الشّباب والشيخوخة (١٢/١٢)
إيليا أبو ماضي:
وجدتُكَ والشّيبُ في مفرقي
وودّعني وأخوكَ الصِّبا
فليسَ بكائي عاماً خلا
ولكن شبابي الذي غُيِّيبا
فيا فرحاً بمجئ السنين
تجئُ السُّنونُ لكي تذهبا
عجيبٌ مشيبي قبل الأوانِ
وأعجبُ أن لا أرى أشيبا
فإنَّ نوائِبَ عاركتُها
تردُّ فتى العشرِ مُحدودبا
إيليا أبو ماضي:
تلك السنونُ الغارباتُ ورائي
سِفْرٌ كتبتُ حروفهُ بدمائي
ما عِشتها لأعدّها بل عشتها
لتبينَ في سيمائها سيمائي
سِيّانِ لو أني قنعتُ بعدّها
عمري وعمرُ الصخرةِ الصّماءِ
أينَ الشبابُ ألفُّ أحلامي بهِ
ليسَ الشبابُ الآن لي برداءِ
نفسي تحسُّ كأنما أثقالها
قد خُيرت فتخيّرت أعضائي
كم من رؤىً طلعت عل جَنباتها
ركباً من الأضواءِ والأشداءِ
إيليا أبو ماضي:
يا ليتما رجعَ الزمانُ الأولُ
زمنُ الشبابِ الضاحكُ المتهلّلُ
عهدٌ ترحلَّتِ البشاشة إذ مضى
وأتى الأسى فأقامَ لا يترّحلُ
ولّى الصِّبا وتبدّدت أحلامهُ
أودى به وبها قضاءٌ حَوَّلُ
حصدت أناملُهُ المنى فتساقطت
صرعى، كما حصدَ السنابلَ منجلُ
فالروحُ قيثارٌ وهت وتقطّعت
أوتارهُ والقلبُ قفرٌ مُمحِلُ
والشّيبُ يضحكُ برقَهُ في لِمّتي
هذي الضواحكُ يا فؤادي، أنصلُ
أشتاقُ عصركِ يا شبيبةُ، مثلما
يشتاقُ للماءِ النميرِ الأيِّلُ
يا صاحبي، والعمرُ ظلٌ زائلٌ
إن كنت تأملُ فيه أو لا تأملُ
جبران خليل جبران:
علا مفرقي بعد الشباب مشيب
ففودي ضحوك والفؤاد كئيب
إذا ما مشى هذا الشرار بِلمّة
فما هي إلا فحمة ستذوب
أراعكَ إصباح يطارد ظلمة
بها كان أنس ما تشاء وطيب
فما بال ضوء في دجى الرأس مؤذن
بأن زماناً مرّ ليس يؤوب
غنمنا به أمن الحياة ويمنها
كليل به يلقى الحبيب حبيب
شباب تقضّى بين لهو ونعمة
إذ الدهر مصغ والسرور مجيب
وإذ لا تعد المعصيات على الفتى
خطايا ولا تحصى عليه ذنوب
وإذ كل صعب لا يرام مذلل
وكل مضيق لا يجاز رحيب
وإذ كل أرض روضة عبقرية
وكل جديب في الديار خصيب
وإذ كل ذي قلب خفوق بصبوة
على الجهل منه شاعر وأديب
وإذ يثب الفكر البطيء فيرتقي
إلى الأوج لا يثنيه عنه لغوب
وإذ نستلذ القرّ وهو كريهة
وإذ نستطيب الحرّ وهو مذيب
وإذ تتلقانا الصروف برحمة
وينحاز عنا السهم وهو مصيب
تقينا الرزايا رأفة الله بالصبا
وتدرأ عنا الحادثات غيوب
فكنا كأفراخ تعرض وكرها
وللنوء هطل والرياح هبوب
فلم تؤذها الأمطار وهي مهالك
ولم يردها الإعصار وهو شعوب
بل اهتزّ مثواها ليهنئها الكرى
وبلت لإمراء الطعام حبوب
رعى الله ذاك العهد فالعيش بعده
وجوم على أيامه ووجيب
يقولون ليل جاءنا بعده الهدى
صدقتم هدى لكن أسى وكروب
إذا ما انجلى صبح بصادق نوره
وبدد من وهم الظلام كذوب
وحصحص حق الشيء راع جماله
ولم تخف عورات به وعيوب
وأضحى ذليلاً للنواظر مشهد
رأته بنور الشهب وهو مهيب
فهل في الضحى إلا ابتذال مجدد
تثوب به الأنوار حين تثوب
وهل في الضحى طيف يسر بزورة
إذا ساءنا ممن نحب مغيب
وهل في الضحى إلا جروح وغارة
لحوح وإلا سالب وسليب
وهل في الضحى كأس صفوح عن العدى
إذا رابت الكاسات ليس تريب
إليكم عني بالحقائق إنني
على الكره مني بالحياة طبيب
أعيدوا إلى قلبي عذير شبابه
فما الشيب إلا عاذل ورقيب
ولا غرّكم مني ابتسام بلمتي
فرب ابتسام لاح وهو شبوب
أليست نجوم الليل أشبه بالندى
على أنها جمر ذكا ولهيب
ناصيف اليازجي:
إنّ الحياة هي الشباب وإن تزد
نقصت كلفظ بالزيادة صغرا
نرجو من الدّنيا الدوام ونفسها
كحطامها بما يباع ويشترى
دول وأجيال تمر وتنقضي
فيها وتبقى الكائنات كما ترى
إبراهيم المنذر:
ماذا تريدينَ منّي والزمانُ طوى
عهدَ الشبابِ وجاءَ الشّيبُ يطويني
مرّتْ لحاظكِ لم يشعر بوطأتها
قلبي وكانتْ بذاكَ العهدِ تُصميني
وماسَ قَدُّكِ مثل الخيزران فلم
أعبأ كأنّ التثني ليس يعنيني
ألفرقُ في العمرِ لا تخفى دلائله
وما ابنُ ستينَ عاماً كإبنِ عشرينِ
أحمد صافي النجفي:
استقبلُ الستينَ مستوحشاً
لا أهل ،لا مال، لا ولدُ
لا سكنٌ آوي له ثابتٌ
لا سَكنٌ ، لا هندُ ولا دعدُ
أحفادُ أصحابي لهم ولدٌ
وها أنا من عمري جَدُّ
مشردٌ ليست له غايةٌ
في مَهمةٍ ليس له حدُّ
أحمد صافي النجفي:
تأملتُ في كأسِ الطلا وهي في يدي
فأبصرتُ آلامي عليها تخطط
ولاحَ شيبي وهو شِلو ممزّق
ولكنهُ بالذكرياتِ محنّط
وأبصرتُ ندماني يضمهم الثرى
وأسعى بآمالهم إليهم فأقنط
فغطت على سكر الطلا سكرة الأسى
وأسرعت الأنفاس تعلو وتهبط
فكادت هناك الكأس تسقط من يدي
وكادت يدي من جانب الكأس تسقط
أحمد صافي النجفي:
أبعد الأربعين أعاف خُلقي
وحتى اليوم ما لوثتُ سِفري
أرى زمني تجاهلني وإني
على رغم الزمانِ عرفت قدري
هويتُ صلاحهُ وهوى فسادي
كلانا في نضال مستمر
إذا ما الكونُ كلّفني فساداً
فأجمل موضع في الكون قبري
جميل صدقي الزهاوي:
لَموتُ الفتى خيرٌ له من معيشةٍ
يكونُ بها عبئاً ثقيلاً على الناسِ
جميل صدقي الزهاوي:
ذكرتُ أيامي بشرخ الصّبا
إذ أنا في لهو وفي أنسِ
إذ كنتُ والأهواء تقتادني
أصبح فيها غير ما أمسي
من عجب أني لم أنسها
وفي هموم النفس ما ينسي
واليوم تلقاني أسعى إلى
سعدي فلا ألقى سوى نحسي
أطال حبسي الدهر في ضيق
ماذا يريد الدهر من حبسي
أشربني من خمره حسوة
وشح أن يملأ لي كاسي
جميل صدقي الزهاوي:
إذا الفتى بان فيه الوهنُ والكِبرُ
فأيُّ عيش من الأيام ينتظرُ
قد كنتُ أرغبُ في الأسفارِ منتقلاً
إلى بلاد نأت إذ كنتُ أقتدِرُ
واليوم عن سفري في الأرض يوقفني
خلّو ذات يدي والضعف والخور
قد كنتُ في كلِّ يوم راكباً سفراً
واليوم قد حان عن دنياي لي السفر
جميل صدقي الزهاوي:
إني لأطلب في حياتي راحة
ويعز إلا في المنيّة مطلبي
أنا لا أود ركوب نعش سابق
هيهات إن النعش أخشن مركب
حتى إذا اشتعل المشيب رأيته
يلقي رماداً فوق رأسي الأشيبِ
عقلي يؤنبني على شططي به
أما ضميري فهو غير مؤنبي
بعد الشّباب إليك مالي حاجة
يا شمس أحلامي الجميلة فاغربي
لم يبق غير الشعر لي من صاحب
يرعى العهود وليس بالمتقلّب
جميل صدقي الزهاوي:
أنا شيخ بذكرياتي أحيا
فهي إن لم تكن فإني قاضِ
أنا ماش إلى الوراء كأنّي
أتحرّى مستقبلي في الماضي
جميل صدقي الزهاوي:
يأتي الشبابُ ويأتي بعده زمن
هو الكهول ويأتي بعده الهرمُ
وبعد ذلك موت يستريح به
من الحياة الذي قد مضّه الألم
وإنه منهل لا جفّ مورده
للشاربين عليه الناس تزدحمُ
كان الشباب سلاحاً لي أصولُ به
على الذين استخفوا بي وأحتكمُ
واليوم إذ نالت الأيام من جلدي
أودّ لو جاءني موتٌ فيخترِمُ
جميل صدقي الزهاوي:
يمر بنا الدهرُ في جريه
فنهرم والدهرُ لا يهرمُ
أقول لشيخٍ بدا ضعفهُ
وكاد إذا ما مشى يجثمُ
لقد حان حينك فاخضع لهُ
فأنت من الموت لا تسلمُ
قريباً تنزّل في حفرة
من القبر باطنها مظلم
فتبلى لحومك في جوفها
وتبلى جدودك والأعظمُ
تعرض لريح الصّبا إنّها
عليك غداة غد تحرم
غداً أنت في جدث ضيق
تنامُ طويلاً ولا تحلمُ
لعلّك عند رقادك فيه
تنسى الحياة التي تؤلمُ
لقد غاظك الدهر حتى وددت
أنك من أهله تنقم
ستدرك تحت الثرى راحة
لغيظك من أجلها تكظم
إذا الموت زار تساوى الفقير
ذو البؤس والملك الأعظمُ
يصوّبُ أسهمهُ نحونا
ويرمي فلا تخطئ الأسهمُ
سأشرب بالرغم كأس الردى
ولو أنها الصاب والعلقمُ
جميل صدقي الزهاوي:
لما عتا دهري وددت زواله
وزواله لو صحّ فيه زوالي
ولقد حنى ظهري الضعيف بقسوة
ما للزمان الضخم من أثقالِ
ما كنتُ في شيخوختي متمنيّاً
لتعود أيام مضت وليالِ
أنا لستُ مهما ضعضعني كبرة
متطلعاً إلا إلى استقبالي
لم يبق من ماض تصرم عهده
لك في زوايا النفس غير خيال
جميل صدقي الزهاوي:
مللتُ في وحدة الديارِ
تعاقب الليل والنهار
ماذا أرجيه من بقائي
وقد بدا الشيب في عذاري
تجرّني إن أضاء شيبي
خيوطه البيض للبوارِ
سأبلغ القصد عن قريب
إن دام ركضي بلا عثار
جميل صدقي الزهاوي“شكوى الشيخ إلى ابنه“ (الرسالة العدد115):
أبوك بان يردى بنيَّ مهدُ
كأنَّ الردى سيف عليه مجرد
ويشكو تباريحاً تكاد تهده
وشيخوخة ليست عن الموت تبعد
أحسُّ بقرٍ في عروقي وأعظمي
يكاد دمي منه بجسمي يجمد
أُقادُ إذا رمتُ المضيَّ لحاجة
وأمشي كما يمشي الأسير المقيّد
كأنك بي شلواً على النعش سائراً
وعما قليل في التراب يوسّد
وليس مخيفي الموت إن هو زارني
ولكن وراء الموت شملٌ مبدَّدُ
تعال فقبلّني بني مودعاً
فإنّ فراقي عنك يا ابني مؤبّدُ
ولي من حياتي يا بني بقيةٌ
ولكنها عما قليل ستنفدُ
بنيَّ لأقم حيناً بجنبي فإنني
على غير ما قد كنت من قبل تعد
أبوك من الآمال جرّد نفسه
وأنت فتى فيه المنى تتجدد
ولم يك حظانا من الدّهر واحداً
فلي الأمس من أيامه ولك الغدُ
أنا اليوم أشقى بالمشيب ووهنه
وأنت بشرخ من شبابك تسعدُ
لعمرك لا عهد المشيب الذي به
برمت ولا عهد الشبيبة سرمد
وما نحن إلا كالسيوف بحومةٍ
نجردُ حيناً للوغى ثم نغمد
ستحدث فوق الأرض أشياء جمة
وأنت لها بعدي بنيَّ ستشهدُ
خلقت لعهد غير عهدي فلا تكن
جباناً إذا ما ضيمَ لا يتمرد
وما الشيب شعرٌ أبيض فوق مفرقي
ولكنه نار على الرأس توقد
وليست حياة بالأياس شقية
كأخرى بادراك الأمانيَّ ترغد
تفتح ورد السؤل إلا بروضتي
وما قيمة الروض الذي لا يورد؟
أغرّد في روض الحياة كبلبلٍ
ومن بعد حين موشك لا أغرّدُ
سأرحل عن دنيا إليَّ حبيبةٍ
بها هام حتى الزاهد المتعبد
تحاول نفسي بالحياة تمسكاً
ولكنما خيط الحياة معقّدُ
بنيَّ وإني ذاهب غير أيبٍ
إلى حيث يبلى الجسم مني ويفسدُ
وما أنا وحدي هالك فيثور بي
على الموت حب للحياة موطّدُ
فقبلي أجيالٌ ألمَّ بها الردى
وبعدي أجيالٌ سترديَ كما ردوا
نجيء وننمى زمرة بعد زمرة
وننبتُ مثل العشب والموت يحصدُ
مقيدةٌ منا الجسوم بأرضها
ولكنما الأرواح لا لاتتقيّدُ
ستذهب ذراتٌ لجسمي ألفت
بداد وعلَّ الروح لا يتبدّد
وقد تسبح الأرواح في ضوء انجم
فيجمعها جنحٌ من الليل أسود
وما هذه الدنيا بدار سعادة
وإن طاب فيها الأثرياء وأرغدوا
ففي كل يوم للتعاسة لوحة
وفي كل يوم للشقاوة مشهد
وإنّ فؤاداً لا يرقَّ لزفرة
يصعدّها قلب كسير لجلمد
ومن كان في بيداء يشكو لهاثه
فليس له غير المنية موردُ
سئمت مِراس الحرب فالسلم بغيتي
ولكن باب السلم دوني موصد
بني لقد كانت حياتي شقية
وعلّك من بعدي بني ستسعد
قضيت حياتي كلها في تمرد
ومن ذا يرى خسفاً ولا يتمرّد
لقد وُلدَ الإنسان حراً بطبعه
ولكنه للنفس منه مقيّد
أناخ عليها بالخرافات مثقلاً
وقيدها بالوهم والوهم مفسد
يلوذ بمن أثرى ويعنو لمن طغى
فيصبح عبداً صاغراً وهو سيد
تداولت الدنيا شعوبٌ كثيرة
وقد حبّذوا تلك القيود وأيدوا
أمن كان حمّاداً لها فهو مؤمن
ومن كان نقّاداً لها فهو ملحد؟
وإنك مني يا بني بقيّة
أعيش بها في الموت أو أتجدد
بني أرى مستقبلي فيك ماثلاً
وفيك أقول الشعر غضّاً وأنشد
إذا متُّ فاذكرني بنيّ مكرراً
فبالذكر أحيا ثم بالذكر أخلد
معروف الرصافي:
أما الحياةُ فشئٌ لا قرارَ له
يحيا بها المرءُ موقوتاً إلى حين
سِيّان عندي أجاءَ الموتُ مخترماً
من قبل عشرين أم من بعد تسعين
ما بالسنين يقاس العمر عندي بل
بما لهث في المعالي من تحاسين
لو عشتُ ستين عاماً لأ ستعضتُ بها
ستين مكرمةً بل دون ستين
فإنما أطولُ الأعمارِ أجمعها
للمكرماتِ من الأبكار والعون
معروف الرصافي:
وهذي التجارب في الشيوخِ وإنّما
أملُ البلادِ يكونُ في شُبانها
محمد مهدي الجواهري:
مشى وخطُ المشيبِ به فرّنتْ
مناحهُ ثاكليهِ بِمسمعيهِ
وراح يُصيخُ عن ألمٍ ورُعبٍ
إلى واهِ مرجعةٍ ووَيه
فسّوت لحده كلتا يديه
مشى وخطُ المشيبِ بمفرقيهِ
محمد مهدي الجواهري:
مشى وخَطُ المشيبِ به كأنْ لم
يُرجِّلْ داهناً من لِمّتيهِ
ولم يتخطَّ أهليها إليها
ولم تنخطَّ أهليه إليه
ولم يُحسَدْ لحظوتهِ لديها
ولم تُحسدْ لحظوتها لديه
ولم تنضُبْ مراشِفها فتظما
لفرطِ نَدوبٍ في مرشفيه
مشى وخط المشيب به فألوى
بأيكتهِ.. وعاثَ بوجنتيهِ
وئيدَ خُطىً كأنَّ عذابَ جيلٍ
نَحيّرهُ فحطَّ ببمنكبيهِ
ومنزوفاً كأنّ يدَ الليالي
بمبضعها تفصّد أكحليه
وأخلى ملعبَ الصبواتِ منه
وبدّلَ مشرقيهِ بمغربيهِ
وقرّبَ من منيّتهِ..وخوفٌ
لِقُربِ الموت شرُّ منيتيه
سُقيتَ الغيث يا زمنَ التصابي
ويا حسناً بأقبحِ صورتيهِ
ويا نهراً يسيلُ دماً وخمراً
حسونا ذا وذا من ضفتيهِ
ويا سيفاً نجرُّ حمالتيه
ونركبُ حين تجمحُ شفرتيهِ
محمد مهدي الجواهري:
مشى وخَطُ المشيبِ بمفرقيهِ
وطارَ غُرابُ سعدٍ من يديهِ
وراحت من زهاها أمسِ حبّاً
تقول اليوم: وأسفي عليهِ
سَدلَ عبير رونقه ولاحت
تضاريسُ السنينِ بأخدعيهِ
رماداً خِلتهُ لولا بقايا
توقدُّ جمرتين بمقلتيهِ
أهذا من به فُتنتْ كَعابٌ
ومن سحر النديَّ بأصغريهِ
أهذا تائهاً من نقلتهُ
على الأحداقِ أحلى خُطوتيهِ
محمد مهدي الجواهري:
مشت بي „ستون“ وماذا وراءَها
سوى الموتِ يبغي أحتف الخطوِ أشيبِ
كأني قيهنّ ابنُ يوم فلم يكن
سوى يوم تمو زمن العمر يُحسبِ
محمد مهدي الجواهري:
لا أظلمُ التسعين يعوزها
سِتٌ سَيُطبِقُ بعدها العدمُ
فلطالما شُدَّتْ نوابضُها
بالأربعين وكُلُّها ضَرمُ
لكن بما أخمدتَ جمرتها
فيما يشيعُ اليأسُ والسأمُ
داءان إما استحكما ضيًعا
بالنفسِ مالا يصنعُ الهرَمُ
بل لو كفرتُ لهزّني في ندمي
لو جازَ عن خيرٍ مضى ندمُ
محمد مهدي الجواهري:
يا للتصابي..ألا ينفكُّ يجذبني
على الثمانينَ جذبَ النُوقِ بالعَطنِ
خَبتْ بي الريح..في إيماضِ بارقةٍ
تلغي مسافة بين العينِ والأذنِ
لم أدرها زمناً تُطوى مراحلهُ
أم أنها عثراتُ العمرِ بالزمنِ
أقولُ والشيبُ يحدوني ويصارعهُ
حبُّ الحياةِ، وما فيها من الفتنِ
محمد مهدي الجواهري:
يا بقايا ذكرياتٍ كُلّما
جُسَّ عودٌ من صداها رَجّعا
أجمعُ المُرَّ إلى المُرِّ بها
وأُسقاها سَموما جُرعا
ترتعي في النوم مني حَمَلاً
وادعاً يرقبُ منها السَبُعا
حدّثي ما شئتِ عن أبدوعةٍ
ولقد يأتي الزمانُ البدعا
عن فتىً اخصبَ في شتوتهِ
لاعناً فيها الربيع البلقعا
عاشَ في العشرين شيخاً ورعى
بعد ستينَ شباباً ممرعا
ورأى من ذي وهذى عبرةً
ولكم ضُرَّ الفتى كي يُنفعا
محمد مهدي الجواهري:
حُماةَ الفكرِ والدنيا غرور
كضوء الفجر لطفاً وانتقالا
أتبغونَ الفتوةَ عند هِمٍّ
على السبعين يتكلُ اتكالا
تمشّى الثلجُ في جذواتِ قلبٍ
مدى خمسينَ يشتعلُ اشتعالا
وما شمس الظهيرةِ وهي تغلي
كمثلِ الشمسِ قاربت الزوالا
محمد مهدي الجواهري:
من لستينَ انطوت مثلَ
دمِ العبد جُبارا
سوقطتْ جمراً كما
يرمي الملبون الجمارا
محمد مهدي الجواهري:
مضتْ زهرةُ العمر التي يحسبونها
هي العمرُ لا عوداً مع الشّيبِ ذاويا
وراجعتُ في هذا السّجلِ فصولهُ
أُقلّبُ أياماً بهِ ولياليا
أحاسبُ نفسي كيف ألفتْ ….
ضروعاً سقت وغداً، وغِرّاً ،وجافيا
وعمّا أفادتْ من بلاءٍ تكالبتْ
على الغُنمِ، وارتدّت سباعاً ضواريا
محمد مهدي الجواهري:
نَزَقُ الشبابِ عبدته
وبرئتُ من حِلْمِ المشيبِ
محمد مهدي الجواهري:
ذوى شبابيَ لم ينعمْ بسّراءِ
كما ذوى الغصنُ ممنوعاً من الماءِ
سدَّتْ عليَّ مجاري العيشِ صافيةً
كفُّ الليالي وأجرتها بأقذاءِ
فَمِنْ عناءِ بَليّاتٍ نُهكتُ بها
إلى عناءٍ ومن داءٍ إلى داءِ
ستٌ وعشرونَ ما كانتْ خُلاصتُها
وهي الشّبابُ طرباً غير غمّاءِ
وما الحياةُ سوى حسناءَ فارِكةٍ
مخطوبةٍ من أحبّاء وأعداءِ
فإن عجبتَ لشكوى شاعرٍ طربٍ
طولَ الليالي يُرى في زِيِّ بكّاءِ
محمد مهدي الجواهري:
آه يا شرخ الصِّبا لو طَللٌ
سمعَ النجوى، ولو ميتٌ وعى
ما أذلَّ العمرَ ممحوقَ السَّنا
يشتكي منه المغيب المطلعا
فهو ما ارتحتَ له حتى امحّى
وهو ما سلّمَ حتى ودّعا
وأخسَّ المرءَ يشكو يومه
فإذا ولّى بكاهُ جزعا
عاطشاً يمضي ولمّا يغتِرفْ
من أفاويقِ الصِّبا ما رضعا
تنحِتُ الآلامُ من أطرافهِ
يأكلُ الموضعُ منه الموضعا
محمود مهدي الجواهري:
ولكن يريدُ الفتى أن يدوم
ولو دام ساد عليه الضجر
ويأبى التنازع طول البقاء
وتأباهُ بقيا نفوس أخر
وقد يهلك الناس فرد يعيش حيناً
فكيف إذا ما استمر
محمد مهدي الجواهري:
حسبُ „الثمانينَ“ من فخر، ومن جَذَل
غِشانُها بجنانٍ يافعٍ،خضِلِ
طلقٍ كما انبلج الإصباح عن سَحَر
ندٍ، وزهرُ الربى عن عارض هَطِل
وناعمِ البالِ، نشوانٍ بما نَضحت
كاسُ الحياة، وما أبقت من الوَشَلِ
وحاضنٍ لبنات الدهر، مضطلعٍ
بما تصرّف من بُرءٍ ومن عِلل
„ياللثمانين“ ما ملّت مطاوحَها
لكن يُعاودها خوف من الملّلِ
لم تَألُ تنهلُ عَبّا من مرارتها
وتستجمُّ على معسولة عَلل
نفسٌ تجيشُ بإعصار، وخافقةً
تحن للكأس، والأسمار، والغزلِ
كأن صحوَ الرُّؤى في كلِّ نازلة
يشدّني بطيوف الشاربِ الثمِل
وأنت يا ابن „الثمانين“ استرحتَ بها
كما تظنّنتَ من لومٍن ومن عَذَلِ
يا ابن „الثمانين“ صبراً أنت صاحبه
فيما تضيقُ به أضلاعُ مُحتملِ
لا تاسَ إن عضّت البلوى بناجذة
ما إنْ بها من عُضاضِ الناس من كلل
فلست باغي مثوباتٍ وما خُلِقتْ
كفُّ الكريمِ لستعدي على بدل
وقد تَمرّستَ بالدنيا تُمحّصُها
في كل مُستدبرٍ منها ومُقتبلِ
وقد تشككتَ حتى لستَ ذا تقةٍ
بالنُجح إلا على هديٍ من الفشلِ
صبراً على فلذات الحر داميةٍ
تُهدى على كفِّ „حشاشٍ، إلى „نَغِلِ“
وكن كعهدك “ سحّاراً“ بمعجزةٍ
تحوِّلُ الصّابَ مسموماً إلى عسلِ
يشفي ضميرَك ما يُدريكَ من حَزنٍ
ويسحقُ اليأسَ ما تجترُّ من أملِ
يا „ابن الثمانين“ كم عُولجت عن غَصصٍ
بالمغريات فلم تَشرق، ولم تَمِلِ
كم هزَّ دَوحك من „قزم“ يُطاوله
فلم ينلهُ، ولم تقصر، ولم يَطُلِ
وكم سعت „إمّعاتٌ“ أن يكون لها
ما ثار حولك من لغو، ومن جدلِ
ثبِّت جَنانك للبلوى فقد نُصِبتْ
لك الكمائنُ من غدرٍ، ومن خَتَلِ
ودَع ضميرَك يَحذرْ من براءته
ففي البراءاتِ مَدعاةٌ إلى الزّللِ
لئن تخلّصت من أنياب مهلكة
فكم تلوّيت في أشراكِ مُحتَبِلِ
لا تنسَ أنك من أشلاء مجتمع
يَدينُ بالحقد، والثارات، والدّجلِ
كنتَ الغريب به لا أنت تألفه
فتستريحَ، ولا عنهُ بمنعزلِ
وما تزال على رثِّ الحبالِ به
تلقى الحياة بحبلٍ منه مُتَّصلِ
عصرتهم فتحمّل وضرة الثقل
ودُستهم فتوّقع غضبة الخَوَلِ
نازك الملائكة:
يا دموع الشيوخ في الأرض هيها
ت تجفين في العيون الشقية
أي شيخ لا يذرف الأدمع الحرّ
ى على ما مضى ويشكو البليّة
فهو ذاك المحزون قضّى صباه
في لهيب الهموم والأحزان
ثم ذاق الشباب كأسة دمع
ما لحيّ على قذاها يدان
ثم غاب الشباب في ظلمة العمر
ومات الأحباب والأنصار
كلّ عام يرى الأحباء يفنو
ن وتمحو ذكراهم الأقدار
يا لركب مشى به القدر الخا
دع تحت الرياح والظلماء
راميا في فم المنيّة فرداً
منه في كل بكرة ومساء
يا شتاء الحياة لم يبق في الظل
مة إلا هذا الشقيّ الغبين
ذهبوا كلّهم إلى الموت إلاه
فدّوى نحيبه المحزون
وهو ذاك المسكين أضعفه العمر
وحلّت بجسمه الادواء
ومضت ظلمة الحياة بعينيه
وغابت عن وعيه الأشياء
وهو يدري أن الممات قريب
منه قرب الأحزان والأوجاع
كلّ يوم يكاد يلقى على الع
لم والعمر أغنيات الوداع
يا غموض الحياة من اسلم الإن
سان للحادثات والأقدار
ذلك البائس الضعيف الذي يأ
تي ويمضي ولم يزل غير دار
فهو ما زال هائماً بهوى العا
لم والعيش في ظلال الزهور
يتغنى بحبه رغم ما يل
قى من الحزن واحتدام الشعور
فإذا ما بدت له ساعة الموت
ولم يبق في الحياة رجاء
رسم الحزن في محياه رعباً
ما رأى مثل هوله الأحياء
وأطلت عيناه تلقى على الكون
تحايا الوداع والحرمان
في ذهول وروعة يملأن ال
قلب حقداً على الوجود الفاني
يا معاني الذهول في جبهة الميّت
لا لن أخاف هذي المعاني
سأرى فيك بلسما ينقذ الأح
ياء مما يلقون من أحزان
سأرى في الممات خلد حياتي
حين تعفو عني المنى والجروح
وينام الجسم الوضيع على الأر
ض وتختال في السماء الروح
عندما تخفت الأعاصير في سم
عي وأنسى الأصوات والأشياء
كل شيء في العالم الأحمق الجا
هل يخبو ويستحيل هباء
فإذا أمعن النشاوى بكأس ال
إثم في اللهو والصراخ الأثيم
لم يجئني من صوتهم أيّ همس
وتفرّدت بالسكون المقيم
وتمر السنين لا ألم فيها
ولا إثم في ظلال الخلود
عالم ليس لي التغلغل فيه الآن
فلأمض في غناء نشيدي
ولأعش في هذي الحياة مع الأح
للام تحت النهار والظلمات
أعشق الفتنة النبيلة في الورد
وفي ضجة الرياح العواتي
وأسلي نفسي وقلبي بمرأى ال
عابثين الأشرار والواهمينا
هؤلاء الذين يقضون أيام
صباهم في هذرهم سادرينا
ليس تعنيهمو الفضيلة والنبل
وما يحزنون للأشقياء
فإذا ما رأوا حزينا معنّى
رجموه بالشوك والأقذاء
ولتسر هذه الحياة كما تر
جو المقادير والأسى والظلام
وليظل الأحياء في التيه يشقون
وتقسو عليهمو الأيام
ولأعش ما يشاؤه القدر الظا
لم أبكي على أسى الأحياء
هؤلاء الصرعى الظماء الحيارى
بين فكّ الآثام والأدواء
ايليا أبو ماضي:كم، قبلَ هذا الجيلِ،ولّى جيلُهيهاتَ،ليسَ إلى البقاءِ سبيلُ
ضحِكَ الشّبابُ من الكهولِ فأغرقوا
واستيقظوا،فإذا الشّبابُ كهولُ
نأتي ونمضي والزمانُ مُخَلّدُ
الصّبحُ صُبحٌ والأصيلُ أصيلُ
حرٌّ وقرٌّ يُبليانِ جسومنا
ليتَ الزمانَ،كما نحولُ،يحولُ
إنَّ التَحوُّلَ في الجمادِ تقلصٌ
في الحيِّ موتٌ،في النباتِ ذبولُ
قِفْ بالمقابرِ صامتاً متأملاً
كم غابَ فيها صامتٌ وسؤولُ
تتبدّلُ الدنيا تبدّلُ أهلها
والله ليس لأمرهِ تبديلُ
غازي القصيبي:
قل لها…إنه تأمل في دنياه
حيناً فعاد يحضنُ دمعه
راعهُ أن عمره يتلاشى
مثل ما تخمد الأعاصير شمعه
وصباه يضيع منه..كما ضاع
نداءً.. تطوي المتاهات رجعه
قل لها..إنه يفيق على جرح
وتغفو سنينه فوق لوعه
سكب الدهر من أساه رحيقاً
فتحسّاهُ جرعة إثر جرعه
قل لها .. إنه يهيم… وأخشى
أن تواريه رحلة دون رجعه
حريث بن جبلة العذري:
يا قلبُ إنّكَ في الأحياءِ مغرورُفاذكرْ وهل ينفعنكَ اليومَ تذكيرُحتى متى أنتَ فيها مُدنفٌ ولِهٌ
لا يستفزّنكَ منها البدرُ والحورُ
قد بُحت بالجهلِ لا تخفيه عن أحد
حتى جرتْ بكَ أطلاقٌ محاضيرُ
تريدُ أمراً فما تدري أعاجله
خيرٌ لنفسكَ أم ما فيهِ تأخيرُ
فاستقدرِ الله خيراً وارضين به
فبينما العُسرُ إذ دارت مياسيرُ
وبينما المرءُ في الأحياءِ مغتبطاً
إذ صارَ في الرّمسِ تعفوهُ الأعاصيرُ
حتى كأن لم يكن إلا توهمُهُ
والدهرُ في كلِّ حاليه دهاريرُ
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
وذو قرابته في الحيِّ مسرورُ
أحدهم:
أقولُ لما بدت بيضاء لائحة
قول امرئ عن طلاب اللهو منخزل
أهلاً بوافدة للشيب واعظة
تبغي الشباب وتنهانا عن الغزل
أحدهم:
كفى بسراج الشيب في الرأس هادياً
لمن قد أضلّته المنايا لياليا
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي
لرامي المنايا تحسبيني ناجيا
غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه
لشخصي أخلق أن يصبنّ سواديا
وكان كَرامي الليل يرمى ولا يرى
فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا
أحدهم:
أبعد عشر قد خلا بعدها
عشرون عاماً بعدها عشر
تلهو عن الجد وترضى الهوى
وتطيبك الكاعب البكر
أبو عبد الله ابن خميس(نفح الطيب ج5 ص366):أنبتُ ولكن بعد طولِ عتابِوفرطِ لجاجٍ ضاع فيه شبابي
وما زلتُ والعلياءُ تُعني غريمها
أُعلّلُ نفسي دائماً بِمتابِ
وهيهاتِ من بعدِ الشّبابِ وشَرخهِ
بلذُّ طعامي أو يسوغُ شرابي
خُدعتُ بهذا العيشِ قبل بلائهِ
كما يُخدعُ الصادي بِلمعِ سرابِ
تقولُ هو الشّهدُ المَشور جهالةً
وما هوَ إلا السمّ شِيبَ بصابِ
إليكم بني الدنيا نصيحة مُشفقٍ
عليكم بصيرٍ بالأمورِ نقابِ
طويل مِراسِ الدّهر جذلٍ مماحكٍ
عريضِ محالِ السهمِّ حِلسِ ركابِ
تأتت له الأهوالُ أدهمَ سابقاً
وغَصّتْ به الأيام أشهب كابي
ولا تحسبوا أنّي على الدّهرِ عاتبٌ
فأعظمُ ما بي منهُ أيسرُ ما بي
وما أسفي إلا شبابٌ خلعتهُ
وشيبٌ أبى إلا نصول خضابِ
وعمرٌ مضى لم …منه بطائلٍ
سوى ما خلا من لوعة وتصابي
لياليَ شيطاني على الغيِّ قادرٌ
وأعذبُ ما عندي أليمُ عذابِ
عكسنا قضايانا على حكم عادنا
وما عكسها عند النّهى بصوابِ
على المصطفى المختار أزكى تحيّةٍ
فتلكَ التي أعتدُّ يومَ حسابِ
أحدهم:
إذا رأيتَ صَلعاً في الهامة
وحَدَباً بعد اعتدال القامهْ
وصار شعرُ الرأسِ كالثُّغامه
فايئس من الصحة والسلامه
أحدهم:
وكانَ الصِّبا خِدن الشبابِ فأصبحا
وقد تركاني في مغانيهما وحدي
أحدهم:
كيف يرجون سِقاطي بعدما
شملَ الرأسَ مشيبٌ وصلعْ
أحدهم:
عصيت هوى نفسي صغيراً وعندما
رماني زماني بالمشيبِ وبالكِبَر
أطعتُ الهوى، عكس القضية، ليتني
ولدت كبيراً ثمّ عدت إلى الصغر
أحدهم:
إذا الرجالُ ولدت أولادُها
وبليت من كِبرٍ أجسادها
وجعلت أسقامُها تعتادُها
تلك زروعٌ قد دنا حَصادُها
أحدهم:
إذا كانت السبعون سِنّك لم يكن
لدائك إلا أن تموت طبيبُ
وإنّ امرأً قد سار سبعين حِجّة
إلى منهل من وِرده لقريبُ
أحدهم:
إنّ الحوادث تخترمنَ وإنّما
عمرُ الفتى في أهله مستودع
يسعى ويجمع جاهداً مستهتراً
جداً، وليس بآكل ما يجمع
أحدهم:
الدّهرُ أبلاني وما أبليتهُ
والدّهرُ غيّرني وما يتغيّرُ
والدهر قيّدني بخيطٍ مبرَمٍ
فمشيتُ فيه وكلّ يومٍ يَقصرُ
دجانة بن قيس التميمي:وقال الغواني قد تضمر جلدهوكان قديماً ناعم المتبذّل
ابن الأعرابي:
أحافرةً على صَلعٍ وشيبٍ
معاذَ الله من سَفهٍ وعارِ
أحدهم:
فأبصرتُ شيخاً قاعداً بفنائهِ
هو العنز إلا أنه يتكلم
أحدهم:
أصبحتُ والله محموداً على أمدِ
من الحياة قصيرٍ غيرِ ممتّدِ
حتى بقيتُ بحمدِ الله في خَلَفٍ
كأني بينهم من وحشةٍ وحدي
وما أُفارِقُ يوماً من ُأفارِقهُ
إلا حسبتُ فراقي آخر العهدِ
أحدهم:
أترجو أن تكونَ وأنتَ شيخٌ
كما قد كنتَ أيامَ الشّبابِ
لقد كَذَبتكَ نفسُكَ، ليس ثوبٌ
خَليقٌ كالجديدِ من الثيابِ
أحدهم:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتها
كبرتَ وما تجزع من الشيب مَجزعا
رأت ذا عمىً يمشي عليها وشيبةً
تقنّعَ منها رأسهُ ما تقنّعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلما
يسودُ الفتى حين يشيبَ ويصلعا
(أي الكهول الذين لاقوا الحروب أصبر وأفضل من الشباب)
وللقارحُ اليعبوبُ خير عُلالة
من الجذع المُزجى وأبعدُ منزَعا
أبو الفضل ابن الأعلم:أما أنا فقد ارعويتُ عن الصِّباوعضضتُ من ندمٍ عليه بناني
فأطعتُ نُصّاحي ورُبَّ نصيحةٍ
جاءوا بها فلججتُ في العصيانِ
أيامَ أسحبُ من ذيولِ شبيبتي
مرحاً وأعثرُ في فضولِ عناني
أيامً أحيا بالغواني والغِنا
وأموتُ بين الراحِ والريحانِ
في فتيّةٍ فرضوا اتصالَ هواهُمُ
فَمناهمُ دَنٌ من الأدنانِ
هزّت عُلاهم أريحيّاتُ الصِّبا
فهي النسيمُ وهم غصونُ البانِ
أحدهم:
وكل بازٍ يَمسسهُ هَرَم
تخرا على رأسه العصافيرُ
أحدهم:
ولما رأيتُ النسرَ عَزَّ ابن دأيةٍ
وعششَ في وكريه جاشت له نفسي
(ابن دأيه:الغراب)
أحدهم:
رأيت الغانيات نفرن مني
نفار الوحش من رام مضيق
رأين تغيري وأردن لدنا
كغصن البان ذي الفنن الوريق
أحدهم:
لما رأيتُ الشيبَ قد نزلا
وبانَ مني الشبابُ فارتحلا
أحسستُ بالموتِ فانكسرتُ له
وكلُّ حيٍّ يوافِقُ الأجلا
كم صاحبٍ لي كان يؤنسني
أصبحَ تحتَ الترابِ منجدلا
أحدهم:
مالك في الجهل من عذير
وقد توسّمتَ بالقتير
خلت ثلاثونَ بعد عشر
وتابعاتٌ من الشهور
أحدثن بعد الضلالِ رُشداً
وما عمي القلب كالبصير
أحدهم:
أنتَ في الأربعينَ مثلك في العشرين
قل لي متى يكونُ الفلاح
أحدهم:
تصبو وأنّى لكَ التصابي؟
والرأسُ قد شابهُ المشيبُ
أحدهم:
إذا المرءُ جاز الأربعين ولم يَكُنْ
له دون ما يأتي حياء ولاستر
فدعهُ ولا تنفس عليه الذي أتى
ولو جر أرسان الحياة له الدهر
أحدهم:
إذا دببت على المنسأة من هرمٍ
فقد تباعد عنك اللهو والغزل
أحدهم:
وبعدَ غدٍ يا لهفَ نفسي من غدٍ
إذا راحَ أصحابي ولستُ برائحِ
أحدهم:
لا تحسدن على البقاء معمراً
فالموت أيسر ما يؤول إليه
فإذا دعوت بطول عمر لامرئ
فاعلم بأنك قد دعوت عليه
أحدهم:
سلام على الدنيا ولذّةِ عيشها
سلامَ غُدُوٍّ أو رواح إلى رمسي
وأنكرتُ شمس الشّيبِ في ليل لِمّتي
لَعمري لليلي كان أحسن من شمسي
كأنّ الصِّبا والشّيبُ يطمسُ نَوره
عروس أُناسٍ مات في ليلة العُرْسِ
أحدهم:
وَهَتْ عزماتُكَ عندَ المشّيبِ
وما كان من حقِّها أن تهي
وأنكرت نفسكَ لما كَبِرتَ
فلا هيَ أنتَ ولا أنتَ هي
وإن ذكرت شهواتُ النفوسِ
فما تشتهي غيرَ أن تشتهي
أحدهم:
أراني كُلّما هُرِّمتُ يوماً
أتاني بعدَهُ يومٌ جديدُ
يعودُ شبابهُ في كلِّ يوم
ويأبى اي شبابي لا يعودُ
أحدهم:
لا تعذلاني فمثلي اليوم لم يُلمِ
بُليتُ مغترباً بالسقمِ والعدمِ
هذا البلاءُ وأبلى منهُ نائبةٌ
رمتْ صفاتي على الأيام بالهرمِ
أحدهم:
ما من أتتْ من دون مولده
خمسونَ بالمعذور في الجهلِ
وإذا انقضت خمسون عن رجل
هجر الصِّبا ومشى على رسلِ
ولو أنَّ أسرابَ الدموع ثنتْ
شرْخَ الشباب على امرئٍ قبلي
لهرقتُ من عيني أربعة
وسفحتها سجلاً على سَجلِ
أحدهم:
وزهدّني في صالحِ العيشِ أنني
رأيتُ لِداتي في المجالسِ قلّتِ
أحدهم:
قد شابَ رأسُكَ وانطوى ثوبُ الصِّبا
وأراكَ غِراً في البطالةِ تلعبُ
قال الشبابُ لعلّنا في شيبنا
ندعُ الذنوبَ فما يقولُ الأشيبُ
القاضي أبو العباس أحمد بن الغمّار البلنسي:أما آنَ للنفسِ أن تخشعاأما آنَ للقلبِ أن يُقلعا
أليسَ الثمانون قد أقبلت
فلم تُبقِ في لذّة مطمعا
تقضّى الزمانُ ولا مطمعٌ
لما قد مضى منهُ أن يرجعا
تقضّى الزمانُ فواحسرتي
لما فاتَ منهُ وما ضُيّعا
ويا ويلتاهُ لذي شيبة
يُطيع هوى النفس فيما دعا
وبُعداً وسحقاً لهُ إذا غدا
يسمع وعظاً ولن يسمعا
أحدهم:
ويا أخا الشيب لو ناصحتَ نفسك لم
يكن لِمثلكَ في اللّذات إمعان
هَبِ الشبيبة تبدي عُذر صاحبها
ما عذرُ أشيبَ يستهويهِ شيطان؟
أحدهم:
خلا من دهرهِ خمسون عاماً
وأدّبهُ التجاربُ والزمانُ
فلا أحدٌ يدومُ على وفاءٍ
ولا للدّهرِ من حَدَثٍ أمانُ
إذا ما كان عندي قوتُ يومٍ
ألا فعليَّ بالدنيا هوانُ
كأنَّ القومَ قد مُسخوا كلاباً
لهم عن كُلِّ مَكرُمةٍ حِرانُ
فدعني لا تُعرّضني لقومٍ
فقد بيّنتُ لو نفع البيانُ
ولي شأنٌ طويتُ عليه هَمّي
وكلُّ فتىً له هَمٌّ وشأنُ
أحدهم:
وإذا مضى للمرءِ من أعوامهِ
خمسونَ، وهو عن الصِّبا لم يجنحِ
عكفت عليه المُخزياتُ وقُلنَ:قد
أضحكتنا وسررتنا لا تبرحِ
وإذا رأى إبليس غُرّةَ وجههِ
حيّان وقال: فديتُ من لم يُفلحِ
أحدهم:
ولئن عمرت لقد عمرت كأنني
غصن تثنيه الرياح رطيب
وكذاكِ حقاً من يعُمَّر يُبلهِ
كرُّ الزمانِ عليه والتقليبُ
حتى يعود من البلى وكأنه
في الكف أفوق ناصل معصوب
أحدهم:
تمنى رجال أن أموتَ وغايتي
إلى أجلٍ لو تعلمون قريب
وما رغبتي في أرذل العمر بعدما
لبست شبابي كله ومشيبي
وأصبحت في قومٍ كأنْ لستُ منهمُ
وباد قروني منهمُ وضروبي
أحدهم:
أعاذِلُ ما عُمري وهل لي وقد أتتْ
لِداتي على خمسٍ وستين من عمري
رأيتُ أخا الدُّنيا وإن كان خافضاً
أخا سَفرٍ يُسرى به وهو لا يدري
مُقيمين في دارٍ نروحُ ونغتدي
بلا أُهْبَةِ الثاوي المقيمِ ولا السّفْرِ
أحدهم:
ذهب الشبابُ فلا شبابَ جُمانا
وكأنَّ شيئاً بانَ لم يكُ كانا
وطويتُ كفي يا جُمانَ على العصا
وكفى جُمانا بطيِّها حَدثانا
يا من لشيخٍ قد تخدّد لحمهُ
أفنى ثلاثَ عمائمُ ألوانا
أحدهم:
أعينيَّ هلا تبكيان على عمري
تناثر عمري من يديَّ ولا أدري
إذا كنتُ قد جاوزتُ ستينَ حجة
ولم أتأهب للمعادِ فما عذري
أحدهم:
وأرى الليلي ما طوت من قُوتي
ردّته في عظتي وفي إفهامي
أحدهم:
فلا عائد ذاك الومان الذي مضى
ولا زائلٌ هذا المشيب المُكدِّرُ
أحدهم:
غَبَرتُ زماناً يَرهبُ القِرنُ جانبي
كأني شَتيمٌ باسلُ القلب خادرُ
يخاف عدوي صولتي ويهابني
ويُكرمني قِرني وجاري المجاورُ
وتُصبي الكَعابَ لِمّتي وشمائلي
كأني غصنٌ ناعمُ النّبتِ ناضِرُ
(شتيم : أسد غاب، خادر: مقيم في خدره)
فبانَ شبابي واعترتني رَثْيةٌ
كأني قناةٌ أطرتها المآطرُ
أدِبُّ إذا رُمت القيام كأنني
لدى المشي قَرْم قيدُه متقاصرُ
وقَصْرُ الفتى شَيبٌ وموتٌ كلاهما
له سائق يسعى بذاك وناظِرُ
وكيفَ يلذُّ العيشَ من ليس زائلاً
رَهينَ أمورٍ ليس فيها مصادرُ
أحدهم:
فإذا مَضتْ خمسون عن رَجُلٍ
ترك الصِّبا ومشى على رِسْلِ
أحدهم:
احفظ لشيبك من عيب يدّنسه
إن البياض قليل الحمل للدنسِ
أحدهم:
شاب الصِّبا والتصابي بعد لم يثب
وضاع وقتك بين اللهو واللعب
وشمس عمرك قد حان الغروب لها
والفئ في الأفق الشرقي لم يغب
أبو محمد ابن صارة:يا منْ يُصيخُ إلى داعي السفاهِ وقدنادى به الناعيان الشّيبُ والكِبرُ
إن كنت لا تسمعُ الذكرى ففيم ثوى
في رأسكَ الواعيان السّمعُ والبصرُ
لا الدهرُ يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال
أعلى ولا النيّران الشمس والقمر
ليرحلنَّ عن الدنيا وإن كرهاً
فراقها الثاويان البدو والحضر
ابن أبي زمنين:الموتُ في كلِّ حينٍ ينشرُ الكفناونحنُ في غفلةٍ عمّا يُرادُ بنا
لا تطمئنَّ إلى الدنيا وبهجتها
وإن توشّحتْ من أثوابها الحسنا
أينَ الأحبّةُ والجيرانُ؟ما فعلوا؟
أينَ الذينَ همُ كانوا لنا سكنا
سقاهُمُ الموتُ كأساً غيرَ صفيةٍ
فصيّرتهم لأطباقِ الثرى رُهنا
تبكي المنازلُ منهم كلَّ منسجمٍ
بالمكرُماتِ وترثي البرّ والمننا
حسبُ الحِمامِ لو أبقاهُم وأمهلهم
أن لا يظنَّ على مَعلُوَّةٍ حسنا
أبو محمد ابن حزم الحافظ:ولما رأيتُ الشّيبَ حلَّ مفارقينذيراً بترحالِ الشّبابِ المُفارقِ
رجعتُ إلى نفسي فقلت لها انظري
إلى ما أتى،هذا ابتداءُ الحقائقِ
دعي دعواتِ اللهو قد فاتَ وقتها
كما قد أفاتَ الليلَ نورُ المشارقِ
دعي منزل اللذاتِ ينزلُ أهله
وجِدّي لما نُدعى إليه وسابقي
إبراهيم بن سهل الإشبيلي:قالوا سيسلبُكَ العذار سفاهةوحصاد عمري في نبات عذاره
إن لم أمت قبل العذار فعندما
يبدو أيسلم عاشق بفراره
مثل الغريق نجا فوافى ساحلاً
فإذا الأسود روابض بجوارهِ
إن العذار صحيفة تتلو لنا
ما كان صان الحسن من إسراره
أبو الفرج ابن الجوزي:لعبتَ ومثُلكَ لا يلعبُوقد ذهبَ الأطيبُ الأطيّبُ
وقد كنتَ في ظُلماتِ الشّبابِ
فلما أضاءَ انجلى الغيهبُ
ألا أينَ أقرانُكَ الراحلون؟
لقد لاحَ إذ ذهبوا المذهبُ
ابن خلدون:أبعد مرَّ الثلاثين التي ذهبتأولى الشبابِ بإحساني وتحسيني
أضعتُ فيها نفيساً ما وردت به
إلا سرابَ غرورٍ لا يُروّيني
واحسرتي من أمانٍ كلّها خُدَعٌ
تريشُ عني ومرُّ الدهرِ يبريني
المقري الجدّ وقيل غيره:لما رأيناكَ بعدَ الشّيبِ يا رجلُلا تستقيمُ وأمرَ النفسِ تمتثلُ
زدنا يقيناً بما كنا نصدِّقهُ
بعدَ المشيبِ يشبُّ الحرصُ والأملُ
ساعدة بن جُوبة:يا ليتَ شعري ولا منجا من الهَرمِأم هل على العيشِ بعد الشّيبِ من ندم
أحدهم:أضحى يُمزّقُ أثوابي ويضربنيأبعد شيبي يبغي عندي الأدبا؟
أبو عبد الله ابن عائشة:ألا خلّياني والأسى والقوافياأردّدها شجوي وأجهشُ باكيا
أأمنُ شخصاً للحسرةِ بادياً
وأندبُ رسماً للشبيبةِ باليا
تولّى الصِّبا إلا توالي فكرةٍ
قدحتُ بها زَنداً وما زلتُ واريا
وقد بانَ حلوُ العيشِ إلا تَعلّةً
تُحدّثني عنها الأماني خواليا
ابن لا قليشي صاحب كتاب النجم(نفح الطيب ج2 ص599):تطّلعَ صبح الشّيبِ والقلبُ مظلمفما طاف منه من سنى الحقّ طائف
ثلاثونَ عاماً قد تولّت كأنّها
حلومٌ تقضّتْ أو بروق خواطفُ
وجاءَ المشيبُ المنذرُ المرء أنّهُ
إذا رحلتْ عنهُ الشبيبة بألف
فيا أحمد الخوّان قد أدبر الصِّبا
وناداك من سن الكهولة هاتف
فهل أرقّ الطرفَ الزمانُ الذي مضى
وأبكاهُ ذنبٌ قد تقدَّمَ سالفُ
فَجُدنا بالدموعِ الحمر حزناً وحسرة
فدمعُكَ ينبي أن قلبكَ آسفُ
أبو الحسن علي بن الجياب(نفح الطيب ):أهزلاً وقد جَدَّتْ بكَ اللّمةَ الشمطاوأمناً وقد ساورت ياحيةً رَقطا
أغرَّكَ طولُ العمرِ في غيرِ طائلٍ
وسرّكَ أنَّ الموت في سيرهِ أبطا
رويداً فإنَّ الموتَ أسرعُ وافدٍ
على عُمركَ الفاني ركائبه حَطّا
فإذ ذاك لا تسطيعُ إدراكَ ما مضى
بحالٍ،ولا قبضاً تطيقُ ولا بسطا
تأهّبْ فقد وافى مسيبُكَ منذراً
وها هو في فَوديكَ أحرفهُ خطّا
فوافقت منه كاتبَ السرِّ واشياً
له القلمُ الأعلى يخطُّ بهِ وخطا
وأعجبُ شىء منك دعواك في النُّهى
وهذا الهوى المردي على العقلِ قد غطّى
قسطتَ عن الحقِّ المبينِ جهالةً
وقد خالفتك النفسُ فادّعت القسطا
وطاوعتَ شيطاناً بحيثُ إذا دعا
وتقبلُ إن أغوى وتأخذُ إن أعطى
تناءى عن الأخرى،وقد قربت مدعىً
تدانى من الدنيا،وقد أزمعت شحطا
وتمنحها حبّاً وفرطَ صبابةٍ
وما منحتْ إلا القتادةَ والخَرطا
أبو الحسن علي القيجاطي(نفح الطيب ج5 ص507):روضُ المشيبِ تَفتّحت أزهارُهُحتى استبانَ ثُغامهُ وبهارُهُ
ودُجّى الشّبابِ قد استبانَ صباحُهُ
وظلامهُ قد لاحَ فيه نهارهُ
فأتى حِمامٌ لا يُعافُ وقوعُهُ
ومضى غرابٌ لا يخافُ مطاره
والعمرُ مثلَ البدرِ يبدو حسنه
حيناً ويعقب بعذ ذاكَ سَراره
ولأنتَ تعلم أنّني زمنَ الصِّبا
ما زلتُ ممّن عفَّ فيه إزاره
ما يومنا من أمسنا قدكَ ائتدْ
ذهبَ الشّبابُ فكيف يُنفى عاره
عجباً لمن يجري هواهُ لغايةٍ
محدودةٍ لإضمارهُ مضماره
يأتي ضحىً ما كانَ يأتيهِ دُجىً
فكأنّهُ ما شابَ منه عذاره
هذا هدىً فيه اقتدهْ تنلِ المنى
أو أنتَ في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلامٌ مثلما
أرِجتْ بروضٍ يانعٍ أزهاره
لزاهد أبو عمران موسى بن عمران المارتلي:
إلى كم أقول فلا أفعل
وكم ذا أحومُ ولا أنزلُ
وأزجرُ نفسي فلا ترعوي
وأنصحُ نفسي فلا تقبلُ
وكم ذا تُعلّلُ لي ويحها
بعلَّ وسوفَ وكم تمطلُ
وكم ذا أُؤملُ طولَ البقا
وأغفلُ والموتُ لا يغفلُ
وفي كلِّ يومٍ يُنادى بنا
منادي الرحيل:ألا فانزلوا
أمنْ بعد سبعينَ أرجو البقا
وسبع أتت بعدها تعجلُ
كأن بي وشيكاً إلى مصرعي
يُساقُ بنعشي ولا أُمهلُ
فياليتَ شعري بعد السؤال
وطول المقام لما أُنقلُ
هذا جزاء امرىء أقرانه درجوا
من قبلهِ فتمنى فسحة الأجل