الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ (4/7)

وقفَ الدهرُ خاشعا حين وافت         تتهادى بربِّها القُصواءُ(ناقة النبي)

الهدى والوقارُ والنبلُ والسَّرو        عليها والعزَّةُ القعساءُ

ثم أفضى إلى العتيقِ فقال الناس      قد حاق بالعُصاةِ البلاءُ

قد عَتونا عليهم وبغينا                فانظروا اليومَ مايكونُ الجزاءُ

قال يا أهل مكةٍ ماتقولون             فقالوا الأسجاحُ والإغضاءُ(العفو)

قال في حكمةٍ وبارعِ رأيٍ            لا عليكم فأنتمُ الطُّلقاءُ  

وقال الشاعر هاشم رفاعي في غزوة الفتح:

وقضى الإلهُ بفتحِ مكةَ فانبرى        حادٍ لهُ عندَ المسيرِ حداءُ

وتَدفَّقَ الوادي بخيلٍ فوقها            أُسدُ اللقاءِ أنوفُها شَمّاءُ

مهلاً ابا سُفيانَ ذاكَ مُحمّد           سُدَّت بخيلِ جنودهِ الأرجاءُ

طَلعتْ عليكَ فوارسٌ لا تُتَّقى        تكبيرُهم لحنٌ لهم وغِناءُ

يا قائدَ الأشرارِ في أحدٍ ويا      من أشبهتهُ الحيّةُ الرَّقطاءُ 

ماذا لقيت من الرسول وقد أتى      من بعد ما خرجت به الشّحناءُ

ما كانَ ضرَّ محمداً لو أنّهُ            نالتكُمْ من بطشهِ بأساءُ

أنتم من اضَّطهدوهُ حتى أنَّهُ          عن أرضِ مكّةَ كانَ منه جلاءُ

لو أنّهُ صبَّ الجزاء مضاعفاً         كانَ المصيبَ وما لكم شُفعاءُ

أو ليسَ قد رسم الطريق إلى الهدى     فيكم فكانَ الصفحُ والإغضاءُ؟

نظروا إليهِ ذَليلةً أعناقُهُم               ملءُ العيونِ ضراعةٌ ورجاءُ

ناداهم ماذا تروني فاعلاً:             قالوا له:ما يفعلُ الرُّحماءُ

فأجابهم:إنّي عفوتُ عن الذي         قدّمتموهُ فأنتمُ الطُّلقاءُ 

وقال هاشم رفاعي في غزوة الفتح أيضاً:

وحدِّثْ عن الفتحِ المبينِ وما بدا       لأُمِّ القرى لما إليها تيمَّما

ألمْ يُقبلُ الداعي الفقيرُ بجحفلٍ        يَشقُّ هضابَ البيدِ سيلاً عرمرما

بكُلِّ فتىً أمضى من السيفِ عزمهُ     إذا مابدتْ للحربِ نارٌ تَقحّما

تراهُ إذا ما لفَُّ الليلُ قانتاً             ويبدو إذا ما كَرّتِ الخيلُ ضيغما

ألمْ يدخلِ البيتَ الممنَّعَ فاتحاً         وكانَ عليهِ البيتُ قبلاً مُحرّما

فكم من إلهٍ تحتَ أقدامِ جُندهِ          همُ نصبوهُ قد وهى وتهشما

ألا سائلِ القومَ الذينَ مشوا لهُ         وساقوا إليهِ الكيدَ كالحقدِ مؤلما

وصبوا عليه السوط ـ سوط عذابهم ـ      إلى أن رأى في هجرةِ الدارِ مَغنما

وإن كانَ ظلمُ الناسِ للمرءِ مؤلماً           فقد كانَ ظلمُ الأهلِ أنكى وآلما

أما جمعوا بالبيتِ من كلِّ ناقمٍ            إلى ذلكَ الغازي أساءَ وأجرما

أما أطرقوا رأساً مخافةَ باسهِ             وقد شربوا كاسَ المذلّةِ مفعما

أما قدّروا أن يبطشَ البطشةَ التي         جَنوها وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فمالَ إلى الصفح الجميلِ عن الاذى       ولو قد أتاها كانَ للعدلِ محكما

