتأمله وخشوعه وطهره.
„وكيف يشعر بوجود رمضان من يركب الترام فيرى أمامه من يدخن وينفخ في وجهه الدخان، ويرى المطاعم مفتوحة والأكلة يأكلون، ويرى الناس إن صاموا عن الشراب وعن الطعام لاصوم إلا القليل منهم عن الكذب والغش والغيبة والبذاءة والحلف بغير الله، أو الحلف كاذباً بالله. ولايصوم إلا القليل عن الغضب والبطش والأذى.
“ وليس الصيام ـ في الحقيقة ـ إلا تدريب خلقي. ليس الصوم جوعاً وعطشاً فقط. خلق الله ملائكة وخلق شياطين وخلق وحوشاً وسباعاً، فالمَلك خير كله، والشيطان شر كله، والسبع طبيعته البطش، لولاه ماعاش. وخلق الإنسان من الثلاثة جميعاً. ففي الإنسان ملك وشيطان وسبع. الملك له الإيمان والرحمة والطاعة والخشوع والسمو النفسي. والشيطان له الشهوة المحرمة والكذب والاحتيال والإفساد.والسبع له الغضب والبطش والقهر. والصيام في الحقيقة صيام عن السبعية والشيطانية، لتخلص النفس في هذا الشهر للمَلكية. فإذا لم تظهر على الصائم أخلاق الملائكة، وإذا بقي يغضب ويبطش كالسبع، ويشتهي ويفسد كالشيطان فإنه لم يعرف حقيقة الصيام.
„لقد كان رمضان الذي يجئ دمشق من أربعين سنة رمضان حقيقياً. وما أدري أمات وجاء غيره؟ أم قد شاخ وعجز أن يطوف دمشق كلها فصار يثبت وجوده في المفكرة والتقويم وفي أضواء المآذن ومدافع القلعة فقط لاغير.
„وكان أهل دمشق في مثل طهارة الأطفال، لم تشوه أصباغ الحضارة طبيعة الحسن في نفوسهم، ولم تفسد الشبه والعصبيات جمال الأخوة بين أفرادهم، ولم تكن قد هتكت أستار الصيانة ولامزقت براقع الحياء.كانت المرأة لزوجها وولدها وربّها، والرجل لزوجته وولده وربّه، فكانوا يرون رمضان كلهم، يرون هلاله في الأفق، ونوره في القلوب، وأثره في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد ، يشعرون حقاً أن قافلة العمر كانت تمشي بهم في صحراء مجدبة، فإذا كان رمضان مشت في الواحة التي تعقب برّيا الأزاهير وترقص على أنغام الشحارير، فيكون من ذلك انس للنفس وراحة للروح.
„فأين ذلك الرمضان؟أين هو؟دلوني عليه دلوني عليه أجد فيه ماضيّ الذي فقدته، وأنسى الذي أضعته. رمضان الذي يتوب فيه كل عاص، ويتصل فيه كل منقطع، ويشهد فيه كل محجوب، وتسطع فيه الأنوار في كل قلب، حتى لتمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب.ويقوم الناس في الأسحار ساعة يتجلى الله على الوجود تجلي الرحمة والغفران وينادي المنادي من السماء: ألا من سائل فأعطيه ألا من مستغفر فأغفره، فيهتفون من أعماق قلوبهم: يا أرحم الراحمين، ويسألون الله ويستغفرونه، فيحسّون أن قد صعدوا بأرواحهم إلى حيث يرون الأرض كلها ومن عليها ذرة تجول في هذا الفضاء، الدنيا كلها بأطماعها وأحقادها ومغرياتها، ويتذوقون أعظم اللذات، اللذة التي لاتقاربها لذة، لذة الاتصال بالله، ومناجاته في سكنات الليل، وهدأة الأسحار، فتسطع أنوار الإيمان في كل قلب ويمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب، والقلب كالنسر الذي يضرب بجناحه في طباق السماء ولكنا قيدناه بقيود المادة، ثم أغرقناه في حمأة المطامع والشهوات، فكيف يطير نسر مقيد الجناح غارق في الطين؟
هذا هو رمضان؟ فحّلوا القيود عن قلوبكم واغسلوها من أوضار الحمأة التي غمستموها فيها ودعوها ترتفع لتطلع على جمال الوجود،وترى من هذا المرقب العالي جمال رمضان“.
سابعاً :وشهر الصيام هو شهر الصحة والعافية:
والسلف الصالح كانوا يتناولون من الطعام مايسد رمقهم، ويقيم صلبهم، اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم: „بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه“ فكانوا لايكثرون من الطعام عند الإفطار، لأن امتلاء البطن والكظّة يمنع ويحول من أداء الفرائض والسنن،وكان مطعمهم ومشربهم حلالاً، فلا معنى للإمساك عن الطعام والشراب ثم الإفطار على الحرام!!وسوف أفرد موضوعاً كاملاً ومفصلاً عن تأثير الصيام على الصحة إن شاء الله.
