الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (6/8)

ووجه الإعجاز في هذا الكتاب الكريم يرجع أيضاً إلى ما أحدثه في حياة العرب من رقي ورفعة وإلى ما أحدثه أيضاً في حياة المسلمين من ثورة،وأنه لم يقف في سبيل العقل الإنساني بل حثّه على النظر والفكر والتدبير واستجلاء الأسرار والعمل لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.وهذا الإعجاز أيضاً يرجع إلى ما أوجده من ترق للأمة العربية على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة الإسلامية في ابان نشأتها وظهورها، وعلى مدار العصور والأزمان“.

ويقول رحمه الله (نفس المرجع السابق ص547):

„وكل ما يجب على المسلم ان يؤمن به،أن كتابه الإلهي يأمر بالبحث والتفكير ولاينهاه عنه ولا يصده عن النظر والتأمل في مباحث الوجود وأسرار الطبيعة وخفايا المجهول كيفما كان،ولكنه لا يأمره بالتماس التوفيق بين نصوصه وبين نظريات العلوم كلما ظهرت منها نظرية بعد نظرية يحسبها العلماء ثابتة مقررة وهي عرضة بعد قليل للنقض أو التعديل، بل لا يأمره الكتاب بالتوفيق بين الكيفيات التي يفهمها العلم والكيفيات التي يقدرها العقل لفهم المسائل الكونية في بداءتها الأولى ونهايتها الأخيرة بين طوايا الغيب المجهول..لأنه لاينبغي أن يعلم ـ عقلاً وعلماً وإيماناً ـ بأن اليوم إذا نسب إلى الإله أو نسب إلى عمر الكون لن يفهم منه أنه يوم من أيام عمر الإنسان، قبل أن يوجد،وقبل أن توجد الأرض التي خلق عليها الإنسان“.

ويقول فيه إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

„معجزة القرآن الكريم هي معجزة خالدة باقية إلى يوم القيامة…والقرآن خاتم الكتب السماوية…ليس له عصر معين في إعجازه ولازمن محدد في تحديد للبشرية كلها…وهو لم يأت ككتاب علم…هذه حقيقة يجب أن نضعها في أذهاننا..ولكنه في نفس الوقت جاء كمعجزة خالدة باقية…ومن هنا فإن فيه إعجازاً لكل العصور…إعجازاً لمن عاشوا قبلنا وإعجازاً لعصرنا هذا وإعجازاً لمن سيأتون بعدنا..حتى تنتهي الدنيا وما فيها..والقرآن جاء لينذر من كان حيّاً..ومن هنا فإنه موجه إلى الأحياء..وتحديه هو بالنسبة لمن يقيمون على هذه الأرض…وليس لمن انتقلوا منهالا إلى العالم الآخر…فأولئك يرون عين اليقين..ويعرفون الحق بعد مغادرتهم الدنيا..ويتابع رحمه الله:“ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم وهي القرآن وهو صفة من صفات الله وهي كلامه…والفعل باق بإبقاء الفاعل له…والصفة باقية ببقاء الفاعل نفسه.

ومن هنا كانت هناك معجزات للقرآن..وقت نزوله وفي خلال فترة نزوله وبعد نزوله…وهي مستمرة حتى يومنا هذا وستستمر إلى قيام الساعة لتظهر لنا آيات الله في الأرض.

ويتابع رحمه الله:

„القرآن مزق حواجز الغيب ،حينما جاء القرآن تحدى في أشياء كثيرة،أولها أنهى مزق حواجز الغيب…مزق حواجز الزمان والمكان،كيف ذلك؟حواجز الغيب ثلاثة:أولها حاجز المكان،أي أن أشياء تحدث في نفس اللحظة،ولكن لا أعرف عنها شيئاً،لأنها تحدث في مكان وأنا موجود في مكان آخر،ثم هناك حاجز الزمان الماضي وهو شىء حجبه عني زمن مضى،فأنا لم أشهدع،وحاجز المستقبل وهو ما سيحدث غداً…لأن حاجز الزمان المستقبل قد حجب عني فلم أشهده.إذن فحواجز الغيب ثلاثة:حاجز المكان،وحاجز الزمان الماضي،وحاجز الزمن المستقبل…إذا قرأنا القرآن وجدنا أنهى يمزق حاجز الزمان الماضي فيخبرنا بما حدث للأمم السابقة ويروي لنا قصص الرسل السابقين،ويحكي لنا أشياء لم يكن أحد يعرفها.وعلى لسان من؟على لسان نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب،يحكي إذاً أسرار الماضي ويتحدى الذين يكذبون.مزق له الله حجاب وحاجز الزمن الماضي.

ثم جاء الأمر الثاني فمزق الله حجاب المكان لمحمد عليه الصلاة والسلام وجاء في أمر من أدق الأمور وهو حديث النفس..فالقرأن يقول لهم لقد هتكت حاجز الماضي وأخبرتكم بأنباء الأولين ويقول لهم سأهتك حاجز النفس وأخبركم بما في أنفسكم،بما في داخل صدوركم،بما لم تهمس به شفاهكم،وكان يكفي لكي يكذبوا محمداً أن يقولوا لم تحدثنا أنفسنا بهذا،لو لم يقولوها بالفعل داخل أنفسهم لكان ذلك أكبر دليل لكي يكذبوا محمداً ويعلنوا أنه يقول كلاماً غير صحيح،إذاً فالقرآن في هتكه لحجاب المكان،دخل إلى داخل النفس البشرية،وإلى داخل نفوس من …إلى داخل نفوس غير المؤمنين الذين يهمهم هدم الإسلام،وقال في كلام متعبد بتلاوته لن يتغير ولايتبدل:{ألم ترَ إلى الذين نُهوا عن النَّجوى ثمَّ يعودونَ لما نُهوا عنهُ ويتناجونَ بالإثمِ والعدوانِ ومعصيةِ الرسولِ  وإذا جاءوكَ حيَّوكَ بما لم يُحيَّكَ به اللهُ ويقولونَ في أنفسهِم لولا يُعذبُنا الله بما نقولُ حَسبهُم جهنمُ يصلونَها فبئسَ المصيرُ}المجادلة 8].

