الشّباب والشيخوخة (١١/١٢)
وتنشر لي كتاباً فيه طي
بخط الدهرِ أسطره مشيبي
كتاب في معانيه غموض
يلوح لكل أواب منيب
أرى الأعصار تعصر ماء عودي
وقد ما كنت ريان القضيب
أدال الشيب يا صاح شبابي
فعوضت البغيض من الحبيب
بدلت التثاقل من نشاطي
ومن حسن النضارة بالشحوب
كذاك الشمس يعلوها اصفرار
إذا جنحت ومالت للغروب
تحاربنا جنود لا تجارى
ولا تلقى بآساد الحروب
هي الأقدارُ والأجال تأتي
فتنزل بالمطبب والطبيب
تفوق أسهماً عن قوس غيب
وما أغراضها غير القلوب
فإنى باحتراس من جنود
مؤيدة تمد من الغيوب
أبو اسحق الألبيري:
ألفت العقاب حذار العقاب
وعفت الموارد خوف الذئاب
وأبغضت نفسي لعصيانها
وعاتبتها بأشدّ العتاب
وقلت لها بان عنك الصّبا
وجرّدك الشيب ثوب الشباب
وما بعد ذلك إلا البِلى
وسكنى القبور وهول الحساب
فأيقظها العتب من نومها
ولكنها جَمّة الاضطراب
فكم أنشأت مزنة للتقى
وعادت وشيكاً كلمع السراب
وكم وعدتني بتوب وكم
وما أنجزت وعدها في المتاب
وكم خدعتني على أنني
بصير يطرق الخطأ والصواب
فلست على الأمن من غدرها
ولو حلفت لي بآي الكتاب
الوزير أبو الوليد ابن حزم:ثلاثٌ وستون قد جُزتهافماذا تؤّملُ أو تنتظرْ
وحلَّ عليكَ نذيرُ المشيبِ
فما ترعوي أو فما تزدجرْ
تمرُّ لياليكَ مرّاً حثيثاً
وأنتَ على ما أرى مستمر
فلو كنتَ تعقِلُ ما ينقضي
من العمرِ لاعتضتَ خيراً بِشرِّ
فما لكَ لا تستعدُّ إذن
لدار المُقام ودار المقرّ
أترغبُ عن فجأة للمنونِ
وتعلمُ أن ليسَ منها مفرّ
فإمّا إلى جنّةٍ أُزلفت
وإمّا إللى سَقرٍ تستقر
ابن خفاجة الأندلسي:
فأحسن من حمام الشيب عندي
غراب شبيبة ألف النعيبا
ابن خفاجة الأندلسي:أيُّ عيشٍ أو غذاءَ أو سِنهْلابن إحدى وثمانين سَنهْ
قلصَّ الشّيبُ به ظلَّ امرىء
طالما جرّ صباهُ رسنهْ
تارة تسطو بهِ سيئه
تُسخنُ العين وأخرى حسنه
ابن هانئ الأندلسي:
قد سارَ بي هذا الزمانُ فأوجفا
ومحا مشيبي من شبابي أحرُفا
إلا أكنْ بلغتْ بي السنُّ المدى
فلقد بلغتُ من الطريق المنَصفا
ابن زيدون:
هرِمتُ وما للشّيبِ وخط بمفرقي
وكائن لشيبِ الهمِّ في كبدي وخط
وطاولَ سوءُ الحالِ نفسي فأذكرت
من الروضة الغناء طاولها القحط
فأما وقد لاحَ الصباحُ بِلمّتيفلئن لهوتُ لألهونَّ تصنّعا
وانجابَ ليلُ عَمايتي وتكشّفاولئن صبوتُ لأصبونَّ تكلفا
ابن زيدون:
مالي وللأيامِ ل لجَّ مع الصّبا
عدوانها فكسا العِذارَ مشيبا
محقتْ هلالَ السنّ قبل تمامهِ
وذوى بها غُصنُ الشبابِ رطيبا
لألمَّ بي مالو ألمّ بشاهقٍفلئن تَسمني الحادثاتُ فقد أرى
لأنهال جانبهُ فصار كثيباللجفنِ في القضب الطرير ندوبا
لسان الدين بن الخطيب:والنفسُ لا تنفكُّ تكلفُ بالهوىوالشيبُ يلحظها بعينِ رقيبِ
رحلَ الصِّبا فطرحتُ في أعقابهِ
ما كانَ من غزلٍ ومن تشبيبِ
أترى التغزُّلَ بعد أن ظعنَ الصِّبا
شأني الغداةَ أو النسيبَ نسيبي
آنّى لمثلي بالهوى من بعد ما
للوَخطِ في الفودينِ أيُّ دبيبِ
لبسَ البياضَ وحلَّ ذروةَ منبرٍ
مني ووالى الوعظَ فعلَ خطيبِ
قد كانَ يسترني ظلامُ شبيبتي
والآنَ يفضحني صباحُ مشيبي
وإذا الجديدان استجدّا أبليا
من لبسةِ الأعمارِ كلَّ قشيبِ
الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد:
قد تركنا الصبا لكلِ غويٍّ
وانسلخنا من كلِّ ذام وعابِ
وانقطعنا لواعظات مشيب
آذنتنا حياتها بذهابِ
وإذا ما الصبا تحملّ عنا
فقبيح بما ارتضاه التصابي
قطريُّ بن الفجاءة:
وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ
إذا ما عُدَّ من سَقْطِ المتاع
المنصور بن أبي عامر:
يا ليت شعري ألا منجى من الهَرَمِ
أمْ هلْ على العيشِ بعد الشّيبِ من ندم
عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري:
إذا رأيت صلعاً في الهامة
وحَدَباً بعد اعتدال القامة
وصار شعر الرأس كالثغامة
فا يأس عن الصحة والسلامة
وعد إلى التوبة والندامة
فقد عليك قامت القيامة
أبو الحسن بن حيدرة العقيلي الفاطمي:
وإن جنح الشّبابُ إلى التصابي
فخل عنانه طوعَ الجماحِ
فصبح العيش سوف يعود ليلاً
إذا ما الليل نفض الصباح
اـطمع بعد شيبك في سرور
محال أن تطير بلا جناح
زيد بن الحسن الكندي(معجم الادباء ـ ياقوت ـ ج3 ص355):
أرى المرء يهوى أن تطول حياته
وفي طولها إرهاق ذل وإزهاق
تمنيتُ في شرخ الشبيبة أنني
أعمّر والأعمارُ لا شك أرزاق
فلما أتاني ما تمنيت ساءني
من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
عرتني أعراض شديد مِراسها
على وهم ليس فيه إغراق
وها أنا في إحدى وتسعين حجة
لها في إرعاد مخوف وإبراق
غسان خال العذار:
ابيضَّ مني الرأس بعد سواد
ودعا المشيبُ حليلتي لبعاد
واستحصدَ القرن الذي أنا منهم
وكفى بذاك علامة لحصادي
أبو علي المهراني:
أبعدَ ستين من عمري أُوّمِلُ أن
أنالَ ما لم أنلهُ في ثلاثينا
من أخطأتهُ الأخاطي في شبيبتهِ
ورامها لم ينلها في المسنينا
علي بن القاسم الخوافي:
شاعَ في عارضيَّ هذا المشيبُ
فهو الموتُ والفِراقُ قريب
كلّ يومٍ للموتِ مني نصيب
وسهامٌ أرمى بها وتصيب
وتفانى أحبّتي ولدِاتي
والبلايا مع الرزايا تنوبُ
كل يوم يُنعى إليَّ رفيقٌ
أو قريبٌ أحبهُ أو حبيبُ
وكأنّ الفناءَ صُبَّ عليهم
فهمُ في التُرابِ مُردٌ وشِيبُ
عبد المسيح بن موهب:
ألا أيها الباكي الصِّبا أين تذهب
أفق قد بدا في الرأسِ ما كنت ترهب
تبكي على إثر الصِّبا بعد ما مضى
وهل للصِّبا بعد الثمانين مطلب
ذو أرفع الهمداني:
أراني كلما هرمت يوماً
أتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلِّ يوم
ويأبى لي شبابي ما يعود
أحدهم:ولمّا رأيتُ الشّيبَ حلَّ بمفرقينذيراً بترحالِ الشّبابِ المفارقِ
رجعتُ إلى نفسي فقلتُ لها انظري
إلى ما أرى هذا ابتداءُ الحقائقِ
علي بن الغدير:
وإذا رأيت المرء يشعب أمره
شعب العصا ويلج في العصيان
فاعمدْ لما تعلو فما لك بالتي
لا تستطيع من الأمور يدان
محمد بن علي الحسين بن عمر الواسطي وقد حضر عزاء طفل وهو يرتعش من الكبر فتغامز عليه الحاضرون يشيرون إلى موت الطفل وطول حياته مه هذه السن ففطن لهم (معجم الأدباء ـ ياقوت ـ ج5 ص3809) وقال:
إذا دخل الشيخُ بَينَ الشباب
عَزاءً وقد ماتَ طفلٌ صغيرُ
رأيتُ اعتراضاً على الله إذ
تُوفيَّ الصغيرُ وعاشَ الكبيرُ
فَقُلْ لإبنِ شهرٍ وقُلْ لإبنِ دَهرٍ
ومابينَ ذلك هذا المصيرُ
نصر بن سعد الأنصاري:
قد كنت دهراً زهراء مشرقة
تعتاد فيك الهموم والأرق
يرنو بك الشّيب والشباب فما
تنفك منهم مسترهن غلق
إذا تبدّيت أو عرضت لهم
مالت إليك الأعناق والحدق
حتى رماك الزمان من كثبٍ
وقعاً بشيبٍ بياضه يقق
فغاص ماء الشّباب وانجرد
العود فأمسى ما فوقه ورق
وأظلم اللون وانتحاك مع
كبرة دهر جديده خلق
أبو اسحق الغزي:
هلاّ نكرتِ شبابي وهو أغْرِبَةٌ
لِلبينِ مُعرِبَةٌ عن غُربةِ السّفرِ
ليتَ البياضَ الذي زالَ السّوادُ به
أبقى لنا منهُ ما في القلبِ والبصرِ
قد ضِقتُ ذرعاً بعيشٍ لا يَسوغُ ولا
تَمجُّهُ النّفسُ حتى عِيلَ مُصطبري
فلستُ حيّاً ولا ميّتاً ولا دَنفاً
ولا صحيحاً جميعُ الدّاءِ في الكِبَرِ
لا تعجبنَّ لمن يهوى ويصعدُ في
دنياهُ فالخَلقُ في أرجوحةِ القدرِ
واقنع بما قلَّ فالأوشالُ صافيةٌ
ولُجّةُ البحرِ لا تخلو من الكدرِ
أبو اسحق الغزي:
ويلُ الذي ملكَ الدنيا وضنَّ بها
مضى وما حملَ الدنيا على كتفهْ
بالشّيبِ فلرقني ذهني ولاثمرٌ
في العودِ بعد اشتعال النارِ في طرفه
أبو اسحق الغزي:
عرفتُ شبابي بالمشيبِ وإنّما
تبينُ مزايا الشئ حينَ يزولُ
وقال:
منْ لم يقُم بالمجدِ قبلَ مشيبهِ
وخمودِ جمرتهِ فليسَ بقائمِ
شوقي:
فاذكروا يومَ مشيبٍ
فيه تبكون الشبابا
إنّ للِسِنِّ لهمّاً
حين تعلو وعذابا
فاجعلوا من مالكم
للشّيبِ والضعفِ نصابا
واذكروا في الصّحةِ الداءَ
إذا ما السقمُ نابا
شوقي:
من كُلِّ ذي سبعين، يكتمُ شَيبهُ
والشيبُ في فَوديه ضوءُ نهار
يأبى له في الشيب غيرَ سفاهة
قلبٌ صغيرُ الهمِّ والأوطار
ما حَلّه عطفُ، ولا رفقُ، ولا
بِرٌ بأهل، أو هوىً لديار
كم ناهدٍ في اللاعبات صغيرةٍ
ألهتهُ عن حَفَدٍ بمصر صغار
مهما غدا أو راح في جولاته
دفعتهُ خاطبةٌ إلى سمسار
شُغل المشايخ بالمتاب، وشغلهُ
بتبدُّلِ الأزواج، والأصهار
في كلِّ عامٍ همّهُ في طَفلةٍ
كالشمس، إن خُطبت فللأقمار
يرشو عليها الوالدين ثلاثة
لم أدر أيُّهمُ الغليظُ الضاري؟
المالُ حَلّل كلَّ غيرِ محلّلِ
حتى زواج الشّيبِ بالأبكار
سحرَ القلوبَ، فرُبَّ أمٍّ قلبها
من سحره حجرٌ من الأحجار
دفعت بنيتها لأشأم مضجعٍ
ورمت بها في غُربة وإسار
وتعلّلت بالشرع، قلت: كذبتهِ
ما كان شرعُ الله بالجزار
ما زُوجت تلك الفتاة، وإنما
بِيعَ الصبا والحسنُ بالدينار
بعضُ الزواج مذممٌ، ما بالزنا
والرقِّ إن قيسا به من عار
فتشتُ لم أرَ في الزواج كفاءةً
ككفاءة الأزواجِ في الأعمار
شوقي:
أبا الهول طالَ عليكَ العُصُر
وبُلّغتَ في الأرضِ أقصى العُمُر
فيا لدَةَ الدهر لا الدهرُ شَبَّ
ولا أنتَ جاوزتَ حدَّ الصِغَر
إلامَ رُكوبُكَ متنَ الرمالِ
لِطيِّ الأصيلِ وجَوبِ السَحر
تُسافرُ مُتنقلاً في القرونِ
فأيّانَ تُلقي غُبارَ السفر
أبينكَ عهدٌ وبينَ الجبالِ
تزولانِ في الموعدِ المُنتظر
أبا الهول، ماذا وراءَ البقا
ء ـ إذا ما تطاول ـ غيرُ الضجر؟
عجبتُ لِلقمانَ في حرصه
على لُبَد والنسور الأُخر
وشكوى لبيدٍ لطولِ الحيا
ة، ولو لم تَطُلْ لَتشكّى القِصر
ولو وُجدتْ فيكَ يابن الصفاةِ
لحقتَ بصانعكَ المُقتدر
فإن الحياةَ تَفلُّ الحديدَ
إذا لمستهُ وتُبلي الحجر
شوقي في رثاء أمين بك الرافعي:
مال أحبابهُ خليلاً خليلا
وتولّى الّلداتُ إلا قليلا
نَصلوا أمس من غبار الليالي
ومضى وحدهُ يحثُّ الرحيلا