وأما الخلف المتخلف فقد تصوروا شهر رمضان على أنه شهر المآدب والولائم والحفلات، والاهتمام بشتى أنواع المأكولات، ولقد اعتاد هؤلاء على أن يدخروا لشهر رمضان بدائع المأكولات وغرائب الطيبات، واعتدنا أن نرى موائد الإفطار وقد امتلأت بالأطباق الملونة والمزينة بكل مالذّ وطاب،وكأنما نحن مقبلون حقاً على مسابقة حقيقية لإتخام البطون، فلايكاد يُسمع أذان المغرب حتى يعبَّ أحدهم الماء أو العصير أو المشروبات الأخرى كالعرقسوس أو التمر هندي عبّاً ظناً أنه سبيل الارتواء ، ثم يباشر أكل والتهام ماعلى المائدة فيلتهم الطعام التهاماً، ويتابع ذلك بتناول أقداح الماء أو العصير الواحد تلو الآخر،فتمتلئ المعدة بالماء والطعام، والعيون مازالت ترمق بين الفينة والأخرى أنواع الحلوى اللذيذة عديدة الأشكال، والفواكه المبردة متنوعة الصفات، والأقداح المعطرة من الشاي أو القهوة أو باقي أنواع المشروبات الساخنة!!
وهكذا فإننا بعد الفراغ من الإفطار نكون قد أصبنا بالتخمة والاكتظاظ، ثم تتحرك الآلام في المعدة والأمعاء، ومايصاحبها من تشنج وإقياء، فيصبح الصوم وبالاً مع أن الأصل فيه الشفاء، والسبب في ذلك جهل بعض المسلمين وتحكم الشهوة والبطنة في العقول والأهواء.
وإن كنت أنسى فلن أنسى عندما كنت أعمل في قسم الإسعاف الداخلي في مستشفى المواساة بدمشق، حيث يقبل علينا وبعد سويعات قليلة من مدفع الإفطار العشرات من المصابين بالآلام المعدية والإقياء والإسهال والتشنجات البطنية.. بسبب الإفراط في تناول الطعام والشراب عند الإفطار، ونظرات المكيدة والمكر والسخرية تنبعث من بعض الأطباء من غير الديانات تطاردنا ونحن نحاول إسعاف هؤلاء الناس الذين جلبوا الآلام لأنفسهم والسخرية والتشفي من شهر رمضان من أعداء الإسلام.
ثامناً :رمضان شهر المغفرة والرحمة والأجر العظيم:
لقد أولى الشارع العظيم الصيام عناية خاصة ومنزلة عالية، فكان من ذلك أن للصائم أجراً عظيماً ومغفرة واسعة لم نشاهدها في العبادات الأخرى، حيث جاء في الحديث القدسي: “ كل عمل ابن آدم يُضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به„، وقد أضاف الله تعالى صيام العبد إلى نفسه، وذلك لأن الصيام هو العبادة الوحيدة والشعيرة الدينية الوحيدة التي لايصاحبها الرياء ،لأن في وسع البشر أن يطلعوا على أدائك للصلاة والزكاة والحج ونطق الشهادتين، ولكن كيف تثبت لواحد فقط من الناس أنك صائم؟!
وجاء في الحديث النبوي الشريف“ للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه“ [متفق عليه].
وفي الحديث الشريف: “ إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لايدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لايدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلن يدخل منه أحد“ [متفق عليه عن سهل بن سعد].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ماتقدم من ذنبه“ [رواه أحمد وأصحاب السنن].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه“ [رواه الجماعة].
وفي الحديث الشريف: “ إن الله تبارك وتعالى فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وأقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه“ [أخرجه النسائي وأحمد].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: „الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعنّي فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعنّي فيه، فيشفعان“.[ رواه أحمد بسند صحيح].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لايصوم عبد يوماً في سبيل الله إلا باعدَ الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفاً“. [رواه الجماعة إلا أبو داود].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر“ [رواه مسلم].
يقول الشيخ الدكتور القرضاوي حفظه الله:
„وإنما كرّم الله الصوم فنسبه إلى نفسه، دون العبادات كلها، لما لهذه الفريضة من خاصّة لاتوجد في غيرها.هذه العبادة لم يعبد بها غير الله سبحانه… كل العبادات قد عبدت بها الآلهة المزيفة، والأصنام التي عبدها المشركون على مرّ العصور.الصلاة، كم جُعلت لغير الله، فرُكِع وسُجد لغير الله! الدعاء، كم دُعي غير الله! القرابين، والصدقات، كم قدمت لغير الله تعالى؟! ولكنه لم يُعرف أنه قد صِيم لغير الله تعالى.
„وفي الصوم خصيصة لاتوجد في غيره، وهو أنه لارياء فيه، أي أن فعل الصوم لارياء فيه، حيث إنه مجرد إمساك وكفّ، وامتناع.والإمساك والامتناع لايُرى، فهو شئ سلبي، لايراه الناس، ولهذا لاتدخل المراءة في الصوم، إلا إذا أخبر الإنسان عن نفسه أنه صائم.أما عمل الصوم نفسه، فليس مما يُرى ومما يُحسّ.
ويتابع حفظه الله : „فالصوم عبادة خالصة لله عز وجل، فاستحق أن يُنسب إليه سبحانه، ثم هناك أمر آخر، وهو: مافي هذه العبادة من مشقة، حيث يُجيع الانسان كبده، ويُظمئ نفسه، ويَدَع شهواته كلها لله سبحانه.