النفس البشرية وهي من أدقّ أسرار الدنيا التي لم يستطع على أن يصل إليها حتى الآن فإذا بالقرآن يأتي متحدياً بكلام متعبد به إلى يوم القيامة نلايستطيع أحد تبديل حرف فيه ليكشف ما في داخل النفس،ويعري ماتكتمه عن الناس جميعاً،وما هي حريصة على كتمانه.

ثم بعد ذلك كله مزق القرآن حجاب المستقبل،انظر إلى قوله تعالى:{سيُهزمُ الجمعُ ويُولُّونَ الدُّبُرَ}[القمر 45]،لقد نزلت سورة القمر هذه في مكة والمسلمين قلة،حتى أن عمر بن الخطاب قال: أي جمع هذا الذي سيهزم ونحن لا نستطيع أن نحمي أنفسنا وهكذا يتنبأ القرآن بان الإسلام سينتصر في مكة.والأمثلة متعددة.“.

وقال فيه الشهيد سيد قطب رحمه الله :

„القرآن كتاب دعوة،ودستورنظام،ومنهج حياة،لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ،وفي سياق الدعوة تجئ القصص المختارة بالقدر او بالطريقة التي تناسب الجو والسياق،وتحقق الجمال الفني الصادق،الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق،ولكن يعتمد على إبداع العرض وقوة الحق وجمال الأداء“.

وقال فيه أيضاً(الرسالة العدد 987 ـ بتاريخ الثاني من حزيران عام 1952):

„عجيب هذا القرآن!يقرؤه القارىء ويعيده،ويحفظه ويرتله،ويفسره ويفهمه،ويخيل إليه أنه قد استوعب معانيه،وأدرك مراميه،ويمر بالنصوص بعد هذا مراً عابراً،غير متوقع أن يجد فيها جديداً غير ما فهمه منها ووعاه.

وفجأة يتلو أو يستمع فإذا انبثاقات جديدة عجيبة للكلمة وللآية تلتمع في الذهن والحس والقلب،لم تخطر من قبل أبداً،وإذا آفاق من التأملات والمشاعر والتأثيرات تتفتح،لا يدري أين كانت مخبوءة في النص الواضح البسيط!

وهكذا يبدو أن رصيد هذا الكتاب العجيب الخالد لا يغني ولا ينتهي،وأن معين الإلهام فيه لا يضمحل ولا يغيض،وأن الدنيا ستظل تكتشف فيه آفاق،كلما استعدت طاقاتها لتلقي ما فيه من إيحاءات:{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} .[فصلت 53].

ويقول أيضاً رحمه الله في موضع آخر:“إن القرآن ليس كتاباً للتلاوة ولا للثقافة…وكفى..إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة،وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث!ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة،متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب،ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب“

ويقول أيضاً:“مات القرآن في حسنا..أو نام..ولم تعد له تلك الصورة الحقيقية التي كانت له عند نزوله في حس المسلمين.ودرجنا على أن نتلقاه إما ترتيلاً منغماً نطرب به،أو نتأثر التأثر الوجداني الغامض السارب!وإما أن نقرأهأوراداً اقصى ما تصنع في حس المؤمنين الصادقين منا أن تنشىء في القلب حالة من الوجد أو الراحة أو الطمأنينة المبهمة المجملة.

والقرآن ينشىء هذا كله.ولكن المطلوب ـ إلى جانب هذا كله ـ أن ينشىء في المسلم وعياً وحياة.المطلوب أن ينشىء حالة وعي يتحرك معها القرآن حركة الحياة التي جاء لينشئها“.

ويقول أيضاً:“والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن وقراءته والإطلاع على علومه..إن هذا ليس“جو القرآن“ الذي نعنيه…إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن:هو أن يعيش الإنسان في جو،وفي ظروف،وفي حركة،وفي معاناة،وفي صراع،وفي اهتمامات…كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن..أن يعيش الإنسان في مواجهة هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم ،وفي قلبه وفي همه، وفي حركته،أن „ينشىء“ الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس،وفي حياته وفي حياة الناس ،مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية.بكل تصوراتها،وكل اهتماماتها،وكل تقاليدها،وكل واقعها العملي،وكل ضغطها كذلك عليه،وحربها له،ومناهضتها لعقيدتها الربانية،ومنهجه الرباني،وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة،بعد الكفاح والجهاد والإصرار.

هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان،فيتذوق هذا القرآن..فهو في مثل هذا الجو نزل،وفي مثل هذا الخضم عمل..والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والإطلاع على علومه“.

ويقول  الشهيد  سيد قطب  رحمه الله (الظلال ـ سورة الطور):

„إن في هذا القرآن سمواً خاصاً،يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء،قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها.إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن.يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير.وأن هنالك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن.يدركه بعض الناس واضحاً ويدركه بعض الناس غامضاً،ولكنه على كل حال موجود.هذا العنصر الذي ينسكب في الحس،يصعب تحديد مصدره،أهو العبارة ذاتها؟أهو المعنى الكامن فيها؟أهو الصور والظلال التي تشعها؟أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟أم أنها هي وشىء آخر وراءها غير محدود؟

ذلك سر مودع في كل نص قرآني،يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء…ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله…

في التصور الكامل الصحيح الذي ينشئه في الحس والقلب والعقل.التصور لحقيقة الوجود الإنساني،وحقيقة الوجود كله،وللحقيقة الأولى التي تنبع منها كل حقيقة.حقيقة الله سبحانه…وفي الطريقة التي يتبعها القرآن لبناء هذا التصور الكامل الصحيح في الإدراك البشري،وهو يخاطب الفطرة،خطاباً خاصاً،غير معهود مثله في كلام البشر أجمعين،وهو يقلب القلب من جميع جوانبه ومن جميع مداخله،ويعالجه علاج الخبير بكل زاوية وكل سر فيه.وفي الشمول والتوازن والتناسق بين توجيهاته كلها،والاستواء على أفق واحد فيها كلها،مما لايعهد إطلاقاً،في أعمال البشر،التي لا تستقر على حالة واحدة،ولا تستقيم على مستوى واحد،ولا تحيط هكذا بجميع الجوانب،ولا تملك التوازن المطلق الذي لا زيادة فيه ولا نقص ،ولا تفريط فيه ولا إفراط،والتناسق المطلق الذي لا تعارض فيه ولا تصادم سواء في ذلك الأصول والفروع.فهذه الظواهر المدركة من أمثالها…مع ذلك السر الخافي الذي لا سبيل إلى انكاره…مما يسيغ على هذا الكتاب سمة الإعجاز المطلق في جميع العصور.وهي مسألة لا يماري فيها إنسان يحترم حسه، ويحترم نفسه،ويحترم الحقيقة التي تطالعه بقوة وعمق ووضوح،حيثما واجه هذا القرآن بقلب سليم{فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}[الطور 34].

وقال تعالى:{وقال الَّذينَ كفروا لولا نُزِّلَ عليهِ القُرآنُ جُملةً واحدةً كذلكَ لِنُثَبِتَ بهِ فؤادَكَ ورتلناهُ ترتيلاً}[الفرقان 32].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة،وينشىء مجت،ويقيم نظاماً.والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة،وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع.والنفس البشرية لا تتحول تحولاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد،إنما تتأثر يوماً بعد يوم بطرف من هذا المنهج،وتتدرج في مراقيه رويداً رويداً،وتعتاد على حمل تكاليفه شيئاً فشيئاً،فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخماً ثقيلاً عسيراً.وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعداداً للانتفاع بالوجبة التالية،وأشدّ قابلية لها والتذاذاً بها.

ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل.وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها.فجاء لذلك مُنجماً وفق الحاجات الحية للجماعات المسلمة وهي في طريق نشأتها ونموها،ووفق استعدادها الذي ينمو يوماً بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق.

من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلاً .يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبته على طريقه،ويتتابع على مراحل الطريق رتلاً بعد رتل،وجزءاً بعد جزء.

„{كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً}[الفرقان 32]

والترتيل هنا هو التتابع والتوالي وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك القلوب واستعدادها للتلقي…ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقته مرتلاً متتابعاً،وتأثرت به يوماً بعد يوم،وانطبعت به أثراً أثراً.فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج،واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة،وكتاب تعبد للتلاوةفحسب،لا منهج تربية للانطباع والتكيف،ومنهج حياة للعمل والتنفيذ.لم ينتفعوا من القرآن بشىء،لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير“.

قال تعالى:{ولو أنَّ قرآناً سُيّرتْ بهِ الجبالُ أو قُطّعتْ بهِ الأرضُ أو كُلِمَ به الموتى}[الرعد 31].

يقول سيد قطب رحمه الله:“ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته،وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى.لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثاراً في أقدار الحياة،بل أبعد أثراً في شكل الارض ذاته.فكم غيّر الإسلام والمسلمون من وجه اارض إلى جانب ما غيّروا من وجه التاريخ؟!

وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها.طبيعته في دعوته وفي تعبيره .طبيعته في موضوعه وفي أدائه.طبيعته في حقيقته وفي ؤتأثيره.

إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة،يحسها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام،واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به.والذين تلقوه وتكيّفوا به سيّروا ما هو أضخم من الجبال،وهو تاريخ الأمم والأجيال،وقطعوا ما هو أصلب من الأرض،وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد،وأحيوا ما هو أخمد من الموتى،وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام.“.

ويقول فيه أيضاً في الظلال {طسم*تلك آيات الكتاب المبين}[الشعراء 1 ـ 2]:

„ولكنه سبحانه لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة.لقد جعل آيتها القرآن.منهاج حياة كاملة معجزاً في كل ناحية:

ـ معجزاً في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني،باستقامته على خصائص واحدة،في مستوى واحد لا يختلف ولا يتفاوت،ولا تتخلف خصائصه كما هي الحال في أعمال البشر.إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد،المتغير الحالات.بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد،ومستوى واحد،ثابت لا يتخلف،يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال.

ـ معجزاً في بنائه الفكري،وتناسق أجزائه وتكاملها،فلا فلتة فيه ولا مصادفة…كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل،وتحيط الحياة البشرية،وتستوعبها،وتلبيها وتدفعها،دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهاج الشامل الضخم مع جزئية أخرىنودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها…وكلها مشدودة إلى محور واحد وإلى عروة واحدة،في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة،ولا يمكن أن تكون هناك خبرة مطلقةنغير مقيدة بقيود الزمان والمكان.هي التي أحاطت له هذه الإحاطة ونظمته هذا التنظيم.

ـ معجزاً في يُسر مداخله إلى القلوب والنفوس،ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها،واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها،وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين،وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات،دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة.

لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة هذه الرسالة ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها وتضطرها إلى التسليم،ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفقتوحة  للأمم كلها،وللأجيال كلها.وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان .فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب.لكل أمة ولكل جيل.والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها،ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى،لا واقعاً يشهد…فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً كتاب مفتوح ومنهج مرسوم،يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم ـ لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم ـ ويلبي حاجاتهم كاملة،ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل وأفق أعلى،ومصير أمثل،وسيجد فيه من بعدنا كثيراً مما لم نجد نحن،ذلك إنه يعطي كل طالب بقدر حاجته،ويبقى رصيده لا ينفد،بل يتجدد ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى“.

يقول تعالى:{فلا تُطعِ الكافرينَ وجاهدهم بهِ جهاداً كبيراً}[الفرقان 52].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان،والتأثير العميق،والجاذبية التي لا تقاوم ما كان يهزُّ قلوبهم هزّاً،ويزلزلُ أرواحهم زلزالاً شديداً، فيُغالبون أثره بكلِّ وسيلةٍ،فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً“.

ويقول الأستاذ محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله:

„وإنّ في القرآن من الحقِّ الفطري لما يصل القلبَ مباشرةً بالنبع الأصيل،فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوّار،وأن يصدَّ عنه تدفقُ التيار،وأنّ فيه من مشاهد القيامة،ومن القصص،ومن مشاهد الكون الناطقة،ومن مصارع الغابرين،ومن قوة التشخيص والتمثيل،لما يهزُّ القلوب هزاً لا تملك معه قرارا،وإن السورة الواحدة لتهزّ الكيان الإنساني في بعض الأحيان،وتأخذ على النفس أقطارها ما لا يأخذه جيشٌ ذو عدّة وعتاد.فلا عجب مع ذلك أن يأمر الله نبيّه ألا يطيع الكافرين،وألا يتزحزح عن دعوته،وأن يُجاهد بهذا القرآننفإنما يُجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر،ولا يثبت لها جدال أو محال“.

وقال فيه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(مجلة الأخوة الإسلامية العدد الأول بتاريخ 21 نوفمبر 1952م):

„فالذي صلح به أول هذه الأمة، حتى أصبح سلفاً صالحاً،هو هذا القرآن الذي وصفه مُنزله بأنه إمام وأنه موعظة،وأنه نور وأنه بيّنات،وأنه برهان وأنه بيان،وأنه هدىً،وأنه فرقان،وأنه رحمة،وأنه شفاء لما في الصدور،وانه يهدي للتي هي أقوم،وأنه لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأنه قول فصل،وماهو بالهزل.ووصفه من أُنزل على قلبه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بأنه لايخلق جديده ولايبلى على الترداد ولاتنقضي عجائبه،وبأن فيه نبأ من قبلنا وحكم مابعدنا،ثم هو حجة لنا أو علينا.ويتابع رحمه الله:

„القرآن هو الذي أصلح النفوس التي انحرفت عن صراط الفطرة وحرّر العقول من ربقة التقاليد السخيفة وفتح أمامها ميادين التأمل والتعقّل ثم زكّى النفوس بالعلم والأعمال الصالحة وزيّنها بالفضائل والآداب،والقرآن هو الذي اصلح بالتوحيد ما أفسدته الوثنية،وداوى بالوحدة ماجرحته الفرقة واجترحته العصبية،وسوّى بين الناس في العدل والإحسان فلا فضل لعربي ـ إلا بالتقوى ـ على أعجمي،ولاملك على سوقة إلا في المعروف،ولا لطبقة من الناس فضل مقرّر على طبقة أخرى.والقرآن هو الذي حلّ المشكلة الكبرى التي يتخبّط فيها العالم اليوم ولايجد لها حلاً،وهي مشكلة الغنى والفقر،فحدّد الفقر كما تحدد الحقائق العلمية،وحث على العمل كما يحث على الفضائل العملية،وجعل بعد ذلك التحديد للفقير حقاً معلوماً في مال الغني يدفعه الغني عن طيب نفس لأنه يعتقد أنه قربة إلى الله، ويأخذه الفقير بشرف لأنه عطاء الله وحكمه،فإذا استغنى عنه عافه كما يعاف المحرم. فلا تستشرف إليه نفسه ولاتمتد إليه يده.وكذلك وضع القرآن الحدود بين الحاكمين والمحكومين،وجعل القاعدة في الجميع هذه الآية: :{ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه}[الطلاق1]،وإن في نسبة الحدود إلى الله لحكمة بالغة في كبح أنانية النفوس.ويتابع:“القرآن إصلاح شامل لنقائص البشرية الموروثة،بل اجتثاث لتلك النقائص من أصولها. وبناء للحياة السعيدة التي لايظلم فيها البشرولايهضم له حق على أساس من الحب والعدل والإحسان.والقرآن هو الدستور السماوي الذي لانقص فيه ولا خلل: فالعقائد فيه صافيةن والعبادات خالصة، والأحكام عادلة،والآداب قويمة،والأخلاق مستقيمة،والروح لايهضم لها فيه حقن والجسم لا يضيع له مطلب. هذا  القرآن هو الذي صلح عليه أول هذه الأمة وهو الذي لايصلح آخرها إلا عليه“

وقال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقال أخر بعنوان“دولة القرآن“ :

„القرآن كتاب الكون،لاتُفسِّره حقَّ التفسير إلا حوادث الكون.والقرآن كتاب الدعوة،لاتكشف عن حقائقه العليا إلا تصاريف الدهر.والقرآن كتاب الهداية الإلهية العامة،فلايفهمه إلا المستعدون لها.والقرآن(لايبلى جديده، ولاتنقضي عجائبه).جاء القرآن لهداية البشر وإسعادهم،والاهتداء به متوقِّف على فهمه فهماً صحيحاً،وفهمه الصحيح متوقف على أمور:منها فقه أسرار اللسان العربي فقهاً ينتهي إلى مايُسمى ملكة وذوقاً،ومنها الإطلاع الواسع على السنة القولية والعملية،التي هي شرح وبيان للقرآن،ومنها استعراض القرآن كله عند التوجه إلى فهم آية منه أو إلى درسها،لأن القرآن كلٌّ لايختلف أجزاؤه،ولايزيغ نظمه،ولا تتعاند حُجَجه،ولا تتناقض بيّناته،ومن ثمَّ قيل: إن القرآن يُفسِّرُ بعضه بعضاً،بمعنى أنَّ مبيِّنه يشرح مجمله،ومُقيَّده يبين المراد من مطلقه،إلى آخر الأنحاء التي جاء عليها القرآن في نظمه البديع،وترتيبه المعجز،ومنها الرجوع في مناحيه لبعضها،وكلُّ هذه الأمور لاتتهيأ إلا لصاحب الفطرة السليمة،والتدبُّر العميق،والقريحة اليقظة،والذهن الصافي،والذكاء الوهاج.ويتابع رحمه الله : „والقرآن حُجَّة على غيره،وليس غيره حجة عليه،فبئس ماتفعله بعض الطوائف الخاضعة للتمذهب من تحكيم الاصطلاحات المذهبية، والآراء الفقهية،أو العقلية فيهنوإرجاعه بالتأويل إليها إذا خالفته.ومن الخطل،بل من الخذلان المفضي بصاحبه إلى مايُستعاذ منه أن يجعل الرأي الاجتهادي غير المعصوم أصلاً،ويجعل القرآن المعصوم فرعاً،وأن يعقد التوازن بين كلام المخلوق وكلام الخالق، إنَّ هذا لهو الضلال البعيد“.

وقال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أيضاً:

„كيف يشقى المسلمون وعندهم القرآن الذي أسعد سلفهم؟أم كيف يتفرقون ويضلون وعندهم الكتاب الذي جمع أولهم على التقوى؟فلو أنهم اتبعوا القرآن وأقاموا القرآن لما سخر منهم الزمان وأنزلهم منزلة الضعة والهوان.

أما أن المسلمين الأولين سعدوا بالقرآن واتباع الرسول فهذا لا مراء فيه.وبهذه الروح القرآنية اندفعت تلك النفوس باصحابها تفتح الآذان قبل البلدان،وتمتلك بالعدل والإحسان الأرواح قبل الأشباح،وتعلن في صراحة القرآن وبيانه حقوق الله على الإنسان،وحقوق الإنسان في ملك الله،وحقوق الإنسان على أخيه الإنسان.إن الذي صنع هذا كله ـ وأبيك ـ للقرآن.

إن القرآن الكريم هو هذه الأحزاب الستون التي نقرأها اليوم بألفاظها وحروفها ونقوشها،منقولاً بالتواتر القطعي،محفوظاً بحفظ الله من كل ما أصاب الكتب السماوية من قبله من النسيان والتبديل وتحريف الكلم عن مواضعه.كبر بتواتره عن الإسناد والمسندين،وشهادة المعدلين والمجرحين ،قد نيّف على ثلاثة عشر قرناً ولم يشك المسلمون في حرف منه فضلاً عن كلمة،وفي الأرض عدد حصاها أعداء له يتمنون بقاصمة الظهر أن لو ينطفىء نوره،ويستسر ظهوره،ويرضخون في سبيل محوه من الأرض بما كسبت الأيدي واحتقبت الخزائن من الأموال ،وبما أخرجت بطون النساء من الرجال،وبما أنتجت القرائح من مكر واحتيال وكيد ومحال.فلم ينالوا منه نيلاً إلا مضضا تنطوي عليه جوانحهم،ووغراً تنكسر عليه صدورهم،وشجى تنثني عليه لهواتهمنوحقداً تغلي مراجله في نفوسهم، وقد أبقاهم الله وأبقى لهم منه المقيم المقعد وهم بهذا الحال وهو بهذا الحال إلى يومنا هذا،فلينم المسلمون ملء جفونهم،ولينعموا بالاً من هذه الناحية،وليعلموا أن القرآن أثتيَ من قبلهم…

إن السر كل السر في القرآن الكريم في تدبره وفهمه،وفي اتباعه والتخلق باخلاقه.هذه هي الطريقة الواحدة التي اتبعها المسلمون الأولون فسعدوا باتباعها والاستقامة عليها.وهذا هو الإسلام متجلياً في آيات القرآن ،دين واحد جاء به نبي واحد عن إله واحد،وما ظنك بدين تحفه الوحدة من جميع جهاته؟أليس حقيقاً أن يسوق العالم إلى عمل واحد وغاية واحدة واتجاه واحد على السبيل الجامعة من عقائده وآدابه؟أليس حقيقاً أن يجمع القلوب التي فرقت بينها الأهواء،والنفوس التي باعدت بينها النزعات،والعقول التي فرق بينها تفاوت الاستعداد؟

بلى والله إنه لحقيق بكل ذلك“.

وقال الأستاذ محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

„نعم،إن القرآن الكريم هو أعظم دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم،الذي كان قومه يصفونه قبل النبوة بالصادق الأمين،وقد لبث فيهم أربعين سنة لم يسمعوا منه شيئاً مثل القرآن،ثم أوحى الله إليه هذا الكتاب فبلّغهم رسالة الله، يقول تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم ولا أدراكُم به فقد لبثتُ فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون* فمن أظلمُ ممن افترى على الله كذباً أو كذبَ بآياته إنه لا يُفلحُ المجرمون} [يونس 16 ـ 17]، ويتابع:“ وكان القرآن معجزاً للعرب ذوي الفصاحة وأولي البلاغة،تحداهم فلم يقدر احد منهم على معارضته،وقد قرر القرآن أن مجرد سماع العرب لآياته حُجّة كبرى عليهم، وكفى بهذا دليلاً على إعجازه،{وقالوا لولا أُنزل عليه آياتٌ من ربه قل إنّما الآيات عند الله وإنّما أنا نذيرٌ مبين* أو لم يكفِهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم} [العنكبوت 50 ـ 51].

وقال الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(الرسالة العدد 147):

„فالقرآن رفع مستوى العقل إلى درجة يستطيع فيها التفكير الصحيح بما حارب من خرافات وأوهام،وعبادة أصنام،وبما حث على النظر في الكون ومراقبة تغيراته،واختلاف مظاهره،ودوام حركاته،وبتوجيه العقل إلى أن وراء كل المظاهر المختلفة وحدة،فالناس على اختلاف ألسنتهم ، وألوانهم يرجعون إلى أصل واحد هو آدم وحواء،والبحار والأنهار المختلفة كلها ترجع إلى ما أنزل من السماء من ماء،والعالم كله يرجع إلى وحدة الخالق{ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}[الملك3].فهذه الوحدة في العالم تحمل على التفكير الصحيح والثقافة العميقة والنظر الفلسفي الروحي.فالقرآن من ناحية فكّ قيود العقل،وهذا هو العامل السلبي،ومن ناحية أخرى أخذ بيده ليشرف على العالم من مرقب عال،وهذا هو العامل الإيجابي“.

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية(سفير):

„الإعجاز“ في اللغة:مصدر للفعل“أعجز“،ومعناه:نسبةُ العجزِ إلى الغير،وإثباته له.يقال: أعجز الرجل أخاه،إذا أثبت عجزه عن الشىء.وأعجز القرآن الناس:أثبت عجزهم عن أن يأتوا بمثله.

والعجز في اللغة هو:القصورُ عن فعل الشىء،وعدم القدرة على ذلك.

وقد وردت بعض مشتقات كلمة“إعجاز“ في القرآن الكريم في قوله تعالى:{وإن توليتم فاعلموا أنّكم غيرُ مُعجزي الله}[التوبة 2].

كما وردت في السنّة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم:„أيَعجزُ أحدُكم أن يقرأ في ليله ثُلثُ القرآن؟قالوا:وكيف يقرأ ثلُثَ القرآن؟قال:“قل هو الله أحد“تعدل ثلثَ القرآن}[صحيح مسلم].

والقرآن الكريم معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الباقية الخالدة،بمعنى أن العجز عن محاكاتها،والإتيان بمثلها دائم مستمر في كل زمان ومكان،ذلك بالإضافة إلى المعجزات الحسية الأخرى،التي أُيّد بها خاتم الأنبياء،وغيره من إخوانه عليهم الصلاة والسلام،كنبع الماء من بين أصابعه،وتسليم الحجر والشجر عليه،وكعصا موسى عليه السلام،وإحياء عيسى للموتى،ونزول المائدة من السماء.

ولا يتحقق“الإعجاز“ أي إثبات العجز للغير إلا إذا توافرت أمور ثلاثة هي:

1 ـ التحدي:وهو طلب المباراة،والمنازلة،والمعارضة.

2 ـ أن يوجد المقتضى،الذي يدفع المتحدّي إلى المباراة،والمنازلة،والمعارضة.

3 ـ أن ينتفى المانع،الذي يمنعه من هذه المباراة.

أما التحدّي فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس:“إني رسول الله إليكم،وبرهاني على ذلك:هذا القرآن،الذي أتلوه عليكم،لأنه أُوحى إليّ به من عند الله.فلما أنكروا عليه دعواه،قال لهم:إن كنتم في ريب من أنه من عند الله،وتبادر إلى عقولكم أنه من صنع البشر،فأتوا بمثله،أو بعشر سور مثله،أو بسورةٍ من مثله،وتحدّاهم وطلب منهم هذه المعارضة بعبارات تستفز العزيمة،وتدعو إلى المباراة،وأقسم أنه ما كان لهم أن يأتوا بمثله،ولو كان بعضهم عوناً لبعض.

يقول الله عزّ وجلّ:{قُلْ لئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بمثلهِ ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا}[الإسراء 88].

وأما وجود المقتضى والمسوّغ للمباراة والمعارضة عند من تحداهم،فهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان،لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه رسول الله،وجاءهم بدين يبطل دينهم،وما وجدوا عليه آباءهم،وسفّه عقولهم،وسخر من أوثانهم،واحتج على دعواه بأن القرآن من عند الله،وتحداهم أن يأتوا بمثله ـ كله أو بعضه ـ ليبطلوا أنه من عند الله،ولُيدحضوا حجّة محمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول الله،وبهذا ينصرون آلهتهم،ويدافعون عن دينهم.

وأما انتفاء ما يمنعهم من معارضته،فلأن القرآن بلسان عربيّ،وألفاظه من أحرف العرب الهجائية،وعباراته على أسلوب العرب،وهم أهل البيان،وفيهم ملوك الفصاحة وقادة البلاغة،وميدان سباقهم مملوء بالشعراء والخطباء والفصحاء،في مختلف فنون القول.

هذا من الناحية اللفظية،أما من الناحية المعنوية،فقد نطقت أشعارهم وخطبهم ومناظراتهم بأنهم ناضجو العقول،وذوو بصر بالأمور وخبرة بالتجارب.وقد دعاهم القرآن في تحدّيه أن يستعينوا بمن شاءوا ويستكملوا ما ينقصهم،ويتموا عدّتهم.

قال تعالى:{أم يقولونَ افتراهُ قل فأتوا بسورةٍ مثلهِ وادعوا من استطعتم من دونِ الله إن كنتم صادقين}[يونس 38].

ويقول سبحانه وتعالى:{أم يقولونَ افتراهُ قلْ فأتوا بعشرِ سُورٍ مثلهِ مُفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين*فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أُنزلَ بعلمِ الله وأن لا إله إلا هوَ فهل أنتم مسلمون}[هود 13 ـ 14].

ففي الآيات السابقة:تحدٍّ لكل معارض للقرآن،وقد طلب منهم أن يأتوا بمثله،أو بعشر سور مثله،أو بسورة مثله.أما هذا التحدي فقد تنازل عن طلب المثل،واكتفى بطلب ماهو قريب منه،قال تعالى:{فأتوا بسورةٍ من مثله}[البقرة 23]أي مما هو قريب منه.

ولقد كان من المتوقع أن يستثير هذا التحدي حميّة العرب،ويحفز همتهم إلى معارضته،ولكنهم عجزوا ـ على الرغم من أن ما طُلب منهم هو من جنس ما نبغوا فيه ـ فاتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكهانة،والجنون،والسحر،وتأليف القرآن.

يقول الله سبحانه وتعالى:{فَذَكر فما أنتَ بنعمةِ ربّكَ بكاهنٍ ولا مجنونٍ*أم يقولونَ شاعرٌ نتربّص بهِ رَيبَ المنونِ*قل تربَّصوا فإنّي معكم من المُتربصين*أم تامرُهم أحلامهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ*أم يقولونَ تقوَّلهُ بل لايؤمنون*فليأتوا بحديثٍ مثلهِ إن كانوا صادقينَ}[الطور 29 ـ 34].

لقد تخبّطوا في مواجهة تحدي القرآن لهم،ولكنهم فيما بينهم وبين أنفسهم كانوا يحسون روعته،ويوقنون أنه ليس من صنع البشر،وأنهم عاجزون عن معارضته.

وقد رُوى أن الوليد بن  المغيرة قد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة“غافر“ قوله تعالى:{حم*تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ العليم}[غافر 1 ـ 2].إلى قوله تعالى:{إليه المصير}.

قال الوليد بن المغيرة:“والله لقد سمعت منه كلاماً،ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن،وإنّ له لحلاوة،وإنّ عليه لطلاوة،وإنّ أعلاه لمثمر،وإن أسفله لمغدِق،وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه،وما يقول هذا بشر“.

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى القول بأن العجز عن معارضة القرآن،والاستجابة لتحدّيه يرجع إلى:فصاحة ألفاظه،وبلاغة أساليبه،وخفّته على اللسان،وحسن وقعه في السمع،وأخذه بمجامع القلوب،وإخباره بأمور مغيبة ـ ماضية أو مستقبله ـ واشتماله على أخلاق سامية فاضلة،وشريعة عادلة كاملة،صالحة لكل الناس في جميع البقاه والأجيال،ثم سلامته ـ مع ذلك ـ من التعارض والتناقض.

قال تعالى:{أفلا يتدبرونَ القرآن ولو كان من عند غيرِ الله لوجدوا فيهِ اختلافاً كثيراً}[النساء 82].