ولكنّهُ داعٍ إلى الخيرِ،شأنهُ                  إذا ما أساؤوا أن يقيلَ ويرحما

أقامَ يتيمَ البيدِ أركانَ دولةٍ                  ووطّدهُ في الأرضِ ديناً ودّعما

هو الحقُّ قد أرسى الإلهُ بناءهُ              وأكملهُ القرآنُ نوراً وتِمّما

ويقول الشاعر عمر أبو ريشة:

طوي الحول وانطوى أحدٌ فيه               ولم تحملي سوى الضراء

أيّ ذلٍّ على جفونكِ يعوي                    وركابُ النبيِّ ملء العراء

حلَّ في مكة ووجهك في التربِ               خضيبٌ ووجهه في السماء

ومشى للصلاة والكعبة  السمحة              في غمرة من النعماء

وتعالى التكبيرُ يا سدّة الأصنام              ميدي ويا علوج تنائي

واشهدي يا سماء أن رسول الله            أوفى بالعهدِ خير وفاء

وفي يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان من عام 658 للهجرة كانت معركة عين جالوت  (وهي مدينة قرب مدينة الناصرة في فلسطين) حيث تمكّن القائد المملوكي قطز(اسمه الحقيقي محمود بن ممدود) والظاهر بيبرس قائد القوات ومن ورائهم شيخ الإسلام العزّ بن عبد السلام من هزم التتار وقائدهم كيتوبوتا، الذين أحرقوا بغداد، ونكّلوا بالعباد،واحتلوا بلاد الشام وأرادوا احتلال مصر، فأوقف قطز والظاهر بيبرس ومن معهم من جند المسلمين من زحف التتار وانتشارهم وأطلقوا النداء الخالد في هذه المعركة وكان شعارها“ وإسلاماه“ والذي تحول إلى سيوف ورماح تطعن صدور الطغاة وتسحق جماجم العتاة، وإذا براية القرآن ترتفع عالية من جديد بعد أن ظن رؤوس الكفر أنها لن ترتفع أبداً!!

وفي السادس والعشرين من شهر رمضان 584 هجري والموافق للسابع عشر من شهر تشرين الثاني للعام 1188م، كانت موقعة حطين الشهيرة بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته والتي أنهت الوجود الصليبي في المشرق العربي.وقد كانت معركة حطين نصراً كبيراً للمسلمين وعاد المسجد الأقصى الحزين إلى عهدة وحماية المسلمين، وعادت القدس الشريفة مطهرة وخالية من أرجاس وأنجاس الصليبيين، وكانت هزيمة كبيرة للصليبيين فقدوا فيها زهرة فرسانهم، وقتل العديد منهم، ووقع في الأسر من تبقى من قواتهم وقوادهم، حتى قيل: إن من شاهد القتلى قال: ماهناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ماهناك قتيل.وغدت فلسطين عقب حطين في متناول قبضة صلاح الدين فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبية واحدة بعد الأخرى، حتى توج جهوده بتحرير بيت المقدس في ليلة الإسراء والمعراج أي في 27 رجب 583هجري الموافق 12 تشرين الأول 1187م.

وفي الثامن والعشرين من رمضان عام 92 من الهجرة  والموافق للتاسع عشر من تموز 711م كان فتح الأندلس على يد موسى بن نصير وقائده المسلم طارق بن زياد، حيث استطاع جنود طارق وكان عددهم سبعة آلاف مجاهد أبحروا من طنجة في أربع سفن وتجمعوا عند جبل كالبي والذي عرف فيما بعد باسم  جبل طارق، والتقى جيش طارق مع جيش القوط بقيادة „لذريق“ ، وكان عدد جيش المشركين حوالي المائة ألف، وانتصر جيش المسلمين وغرق „لذريق “ في البحر، وتمكن المسلمون أن يفتحوا بلاد الأندلس وينشروا الإسلام في ربوع أوروبا وأقاموا حضارة عالية راقية وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء واستمرت أكثر من ثمانية قرون.وقد وقف القائد العظيم طارق زياد يحث جنوده على الصمود في الميدان قبل المعركة وخطب فيهم خطبته المشهورة، التي بدأها بقوله:“أيها الناس، اين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر.واعلموا أنكم في هذه الجزيرة اضيع من الأيتام في مأدبة اللئام.وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته وقواته، وهي موفورة.وأنتم لاحول لكم إلا سيوفكم ولاأقوات لكم، إلا ماتستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية،مافعلت من شئ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، ولإن وقفت فقفوا ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، وها أنا حاملٌ حتى أغشاه فاحملوا حملتي“.

