الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (8/8)

ويقول الدكتور زكي مبارك في محاضرة ألقيت في محطة الإذاعة العراقية ونشرها في كتاب „وحي بغداد“ تحت عنوان“في ضيافة القرآن“:

„أرجو أن تلقوني بقلوبكم قبل أسماعكم،إن كان فيكم من يندم على ذنوبه كما أندم على ذنوبي،أرجو أن نقضي لحظات في ضيافة القرآن فهذه الأيام هي أصلح الأوقات للتشرف بضيافة القرآن،وإنما كانت كذلك لأن الخطايا أثقلت كواهلنا،والمريض هو أعرف الناس بفضل الطبيب،وقد آن أن نرجع إلى القرآن كلما دهمتنا ظلمات الذنوب،فهو يهدينا برفق وعطف،ويوجههنا إلى الخير بلطف وحنان.

وأنا أرجع إلى القرآن من حين إلى حين،أرجع إليه حين تعجز المذاهب الفلسفية عن هداية قلبي،أرجع إليه حين لا ينجيني الغرور السخيف الذي يوهمني بأني وصلت إلى أصول الحقائق حين طوفت بالمذاهب الفلسفية عند القدماء والمحدثين،أرجع إليه حين أكون كالمريض العاقل الذي لايخفي علته على الطبيب.

نحن في ضيافة القرآن،فما الذي نجده على مائدة القرآن؟

نجد الأعاجيب من أطايب العقل والوجدان.

وإلا فكيف اتفق أن يثني القرآن على جميع الأنبياء والمرسلين،ولكن أي ثناء؟

إن النصارى لم يمجدوا المسيح بمثل ما مجدّه القرآن.

واليهود لم يثنوا على موسى بمثل الذي أثنى عليه القرآن.

والشرائع القديمة لم تحفظ ذكرياتها الطيبات إلا بفضل القرآن.

فكيف صحّ للرجل الذي اسمه محمد أن يزكي منافسيه من الأنبياء والرسلين؟

كيف صحّ لهذا الرجل أن ينسى أول حقيقة في حياة المجتمع،وهي السخرية من جميع المبادىء ليتم له التفرد بالعظمة النبوية؟

هنا تظهر بارقة من النور تشهد بأن هذا الرجل لم يكن طالب صيد،وإنما كان نبياً.

ارجعوا إلى القرآن تجدوه لايفرق بين أحد من الأنبياء،وعندئذ تؤمنون بأن محمداً لم يبن مجده على أنقاض الشرائع،ولو كان كاذباً لادعى لنفسه كل شىء،وزيف ما جاء به الأنبياء والمرسلون.

ارجعوا إلى التاريخ وانظروا كيف صنع من سموا أنفسهم مصلحين.

اقرأوا تواريخ المسيطرين وانظروا كيف كانوا يمحون آثار من سبقوهم بلا ترفق.

استنطقوا الآثار في الشرق والغرب،وانظروا كيف كان الملوك ينكرون فضل آبائهم.

نحن على مائدة القرآن الكريم،فماذا نجد؟

نجده يقول:{من عملَ صالحاً فلنفسهِ ومن أساءَ فَعليها ثمّ إلى ربكم تُرجعون}[الجاثية 45].

فنفهم قيمة اليقظة في السريرة الإنسانية.

ونجده يقول:{إنّ الله يُدخلُ الذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ والذينَ كفروا يتمتعونَ ويأكلونَ كما تأكلُ الأنعامُ والنارُ مثوىً لهم}[محمد12].فنفهم أن نعيم الحواس متاع خسيس،وأن النعيم الأعظم هو النعيم في عالم المعاني.

ونجده يقول:{ها أنتم هؤلاءِ تُدعونَ لتنفقوا في سبيلِ الله فمنكم من يبخلْ ومن يبخل فإنّما يبخلُ عن نفسه والله الغنيُّ وأنتم الفقراء}[محمد 38].فندرك أن الإنفاق في سبيل الخير من أشرف وسائل الجهاد.

ونجده يقول:{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تُصيبوا قوماً بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين}[الحجرات 6].فنتذكر المآسي الموجعات التي نعاني مكارهها في كل صباح وفي كل مساء،فحياتنا مكدرة مرنقة بسبب الاستماع للوشايات والنمائم،لاننا نسمع في أصحابنا ومعارفنا ولأصدقائنا كل قيل،ونرتب المقدمات والنتائج على مانسمع،وقلما نتذكر أن من واجبنا ألا نصدق ما نسمع إلا بعد درس وتثبت وتبين وتحقيق،قلمانتذكر أن الحكم على الغائب لا يخلو من اعتساف،وسكوتنا عن مراجعة الواشين والنمامين،وتفريطنا في تقديمهم إلى ساحة الجزاء،كل ذلك غرس فيهم الطمأنينة إلى السلامة من عواقب ما يصنعون،فالنمام يضع بذور الفتنة بين الناس وهو مطمئن لأنه يعرف أننا في الأغلب نصدق كل مانسمع،ولانفكر في معاقبة المفترين.

هل فيكم من تشرف بالنظر في سورة الحجرات فرأى فيها هذه الآية:{يا أيها الذين آمنوا لايسخرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكُنَّ خيراً منهنّ ولا تَلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقابِ بئسَ الاسمُ الفسوقُ بعدَ الإيمان ومن لم يتبْ فأولئك همُ الظالمون}[الحجرات 11].

هل فيكم من فطن إلى أن هذه الآية تنطبق على أحوال هذا العصر كل الانطباق؟

فنحن اليوم في الأقطار الإسلامية منقسمون إلى أحزاب،وكل حزب بما لديهم فرحون،وكل جماعة تظن أن الخير وقف عليها،وأن من خرج على حدودها فهو من الضالين.

وهذا الظن السىء هو الذي عاد على قلوبنا بالخراب،فقلوبنا أصبحت كأوكار الحيات والثعابين،أصبحت قلوبنا موبوءة وكأنها البقعة الخربة التي تعيش فيها الهوام والجراثيم،ولو كنا نعقل لتأدبنا بآداب القرآن وعرفنا أن قلوبنا في حاجة إلى مصابيح من حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس.

أيها السادة!

تذكروا ،ثم تذكروا،تذكروا دائماً أنكم لستم أغير من الله،تذكروا أنكم لم تروا من أنهار الحقائق غير أوشال،تذكروا أن القرآن لم يكن أبطولة من الأباطيل،وإنما كانت آياته من غرائب الحقائق،وتذكروا أن القرآن هو الذي أعز العرب فجعل لهم إخواناً في المشرقين والمغربين،ولولا القرآن لظل العرب في عبودية كما كانوا في أكثر عهود التاريخ“.

هذه بعض القَبسات والمعالم والسمات لعلّها تُعين الدعاة على إيضاح الطريق وإنارة السبيل من خلال الهدي القرآني العظيم على أن تفجّر مكنونات هذه المعاني والصفات وتجعل منها روحاً  تُحيّ القلوب الخامدة، ونوراً يضيئ الدياجير المظلمة،وبلسماً يشفي النفوس الكَلِمة،وهدىً يهدي العقول السادرة، ورحمة تحطّمُ الصخور القاسية في القلوب والعقول الجافية،وموعظةً للنفوس الراغبة وللأحاسيس غير المتلبدّة والمتطلّعة إلى سماء الحق والنور والمعرفة،ونذيراً للنفوس اللاهية والمتنكبّة للصراط وتحذيراً لها من الهاوية،وسوء العقاب يوم الحساب،{يوم لا ينفع مال ولا بنون *إلا من أتى الله بقلب سليم}[الشعراء 88 ـ 89] .

7ـ هجروه شرعةً ومنهاجاً

إنّ القرآن الكريم كما ذكرنا هو كتاب هداية ورشد،وهو رحمة وشفاء،وهو أيضاً دستور حياة ومنهاج دعوة،وهو شريعة وإصلاح،تحكم لما فيه سعادة الدارين،ولما فيه خير المؤمنين والعالمين، يقول الله تعالى: :{إنّ هذا القُرآنَ يهدي للَّتي هيَ أقوَمُ ويُبَشِّرُ المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ أنّ لهم أجراً كبيراً} [الإسراء9]، ويقول تعالى: {فلا ورَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتى يُحَكِّموكَ فيما شجرَ بينهم ثُمَّ لا يجدوا في أنفسِهِم حَرجاً مما قَضيتَ ويُسَلِّموا تَسليما} [النساء 65].ويقول تعالى:{وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة 49]، وقال تعالى:{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} [المائدة 48].

ولقد أدرك السلف الصالح هذه التعليمات الربانيّة،والتعاليم القرآنية،فنهلوا من مَعين القرآن،واستقوا من نبعه الصافي،واتبعوا تعاليمه،وحكّموا القرآن في حياتهم،فكان لهم دستوراً وشريعةً ومنهاج حياة،فكانوا طلائع حضارة عظيمة رائدة استمرت على مدى القرون،وكانوا سادة العالم لما سَوّدوه،وحكموا العالم لمّا حكّموه.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(معالم في الطريق ص13):

„هناك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف امامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان،وأن يقفوا أمامها طويلاً،ذلك أنها كانت ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها،لقد خرّجت هذه الدعوة جيلاً من الصحابة رضوان الله عليهم،جيلاً مُميزاً في تاريخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جميعه،ويتابع رحمه الله:“كان النبع الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن،نبع القرآن وحده،فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه إلا أثراً من ذلك النبع، ويتابع رحمه الله :“إنهم لم يكونوا ـ في الجيل الأول ـ يقربون القرآن بقصد الثقافة والإطلاع،ولا بقصد التذوق والمتاع،ولم يكن احدهم يتلّقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة،ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته،إنّما كان يتلّقى القرآن ليتلّقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها،وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته،يتلّقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه،كما يتلّقى الجندي في الميدان الأمر اليومي ليعمل به فور تلّقيه،ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة،لأنه كان يحسّ انه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه،فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، هذا الشعور..شعور التلقي للتنفيذ.. ويتابع رحمه الله :“إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح،روح المعرفة المنشئة للعمل،إنه لم يجئ ليكون كتاب متاع عقلي،ولا كتاب أدب وفن،ولا كتاب قصة وتاريخ ـ وإن كان هذا كله من محتوياته ـ إنما جاء ليكون منهاج حياة، منهاجاً إلهياً خالصاً“.

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(الرسائل:رسالة إلى أي شئ ندعو الناس):

„إن القرآن الكريم كتاب جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الإجتماعية،وكليات الشرائع الدنيوية،فيه أوامر وفيه نواه.فهل عمل المسلمون بما في القرآن فاعتقدوا وأيقنوا بما ذكر الله من المعتقدات،وفهموا ما أوضح لهم من الغايات؟وهل طبقوا شرائعه الإجتماعية والحيوية على تصرفاتهم في شؤون حياتهم؟إن انتهينا من بحثنا أنهم كذلك فقد وصلنا معاً إلى الغاية،وإن تكشّف البحث عن بعدهم عن طريق القرآن وإهمالهم لتعاليمه وأوامره فاعلم أن مهمتنا أن نعود بأنفسنا وبمن تبعنا إلى هذا السبيل“.ويتابع رحمه الله:

„إن القرآن حدد غايات الحياة ومقاصد الناس فيها،فبينَ أن قوماً همهم من الحياة الأكل والمتعة، فقال تبارك وتعالى:{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكلُ الأنعامُ والنارُ مثوىً لهم}[محمد12].

وبيّن أن قوماً آخرين مهمتهم الزينة والعرض الزائل فقال تبارك وتعالى:{زُيّنَ للناسِ حُبُّ الشهواتِ من النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذهبِ والفضة والخيلِ المُسوَّمة والأنعامِ والحرث ذلكَ متاعُ الحياةِ الدنيا واللهُ عندهُ حُسنُ المآب}[آل عمران 14].

وبين أن قوماً آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن وإحياء الشرور والمفاسد أولئك الذين قال الله فيهم:{ومن الناسِ من يُعجبكَ قولهُ في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على مافي قلبهِ وهو ألدُّ الخصام* وإذا تولّى سعى في الأرضِ ليفُسِدَ فيها ويُهلكَ الحرثَ والنَّسلَ والله لايحبُ الفساد}[البقرة204 ـ 205].

تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزّه الله المؤمنين عنها وبرأهم منها وكلفهم مهمة أرقى،وألقى على عاتقهم واجباً أسمى ذلك الواجب هو: هداية البشر إلى الحق،وإرشاد الناس جميعاً إلى الخير،وإنارة العالم كله بشمس الإسلام، فذلك قوله تبارك وتعالى:{يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخيرَ لعلكم تفلحون*وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هوَ اجتباكم وماجعلَ عليكم في الدين من حرج مِلّةَ أبيكم إبراهيم هوَ سماكم المسلمين من قبلُ وفي هذا ليكونَ الرسولُ شهيداً عليكم وتكونوا شهداءَ على الناسِ فأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ واعتصموا بالله هوَ مولاكم فنعمَ المولى ونِعمَ النّصير}[الحج 77 ـ 78].

ومعنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة،ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة وإذت فذلك من شاننا لا من شأن الغرب ولمدنية الإسلام لالمدنية المادة“.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ مقال بعنوان: لماذا أنزل الله القرآن):

„إن الله تعالى لم ينزل القرآن العظيم لمجرد التبرك بتلاوته،ولا لتزيين الجدران بآياته،ولالقراءته على الأموات ابتغاء أن يرحمهم ربهم.إنما أنزل الله القرآن ليضبط بهدايته مسيرة الحياة،ويحكمها بما أنزل الله من الهدى ودين الحق،ويهدي بنوره البشرية للتي هي أقوم،ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.وبركة القرآن إنما هي في إتباعه والعمل به،كما قال تعالى:{وهذا كتابٌ أنزلناهُ مُباركٌ فاتبِعُوهُ واتَّقوا لعلَّكُم تُرحمون} [الأنعام 155].

ويتابع:“وهناك ممن يدّعون الإسلام أناس يقولون: نحن نؤمن بالقرآن الكريم،ونخضع لأحكامه،ولكن في بعض المجالات دون بعض،فهم يقبلون أحكامه في مجال العقائد والعبادات والأخلاق،ولكن لايقبلونها في شئون التشريع والاقتصاد والسياسة وغيرها.وبعضهم يقبل الأخذ بها في التشريع،ولكن في محيط الأسرة والأحوال الشخصية لا في محيط المجتمع،وأمور الحكم والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.والعجيب ان يصدر هذا ممن يدعي الإسلام،ويزعم انه رضي بالله رباً ،وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولا،وبالقرآن إماما!.ويتابع:

“ وهذا ما أنكره القرآن على بني إسرائيل أ شد الإنكار،وقرعهم عليه أبلغ التقريع،وتوعدهم عليه باقسى الوعيد،فقال سبحانه{أفتؤمنونَ ببعض الكتابِ وتكفرونَ ببعض فما جزاءُ من يفعلُ ذلكَ منكم إلا خزيٌ في الحياةِ الدنيا ويومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ العذابِ وما الله بغافلٍ عمَّا تعملون* أولئكَ الذينَ اشتروا الحياةَ الدُّنيا بالأخرة فلا يُخَفَّفُ عنهمُ العذابُ ولاهُم يُنصرون} [البقرة 85 ـ 86]،كما حذر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم،وهو تحذير لكل أمته من بعدهن أن يفتنه أهل الكتاب عن بعض ما أنزل الله إليه من الكتاب،فلا يحكم بهن ولايعمل بموجبه،يقول تعالى: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}[المائدة 49] وذمّ القرآن أبلغ الذم طائفة من المنافقين يرفضون حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه ولايذعنون له إلا فيما يوافق أهواءهم ومصالحهم الخاصة،ونفى عنهم الإيمان نفياً صريحاً،يقول سبحانه:{ويقولونَ آمنَّا بالله وبالرَّسُولِ وأطعنا ثمَّ يتولى فريقٌ منهم من بعدِ ذلكَ وما أولئكَ بالمؤمنين*وإذا دُعُوا إلى الله ورسولهِ ليحكُمَ بينهم إذا فريقٌ منهم معرضون* وإن يَكُن لهمُ الحقُّ يأتوا إليه مُذعنين* أفي قلوبهم مرضٌ أم ارتابوا أم يخافونَ أن يحيفَ الله عليهم ورسولُهُ بل أولئكَ همُ الظالمون}[النور47 ـ 50]، وأما موقف المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله فهو الإذعان بلا تردد،والطاعة بلا تلكؤ{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}“ [النور 51].

ويتابع:“ والقرآن كل لايتجزأ،وتعاليمه وأحكامه مترابطة متكاملة،بين بعضها وبعض مايشبه الوحدة العضوية بين أعضاء الجسم الواحد، فبعضها يؤثر في بعض. ولايجوز ان يفصل جزء أو أكثر منها عن سائر الأجزاء.فالعقيدة تغذي العبادة،والعبادة تغذي الأخلاق،وكلها تغذي الجانب العملي والتشريعي في الحياة.ويتابع:“إن الشئ المؤكد الذي لاخلاف عليه،وهو من المعلوم من الدين بالضرورة ـ بمعنى أنه لم يعد في حاجة إلى إقامة أدلة عليه لأنه مما يشترك في معرفته الخاص والعام ـ أن تعاليم القرآن كلها واجبة التنفيذ،ولافرق فيها بين مايسمى“روحياً“ ومايسمى “ مادياً“،ما يعتبر من “ شئون الدنيا“ وما يعتبر من „شئون الدين“ ما يتعلق بحياة “ الفرد“ وما يتعلق بحياة “ الجماعة“.إن هذه التسميات والعناوين لاوجود لها في كتاب الله تعالى،ولاتوجد فوارق معتبرة بين بعضها وبعض،مادامت كلها في دائرة أمر الله سبحانه أو نهيه. انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

وقد صنع القرآن العظيم حضارةً عظيمة،كان المسلمون هم رادتها وقادتها،جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم„إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين“.

نعم،عندما عملوا به واتخذوه شرعة ومنهاجاً كانوا رأس الأمم،وقادة العالم،وزعماء الدنيا،وعندما تخلّوا عنه أصبحوا في ذيل الركب،وتبعاً للأخرين،وركبهم الذلّ والهوان،لقد عرفوا طريق الحياة الكريمة ولم يسلكوه،وأبصروا طوق النجاة ولم يتمسكوا به

كالعيسِ في البيداءِ يقتلها الظمأ                      والماءُ فوقَ ظهورها محمولُ

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(رسالة :هل نحن قوم عمليون، تحت عنوان حق القرآن ص84):

„ما رأيت ضائعاً اشبه بمحتفظ به،ولا مهملاً اشبه بمعنيّ بشأنه من القرآن الكريم في أمتنا هذه!أنزل الله القرآن الكريم كتاباً محكماً ونظاماً شاملاً وقواماً لأمر الدين والدنيا  {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}[فصلت 42]

ويتابع رحمه الله:“ واعتقد ان أهم الأغراض التي يجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد:

أولاًـ  الإكثار من تلاوته، والتعبد بقراءته، والتقرُّب إلى الله تبارك وتعالى به

ثانياً ـ جعله مصدراً لأحكام الدين وشرائعه،منه تؤخذ وتُستنبط وتُستقى وتُتعَلم

ثالثاً ـ جعله اساساً لأحكام الدنيا،ومنه تستمد وعلى مراده الحكيمة تطبق

ويتابع رحمه الله:“وأما تطبيق أحكامه الدنيوية فقد استبدلها القوم بغيرها وأحلّوا سواها محلها،وجعلوا تشريع الأجانب وما صنعه الفرنسيون والرومان أساساً لتشريعهم ومصدراً لأحكامهم،وبذلك تعطّلت احكام كتاب الله وأصبحت بين المسلمين نسياً منسياً، وفيها ـ علم الله ـ لهم كل خير لو كانوا يسمعون.ويتابع رحمه الله: „افلست محقاً حين قلت: ما رأيت ضائعاً أشبه بِمُحتفظٍ به من كتاب الله،تناقضٌ عجيب في هذا الموقف منا امام القرآن:إننا نُعظّمه،ما في ذلك من شك،ونذود عنه،ما في ذلك من شك،ونتقرّب إلى الله به،ما في ذلك من شك،ولكن ياقوم:أخطأتم طريق التعظيم وتنكّبتم سبيل الذود عنه،وضَللتُم عن جادة التقرُّب إلى الله به{وما كانَ لمؤمنٍ ولا مُؤمنةِ إذا قضى اللهُ ورسولُهُ أمراً أن يَكونَ لهُمُ الخِيرَةُ من أمرهم ومن يَعصِ اللهَ ورسُولَهُ فقد ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً}[الاحزاب 36]،وقال تعالى:{فلا ورَبِّكَ لا يؤمنونَ حتى يُحكِّموكَ فيما شَجرَ بينهم ثُم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ ويُسلِّموا تسليما}[ النساء 65]، وقال تعالى:{ويقولونَ أمنَّا بالله وبالرَّسولِ وأطعنَا ثُمَّ يتولّى فريقٌ منهم من بعدِ ذلك وما أولئكَ بالمؤمنين *وإذا دُعُوا إلى الله ورسُولهِ ليحكُمَ بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرضون} [النور 47ـ 48].

والأنكى من كل هذا أن هناك من يُعرض عنه كسلاً أو غفلةً أو هوىً،والأدهى من ذلك أن هناك من يعرض عنه ويحاربه ويكيد له كيداً{وإذا تُتلى عليهم أياتُنَا بيّناتٍ تعرِفُ في وُجوهِ الذين كفروا المُنكرَ يكادُونَ يَسطُونَ بالذين يَتلونَ عليهم اياتِنا قُلْ أفأُنبِّئُكُم بِشَرٍّ من ذلكُمُ النارُ وعدَها اللهُ الذين كفروا وبئسَ المصير}[الحج 72].

إنّ الإعراض عن القرآن الكريم هو شقاء الدنيا،وعذاب الآخرة،إنه نكد لازم مقيم،وعذاب مستديم{ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشةً ضَنكاً ونحشُرُهُ يومَ القيامةِ أعمى* قالَ رَبِّ لم حَشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرا*قال كذلكَ اتَتكَ اياتُنا فنسيتها وكذلكَ اليومَ تُنسى}[طه124ـ126].

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

„وليس أشقى على وجه هذه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، وليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون، ليس اشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شئ خيفة لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شئ في هذا الوجود، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هادٍ ولا مُعين“

ويقول رحمه الله في تفسيره لسورة الأنعام:

„لقد كنت في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه{فلمّا نَسُوا ما ذُكِّروا بهِ فَتحنا عليهم أبوابَ كُلِّ شئ}[الأنعام 44]، فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية مشهد تدفق كل شئ من الخيرات والأرزاق بلا حساب،لا يكاد يتمثل في الأرض كما يتمثل هناك،وكنت أرى القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه وشعورهم بأنه وقف على „الرجل الأبيض“ وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة،وفي وحشية كذلك بشعة،وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس،كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية وأتوقع سنة الله،وأكاد أرى خطواتها وهي تدبُّ إلى الغافلين {حتى إذا فَرِحوا بما أُوتُوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبلِسون *فَقُطِعَ دابرُ القومِ الذين ظلموا والحمدُ لله ربِّ العالمين} [الأنعام44 ـ 45].

نعم، إنّ الإعراض عن القرآن الكريم وتشريعاته واحكامه ومنهاجه هو ذُلٌّ مقيم، وضعفٌ مستكين، وهوانُ الدارين.

يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ رحمه الله(تذكرة للدعاة ص33):

„القرآن كتاب الله العظيم هو سبب عزّتنا،ومصدر فضائلنا،عليه قامت حضارتنا،ومن روحه السامية فاضت بطولاتنا،وعلى هداه الأمين كانت تنطلق قوافلنا مُبدّدة ظلام الدنيا،مُسدّدة خُطا ابنائها على طريق الحق،قائدة جموعها إلى الخير،ومن بحره الزاخر استمدّت علّونا،هذا الكتاب المبين والدستور القويم أعرض عنه كثير من المسلمين،فأعرضت عنهم العزّة والسيادة،وتجّهموا لأحكامه فتجّهمت لهم الكرامة والسعادة“.

والإعراض عن القرآن الكريم هو الإندحار والثبور والهلاك،قال هارون الرشيد لإبن السّماك: عِظني! قال: كفى بالقرآن واعظاً ،يقول الله تبارك وتعالى: :{ألَمْ تَرَ كيفَ فعل رَبُّكَ بعادٍ *إرَمَ ذاتِ العِمادِ* التي لم يُخلَقْ مثلُها في البلاد* وثمُودَ الذين جَابوا الصخرَ بالوادِ* وفِرعونَ ذي الأوتاد* الذينَ طَغوا في البلادِ* فأكثروا فيها الفسادَ* فَصبَّ عليهم رَبُّكَ سَوطَ عذاب* إنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر 6ـ 14]

وها نحن نعيش اليوم وللأسف عصر الذلِّ والتبعية والإنحطاط،عصر التقهقر والتراجع والركوع على كل الصعد وعلى كل المستويات،وأصبحنا طبقاً من الطعام قد تنافست على نهشه الأيادي،وأصبحنا زَبداً يحمله السيل ويقذف به في كل وادي،فإن أردنا الرجوع إلى الرفعة والعزة والسيادة من جديد علينا الرجوع إلى القرآن الكريم من جديد.

يقول الأستاذ محمد أديب صالح رحمه الله(على الطريق ص 407):

„أن تستسلم الأمة للسبات،ولا تفيق على صوت القرآن ونُذُره التي تقرع الأسماع والقلوب.. أن تنسى مابه قوامها وحياتها،مابه أخرجها الله من الظلمات إلى النور،أمر لا يتسقّ مع طبائع الأشياء ولا يتفقّ مع الحقائق التي يعترف بها الفكر المؤمن منطلقات لنهضة الأمة من عثار،فكما أخرج الله الأمة بهذا القرآن من الظلمات إلى النور،حتى كانت رائدة البشرية عدّة قرون،إن هذا القرآن هو القادر دائماً أن يُقدّم لها العلاج الذي ينقذ من الوهده،ويبعث في سواعدها الحياة حتى تقوى على حمل الراية من جديد،ولا والله لن تكون العاقبة بعون الله إلا لهذه الأمة إن وصلت حبلها بهذا الكتاب،مهما أجلب عليها العدو بخيله ورَجِلِه وأعوانه من الذين يقذفون في طريق الإنسانية بالغثاء الذي يدّعونه ـ زوراً وبهتاناً ـ كرامة الإنسان وحرية الإنسان“.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(هتاف المجد ص20):

“ إن الله نزل القرآن وتولى حفظه،فالعاقبة للإسلام، ما في ذلك من شك لأن وعد الله هو الحق،والله لا يخلف وعده في سِلمه،فإن عدنا إلى ديننا وجعلناه دستور حياتنا في سلمنا وفي حربنا،جعل الله هذا النصر على أيدينا،فربحنا عزّ الدنيا والأخرة،وإن كانت الأخرى استبدل بنا قوماً غيرنا فكان الفتح على أيديهم والنصر لهم وعدنا نحن كفقراء اليهود لا دنيا ولا دين لا قدر الله ذلك علينا“.

ويقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله(هموم داعية ص24):

„ولست أقرر جديداً في هذا الميدان،والذي أراني مضطراً إلى التنبيه إليه وهو ضرورة العناية القصوى بالقرآن نفسه،فإن ناساً أدمنوا النظر  في كتب الحديث واتخذوا القرآن مهجوراً،فنمت أفكارهم معوجة،وطالت حيث يجب أن تقصر،وقصرت حيث يجب أن تطول،وتحمسوا حيث لامكان للحماس،وبردوا حيث تجب الثورة!

إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور في إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة نفسية وعقلية لايداويها إدمان القراءة في كتب السنة،فإن السنة تجيئ بعد القرآن،وحسن فقهها يجيئ من حسن الفقه في الكتاب نفسه.وقد ذكر ابن كثير أن الإمام الشافعي قال:“كل ماحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن“فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟

إن الوعي بمعاني القرآن وأهدافه يعطي الإطار العام للرسالة الإسلامية، ويبين الأهم فالمهم من التعاليم الواردة ويعين على تثبيت السنن في مواضعها الصحيحة.

والإنسان الموصول بالقرآن دقيق النظر إلى الكون،خبير بازدهار الحضارات وانهيارها،نير الذهن بالأسماء الحسنى والصفات العلى،حاضر الحس بمشاهد القيامة وماوراءها،مشدود إلى أركان الأخلاق والسلوك ومعاقد الإيمان، وذلك كله وفق نسب لايطغى بعضها على بعض وعندما يضم إلى ذلك السنن الصحاح مفسرة للقرآن ومتممة لهداياته فقد أوتى رشده“.

ويقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ رحمه الله (تذكرة للدعاة ص35):

“ كتاب الله هو الحبل المتين الذي لابُدّ للمسلمين من الإستمساك به في الأزمات والإحتكام إليه في الحياة،فما استمسك به امرؤ إلا نجا، ولا حكم به إمام إلا عدل، ولا قامت على قواعده دولة إلا عزّت وسادت، ولا تجاهلته جماعة أو أمة إلا انحدرت وانهارت، لقد كان هذا الكتاب الكريم دعامة حياتنا فإذا بنا نضحي سادة الدنيا وقادة العالم،ولما اتخذناه وراءنا ظهريا نردده دون فهمه وننحيه في كثير من ديارنا عن الحياة آل أمرنا إلى ما نعرف“.

ويقول الأستاذ العلامة محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الرسالة العدد407):

„آمن الأوائل من المسلمين بالقرآن،فوضعوه بالمحل الأول من مكانة التقديس والعناية،وسلموا إليه نفوسهم،وتركوه يتصرف فيها بالتزكية والتطهير والتعليم والحكم والسياسة وسائر شئونهم،العامة والخاصة، الداخلية والخارجية،حتى اتسعت أمامهم مسالك الحياة وانفسحت رقعة المملكة الإسلامية طولاً وعرضاً، فما احتاجوا وهم يقبلون القرآن بين أيديهم،ويفهمون آياته الواضحة،وإشاراته الواردة على سنن اللغة العربية القويم،إلى قانون سياسي أو مدني،ولا إلى نظريات الأخلاق والأداب،بل كانوا كلما تقدمت بهم الحياة ونظروا في القرآن، رأوا فيه حاجتهم،واستفادوا منه أكبر ما تطمح إليه النفوس الوثابة المتطلعة إلى عز الدنيا ومجد الحياة.

حصروا نظرهم إلى القرآن في الفهم والاتعاظ وتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي،وأخذوا ينشرون ما يفيضه عليهم من أصول التشريع وقوانين الأخلاق والاجتماع على سائر المسلمين في جميع بقاع الارض شرقاً وغرباً،فوحد القرآن بينهم حول الغاية التي لأجلها نزل.وما كانوا ليتجهوا أو ليحاولوا أن يخرجوا بشيء من آي القرآن كلا أو بعضا عن هذا النهج:نهج العمل، وتهذيب الخلق، وإصلاح العقيدة.ما فكروا يوماً في أن القرآن يبرئ لهم مريضاً، أو يرد عنهم غائلة عدو،أو يكشف لهم عن معضلة كونية إلا عن طريق ما أمر به من اتخاذ الأسباب،وقدح زناد العقل،والسلوك في الحياة على ما تقتضيه سنة الحياة.

بهذا سار المسلمون الأولونن وعظم سلطانهم،وتربت مهابتهم في قلوب الأممنودخل الناس في دين الله أفواجاً.وبهذا حافظوا على وحدتهم فلم يتفرقوا في العقائد،ولم تشتتهم الأهواء والمذاهب، وسلم لهم دين الله وكتابه خالصين متينين لم تلعب بهما الشهوات، ولم يتطرق إليهما عوامل الأحداث والابتداع.

مضى ذلك العهد،وقد اتسعت بفضل القرآن وتأثيره في النفوس رقعة الإسلام،وامتد سلطانه،ودخلته حضارات وثقافات وعناصر مختلفة وأمم متباينة،فبدأت عوامل التفكك تتسرب إلى الوحدة الإسلامية.

حدثت بدعة الفِرق،والتطاحن المذهبي، والتشاحن الطائفي،وأخذ أرباب المذاهب وحاملو رايات الفرق المختلفة يتنافسون في العصبيات المذهبية والسياسية، وامتدت أيديهم إلى القرآننفأخذوا يوجهون العقول في فهمه إلى وجهات تتفق وما يريدون وبذلك تعددت وجهات النظر في القرآن،واختلفت مسالك الناس في فهمه وتفسيره،وظهرت في أثناء ذلك ظاهرة خطيرة هي تفسير القرآن بالروايات الغريبة والإسرائيليات الموضوعة التي تلقفها الرواة من أهل الكتاب وجعلوها بياناً لمجمل القرآن وتفصيلاً لآياته،ولم يروا بأساً من أن يضيفوا إليه خصائص موهومة في شفاء الأمراض وقضاء الحاجات وتفريج الكربات.ومنهم من عني بتنزيل القرآن على مذهبه أو عقيدته الخاصة،وبذلك وجدت تحكمات الفقهاء والمتكلمين وغلاة المتصوفة وغيرهم ممن يروجون لمذاهبهم ويستبيحون في سبيل تأييدها والدعاية لها أن يقتحموا حِمى القرآن،فأصبحنا نرى من يؤول الآيات لتوافق مذهب فلان،ومن يخرجها عن بيانها الواضح وغرضها المسوقة له لكي لا تصلح دليلاً لمذهب فلان،وبهذا أصبح القرآن تابعاً بعد أن كان متبوعاً، ومحوماً عليه بعد أن كان حاكماً.

ويتابع رحمه الله(الرسالة العدد 408):

„وصلت إلينا هذه الأمور فأقعدت الناس عن النظر في القرآن،وملأت أذهان الناس بألوان من الأوهام الفاسدة عن التشريع والعقيدة، وما يحل ومايحرم،وصار كثير من المسلمين يعتقدون أن الحلال ما أحلّه فلان في كتاب كذا، وأن الحرام ما حرّمه في كتاب كذا،وأن فلاناً ذكر في معنى الآية الفلانية كذا وكذا.بل وصل الأمر ببعض أهل العلم أن يقول:إن هذا الشيء ثابت في القرآن،لأن فلاناً وفلاناً حملوا عليه بعض آيات الكتاب الحكيم!

ويتابع رحمه الله:“يومئذ تصور الناس القرآن كتابا عزيز المنال، بعيداً عن الأفهام، فهابوه ويئسوا من الوصول إلى معانيه،وتقبلوا فيه وساطة هؤلاء المحتكرين، وتلقفوا من أفواهم ما جادوا به عليهم، واقتنعوا به من القرآن كوسيلة من الوسائل يداوون بها ضعفهم النفسي والاجتماعي، فصاروا لا يعرفون القرآن إلا على نحو من الأنحاء الآتية:

1 ـ التعبد بتلاوته :مجردة عن التدبر والاعتبار لاتعدو أن تكون حركات لفظية تضطرب بها الشفاه، وتغمغم بها الخياشيم ومن وراء ذلك قلوب عليها أقفالها.

2 ـ التبرك به، فاتخذوا منه التمائم والأحجبة والرقي والتعاويذ!

3 ـ استنزال الرحمة به على موتاهم: فجعلوا يستأجرون لذلك القراء المحترفين ليقرأوه في البيوت أحياناً وعلى القبر أحياناً لقاء أجر معلوم،ومال مقسوم.

4 ـ التماسه دواء للأمراض والعلل الجسمية: عن طريق تلاوته أو كتابته أو التبخير به أو محوه بالماء ثم شربه.

5 ـ اتخاذه وسيلة لاستدرار عطف الغادين والرائحين: فتسولوا به في الطرقات وأمام المساجد وعلى أبواب البيوت في صور تنافي الكرامة ولا تتفق مع التقديس.

وهكذا أخذوا ينتفعون بالقرآن، أو بعبارة أدق يستغلون القرآن على هذه الأوضاع المزرية التي لا تليق بكتاب أنزله الحكيم العليم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

ويتابع رحمه الله:“وهكذا هانت على المسلمين أحكام القرآن،بل هانت على المشتغلين بها أنفسهم،ولم يقدروا قيمتها العلمية والعملية حق قدرها،فضعفت هممهم على دراستها وموالاة النظر فيها والانتفاع بهانوصاروا يكتفون منها بالقليل،واستساغوا لكرامتهم أن يفروا من التحصيل والعكوف على العلم بكل ما يستطيعون،وأصبحوا يؤدون ما يؤدون من ذلك في الحدود التي تروقهم وفي الأزمان التي يحددونها،ذلك بأنهم مسوقون إلى العلم بعوامل شخصية لا تمت إلى إرادة العلم والتثقف وخدمة الدين والقرآن بأدهى الأسباب“.

وفي خاتمة البحث أنقل ماذكره العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله(مجلة البيان13/33) يقول معقباً على الآية الكريمة {وقال الرسولُ يارَبِّ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}[الفرقان 30 ]، يقول رحمه الله :

„في شكوى النبي صلى الله عليه وسلم من هجر القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عليه وأبغضها لديه،وفي „حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه،ولما كان الهجر طبقات،أعلاها عدم الإيمان به فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.ونحن ـ معشر المسلمين ـ قد كان منا للقرآن هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين،بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها،وقلنا تلك أدلة سمعية لاتحصل اليقين،وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة واشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة،وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار،مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام،فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر،جافة بلا حكمة،محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة،تفنى الأعمار قبل الوصول إليها،وبيّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوئ الأخلاق ومضارها،وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس،والسلامة من الخيبة بتدسيتها،فهجرنا ذلك كله،ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا،واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع،وعن السنة البيضاء إلى الإحداث والتبدع،وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام،وألقى بين اهلها بذور الشقاق والخصام،وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال اغلالها،والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها ومعارضة هداية القرآن بها

:ويتابع رحمه الله

وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه،ونبهنا على مافيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة لننظر ونبحث ونستفيد ونعمل، فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب وبدائع الزهور والحوت والصخرة وقرون الثور!ودعانا القرآن غلى تدبره وتفهمه والتفكر في أياته،ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه،فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه،فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير ـ كتفسير الجلالين مثلا ـ بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك.وعلمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس مانزل إليهم من ربهم،وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم وينهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن، فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه،حتى إنه ليقلّ في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد ـ من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة فضلاً عن غيرهم من أهل العلم وفضلاً عن غيرها من كتب السنة، وكم وكم وكم بيّن القرآن، وكم وكم وكم ، قابلناه بالصد والهجران

:ويتابع رحمه الله

شر الهاجرين للقرآن الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ماوضعوه عنه،لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم،فكان شرهم متعدياً وبلاؤهم متجاوزاً وشر الشر وأعظم البلاء ماكان كذلك،ويتابع رحمه الله: لانجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن،إلى علمه وهديه،وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي السنة النبوية وشرحه وبيانه،والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين، وهذا أمر قريب على من قرّبه الله عليه،يسير على من توكل على الله فيه، وقد بدت طلائعه ـ والحمد لله ـ وهي أخذة في الزيادة ـ إن شاء الله ـ وسبحان من يحيي العظام وهي رميم “ انتهى كلام الشيخ ابن باديس .

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في مقال بعنوان „دولة القرآن“نشر عام 1953م يقول رحمه الله:

„ما أضاع المسلمين، ومزّق جامعتهم، ونزل بهم إلى هذا الدرك من الهوان إلا بعدهم عن هداية القرآن، وجعلهم إياه عِضِين، وعدم تحكيمهم له في أهواء النفوس ليكفكف منها،وفي مزالق الآراء ليأخذ بيدهم إلى صوابها،وفي نواجم الفتن ليُجلي غماءها،وفي معترك الشهوات ليكسر شِرَّتها،وفي مفارق سُبل الحياة ليهدي إلى أقومها،وفي أسواق المصالح والمفاسد ليميِّز هذه من تلك،وفي مجامع العقائد ليميِّز حقَّها من باطلها،وفي شعب الأحكام ليقطع فيها بفصل الخطاب،وإنَّ ذلك كلَّه لوجود في القرآن بالنصِّ أو بالظاهر أو بالإشارة والاقتضاء،مع مزيد تَعجِز عنه عقول البشر مهما ارتقت،وهو تعقيب كلِّ حُكم بحكمة،وكلِّ أمر بما يُثبِّته في النفس، وكلِّ نهي بما يُنفِّر عنه،لأنَّ القرآن كلام خالق النفوس،وعالم ماتكنُّ وماتبدي،ومركِّب الطبائع،وعالم مايصلح ومايفسد.

ويتابع رحمه الله : “ وهجر المسلمين للقرآن يُردُّ إلى أسباب، بعضها آتٍ من نفوسهم،وبعضها آتٍ من خارجها.فمن الأوَّل:افتتانهم بآراء الناس،وبالمصطلحات التي تتجدَّد بتجدّد الزَّمان،ومع طول الأمد رانت الغفلة،وقست القلوب،وطغت فتنة التقليد،وتقديس الائمة والمشايخ،والعصبية للآباء والأجداد،وغلت طوائف منهم في التعبد، فنجمت ناجمة التصوف والاستغراق،فاختلّت الموازنة التي أقامها القرآن بين الجسم والروح،وغلت طوائف أخرى في … وتوحيده، ونجمت لذلك ناجمة علم الكلام، وما استتبعه من جدل وتأويل وتعطيل، وتشابهت السبل على عامة المسلمين،لكثرة

              هذه الطوائف فكان هذا التفرق الشنيع في الدين وأصوله وفروعه وفي غمرة هذه الفتن بين علماء الدين ضل  الديني على الأمة فاستبدَّ بها الملوك وساقوها في طريق شهواتهم فأفسدوا دينها ودنياها وكان ماكان من هذه العواقب المحزنة

 ومن الثاني تلك الدسائس الدخيلة التي صاحبت تاريخ الإسلام من حركات وبعض المعتقدات المنافية للقرآن إلى ما ادُّخر لزماننا من إلقاء المبشرين والمستشرقين للشبهات في نصوص القرآن عن عمد ليصدوا المسلمين عن هديه وإن خطر هذه الفتنة الأخيرة لأعظم مما يتصوره علماؤنا ويقدره أولياء امورنا .ويتابع رحمه الله:“ ومازلنا نرى من آيات حفظ الله لدينه أن يقوم في كلِّ عصر داعٍ أو دعاة إلى القرآن،وإمام أو أئمة يُوجِّهون الأمة الإسلامية،ومفسرٌ أو مفسرون يشرحون للأمة مُراد الله منه ،ويتناولون تفسيره بالأدوات التي ذكرناها ،ويجعلونه حجة على المذاهب والاصطلاحات،ومنازع الرأي والعقل، وحكماً بينها،وأصلاً ترجع إليه ولا يرجع إليها،ومن المبشِّرات بالخير،ورجوع دولة القرآن ،أنَّ الدعوة إليه قد تجدّدت في هذا الزمان على صورة لم يسبق لها مثيل، وأن أصوات الدعاة المصلحين قد تعالت بذلك ،وتجاوبت وتلاقت على هدىً، تدعو إلى دراسته، واستخراج ذخائره، وإحياء دعوته إلى الفضيلة والخير والمحبة ،وأخذ العقائد والعبادات في كلِّ ما يشجر من خلاف في الدين والدنيا “ انتهى كلام الشيخ الإبراهيمي .

ورحم الله عمر الفاروق: “ يا أهل القرآن! ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق.