إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (7/8)
- ١ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٢ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٣ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٤ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٥ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٦ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٧ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٨ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
عرض الجاحظ لكثير من الآيات القرآنية،فبين ما اشتملت عليه من ألوان البلاغة،وشرح وجه الجمال فيها،وكان متنبهاً إلى الفروق الدقيقة الموجودة بينها،وكان على إدراك تام بمدلول كل منها“.
وقال الإمام البوصيري رحمه الله:
دعني ووصفي آيات له ظهرت ظهور نار القرى ليلا على علم
فالدَّرُّ يزداد حسنا وهو منتظمٌ وليس ينقص قدراً غير منتظم
فما تطاول آمال المديح إلى مافيه من كرم الأخلاق والشِّيم
آيات حق من الرحمن محدثةٌ قديمةٌ صفة الموصوف بالقدم
لم تقترن بزمانٍ وهي تخبرنا عن المعادِ وعن عادٍ وعن إرم
دامت لدينا ففاقت كلَّ معجزة من النبيين إذ جاءت ولم تدم
محكماتٌ فما تبقين من شبهٍ لذي شقاقٍ وماتبغين من حكم
ما حوربت قط إلا عاد من حَرَبٍ أعدى الأعادي إليها ملقى السلم
ردت بلاغتها دعوى معارضها رد الغيور يد الجاني عن الحرم
لها معانٍ كموج البحر في مددٍ وفوق جوهره في الحسن والقيم
فما تعدّ ولاتحصى عجائبها ولاتُسام على الإكثار بالسأم
قرَّتْ بها عين قارئها فقلت له لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حرّ لظى أطفأت حرّ لظى من وردها الشبم
كأنها الحوض تبيض الوجوه به من العصاة وقد جاؤوه كالحمم
وكالصراط وكالميزان معدلة فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
لاتعجبن لحسود راح ينكرها تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقم
وقال الإمام البوصيري أيضاً:
الله أكبر أن دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعت به شمس الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أفولا
والحقُّ أبلج في شريعته التي جمعت فروعاً للهدى وأصولا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئوا القنديلا
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
آياتُ حقٍّ من الرحمن محدثة قديمة صفة الموصوف بالقدم
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا عن المعادي وعن عادٍ وعن إرمِ
دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة من النبيين إذ جاءت ولم تدمِ
جاءَ النبيون بالآيات، فانصرمت وجئتنا بحكيمٍ غيرِ مُنصَرمِ
آياتُهُ كلّما طالَ المدَى جُدُدٌ يَزِينُهنّ جلالُ العِتقِ والقِدمِ
يكادُ في لفظةٍ منه مشرَّفةٍ يُوصيكَ بالحق، والتقوى، وبالرحمِ
يا أفصحَ الناطقين الضادَ قاطبةً حديثُكَ الشّهدُ عند الذائقِ الفهِمِ
حَلّيتَ من عَطَلٍ جِيدَ البيانِ بهِ في كلِّ مُنتَثِر في حسن مُنتظِمِ
وقال أحمد شوقي في قصيدة ولد الهدى:
الذكرُ آية ربِّك َالكبرى التي فيها لباغي المُعجزات غَناءُ
صدرُ البيان لهُ إذا التقتِ اللُّغى وتقدّمَ البُلغاءُ والفُصحاءُ
نُسِختْ به التوراةُ وهي وضيئة وتخلّف الإنجيلُ وهو ذكاءُ
لما تمشّى في (الحجاز) حَكيمُه فُضّت (عكاظ ) به وقام حِراءُ
أزرى بمنطقِ أهلهِ وبيانِهم وحيٌّ يُقصِّرُ دونه البلغاءُ
حسدوا فقالوا :شاعرٌ أو ساحر ٌ ومن الحَسودِ يكونُ الاستهزاءُ
قد نال بالهادي الكريم وبالهُدى مالم تنل من سُؤددٍ سيناءُ
أمسى كأنَّكَ من جلالكَ أمّة وكأنَّهُ من أنسِه بَيداء
يُوحى إليك الفوزُ في ظلماتهِ مُتتابعاً تُجلى به الظلماءُ
دينٌ يُشيّدُ آية في آية لبناتُهُ السُّوراتُ والأضواء
الحقُّ فيه هو الأساسُ وكيف لا والله جلَّ جلاله البنّاءُ
أما حديثكَ في العقول فمَشرَعٌ والعلم والحِكمُ الغوالي الماءُ
هو صِبغة الفرقان نفحة قدسِه والسين من سوراته والراءُ
جرتِ الفصاحة من ينابيع النُّهى من دَوحه وتفجَّر الإنشاءُ
في بحرهِ للسابحين به على أدبِ الحياة وعلمِها إرساءُ
أتت الدُّهور على سُلافته ولم تفنَ السَّلاف ولا سلا الندماءُ
وقال الشاعر أحمد محرم وهو حزين لانصراف المسلمين عن القرآن:
يا قومنا هل تعرفون كتابكم أم ليس فيكم مؤمنٌ يتذكّرُ
عذراً فقد عظم البلاء فهاجني حتى لأحسب مهجتي تتفجّرُ
إن يجهلونه فإنّهُ السرّ الذي يُحيي النفوس إذا تموتُ وتقبرُ
وهو الحِمى المأمولُ يعصمنا إذا جرت الأمور بما نخافُ ونحذرُ
وقال أيضاً:
كفى بكتابكم يا قوم طِبّاً لمن يشكو من الأمم السقاما
كتاب يملأ الدنيا حياة وينشر في جوانبها السلاما
وقال الشاعر وليد الأعظمي:
يامن وضعتم قوانينا لأنفسكم نحن اتخذنا كتاب الله قانونا
الله أنزله بالحق يرشدنا إلى السعادة في شتى مرامينا
آياته بالهدى والعدل قد نطقت تُضفي على الحق إيضاحا وتبيينا
ضلّ الذي يهجر القرآن مجتديا منهاجه بغرور من أعادينا
لسنا نريد دساتيراً مرقعة فشرعة الله تكفينا وترضينا
وقال الشاعر عبد الرحيم محمود:
كتابٌ أضاءَ دياجي الظّلم ودلّ الأنام لأهدى الأمم
وألقى السلام على العالمين فذاقوا حلاوة طعم السلم
وصحّى النيام،نيام القلوب فقام الأذان وخرَّ الصنم
أقام السيوف بوجه البغاة فلما أنابوا أقامَ القلم
وقادَ الرعاة،رعاة الشياه فصار الرعاة،رعاة الأمم
كتاب تركناه يا حسرتا فصرنا نعضُّ بنان الندم
وكانت لنا عزّة المؤمنين فصرنا العبيد وصرنا الخدم
فلما عصينا كلام الإله جنينا الفساد وشوك الندم
فيا قوم عودوا إليه يعد إلينا الفخار ومجد القدم
محمد بهجة الأثري(الرسالة العدد 364):
دُستورُكَ الفرقان:أما وعظهُ فهدى،وأمّا حُكمهُ فَمُسدّدُ
عالٍ على الأهواء لا مُتَملّقٍ أحداً ولا مُتَعَسّفٌ يتمرّدُ
كالسّرجةِ الغيناء غُصنٌ مثمرٌ وخميلةٌ تندى وظِلٌّ أبردُ
تأسو جراحَ الخَلق بالخُلق الذي تروى القلوبُ به وتشفى الأكبدُ
ولكَ السّماحةُ والسّجاحةُ والندى وهدى النبّوة والفعالُ الأرشدُ
وقال ابن شرف:
فكن تالياً آيَ الكتابِ مُداوياً بها كلّ داءٍ فهي أرجى دوائهِ
فمنهُ ينابيعُ العلوم تفجرّت وما فاضَ من علم فمن عذبِ مائهِ
هُدىً وشفاءً للقلوبِ ورحمةً من الله يُشفى ذو العمى بشفائهِ
وقال الشاعر محمد البزم:
يؤتيك وحي لا يُرام ومنطِقٌ بوادرهث محمودةٌ وعواقبه
فجئت بقرآن حوى كلّ حكمةٍ أنارت دياجي الكائناتِ كواكبه
ينصّث فتصمي الظالمينَ حدودُه ويُتلى فتردي المارقين ثواقبه
وقال الشاعر أحمد محرم:
لنا في كتاب الله مجد مؤثلٌ وملكٌ على الحدثان والدهر دائم
إذا نحنُ شئنا زلزل الأرض بأسنا ودانت لنا اقطارها والعواصم
نصول فنجتاح الشعوب وننثني بإيماننا أسلابها والغنائم
وقال عبد الله الطيب:
أرجو الحياة مهاجماً ومدافعاً ومثلُ حالي عند مثلكَ رائعا
يا أيها القرآنُ زدني تعلُّماً يا أيها القرآنُ زدني تضرُّعاً
هذا غيض من فيض مما قيل في القرآن الكريم قديماً وحديثاً تُسّهل للداعية والمُبلّغ بعد إلمامه بما فيها،وبعد أن تساعده على فهم القرآن الكريم ومعرفة كنوزه العلمية والأدبية والأخلاقية والتشريعية والحكمية واشكال الإعجاز المختلفة..
تاتي المرحلة الثانية التي يجب أن يتصّف بها الداعية وهي التأدّب بأداب القرآن والتحلّي باخلاقه،وهذا ذو أهمية كبيرة بعد الفهم والعلم بالقرآن أن يتحلّى المرء الداعية باخلاقه. يقول عمر الفاروق رضي الله عنه: „أيها الناس تعلّموا القرآن تُعرفوا به،واعملوا به تكونوا من أهله“.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله :
„لو عمل المسلمون بآداب قرآنهم للفتوا الأنظار إلى روعته اكثر من ألف جمعية وألف خطاب وألف كتاب(هكذا علمتني الحياة ص 192).
ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص12):
„يكدّ الباحثون أذهانهم،ويُجهد المؤرخون أنفسهم في تقليب صحفهم ووثائقهم عن تعرّف السبب في أن المسلمين أول أمرهم أتوا بالعجائب،فغزوا وفتحوا وسادوا،والمسلمين في آخر أمرهم أتوا بالعجائب أيضاً فضعفوا وذلّوا واستكانوا،والقرآن هو القرآن،وتعاليم الإسلام هي تعاليم الإسلام،ولاإله إلا الله، هي لاإله إلا الله،وكل شئ هو كل شئ،ويذهبون في تعليل ذلك مذاهب شتئ، ويسلكون مسالك متعددة،ولا أرى لذلك إلاسبباً واحدا هو الفرق بين الدين الحق والدين الصناعي.الدين الصناعي دين حركات وسكنات وألفاظ ولاشئ غير ذلك،والدين الحق دين روح وقلب وحرارة. الصلاة في الدين الصناعي ألعاب رياضية،والحج حركة آلية ورحلة بدنية والمظاهر البدنية أعمال مسرحية واشكال بهلوانية،ولاإله إلا الله في الدين الصناعي قول جميل لا مدلول له.أما في الدين الحق فهي كل شئ، هي ثورة على عبادة المال،وثورة على عبادة السلطان، وثورة على عبادة الجاه، وثورة على عبادة الشهوات، وثورة على كل معبود غير الله.لاإله إلا الله في الدين الصناعي تتفق مع إحناء الرأس والخضوع لشهوة البدن وتتفق مع المذلّة والمسكنة.ولاإله إلا الله في الدين الحق لا تتفق إلا مع الحق.لاإله إلا الله في الدين الصناعي تذهب مع الريح، وفي الدين الحق تزلزل الجبال.ويتابع رحمه الله“الدين الحق يحمل صاحبه على أن يحيا له ويحارب له، والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يحيا به ويتاجر به ويحتال به.الدين الحق يجعل صاحبه فوق كل سلطة وفوق كل سياسة،والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يلوي الدين ليخدم السلطة ويخدم السياسة.الدين الحق امتزاج بالروح والدم،وغضب للحق ونفور من الظلم،وموت في تحقيق العدل.والدين الصناعي عمامة كبيرة، وقباء يلمع وفرجية واسعة الأكمام“.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(هكذا علمتني الحياة ج1):
„لم يكن عدد المصاحف عند المسلمين في القرن الأول للهجرة يبلغ عشر معشارعددها عندهم اليوم،وهي الآن لا يتلى منهاعشر معشارما كان يُتلى حينذاك،وما يتلى بتفهم وتدبرلا يبلغ عشرمعشار مايتلى بغير تفهم وتدبر،فلا تعجبن إذا لم يفعل القرآن في نفوس المسلمين في الحاضرعشر معشارما كان يفعله في نفوسهم في الماضي“.
نعم، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، كان قرآناً يمشي على الأرض،وكان صحابته رضوان الله عليهم كما قال الشهيد حسن البنا رحمه الله(الرسائل) : „رهبان بالليل فرسان بالنهار،ترى أحدهم في ليله ماثلاً في محرابه قابضاً على لحيته يتملل تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرّي غيري، فإذا انفلق الصبح ودوى النفير يدعو المجاهدين رأيته رئبالاً على صهوة جواده، يزأر الزأرة فتدوي لها جنبات الميدان“
والذين اتبعوا القرآن وتخلّقوا باخلاقه،وتجّملوا بصفاته، كما وصفهم أبو حمزة الخارجي(والذي نوافقه مقولته وصفاته ونخالفه مخالفة تامة في عقيدته) وكما جاء في عيون الأخبار لإبن قتيبة(ج2 ص199):
„تعيّروني أصحابي،تزعمون أنهم شباب،وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً؟نِعم الشباب مكتهلين،عَميّةٌ عن الشرِّ أعينهم،بطيئةٌ عن الباطل أرجلهم،قد نظر الله إليهم في أناء الليل مُنثنيّة أصلابهم بمثاني القرآن،إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها،وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأنّ زفير جهنم في أذنيه،قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم،أنضاء عبادة،قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم ورُكبهم، مُصفرةٌ ألوانهم،ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام،مستقلون لذلك في جنب الله،موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله،حتى إذا رأوا السهام قد فُوّقت،والرماح قد أُشرعت،والسيوف قد اُنتضيت،وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت،مضى الشاب منهم قُدُماً، حتى اختلفت رجلاه على عُنُق فرسه، وتخضّبت محاسِنُ وجهه بالدماء، فأسرعت إليه سباعُ الأرض وانحطّت إليه طير السماء،فكم من عينٍ في منقار طائرٍ طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كفٍ زايلت مِعصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود عليه“.
والمرحلة الثالثة بعد الفهم والتدبرللقرآن الكريم، وبعد التخلّق باخلاقه والعمل بمكنوناته،هي مرحلة العمل الجاد الدؤوب المستمر لإظهار الإعجاز بمختلف أشكاله في القرآن الكريم وبذل النفس والنفيس، والغالي والرخيص،المال والوقت..من أجل التعريف به وعرضه على الناس.ولكن الذي نشاهده الآن وللأسف هو محاربة القرآن والتعريض به وبذل الأموال والجهود لمحاربته!!
يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
„إن الله تعالى ألقى على عاتق المسلمين واجباً هو هداية البشر إلى الحق،وإرشاد الناس جميعاً إلى الخير،وإنارة العالم كله بشمس الإسلام فذلك قوله تعالى:{يا أيُّها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلكم تُفلحون *وجاهدوا في الله حقَّ جِهادهِ هو اجتباكُم وما جعل عليكم في الدين من حَرج مِلَّةَ أبيكُم إبراهيم هو سَمَّاكُمُ المسلمين من قَبلُ وفي هذا ليكُونَ الرسولُ شهيداً عليكم وتكونوا شُهداءَ على الناس فأقيموا الصَّلاةَ وآتوا الزكاةَ واعتصموا باللهِ هُوَ مَولاكُم فنِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصير} [الحج 77 ـ 78]
ومعنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، لخدمة هذه الوصاية النبيلة وإذن فذلك من شأننا لا من شأن الغرب ولمدنية الإسلام لا لمدنية المادة“، ويقول رحمه الله في موضع آخر من كتاب هكذا علمتني الحياة ص190:
„لو كنا نحن ارباب هذه الحضارة للفتنا الدنيا إلى أدب القرآن ولشُدنا له الجامعات،وعقدنا له المؤتمرات، وألفّنا فيه الحوليات،وأنشأنا له المختبرات،ولجعلناه شاغل الدنيا ومالئ تفكير الناس،ولشّوقنا إليه النفوس فافتتنت به،ولجلونا جماله للعقول فتدلّهت به،ولكن أرباب هذه الحضارة ما برحوا يناصبونه العداء ويحملون لهدمه المعاول، ويكيدون له في السر والعلن،وينفقون من أموالهم وأوقاتهم في طمس نوره وتشويه حقيقته،ما لو أنفقوا جزءاً منه في تخفيف ويلات الإنسانية لكانوا متحضرين حقاً،{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}،“{إنَّ الذين كَفروا يُنفقونَ أموالَهُم ليَصُدُّوا عن سبيل الله فَسَيُنفقُونها ثُمَّ تكونُ عليهم حَسرةً ثُمَّ يُغلبون والذين كَفروا إلى جَهنَّمَ يُحشرون}“ [الأنفال 36]، ويقول رحمه الله: „يوم كان المسلمون أقوياء بالقرآن اقبل الناس عليه من كل حدب يتدارسونه ويتعلمون لغته فلما ضعفوا بضعفه في نفوسهم،كانوا هم اول من أعرض عن دراسته وتعلم لغته،وهكذا يجني الضعيف على نفسه وعلى الحق الذي يحمله“.
وما نشاهده اليوم وفي هذا العصر هو تسخير الأموال والطاقات والجهود والسلطات والإمكانيات لخدمة كل ما يحارب القرآن في أمة تتخبّط في دياجير الظلمات،ودعاة حق قد أودعوا في السجون وغُيّبوا في المتاهات،يقول الشيخ السباعي رحمه الله:
„لبعض الكتب المقدسة عند بعض الديانات جمعيات منتشرة في جميع أنحاء الارض،جُندّ فيها عشرات الألوف والأشخاص،ويُنفق عليها عشرات الملايين من ألاموال،وهي بلا شك تحتوي ثروة أخلاقية إنسانية تفيد البشرية،ولكن أي ثروة فكرية وتشريعية وأخلاقية إنسانية تحتويها إذا قِيست بثروة القرآن الكريم؟ وإذا كانت تلك قد رُزقت عناية هذه الآلاف من الناس،ووضعت تحت أيديهم كل الإمكانات لنشرها والدعاية لها أفلا يستحق كتاب الله الخالد عشر هذه الجهود؟وعشر هذه الأموال؟وهل تُقاس الثمرة التي جنتها الإنسانية من تلك الكتب بالثمرات التي تجتنيها من نشر القرآن الكريم؟أم أن ميزة هاتيك أنها كتب قوم يحملون الحضارة،وكتابنا كتاب قوم مغلوبين لتلك الحضارة؟ أميزة تلك انها كتب قوم لم ينهضوا إلا حين تركوها،وذنب هذا أنه كتاب قوم لم يسقطوا إلا يوم تركوه؟أميزة تلك أنها حضارة الذين ينشرونها اليوم قامت على أسس تخالف مبادئها؟وذنب هذا أن حضارة الذين هجروه وبها غيّروا وجه الدنيا لم يضع حجر أساسها غيره؟ اميزة تلك أن المكتشفات العلمية تسير في خط معاكس لاتجاهه،وذنب هذا أنها تسير في خط مواز لاتجاهه؟ اميزة تلك أنها كتب الأقوياء ولم تكن لها يد في قوتهم،وذنب هذا أنه كتاب الضعفاء وهو برئ من عهدة ضعفهم؟إذا لم يكن شئ من هذا كله فما هو السر إذاً؟ ألا يكون هو الوفاء من جانب أولئك والجحود من جانب هؤلاء؟ أهو العلم هناك؟ والجهل هنا؟سبحانك ربي! إنه علم يحمل على كتفه قاتله، وجهل يشيح بوجهه عن وليه! سبحانك هذا تفريط عظيم“.