الشّباب والشيخوخة (٦/١٢)
وجَهْلٌ بَيّنٌ في ذي مشيبٍ
غَدا تغيّرهُ الرشأُ الغرير
البحتري:
أخي إنَّ الصِّبا استمرَّ به سيرُ الليالي فأنهجتْ بُرُدهْ
تَصدُّ عني الحسناءُ مُبْعِدةً
إذ أنا لا قُرْبهُ ولا صَددُه
شَيبٌ على المفرقينِ بارِضُهُ
يَكثُرُني أن أُبينَهُ عَدَدهْ
تطلبُ عندي الشبابَ ظالمةٌ
بُعيدَ خمسينَ حيثُ لا تجدُهْ
لا عَجبٌ إن مَللتِ خُلّتنامن يتطاولْ على مُطاولةِ ال
فافتقد الوصلَ منكِ مفتقدهْعيشِ تُقعقعْ من ملّةٍ عَمدُه
(البارض: أول مايطلع من النبات وهو غض)
البحتري:
رأت فلتاتِ الشّيبِ فابتسمتْ لها
وقالتْ :نجومٌ لو طَلَعنَ بأسعدِ
أعاتِكُ ما كانَ الشّبابُ مُقَرِّبي
إليكِ فألحى الشّيبَ إذ كانَ مُبعدي
البحتري:
لابِسٌ من شبيبةٍ أمْ ناضِ؟
ومُلِيحٌ من شَيبةٍ أم راضِي
وإذا ما امتعضتُ من ولعِ الشّيبِ
برأسي لن يَثنِ منهُ امتعاضي
ليس يرضى عن الزمانِ مُرَوٍّ
فيه إلا عن غفلةٍ أو تغاضِ
والبواقي من الليالي وإن خا
لفنَ شيئاً فَمُشبهاتُ المواضي
ناكَرتْ لِمّتي وناكرتُ منها
سُوءَ هذي الأخلافِ والأعواضِ
شَعراتٌ أقصُّهنَّ ويرجعنَوأبتْ تركيَ الغُدَيَّاتُ والآغيرَ نفعٍ إلا التعلُلَ من شخصٍ
رُجُوعَ السِّهامِ في الأغراضِصالُ حتى خضبتُ بالمقراضِعدوٍّ لم يَعدُهُ أبغاضي
ورُواءُ المشّيبِ كالبَخصِ في عي
ني فَقُلْ فيه في العُيون المِراضِ
طِبتُ نفساً عن الشّبابِ وما سُوِّدَ
من صِبغِ بُردهِ الفضاضِ
(البخض:لحم ناتئ فوق العين)
(الأغراض: الأهداف)
وأبتْ تركيَ الفُدَيّاتُ والأفهل الحادثاتُ يابنَ عُويفٍ
صالُ حتى خضبتُ بالمقراضِتاركاتي ولُبسَ هذا البياضِ
البحتري:
ولقد نهى ـ لو كانَ منتهياً
فَودق يُنازِعُ شَيبَهُ نَزَعُهْ
ما لَبثُ رَيعانِ الشّبابِ إذا
نُذُرُ المشيبِ تلاحقتْ شُرُعُهْ
والشّيبُ فيه على نقيصتهِ
مسلى أخي بَثٍّ ومُرتدعُه
البحتري:
ومِنْ عاثرٍ بالشّيبِ ضاعفَ وَجدَهُ
على وَجدِهِ أن لم تقولي له: لعا
فأثقِلْ علينا بالمشّيبِ مُسَلِّماً
وأحِببْ إلينا بالشّبابِ مُودّعا
البحتري:
وكنتُ أُرَجّي في الشّبابِ شفاعةً
وكيفَ لباغي حاجةٍ بشفيعهِ
مَشيبٌ كَنَثِّ السّرِّ عيِّ بِحملهِ
مُحَدِّثُهُ أو ضاقَ صدرُ مُذيعهِ
تلاحقَ حتى كادَ يأتي بطيئهُ
بِحثّش الليالي قبل أتي سريعه
(نثّ السر: أفشاه)
البحتري:
إذا ما لقيناهُنَّ والشّيبُ شَفعُنا
تغابينَ أو كَلّمننا بالسوالفِ
(السوالف:صفحة العنق)
البحتري:
قد رابني هَرَبُ الشبابِ وراعني
شَيبٌ يَدّبُ بياضهُ في مفرقي
إما تريني قد صحوتُ من الصِّبا
ومشيتُ في سَننِ المُبِلِّ المِفرقِ
وذكرتُ ما أخذَ المشيبُ فأرسلتْ
عينايَ واكِفَ دِيمةٍ مُغرورقِ
فلقد أراني في مُخيلةِ عاشقٍ
حسن المكانةِ في الحِسانِ مُعَشّقِ
أغدو فأسحبُ في البطالةِ مئزري
وكذاك من يُصبح بِبَثٍّ يُغبَقِ
(المُبل: الذي شفي وأبلّ من المرض، المفرق:من ـأفرق المريض)
البحتري:
خَطَتهُ فلم تحفِلْ به الأعينُ الوُطفُ
وكانَ الصّبا إلفاً، ففارقهُ الإلفُ
وأسلى الغواني عنهُ مُبيّضُّ فَودهِ
وكانَ يُغَييهُنَّ مُسوَدَّهُ الوَحْفُ
فكم موعدٍ أتَوْيَنَهُ ولَوينهُ
فأوّلهُ مَطْلٌ وآخرهُ خُلف
(الوطف:كثرة شعر الحاجبين،الوحف:الشعر الغزير الاسود،أتوينه: ضيعنه)
البحتري:
ها هوَ الشّيبُ لائماً فأفيقي
واتركيهِ إن كانَ غيرَ مُفيقِ
فلقد كَفَّ من عَناءِ المُعَنّى
وتلافى من اشتياقِ المَشوقِ
عَذلتنا في عشقها“أُمُّ عمرو“
هل سمعتُمْ بالعاذلِ المعشوقِ
ورأتْ لِمّةً ألمَّ بها الشيبُ
فَرِعتْ من ظُلمةٍ في شروقِ
ولعمري لولا الأقاحي لأبصرتُ
أنيقَ الرياضِ غير أنيقِ
وقال:خليّاهُ وجِدَّةَ اللّهوِ مادا إنَّ أيّامهُ من البيضِ بيضٌ
مَ رداءُ الشّبابِ غضّاً جديدا ما رأينَ المفارِقَ السّودَ سودا
البحتري:
ثَنتْ طَرْفها دُونَ المشيبِ،ومن يَشِبْ
فكلّث الغواني عنهُ مُثنيةُ الطّرفِ
البحتري:
ناكَرَتهُ الحسناءُ أبيضَ بَضاً
وهواها لو كانَ أسودُ وحَفُ
يهضِمُ الشّيب، أو يُرى النقصُ فيه
أسفٌ، يتبعُ الشبابَ ولهفُ
البحتري:
في الشّيبِ زَجرٌ له لو كانَ ينزجرُ
وواعظٌ منه لولا أنّهُ حَجرُ
ابيضَّ ما اسودَّ من فَوديهِ، وارتجعت
جَلِّيةُ الصُبحِ ما قد اغفلَ السحرُ
وللفتى مُهلةٌ في الحُبِّ واسعةٌ
ما لم يَمُتْ في نواحي رأسهِ الشّعرُ
قالت: مَشيبٌ وعِشقٌ رحت بينهما
وذاكَ في ذاك ذَنبٌ ليس يُغتفرُ
البحتري:ما كان شوقي ببدعٍ يوم ذاك ولا
دمعي بأوّل دمعٍ في الهوى سُفحا
ولِمّةٍ كنتُ مشغوفاً بجدَّتها
فما عفا الشّيبُ لي عنها ولا صفحا
البحتري:
قبلَ أن يُقِبلَ المشيبُ وتبدو
هفواتُ الشّبابِ في إدبارِ
وكُلُّ عُذرٍ من كُلِّ ذنبٍ ولكن
أعوزَ العُذرُ من بياضِ العذارِ
البحتري:
وباقي شبابٍ في مَشيبٍ مَغَلَّبٍ
عليه اختناءُ اليومِ يكثرهُ الشَهرُ
وليسَ طليق القومِ من راحَ أو غدا
يسومُ التصابي والمشيبُ له أسرُ