وقد اجتمعت في القرآن الكريم كل هذه الصفات،مع أن الذي جاء به أُميّ فقير،وتربّى بين قوم مشركين،ولم يجلس إلى مُعلّم،ولم يخطَّ بيمينه حرفاً.

قال تعالى:{وما كُنتَ تتلو من قبلهِ من كتابٍ ولا تخطُّهُ بيمينك إذاً لارتابَ المُبطلون*بل هوَ آياتٌ بيناتٌ في صدورِ الذينَ أُوتوا العلمَ وما يجحدُ بآياتنا إلا الظالمون}[العنكبوت 48 ـ 49].

هذا إلى ماثبت بالتجربة من رُقي الأفراد والجماعات التي تهتدي بهديه،وتقوم على قواعده،وتأليفها أمة مثالية،لم يشهد التاريخ لها نظيرا“.

وقال الأستاذ نجيب محفوظ تعليقاً على كتاب“التصوير الفني في القرآن لسيد قطب(مجلة الرسالة العدد 616)*:

„ذلك أن كتاباً خالداً كالقرآن لا يعطي كل أسراره الجمالية لجيل من الأجيال مهما كان حظه من الذوق وقدرة في البيان،فللجيل الحاضر عمله في هذا الشأن،كما سيكون للأجيال القادمة عملها.ألم نقرأ القرآن؟بلى.وحفظنا ـ في زمن سعيد مضى ـ ما تيسر من سوره وآياته،وكان ـ وما يزال ـ له في قلوبنا عقيدة وفي وجداننا سحر،بيد أنه كان ذاك السحر الغامض المغلق،تحسه الحواس،ويهتز له الضمير،دون أن يدركه العقل أو يبلغه التذوق،فجاء كتابك كالمرشد للقارىء والمستمع العربي من أبناء جيلنا،يدله على مواطن الحسن ومطاوي الجمال،ويجلى له أسرار السحر ومفاتن الإبداع.كان القرآن في القلب فصار ملء القلب والعين والأذن والعقل جميعاً“.

وقال العالم والمؤرخ العظيم ابن خلدون رحمه الله(مقدمة ابن خلدون):

„ولدت علوم العربية حول القرآن الكريم،فقد كان نزوله ـ معجزة عقلية خالدة على محمد صلى الله عليه وسلم ـ مبعث نهضة فكرية لم يعرف العرب مثيلاً لها.وكأنما كان هذا الكتاب العظيم الجذوة التي أوقدت في النفوس روح البحث والتأمل،وحفزتها إلى النظر والتأليف.فبدأت توضع العلوم،وتقعّد القواعد،خدمة للقرآن الكريم،وإمعاناً في تفهمه ومعرفة أحكامه،ورغبة في استكناه أسراره ودقائقه.ثم راحت شُعب البحث تضرب في كل اتجاه،وتنسرب إلى كل غاية.

يقول الدكتور وليد قصاب (أحد مقالات نشرت في مجلة المجمع العربي بدمشق تحت عنوان „قضية إعجاز القرآن“:

„ترك لنا الجاحظ عدداً من الأراء والنظرات التي تتصل بقضية إعجاز القرآن،ومنها:

القرأن حجّة للرسول:

أعلن الجاحظ أن القرآن الكريم حجة من حجج النبوة،وهو إحدى معجزات محمد عليه الصلاة والسلام،وهو معجزة بلاغية عقلية،وهو المعجزة الرئيسية الكبرى التي وقع بها التحدي،وإنما كان على هذه الصفة بالذات لأن سنة الله في الكون قد جرت أن تكون معجزات أنبيائه ـ وهي في العادة أمور تخالف السنن الكونية وتشذ عن النواميس الطبيعية ـ أموراً من جنس ما استحكم في زمانهم،وغلب على خاصتهم،حتى يكون ذلك أعمق في الحجة،وابلغ في الدليل،وأبعد عن أن يتخذ المبطلون منه سبيلاً إلى اختداع الضعفاء.كانت معجزة موسى عليه السلام إبطال السحر،لأنه“كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر،ولم يكن أصحابه قطّ في زمان أشدّ استحكاماً فيه منهم في زمانه….وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله وعلى خاصة علمائه الطبّ،وكانت عوامهم تعظّم على ذلك خواصهم،فأرسله الله عز وجل بإحياء الموتى إذ كانت غايتهم علاج المرضى وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرمد..“وكانت معجزة محمد عليه الصلاة والسلام في ميدان البلاغة والبيان،وذلك في دهر“كان أغلب الأمور عليهم،وأحسنها عندهم،وأجلّها في صدورهم،حسن البيان،ونظم ضروب الكلام،مع علمهم له،وانفرادهم به،فحين استحكمت لفهمهم،وشاعت البلاغة فيهم،وكثر شهراؤهم،وفاق الناس خطباؤهم،بعثه الله عز وجل فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه“.

وقد راح محمد عليه السلام يتحداهم به منذ أول لحظة،ثم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله،وراح يقول لقريش خاصة،وللعرب عامة“مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلاغاء والدهاة والحكماء،وأصحاب الرأي والمكيدة،والتجارب والنظر في العاقبة:إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي،وصدقتم في تكذيبي“ولم يكن القوم الذين ينازلهم محمد عليه الصلاة والسلام قوماً عاديين،إنهم شكسون خصمون،لا يسكتون على ضيم،ولا ينامون على موجدة،وقد هبّوا ينازعونه من كل سبيل“هجوه من كل جانب،وهاجى أصحابه شعراءهم،ونازعوا خطباءهم،وحاجوه في المواقف،وخاصموه في المواسم،وبادَوه العداوة،وناصبوه الحرب،فقتل منهم وقتلوا منه“ولكنهم ـ على ذلك كلّه ـ لم يعارضوا القرآن،ولم يتكلّف ذلك خطيب ولا شاعر،مع أن ذلك أهون من الحرب والقتال والإخراج من الديار.لجؤوا إلى الأشقِّ العسير،وسكتوا عما هو من بضاعتهم،سكتوا عن المعارضة،والكلام صنعتهم“وهو سيد عملهم،فقد فاض بيانهم،وجاشت به صدورهم،وغلبتهم قوّتهم عليه عند أنفسهم،حتى قالوا في الحيات والعقارب،والذباب والكلاب..وكلِّ ما دبَّ ودرج،ولاح لعين،وخطر على قلب،ولهم بعد أصناف النظم،وضروب الأليف،كالقصيد،والرجز،والمزدوج،والمجانس،والأسجاع،والمنثور…“.يقول الجاحظ إن القوم قد أدركوا ميزة القرآن البلاغيةنوعظمة نظمهوتأليفهنوأنه لا قبل لهم به وإن جهدوانفأدركوا عجزهم“وأن مثل ذلك لا يتهيا لهم،فرأوا أن الإضراب عن ذكره،والتغافل عنه في هذا الباب،وإن قرّعهم به أمثلُ في التدبير،وأجدر ألا يتكشّف أمرهم للجاهل والضعيف،وأجدر أن يجدوا إلى الدعوى سبيلاً“.فيزعموا أنهم كانوا قادرين ـ لو شاؤوا ـ على أن يأتوا بمثله،وهو ما حكاه تعالى عنهم بقوله:{وإذا تُتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا}[الأنفال 31].

ولكن القوم قد أدركوا علوّ كعب القرآن العظيم في البلاغة والنظم،وأحسوا بعجزهم التام عن الإتيان بمثله،أو بسورة واحدة من مثله،فسكتوا إيثاراً للسلامة،وحتى لا ينكشف أمرهم أمام الناس.

القرآن معجزة بيانية:

أكد الجاحظ أكثر من مرة،وفي غير ما موضع،أن القرآن الكريم قمة سامقة في البيان،وبهذا الجانب دون غيره وقع التحدي،فالقرآن معجزة عقلية بلاغية وفي هذا إشعارٌ بفضل البيان،وخطر الفصاحة،يقول الجاحظ:“ولفضل الفصاحة،وحسن البيان،بعث الله تعالى أفضل أنبيائه وأكرم رسله من العرب،وجعل لسانه عربياً،وأنزل عليه قرآناً عربياً،كما قال الله تعالى:{بلسان عربي مبين}[الشعراء 195]فلم يُخَصَّ اللسانُ بالبيان،ولم يُحمد بالبرهان إلا عند وجود الفضل في الكلام،وحسن العبارة عند المنطق،ولاوة اللفظ عند السمع“.

والجاحظ بعد ذلك يرى أن أقلّ ما يُعجز عنه من القرآن الكريم السورة الواحدةـ قصيرةً كانت أم طويلة ـ مصداقاً لقوله تعالى في التحدي:{وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله}[البقرة 23]وقوله:قل فأتوا بسورةٍ مثلهِ وادعوا من استطعتم من دون الله}[يونس 38]ولم يقع التحدي في الحرف والحرفين،والكلمة والكلمتين،لأن هذا في طوق البشر،وهو جارٍ في طبائعهم،وإنما العبرة بتشكيل الكلام لتأليف سورة واحدة تضاهي سور القرآن،وهو ما يعجز عنه البشر،مهما أوتوا من ضروب الفصاحة والبيان.

إعجاز القرآن في نظمه:

فالقرآن يستعمل لغة العرب وألفاظهم،وقد يستعمل عبارات يتداولونها،ولكنه يصوغها صياغة معجزة متميزة،وينظمها في سياق من التأليف نظماً لا يقدر على سورة من مثله أحد.والجاحظ ـ فيما نظن ـ أول من أشار إلى أن إعجاز القرآن في نظمه،وأول من استعمل هذا المصطلح الذي سيشيع بعد ذلك،وسيقلده فيه كثيرون.يقول الجاحظ:“وأنه تحدّى البلغاء والخطباء والشعراء بنظمه وتأليفه في المواضع الكثيرة،والمحافل العظيمة،فلم يَرُمْ ذلك أحد ولا تكلّفه،ولا أتى ببعضه،ولا شبيهٍ منه،ولا ادّعى أنه قد فعل“.

فأما الحديث المباشر عن نظم القرآن،وروعة تأليفه وبلاغته فما تبقى لدينا من آراء الجاحظ المبعثرة في كتبه المتعددة نرى أنها تعالج المسائل التالية:

! ـ اللفظ القرآني:

لاحظ الجاحظ وهو يتحدث عن بعض أوجه النظم القرآني ما يتمتع به اللفظ في كتاب الله من خصائص بلاغية ممتازة.وعلى رأس هذه الخصائص جميعاً دقة اختيار الألفاظ،وحسن انتقائها،وإيراد ما هو أحقّ بالمعنى،وأجدر بالاستعمال،فقد يشترك لفظان أو أكثر في التعبير عن معنى واحد،ولكن أحدهما أدق من الآخر في الدلالة،وأدخل في المعنى،وأقدر على التعبير،وكأن الجاحظ يشير إلى أن الكلمة المرادفة لأخرى لا يمكن أن تقوم مقامها،يقول في البيان والتبيين:“قد يستخفُ الناس ألفاظاً ويستعملونها وغيرها أحقُّ بذلك منها.الا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب،أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر.والناس لا يذكرون السّغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة.وكذلك ذكر المطر،لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام.والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث.ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع،وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين.ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين،ولا السمع أسماعا.

2 ـ القرآن نظم متفرد:

والقرآن أسلوب فريد في النظم،ونمط متميز من التأليف،لم تعرفه العرب من قبل،ولم يكن لها عهد بهذا الضرب من الكلام،وهم أهل الفصاحة والبيان،وفرسان البلاغة والقول،فهو خارج على جنس ما عرفت من ضروب الشعر والنثر،والخطب والأمثال.يقول الجاحظ:“ولا بدَّ من أن نذكر فيه أقسام تأليف جميع الكلام،وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور،وهو منثور غير مقفّى على مخارج الأشعار والأسجاع،وكيف صار نظمه من أعظم البرهان،وتأليفه من أكبر الحجج“.

وهكذا يعلن الجاحظ تفرّد القرآن بنظم معين لم تعرفه العرب،وهو في هذا يذكرنا بقول الوليد بن المغيرة عندما استمع إلى القرآن،وسألته قريش عنه فقال:“والله ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالشعر مني،ولا برجزه،ولا بقصيده،ولا بأشعار الجن،والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا،ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة،وإن عليه لطلاوة،وإنه لمثمر أعلاه ،مغدق أسفله،وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه“.

3 ـ الصور البلاغية في القرآن: