الشّباب والشيخوخة (٩/١٢)
إذا أفنيتها بُدِّلتُ أخرى
أعدّ شهورها عدد الأواق
فأفنتني السنون وليس تغنى
وتعداد الأهلة والمحاق
ثعلبة بن كعب الأوسي:
لقد صاحبت أقواماً فأمسوا
خفاتاً ما يُجابُ لهم دعاء
مضوا قصد السبيلِ وخلفوني
فطالَ علي بعدهم الثواء
فأصبحتُ الغداة رهين بثي
وأخلفني من الدهر الرجاء
زهير بن جناب الكلابي:
لقد عمرّت حتى ما أبالي
أحتفي في صباح أو مساءِ
وحقّ لمن أتى مائتان عاماً
عليه أن يملّ من الثواء
زهير بن جناب الكلابي:
والموتُ خير للفتى
فليهلكنّ وبهِ بقيهْ
من أن يرى هرماً يقا
د كما تقاد به المطيهْ
خالد بن جذام الأسدي:
منْ لا تُعاجلهُ منيته
يترك إلى كاف من الهرم
والمرء ما دامت حشاشته
وقف على الحدثان والألم
عبد الرحمن بن أسد الأسدي:
يودّ المرء لو نفد الليالي
وكان ذهابهنّ له ذهابا
معارك بن مرة العبدي:
أتطمع في هضمي وقد شابَ عارضي
وقد كنت آبى الضيم والرأس أسود
حاتم الطائي:
فدتك بنات الدّهر أمي وخالتي
فلا تأمرني بالدنية أسود
على حين أن ذكيت وابيضّ عارضي
اسأمُ التي أعييت إذ أنا أمردُ
عبد الله بن عتبة الهذلي:
تريغانني من بعد تسعين حجة
على ما أبت نفسي ابن عشرين أو عشر
وقد علقت دلواً كما دلو ماجد
من القوم لا رخو المراس ولا مزري
أبو الطفيل عامر بن وائلة الليثي:
رأتني فقالتْ:أنتَ شيخٌ،وإنّما
يروقُ الغواني مُجدِبُ الخدِّ خالِعُ
لكِ الخيرُ لو أبصرتني يوم مأزقٍ
وقد لمعتْ فيه السيوفُ القواطعُ
وعند الندى، ناهيكِ بي من أخي الندى
وعند حِجاجِ القومِ قولي قاطِعُ
يَعدَّونني شيخاً وقد عشتُ حِقبةً
وهُنَّ عن الأزواجِ نحوي نوازِعُ
وما شابَ رأسي من سِنينَ تتابعتْ
عليَّ، ولكن شَيّبتني الوقائِعُ
وما قصّرتْ بي هِمّتي دونَ بُغيتي
ولا دنستّني منذُ كنتُ المطامِعُ
الكميت بن زيد الأسدي:
هل للشباب الذي قد فات من طلب
أم ليس غائبه الماضي بمنقلب
ما الشئ بالشئ فانظر في عواقبه
مما إذا هو يوماً غاب لم يؤب
ليت الشبيبة لم تظعن مَعفية
وليت غائبها المألوف لم يغب
ولّت بحلواء من عيشي وأعقبها
مثل الثغامة من شيب أو العطب
من يلبس الشيب يذكر من شبيبته
ما لن يعود ومن أثوابه القشب
الكميت بن زيد:
أتصرِم الحبلَ حبلَ البيضِ أو تصِلْ
وكيف والشّيبُ في فوديك مُشتعلُ
اسماعيل بن عبد الله العجلي:
لهفي على عُمُرٍ ضَيّعتُ أوّلهُ
وغالَ آخرهُ الأسقامُ والهرمُ
كم أقرَعُ السّنَ بعدَ الفوتِ من ندم
وأين يبلغُ قرعُ السّنِ والندمُ
إلا تناهيتُ حينَ العمرُ مُقتبلٌ
والنفسُ في جذوةٍ والعزُّ محتدمُ
حمزة بن أسد العامري:
على كُلِّ حالٍ يأكلُ المرءُ زادَهُ
على البؤسِ والنعماءِ والحدثانِ
وكلُّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلى
وكلُّ امرئٍ يصير إلى كان
الشمردل بن ضرار الضبي:
الآنَ لما علاكَ المشيب
وأبصرتَ في العارضين القتيرا
وبانَ الشّبابُ بلذّاتهِ
فولّى وأصبحت شيخاً كبيراً
تَطرّبتَ واهتجتَ للغانيات
هيهات حاولت أمراً عسيرا
ذو الإصبع العدواني:
أهلكنا الليلُ والنهارُ معاً
والدّهرُ يعدو مُصمّماً جَذَعا
فليسَ فيما أصابني عَجَبٌ
إن كنت شيباً أنكرتِ أو صلعا
وكنتُ إذ رونقُ الشبابِ به
ماءُ شبابي تخالهُ شرعا
والحيّ فيهِ الفتاة ترمقني
حتى مضى شأو ذاكَ فانقشعا
المرار بن منقذ:
عجبت خولةٌ إذ تنكرني
أم رأتْ خولة شيخاً قد كبرْ
وكساهُ الدّهرُ شيباً ناصعاً
وتحقَّ الظهرُ منه فأُطِرْ
إن ترى سِبّاً فإني ماجدٌ
ذو بلاءٍ حَسَنٍ غيرُ غُمُرْ
ما أنا اليومَ على شئٍ مضى
يا ابنةَ القومِ تولّى الجَسِرْ
قد لبستُ الدّهرَ من أفنانهِ
كُلُّ فنٍ حَسَنٍ منه حَبرْ
شرحبيل بن قيس البلوي:
أليسَ أحقّ الناس أن يدع الصِّبا
وينهى عن الجهلِ الحليمُ المُجًرّب
من الأولين عالج العدم والغنى
وكلُّ خلوف الدهر ما زال يحلب
خشرم بن زيد البلوي:
ذهب الشباب وليتهُ لم يذهب
ونعى الشباب مخبرٌ لم يكذب
فاندب عشيات الشباب ولا أرى
مثل الشباب مفارقاً لم يندب
إنّ الشبابَ أخٌ متى لا تلقه
تنزل بساحتك الهموم وتنصب
بينا الشباب تسرنا أيامه
ونشوب لذته بعيش معجب
نزل المشيب وقال حانت عقبتي
وإخال أني سائق بك فاركب
حُميد الأرقط:
وكنتُ خِلتُ الشّيبَ والتبدّينا
والهمَّ مما يُذهِلُ القرينا
(التبدين: الكبر، يقول كنت أحسب أن كبر السن والهم والحزن مما يذهل القرين عن قرينه)
الأعور العبدي:
إذا ما المرءُ قصّرَ ثم مرّتْ
عليه الأربعونَ عن المعالي
ولم يلحق بصالحةٍ فدَعهُ
فليسَ بلاحق أخرى الليالي
حرب بن سلمة العبدي:
تقولُ ابنةُ العبدي يوم لقيتها
تنكّرتَ حتى كدتُ منك أهالُ
فإن تعجبي مني أُمامَ فقد أتتْ
ليالٍ وأيامٌ عليَّ طِوالُ
وإني من قومٍ تشيبُ سراتهم
كذاك وفيهم نائلٌ وفعالُ
ولو لقيتْ ما كنتُ ألقى من العدى
إذن شابَ منها مفرقٌ وقَذالُ
النعمان بن عقبة العتكي:
هل الدّهرُ إلا ليلةٌ وصباحُها
وإلا غدّو الشمسِ ثم رواحها
وإلا صروف الدّهرِ بالمرءِ مرةً
ذلولٌ وأخرى سعيها وجِماحها
وقد حَنكّتني السِّنُ واشتدَّ جانبي
وجانبني لهوُ الغواني وراحُها
وقد كنتُ ذا نفس تَراح إلى الصِّبا
فأضحى إلى غيرِ التصابي ارتياحُها
عمارة بن عقيل:
وأدركتُ ملءَ الأرضِ ناساً فأصبحوا