(خنا الرجل: إذا رأيته متخشعاً لحزن أو مرض)
البحتري:
شَيبٌ أرتني الأسى أوائلهُ
فليت شعري ماذا تُري أُخَرُهْ؟
صَغَّرَ قدري في الغانياتِ، وما
صغّرَ صَباً تصغيرهُ كِبرُهْ
البحتري:
تَزيدُني الأيامُ مَغبوطَ عيشةٍ
فَينقصُني نقصَ الليالي مُرورها
وألحقني بالشّيبِ في عقرِ دارهِ
مناقِلُ في عَرْضِ الشّبابِ أسيرها
مضتْ في سوادِ الرأسِ أولى بَطالتي
فدعني يُصاحبُ وخَطَ شيبي أخيرُها
(مناقل: ج منقلة :مرحلة من مراحل السفر)
البحتري:
ودِدتُ بياضَ السيفِ يوم لقيتني
مكانَ بياض الشّيبِ كان بمفرقي
وصَدَّ الغواني عند إيماض لِمّتي
وقصّرنَ عن لَبيّكَ ساعة منطقي
البحتري:
وقد خَبَّرَ الشَّيبُ الشّبيبة أنها
تقَضّتْ وأني ما سبيلي سبيلُها
البحتري:
ولقد بايعتُ بالشّيبِ فما
قيضَ لي طَيِّبُ نَفسٍ بغَبن
البحتري:
قد رأيتُ الشّيبَ إلا أنني
لم يَرُعني الشّيب عن وجهٍ حَسنْ
وقال:أرأيتهِ من بعدِ جَثْلٍ فاحمٍ فعجبتِ من حالينِ خالفَ فيهما
إنّ الزمانَ إذا تتابع خطوهُ
جَوْنَ المفارقِ بالنهارِ خضيبا صرفَ الزمانِ\وما رأيتُ عجيباسبقَ الطَّلوبَ وأدركَ المطلوبا
البحتري:
وكيفَ تعاطي اللّهو والرأسُ مُخلِسٌ
مشيباً، وشُربُ الراح من بعد جعفرِ
وقال:وكنتُ أرجَّي في الشّبابِ شفاعةً مشيبٌ كَبثِّ السِّرِّ عَيَّ بحملهِ
تلاحقَ حتى كاك يأتي بطيئهُ
فكيف لباغي حاجةٍ بشفيعهِمُحَدِّثهُ أو ضاقَ صدرُ مذيعهِلِحثِّ الليالي قبل أتي سريعه
البحتري:
راعني ما يَروعُ من وافدِ الشّي
بِ طُروقاً، ورابني ما يَريبُ
شعراتٌ سُودٌ إذا حُلْنَ بيضاً
حالَ عن وصلهِ المُحبِّ الحبيبُ
مرَّ بعد السّوادِ ما كان يحلو
مُجتناهُ من عيشنا ويطيبُ
وقال:عنتْ كبدي قسوةً منكَ ما إنوحُمِّلتُ عندك ذنبَ المشّيبِ ومن يَطلعْ شرفَ الأربعينَ
تزالث تُجَدِّدُ فيها ندوباحتى كأنّي ابتدعتُ المشيبايثحيِّ من الشّيبِ شخصاً غريبا
البحتري:
عَيّرتني المشيبَ وهي بَدتهُ
في عِذاري بالصَدِّ والاجتنابِ
لا تَريهِ عاراً، فما هُوَ بال
شَيّبِ ولكنّهُ جِلاءُ الشّبابِ
البحتري:هل أنتَ صارِفُ شيبةٍ إن غَلَّستْ
في الوقتِ أو عجلتْ عن الميعادِ
جاءت مُقَدَّمةً أمام طوالعٍ
هذي تراوحني وتلكَ تغادي
وأخو الغبينةِ تاجرٌ في لِمّةٍ
يشري جديدَ بياضها بسوادِ
لا تكذبنَّ فما الصِّبا بُمخلِّفٍ
لهواً ولا زمنُ الصِّبا بمعادِ
وأرى الشّبابَ على غضارةِ حسنهِ
وكمالهِ عدداً من الأعدادِ
وقال:قدْكِ مني فما جرى السُّقمُ إلا لو رأت حادث الخضابِ لأنتْكَلَفُ البيضِ بالمُعَمَّرِ قدراً
يتشاغفنَ بالغريرِ المُسمى
في ضلوعِ على جوى الحُبِّ تُحنىوأرنتْ من احمرار اليَرنا(الحنا)حين يكلفنَ والمصفّرِ سِنا
من تصابٍ دونَ الجليلِ المُكّنى
وقال:تركَ السّوادَ للابسيهِ وبيّضاوشآه أغيدُ في تصرُّفِ لحظهِ
وكأنّهُ وجدَ الصِّبا وجديدَه
أسيانُ أثرى من جوىً وصبابةٍ
ونضا من الستينَ عنهُ ما نضامرضٌ أعلَّ بهِ القلوبَ وأمرضادَيناً دنا ميقاتهُ أن يقتضى
وأسافَ من وصلِ الحِسانِ وأنفضا
البحتري:
أقولُ للِمّتي إذ أسرعتْ بي
إلى الشّيبِ:اخسري فيه وخيبي
تعيبُ الغانياتُ عليَّ شَيبي
ومَنْ لي أن أُمتّعَ بالمعيبِ
ووجَدي بالشّباب وإن تولّى
حميداً دون وجدي بالمشّيبِ
البحتري:
أبَعدَ الشّبابِ المُنتضى في الذوائبِ
أحاوِلُ لُطْفَ الوُّدِّ عند الكواعبِ؟
وكانَ بياضُ الرأسِ شخصاً مُذمماً
إلى كلِّ بيضاءِ الحشا والترائبِ
وقال:رُدي عليَّ الصِّبا إن كنتِ فاعلةًجاوزتُ حدَّ الشّبابِ النَّضرِ ملتفتاًوالشّيبُ مهربُ من جارى منيّتهُ
إنَّ الصِّبا ليسَ من شاني ولا أربيإلى بناتِ الصِّبا يركضن في طلبيولا نجاءَ له من ذلك الهربِ
البحتري وقيل غيره:
جَلوتُ مِرآتي، فيا ليتني
تركتها لم أجلُ عنها الصّدا
كي لا أرى فيها البياضَ الذي
في الرأسِ والعارض مني بدا
يا حسرتا! أينَ الشّبابُ الذي
على تعدِّيهِ المشيبُ اعتدى؟
شبتُ فما أنفكُّ من حسرةٍ
والشيبُ في الرأسِ رسولُ الرّدى
إنّ مدى العُمرِ قريبٌ، فما
بقاءُ نفسي بعد قُربِ المدى
أبو فراس الحمداني:
عَذيري، منْ طوالَعَ في عِذاري
ومن رَدِّ الشّبابِ المستعارِ
وثَوبٍ ،كنتُ ألبسهُ أنيقٍ
أُجَرِّرُ ذيلهُ، بين الجواري
وما زادت على العشرينَ سِنّي
فما عُذرُ المشيبِ إلى عِذاري؟
وما استمتعتُ من داعي التصابي
إلى أن جاءني داعي الوقارِ
أيا شيبي، ظَلمتَ ،ويا شبابي
لقد جاورت ،منك بِشَرِّ جارِ
يُرحِّلُ كلَّ من يأوي إليه
ويختمها بترحيلِ الدّيارِ
أمرتُ بِقصّه، وكففت عنه
وقرَّ على تَحمُلّهِ قراري
وقلتُ الشّيبُ أهون ما أُلاقي
من الدنيا وأيسر ما أُداري
ولم يبق رفيقي الفجرُ حتى
يضمُّ إليه مُنبلجَ النهار
وإني ما فُجعِتُ به لألقى
به ملقى العثار من الشعار
وكم من زائر بالكُرهِ مني
كرهت فراقه بعد المزار
أبو فراس الحمداني
أخذتْ في تطلُّبِ العِلاّتِ
حين لما رأت مشيبَ شواتي
يا لشيبِ العِذارِ والرأسِ ما
يفعلُ في العاشقينَ والعاشقات
ظهرت في مفارقي ،شعراتٌ
هُنَّ بُغضي إلى هوى الغانيات
عَجّلَ الشّيبُ في عذاري وهذا
شاهدي عندها بشيب لِداتي
أبو فراس الحمداني:
فما للغواني إذ علا الشيب مفرقي
يعلّلنَ قلبي بالأماني الكواذبِ
أراهنّ يبدين الصدود عن الفتى
إذا ما بدا الشّيبُ الذي في الذوائبِ
أبو فراس الحمداني:
وها أنا قد حلَّ المشيبُ مفارقي
وتوّجني بالشّيبِ تاجاً مُرّصعاً
أبو فراس الحمداني
شَعراتٌ، في الرأسِ، بيضٌ وغُنْجُ
حلَّ رأسي، جيشٌ من رُومٌ وزَنجُ
أيُها الشّيبُ، لمَ حَلَلتَ برأسي
إنّما لي عَشرٌ وعَشرٌ وبَنجُ
ابن الرومي:
كفاكَ من ذلتي للشّيبِ حين أتى
أني توليت نتفاً لحيتي بيدي
ابن الرومي:
ولّى الصِّبا بعد المشيب فإنّه
شأو يُريك الحرُ خلف وصيفه
يا جارتي أودى بياضُ مُسَّرجي
وبريقُه بسواده ورفيفه
والشيبُ ضيفٌ لا يزالُ موكلاً
بمقعةٍ ومساءةٍ ُضيفه
وأرى قوامي لجَّ في تقويسهِ
ولقد يلجُّ اللين في تعطيفه
إن يحمني بيضُ المشيبِ وشيبه
مَرعاي من بيض الشباب وهيفه
ابن الرومي:
علاكَ قناعُ المشيبِ اليَققْ
وثوبُ المشيبِ جديدٌ خَلقْ
علاكَ فأبرقَ إبراقةً
تُراعُ لها ظبياتُ البُرقْ
(اليقق:شديد البياض،خلق:قدم)
ابن الرومي:
لم يضحك الشّيبُ في فَوديهِ بل كَلَحا
سَمِّ القبيحَ من الأسماءِ ما قَبَحا
طرفتُ عيونَ الغانياتِ ورُبّما
أمالت إليَّ الطَرْف كُلَّ مميلِ
وما شِبتُ إلا شيبةً غير أنّه
قليلُ قذاة العينِ غيرُ قليلِ
ابن الرومي:
أقامَ مشيبي عليَّ القيامهْ
وعَمّمني منه أخزى عِمامهْ
فافسدَ بيني وبينَ الملاح
وأوحشَ مني كؤوس المُدامهْ
ظُلِمتُ ولا حاكم عادل
على الشّيب يسمعُ مني الظُّلامهْ
ابن الرومي:
قصرُك الشّيب فأقضِ ما أنتَ قاضِ
من هوى البيضِ قبلَ حين البياضِ
ابن الرومي:
أجزعني حادِثُ المشيبِ وإن
كنتُ جليداً مستحصدِ المِررِ
حُقَّ لذي الشّيب أن يُعّفره
لا بل كفاه بالشّيب من عَفرِ
ما الشّيبُ شيباً فإن سألت به
فالشّيبُ شَوب الحياةِ بالكدرِ
هلاّ يسليك عن شبيبتك الش
يب ومَنعاه باقي العُمُرِ؟
أولُ بدءِ المشيبِ واحدةٌ
تُشعِلُ ما جاورت من الشَعرِ
بينا تُرى وحدها إذا اشتعلت
أرتك نار المشيب في أُخَرِ
مثل الحريق العظيم تبدؤه
أول صَولٍ صغيرةُ الشّررِ
تعدي ـ إذا ما بدت ـ صواحبها
كأنّها عُرة من العُررِ
كذا صفاء الأمور ما برحت
تكون منها مبادئ الكبرِ
ابن الرومي:
وعَيّرتني بشيبِ الرأسِ ضاحكةً
مِنْ ضاحكٍ فيه أبكاني وأضحكَ بي
فالآنَ أهزأَ بي شيبي وأوبقني
عيبي، وإن كنتُ لم أُوبق ولم أُعَبِ
ابن الرومي:
لِكُلِّ امرئٍ من شَيبهِ وخِضابهِ
عناءٌ مُعِنٌّ أو بغيضٌ مُرابِطُ
وخطُّ أخي الشيبِ المسِّودِ شَيبهُ
مقالة أهل الرشد:غاوٍ مُغالِطُ
ابن الرومي:
قد ساءني أن بزّ تِربي قناعه
وأضحى قناعي حالك اللونِ داجيا
وقد كنتُ أهوى أن أفضَّل دونه
بكُلِّ لباسٍ يستميلُ الغوانيا
فلما علاهُ الشّيب أيقنتُ أنّهُ
عناني ولكن باسمِ غيري دعانيا
ابن الرومي:
يا بياضَ المشيبِ سَوّدت وجهي
عندَ بيضِ الوجوهِ سُودِ القرونِ
فلعمري لأخفينّكَ جهدي
عن عياني وعن عيان العيونِ
ولعمري لأمنعنّك أن تضحكَ
في رأسي آسفٍ محزونِ
بِخضابٍ فيه ابيضاضٌ لوجهي
واسودادٌ لوجهكَ الملعونِ
ابن الرومي:
لهفَ نفسي على العيونِ المِراضِ
والوجوهُ الحِسانِ مثل الرياضِ
حالَ بيني وبينَ أيامهن البي
ضِ ما احتلَّ مفرقي من بياضِ
نظرتْ نظرةً إلى المُلماتِ
فأغرينهنَّ بالإعراضِ
وبحقٍّ تَجّهمُ البيضِ بيضاً
أعقبتهنَّ أربعون مواضي
ابن الرومي:
خَصيمُ الليالي والغواني مُظَّلم
وعهدُ الليالي والغواني مُذَممُ
فظلمُ الليالي أنهُنّ أشبنني
لعشرين يحدوهن حول مُجرّمُ
وظلمُ الغواني أنهُنَّ صرمنني
لظلمِ الليالي،إنني لمُظَلّمُ
تنكرنَّ لي أن نكرَّ الشّيبُ لمّتي
وفي الشّيبِ للسودِ الذرى مُتحرَّمُ
ورُبّ مَهاة صدتها بين نظرتي
ونظرتها أيام رأسيَ أسحَمُ
أعارِضُ مرمى الوحش غير مخاتلٍ
فأستدرجُ الأقناصَ من حيث تعلمُ
رأيتُ سوادَ الرأسِ، واللّهو تحته
كَليلٍ وحُلمٍ باتَ رائيه ينعمُ
فلما اضمحّلَ الليلُ زالَ نعيمهُ
فلم يبقَ إلا عهدهُ المُتوَهّمُ
ابن الرومي:
راعَ المها شيبي وفيه أمانُها
من أن تصيدَ رميهنّ سهامي
وعَقَقنني لما ادعينَ عُمومتي
ومن النساءِ مُعقَّةُ الأعمامِ
غَضّي الملامة قد كفاك ملامتي
ضيفا ثوى عندي بدار مقامِ
سقط البواكِرُ والروائحُ خِلْقةً
أيامَ لم أستسقِ للأيامِ
أيامَ أجني العيشَ حُلوَ ثمارهِ
في ظلِ حالكةِ السوادِ سُخامِ
أذرى غُبارَ الشّيبِ فوقَ مفارقي
ركضُ السنين الراكضات أمامي
وأراهُ عَمّمني وعممَّ زوجتي
واختصّني من دونها بلثامِ(اللحية)
ابن الرومي:
أجِدَّ الغانيات قَلينَ وصلي
وتطبيني إليهنَّ الطَّوابي(تدعوني إليهن)
صدود بأعينٍ عني نَوابٍ
ولسنَ عن المقاتلِ بالنوابي
ولم يصدُدنَ من خَفَرٍ ودَلٍ
ولكن بِعادٍ واجتنابِ
وقُلنَ ،كفاكَ بالشّيبِ امتهاناً
وبالصّرمِ المُعجَلِّ من عقابِ
وما أنصفنَ إذ يَصرمنَ حبلي
بذنبٍ ليس منّي باكتسابِ
وكُنَّ إذا اعتدَنَ الشّيبَ ذنباً
على رجلٍ فليسَ بِمُستتابِ
ومالكَ عند من يعتدُّ ظُلماً
عليكَ بذنبٍ غيرك من متابِ
ومِنْ نكدِ الدنيا إذا ما تنكرّتْ
أمور،وإن عُدّت صِغاراً وعظائمُ
إذا رُمتُ بالنقاشِ نتفَ أشاهبي
أُتيح له من بينهن الأداهمُ
يُروِّعُ منقاشي نجوم مسائحي
وهُنَّ لعيني طالعاتٌ نواجِمُ
ابن الرومي:
أيُّها الشّيبُ:قد ذَعرتَ ظباء
سمعتْ فيَّ دونها تهديدكْ
عجبي من نفارهنَّ ولم تُه
دِ إليهنَّ، بل إليَّ وعيدَكْ
ولقد كنتَ من أمانيَّ مُذْ كن
تُ، وإن كان مذهبي أن أكيدكْ
يا عجيباً من كُلِّ وجهٍ:ألا تع
جب من ذي حجاً تمنّى زهيدكْ؟
أنتَ شرُّ المجدَّدات على الحيِّ
ولا بأسَ باكتسابي جديدك
ولما قلتُ ذاك مُلتَذَّ مكرو
هك جهلاً ومستهيناً شديدَك
ابن الرومي:
شابَ رأسي ولات حينَ مَشيبِ
وعَجيبُ الزّمانِ غيرُ عجيبِ
قد يشيبُ الفتى وليسَ عجيباً
أن يُرى النورُ في القضيبِ الرّطيبِ
ساءها أن رأتْ حبيباً إليها
ضاحكَ الرأسِ عن مَفاقَ شِيبِ
يا حليفَ الخِضابِ لا تَخدعِ النف
سَ فما أنتَ للصبيّ بنسيبِ
ليسَ يُجدي الخِضابُ شيئاً من النّف
عِ سوى أنّهُ حِدادُ كئيبِ
لهفَ نفسي على القناع الذي مَح
حَ وأُعقبتُ منهُ شرَّ عَقيبِ
شَعرٌ ميتٌ لذي وَطرٍ حَيْيٍّ
كنارِ الحريقِ ذاتِ اللهيبِ
وأخو الشّيب والُلبانة في البي
ضِ بحالٍ كقتلةِ التغبيبِ(قتل الذئب للشاة)
مَعَهُ صبوةُ الفتى، وعليه
صرفةُ الشيخِ، فهو في تعذيبِ
يُطَّبى للِصِّبا فيدُعى مجيباً
وهو يدعو وماله من مجيبِ
ليسَ تنقادُ غادةٌ لهواهُ
وهو ينقادُ كانقيادِ الجَنيبِ(طائع منقاد)
ظلمتني الخطوبُ حتى كأنّي
ليس بيني وبينهنّ من حسيبِ
سلبتني سواد رأسي ولكن
عوّضتني رِياشَ كُلِّ سليبِ
ابن الرومي:
سُلِبتُ سوادَ العارضين وقبلُهُ
بياضَهما المحمودَ إذ أنا أمردُ
وبُدِّلتُ من ذاكَ البياضِ وحُسنهِ
بياضاً ذميماً لا يزالُ يُسَوّدُ
لشتان ما بين البياضين:مُعْجِبٌ
أنيق، ومشنوءٌ إلى العينِ انكدُ
تضاحكَ في أفنان رأسي ولحيتي
وأقبحُ ضَحّاكين:شَيبٌ وأدَرْدُ
وكنتُ جلاءً للعيون من القذى
فقد جعلتْ تقذي بشيبي وترقدُ
هي الأعينُ النُّجلُ التي كنت تشتكي
مواقعها في القلب، والرأس أسودُ
فمالكَ تأسى الآنَ لما رأيتها
وقد جعلت مرمى سِواك تَعَمّدُ
تَشكّى إذا ما أقصدتكَ سهامها
وتأسى إذا نكَبّنَ عنكَ وتكمدُ
ابن الرومي:
تذكّرتهُ والشّيبُ قد حالَ دُونهُ
فظّلتْ بناتُ العينِ مِنّي تَحدّرُ
ابن الرومي:
نُراعُ إذا لاحت نجومُ مشيبنا
كأنّ نجوم الليل منكدراتُ
وتنفطرُ الأكبادُ عند شُمولهِ
كأنّ الطِّباق السبع منفطراتُ
ابن الرومي:
تُعيّرني شيبي ببيضاء نابتهْ
لها لوعةٌ في مضمرِ القلب ثابتهْ
ومن عجبٍ أنّي إذا رُمتُ نتفها
نتفتُ سواها وهي تضحك شامتهْ
ابن الرومي:
راحَ شيبي عليَّ مثلَ الثَّغامِ
وغدا عاذلي ألدَّ الخصامِ
عَزَني في خطابه أن رآني
صارَ بعضي ظهيره في ملامي
قَنَّعَ الرأسَ ثم لثّم وجهي
وكفى بالقناعِ دونَ اللثامِ
حلَّ رأسي فراعني أن في الشي
بِ نعيَّ الصِّبا نذيرَ الحِمام
راعَني شخصهُ وراع بشخصي
بقر الإنس ساكنات الخيام(النساء)
فتناهينَ قالياتٍ وصالي
وتناهيتُ خائفاً ما أمامي
بل تناهيتُ مُكرهاً بتناهي ال
بيضِ عني وما انتهت أعرامي
كالذي ذادهُ السُّقاة عن الما
ءِ ولم يشفِ ما بهِ من أُوامِ
حسرتي للشباب لا بل من الشّي
بِ لقد طال مُذْ بدا تحوامي
زادني عن مواردٍ ليَ كانت
شافياتٍ من الغليلِ الهُيام
حَرُمتْ بالمشيب أشياء حَلّتْ
لي زماناً بإذنِ جَعْدٍ سُخامِ
لم تَحَلّلْ دونها فهي اليو
م حرامٌ عليَّ كلَّ الحرام
سوأتي أن أطعتُ شيبي فيما
لم أُطِعْ فيه حاكم الحُكّامِ
ابن الرومي:
ألا ليسَ شَيبُكَ بالمُنتزعْ
فهل أنت عن غَيّةٍ مُرتدِعْ
وهل أنت تاركُ شكوى الزمان
إذا شئتَ تشكو إلى مستمعْ
فشيبُ أخي الشيبِ أمنيةٌ
إذا ما تناهى إليها هلعْ
ابن الرومي:
كَفى حَزناً أنّ الشبابَ معجّلٌ
قصيرُ الليالي والمشيبُ مخَلّدُ
وعَزّاكَ عن ليلِ الشبابِ معاشِرٌ
فقالوا: نهارُ الشّيبِ أهدى وأرشدُ
فقلتُ: نهارُ المرءِ أهدى لسعيهِ
ولكِنَّ ظِلَّ الليلِ أندى وأبردُ
محار الفتى شيخوخة أو منيّة
ومرجوعُ وهّاج المصابيح رِمْدِدِ
ابن الرومي:
وإنّي لأرجو الشّيبَ ثم أخافه
كما يُرتجى شُرْبُ الدّواءِ ويُحْذَرُ
هوَ الشّيبُ إن يَسْبِقْ فَعيشٌ مُبَغَّضٌ
عليَّ وإن يُسبَقْ فَموتٌ مُقَدّرُ
إذا شَنِئت عينُ امرئٍ شيبَ نفسهِ
فعينُ سِواهُ بالشّناءةِ أجدَرُ
ابن الرومي:
أما رأيتَ الدّهرَ كيفَ يجري
يُظهرُ ما أكتمهُ من عُمري
بأحرُفٍ يَخُطُّها في شَعري
يمحو بها غَضَّ الشبابِ النَّضرِ
إذا محا سطراً بدا في سَطرِ
ابن الرومي:
رأيتُ حياة المرءِ بعد مَشيبهِ
إذا زاول الدنيا حياة أسيرِ
ابن الرومي:
أَعِرْ طَرْفَكَ المرآةَ وانظُرْ فإن نبا
بعينيكَ عنكَ الشّيبُ فالبيضُ أعذَرُ
إذا شَنِئتْ عينُ الفتى وجهَ نَفسهِ
فعينُ سِواهُ بالشّناءةِ أجدرُ
ابن الرومي
وما ظَلمتكَ الغانياتُ بِصَدِّها
وإن كانَ في أحكامها ما يُجوَّرُ
أَعِرْ طَرْفَكَ المرآةَ وانظر،فإن نَبا
بعينيك عنك الشّيبُ فالبيضُ أعذرُ
إذا شَنئِتْ عينُ الفتى شَيبَ نفسه
فعينُ سواه بالشّناءةِ أجدرُ
ابن الرومي:
وفتاةٍ رأت خِضابي فقالت:
عَزَّ داء المشّيبِ طِبَّ الطبيبِ
خاضِبُ الشّيبِ في بياضٍ مُبين
حين يبدو وفي سوادٍ مُريبِ
يالها من غريرة ذات عينٍ
غير مغرورة بشيبٍ خضيبِ
وحقيقٌ لعورة الشّيب أن تب
دو للغرِّ غير ذي التدريبِ
لهفَ نفسي على القناع الذي مَح
حَ، وأعقِبتُ منه شرَّ عقيب
منعَ العين أن تقرّ وقرّت
عينُ واشٍ بنا،وعينُ رقيبِ
بشار بن برد:
ورأت عُجاباً شيبتي فبكتْ
جزعاً لها والدهرُ ذو شَغبِ
بشار بن برد:
يا خليلاً نبا بنا في المشّيبِ
لم يُعَرِّجْ على مشارِ الطبيبِ
بشار بن برد:
الشّيبُ كُرْهٌ وكُرهٌ أن يفارقني
أعجبْ بشيئٍ على البغضاءِ مودودِ
يمضي الشّبابُ ويأتي بعدَهُ خَلَفٌ
والشّيبُ يذهبُ مفقوداً بمفقودِ
الفرزدق:
رأيتُ العذارى قد تَكّرهنَّ مجلسي
وقُلن:تولّى عنكَ كُلُّ شبابِ
يُنْرَن إذا هازلتُهنَّ، ورُبّما
أراهُنَّ في الإثارِ غير نوابي
عَتبنَ على فقدِ الشّبابِ الذي مضى
فقلتُ لَهُنَّ:لاتَ حينَ عتابِ
(ينرن:ينفرن،الإثار: مخالسة الطرف)
الفرزدق:
تَضاحكتْ أن رأتْ شيباً تَفرّعني
كأنّها أبصرتْ بعض الأعاجيبِ
يأبى، إذا قُلتُ أنسى ذِكرَ غانيةٍ
قلبٌ يُحِنُّ إلى البيضِ الرّعابيبِ
الفرزدق:
أرى الدّهرَ، أيامُ المشيبِ أمَرّهُ
علينا،وأيامُ الشبابِ أطايبهْ
وفي الشّيبِ لذّاتٌ وقُرّةُ أعينٍ
ومن قبلهِ عَيشٌ تَعلّلَ جاذِبُهْ
إذا نازلَ الشّيبُ الشّبابَ فأصلتا
بسيفيهما، فالشّيبُ لابُدَّ غالِبُهْ
فيا خيرَ مَهزومٍ،ويا شرَّ هازمٍ
إذا الشّيبُ راقت للشبابِ كتايبُهْ
وليسَ شبابٌ بعدَ شيبٍ براجعٍ
مدى الدهرِ حتى يُرجِعَ الدّرَّ حالِبُهْ
الفرزدق:
إنّ الملامة مثلُ ما بكرتْ بهِ
من تحت ليلتها عليك، نوارُ
وتقولُ كيفَ يميلُ مِثلُكَ للِصِّبا
وعليكَ من سِمةِ الحليم عِذارُ
والشّيبُ ينهضُ في السّوادِ كأنّهُ
ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ
إنَّ الشبابَ لرابح من باعه
والشّيبُ ليس لبائعيه تِجار
الفرزدق:
والشّيبُ شرٌّ جديد أنتَ لابسهُ
ولن ترى خلقاً شراً من الهَرمِ
الفرزدق:
رأتْ وَضَحاً في الرأسِ مني فراعَها
فريقان مُبْيَضٌ به وبهيمُ
تباريقُ شَيبٍ في السوادِ لوامِعٌ
وما خيرُ ليلٍ ليس فيهِ نجومُ
الأخطل:لما رأت بدلَ الشّبابِ بكت لهُ
إنَّ المشيبَ لأرذلِ الأبدال
جرير:
قد رابني نَزَعٌ وشَيبٌ شامِلٌ
بعد الشّبابِ وعَصرهِ الفَينانِ
نزلَ المشيبُ على الشّبابِ فراعني
وعرفتُ منزلهُ على أخداني
وإذا وَعدنكَ نائلاً أخلفَنهُ
وإذا غَنيتَ فهُنَّ عنكَ غَوانِ
(النزع:واحدة نزعة:موضع انحسار الشعر جانبي الجبهة، الفينان:الحسن والشعر الطويل)
جرير:
واستنكرَ الفتياتُ شَيبَ المَفرقِ
من بعد طُولِ صبابةٍ وتَشوّقِ
وقد كنتُ أتبعُ حبلَ قائدةِ الصِّبا
إذ للشبابِ بشاشةٌ لم تُخلقِ
الأخطل: أعرضن من شمط في الرأس لاح به
فهن منه إذا أبصرنه حيد
قد كن يعهدن مني مضحكاً حسنا
ومفرقاً حسرت عنه العناقيد
الأخطل:
إما تريني حناني الشيبُ من كِبَرٍ
كالنّسرِ أرجُفُ والإنسان مهدودُ
وقد يكون الصِّبا مني بمنزلةٍ
يوماً، وتقتادني الهيفُ الرعاديدُ
يا قلَّ خيرُ الغواني كيف رغنَ به
فشربهُ وَشَلٌ ، فيهنَّ تصريدُ
أعرضنَ من شمطٍ في الرأسِ لاحَ به
فهنَّ منه إذا أبصرنهُ حيدُ
هل للشباب الذي قد فات مردودُ
أم هل دواءٌ يردُّ الشيبَ موجودُ
المعري:
شربتُ بُروداً لم يدعْ نارَ غُلّةٍ
وعن منكبيّ ألقيتُ خيرَ برودي
فإنّ قتيرَ الشّيبِ لم يحمِ جانباً
فكانَ بعكسٍ من قتيرِ سَرورِ
(شربت بارداً روى عطشاً وخلعت برد الشباب فأرحت نفسي،ووجدت أن القتير وهو أول الشيب لم يشفع بما لم يشب )المعري:
خاطت إبارُ الشيبِ فَوْدَك بعدما
خَلُقَ الشباب، فهل لهنَّ إبارُ(صلاح)
المعري:
أسيتُ على الذوائبِ أن علاها
نهاريُّ القميصِ له ارتقاءُ
لعلَّ سوادَها دَنسٌ عليها
وإنقاءُ المُسِّنِ له نقاءُ
(يرجو أن يكون بياض شيبه نقاء من دنس شبابه)المعري:
وذاكَ أن سوادَ الفَوْدِ غَيّرهُ
في غُرّةٍ من بياضِ الشّيبِ أضواءُ
إذا نجومُ قتيرٍ في الدّجى طلعت
فللجفونِ من الإشفاق أنواء(سالت الدموع)
أبو العتاهية:
ولقد أقامَ ليَ المشيبُ نُعاتَهُ
يُفضي إليَّ بِمفرَقٍ وقذالِ
أبو العتاهية:
أتصفو حياتي والشباب نسيتهُ
لسكري وأيام المشيب هموم
فياليت شعري كيف أرجو سلامتي
وعمري وشيبي والزمان خصوم
أبو العتاهية:
قد ذقتُ شدّة أيامي ولذّتها
فما حصلت على صابٍ ولا عسلِ
وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني
فهل أراني المشيبُ الروح في بَدلي
أبو العتاهية:
والشّيبُ ينعى إلى المرءِ الشباب كما
ينعى الأنيسَ إليه المنزلُ الخالِ
أبو نواس:
ألا ما للمشيبِ وما لرأسي
حمى عنّي العُيونَ، وما حماني
أبو نواس:
يقولون في الشّيب الوقارُ لأهلهِ
وشيبي بحمدِ الله غيرُ وقارِ
أبو نواس:
حتى إذا الشّيبُ فاجأني بطلعتهِ
أقبِحْ بطلعةِ شيب غير منحوت(مخطوط)
عند الغواني، إذا أبصرنَ طلعتُهُ
آذن بالصّرمِ من وُدٍّ وتشتيت
الشريف الرضي:
قُلْ لليالي قد ملكتِ فأسجحي
ولغيركِ الخلقُ الكريمُ الأسحجُ
إن أشكُ فِعلَكِ من فراقِ أحبّتي
فَلَسُوءُ فِعلكِ في عِذاري اقبحُ
ضوءٌ تشعشعَ في سوادِ ذوائبي
لا أستضئُ بهِ ولا أستصبِحُ
بعتُ الشباب بهِ على مِقهٍ له
بَيعَ العِلْمِ بأنه لا يربحُ
لا تُنْكرنَّ من الزمانِ غريبةً
إنّ الخُطوبَ قليبُها لا يُنزَحُ
الشريف الرضي:
ضاعَ الشّبابُ فَقُلْ لي أينَ أطلبهُ
وازوّرَ عن نظري البيضُ الرّعاديد
وجرّدَ الشّيبُ في فَوديَّ أبيضَهُ
ياليتهُ في سوادِ الشَعرِ مغمودُ
بيضٌ وسُودٌ برأسي لا يسلِّطها
على الذوائبِ إلا البيضُ والسودُ
يُؤمِّلُ الناس أن يبقوا وما علموا
أن الفتى ليدِ الأقدارِ مولودُ
الشريف الرضي:
واهاً على عهدِ الشبابِ وطيبه
والغضُّ من ورق الشبابِ الناضر
كانَ المشيبُ وراءَ ظِلٍّ قاصرٍ
لأخِ الصِّبا وأمامَ عُمرٍ قاصرِ
وأرى المنايا إنْ رأتْ بك شيبةً
جعلتكَ مَرمى نَبْلها المتواترِ
تعشو إلى ضوءِ المشيبِ فتهتدي
وتضلُ في ليلِ الشبابِ الغابرِ
لو يُفتدى ذاكَ السوادُ فَديتهُ
بسوادِ عيني بل سوادِ ضمائري
أبياض رأسٍ واسوداد مطالبٍ
صبراً على حكمِ الزمانِ الجائر
الشريف الرضي:
ليسَ على الشّيبِ للغواني
وإن تَجمّلنَ من قرارِ
كأنّما البيضُ من لِداتي
ضرائرُ البيضِ من عِذاري
إن خَيّمتْ هذه بأرضي
تَحّملتْ تلكَ عن دياري
وكُنَّ طربى إلى طُروقي
إذ ليلُ رأسي بلا دَراري
فَمُذْ أضاءَ المشيبُ فَودي
تَوَّرعَ الزَّورُ عن مَزاري
مثلُ الخيالاتِ زُرنَ ليلاً
وزُلنَ مع طالعِ النهارِ
الشريف الرضي:
غالطوني عن المشيبِ وقالوا:
لا تُرَعْ إنّهُ جِلاءُ الحسامِ
أيها الصُبحُ زُلْ ذميماً فما أظ
لمَ يومي من بعد ذاكَ الظلامِ
أرمَضتْ شمسُكَ المنيرةُ فَودي
فَمنْ لي بظِلِّ ذاكَ الغمامِ
قلتُ ما أمْنُ مَن على الرأسِ منهُ
صارم الجد في يدِ الأيامِ
الشريف الرضي:
تَنّفسَ في راسي بياضٌ كأنّهُ
صِقالُ تراقٍ في النّصولِ الروانقِ
وما جَزعي إن حالَ لَونٌ وإنّما
أرى الشّيبَ عَضباً قاطعاً حبل عاتقي
فما لي أذمُّ الغادرينَ، وإنّما
شبابيَ أدنى غادرٍ بي وماذِقِ
تُعيّرني شيبي كأنّي ابتدعتهُ
ومَنْ ليَ أن يبقى بياضُ المفارقِ
وإن وراءَ الشّيبِ ما لا أجوزُهُ
بعائقةٍ تُنسي جميعَ العوائقِ
الشريف الرضي:
لا تأخذيني بالمشيبِ، فإنّهُ
تَفويفُ ذي الأيامِ لا تفويفي(أي فيه خيوط بيضاء)
لو أستطيعُ نضوتُ عني بُردَهُ
ورميتُ شمسَ نهارهِ بِكسوفِ
كانَ الشبابُ دُجَنَّةً فتمزقتْ
عن ضوءِ لا حَسنٍ ولا مألوفِ
ولئنْ تعجّلَ بالنُّصولِ فَخْلفهُ
رَوحاتُ سَوْفٍ للمنونِ عنيفِ
الشريف الرضي:
آهِ من دائينِ عُدْمٍ ومشيبْ
رُبَّ سُقْمٍ لا يُداوى بطبيب
الشريف الرضي:
مضى عني السواد بلا مراد
وأعطاني البياض بلا التماس
الشريف الرضي وقد أعجل الشيب إلى رأسه وكان عمره 23 سنة:
عَجِلتَ، يا شيبُ على مفرقي
وأيُّ عُذرٍ لك أن تعجلا
وكيفَ أقدمتَ على عارضٍ
ما استغرقَ الشّعرَ ولا استكملا
كنتُ أرى العِشرينَ لي جُنّةً
من طارقِ الشّيبِ إذا أقبلا
فالآنَ سِيّانِ ابنُ أُمّ الصِّبا
ومن تَسدّى العُمرَ الأطولا
يا زائراً ما جاءَ حتى مضى
وعارضاً ما غامَ حتى انجلى
ليتَ بياضاً جاءني آخراً
فِدى بياضٍ كان لي أولا
وليتَ صُبحاً ساءني ضوءهُ
زالَ،وأبقى ليلَهُ الأليلا
هذا، ولم أعْدُ بحالِ الصِّبا
فكيفَ من جاوزَ أو أوغلا
فليتني كنتُ تسربلّتهُ
في طَلَبِ العِزِّ ونيلِ العُلى
قد كان شِعري رُبّما يَدّعي
نُزولَهُ بي قبلَ أن ينزلا
فالآنَ يحميني ببيضائهِ
أن أكُذِبَ القولَ وأن أُبطلا
قُلْ لعذولي اليوم نَمْ صامتاً
فقد كفاني الشّيبُ أن أُعذلا
طبتُ به نفساً ومن لم يجدْ
إلا الردى أذعنَ واستقبلا
لم يلقَ من دوني له مصرفاً
ولم أجد من دونهِ موئلا
مهيار الديلمي:
ولما تواقفنا وفي العيس فضلةٌ
بقدر الوقوفِ ساعةً ثم تنقضي
رأت شيبةً ما لوّحت بعوارضي
فصرّح بالهجران كلُّ مُعرّضِ
وقالت: أشيخٌ؟ قلتُ:كهلٌ فأطرقتْ
وقالت:أمام السهم إنذارُ مُنبِضِ
يناغيكَ بعد الشباب قلبي وناظري
ومن أين يصفو اسودانِ لأبيضِ
(المثل:لا يعجبك الانباض وهو ضرب الوتر قبل التوتير،يضرب في استعجال الأمر قبل بلوغ هدفه)
مهيار:
إن تكن أعينُ المها أنكرتني
فلعمري لقد أصبن نكيرا
زاورتْ خلّتين منيَ:إقتا
راً يقذي عيونها وقتيرا
وخطوبٌ تحيلُ صِبغتها الأب
شارَ فضلاً عن أن تُحيلَ الشعورا
(الإقتار: الفقر، القتير: أول الشيب)
مهيار الديلمي:
أما تنهاك عن عيد التصابي
مواضٍ من شبابك لا تعود
وقادحةٍ لها في كُلِّ يومٍ
ذبولٌ من نشاطك أو خمود
طوالعُ في عِذارك لا الأحاطي
قسمن طلوعهنّ ولا السعود
ولم أر كالبياضِ مُذمّماً
في مواطنَ وهو في أخرى حميدُ
فتلحاهُ العوارضُ والمفالي
وترضاه الترائب والتهود
مهيار:
تعدُّ سنيَّ تعجبُ من وقاري
ولم يجتزْ مراح العمر عَدِّي
فما للشّيب شدَّ عليّ ركضاً
فطوّحَ بي ولم أبلغ أشدّي
يعيّرني ولم أره شآني(سبقني)
تنبه حظُّه بخمول جَدّي
مهيار:
رُبَّ يومٍ باهلتني بالصِّبا
وصَغارٌ عندها خطُّ الكِبَرْ
وتَنكّبتُ مُدِلاً وفرةً
نشرَ العنبر عنها مَنْ ضَفَرْ
فرأت شيباً فقالت: غُيّرتْ
قلتُ: ما كلُّ شبابٍ في الشَّعرْ
غُيّرتْ بيضاء في سودائها
قلتُ: مهلاً ! آيةُ الليل القمرْ
ما لغزلانٍ تصافيني الهوى
ما استطاعتْ وأُجازيها الكَدَرْ
مهيار:
وعِبتِ وليس غيرُ الشّيبِ شيئاً
أُذادُ له بعيبٍ أو أُكادُ
وما منّي البياض فتجرميني
به ذنباً ولا منك السوادُ
مهيار:
تَلّونَ رأسي صَبغتين فميّتٌ
وذو نَبْهٍ أو لاحقٌ متماوتُ
مهيار:
جزعت له كأنَّ الشّيبَ منهُ
يَسُلُّ عليكِ نَصلاً من قِرابِ
مهيار:
قالت على „البيضاء“ أختُ عامرٍ:
أسفرَ في فَوديك ذاك الغيهبُ
ومن بلاياكِ وإن عتبتِ به
شبابُ حُبّي وعِذاري الأشيبُ
غَدرُكِ والخمسونَ، أيّ روضةٍ
قشيبةٍ بينهما لا تُجدِبُ
وما الذي أنكرتهِ من ليلةٍ
يطلُعُ فيها قمرٌ أو كوكبُ؟
ما نَصلتْ إلا بماءِ مقلتي
فليتها بماءِ قلبي تُخضَبُ
مهيار الدّيلمي:
ملكتَ يا شيبُ فخذ ما شئتَ مني أودعِ
طارقةَ بمثلها فاجئة لم تُرعِ
أفنى الخُطوبَ قبلها صبري وأفنت جزعي
أعدى جبيني مفرقي فاستويا في الصلع
مهيار :
لم أكن أٌنكِرُ حالاً من زماني
قبلَ أن غَيّرَ جَور الشيبِ حالي
أقمرَ الليلُ فقالوا: رشداً
قلتُ : يا شوقي إلى ذاك الضلالِ
حكمَ الدهرُ فما أنصفنا
حاكماً يَصرِفُ حقاً بمجال
وأبوا الألوان لا يُبقي على
صبغةٍ فينا ولا حِذو مثالِ
مهيار:
لما رأتْ أُدْمَةً نُكراً وغائرةً
شهباءَ راكضةً في الدّهم من قُضبي
لون ـ وقد أضحكت رأسي الخطوبُ لها ـ
وجهاً إلى الصدِّ يبكيني ويضحك بي
لاتعجبي اليوم من بيضائها نظراً
إلى سِنّي، فمن سودائها عجبي
ما زلتُ علماً بأنَّ الهمّ مخترِمٌ
عُمرَ الشبيبة أبكيها ولم أشبِ
وسُوم شيبٍ فإن حقّقتِ ناظرةً
فإنهنَّ وسومُ فيّ للنُوّبِ
مهيار:
ما لساري اللّهوِ في ليلِ الصِّبا
ضَلَّ في فجرٍ برأسي وضُحا
ما سمعنا في السُّرى من قبلهِ
بإبنِ ليلٍ ساءهُ أن يُصْبحا
صوّحتْ ريحانةُ العيشِ بهِ
فَمنْ الراعي نباتاً صَوّحا
مهيار:
يا للّواتي بَغضنَ الشّيبَ وهو إلى
خدودهنّ من الألوانِ مَنسوبُ
تأبى البياض وتأبى أن أسوِّدهُ
بِصبغةٍ وكلا اللونين غِربيبُ(شديد السواد)
ما أنكرتْ أمسِ منهُ ناصلاً يققاً(أبيض)
ما تنكرُ اليوم منه وهو مخضوبُ
مهيار:
بيضاءُ تُقلى بُغضاً وأعهدُها
سوداءَ تُرضى حبّاً وتُنتخَبُ
صاحت وراء المراحِ واعظةً:
لا يلتقي الأربعون واللِعبُ
أعدى بها الشّيبَ وهي واحدةٌ
ألفاً، ويُعدي الصحائحَ الجُرُبُ
مهيار:
أراكِ تَرَيني ناقصاً ونقيصتي
ليالٍ وأيامٌ عليَّ تزيدُ
لِكُلِّ جديدٍ باعترافكِ لذّةٌ
فمالكِ عِفْتِ الشّيبَ وهو جديدُ
مهيار:
قلن: إذا أبصرنني:أفٍ له
ضلَّ شيخاً وتعاطيه الغزلْ
ولقد كُنَّ متى استبطأنني
قمن (يسألن):أخونا ما فعل
فإذا ريحانةُ العمر الصّبا
وسِنوه، وإذا الشيبُ الأجل
غفلاتٌ كُنَّ حُلماً فانقضى
وشبابٌ كان ظِلاً فانتقلْ
لو أراني الدهر ما أخرَّ لي
لتعلّقتُ بأيامي الأولْ
مهيار:
أم أنت تعذُلُ فيما لا تزيد به
إلا مداواة حرِّ النارِ بالنارِ
تنكّرت أن رأت شيبي وقد حسبت
أيام عمري فصدّت „أم عمارِ“
مهيار:
ظِلٌّ من العيشِ نعمنا به
لكنّهُ ظِلٌّ مع الصُبحِ زال
أيام أدلو بشبابي فلا
أرجعُ إلا مترعاتٍ سِجال
حتى تعمّمتُ بمفروعةٍ
تجمعُ بين الذلِّ واسمِ الجلال
صيغة سوداء بيّضتها
نصولها في الرأسِ وقعُ النصالِ
واقتصّ حقُّ الشّيبِ من باطلي
فتلك حالي ولي اليوم حال
مهيار:
حسبُكَ كان الشباب يسترُ من
نفسكَ ما الشيبُ ليس بالساترِ
طارت بعزماتك المُضلة من
شيبك هذا،عُقابهُ الكاسرِ
غابَ الشباب المعزي وقد حضر
الشيبُ نذيراً والحكمُ للحاضرِ
مهيار:
وقالت: مشيبٌ، والجمالُ عدوّهُ
فقلتُ: خضبناهُ، فأينَ التجّملُ؟
سوداوان، لكن مؤنسٌ ومنفّرٌ
وما منهما إلا يحولُ فينصُلُ
وساترتها سِنَّ الكمالِ بِصبغةٍ
رأتها: فقالت: صِبغةُ الله أفضلُ
وبَغَضَّ خدّاً بالمشيبِ معنبراً
إليها عِذارٌ بالشبابِ مُغَللُّ
وكان بعيني شعلةٌ وهو مُظلمٌ
فصارَ بقلبي ظلمةٌ وهو أشعلُ
مهيار:
لما رأتْ شعراً في الرأسِ تنكرهُ
وكيفَ يُنكَرُ“زيدٌ“ واسمهُ عَلمُ
قالت تزكيهِ عندي وهي تسبغه:
ما أوقرَ الشّيبَ لولا أنه هَرَمُ
مهيار:
ألا لا تلم أنت يا صاحبي
ودَعْ كلَّ رائعةٍ أن تروعا
وهبنا لهذا المشيبِ النزا
عَ لا عن قلىً وأطعنا النزوعا
وأورى لنا الدهرُ من مدّ
لهمِ ليلِ الصبابة فجراً صديعا
فليت بياضيَ أعدى الحظوظَ
فبدّل أسودها لي نصيعا
مهيار:
رأت مشيباً يروعُ اللحظَ واستمعتْ
شكوي فأصغتْ لأمرِ العينِ والأذُنِ
لها شبابُ الهوى منّي ونضرتهُ
والشيبُ إن كان عاراً فهو يلزمني
وإن تكن باختلافِ الشَّعر معرضةً
تنكرّتني فبالأخلاق تعرفني
مهيار:
أرمياً على الهجرانِ والشّيبُ واخِطٌ
فهلّا وفي قوسِ الشيبة منزعُ
مهيار:
اخْلقَ الدّهرُ لِمّتي وأجدّا
شعراتٍ أرينني الأمر جِدّا
لم يزلْ بي واشي الليالي إلى
سمع معير الشباب حتى استردا
صِبغةٌ كانت الحياة فما أفرُقُ
أودى دهري بها أو أردى
يا بياضَ المشيب بعني بأيامك
ليلاً نضوته مُسّودا
عدّت الأربعون سِنَّ تمامي
وهي حَلّت عُراي عقداً فعقدا
بانَ نقصي بأن كملتُ وأحسستُ
بضعفي لما بلغت الأشدّا
رجعت عنيَ العيونُ كما ترجعُ
عن حاجب الغزالة رُمدا
مهيار:
أرى صِبغةَ العيشِ عند الحِسانِ
حالت مع الشَّعرِ الحائلِ
وأشمسَ شيبي فهل فَيئة
تعودُ بِظِلِّ الصِّبا الزائلِ
مهيار:
ما جمعت قطّ الشباب والغنى
يدُ امرئ ولا المشيب والجَذَلْ
يا ليت ما سوّد أيامَ الصِّبا
أعدى بياضاً في العِذارينِ نزلْ
ما خلتُ سوداءَ بياضي نصلَتْ
حتى ذوى أسودُ رأسي فنَصَلْ
طارقة من الزمان أخذت
أواخرَ العيشِ بفرطات الأُوَلْ
قد أنذرت مبيّضة أن حذرّت
ونطق الشيبُ بِنُصحٍ لو قُبِلْ
ودَلَّ ما حطَّ عليك من سِني
عمرك أن الحظَّ قد رحلْ
مهيار:
شبَّ عليَّ المشيبُ بارقةً
كان شبابي لنارها فحما
لو صُبغَتْ بالبكاءِ ناصلةٌ(الشعرة البيضاء)
دامَ شبابي مما بكيتُ دماً
مهيار:
ومُنكرٍ شمطاءَ مدّت إلى
إ الخمسين بدلوها فلم تلحقِ
ماضرّها خائنةٌ لو وفتْ
أو ضرّني لو كنتُ لم أعشقِ
كان مشيباً ضلَّ عن نهجه
فدّله الحبّ على مفرقي
مهيار:
قالوا المشيبُ لبسةٌ جديدةٌ
خذوا الجديدَ واستردوا لي الخَلقْ
مهيار:
أساءكِ أن قالوا:أخٌ لك شائِبٌ؟
فأسوأ منه أن يُقال:خضيبُ
ومن عجبٍ أنّ البياضَ ولونَهُ
إليكِ بغيضٌ وهو منكِ حبيبُ!
أحينَ عَسا غُصني طرحت حبائلي(عسا:كبر)
إليَّ، فهلاّ ذاك وهو رطيبُ؟
مهيار:
تَضمُّ حبالَ الوصل من „أمِّ سالمٍ“
وحبلُكَ بعد الأربعين مُقَضَّبُ(مقطوع)
وليسَ لسوداءِ اللحاظِ ولو دنا
بها سببٌ في أبيضِ الرأسٍ مَطرَبُ
مهيار:
وساءَ الغواني اليوم إخلاقُ لِمّتي
فهل كان ممّا سَرّهُنَّ قشيبُها
سواءٌ عليها كَثُّها ونسيلها(الكث:كثرة شعر اللحية، النسيل: مايسقط من الشعر)
وناصلها من عِفّتي وخَضيبُها(الناصل:الخارج من الخضاب)
وتعجبُ أن حُصّتْ قوادِمُ مفرقي(رجل أحص: قليل شعر الرأس)
وأكثرُ أفعالِ الزمانِ عجيبُها
مهيار:
وبيضٍ راعتهنّ بياضُ رأسي
فكُلُّ مُحَبّبٍ مني مَعيبُ
عددن مذ التثمتُ به ذُنوبي
وقبلَ الشّيبِ أُحبطتِ الذُنوبُ
يُجِدُّ المرءُ لِبستهُ ويُبلي
وآخرُ لِبسةِ الرأسِ المشيبُ
وكنتُ إذا عتبتُ على الليالي
وفي وجهي لها لونٌ نسيبُ
أطاعَ شبابُها حفظاً شبابي
فجاءت من إساءتها تنيبُ
فما بالي أرى الأيام تُنحي
عليَّ مع المشيبِ وهن شيبُ
فإنَّ الصلَّ يُحذَرُ مستميتاً
وتحت قبوعهِ أبداً وثوبُ
مهيار:
وسُوِّدَ ما ابيّضَ من ودّها
بما بيّضَ الدهرُ من أسودي
وما الشيبُ أولُ عُذرِ الزمان
بلى من عوائده العُوّدِ
مهيار:
حاشاكَ من عارّيةٍ تُرَدُّ
ابيّضَ ذاكَ الشَّعرُ المسوّدُ
أشرفَ بازيَّ على غرابه
حتى ذوى الغصنُ ولان الجَعدُ
مهيار:
وضاحكةٍ إلى شعرٍ غريبٍ
شكُمتُ به فأسلس من قيادي
تَعُدُّ سِنّيَ تَعجبُ من بياضي
وأعجبُ منه ـ لو علمتْ ـ سوادي
مهيار:
أُرِي طَرفها أنَّ الخضابين واحِدُ
ولكنّهُ ما بَهرج الشيبَ ناقدُ(زائف)
صلالةُ حُبٍّ غادرتني مُزوِّراً
عذاري وإني لو أفقتُ لراشدُ
يقولون: عمرُ الشيبِ أطولُ بالفتى
وما سرّني أني مع الشّيبِ خالدُ
مهيار:
فما بالُ الليالي وهي سُودٌ
يُزالُ بها البياضُ من السوادِ
مسلم بن الوليد:
طرفتُ عيونَ الغانياتِ ورُبماوما الشّيبُ إلا شعرةٌ غيرَ أنّهُ
أمَلنَ إليَّ الطَرْفَ كلَّ مَميلِقليلُ قذاةِ العينِ غيرُ قليلِ
مسلم بن الوليد:
مُستعبِرٍ يبكي على ومضةٍ
ورأسهُ يضحكُ فيه المشيبُ
وقال:أهلاً بوافدةٍٍ للشّيبِ واحدةٍلا أجمعُ الحلمَ والصباءَ قد سكنتْلم ينهنهني كِبرٌ عنها ولا فندٌ
وإن تراءت بشخصٍ غيرِ مودودِنفسي إلى الماء عن ماءِ العناقيدِلكن صحوتُ وغصني غيرِ مخضودِ
علي بن الجهم:حَسَرتْ عنيّ القناعَ ظلومُ
وتولّتْ ودمعُها مسجومُ
أنكرت ما رأتْ برأسي فقالت:
أمشيبٌ أم لؤلؤٌ منظومُ
قلتُ: شيبٌ وليس عيباً فأنّتْ
أنّةً يستثيرها المهموم