سكنتْ منهم الركابُ كأن لم
تضطربْ ساعةً ولم تمضِ مِيلا
جُرّدوا من منازلِ الأرضِ إلا
حجراً دارِسا ورملاً مهيلا
وتَعرّوا إلى البلى، فكساهم
خُشنةَ اللّحدِ والدجى المسدولا
في يبابٍ من الثرى ردّهُ المو
تُ نقياً من الحقود غسيلا
شوقي:
في الثمانين يامحمدُ عِلمٌ
لعليمٍ، وإن تَناهى اطّلاعه
لِمْ تقاعدتَ دونها وتَوانى
سائقُ الفلكِ، واضمحلَّ شِراعه؟
رُبَّ شَيبٍ بَنتْ صُروحَ المعالي
سَنتاه، وشادت المجدَ ساعه
فيه من هِمّةِ الشبابِ ، ولكن
ليس فيه جِماحهُ واندفاعه
أحمد شوقي:لكِ الله،هذا الخطبُ في الوهم لم يقعوتلكَ المنايا لم يكنَّ على بال
بلى،كلُّ ذي نفسٍ أخو الموتِ وابنهُ
وإن جرَّ أذيالَ الحداثةِ والخالِ
وليسَ عجيباً أن يموتَ أخو الصِّبا
ولكن عجيبٌ عيشهُ عيشةَ السالي
وكلُّ شبابٍ أو مشيبٍ رهينةٌ
بِمعترضٍ من حادثِ الدّهرِ مغتال
وما الشّيبُ من خيل العلا،فاركبِ الصِّبا
إلى المجدِ تركب متنَ أقدر جوّالِ
يسُنُّ الشّبابُ البأس والجودَ للفتى
إذا الشّيبُ سنَّ البخلَ بالنفسِ والمالِ
شوقي:يا ويلتاهُ لنفسي راعها ودهامُسودةُ الصحُفِ في مُبيضّةِ اللِمَمِ
رَكضتُها في مَريع المعصياتِ وما
أخذت من حميّةِ الطاعاتِ للِتُخمِ
هامتْ على أثرِ اللذاتِ تطلبها
والنفسُ إن يَدعها داعي الصِّبا تَهِمِ
صلاحُ أمركَ للأخلاقِ مَرجعهُ
فَقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقمِ
والنفسُ من خيرها في خير عافيةٍ
والنفسُ من شرِّها في مرتعٍ وخِمِ
تطغى إذا مُكّنت من لذةٍ وهوىً
طغيَ الجيادِ إذا عضّتْ على الشُكمِ
شوقي:
يا أيها الشيخ الكريم، تحية
أندى لقبركَ من زلال الماءِ
هذا المصيرُ، أكان طولَ سلامةٍ
أمْ لم يكن إلا قليلَ بقاء؟
ماذا انتفاعُكَ بالليالي بعد ما
مرّت بك السبعونَ مرَّ عِشاء؟
أو بالحياةِ، وقد مشى في صفوها
عادي السنين، وعاثَ عادي الداء؟
من لم يُطبّبه الشبابُ فَداؤه
حتى يغيّبه بغير دواء
شوقي:
أما الشّباب فقد بعد
ذهب الشباب فلم يعد
ويجئ من بعد السنين
وقد مررن بلا عدد
أو بعد طول تجاربي
ومكان علمي في البلد
تجني الحسان علي ما
لم تجني قبل على احد
حافظ إبراهيم:
ولّى الشبابُ وجازَتني فُتوّتهُ
وهدّمَ السُّقمُ بعد السُّقمِ أركاني
وقد وقفتُ على الستين أسألُها
أسَوّفتْ أم أعدَّتْ حُرَّ أكفاني
شاهدتُ مصرعَ أترابي فبشرّني
بِضَجعةٍ عندها رَوحي وريحاني
كم من قريبٍ نأى عني فأوجعني
وكم عزيزٍ مضى قبلي فأبكاني
من كانَ يسألُ عن قومي فإنّهمُ
ولّوا سِراعاً وخلّوا ذلك الواني
إني مَلِلتُ وقُوفي في كلِّ آونةٍ
أبكي وأنظمُ أحزاناً بأحزانِ
إذا تصفّحتَ ديواني لتقرأني
وجدتَ شِعرَ المراثي نصف ديواني
حافظ إبراهيم:
إني احتسبتُ شباباً بتُّ أنفقهُ
وعزمةً شابتِ الدنيا ولم تشبِ
حافظ إبراهيم:
راعني فقدُ شبابي وأنا
لا أراعُ اليومَ من فقدِ مشيبي
حنَّ جنبايَّ إلى بردِ الثرى
حيثُ أُنسى من عدوٍ وحبيبِ
مَضجعٌ لا يشتكي صاحبهُ
شدّةَ الدهرِ ولا شدَّ الخطوبِ
لا ولا يُسئمهُ ذاك الذي
يُسئِمُ الأحياءَ من عيشٍ رتيبِ
قد وقفنا سِتةً نبكي على
عالم المشرقِ في يومٍ عصيبِ
وقفَ الخمسةُ قبلي فمضوا
هكذا قبلي وإنّي عن قريبِ
(يقصد الشيخ محمد عبده)
وردوا الحوضَ تباعاً فقضوا
بإتفاقٍ في مناياهم عجيبِ
أنا مُذ بانوا وولّى عهدهم
حاضرُ اللوعةِ موصولُ النحيبِ
هدأت نيرانُ حُزني هدأةً
وانطوى „حفني“ فعادت للشبوبِ
(حفني ناصف“
حافظ إبراهيم:
آذنتْ شمسُ حياتي بمغيبِ
ودنا المَنهلُ يا نفسُ فطيبي
إن من سارَ إليه سيرنا
وردَ الراحةَ من بعدِ اللُّغوبِ
قد مضى“حفني“ وهذا يومنا
يتدانى فاستثيبي وأنيبي
وارقبيهِ كلّ يومٍ إنّما
نحنُ في قبضةِ علّامِ الغيوبِ
اذكري الموتَ لدى النوم ولا
تُغفلي ذكرتهُ عند الهُبوبِ
واذكري الوحشة في القبرِ فلا
مُؤنسٌ فيه سوى تقوى القُلوبِ
قدّمي الخيرَ احتساباً فكفى
بعضُ ما قدّمتِ من تلك الذُنوبِ
حافظ إبراهيم:
عجِبتُ لِعمري كيف مُدَّ فطالا
وما أثرّتْ فيهِ الهمومُ زوالا
وللموتِ، مالي قد أراه مُباعِداً
وجُلُّ مُرادي أن أوسَّدَ حالا
فللموتُ خيرٌ من حياةٍ أُرى بها
ذليلاً وكنتُ السيدَ المفضالا
حافظ إبراهيم:
وما أنا والغرامَ وشابَ رأسي
وغالى شبابي الخطبُ الجُسامُ
ورباني الذي ربى“لبيداً“
فعّلمنبي الذي جهلَ الأنامُ
حافظ إبراهيم:
فماذا أتيتُ من الباقياتِ
وهذا شبابي ضياعاً ذهبْ
حافظ إبراهيم:يتذكر ديارا قضى فيها بعض شبابه
كم مرَّ بي فيكِ عَيشٌ لست أذكرهُ
ومرَّ بي فيكِ عيشٌ لستُ أنساهُ
ودّعتُ فيكِ بقايا ما عُلّقتُ بهِ
من الشبابِ وما ودّعتُ ذكراهُ
أهفو إليه على ما أقرحتْ كبدي
من التباريحِ أُولاهُ وأُخراهُ
لبستهُ ودموعُ العينِ طيّعةٌ
والنفسُ جياشةٌ والقلبُ أوّاهُ
فكانَ عوني على وَجْدٍ أُكابدهُ
ومُرِّ عيشٍ على العِلّاتِ ألقاهُ
إن خان ودّي صديقٌ كنت اصحبهُ
أو خانَ عهدي حبيبٌ كنتُ أهواهُ
قد أرخصَ الدّمعَ يَنبوعُ الغناء به
وا لهفتي ونضوبُ الشّيبِ أغلاهُ
كم رَوّحَ الدّمع عن قلبي وكم غسلت
منه السوابقُ حُزناً في حناياهُ
لم أدرِ ما يَدهُ حتى ترشّفهُ
فمُ المشّيبِ على رغمي فأفناهُ
قالوا تحررتَ من قيدِ المِلاحِ فَعِشْ
حرّاً ففي الأسرِ ذلٌ كنت تأباهُ
فقلتُ يا ليتهُ دامتْ صرامتهُ
ما كانَ أرفقهُ عندي وأحناهُ
بُدِّلتُ منهُ بقيدٍ لستُ أفلَتهُ
وكيفَ أُفلَتُ قيداً صاغهُ الله
أسرى الصبابةِ أحياءٌ وإن جَهدوا
أما المشيبُ ففي الأمواتِ أسراهُ
خليل مطران:
علا مفرقي بعدَ الشبابِ مَشيبُ
فَفودي ضَحوكٌ والفؤادُ كئيبُ
إذا ما مشى هذا الشَّرارُ بِلّمةٍ
فما هي إلا فحمةٌ ستذوبُ
أراعكَ إصباحٌ يُطارِدُ ظُلْمةً
بها كان أُنسٌ ما تشاءُ وطيبُ؟
فما بالُ ضَوءٍ في دُجى الرأسِ مؤذِنٌ
بأنّ زماناً مرَّ ليسَ يؤوبُ؟
غَنمنا به أمنَ الحياةِ ويُمنها
كليلٍ به يلقى الحبيبَ حبيبُ
خليل مطران:قد تولّى رفاقنا وبقينايعلم الله بعدهم ما لقينا
هل من الصاب في كؤوسك سُؤرٌ
قد سقينا يا دهر حتى روينا
أوداع يتلو وداعاً وتأبين
على الإثرِ معقبٌ تأبينا
طالع السعد كيف بدل نَوراً
يبعث الريح والسحاب الهتونا
نعمة ما سخا بها الدهر حتى
آب كالعهدِ سالباً وضنينا
خليل مطران:
وما الغضونُ تدّلى عارضاهُ بها
إلا الشجونُ جلا أشباحَها الأدَمُ
إن تقتربْ شفتاهُ والزمانُ رِضىً
ترقرقتْ منهما الآياتُ والحِكَمُ
وإن يُعرجهما في موقفٍ غَضَبٌ
راعتكَ فُوهةُ البركانِ والحِمَمُ
بينَ الصّلابِ الحواني من أضالعهِ
قلبٌ كبيرٌ لريبِ الدهرِ لا يَجمُ
يلينُ رفقاً فإن جافى وصُكَّ به
صرفُ الزمانِ تولّى وهو منهشِمُ
خليل مطران:
ليسَ أمرُ المفارقينَ كأمري
أنا في وحشةٍ بقية عمري
كان لي رفقةٌ هُمُ العيشُ أو
أطيبُ ما فيه من متاعِ الفكرِ
صفوةٌ من نوابغِ العلمِ والآدابِ
عزَّ اجتماعها في قُطرِ
نزحوا والزمانُ حِرصاً عليهم
عالِقٌ بعد كثلِّ عينٍ بإثرِ
كلُّ يومٍ نشرٌ لهم بعد طيٍّ
كلُّ يومٍ طي لهم بعد نشرِ
وتمرُ الأيامُ بي بين تجديد
لقاءٍ وبين تجديدِ هجرِ
خليل مطران:
تذكّرتُ عهداً خالياً فبكيتهُ
وهيهاتَ طِيبُ العيشِ بعد شبابِ
كأني باستحضارهِ ناظراً إلى
حُلاهُ ومشتاقٌ زكيَّ ملابِ
بروحي ذاكَ العهدُ كم خَطَرٍ به
ركبنا وكانَ الجِدُّ مزجَ لِعابِ
وهل من أمورٍ في الحياةِ عظيمةٍ
بغير صبا تمتْ وغيرِ تصابي
زمانٌ قضينا المجدَ فيه حقوقهُ
ولم نلهُ عن لهوٍ ورشفِ رُضابِ
خليل مطران:
فيالكِ أعواماً توالت صُروفها
ولم تنفِ عني شاغلاً لي مُنصِبا
دخلتُ بها غِرّاً كما تشتهي المُنى
وعُدتُ كما يهوى الشقاءُ مُجرّبا
أراني زماني سِرّهُ وهو الأذى
فأدّبني والشرُّ خيرُ مؤدّبا
وشَفّتْ طوايا الناسِ لي عن حقيقةٍ
تسوءُ إذا ما ظاهرُ الناس أعجبا
خليل مطران:
هَمَّ فجرُ الحياةِ بالإدبارِ
فإذا مرَّ فهي في الآثارِ
والصّبا كالكرى نعيمٌ ولكن
ينقضي والفتى غيرُ داري
يغنمُ المرءُ عيشهُ في صِباهُ
فإذا بانَ عاشَ بالتذكار
خليل مطران:
وداعاً أيها الخِدْنُ الحبيبُ
غداً ميعادُنا وغداً قريبُ
تعاظمني وقد ولّيتَ خَطبٌ
بجانبهِ تضاءلتِ الخطوبُ
إذا ما بانَ لأترابِ فإني
لفي أهلي وفي وطني غريبُ
يُخالطني الأولى هُم بعدُ جيلي
وليس بثوبي الثوبُ القشيبُ
لنا حالٌ ألفناها شباباً
ويجفلُ من تحولها المشيبُ
محمود سامي البارودي:
لم تدعْ صولةُ الحوادث مني
غير أشلاءِ هِمّةٍ في ثيابِ
فجعتني بوالديَّ وأهلي
ثم أنحَتْ تكُرُّ في أترابي
كُلَّ يومٍ يزول عني حبيبٌ
يا لقلبي من فرقة الأحبابِ
محمود سامي البارودي:
إنّ الثلاثين والخمسَ التي عرضتْ
ثنتْ قوايَ، وفلتْ غَربَ أشجاني
وكان يحزنني شيبي فصرتُ أرى
أن الذي بعدهُ أولى بإحزاني
وهوّنَ الأمرَ عندي أنّ كل فتى
وإن تملأ من ماءِ الصِّبا فاني
يا نفسُ لا تذهبي يأساً بما كسبتْ
يداكِ فالله ذو مَنٍّ وغفرانِ
محمود سامي البارودي:
واعلمْ بأنَّ المرءَ ليسَ بخالدٍ
والدهرُ فيهِ صحةٌ وسَقامُ
يهوى الفتى طولَ الحياة وإنها
داءُ لهُ دونَ الشَّغافِ عقام
محمود سامي البارودي:
متى أنت عن أحموقةِ الغيِّ نازِعُ
وفي الشّيبِ للنفسِ الأبيّة وازِعُ
ألا إن في تسعٍ وعشرين حجةً
لِكُلِّ أخي لهوٍ عن اللهوِ رادعُ
وهل يستفيقُ المرءُ من سكرة الصِّبا
إذا لم تُهذّب جانبيهِ الوقائعُ
يرى المرءُ عنوانَ المنونِ برأسهِ
ويذهبُ يُلهي نفسهُ ويصانعُ
وقال:
ولا تخفْ وِردَ موتٍ أنت وارِدهُ
من أخطائهِ الرزايا غالهُ الهرمُ
محمود سامي البارودي:
وكيفَ تلذُّ بعد الشّيبِ نفسي
وفي اللّذاتِ إن سنحتْ عذابي
أصدُّعن النعيمِ صُدودَ عجزٍ
وأُظهِرُ سلوةً والقلبُ صابي
وما في الدهرِ خيرٌ من حياةٍ
يكونُ قُوامَها روحُ الشّبابِ
محمود سامي البارودي:
فإني امرؤٌ جرّبتُ دهري وزادني
به خِبرةً صبري على الحلوِ والمُرِّ
بلغتُ مدى خمسينَ وازددتُ سبعةً
جعلتُ بها أمشي على قَدَمِ الخِضرِ(صاحب موسى)
فكيفَ تراني اليومَ أخشى ضلالةً
وشيبيَ مصباحٌ على نورهِ أسري
محمود سامي البارودي:
أبعدَ ستينَ لي حاجٌ فأطلبها؟
هيهاتَ ما لامرئٍ بعد الصِّبا حاجُ؟
إن ابنَ آدمَ في الدنيا على خطرٍ
لا يستقيمُ لهُ قصدٌ ومنهاجُ
كأنّما هو في فُلكٍ تحيطُ بهِ
من جانبيهِ أعاصيرٌ وأمواجُ
محمود سامي البارودي:
إلام يهفو بحلمكَ الطّرب؟
أبعدَ خمسينَ في الصِّبا أرَبُ؟
هيهاتَ ولّى الشّبابُ واقتربتْ
ساعةُ وِرْدٍ دنا بها القَرَبُ
فليسَ دونَ الحِمامِ مُبتَعدٌ
وليسَ نحو الحياةِ مُقتَربْ
محمود سامي البارودي:
تولّى الصِّبا عني فكيفَ أُعيدُهُ
وقد سارَ في وادي الفناءِ بريدُهُ
أُحاولُ منهُ رجعةً بعد ما مضى
وذلك رأيٌ غابَ عني سديدُهُ
محمود سامي البارودي:
فَلنعمَ ذاكَ العيشُ لو لم ينقضِ
ولَنعمَ هذا العيشُ إن لم يَنْفَدِ
يرجو الفتى في الدهرِ طولَ حياتهِ
ونعيمهِ والمرءُ غيرُ مُخلّدِ
محمود سامي البارودي:
إذا زادَ عمرُ المرءِ قلَّ نصيبهُ
من العيشِ والنقصان آفة من نما
واغتنم عمركَ إبانَ الصِّبا
فهو إن زادَ مع الشيبِ نقصْ
محمود سامي البارودي:
والدّهرُ مدرجَةُ الخطوبِ فمن يَعِشْ
يهرمْ ومن يهرمْ يعِثْ فيه البلى
فاذهب بنفسك عن متابعةِ الصِّبا
وارجعْ لحلمك فالأمور إلى انتها
هذا لعمرُ أبيكَ داعيةُ الرِّضا
وسلامةُ العُقبى ومفتاحُ الغنى
إسماعيل صبري:
لم يدرِ طعمَ العيش شُب
انٌ ولم يُدركهُ شِيبُ
جهلٌ يُضلُّ قُوى الفتى
فتطيشُ والمرمى قريبُ
وقوىً تخورُ إذا تشب
ثَ بالقوى الشيخُ الأريبُ
فيما يُقالُ كبا المغف
لُ إذ يُقال خبا اللبيبُ
أوّاهُ لو علم الشبا
بُ، وآهِ لو قدرَ المشيبُ
محمود سامي البارودي:
نزعتُ عن الصِّبا وعصيتُ نفسي
ودافعتُ الغَواية بالتأسي
وقلت لِصبوتي والعينُ غرقى
بأدمعها رويدكِ لا تمسِّي
فقد ولّى الصِّبا إلا قليلاً
أُنازِعُ سُؤرَهُ بفضولِ كاسي
ومن يكُ جاوزَ العشرين تترى
وأردفها بأربعةٍ وخمس
فقد سفرت لعينيهِ الليالي
وبانَ لهُ الهدى من بعد لَبْسِ
محمود سامي البارودي:
لله أيامٌ بهم سلَفتْ
لو أنها بالوصلِ تُؤتَنفُ
إذ لِمّتي فينانةٌ ويدي
فوقَ الأكفِّ وقامتي ألِفُ
أجري على إثرِ الشبابِ ولا
يمشي إلى ساحاتي الجَنَفُ
ضافي الغديرةِ عارِمٌ شرِسُ
صعبُ المريرةِ سادرٌ انِفُ
فالآنَ أصبحُ طائري وَقِعٌ
بعد السّموِ وصبوتي أسف
وغدوتُ بعد الكبرياء على
كل الورى بالعجز أعترفُ
وكذلكَ الأيامُ آخرُها
بعد الشّبابِ الضّعفُ والخَرفُ
والمرءُ مهما طالَ طائلهُ
يوماً لصائبةِ الرّدى هدفُ
فلبئسَ ما قدمَ المشيبُ به
ولِنعمَ ما ولى به السّلفُ
علي الجارم:
في حكمةِ الشّيبِ لي عزاءٌ
وكم وعيدٍ حوى وعودا
كان شبابي رفيق عمري
فعشت من بعدهِ وحيدا
يعودُ في الكونِ كلُّ شيئٍ
وذاهبُ العمر لن يعودا
علي الجارم:
إني طرحتُ من الشّبابِ رداءَهُ
وثنيتُ عن لهوِ الصّبابةِ جيدي
واخترتُ من صُحُفِ الأوائلِ صاحبي
وجعلتُ مأثورَ البيانِ عقيدي
ومررتُ بالتاريخِ املأ ناظري
منه وأُحي بالفناءِ وجودي
وإذا التمستُ من الدهورِ رسالةً
فصحائفُ التاريخِ خيرُ بريدِ
علي الجارم:
حِكمةُ الشّيبِ في مِراسِ التجاريبِ
وفكرٌ أمضى شباً من سِنانِ
جَنتِ السِّنُ ما جنت غير عقلٍ
زادَ بالسِّنِ صولةً ولسانِ
علي الجارم:
لستِ من شأنه ولا بعضِ شأنهِ
كبحَ الشّيبُ والتهى من عنانهْ
فاذهبي، ما سلا الفؤادُ ولكن
ساقهُ يأسهُ إلى سُلوانهْ
وبدارِ الفردوس من جانبوا الإثمِ
لعجزِ النفوسِ عن إتيانهْ
قد تولّى الشبابُ ريحانةُ
الحبِّ، فمن لي بالحبِّ أو ريحانهْ
آه من حيرة المشيب:سواءٌ
هو في بوحهِ وفي كتمانهْ
إن كتمناهُ قهقه الدهرُ جذلا
نَ ومدَّ الخبيثُ طرفَ لسانهْ
أو أبحناهُ راعنا كلَّ يومٍ
شُرفاتٌ يهوين من بنيانهْ
ورأينا الغيدَ الأماليدَ حُلماً
ضنَّ بالملتقى على وسنانهْ
كلُّ شئٍ لهُ أوانٌ يوّفيه
وفوتُ الشباب قبل أوانهْ
كم نعمنا به زماناً فلما
طاحَ، عشنا في ذكرياتِ زمانهْ
ما أحيلى الصِّبا فهل لمحةٌ منهُ
ومن زَهوهِ ومن ريعانه؟
بانَ بالأمس ركبهُ، فتطلّعتُ
أعدُّ الطيوفَ من أظعانهْ
وبدا في طليعةِ الركب طيفٌ
لجَّ منه الفؤادُ في تحنانهْ
علي الجارم:
أنا قلبي من الشباب، وجسمي
أثخن الشيب رأسه بحرابه
أملٌ هذه الحياة! فهل يع
ثر بي الموت دون وشك طلابه؟
كلما رمتُ لمحة من سناء
هالني بعدُه وطول شِعابه
ما الذي تبتغي يد الدهر مني
ودمي لا يزال ملء لعابه؟
دع يراعي يا دهر يملأ سمع الن
يل من شدوه وعزف ربابه
علي الجارم:ضلة نكتم المشيب فيبدوضاحكاً ساخراً خلالَ خضابه
أين من يستطيع أن يرشد الدنيا
وسوطُ المنون في أعقابه؟
أيها الموت أمهل الكاتب ال
مسكين يُرساْ أنفاسه في كتابه
آه لو يشتري الزمان قريضي
بسنين تمدُّ لي في حسابه!
ما حياتي،والكونُ بعد جهاد
لم أزل واقفاً على أبوابه؟
تظمأ النفس في حياة هي الفقر
فترضى بنهلة من سرابه
ابراهيم ناجي:
يا ربِّ غفرانك إنا صِغارٌ
ندبُّ في الدنيا دبيبَ الغرور
نسحبُ في الأرضِ ذيولَ الصغار
والشيبُ تأديبٌ لنا والقبور
إبراهيم ناجي:
يا ويلتا من عمري الباقي
هذا سوادٌ تحت أحداقي
هذا بياضُ الشّيبِ واعجبي
من مغرب في زي إشراقِ
يا دهر لم أشكُ الكلالَ ولا
ملكتْ خطوبُ الدهر إرهاقي
عذبت أيامي بعفّتها
وقتلتها بصفاء أخلاقي
إبراهيم ناجي:نزلَ الستار ففيم تنتظرخلت الحياة وأقفر العمر
لم يبقَ إلا مقفر تعس
تعوي الذئاب بهِ وتأتمر
هو مسرح وانفضَ ملعبه
لم يبقَ لا عينٌ ولاأثر
ورواية رويت وموجزها
صحبٌ مضوا وأحبّةٌ هجروا
عبروا بها صوراً فمذ عبروا
ضحك الزمانُ وقهقه القدر
عبد الرحمن صدقي(الرسالة العدد702):عجيبٌ أمرُ هذا الناس تعشونواظرهم فلا تعدو الغطاء
هو القلب الصديع ترون شطراً
أمامكم،وسائرهُ وراء
أنكرتُ من بصري ما كنتُ أعرفه
وأسترجعُ الدّهر ما قد كان يُعطينا
أبعد سبعين قد ولّت وسابعة
أبغي الذي كنت أبغيه ابن عشرينا
سيد قطب:
شكا بؤس ماضيه الحفيل الجوانب
بكل مصائب فادح العبء صائب!
وضاق به صدراً على طول صحبة
تمل، ويا بئس الأسى من مصاحب!
وود لو أن الدهر يعفيه برهة
من الغابر المملول جمّ النوائب
فأصغت له الأقدار في أمنياته
على أنها لم تصغ يوماً لطالب
وأعفته من ماضيه حتى كأنه
وليد خلي القلب من كل نائب
نضا عنه أعباء السنين الغوارب
ونحّى عن الآمال قيد التجارب
وعاد طليقاً لا يعوّق خطوهُ
مراس، ولا يثنيه خوف العوافب
وخفّض صوت الذكريات أو امحّى
وجلجل كالناقوس صوت الرغائب
وآض وليد اليوم في ميعة الصبا
جديداً بدنياه، جديد المطالب
بعيداً عن الماضي الذي أده الأسى
وحفّت به الأحداث من كل جانب
ولكنه ألفاه أسوان موحشاً
كما أفرد الأنسيّ من كل صاحب
وألفاه مقصوص الجناح إذا هفا
إلى الأوج لم يسعفهُ عزمُ المغالب
وقد أبصر الآمال عرجاء لم تجد
لها سند من ذكريات ذواهب
فعاد إلى الأقدار يشكو صنيعها
ويوسعها في شكوه عتب عاتب
أما يستطيع الدهر ـ لو شاء نصفة
له ـ عوضاً عن غابر منه خائب
فأصغت له الأقدار في أمنياته
على أنها لم تصغ يوماً لطالب
وأعطته أنقى صفحة في كتابها
لأسعد مخلوق وأهنأ راغب
ولكنه ألفاه لم يغد مالكاً
لما منحته من عزيز المواهب
وألفاه لم يكشف خبيئة نفسه
لذيالك الماضي الذي لم يصاحب
وأبصر بالآمال حيرى كأنما
تساءل عن داع لها جد دائب
دعاها فلما أقبلت في سمائها
رأت غيرهُ في غفلة غير راقب
وما الأمل „البسام“ إلا رغيبة
لنفس ترى من دهرها وجه“غاضب“
فعاد إلى الأقدار يطلب عونها
على رجع ماضيه بحسرة تائب
أجل عاد ملهوفاً لمرّ التجارب
وأيامهُ الأولى الظماء السواغب
أجل ذلك الماضي الذي هو بضعة
من النفس دسّت في الحشا والترائب
فأصغت له الأقدار في أمنياته
علىأنها لم تصغ يوماً لطالب
وعاد إلى دنياه من بعد غربة
وألقت عصاها واستقرت بآيب
محمود الخفيف في قصيدة“في أخريات الخريف“(مجلة الرسالة العدد 491):
تنذرني أوراقُ هذى الكرومُوفي حواشي الأفق تلك الغيومْوفي وجوه الناس هذا الوجومْ
تساقطت ذاويهْ غارقة طافيهْبادية أسبابه خافيهْ
خشخشة الأغصان كم زيّنتْوصفرة العيدان كم لوّنتوالريحُ كم ولولةٍ أعلنتْ
للنفس أشجانهابالموتِ الحانهامثل التي حاولت كِتمانها
حتام توحي أخريات الخريفللنفس هذا الحزنواعجبا: هذا النسيم الخفيف
يفرَق منه البدن
وكلُّ شيءٍ فيه معنى مخيف
ألبسهُ حولي خيال الكفن
تلوح في أوراقه الذابلهفيها جسومٌ ترتمي ناحلهيُطلُّ من أعينها الذاهله
كلُّ معاني الشّقاءأومى إليها الفناءالجوعُ والسّقمُ وقرُّ الشتاء
وألمحُ الىلاف ألقى بهاطعينة تشكو إلى ربهالائذة بالموتِ من رُعبها
لحتفها طاغيهمن يده العاتيهمما ترى في هذه الغاشيه
وصوّرت أيامي الذاهبهوكم تهادت كالمنى الكاذبهللموت تمضي زُمراً واثبه
ما إن لها من مآبْلاحت كلمح السّرابمعجّلة أغرى بهنَّ الوثاب
واحَزنا أغصانها العاريههل من ربيع للمنى الداويهباتت شتاءً كلُّ أياميه
تكسى غداة الربيعوالقلبُ ذاوٍ صديعيا هولهُ بعد ربيع مريع
بدوي الجبل:
أتسألينَ عن الخمسينَ ما فعلتْ
يبلى الشبابُ ولا تبلى سجاياهُ
في القلبِ كَنزُ شبابٍ لا نفادَ لهُ
يُعطي ويزدادُ ما ازدادتْ عطاياهُ
فما انطوى واحدٌ من زَهوِ صَبوتهِ
إلا تفجرَّ ألفٌ في حناياه
هل في زواياهُ من راحِ الصِّبا عَبَقٌ
كلُّ الرحيقِ المُندى في زواياهُ
يبقى الشبابُ ندِياً في شمائلهِ
فلم يَشِبْ قلبهُ إن شابَ فَوداهُ
بدوي الجبل:
وقامة تحمل التسعين لا وهن
فيها على الرحلة الكبرى ولا أود
وللعيون بريق كاد يحسده
زهو الشباب وأبراد الصِّبا الجدد
والعبقري شباب عمره وهوى
وجذوة في زوايا قلبه ودد
بدوي الجبل:
أذكرتك الحياة بالشيب والسقم
فهيئ للفارك التطليقا
حمل الموت من لداتك شوقاً
يستحثُّ الخطى وعتباً رقيقا
شفيق جبري:(يتحدث عن عزلته)
تجافت عن الدهماء لم تحتفل بها
ترى عبسهم بشراً وبشرهم عبساً
فما ألفت بالليل بارقة الدجى
ولا هي ناغت في رفيف الضحى الشمسا
ومالي وما للناس أبغي وصالهم
فما وصلهم نعمى ولاهجرهم بؤسا
شفيق جبري:
والعمرُ بعد الأربعينَ مضاضةٌ
تطأ النفوسُ بها أديمَ يبابها
شفيق جبري
اندب صباكَ وقُلْ: عليه سلامُ
ذهبت بطيبِ حياتك الأيام
واهاً لأيام الصِّبا كيف انقضتْ
حسناتها؟فكأنها أحلامُ
زمنَ الصِّبا جاشتْ بقلبي لوعةٌ
ما تستقِلُّ مضيضها الأعلامُ
ما جال ذكرُكَ ساعةً في خاطري
إلا انجلت عن خاطري الأسقامُ
ما زار طيفكَ في الظلام مُذكراً
إلا استضاء بطيفك الإظلامُ
فإذا عشقتُ فأنتَ ملءُ جوانحي
لا تستبيني بعدكِ الآرامُ
وإذا ذكرتُ فلستُ غيركَ ذاكراً
ما تثني عن ذكركَ الأقلامُ
شفيق جبري:
إنّ الثمانين التي استنفدتها
أحيت مشيبي بعد موت شبابي
لمعتْ كبارقة السّرابِ بقفزةٍ
أينَ السرابُ وأينَ لمعُ سرابِ
كمْ قد لهوتُ وكم لعبتُ مع الصِّبا
واليوم، ما لهوي؟ وما تلعابي؟
أشكو وما شكواي إلا وحدة
فوق الجبالِ وفي ظلالِ الغابِ
أصبو إلى الماضي وطال غيابه
يا لهفتي من بعد طولِ غيابِ
أين الصحاب زمان شرخُ شبابنا؟
ذهب الزمان، وغابَ فيه صحابي
فكأنّما الأيام في دورانها
تلهو بنا في جيئةٍ وذهابِ
ما قيمةُ الدنيا إذا فُرشتْ لنا
من بعد زينتها فراش ترابِ
أنور العطار:والعمرُ يحكي مستغيثاً علاأنينه ثم تولّى صداه
أنور العطار:أسيت لعمر تولّى سناهكإيماضة الشّعلة الوانيه
فيالكَ من عمر ضائع
كما تنثر الباقة الذاويه
هوى النجم من شرفات الحياة
فأمست على إثره هاويه
أفاتكَ أنّي جمّ الجروح
أعيشُ على يدك الآسيه
فولّيت عني وخلّفتني
أحنّ إلى الساعة القاضيه
أموت وقيثارتي ما تزال
تنوح على مهجتي الصاديه
أنور العطار:قد نزعنا ثوبَ الحياة قشيباًوجرعنا الرّدى بكأسٍ دهاقِ
وأفقنا وللصباحِ عبوسٌ
والدُّجى الوحف قاتمُ الأعماقِ
ملّتِ النفسُ صحوها وكراها
واصطباحي من همّها واغتباقي
فمتى أستريحُ من عبئها القا
سي وأنجو من سحرها البراقِ؟
يا مغيبَ الحياةِ أنسيتني النورَ
وأقصيتني عن الإشراقِ
ومحوت الوجودَ إلا رسوماً
أوثقتها يدُ البلى في وثاقِ
آذنتنا أيامنا بانقضاء
وانطلقنا من قيدها الخنّاق
أعتقتنا المنونُ من أسرها الصّعبِ
ومّما حوتْ من استرقاقِ
ما انتفاعي بالبدرِ ثِمّاً إذا كانَ
هلالي تِرْبَ البِلى والمُحاقِ؟
أنا في قبضةِ الإله!وكم أحمدُ
رقيِّ وكم أحبُّ وثاقي
فاذهبي يا حياةُ كلَّ ذهابٍ
واطرحيني من ليلك الغسّاقِ
وخذي ما أمضّني وعَناني
في ديارِ الإفقارِ والإملاقِ
تاقتِ النفسُ للخلاصِ من الأسرِ
وحنّتْ إلى المطافِ الواقي
قد كفتنا الحياةُ همّاً وغمّاً
وشقتنا المنونُ مما نلاقي
نتساقى كؤوسنا مترعاتٍ
ولكم لذَّ في الجِنانِ التساقي
حرتُ في الموتِ والحياة وأعيا
ني صحوي وطابَ لي إغراقي
يا لَسُمِّ نلذّه،وذعافٍ
يحتسيهِ اللديغُ كالترياقِ
لالا يحوم الشّفاء حول مِهادي
والضّنى المرّ آخذنا بالخناقِ
فاسترحْ أيها السقيمُ المُعنّى
من فؤادٍ مُروّعٍ خفّاقِ
نضبت أكؤسُ الهوى،وامحى البشرُ
ولاحَ الفراقُ خلفَ العناقِ
وطويتُ الشّبابَ في ورقِ العمرِ
وودّعتهُ بدمعٍ مُراقِ
فارقدي يا حياةُ في كهفكِ الحاني
وفي مهدك الوثيرِ الباقي
عصام العطار:
وما الحياةُ سوى حُلمٍ ألمَّ بنا
قد مرَّ كالحُلْمِ ساعاتي وأيامي
هل عِشتُ حقاً؟ يكادُ الشكُّ يغلبني
أم كانَ ما عِشتهُ أضغاثَ أحلامِ؟
في مثلِ غمضةِ عينٍ وانتباهتَها
قد أصبحَ الطفلُ شيخاً أبيضَ الهامِ
يُقارِبُ الضّعفُ خطوي وإن قدرتُ على
خَطوِ، ويُقعدني أثقالُ أعوامي
وخانَ عهدي بياني إذ دعوتُ به
وخانَ عهدي أوراقي وأقلامي
وخانني بصري والسّمعُ ـ ويحهما ـ
والجسمُ ناءَ بأسقامي وآلامي
لولا اليقينُ ـ بربي ـ لا شريك له
لما رأيتُ حياتي غيرَ أوهامِ
جورج صيدح:
شبعنا من الأيام يا شمس يوشع
ومن يلتهم زاد الثمانين يشبع
ينام ويصحو في ثياب المودع
جورج صيدح:
توارت في الضباب حياة أرعن
تقلّبَ في مناكبها سنينا
أساءَ لنفسه حيناً وأحسن
إلى أصحابهِ في الدروب حينا
وماذا يرتجي الشعراء ممن
تجاوز مرتين الأربعينا
تغرّب، لا يطيق العيش مع من
يتاجر بالحمى والساكنينا
ولي قلب نديّ إن تغضَن
جرى دمه كمدمعه سخينا
وأجفان عليها السهد دون
هزيمة فارس المتغربينا
حزين لبّه، والوجه أحزن
يبش ولا يغش الزائرينا
تمادى ليله حتى تبين
صباح اليوم، يوم الآخرينا
تعوّد أن يغرد حين يطعن
وحين يردّ سهم الطاعنينا
أناخ الداء همته وأزمن
ولم يستعطف الداء الزمينا
تمعن كلما المكروه أمعن
وكفكف عن مقاتله المنونا
بحول الله رب العالمينا
فارس الخوري:
ليالي التصابي قد جفاني حبورها
ولِمّتي السوداء أسفر نورها
ومنْ لي بإنكارِ الحقيقة بعدما
تجلّى على وجهي وفَودي نذيرها
تذكرتُ أيام السرور التي مضت
فيا ليت شعري هل يعود سرورها
لدن لي مع الأصحاب سهم مسّدد
وحظي من ريم الكناسِ غريرها
أسفت على عهد الشَبابِ ولم تعد
تثير فؤادي مقلة وفتورها
وأدنتني الأيام من هوة الونى
فأصبح مني قاب قوس شفيرها
وكادت حروف الدهر تطوي صحائفي
وهل بعد هذا الطيّ يرجى نشورها
محمد الفراتي:
شابَ رأسي من الزمان وشابت
مع رأسي جوامح اللذاتِ
أتراني وقد بلغت من العم
ر عتياً وجفَّ ماء قناتي
وأراني قد أنفت على التس
عين حتى حسبت من الأموات
أتمنى بأن يعود شباب
لي طالت في إثره حسراتي
قال: هذا عليَّ غير عسير
فأطعني أجئك بالبيناتِ
فخري البارودي:
بعد موتي أمتي تعرفني
فأنا في أمتي كالعافيه
أحمد عبيد صاحب المكتبة العربية الهاشمية:
ثمانون عاماً جُزتها بسلام
وعشرة أعوام مضت بتمام
تقلّبتُ فيها بين لين وشدّة
وإخفاق آمال ونيل مرام
وما كان لي غير التجمل حلية
وغير ادّراع الصبر حين صدام
وإني لأرجو أن أعود إلى الثرى
بخالص إيمان وحسن ختام
فؤاد الخطيب(أحد أعداد مجلة الحديقة لمحب الدين الخطيب خال العلامة علي الطنطاوي):
نظر المشيبُ إليك قبلَ أوان
فرزحتَ تحت غوائل الأشجان
ودّعتَ يومك فاستطار بك الأسى
جَزَعاً تَعَضُّ عليه كلَّ بَنانِ
ونفضتَ ثوبك منه اشعثَ مُحنَقاً
نفضَ العُقاب الطلّ فوق رِعانِ
كم نظرةٍ لك إن عبست كأنها
قَبسٌ تهافتَ عن شَباةِ سِنانِ
فاهزأ بدهرك مُقبلا أو مُدبراً
إن ضاق ذرعُ سواك بالحرمان
ويح الطبيعةَ كيف تمزج بِرّها
باللؤم تَسخر منك كالمُجّان
تركتك أعزلَ بين مستجر الأذى
فتخطفتك طوارق الحدثان
ورمتك بالخَلق المشمّر خلسةً
من كلِّ مُطّلَع وكل مكان
متدفق وقد استسرَّ محجَّباً
يستلّ منك سلامة الأبدان
إن ضلّلتك وأوبقتك فإنها
طُبعت على التمويه والعدوان
ولشدّ ما اختلفت عليك وأصبحت
لك قدوة في الختل والرّوغان
فركبت رأسك تستفزّك تجشُّماً
من أجل بعض اللهو بضع ثوان
أجرٌ ـ لعمر أبيك ـ أبخسُ ما رأت
عينان،أو سمعت به أذنان
فسلِ الحياة إلى مَ يصرع بعضها
بعضاً؟ فمجنيٌّ عليه وجانِ
هي بين مأكول وآخرَ آكلٍ
متطاحنين:فناشيء من فان
لله كم للجهل عندك من يدٍ
أزرت بكل يد من العرفان
عبرت بك الأوهام تأنس عندها
بردَ اليقين ونعمة الرضوان
من أنت في الدنيا، ومن هي نفسُها
فتقول“نحن“ ومن هما الثقلان؟
أطرقتَ منخلعَ الفؤاد بمعزل
واليأس حولكَ ضاربٌ بجرانِ
وغبرتَ تهلع من مصيرك في غدٍ
أن يستبدّ به الزوال الثاني
تنقضُّ منتثر الهباء ممزَّقاً
بين العناصر طامسَ العنوانِ
حملَ الغُواة عليك في نزعاتهم
فضلات بين الحس والوجدان
إني كفرتُ بما يقول غويّهم
ورضيت بالتوحيد والإيمان
ومن الخلود على الخلود أدّلةٌ
للنفس تنسخ زُخرُفَ البهتانِ
والأرضُ دائرة فهل أبصرتها
كرةٌ، وهل أحسست بالدوران
الحسُّ يكذب، والعقول كليلة
والروح أطهر، والوجود معاني
جبرائيل الدلال في قصيدته العرش والهيكل:(1836 ـ 1892) من حلب:
عسرت لك الأيام في تجريبها
وسرت بك الأوهام إذ تجري بها
ومضت أويقات الهنا وتلاعبت
أيدي سبا ببعيدها وقريبها
فإلام تعرض ناسياً ذكر البلى
وعلام تغريك الحياة بطيبها
واللمة الشمطاء تنذر بالفنا
وتشيب صفو صفائنا بمشيبها
ولّى الشباب وأخلقت أثوابه
وا حسرتى لنضيرها وقشيبها
وتجشّمت هول الزمان وجوهنا
وعن النضارة بدّلت بشحوبها
والشمس تسطع في أوان شروقها
والإصفرار يكون عند مغيبها
وحياتنا بشرورها وغرورها
كسفت فكان شروقها كغروبها
فكأنها لجج تخوض عبابها
وسوابق تجري على يعبوبها
فإذا دعتك دواعي اللهو اتئد
بعداً لسامع صوتها ومجيبها
ربّ النهى من صمَّ عن تصويتها
وأخو الحِجى من ضلَّ عن تصويبها
تصفو الحياة مع الشبيبة برهة
ويروق كأس العمر عن مشروبها
ومع المشيب تمضنا أكدارها
وا خشيتي من مرّ طعم رسوبها
ركدت وقد كمن البلاء وشرّه
برحيقها ورسا بصافي كوبها
من دأبها عطل الكريم وسلبه
جمحت فما تنفّك عن أسلوبها
عجباً لها إن كان أول أمرها
هذا النكال فما ترى بعقيبها
الأخطل الصغير:عشتُ شقيّاً ولم أُبالِيولم يمرّ الهنا ببالي
أُعلّلُ النفسَ في نهاري
وألزمُ الدرسَ في الليالي
رقَّ شعوري فرّق جسمي
ورقَّ ديني ورقَّ مالي
الشاعر القروي:
أسفي ولّى شبابي
وتلاشى كالضّبابِ
وانطوى سِفرُ الأماني
وانقضى عهدُ التصابي
كم مُصابٍ ساحبٍ لي
خلفه أللفَ مُصابِ
كُلما قلتُ عذابي
خَفَّ يزدادُ عذابي
رَبِّ كم ألقى حساباً
قبلما يأتي حسابي
ذهبَ السقمُ بجسمي
وتمشى في ثيابي
بتُّ مما قد سقاني
الدهرُ من خلٍّ وصابِ
لو أتاني الآن بالكوثر
صفيّتُ شرابي
أيها الناسُ احذروا من
سُكرِ الدهر المُذابِ
إيليا أبو ماضي:قُلْ للذي أحصى السنينَ مفاخراًيا صاح ليسَ السرُّ في السنواتِ
لكنّهُ في المرءِ كيفَ يعيشها
في يقظةِ أم في عميقِ سُباتِ
قُمْ عُدَّ آلافَ السنين على الحصى
أتعدُّ شبه فضيلةٍ لحصاة؟
خيرٌ من الفلوات لا حدَّ لها
روضٌ أغنّ يقاس بالخطوات
كنْ زهرة أو نفحة في زهرة
فالمجدُ للزهرات والنفحات
تمشي الشهور على الورود ضحوكةً
وتنامُ على الأشواكِ مكتئبات
وتموت هذي العقمُ قبل مماتها
وتعيشُ تلك الدّهر في ساعات
تحصي على أهل الحياة دقائق
والدّهرُ لا يُحصى على الأموات
العمرُ إلا بالمآثرِ فارغٌ
كالبيتِ مهجوراً وكالموماةِ
جعل السنين جميلة وكبيرةً
ما في مطاويها من الحسناتِ