كأهلِ الديارِ قَوَّضوا فتحمّلوا
وما نحن إلا رفقةٌ قد تَرّحلت
وأخرى تُقَضّي حاجتها وتَرحَّلُ
ابن الشّجرى:
وإنّي وإن خَفّتْ قناتي كَبْرةً
لذو مِرّةٍ في النائباتِ جليدُ
مسعود بن بشر المازني:
رأيتُ أبا الوليد غداة جَمع
بهِ شَيبٌ وما فقد الشبابا
ولكن تحت ذاكَ الشّيب حَزمٌ
إذا ما قالَ أمرَضَ أو أصابا
(أمرض: قارب الصواب)
مسعود بن بشر المازني:
أنكرتُ من بَصري ما كنتُ أعرفهُ
واسترجع الدهرُ ما قد كان يُعطينا
أبعدَ سبعينَ قد ولّت وسابعةٍ
أبغي الذي كنتُ أبغيه ابنَ عشرينا
أمية بن أبي الصلت:
من لم يمتْ عَبطةً يَمُتْ هَرماً
للِموتِ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
الحجاج بن يوسف التيمي:
إذا كانت السّبعونَ سِنّك لم يَكُنْ
لدائكَ إلا أن تموتَ طبيبُ
وإنَّ امرءاً قد سارَ سبعينَ حِجّةً
إلى مَنهلٍ من وردهِ لقريبُ
إذا ما مضى القرنُ الذي كنتَ فيهمُ
وخُلّفِتَ في قرنٍ فأنتَ غريبُ
النَّضرُ بن شُميل:
يُحبُّ بقائي المشفقونَ ومُدّتي
إلى أجلٍ ـ لو يعلمونَ ـ قريبُ
وما إن أرى في أرذلِ العمر بعدما
لبستُ شبابي كُلَّهُ ومشيبي
وأصبحتُ في قومٍ كأنّي لستُ منهمُ
وبانتْ لِداتي منهمُ وضُروبي
الأعور الشني:
إذا ما المرء قصر ثم مرت
عليه الأربعون من الرجالِ
ولم يلحق بصالحهم فدعه
فليس بلاحق أخرى الليالي
وليس بزائل ما عاش يوماً
من الدنيا يحط إلى سفال
وذلك في الرجال إذا اعترتهم
ملمات الحوادث كالخبال
معن بن أوس المزني:
فإن تنسي الآمال نفسي حمامها
فإن ورائي أن يقيدني أهلي
ويصيح هادي العصا حين أغتدي
ويسلمني من بعد حنكته عقلي
أوس بن عبد الحارث:
ذهب الشباب وطال بي العمر
حتى غدوت كأنني نسر
يوفي النهار على مراقبه
ويبيت هو كناسه الوكر
وطوى الجناح على جأجئه
وشكا الفطامَ وما به كسر
ولقد أرى أن سوف يدركنا
أمرٌ ويحدثُ بعده أمرُ
إما بلى لي في حياتي أو والمرءُ ليس بزائلٍ ابداً
زوراءَ فيها الموت والنشرُيرجو الغنى ويهمه الفقر
حتى يلاقي ما يعد له
مما يقدر والفتى عمر
تميم بن مقبل العامري:
ياحر أصبحت شيخاً قد وهى بصري
والتاث ما دون يوم الوقت من عمري
ياحر من يعتذر من أن يلم به
ريب الزمان فإني غير معتذر
يا حر أمسى سواد الرأس خالطهيا حر أمست تليات الصبا انقطعت
شيب القذال اختلاط الصفو بالكدرفلست منها على عين ولا أثر
تميم بن مقبل العامري:
قد كنتُ أهدي ولا أهدى فعلمني
حسن المقادة أني فاتني بصري
كان الشبابُ لحاجاتٍ وكن له
فقد فزعت إلى حاجاتي الأخر
راميت شيبي كلانا قائماً حججاً
ستين ثم انتضلنا أقر القتر
أرمي النجوم فأشويها وتثلمني
ثلم الإناء فأغدو غير منتصر
قالت سليمى بجنب القاع من مرخ
لا خير في العيش بعد الشيب والكبر
جهمة بن عوف الدوسي:
وما الموت أفناني ولكن تتابعت
علي سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئين قد مررن كواملاً
وها أنا هذا أرتجي مر أربع
فأصبحت مثل النسر طارت فراخهأخبر أخبار القرون التي مضت
إذا رام تطياراً يقال له قعولابدّ يوماً أن يشار بمصرعي
ربيعة بن كعب البجلي:
أراني قد نحلت وصرت حلساً
لقعر البيت مفتقر الشباب
وقد رحل الذين ولدت فيهم
وقد زمت لأتبعهم ركابي
مسعود بن سلامة العبدي:
أقلّي عليّ اللوم إنّي صائر
إلى جدث تسفي عليه الأعاصير
ألم تعلمي أن قد ترّحل إخوتي
جميعاً وإخواني الذين أعاشر
إذا سار من خلف الفتى وأمامه
وأوحش من حداثه فهو سائر
غوية بن سلمى بن ربيعة الضبي:
هزئت أمامة أن رأت هرمي
وأن انحنى لتقادمي ظهري
من بعد ما عهدت فأدلفني
يوم يمر وليلة تسري
حتى كأني حابل قنصاً
والمرء بعد تمامه يجري
لا تهزئي مني أُمامَ فما
في ذاكَ من عجبٍ ولا سخر
أولم تري لقمان أهلكه
ما اقتات من سنة ومن شهر
وبقاء نسر كلما انقرضتما عاد من أمد على لبد
أيامه عادت إلى نسرعادت محورته إلى قصر
يحيى بن زياد:
دعِ التصابي فإنّ الشيب قد لاحا
وقد أراك قبيل الشيب ممزاحا
وقد يعيب الفتى وخط المشيب به
إذا غدا مرة للهو أو راحا
والشيب يقطعُ من ذي اللّهو شرّتهوالشيب سابقة للموتِ قدمه
ويذهب المزح ممن كان مزاحاثم ترى الموت للأقوام فضاحا
يحيى بن زياد:
إنَّ شيب الرأس بعد الشباب
لنهى عن جامحات التصابي
إنّما الشيب سهام المنايا
ولذي الصبوة أدنى العتاب
مرحباً بالشيب من زائر
وسقى الرحمن شرخ الشباب
ما يزال الدهر يرمي الفتى
كل حين بسهام صياب
بياض الرأس من بعدما
كان غمراً كجناح الغراب
أو بنقض بان في قوةأو بإفراد امرئ ربما
كان في ما نابه ذا صحاب
عميرة بن هاجر:
بليت وأفناني الزمان وأصبحت
هنيدة قد أنضيت من بعدها عشرا
فأصبحتُ مثل الفرخ لا أنا ميتٌ
فأسلى ولاحي فاصدر لي أمرا
وقد عشت دهراً ما تجن عشيرتي
لها ميتاً حتى أخط له قبرا
الشماخ:
تصيبُهمُ وتخطئني المنايا
وأخلفُ في رُبوعٍ عن ربوع
أمية بن أبي الصلت:
من لم يَمُتْ عَبطةً يُمُتْ هرَماً
وللموتِ كأسٌ،والمرءُ ذائقها
(عبطة: شابا صحيحا)
أبو حية النميري:
رأينَ خليساً بعد أحوى تلّعبت
بفوديهِ سبعونَ السِّنينَ الكواملِ
وأنكرتُ إعراضَ الغواني ورابني
وأنكرنَ إعراضي وأقصر باطلي
المتنبي:
وقتٌ يَضيعُ ، وعُمرٌ .. ليتَ مُدَّتَهُ
في غيرِ أُمّته من سالفِ الأُمُمِ!!
أتى الزّمانَ بَنوهُ في شبيبتهِ
فَسَرَّهمْ .. وأتيناهُ على الهَرمِ
المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التناهي
فقد وقع انتقاصي في ازديادي
زيادةُ شَيبٍ وهي نقصُ زيادتي
وقُوّة عِشقٍ وهي من قُوْتي ضُعْفُ
المتنبي:
إذا كانَ الشّبابُ السُّكرَ والشّي
بُ هَمّاً فالحياةُ هيَ الحِمامُ
(إذا كانت الحياة نزق الشباب وطيشه ، وهم المشيب وضعفه فهي الموت بعينه)
المتنبي:
قدْ ذُقتُ شِدّة أيامي ولَذّتهَا
فما حَصلتُ على صَابٍ ولا عَسلِ
وقد أراني الشّبابُ الرُّوحَ في بَدني
وقد أراني المشّيبُ الرُّوحَ في بدلي
(اراني الشباب الروح في قوة بدني، واراه الشيب عجزه واستعانته بغيره وتبدل الأحوال)
المتنبي:
والمرءُ يأملُ ، والحياةُ شهيّةٌ
والشيبُ أوقَرُ ، والشبيبةُ أنزَقُ
ولقد بكيتُ على الشبابِ ، ولِمّتي
مُسودةٌ ولماءِ وجهي رونَقُ
المتنبي:
وإذا الشيخُ قالَ أُفٍّ فما ملَ
حياةً وإنّما الضُّعفَ ملاّ
المتنبي:
بِحُبِّ قاتلتي والشّيبُ تغذيتي
هواي طفلاً وشيبي بالغَ الحُلمِ
أبو فراس الحمداني:
ألم ينهكَ الشّيبُ الذي حلَّ نازلا؟
وللشّيبُ بعد الجهلِ للمرءِ رادعُ
أبو فراس الحمداني:
وقوفُكَ في الديار عليكَ عارُ
وقد رُدَّ الشّبابُ المُستعارُ
أبعدَ الأربعين مجرّمات(كاملة)
تمادٍ في الصّبابة واغترارُ
نزعتُ عن الصِّبا إلا بقايا
يُحفِدّها على الشّيبِ العقَارُ(يسرعها)
جرير:
يقولُ العاذلاتُ :علاكَ شَيّبٌ
أهذا الشّيبُ يمنعني مِراحي
أتَطرَبُ حينَ لاحَ بكَ المشّيبُ
وذلكَ إن عجبتَ هوىً عجيبُ
جرير:
هل يصبونِّ حليمٌ بعد كبرتهِ
أمسى وأخدانهُ الأعمامُ والشّيبُ
قد كنتِ خِدناً لنا ياهندُ فاعتبري!
ماذا يُريبُكِ من شَيبي وتقويسي؟
جرير:
وقالتْ : فيمَ أنتَ من التصابي
متى عهدُ التَشّوقِ والدّلالِ
فما ترجو وليس هوى الغواني
لأصحابِ التنحنُحِ والسعالِ
دعيني! لإن شيبي قد نهاني
وتجريبي وشَيبي واكتهالي
رأت مَرَّ السنينَ أخذنَ مني
كما أخذ السَّرارُ من الهلالِ
ومن يبقى على غَرضِ المنايا
وأيامٍ تَمرُّ مع الليالي
جرير:
وتقولُ بَوْزَعُ: قد دببتَ على العصا!
هلاّ هزئتِ بغيرنا يا بَوزعُ
ولقد رأيتُكِ في العذارى مرةً
ورأيتِ رأسي وهو داجٍ أفرَعُ
جرير:
بانَ الشّبابُ حميدةً أيامهُ
ولو أنَّ ذلك يُشترى أو تَرْجَعُ
رجفَ العظامُ من البلى وتقادمت
سِنّي، وفيَّ لِمُصلحٍ مُستمتعُ
جرير يرثي ابنه
قالوا نصيبكَ من أجرٍ فقلتُ لهمْ:
كيفَ العزاءُ وقد فارقتُ أشبالي
هذا سَوادةُ يجلو مُقلتي لَحمٍ
بازٍ يُصرصِرُ فوق المرقب العالي
فارقتني حينَ كفَّ الدّهرُ من بصري
وحينَ صِرتُ كعظمِ الرّمةِ البالي
والدّهرُ بَدّلَ شَيبةً وتَحنيّاً
والدّهرُ ذو غِيَرٍ لهُ أطوارُ
جرير:
ولقدْ عَجِبتُ من الديارِ وأهلها
والدّهرُ كيفَ يُبدَّلُ الأبدالا
ورأيتُ راحلةَ الصِّبا قد أقصرتْ
بعد الوجيفِ، وملّتِ الترحالا
(الوجيف: ضرب من السير)
جرير:
لقد خَبرّتني النفسُ أنّي مُزايلٌ
شبابي ووَصلَ المُنفِساتِ الأوانسِ
وأصبحتُ من هِنْدٍ على قُرْبِ دارِها
أخا اليأسِ أو راجٍ قليلاً كآيسِ
جرير:
وإذا الشيوخُ تَعرّضوا لمودّةٍ
قُلنَ الترابُ لِكُلِّ شيخٍ أدردا
تلقى الفتاةُ من الشيوخِ بَليّةً
إنَّ البليةَ كُلُّ شيخٍ أفندا
جرير:
قال العواذِلُ: ما لجهلك بعدما
شابَ المفارِقُ واكتسينَ قتيرا
جرير:
والدّهرُ بَدّلَ شَيبةً وتَحنيّاً
والدّهرُ ذو غِيَرٍ لهُ أطوارُ
جرير:
ألا تصحو وتُقصِرُ عن صِباكا
وهذا الشّيبُ أصبحَ قد علاكا
تَباعدُ منْ وصالكَ أيَّ بُعدٍ
ولو تدنو قتلتَ بها هواكا
وقد لاحَ المشّيبُ ، فما أراهُ
عَدَاكَ، وقد صَبوتَ ولا نهاكا
فليتكَ قد قضيت بذاتِ عِرْقٍ
ومن نجدٍ وساكنهِ مُناكا
تُذادُ عن المشارِعِ كُلَّ يومٍ
ووردُك لو وردت بهِ كَفاكا
الفرزدق:
وع ذا فقد أطنبتَ في طلبِ الصِّبا
وعلاكَ من بعدِ الشّبابِ قتيرُ
الفرزدق:
ألا إنما أودى شبابي وانقضى
على مرِّ ليلٍ دائبٍ ونهارِ
يُعيدان لي ما أمضيا وهما معاً
طريدانِ لا يستلهيان قراري
(يتتابعان دون توقف)
الفرزدق:
يا عجباً للعذارى يوم مَعْقُلةٍ
عيرنّني تحت ظِلِّ السدرةِ الكِبرا
فظلَ دمعي مما بانَ لي سَرِباً
على الشبابِ إذا كفكفته انحدرا
فإن تَكُن لِمّتي أمست قد انطلقت
فقد أصيِدُ بها الغزلان والبقرا
هل يُشْتَمَنَّ كبيرُ السِّنِ أن ذرفت
عيناهُ أم هو معذورٌ إن اعتذرا
الفرزدق:
ومن بعدِ أن كَمّلتَ تسعينَ حِجّةً
وفارقتَ، عن حُلمِ النهى كُلَّ جاهلِ
فَذَرْ عنكَ وصلَ الغانياتِ ولا تزِعْ
عن القصدِ، إنَّ الدّهرَ جَمُّ البابلِ
أبادَ القرونَ الماضياتِ وإنّما
تَمرُّ التوالي في طريقِ الأوائلِ
الفرزدق:
إنْ يُظعِن الشّيبُ الشبابَ فقد ترى
لهُ لِمّةٌ لم يُرْمَ عنها غُرابها(سوادها)
لئنْ أصبحتْ نفسي تُجيبُ لطال ما
أقرَّتْ بعيني أن يُغيمَ سَحابُها
وأصبحتُ مثلَ النَّسرِ أصبحَ واقعاً
وأفناهُ من كر!ِ الليالي ذهابُها
الفرزدق:
ألمْ يكُ جَهلاً بعد سبعينَ حِجّةً
تذكرُّ أمِّ الفضلِ والرأسُ أشيبُ
وقِيلُكَ:هل معروفها راجِعٌ لنا
وليسَ لشيئٍ قد تفاوتَ مطلَبُ
على حينِ ولّى الدّهرُ إلا أقلّهُ
وكادت بقايا آخرِ العيشِ تذهبُ
الفرزدق:
ولكِتّهُمْ رَيحانُ قلبي ورحمةٌ
من الله أعطاها مليكُ العواقبِ
يقودونَ بي إن أعمرتني منيّةٌ
وينهونَ عني كُلَّ أهوجَ شاغبِ
هُمُ بعدَ أمرِ الله شدّوا حبالها
وأوتادها فينا بأبيض ثاقبِ
الفرزدق:
إذا ما العذارى قُلنَ:عَمِّ، فليتني
إذا كانَ اسمي كنتُ تحت الصفائحِ
دنونَ وأدناهنَّ لي أن رأينني
أخذتُ العصا وابيضَّ لونُ المسائحِ
فقد جعلَ المفروكُ لا نامَ ليلُهُ
يُحبُّ حديثي والغيور المُشايح
(المفروك: ابغضته زوجته،المشايح: المخاصم)
الأخطل:
لقد لبستُ لهذا الدّهر اعصُرَهُ
حتى تَخلّلَ رأسي الشّيبُ واشتعلا
وبانَ مني شبابي بعد لذّتهِ
كأنّما كانَ ضيفاً نازلاً رَحلا
الأخطل:
وإذا دَعونكَ عَمهُنَّ فإنّهُ
نَسبٌ يزيدُكَ عِندهُنَّ خبالا
وإذا المئونَ تُؤُوكِلتْ أعناقها
فاحمِل هُناكَ على فتىً حَمّال
الأخطل:
فَتنكّرتْ لمّا علتني كَبرةٌ
عِنْدَ المشّيبِ ، وآذنتْ بِزيالِ
لما رأتْ بَدلَ الشّبابِ بكتْ له
والشّيبُ أرذَلُ هذهِ الأبدالِ
والناسُ هَمهُّمُ الحياةُ، وما أرى
طُولَ الحياةِ يزيدُ غيرَ خَبالِ
بشار بن برد:
ذكرنا أحاديثَ الزمانِ الذي مضى
فَلذَّ لنا مَحمودُها وذميمُها
البحتري:
خلت جهلاً أن الشباب على طو
ل الليالي ذخيرة ليس تفنى
البحتري:
لا جديدُ الصِّبا ولا رَيعانهُ
راجعٌ بعد ما تَقضّى زمانهُ
يأشَرُ الفارِغُ الخليُّ ويأسى
مُترَعُ الصدرِ من جوىً ملآنه
البحتري:
أواخِرُ العيشِ أخبارٌ مُكرَّرةٌ
وأقربُ العيشِ من لهوٍ أوائلُهُ
يفنى الشّبابُ إذا ما تَمَّ تكملةً
والشيئ يَرجعهُ نقصاً تكاملُهُ
طارَ غرابُ الشّبابِ مُرتحلاً
وحلَّ شيبٌ فليسَ يرتحِلُ
البحتري:
ما للكبيرِ في الغواني من أرَبْ
ماتَ الهوى فلا جَوىً ولا طَربْ
يا رَبّةَ الخِدْرِ قِري راضيةً
فإن أبَيتِ فاتلفي من الغَضبْ
هيهاتِ لا أسى على فقدِ الصِّبا
ولا يُرى دمعي لشوقٍ يَنسكِبْ
كان الهوى خدني، فقد ودّعتهُ
وقلّما يعودُ شيئٌ قذ ذهبْ
البحتري:
أتى سبيلُ الغَيِّ منك وقد نضا
من صِبغِ رَيعانِ الشّبيبةِ ما نضا
يا ليتَ شعري! هل يعودُ كما بدا
زمن التصابي أو يجئ كما مضى؟
كانت ليالي صبوةٍ فَتقطّعتْ
أسبابُها، وأوانُ لهوٍ فانقضى
البحتري:
بل كيفَ يَحسُنُ بي التقريظُ والغزلُ
وشيبُ رأسي على الفَودينِ مُشتعِلُ
ليالٍ سرقناها من الدّهرِ بعدما
أضاءَ بإصباحٍ من الشّيبِ مَفرِقُ
البحتري:
فإنَّ سِتٌ وستونَ استقّلتْ
فلا كرَّتْ برجعتها الخطوبُ
على حين استَتَّمَ الوهنُ عظمي
واُعطيَ فيَّ ما احتكمَ المشيبُ
البحتري:
تَقَضّى الصِّبا إلا تلّومَ راحلِ
وأغنى المشيبُ عن ملامِ العواذلِ
وتأبى صُروفُ الدّهرِ سُوداً شُخوصَها
على البيضِ أن يحظينَ مني بطائلِ
يُحاوِلنَ مني صَبوةً وإخالُني
أخا شُغُلٍ عما يُحاولِنَ شاغِلُ
رَميُّ رزايا صائباتٍ كأنني
لما أشتكي منها رَميُّ جنادِلِ(صخر)
البحتري:
أراني متى أبغِ الصبابة اقدِرِ
وإن أطلُبِ الأشجانَ لا تَتعذّرِ
أعُدُّ سِنيَّ فارِحاً بِمرورِها
ومأتى المنايا من سِنيَّ وأشهري
وأهوى امتدادَ العُمرِ ما امتدَّ حَبلَهُ
وما قيضَ للأحزانِ قيضَ المُعمّرِ
البحتري:
اليومَ حَوّلني المشّيبُ إلى النُّهى
وذَللتُ للعُذّالِ بعد شِماسِ
ورفعتُ من نظري إلى أهلِ الحِجى
ولويتُ عن أهلِ الغَوايةِ رأسي
ورضيتُ من عَوْدِ البخيلِ وبدئهِ
باليأسِ لو نفعَ الرِّضا باليأسِ
البحتري:
فإنْ أضْعُفْ عن استصلاح شأني
فتلكَ السِّنُ شاهدِةٌ بِعُذري
وكنتُ أعُدُّ طُولَ العُمرِ غُنْماً
فعادَ بِضدِّ ذلكَ طولُ عمري
البحتري:
أثائبُ حِلْمٍ أم أفولُ شبيبةٍ
خَلَتْ،وأتى من دُنها الشّيبُ أجمعُ
وما خيرُ يوميَّ الذي أزَعُ الصِّبا
له وأُحلّى بالنُّهى وأُمّتَعُ
البحتري:
ولِمَّةُ مُشتاقٍ ألمَّ مَشيبُها
على حينِ لم يُودِ الشّبابُ ولا العمرُ
فَقصركَ! إنّ الشّيبَ من عَدْلِ حُكمهِ
وإن كان جَوراً أن يُقالَ لكَ القَصرُ
(قصرك:جهدك وغايتك)
البحتري:
تركَ السّوادَ للابسيهِ وبيّضا
ونَضا من الستين عنهُ ما نَضا
وشّاهُ أغَيدُ في تَصرُّفِ لحظهِ(غلبه وشاقه)
مرضٌ أعلَّ بهِ القلوبَ وأمرضا
وكأنّهُ ألفى الصِّبا وجديدَهُ
دَيناً دنا ميقاتُهُ أن يُقتضى
كَلِفٌ يُكفكِفُ عَبرةً مُهراقةً
أسفاً على عهدِ الشّبابِ وما انقضى
عددٌ تكاملَ للذهابِ مجيئهُ
وإذا مُضيُّ الشيئِ حان فقد مضى
البحتري:
نظرتْ إليَّ الأربعونَ فأصرخِتْ
شيبي،وهَزَّت للحنوِّ قناتي
وأرى لِداتَ أبي تتابعَ كُثرُهمْ
فمضوا، وكَرَّ الدّهرُ نحو لِداتي
البحتري:
وإذا مضى للمرءِ من أعوامهِ
خمسونَ وهو عن الصِّبا لم يَجنَحِ
عكَفتْ عليه المُخزياتُ وقُلنَ: قد
أضحكتنا وسَررتنا، لا تَبرحِ
وإذا رأى ابليسُ غُرَّةَ وجههِ
حيّا، وقال، فُديتُ من لم يُفلِحِ
البحتري:
قد آن أن أعصي الغَواية إذ نضا
صِبغُ الشّبابِ وأن أُطيعَ اللاحي
ولقد علمتُ ـ وللمُحبِّ جهالةٌ ـ
أنَّ الصِّبا بعدَ المشّيبِ تصابِ
البحتري:
قد تصابيتُ فاعذري أو فَلومي
ليسَ شيئٌ من الصِّبا من شَاني
وتذكرتُ وافِدَ الشّيبِ فا ستع
جلتُ حَظي في الراحِ والرّيحانِ
البحتري:
ولا بُدَّ من تركِ إحدى اثنتين
فإما الشبابُ وإما العُمرُ
ابن الرومي:
إذا ما أخو الخمسين أملَّ مثلها
فيا ويحه إن خاب أو أدركَ الأمل
هو الموتُ أو نيلُ التي في منالها
ذهابُ الشّبابِ الغَضِّ واللّهوِ والغزل
ابن الرومي:
يمضي الشّبابُ ويبقى من لُبانته
شجوٌ على النفسِ لا يَنفكُّ يُشجيها
مَحارُ الفتى شيخوخة أو منيّة
ومرجوعُ وهّاج المصابيحِ رِمْدَدِ
ابن الرومي وقيل المعري:
لا تَلْحِ من يبكي شبيبتهُ
إلا إذا لم يَبكِها بِدَمِ
عَيبُ الشّبيبةِ غَوْلُ سَكْرتِها
مقدارَ ما فيها من النِعَّمِ
لسنا نراها حَقَّ رؤيتها
إلا زمانَ الشّيبِ والهَرمِ
كالشّمسِ لا تبدو فضيلتُها
حتى تُغَشّى الأرضُ بالظُّلمِ
ولَرُبِّ شيئٍ لا يُبيّنهُ
وجدانهُ إلا مع العَدَمِ
ابن الرومي:
شربتُ على صحوِ المشيبِ وطال ما
شربتُ على سُكرِ الشبابِ المُخايل(الزائل)
وأعذرُ شُرابِ المُدامة شاربٌ
لتقصير أيام المشيبِ الأطاولِ
وللكأسِ أخرى أن تكونَ تعَّلةً
لذي الشّيبِ عن ذكرِ الشبابِ المزايلِ
إذا ما تَذكَرتُ الشباب جعلتها
رقوءاً لأسرابِ الدموعِ الهواملِ
ابن الرومي:
أرى المُفَنَّدَ ينهاني ويأمرني
بقوله:استحي إنَّ الشّيب قد حانا
الآنَ حينَ أجدَّ الشّيبُ يطلبني
أُبادِرُ الشّيبَ باللّذاتِ عجلانا
ابن الرومي:
يا ابنَ عشرينَ لا تغرَّنَ بالدهرِ
فقد تُكسرُ الغصونُ الرِّطابُ
يامَنْ استكملَ الثلاثين ما أسرعَ
ما يُسترَدُّ منك الشّبابُ
يا أخا الأربعين فقد نزل الشّيبُ
وما بعد ذاك إلا الذهابُ
يا ابن خمسينَ عَزِّ نفسك بالصبرِ
فلا يُرجِعُ الشبابَ الخضابُ
يا ابن ستين قد توفيتَ عمرين
وما إن أقلعت عما يُعابُ
يا ابن سبعين توّبتكَ الليالي
أفلا تبتَ حين فيك متابُ
يا من استنفدَ الثمانين عُمرّتَ
ومات الإخوانُ والأصحابُ
ابن الرومي:
كبرت وفي خمس وخمسين مَكبرُ
وشِبت فألحاظُ المها منك نُفَّرُ
إذا ما رأتكَ البيض صَدّتْ ورُبّما
غدوتَ وطرفُ البيضِ نحوكَ اصورُ(أكثر ميلا)
وما ظلمتكَ الغانياتُ بِصَدّها
وإن كان من أحكامها ما يُجوَّرُ
أعِرْ طرفكَ المرآة وانظر فإن نبا
بعينيك عنك الشّيبُ فالبيض أعذَرُ
إذا شَنئت عينُ الفتى وجهَ نفسه
فعينُ سواهُ بالشناءةِ أجدرُ
ابن الرومي:
الشيّبُ أحلمُ، والشّبيبةُ أظرفُ
والرشدُ أسلمُ،والغوايةُ أترفُ
ذهبَ الشّبابُ فبانَ ما لا يُرتجى
وأتى المشّيبُ فجاءَ ما لا يُصرَفُ
وكلاهما لابُدّ منه لمن نجا
من أن يُعاجله ردى مُستسلفُ
أصبحتُ أنظرُ في الأمور فأجتوي
منها عيوبَ عواقبٍ تتَكّشفُ
والشّيبُ أغراني بذاك ولم يزل
يُغري الغويَّ برشده ويُعنّفُ
عجباً لِذّمي ما يزيدُ هدايتي
غضباً لآخر كانَ بي يَتعسّفُ
طَرِبتُ، ولم تطربْ على حين مَطرَبِ
وكيفَ التصابي بابن ستينَ أشيبِ
ابن الرومي:
رأيتُ سَوادَ الرأسِ واللّهوِ تحتهُ
كَليلٍ وحُلمٍ باتَ رائيهِ يَنعَمُ
فلما اضمحلَّ الليلُ زالَ نعيمهُ
فلم يبقَ إلا عَهدهُ المُتوّهمُ
ابن الرومي:
لاحَ شَيبي فَرُحتُ أمرَحُ فيهِ
مَرَحَ الطَرفِ في العِذارِ المُحلَّى
وتولّى الشّبابُ فازددتُ ركضاً
في ميادين باطلي إذ تولّى
إنّ من ساءَهُ الزمانُ بشيئٍ
لأَحَقُّ امرئٍ بأن يتسلّى
ابن الرومي:
لهفي على الدنيا وهل لهفةٌقُبحاً لها قُبحاً على أنّها
تُنصِفُ منها إن تلهفتُها أقبحُ شيءٍ حينَ كشّفتها
وقد يعزّيني شبابٌ مضىفكّرتُ في خمسينَ عاماً مضتْ
ومدّةٌ للعيشِ أسلفتُهاكانت أمامي ثم خلّفتها
أُجهِلتُها إذ هي موفورةٌففرحةُ الموهوبِ أُعدِمتها
ثم مضتْ عنّي فَعُرّفتهاوترحةُ المسلوبِ أُلحِفتها
لو أنَّ عمري مائةٌ هدّني
تذكرُّي أنّي تنصّفتها
ابن الرومي:
اكتهلت هِمّتي فأصبحتُ لا أبهجُ
بالشيئ كنتُ أبهجُ بهْ
وحسبُ من عاش من خُلوقتِهِ
خُلوقةٌ تعتريهِ فيأارَبِهْ
ابن الرومي:
بانَ شبابي فعَزَّ مطلبُه
وانبتَّ بيني وبينه نسبُهْ
ولاحَ شيبي فراغَ قاليتي
بل خُلّتي بل خليلتي شَهَبُهْ
بل راعني أنه دليلُ بِلى
والعودُ يذوي إذا ذَوى هَدَبُهْ(ورقه)
بَرْحاً لهذا الزمانِ يُلبِسُنا
سِربالَ نعماءَ ثم يستلبُهْ
نَمْ يا رقيبي فقد تَنّبهَ لي
خطبٌ من الدّهرِ كنتُ أرتقِبُهْ
قد أمِنَ الشّيبُ من يُراقبني
من رابَهُ الدّهرُ نام مُرتَقِبُهْ
وأوضحَ لي المشيبُ سبيلَ رُشدٍ
وكنت كخابطٍ عشواءَ ليل
ابن الرومي:
أصبحتُ شيخاً لهُ سَمْتٌ وأُبّهةٌ
يدعونني البيضُ عمّاً تارةً وأبا
وتلكَ دعوة إجلالٍ وتكرمةٍ
ودِدتُ أنّي مُعتاضُ بها لقبا(مستبدل)
قد كنتُ أدعى ابنَ عمٍّ مرةً وأخا
حتى تَقلّبَ دهرٌ يعقِبُ العُقبا
واهاً لذلك في الأنسابِ من نسبٍ
لكنَّ ياعَمِّ لا واهاً ولا نسبا
عجبتُ للمرءِ لا يحمي حقيقتَه(نفسه)
مسلوبةً،كيفَ يحمي بعدها سلبا
ابن الرومي:
أخشى كسادي على النساءِ إذا
أسنَنتُ والسِنُ جَمّةُ الخبلِ
وإنّني من كسادهنَّ علىكم من نشاطٍ لهنّ عندي في
سِنّيِ لأولى بالخوفِ والوَجلِاليومِ وكم بعد ذاك من كَسلِ؟
والعيشُ طعمانِ عند ذائقهِ:
مُرُّ التوالي، مستعذَبُ الأولِ
من عسلٍ تارةً، ومن صبرٍ
لهفي لتأخير عُقبةِ العسلِ
ابن الرومي:
بالجِلْدِ أندابُ دهرٍ لستُ أنكرُها
وما بعرضي لَعمرُ الله نَدَبِ
سِنٌ بنتني، وعادت بعد تهدِمُني
حتى رزحتُ رزُوحَ العود ذي الجَلَبِ
وأعدَتِ الرأسَ لونيَ دهرهِ فغدا
قد حالَ عن دُهمةٍ كانت إلى شهبِ
والدهرُ يبلي الفتى من حيثُ يُنسئهُ
حتى تَكُرَّ عليه ليلةُ القَرَبِ
(العود: المسن من الإبل ،ذي الجلب: المجلوب من مكان لأخر)
يغذوهُ في كلِّ أنيٍ وهو يأكله
ويحتسي نُغَباً منهُ على نُغبِ(الجرعة)
يُودي بحالٍ فحالٍ من شبيبتهِ
تَسَرُّبَ الماءِ من مستأنفِ الكُتَبِ
حسبُ امرئٍ من جنى دهرٍ تطاولهُ
وإن أجِمَّ فلم يُنكَبْ ولم يُنَبِ
في هُدنةِ الدّهرِ كافٍ من وقائعهِ
والعمرُ أفدحُ مِبراةً من الوَصَبِ
(الكتب: ج كتبة وهو الستر تحرز به القربة)
ابن الرومي:
سوأتي أن أطعتُ شيبي فيما
لم أُطِعْ فيه حاكم الحكّامِ
وعظَ اللهُ والكتابُ فصر
متُ وأقدمتُ أيما إقدام
ونهى الشّيبُ بعد ذاك فسل
متُ وأحجمتُ أيما إحجام
صُمتُ عن كُلِّ لذّةٍ لمشيبي
أفلا كان للإله صيامي
وإحيائي أن لا يكون من الله
حيائي من غيره واحتشامي
إذ تعديتُ، لا حياءً من الله
نهاني ولا إتقاءُ انتقامِ
وتناهيتُ مُعظِماً لمشيبي
ومشيبي أحقُّ بالإعظامِ
أفلا هبتُ ذا المهابة من قب
لُ وأكرمتُ وجهَ ذي الإكرام؟
كاد هذا المتابُ يُعتدُّ إجرا
ماً وبعضُ المتابِ كالإجرامِ
توبةٌ مثلُ حَوبةٍ وقديماً
أتبعَ الجهلُ زلةً بارتطامِ
دحضتْ حُجّةُ المنيبِ إلى الش
يبِ وآنّى لطالبٍ بقوامِ؟
أيُّ عذرٍ لتائبٍ إلى الله
ولكن إلى شبيه الثغامِ
إنَّ عُذراً من الذهابِ إلى الله
لعذرٌ يغلو على المستامِ
أأتى أرذلي جعلتُ متابي
ضَلّةً مثلَ ضلةِ الأنعامِ؟
بل إلى الله تبتُ لما ثناني
بعناني وزاغني بزمامي
راعني بالمشيبِ عما نهى عنه
بآي الكتاب ذي الإحكامِ
كم بدا في الكتابِ لي من ضياءٍ
كان من قبلُ دونه كالقتامِ
هتك الشّيبُ ذلك السَّترَ لي عن
ه فزال العمى وراح التعامي
وكلا الشيبِ والكتابِ جميعاً
واعظٌ زاجرٌ عن الآثامِ
لهفَ نفسي على الشّباب الذي أض
حى خلفي وذكرهُ قدامي
لهفَ نفسي عليه أن صار حظّي
منهُ لهفاً يُعضِنّي إبهامي
ابن الرومي:
كفى بسراجِ الشّيبِ في الرأسِ هادياً
إلى من أضَلّتهُ المنايا لياليا
أَمِنْ بعدِ إبداءِ المشيبِ مقاتلي
لرامي المنايا تحسبيني ناجيا!
غدا الدهرُ يرميني فتدنو سهامُهُ
لشخصيَ أَخِلقْ أن يُصبنَ سواديا
وكان كرامي الليلِ يرمي ولا يرى
فلما أضاءَ الشّيبُ شخصيَ رمانيا
ابن الرومي:
األا ليسَ شَيبُكَ بالمنتزعْ
فهل أنتَ عن غَيِّه مرتدِعْ
وهل أنتَ تارِكُ شكوى الزمان
إذاً أنتَ لست تشكو إلى مُستمعْ
وطولُ البقاءِ حبيبُ الفتى
ولكن بأيِّ مقيتٍ شُفِعْ
نحبُّ البقاءَ و فيه الغنا
ءُ والعيشُ مُتَصِّلٌ منُقطعْ
إذا المرءُ طالتْ به مدّةٌ
علا الشّيبُ مفرِقهِ أو صلِعْ
وشيخوخةُ المرءِ أمنيّةٌ
متى ما تناهى إليها هَلِعْ
ولا تَعذِلْ الدّهرَ في غدرهِ
بإخوانهِ فعليهِ طُبِعْ
جرير:ما بالُ جهلِكَ بعد الحلمِ والدِّينِوقد علاكَ مشيبُ حينَ لا حين
أبو العتاهية:
إذا ما مضى القَرْنُ الذي كنتَ فيهم
وخُلِفتَ في قَرْنٍ فأنتَ غريبُ
وإن امرأً قد سار خمسينَ حِجّةً
إلى منهلٍ من وردهِ لقريبُ
لا عُذرَ لي قد أتى المشّيبُ
فليتَ شعري متى أتوبُ
أبو العتاهية:
أيا مَنْ يُؤَمّلُ طُولَ الحياةِ
وطولُ الحياةِ عليه ضررْ
إذا ما كَبِرتَ وبانَ الشّبابُ
فلا خيرَ في العيشِ بعدَ الكِبَرْ
أبو العتاهية:
ما أسرعَ الليلَ والنهار على ال
إنسانِ في سمعهِ وفي بصرهْ
وفي خُطاهُ، وفي مفاصلهِ
نَعَمْ، وفي شَعرهِ، وفي بَشرِهْ
الوقتُ آتٍ لا شكَ فيه
فلا تنظر إلى طولهِ ولا قصرهْ
لم يمضِ منّا قُدّامنا أحدٌ
إلا ومَنْ خلفهُ على أثرهْ
أبو العتاهية:
نَعى لك ظِلَّ الشّبابِ المشيبُ
ونادتكَ بإسمِ سواكَ الخطوبُ
فَكُنْ مُستعِداً لِرَيبِ المنونِ
فإنّ الذي هو آتٍ قريبُ
يخافُ على نفسهِ من يتوبُ
فكيفَ ترى حالَ من لا يتوبُ؟
أبو العتاهية:
مَنْ يَعِشْ يهرمْ، ومن يكبرْ يَمُتْ
والمنايا لا تُبالي من أتتْ
أسرع في نقص امرئ تمامهُ
تُدبرُ في إقبالها ايامه
أبو العتاهية:
عَريتُ من الشّبابِ وكانَ غضَّاً
كما يعرى من الوَرقِ القضيبُ
الا ليتَ الشّبابَ يعودُ يوماً
فأخبرهُ بما فعلَ المشّيبُ
أبو العتاهية:
بليتَ، وما تبلى ثيابُ صِباكا
كفاكَ من اللّهوِ المُضرِّ كفاكا
ألم ترَ أن الشّيبَ قد قامَ ناعياً
مقامَ الشّباب الغَضِّ ثم نعاكا
تَسّمعْ ودَعْ من أغلق الفي سمعهُ
كأني بداعٍ قد أتى فدعاكا
أبو العتاهية:
رأيتُ الشّيبَ يعروكا
بأنَ الموت يَنحوكا
فخذ حذركَ يا هذا
فإني لستُ آلوكا(اقصر بنصحك)
أبو العتاهية:
كَبِرنا أيُّها الأترابُ حتى
كأنّا لم نَكُنْ حيناً شبابا
إلى كم طُولُ صَبوتِنا بدارٍ
رأيتُ لها اغتصاباً واستلابا
ألا ما للكهولِ وللتصابي
إذا ما اغترَّ مُكتهِلٌ تصابى
فزعتُ إلى خضابِ الشّيبِ مني
وإنَّ نُصولَهُ فضحَ الخِضابا
مضى عني الشّبابُ بغيرِ وُدِّي
فَعِندَ الله أحتسِبُ الشّبابا
وما مِنْ غايةٍ إلا المنايا
لِمنْ خلقَتْ شبيبتهُ وشابا
وقال:إذا انقطعت عني من العيشِ مُدّتيسَيعُرضُ عن ذكري وتُنسى مودّتي
أرى عِللَ الدنيا عليَّ كثيرةً
وإني وإن أصبحتُ بالموتِ موقناً
فإنَّ بكاءَ الباكياتِ قليلُويحدثُ بعدي للخليلِ خليلُوصاحبها حتى المماتِ عليلُ
فلي أملٌ دونَ اليقينِ طويلُ
أبو العتاهية:
وأيّ قبيحٍ أقبحُ من لبيبٍ
يُرى مُتَطرِّباً في مثلِ سِنّي
إذا ما لم يَتُبْ كهلٌ لشيبٍ
فليسَ بتائبٍ ما عاشَ ظَنّي
أبو العتاهية:
أما المشّيبُ فقد أدّى نذارتَهُ
وقد قضى ما عليهِ منذُ أيامِ
حتى متى تصبو ورأسُكَ أشمَطُ
أحَسِبتَ أنّ الموتَ في اسمِكَ يُغلط
أبو العتاهية:
لاحَ شيبُ الرأسِ مني فاتضّحْ
بعد لهوٍ وشبابٍ ومَرحْ
فلهونا وفرحنا ثم لمْ
يدعِ الموتُ لذي اللُّبِ فَرَحْ
أبو العتاهية:فالآن أبصرتُ السبيلَ إلى الهدىوتفرّغتْ هِممي عن الأشغالِ
ولقد أقامَ لي المشيبُ نُعاتَه
يُغضي إليَّ بمفرقٍ وقَذالِ
ولقد رأيتُ الموتَ يبرقُ سيفهُ
بيدِ المنيّة حيثُ كنتَ حِيالي
ولقد رأيتُ على الفناءِ أدلةً
فيما تنكّر من تصرّفِ حالي
وإذا اعتبرتَ رأيتَ خطبَ حوادث
يجرين بالأرزاق والآجالِ
أبو العتاهية:
قلبَ الزمانُ سوادَ رأسِكَ أبيضا
ونعاكَ جِسمُكَ رِقّةً وتقبضا
نبغي من الدّنيا الغِنى، فيزيدُنا
فقراً، ونطلبُ أن نصِحَّ فنمرضا
أبو العتاهية:
وإذا كَبُرتَ، فهل لنفسكَ لَذّةٌ
ما للكبيرِ بلذّةٍ مُتَمتَّعُ
أبو العتاهية:
وليس شيءٌ وإن طالَ الزمانُ به
إلا سيفنى على الآفاتِ والعِللِ
وقد أتاكَ نذيرُ الموتِ يقدمهُ
في عارضيكَ مَشيبٌ غيرُ مُنتقلِ
يا لليالي وللأيام! إنّ لها
في الخلق خطفاً كخطف البرقِ في سهل
بشار بن برد:
صحا القلبُ عن سلمى وشابَ المُعَذّر
وأقصرت إلا بعض ما أتذكر
وما نلتها حتى توَلّت شبيبتي
وحتى نهاني الهاشمي المغرر
أبو نواس:
إذا ما نلتُ من عيشي رخاءً
وصرتُ من النوائبِ في أمانِ
ركبتُ غوايتي وتركتُ رُشدي
وكفُّ الجهل ، مطلِقةٌ عِناني
ألا ما للمشيب وما لرأسي
حَمى عني العُيونَ وما حماني
أبو نواس:
انقضتْ شِرّتي فعفتُ الملاهي
إذ رمى الشّيبُ مفرقي بالدواهي
ونهتني النهى فمِلتُ إلى العد
لِ وأشفقتُ من مقالةِ ناهِ
أبو نواس:
شِبتَ يا هذا، وما تترك
أخلاق الغُلامِ
والمنايا آكلاتٌ
شارباتٌ للأنامِ
أبو نواس:
بكرتْ تبصرّني الرَّشادَ كأنني
لا أهتدي لمذاهبِ الأبرارِ
وتقولُ: ويحكَ قد كبرت عن الصِّبا
ورمى الزمانُ إليك بالأعذارِ
فإلى متى تصبو وأنتَ مُتيّمٌ
مُتقلِّبٌ في راحةِ الإقتارِ
فأجبتُها إني عَرفتُ مذاهبي
فصرفتُ معرفتي إلى الإنكارِ
المعري:
تَحَمّلْ عن أبيكَ الثِّقلَ يوماً
فإنّ الشيخَ قد ضَعُفتْ قُواهُ
وأتى بكَ عن قضاءٍ لم تُرِدهُ
وآثرَ أن تفوزَ بما حواهُ
المعري:
بَقيتُ، وإن كانَ البقاءُ مُحبّباً
إلى أن وددِتُ العيش لا يتزيّدُ
وسِرتُ وقيدي بالحوادثِ مُحكَمٌ
كما سار بيتُ الشعرِ وهو مُقيّدُ
المعري:
من عاش سبعين فهو في نَصَبٍ
وليس في العيشِ بعدها خِيرة
ومتى سَرى عن أربعينََ حليفُها
فالشَّخصُ يَصغرُ والحوادِثُ تكبُرُ
المعري:
رُبَّ شيخٍ ظل يهديه إلى
سُبُلُ الحقِّ،غلامٌ ما احتلم
ذكرنا الصِّبا والشَرْخَ ثم ترادفت
حوادِثُ أنستنا الشبية والشَرْخا
المعري:
يا نفسُ جسمُك سربالٌ له خطرٌ
وما يُبدَّلُ في حالٍ بسربالِ
قد أخلقتهُ الليالي فاتركيه لُقى
فما يزيدك لِبسُ الخلقِ البالي
المعري:
بلغَ الفتى هَرَماً، فظَنَّ زمانَهُ
هَرِماً،وذَمَّ تقادُمَ الأعصارِ
كَمْ عاينَ الفتياتِ بعد شبيبةٍ
عُجزاً، ودُنياهُنَّ في الأعصارِ
كم شاهد الرجال من نساء شابات أصبحن عجائز ويعشن بماضيهن كأنهن شابات)
المعري:
وما العيشُ إلا لُجَةٌ باطليةٌ
ومن بلغَ الخمسين جاوزَ غمرها
وما زالت الأقدارُ تتركُ ذا النهى
عديماً وتعطي مُنيّة النفس غمرها
المعري:
من ساءَهُ سببٌ أو هالَهُ عجبٌ
فلي ثمانونَ عاماً لا أرى عجباً
الدهرُ كالدهرِ والأيامُ واحدةٌ
والناسُ كالناسِ والدنيا لمن غلبا
المعري:
من عاشَ تسعينَ حولاً فهو مُغترِبٌ
قد زايلَ الأهلَ إلا معشراً جُدُدا
وشاهدَ الناسَ من كهلٍ ومُقتبلٍ
ودالفِ الخَطوِ لا يُحصى لهم عددا
المعري:
حياتي بعد الأربعينَ منيّةٌ
ووجِدانُ حِلْفِ الأربعينَ فُقود
كأنّكَ بعد خمسين استقلت
لمولدكَ البناءُ دنا ليهوي
المعري:
إذا كنتُ قد جاوزتُ خمسينَ حِجّةً
ولم القَ خيراً،فالمنيّةُ لي سترُ
وما أتوّقى والخطوبُ كثيرةٌ
من الدّهرِ، إلا أن يَحُلَّ بي الهِتْرُ(الخرف)
المعري:
سارَ الشّبابُ ولم نعرفْ له خَبراً
ولا رأينا خيالاً منهُ مُنتابا
ألقى الكبيرُ قميصَ الشَرْخِ رَهنَ بلىً
ثمّ استجدَّ قميصَ الشّيبِ مجتابا
المعري:
خمسونَ قد عشتها فلا تعش
والنعشُ لفظ من قولك انتعِشِ
والموتُ خيرٌ لمن تأملّهُ
من عمر جاري اللّعابِ مُرتعشِ
لا يقرأ السطرَ بالنهارِ وقد
كانَ يُجلّي كالصقرِ ثمَّ عَشي
المعري:
تَودُّ البقاءَ النَّفسُ من هَيبةِ الرّدى
وطولُ بقاءِ المرءِ سُمُّ مُجرَّبُ
فَكمْ شُيوخٍ غَدوا بيضاً مفارِقهمْ
يُسَبِّحونَ وباتوا في الخَنا سُبُحا
المعري:
إذا ما أسَنَّ الشّيخُ أقصاهُ أهلُهُ
وجارَ عليه النَّجْلُ والعَبدُ والعِرْسُ
يُسَبِّحُ كَيما يَغفِرَ الله ذَنبهُ
رُويدَك في عهد الصّبا مُلئَ الطِّرْسُ
المعري:
بدا شَيبهُ مِثلَ النّهارِ ولم يَكُنْ
يُشابهُ فجراً أو نُجومَ ظلامِ
يُحدِّثُها ما لا تريدُ سماعهُ
ولم يبقَ عندَ الشّيخِ غَيرُ كلامِ
تقولُ لهُ في النَفسِ غيرَ مُبينةٍ
خُذِ المَهرَ مني وانصرف بسلامِ
تَودُّ لو أنَّ الله أعطاهُ حَتفهُ
وكيفَ لها من بعدهِ بِغلامِ
المعري:
وما أتوقى والخطوب كثيرة
يد الدهر إلا أن يُحل بي الهترُ
(الهتر: ذهاب العقل من كبر أو حزن)
المعري:أهابُ منيّتي وأُحبُّ ستريوخوفُ الشيخِ من هَرمٍ وهَترِ
)أخشى الموت ولكنني أفضله على الخرف)
المعري:إنّي لفي وقتِ الغروبِ،وقد مضىزمنُ الضّحاءِ وساعة الإظهار
المعري:
أجزاءُ دهرٍ ينقضين ولم يكن
بيني وبين جميعهن جِوارُ
تمضي كإيماض البروق ومالها
مُكثٌ فيسمعَ أن يُقالَ حوارُ
منعَ الزيارةَ من لميسَ وزينبٍ
حتفٌ ، لكلِّ خريدةٍ زَوَّارُ
(مراحل العمر عدّت ولم يكن بينها إلفة )
وتسيرُ عن أترابها لِترابِها
جُمَلٌ ، ويُورَثُ دُملجٌ وسوارُ
يرمي فلا يُشوي الزمانُ إذا رمى
سهماً ، وأخطأ ذلكَ الإسوار
قد ذرَّ قرنٌ ثم غابَ ، فهل له
معنى ؟ أجل ، هو للنفوس بوار
الشريف الرضي:
ولّى الشبابُ وهذا الشّيبُ يطردُهُ
يَفْدي الطريدةَ ذاكَ الطاردُ العَجِلُ
ما نازِلُ الشّيبِ في رأسي بمرتحلٍ
عنّي وأعلمُ أنّي عنهُ مُرتَحِلُ
من لم يَعظْهُ بياضُ الشّيبِ أدركهُ
في غِرَّةٍ حتفهُ المقدورُ والأجلُ
من أخطأتهُ سهامُ الموتِ قَيّدهُ
طولُ السنينِ فلا لهوٌ ولا جَذَلُ
وضاقَ من نَفسِهِ ما كانَ مُتَّسعاً
حتى الرجاءُ وحتى العزمُ والأملُ
الشريف الرضي:كفى بِسراجِ الشّيبِ في الرأسِ هاديالمن قد أضلّتهُ المنايا لياليا
أمن بعد إبداءِ المشيبِ مقاتلي
لرامي المنايا تحسبيني ناجيا
غدا الدّهرُ يرميني فتدنو سهامُهُ
لشخصي أخلِقْ أن يُصبنَ سواديا
وكانَ كرامي الليل يرمى ولا يُرى
فلمّا أضاءَ الشيبُ شخصي رمانيا
الشريف الرضي:
وما كُلُّ أيامِ المشيبِ مَريرةٌ
ولا كُلُّ أيامِ الشّبابِ عِذابُ
أُوَمِّلُ ما لا يبلغُ العمرُ بَعضَهُ
كأنِّ الذي بعدَ المشيبِ شبابُ
الشريف الرضي:
نعمَ الفتى ذكرُ المشيب، وربّما
يلقى انقضاء العمر قبل مشيبه
ويُنسيه بدءُ العيشِ ما في عقيبه
وجيئتهِ تبدي لنا من ذهوبهْ
الشريف الرضي:
عقيبُ شبابِ المرءِ شيبٌ يخصُّهُ
إذا طالَ عُمرٌ أو فناءٌ يَعُمُّهُ