وفي السادس من رمضان من عام 223هجري كان فتح عمورية، حيث توجه الخليفة العباسي المعتصم بجيشه بعد أن وصل إلى مسامعه استغاثة إحدى نساء المسلمين بعد أن تعرّض لها أحد علوج الروم، وذهب الخليفة إلى عمورية مسقط رأس الزعيم الروماني توفيل الذي قتل الآلاف من المسلمين وحرق البيوت والمساكن وسبى النساء، فانتقم هذا الخليفة وثأر لكل هؤلاء وأحرق عمورية وانتصر للإسلام والمسلمين.

وفي رمضان من السنة 15 للهجرة كانت معركة القادسية والتي انتصر فيها المسلمون بقيادة „سعد بن أبي وقاص“ رضي الله عنه على جيش فارس، وكانت مقدمة لفتح “ المدائن“ عاصمة دولة كسرى الذي ولى هارباً فاراً وقُتل قائد الفرس“ رستم“ وكانت نقطة تحول عظيمة حيث استطاع المسلمون من القضاء على الأمبراطورية الفارسية التي كانت تحكم العالم في ذلك الوقت وتتقاسم النفوذ مع امبراطورية البيزنطيين في روما.

وفي يوم الجمعة 25 رمضان عام 479 هجري كانت معركة“ الزلاقة“ والتي انتصر فيها جيش المسلمين بقيادة يوسف بن تاشفين على الفرنجة،بقيادة الفونس السادس وجيشه الذي تجاوز 80 ألف مقاتل، وكانت المعركة في سهل يقع في مايسمى الآن „البرتغال“.وقد نجا الفونس مع تسعة فقط من أفراد جيشه.

وفي العاشر من رمضان عام 1973م تمكنت القوات المصرية  ـومعظم أفرادها كانوا من الصائمين ـ من عبور أكبر الموانع المائية وهي قناة السويس وتمكنوا من تحطيم أقوى التحصينات العسكرية وهو خط بارليف، وقد سمعت الشاعرة العراقية نازك الملائكة أن فرقة من الجيش المصري في سيناء كان أفرادها صائمين، وحان موعد الإفطار وقد نفد الماء عندهم فراحوا يتضرّعون إلى الله، فجاءت طائرات إسرائيلية وقصفت المعسكر فتفجر الماء من الأرض حيث كانت مواسير الماء اليهودية مدفونة فقالت:

الله أكبر

الله أكبر

هتافة الآذان في سيناء تبحر

من موجها تسيل في الصحراء أنهر

الله أكبر

ياصائمون أفطروا

من شفة المؤذن الخاشع يهمي المطر

والله باسط عليكم أجمل الظلال

تسبيحة معطرة

ورحمة من السماء انحدرت معسولة مقطرة

يشرب تهويماتها المعسكر القابع في الظلماء

عطورها منهمرة

على جنود مصر في سيناء

تجمعوا وخيموا فوق قفار محرقات الرمل في الصحراء

وهم عطاش لم يذوقوا منذ أمس الماء

شفاههم منعصرة

صيامهم من عطش حناجر مستعرة

لكن في وجوههم ضراوة الصاروخ والمدافع المزمجرة

و(الله أكبر) على شفاههم غناء

بنورها بسرها يزحزون القلعة الشماء

ومن لهاث العطش القاتل باتوا يشربون حرقة الهواء

عيونهم تستمطر السماء

ربّاه فجِّر بين أيدينا عيون الماء

هات اسقنا ياربّ من لدنك كأس رحمة مطهرة

ياواعد المؤمن بالصحو وبالظل الندي الظليل

هات اسقنا كما سقيت الطفل إسماعيل

كما رويت أمه الوالهة المنكسرة

بعد هيام ضائع طويل

في مدن العويل

الله أكبر

ياصائمون ربكم قد سمع الدعاء

والطائرات أقبلت تهدر في الفضاء

تقذفكم صواعقاً وتمطر

على روابيكم لظى حرائق

تريد أن تغرقكم في برك الدماء

والله في سمائه يقدر

يدبر

يمطر فوق صومكم أنداء

يسقيكمو من يد أعدائكم أحلى كؤوس الماء

والله للمؤمن ثلج مغدق في لهب الصحراء

ووجهه الغامر في شراسة النيران كوثر

وطوق ورد أحمر

وبلسم وماء

الله أكبر

وانبجس الماء النمير حيث عسكروا

ونام طفل الضوء إسماعيل حول وجهه يضوع عنبر

وأشرق عالم بالضياء

سبحان معطي الماء

مُفجِّر الندى من الصحراء

ومنبت الزنبق، معطينا نهور الشعر والغناء

الله أكبر

هذا غيض من فيض من معارك الجهاد والنصر  التي قام بها المسلمون في شهر رمضان شهر الجهاد،أما اليوم فروح الجهاد عند المسلمين ومن يحكمهم أصبحت معدومة خامدة إن لم نقل ميتة، وإننا نعيش في هذا الزمان أهوالاً رهيبة، وأوضاعاً عصيبة، حيث يذبح المسلمون في كل مكان، وصريخ المغتصبات من المسلمات يملأ الآفاق والآذان،ولكن لانجد من حكامنا من لديهم نخوة المعتصم، أو نُصرة صلاح الدين، أو حزم أبي بكر الصديق، أو شجاعة خالد ابن الوليد، أو دهاء عمرو بن العاص، بل الأنكى من كل هذا والأمرّ أن هؤلاء الحكام يرفعون رايات الاستسلام والخذلان والهوان، ويرتمون على أقدام الطواغيت ،ويحققون لهم كل الرغبات، من غير نظر إلى مصالح شعوبهم وبلادهم، بل ولابأس أن تداس حقوقهم وكرامتهم!!

ثالثاً ـ وشهر رمضان هو شهر الصيام والقيام:

 فالسلف الصالح كانوا يصومون النهار ، ويقومون الليل صلاة واعتكافاً وقراءة للقرآن مقتدين بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: “ من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه„[ حديث صحيح].

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في مقالة له بعنوان „فلسفة الصيام“:“تجتاح الناس بين الحين والحين أزمات حادة، تقشعرُّ منها البلاد، ويجفُّ الزرع والضرع، ماعساهم يفعلون؟ إنهم يصبرون مُرغمين، أو يصومون كارهين، وملء أفئدتهم السخط والضيق. وشريعة الصوم شئ فوق هذا، إنها حرمان الواجد، ابتغاء ماعند الله، إنها تَحمل للمرء منه مندوحة ـ لو شاء ـ ولكنه يُخرس صياح بطنه، ويُرجئ إجابة رغبته، مدخراً أجر صبره عند ربه، كيما يلقاه راحة ورضا في يوم عصيب..{ذلك يومٌ مَجموعٌ لهُ الناسُ وذلكَ يومٌ مشهود}[هود 103]، وربط التعب بأجر الآخرة هو ماعناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “ من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه“ ويتابع رحمه الله : “ إن كلمتي“ إيماناً واحتساباً“ تعنيان جهداً لايُستعجل أجره، ولايُطلب اليوم ثمنه، لأنَّ باذله قرّرَ حين بذله أن يُجعل ضمن مدخراته عند ربه.. نازلاً عند قوله {ذلك اليومُ الحقُّ فمن شاء اتخذَ إلى ربِّهِ مآبا}[النبأ  39]انتهى كلام الشيخ الغزالي.

وقيام الليل والتهجد هي من أعظم مايتقرب به المرء إلى ربه في هذا الشهر الكريم شهر الصيام والقيام والاعتكاف والتهجد.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي السنة بأسرها،وكان يزيد من عبادته وقيامه واستغفاره في شهر رمضان المبارك وخاصة في العشر الأخير منه،وقد جاء في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم“ كان إذا دخل العشر الأواخر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله“، فشدّ المئزر كناية عن النشاط  واعتزال النساء، وأحيا ليله بالطاعات والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وتلاوة للقرآن …وكان لايكتفي بذلك وحده بل يشرك أهله من نسائه أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ أجمعين، كما قال تعالى:  {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.

وورد في الصحيح: أنه خرج في إحدى ليالي رمضان من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، جرى هذا ثلاث ليال، ولم يخرج في الليلة الرابعة، وقد ضاق المسجد على الحاضرين . حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، ثم قال: “ أما بعد:فإنه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها„[ متفق عليه] .

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الناس يجتمعون في صلاة القيام برمضان على إمام واحد، وبقوا على هذا الحال إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأقام أبيّ بن كعب رضي الله عنه إماماً لهذه الصلاة، وجمع الناس على الائتمام به بعد أن كانوا يصلونها فرادى وجماعات في المسجد متفرقة.وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من قام فيه مع الإمام حتى ينصرف من صلاته كُتب له قيام ليلة كاملة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “ من قامَ مع الإمام حتى ينصرف فإنه يعدل قيام ليلة“ [رواه ابن ماجه]، وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: “ يعجبني أن يُصلى مع الإمام ويوتر معه“.

ويستحب الاعتكاف في رمضان(وغيره من أيام السنة)،وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عزّ وجلّ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان“[ رواه مسلم].

وفي العشر الأواخرمن رمضان ليلة القدر وهي ليلة جعل الله العمل فيها والعبادة خيراً من ألف شهر والمحروم من حُرم خيرها، قال تعالى :{ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر} ا[لقدر 3]،وقال صلى الله عليه وسلم: „إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولايحرم خيرها إلا محروم“ [رواه ابن ماجه]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه„[ رواه البخاري].

فالعبادة في هذه الليلة المباركة أفضل من ألف شهر، وهذه ليست بالزمن القصير، ولابالشئ الهين، ألف شهر تعني ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر ، ليلة واحدة يستطيع الإنسان أن ينال ثواب هذه الفترة الزمنية الطويلة الأمد.

هذه هي ليلة القدرالتي {تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِّ أمر* سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر 4 ـ 5].ليلة رحمة وليلة سلام وليلة بركة وليلة مضاعفة الأجر والحسنات.شرفها الله تعالى بإنزال القرآن الكريم {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[القدر1].

وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: „ أرأيت إن وافقت ليلة القدر يارسول الله ، ماذا أقول؟ قال لها: قولي، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني“ .فيسأل الداعي من الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والنيا والآخرة.

وشهر رمضان والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامةنيقول الصيام:أي ربّ،منعته الطعام والشهوات بالنهار،فشفعني فيه،ويقول القرآنكمنعته النوم بالليل،فشفعني فيه، قال:فيشفعان“[رواه أحمد وقال مخرجوه:إسناده ضعيف.وقال الحاكم حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.وصححه الالباني في صحيح الجامع عن ابن عمرو]

يقول الكاتب الإسلامي العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد 22 ص576):

فهي ليلة القدر لأنها ليلة التقدير والتمييز بين الخير والشر والتفريق بين المباح والمحظور، والأمر بالدعوة والتكليف،وهو أشرف ما يشرف به الإنسان لأنه هو المخلوق المميز بالتكليف والمخصوص بالتمييز بين جميع المخلوقات،ومن أجل هذا فضل على الملائكة لأنها لاتتعرض لما يتعرض له الإنسان من فتنة التمييز بين المباح والمحظور وفضيلة الوصول إلى الخير والامتناع عن الشر بمشيئة الحي المكلف المسؤول،وقد افتتحت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام بالأمر بالقراءة واقترن تمييز آدم على الملائكة بفضيلة العلم كما جاء في سورة البقرة.

وهكذا ينبغي أن نفهم معنى القرآن ومعنى الفرقان ومعنى التقدير والتمييز الذي خص به الإنسان، ومعنى الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر، بأمر العليم الحكيم.

فالشرف الذي فضلت به ليلة القدر إنما هو شرف التقدير والتمييز،وشرف القرآن والفرقان،وشرف التكليف الذي رفع به الإنسان إلى منزلة أشرف المخلوقات وحق عليه أن يذكره لأنه محاسب عليه،فيذكر في كل يوم وليلة أنه مسؤول عما يفعل،وأنه مشرف بين الخلائق جميعاً لأنه مناط السؤال والحساب.وعلى هذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم التقدير الذي يرتبط بنزول القرآن وبأمر القراءة والعلم الذي يفرق به كل أمر حكيم“.

وأما القسم الأعظم من الخلف المتخلف فإنهم يستعدون لاستقبال رمضان ولياليه بإحياء مايسمى“ السهرات الرمضانية“، حيث المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية  والأفلام السينمائية الرخيصة، ومايسمى “ حزازير رمضان“ ، والاحتفالات الغنائية، وسهر الليل في القهوات والنوادي و“الخيمات الرمضانية“، على مدار الساعة منذ ساعة الإفطار وحتى أذان الفجر، ويساعدهم في ذلك وسائل الإعلام الخبيثة في كثير من بلادنا العربية والإسلامية، والتي تملأ الأوقات مابين الإفطار إلى الإمساك بما يعجز اللسان عن وصفه من ميوعة، وخلاعة ولهو، ومن برامج مكتظة بما يقتل الشرف والمروءة من الأدب الرخيص والفن الخبيث، وبحيث تعجز الأجسام المترهلة بعد وجبة الإفطار الثقيلة عن النهوض لأداء الفرائض من صلاة وعبادة مخافة أن يفوتها نكتة جميلة، أو لفتة رشيقة، أو حزورة مفيدة!!والأعجب من ذلك أن تنشر بعض الصحف والمجلات في صفحة الإعلانات أن الملهى الفلاني يعلن استعداده لتوفير وجبات الإفطار والسحور ضمن جو غنائي راقص تشارك فيه كوكبة من الفنانين والراقصات!!!

رابعاً ـ وشهر رمضان هو شهر الجود والعمل والعطاء:

فالسلف الصالح كانوا يجودون بالمال ويكثرون العطاء في هذا الشهر المبارك مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم “ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود مايكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن“[ حديث صحيح رواه البخاري].

فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أجود الناس، ولكن أعلى مراتب جوده وعطائه في هذا الشهر المبارك.وهذا يدل على أن للإنفاق في هذا الشهر فضلاً على الإنفاق في بقية الشهور،وأن بسط اليد وإعطاء المساكين والمحرومين والعطف عليهم يساعد على زرع الألفة والمحبة والتعاون في هذا الشهر فهو شهر المحبة والرحمة والإيثار والجود والعطاء.ومن مظاهر الجود والعطاء إطعام المساكين في هذا الشهر المبارك، ومن أجل هذا كان من أفضل مايثاب عليه الصائم تفطير الصائم وفي الحديث الشريف: “ من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير انه لاينقص من أجر الصائم شيئاً“ [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان].

إن هؤلاء المساكين إن كانت الرحمة لهم واجبة في غير رمضان فإنها في هذا الشهر المبارك شهر الرحمة والألفة والمحبة أوجب وألزم، وعلى المسلم أن يبرَّ هؤلاء المساكين وخاصة ذوي القربى والجوار منهم وأن يرى سعادته بإسعادهم ومواساتهم، وأن يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: „ ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم“

ومن مظاهر الجود والعطاء في شهر رمضان المبارك زكاة الفطر،وقد  جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم“ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من ادّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات“ [رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني، وحسنه الألباني].وتدفع قبل صلاة العيد لكي تساعد المساكين والفقراء والمحتاجين على مشاركة إخوانهم في المسّرة يوم العيد وإغنائهم عن السؤال.يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:“إن الصائم لايخلو من أن يشوب صيامه بلغو أو رفث، بكلام يخوض فيه، بباطل، يتورط فيه، بكلمة يقولها او يسمعها، أو نظرة ينظرها غير مباحة له… أو شئ من ذلك… والله تعالى يريد حياة الصائم أن تكون زاكية طاهرة… لالغو فيها ولا تأثيم… يريد الحياة في رمضان كأنما هي قطعة من الجنة عُجّلت للناس في الدنيا، فإذا شوتم أو قوتل فلا يرد الشتم بالشتم، والسيئة بالسيئة، بل يقابل السيئة بالحسنة، ويقول: إني صائم، لإني صائم.هذا مايريده الله من الصائم، ولكن مَن من الصائمين يرقى إلى هذه المرتبة.إن الصائم كثيراً مايلغو، وكثيراً مايصخب ويجهل… فجاءت هذه الزكاة في ختام الصيام، تطهيراً للصائم مما عسى أن يكون قد كدّر صيامه أو شابه من تلك الشوائب“.

وكان السلف الصالح يقضون نهار رمضان في العمل والقيام بالواجبات، وأداء الحقوق المترتبة عليهم، ولا يضيعون الساعات في توافه الأمور، وكانوا يعرفون حق رمضان وماينبغي فيه من غض البصر وحفظ اللسان عما يغضب الله، وكفّ السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه…

وأما الخلف المتخلف فنجدهم يتخذون حجة الصيام وسيلة للتراخي في العمل، وتعطيل مصالح الناس، ومن كان منهم ذا عمل برم بعمله، وساءت معاملته، وثقل عليه واجبه، فإذا ماسألته عن السبب في ذلك؟ أجابك: إنه الصيام!!وللأسف أن كثيراً من هؤلاء أصبحوا على ديدنة أهل الغرب الماديين يتبرمون بالصيام ويعتبرونه شهر إرهاق وإزعاج فهم يريدون أن تنفلت شهواتهم بدون رقيب ولاحساب .

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في مقالة له بعنوان“ فلسفة الصيام“:

“ الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم. إنها حضارة تؤمن بالجسد، ولاتؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولاتكترث باليوم الآخر.ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات ولو إلى حين، وتؤدِّب هذا البدن المدلّل، وتلزمه مثلاً أعلى.ويتابع رحمه الله“ إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعرف مايضرّه، ويقبل عليه برغبة… إنها الرغبة القاتلة!!على أن النفس التي تشتهي مايؤذي يمكن أن تتأدب، وتقف عند حدود معقولة، كما قال الشاعر قديماً:

والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبتها               وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ

وهنا يجئ أدب الصيام: إنه يردُّ النفس إلى القليل الكافي، ويصدّها عن الكثير المؤذي! ذاك يوم نصوم حقاً، ولايكون الامتناع المؤقت وسيلة إلى التهام مقادير أكبر كما يفعل سواد الناس!!.ويتابع“ لعلَّ أهم ثمرات الصوم إيتاء القدرة على الحياة مع الحرمان في صورة ما. كنت أرمق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأل أهل بيته في الصباح، أثمَّ مايفطر به؟ فيقال: لا! فينوي الصيام، ويستقبل يومه كأنَّ شيئاً لم يحدث..إنها لعظمة نفسية جديرة بالإكبار أن يواجه المرء البأساء والضراء مكتمل الرشد، باسم الثغر.والأفراد والجماعات تقدر على ذلك لو شاءت“.

والأدهى من ذلك والأمرّ أن بعض البلدان الإسلامية تخفف عن الصائمين ساعات العمل المقررة، مما يؤدي إلى ضياع عشرات الملايين من ساعات العمل دون حاجة، وتعطيل حاجات الناس، وتجد الكثير من هؤلاء المسلمين يقطعون النهار في بعض الأعمال المكروهة وربما المحرّمة، فنجد المقاهي وقد امتلأت بالصائمين حيث ألعاب النرد والورق، وحيث مجالس اللغو واللهو، ومعاكسة النساء والبنات على أرصفة الشوارع وفي الطرقات،ناسين أو متناسين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم“ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه“  وقوله صلى الله عليه وسلم“ إذا كان يوم صوم أحدكم فلايرفث ولايصخب“ ، وافضل هؤلاء الكسالى الذين يقضون ساعات النهار بالنوم العميق حتى ساعة الإفطار!!

خامساً ـ وشهر رمضان هو شهر الصبر والتحمل:

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقال له بعنوان“ أثر الصوم في النفوس نشر عام 1948م: