إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (3/8)
- ١ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٢ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٣ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٤ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٥ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٦ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٧ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٨ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
ويقول التابعي الجليل مالك بن دينار رحمه الله :“ماذا زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إنّ القرآن ربيع القلوب كما أنّ الغيث ربيع الأرض“.
نعم، إنّ القرآن يُحيى القلوب الميتة،ويزّكي النفوس الخامدة،ويُلهب المشاعر المُتبّلدة،إنّه كالغيث ما إن يُلامس الأرض العطشى حتى تُنبتُ زرعاً،وتُزهرُ زهراً،وتتحول من صحراء موحشة قاحلة إلى واحةٍ وارفة الظلال والأفياء .
ويقول الإمام النووي رحمه الله في كتاب “ البيان في آداب حملّة القرآن“ يقول :
„ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال،وأكرم الشمائل،وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن،وأن يكون مصوناًعن دنئ الاكتساب،شريف النفسن مرتفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا،متواضعاً للصالحين،وأهل الخير والمساكين، وأن يكون مُتخّشعاً،ذا سكينة ووقار،فقد جاء عن عمر الفاروق رضي الله عنه: يا معشر القراء : ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على الناس“.
وحملّة القرآن هم رهبانٌ بالليل،فرسانٌ بالنهار،إذا دعاهم الداعي لبّوا النداء،واستبشروا عند اللقاء،بلقاء ٍ لايوازيه لقاء،فإن هي إلا احدى الحسنيين،الشهادة أو النصر.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: „جاء في أوصاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،وهم صفوة الله من خلقه والسلف الصالح من عباده „رهبان بالليل وفرسان بالنهار“ ترى احدهم في ليله ماثلاً في محرابه،قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين،ويقول : يا دُنّيا غُرّي غيري،فإذا انفلق الصباح ودوى النفير يدعو المجاهدين رأيته رئبالاً على صهوة جواده،يزأر الزأرة فتدّوي لها جنبات الميدان“(رسائل حسن البنا).
هذه هي صفات حملّة القرآن وقرائه،وهؤلاء هم الذين أكرمهم الله في الدارين،وأعدّ لهم رزقاً حسناً وأجراًعظيماً ومنزلاً مباركاً.
جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: „إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غيرالغالي فيه والجافي عنه،وإكرام ذي السلطان المقسط“ [رواه أبو داود وقال حديث حسن ]وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول: „أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإن أُشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد“ [رواه البخاري.]
وقال الحسن البصري رحمه الله في هؤلاء القراء :“ورجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله،وهملت عيناه، تسربلوا الخشوع ،وارتدوا بالحزن،وركعوا في محاريبهم،وجثوا في برانسهم ،فبهم يسقي الله الغيث، وينزل النصر ويرفع البلاء“.
وهناك وللأسف في كل عصر وزمان، وفي كل عصر ومِصر، طائفة من الناس يُسمون أنفسهم القراء أوحفظة القرآن،لم يبتغوا بعلمه وجه الله، ولم يعملوا بما علّمهم إياه، أرادوا إرضاء السلطان،واستغنوا عن ثواب الرحمن،ماروا به السفهاء،وفاخروا به العلماء، وباهوا أقرانهم من القراء،اتخذوا القرآن سُلّماً ووسيلة، لينالوا غرضاً من أغراض الدنيا الزائلة،فاستحقوا الخزي والعذاب والمذّلة، وأولئك من أعدّ الله لهم أقسى العذاب،وتوعدّهم بأعظم العقاب .
يقول الإمام علي رضي الله عنه: „يا حملة القرآن اعملوا به،فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم،ووافق علمه عمله،وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم،وتخالف سريرتهم علانيتهم،ويخالف عملهم علمهم،يجلسون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً،حتى إن الرجل ليغضب من جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه،أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى“.
وقال الإمام النووي رحمه الله في „البيان في آداب حملة القرآن“:
“ ينبغي للقارئ أن لايقصد به توصلاً إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة،أو ارتفاع على أقرانه،أو ثناء عند الناس،أو صرف وجوه الناس إليه،أو نحو ذلك،ولا يشوب المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالاً أو خدمة وإن قلّ،ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما اهداها إليه“.
وقال الحسن البصري رحمه الله :
„أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملاً „.وقال أيضاً:“حملّة القرآن ثلاثة نفر: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس،ورجل حفظ حروفه وضيّع حدوده،واستدّر به الولاة، واستطال به على أهل بلده،وقد كثر هذا الضرب من حملّة القرآن لا كَثرّهم الله عزّ وجلّ،ورجل قرأ القرآن فوضع دواءه على داء قلبه فسهر ليله وهملت عيناه …“
وهناك فئة من „القراء“ قد شغلوا انفسهم بالقراءات الشاذة فشغلتهم عن الفرائض المكتوبة،وتركوا المتواتر المشهور،وأخذوا بالمنسي والمهجور،يتفنّن أحدهم في إبراز الألفاظ،والتصرف بالنغمات،وكأنّه أحد الفنانين أو المطربين،هَمّهُ جلب انتباه الجمهور، وجلب الثناء والإطراء والمديح،هؤلاء لا يزيد إيمانهم بتلاوة القرآن، وهؤلاء أبعد الناس عن فهم القرآن.
يقول الإمام العظيم وصاحب التفسير المشهور ابن الجوزي في كتابه „تلبيس ابليس:
„فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها،فيفني أكثر عمره في جمعها وتصنيفها والإقراء بها،ويشغله عن معرفة الفرائض والواجبات،فربما رأيت إمام مسجد يتصدّى للإقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة،ورُبّما حمله حبّ التصدّر حتى لا يرى بعين الجهل على أن يجلس بين يدي العلماء ليأخذ عنهم العلم،ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصّح النفس ويطّهر أخلاقها ثم التشاغل بالمُهم من علوم الشرع “ ويتابع رحمه الله تعالى:“ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في محرابه بالشاذ ويترك المتواتر المشهور،والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ،وإنّما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه،وعنده أنه متشاغل بالقرآن“ويتابع رحمه الله :“ومن ذلك أن قوماً من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء وربما أتوا اكبر من ذلك الذنب واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب، وذلك من تلبيس إبليس عليهم لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من لم يعلم، إذ زيادة العلم تُقّوي الحجة“.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه „في سبيل الإصلاح“:
„وكان معنى كلمة القراء حين نقرؤها في حروب الردّة وذكر من استشهد منهم في معركة اليمامة،كان معناها: الذي يقرأ القرآن متدّبراً واعياً،عاملاً بما قرأ،مُعلّماً إياه من لا يعلم فصار معناها: البصير بالألحان والمقامات،الخبير بالمحطات،والمتصرّف بالنغمات،وصار السامعون يتصايحون من الطرب،كأنّهم يسمعون مغنياً في ملهى،لا يزيد إيمانهم بتلاوة القرآن كما أخبر الله تعالى عن أهل الإيمان“.
وقد أعدّ الله أشدَّ العذاب وعظيم العقاب لأمثال هؤلاء القراء،عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „من تعلّم علماً مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة“ [رواه أبو داود بإسناد صحيح] . وجاء في جزء من حديث لمسلم في صحيحه : „ورجل تعلّم العلم وعلّمه،وقرأ القرآن، فأتي به،فعرفه نعمه فعرفها،فقال: ما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت،ولكنك تعلّمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فَسُحب على وجهه حتى ألقي في النار“. وجاء عن أنس وحذيفة وكعب بن مالك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“من طلب العلم ليماري به السفهاء،أو يكاثر به العلماء،أو يصرف به وجوه الناس، فليتبوأ مقعده من النار „ [رواه الترمذي من رواية كعب بن مالك ].
نعم، ما أحوجنا إلى رجعة صادقة إلى القرآن العظيم، إلى هذا المنهل والمَعين العظيم نرشف من ينبوعه الصافي ما يفيدنا ويصلح امورنا في دار معاشنا ومعادنا،وما أحوجنا إلى آدابه وأخلاقه: أخلاق الصالحين العابدين المجاهدين العالمين،وما أحوجنا إلى تعاليمه التي رفعنا الله بها عندما التزمنا بها فوق كل الأمم،وكنا في طليعة الركب نقود الدنيا لما فيه سعادتها وسلامتها،ونزلنا بعد أن أنزلناه من نفوسنا إلى الحضيض والدرك الأسفل،وهجرتنا عندما هجرناه العزّة والسيادة والرفعة. وما أحوجنا إلى قراءة وتدبر وفهم هذه الكلمات النبيلة الرائعة لأحد رواد الدعوة الإسلامية في العصر الحديث الشيخ الداعية المجاهد العالم العامل مصطفى السباعي رحمه الله من كتابه „هكذا علمتني الحياة“ يقول:
„أدب القرآن هو أدب الحياة المناضلة بشرف،البناءة بسمو،المكافحة بتفاؤل،المدافعة ببأس،المهاجمة بحقّ،المتعاملة بحبّ، المتعاونة بوفاء،المرحة بوقار،المتنعمة باعتدال،العزيزة بتواضع،القوية برحمة،العاملة بقناعة،المترأسة بشورى،المرؤوسة بيقظة، الحاكمة بحزم،المسالمة بحذر،المتحضرّة بخلق،المتعبدّة بعلم،الماشية على الأرض ونظرها في السماء،السائرة في الدنيا نحو العلاء،وفي الآخرة نحو البقاء،فأي أدب في آداب الأمم يهدف هذه الأهداف؟ وأي جيل في العالم أكرم من جيل يتخلّق بهذا الأدب؟“.
5 ـ هجروه تدّبراً وفهماً
أنزل الله تعالى القرآن الكريم مُنّجماً على مدار ثلاث وعشرين سنة،وحَثّ المؤمنين وحضّهم على الإنصات إليه وقراءته وترتيله،والعمل بما فيه بعد العلم به،وتدبر آياته وفهمها حقّ الفهم .
قال تعالى: {كتابٌ أنزلناه إليك ليدبّروا آياته}[ص 29]. وقال تعالى: {أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء 82] .وقال تعالى:{أفلا يتدبرون القرآنَ أم على قلوبٍ اقفالُها}[محمد 24] وقال تعالى:{كتابٌ أنزلناهُ إليكَ مباركٌ ليدبَّروا آياتهِ وليتذكَّرَ أولو الألباب}[ص 29].
والآيات كثيرة والتي تتناول الحكمة من تنزيل القرآن الكريم:
{آلم* ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين}[البقرة 1 ـ 2].{إنا أنزلناهُ قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}[يوسف2]
{الر كتابٌ أنزلناهُ إليكَ لتخرجَ الناسَ من الظلماتِ إلى النور بإذنِ ربهم إلى صراطِ العزيزِ الحميد}[إبراهيم 1]،{الحمدُ لله الذي أنزلَ على عبدهِ الكتابَ ولم يجعل له عوجاً*قيّماً لينذرَ بأساً شديداً من لدنهُ ويُبشرَ المؤمنينَ الذين يعملون الصالحاتِ أنَّ لهم أجراً حسناً *ماكثينَ فيه أبداً}[الكهف1 ـ3].
{طه* ما أنزلنا عليك القرآنَ لتشقى* إلا تذكرةً لمن يخشى}[طه1 ـ3]،{تباركَ الذي نزّلَ الفرقانَ على عبده ليكون للعالمينَ نذيرا}[الفرقان1].
{طس تلكَ آياتُ القرآنِ وكتابٍ مُبين*هُدى وبُشرى للمؤمنين}[النمل1 ـ2]،{الم*تلك آياتُ الكتابِ الحكيم*هدى ورحمةً للمحسنين}[لقمان1 ـ2]
{حم*تنزيلٌ من الرحمن الرحيم*كتابٌ فُصِّلت آياتهُ قرآناً عربياً لقوم يعلمون* بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرُهُم فهم لايسمعون}[فصلت1 ـ 4]
{هذا بصائرُ من ربكم وهدى ورحمةٌ لقوم يؤمنون}[الأعراف203]،{يا أيُّها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}[يونس57]
{وكلاً نقصُّ عليكَ من أنباءِ الرسلِ مانُثبتُ به فؤادكَ وجاءكَ في هذهِ الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين}[هود 120]
{قل نزَّلهُ روحُ القُدُسِ من ربكَ بالحقِّ ليُثبتَ الذين أمنوا وهدى وبشرى للمسلمين}[النحل102]
{إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقومُ ويُبشرُ المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لهم أجراً كبيراً}[الإسراء9]
وغيرها من الآيات…
ولقد كان من آداب الرسول صلى الله عليه وسلم وآداب صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الإقبال على قراءة القرآن وتدبر آياته والوعي والفهم حقّ الفهم لما يقرؤون،لأن تدبر القرآن والفهم لآياته نعمة كبيرة وغذاء للروح والجسم لا يدركه ولا يعرف كُنهه إلا القارئ الواعي لآيات الله عزّ وجلّ .
لقد كان عمر الفاروق رضي الله عنه يدعو الله أن يُرزقه قراءة القرآن والعمل بما فيه فكان يدعو قائلاً: „اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك،والفهم له والمعرفة بمعانيه،والنظرفي عجائبه والعمل بذلك ما بقيت،إنك على كل شئ قدير“ (العقد الفريد ج1 ص 182).
وكان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: „لا خير في قراءة إلا بتدبر ولا عبادة إلا بتفكر،ولا في حلم إلا بعلم“.
نعم، لقد فهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم آيات الله على أنها رسائل تتنزل عليهم،لا يُكتفى فقط بقراءتها،بل لابد من تدبر معانيها والعمل بمضامينها .
جاء في كتاب „التبيان في آداب حملة القرآن “ للإمام النووي رحمه الله :
„أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: „إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار“.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
„هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون،وإليها شخص العاملون،وإلى علمها شمر السابقون،وعليها تفانى المحبون،وبروح نسيمها تروح العابدون،وهي قوت القلوب،وغذاء الأرواح،وقرّة العيون،وهي الحياة التي من حرمها فهو في جملة الأموات،والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات،والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام،واللذة التي من لم يزفر بها،فعيشه كله هموم وآلام، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة،إذ لهم من معيّة محبوبهم أوفر نصيب.فإلى من أراد أن يرقى من منزلة المحب لله،إلى منزلة المحبوب من الله،أقدم لك الأسباب :
ـ قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه،نعم فمن أحب أن يكلمه الله تعالى فليقرأ كتاب الله،قال الحسن بن علي:“إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل،ويتفقدونها في النهار.وقال ابن الجوزي رحمه الله:“ينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البش،وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه،ويتدبر كلامه“.وقال الإمام النووي رحمه الله:“أول ما يجب على القارىء،فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى.ولهذا فإن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم استجلب محبة الله الإخلاص التي فيها صفة الرحمن جل وعلا فظل يرددها في صلاته،فلما سئل عن ذلك قال: لأنها صفة الرحمن،وأنا أحب أن أقرأها“ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:“أخبروه أن الله يحبه“.
وينبغي أن نعلم أن المقصود من القراءة هو التدب،وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فقد روى أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام ليلة لآية يرددها{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}.[المائدة 118]
وقام تميم الداري رضي الله عنه بآية وهي قوله تعالى{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}[الجاثية 21]
وجاء في كتاب „روائع إقبال“ حديث للمفكر الإسلامي والشاعر العظيم محمد إقبال رحمه الله قال:
“ كنت تعوّدت ان أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم،وكان أبي يراني فيسألني: ماذا تصنع؟ فأجيبه أني أقرأ القرآن. وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات يسألني سؤاله فأجيبه جوابي،وذات يوم قلت له: ما بالك تسألني نفس السؤال،وأجيبك جواباً واحداً،ثم لا يمنعك ذلك من إعادة السؤال من غد؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك يا ولدي اقرأ القرآن كأنّما أنزل عليك … ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه وكان من أنواره ما قَبَست،ومن دُرره ما نظمت“.
إنّ الحواس وأدوات الإدراك عندما تتفاعل مع المقروءات والمسموعات فإن ذلك ينعكس على الشعور والجوارح،وقارئ القرآن عندما يقرؤه بقهم وتدبر وتفكّر ينعكس هذا على مشاعره وجوارحه: رغبة ورهبة، ورضاً واطمئناناً، وعلماً وعملاً، ويقيناً والتزاماً .
ويقول الأستاذ محمد أديب صالح رحمه الله(مقال :مع داود الطائي رحمه الله):
„وإذا كانت الخشية على قدر المعرفة،فقد كان الواحد من هؤلاء الرجال يرى حين يتلو كتاب الله كأن كل وعيد في آيات القرآن ينصب على رأسه هو ويتهدده وحده،وكأن كل قارعة ينذر بها العصاة إنما تعنيه هو دون غيره من الناس،وإنما كان ذلك من فرط حسّهم رحمهم الله ورقة أفئدتهم،وصفاء تلك الخشية،ومن هنا كان تأثرهم بالقرآن خصوصاً آيات العذاب التي تحمل التهديد والتخويف،تتفطر لها قلوبهم وتهتز لها نفوسهم،فيناجون ربهم باكين خاشعين ويتلون كتابه ضارعين خائفين.ولقد روي عن عمر الجعفي أنه قال:اشتكى داود الطائي أياماً..وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار،فكررها مراراًفي ليلته فاصبح مريضاً،وبعد أيام دخل عليه أناس من إخوانه وجيرانه فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة“.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“ :
„إنّ الناس يخسرون الخسارة التي لا يُعوّضها شيء بالإنصراف عن هذا القرآن،وإن الآية الواحدة لتصنع أحياناً في النفس حين تستمع لها وتنصت أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والتكيّف، والرؤية والإدراك،والطمأنينة والراحة،والنقلة البعيدة في المعرفة الواعية المستنيرة،مما لايدركه إلا من ذاقه وعرفه،وإن العكوف على هذا القرآن في وعي وتدبر،لا مجرد التلاوة والترنم، ليُنشئ في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى،ومن المعرفة المطمئنة المتيقنة،ومن الحرارة والحيوية والانطلاق والإيجابية والعزم والتصميم مالا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب „،ويقول رحمه الله أيضاً: „وتدّبر القرآن يزيل الغشاوة،ويفتح النوافذ،ويكسب النور،ويحرّك المشاعر،ويستحث القلوب،ويُنشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير“.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في „هكذا علّمتني الحياة“ (ج1 ص60) يقول:
„ما رأيت شيئاً يُغذّي العقل والروح ويحفظ الجسم ويضمن السعادة أكثر من إدامة النظر في كتاب الله „.
ويُروى عن حَبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله: „إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ولعلي لا أقاضي إليه أبداً وإني لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به ومالي بها سائمة ولا راعية وإني لآتي على آية من كتاب الله تعالى فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم“.
ولقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز مدى تأثير قراءة القرآن وتدبره على مشاعر المؤمنين وجوارحهم ومداركهم ،يقول عزّ وجلّ: {إذا تُتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجداً وبُكيا} [مريم 58 ] ويقول عزّ وجلّ: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} [الإسراء 109] .
يقول سيد قطب في الظلال في تفسير الآية 58 من سورة مريم :
„أولئك النبيون ومعهم ممن هدى الله واجتبى من الصالحين من ذريتهم ، صفتهم البارزة {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}فهم أتقياء شديدو الحساسية،ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته،فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثر،فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجداً وبكياً „.
جاء في سنن أبي داود ـ كتاب الصلاة ـ عن مطرّف عن أبيه قال: „رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء „[أخرجه أبو داود واللفظ له وزالنسائي وأحمد،وهو حديث صحيح].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي أحياناً عند سماع القرآن،فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي،قلت: أقرأ عليك،وعليك أنزل ! قال: فإني أحبّ أن أسمعه من غيري،فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت „فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً“ قال : أمسك، فإذا عيناه تذرفان „ [ صحيح البخاري ].
كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أصحاب قلوب رقيقة،ومشاعر حسّاسة،ومدارك واعية فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يتأثر ويغلب عليه الحزن والخوف حتى كان يُشم من فمه رائحة الكبد المشوي،وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا سمع القرآن تذّكر واعتبر،وإذا تُليت هذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقّ}[الحديد 16] بكى حتى يغلبه البكاء .
ويبين الله تعالى تفاعل الجوارح والمدارك عند تدبر القرآن وقراءته فيقول تعالى : {الذين آمنوا وتطمئنُّ قُلوبُهُم بذكرِ الله ألا بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب }[الرعد 28] .
وقوله تعالى: {ولِيعلمَ الذين أُوتُوا العلمَ أنَّهُ الحقُّ من ربِّكَ فيؤمِنوا به فَتُخبِتَ لهُ قُلوبُهُم وإنَّ اللهَ لهادِ الذين آمنوا إلى صراطٍ مستقيم} [الحج 54].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„تطمئن(أي القلوب) بإحساسها بالصلة بالله،والأنس بجواره،والأمن في جانبه وفي حِماه، تطمئن من قلق الوحدة وحيرة الطريق، بإدراك الحكمة من الخلق والمبدأ والمصير،وتطمئن بالشعوربالحماية من كل اعتداء ومن كل ضرّ ومن كل شرّ إلا بما يشاء الله مع الرضا بالإبتلاء والصبر على البلاء،وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة،ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله،يعرفونها ولا يملكون بالكلمات التي ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها،لأنها لا تُنقل بالكلمات،وإنما تسري في القلب فيستروحها،ويَهشّ لها ويندى لها ويستريح إليها،ويستشعر بالطمأنينة والسلام،ويحسّ أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس،فكل ما حوله صديق،إذ كل ماحوله من صنع الله الذي هو في حِماه“.
ويقول تعالى : {اللهُ نَزَّلَ أحسنَ الحديثِ كتاباً مُتشابهاً مَثانيَ تقشعرُّ منهُ جُلودُ الذينَ يخشونَ ربَّهُم ثُمَّ تلينُ جُلودُهُم وقُلوبُهُم إلى ذكر الله} [الزمر 23].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„هذه الآية تصوّر حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به،وتصوّر حالها مع الله،حال الإنشراح والتفتح والنداوة والبشاشة والإشراق والاستنارة،كما تصوّر حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها،وعتمتها وظلامها،ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره،ليس قطعاً كالقاسية قلوبهم من ذكر الله،وشتان بين هؤلاء وهؤلاء “ ويتابع رحمه الله: “ والذين يخشون ربهم ويتقونه ويعيشون في حذر وخشية،وفي تطّلع ورجاء،ويتلّقون هذا الذكر في وَجَل وارتعاش وفي تأثر شديد تقشعّر منه الجلود،ثم تهدأ نفوسهم وتأنس قلوبهم بهذا الذكر،وتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن إلى ذكر الله „.
نعم، إنّ الإنصات إلى القرآن الكريم وتدّبر معانيه وآياته لا يؤثر فقط في النفوس المؤمنة المسلمة،بل إنه يؤثر أيضاً في النفوس الأخرى التي تسعى إلى الحقّ،وتطلبه حثيثاً،فما أن تستمع إلى آيات الحقّ والصدق حتى يؤثر بها هذا ويدفعها إلى اعتناق الحقّ والتزام طريقه والسعي إلى تحقيقه في نفوسها وتطبيقه في حياتها والدعوة إليه . يقول تعالى: {لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينَهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة 82 ـ 83] .
يقول سيد قطب رحمه الله :
„إنهم إذا سمعوا ما أنزل الله على الرسول من هذا القرآن اهتزّت مشاعرهم ولانت قلوبهم،وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرأعن التأثرالعميق العنيف بالحقّ الذي سمعوه،والذي لا يجدون له في أول الامر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير،وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثردرجة أعلى من أن يفي بهذا المقول، فيفيض الدمع ليؤدي ما لا يؤديه المقول،وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف،ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ولا يقفون موقفاً سلبياً من الحقّ الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن،والشعور بالحقّ الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان،إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحقّ،إنما هم يتقدّمون ليتخذوا من هذا الحقّ موقفاً إيجابياً صريحاً،موقف القبول لهذا الحقّ والإيمان به، والإذعان لسلطانه،وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذعان في لهجة قوية عميقة صريحة : {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين}، فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق، موقف الاستماع والمعرفة ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر،ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله سبحانه أن يجعلهم مع الشاهدين لهذا الحقّ، الذي يؤدون شهادتهم سلوكاً وعملاً وجهاداً لإقراره في الأرض والتمكين له في حياة الناس“.
ويبين لنا الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه „فصول إسلامية“ (ص154ـ 155) بعض النماذج البشرية لمن سمع هذا القرآن وتأثر به فكان بعد ذلك من أشدّ المدافعين والمكافحين من أجله، يقول رحمه الله :
„لقد سمع سورة طه ولا يزال يسمعها كثيرون لا يحصيهم العدّ،ولكن لما أدركت لحظة العناية عمر،جعلته آيات من هذه السورة يتحول من ذلك الرجل الجاهل الكافر الغليظ الذي جاء ليقتل سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ويقترف أكبر الجرائم البشرية إلى عمر العبقري العظيم الذي كان يديروحده إحدى عشرة دولة من دول اليوم،وكان القاضي فيها والإمام ووزير الخارجية والمحتسب،وكان قائد ثلاث جبهات،وكان يحمل مع ذلك الدقيق على ظهره ويطبخ للمرأة الفقيرة ويطعم أولادها،وكان يعيش على الخبز والزيت،وكان يبكي خشية أن يكون قَصرّ في أمر المسلمين“ .
ويقول أيضاً(الرسالة العدد 709):
„أقبل عمر الغليظ الجافي عدو الإسلام الألد،ليأتي الجريمة الكبرى،فسمع آيات معدودات،فإذا هو ينقلب إلى عمر المؤمن الرقيق العبقري الذي أدار وحده إحدى عشرة حكومة من حكومات هذه الأيام بسلمها وحربها،وقضائها وماليتها،وداخليتها وخارجيتها،وجليل أمرها وحقيره،ما قصر في شىء منه ولا أساء فكان نادرة الزمان،وأعجوبة الفلك ونحن نسمع المرتلين يتلون القرآن في كل لحظة وفي كل مكان،في الأفراح والأتراح والحفلات والإذاعات،بحلوق لعلها أندى من حلق قارىء عمر،ونغمات أحلى،وأصوات أشجى،ومعرفة بالتجويد وضبط للمخارج والأداء،وبصر بالألحان،ولكنها لا تصنع بنا ما صنعت بعمر،ما نجد لها إلا الاهتزاز والطرب كما نهتز لكل أغنية حلوة تسمعها آذاننا،ونطرب لكل صوت شجي تعيه أسماعنا،ثم نقوم عنها فنمضي في الحياة حيث توجههنا عقولنا وأهوائنا،فهل نحن مسلمون؟“.
ولقد سمع آية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ولا يزال يسمعها كثيرون لا يحصيهم العدّ،ولكن لما أدركت لحظة العناية مالك بن دينار جعلته هذه الآية يتحول مما كان عليه إلى ما صار إليه.
ولقد قرأ سورة التكاثر ولا يزال يقرؤها كثيرون لا يحصيهم العدّ،ولكن لما أدركت لحظة العناية „ليوبولد فايس“ جعلته هذه السورة محمد أسد المسلم الذي أحسن للمكتبة الإسلامية بكتابة “ الإسلام على مفترق الطرق „. انتهى كلام الطنطاوي رحمه الله .
هذه بعض انعكاسات وارتكاسات تدبر القرآن وقراءته على الشعور والجوارح والمدارك وتأثيرها في القلوب والعقول،وهذه بعض الصفات التي ذكرت عن تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير القرون،أما ما يذكر في بعض الكتب عن تأثر بعض القارئين وإصابتهم بالإغماء عدّة أيام،أو خروج بعض الأصوات أو الصيحات منهم أو بعض الحركات،فهذا إن دلّ على شئ فإنما يدل على فرط الإحساس وهذا مرض أكثر منه تقوى أو شدّة خشية ،فإنّ أشدّ الناس تُقىً وخشية ورهبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُذكر عنه في السنة ولا السيرة النبوية ولا في الآثار الشرعية،أن شدّة التأثر لقراءة القرآن وتدبر آياته قد خرجت به عما ذكرنا سابقاً،وإن كان في داخله وأعماقه من أشدّ المتأثرين وخاصة بآيات العقاب والترهيب،لا خوفاًعلى نفسه فهو الذي غفر الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخر،ولكن خوفاً وخشية على أمته وقومه .
إنّ العظمة والروعة في تدبر القرآن أنك تجد فيه التناسق الشامل الكامل على مختلف المستويات،وأن الإنسان القارئ يتدبر ومهما كان اختصاصه وثقافته ومستواه العلمي يجد فيه اللذّة الروحية التي لا يمكن وصفها .
يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى {أفلا يَتدَبّرونَ القرآنَ ولو كانَ من عندِ غيرِ الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء 82]
يقول رحمه الله :“والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من تدبر هذا القرآن أبداً .. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها،ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه ما يملك إدراكه في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى،ومن ثم فإن كل أحد،وكل جيل،مخاطب بهذه الآية،ومستطيع عند التدبر وفق منهج مستقيم أن يدرك من هذه الظاهرة،ظاهرة عدم الاختلاف أو ظاهرة التناسق،ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه „ويتابع رحمه الله :“تتجلّى هذه الظاهرة،ظاهرة عدم الاختلاف،أو ظاهرة التناسق،ابتداءً في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنية، ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح،التوفيق والتعثر،القوة والضعف،التحليق والهبوط،الرفرفة والثقلة من الإشراق والإنطفاء إلى آخر الظواهر التي تتجلّى معها سمات البشر وأخصها سمة التغير والإختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال „ويتابع رحمه الله: „هذه الظاهرة واضح كل الوضوح أن عكسها وهو الثبات والتناسق هو الظاهرة الملحوظة في القرآن،ونحن نتحدث فقط في التعبير اللفظي والأداء الاسلوبي وتتجلّى ظاهرة عدم الاختلاف والتناسق المطلق الشامل والكامل بعد ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات ويؤديه الأداء،منهج التربية للنفس البشرية والمجتمعات البشرية،ومحتويات هذا المنهج وجوانبه الكثيرة“ويتابع رحمه الله :“وتدبر هذه الظاهرة في آفاقها هذه قد لا يتسنى لكل إدراك،ولا يتسنى لكل جيل،بل المؤكد أن كل مدرك سيتعاون مع الآخر في إدراكها،وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها ويدع أفاقاً منها للأجيال المترقية في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة“. انتهى كلام سيد قطب رحمه الله .
إنّ الإعراض عن قراءة القرآن وعن تدبره وفهم معانيه يدل على أن هناك خللاً في النفس البشرية على مستوى القلب أو العقل أو الإدراك،وكما وصف الله المؤمنين بأن قلوبهم تطمئن إلى ذكر الله تعالى{والذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}،وصف الآخرين المعرضين فقال: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} [الزمر 22].
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه „اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن،وفي مجالس الذكر،وفي أوقات الخلوة،فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يَمنّ عليك بقلب،فإنه لا قلب لك „.
إنّ الإعراض عن تدبرالقرآن وقراءته آية الشقاء ودليل الحرمان،حرمان لنعمة عظيمة أنعمها الله على الإنسان،تغذي العقل والروح وتساعد على مواجهة متاعب ومصاعب الحياة بروح آمنة ونفس مطمئنة وعزيمة صارمة.
يقول الأستاذ محمد أديب صالح رحمه الله في كتاب “ على الطريق (ص405 ـ 406) :
„ومن أجل هذا كان الأمر بتدبره ـ أي القرآن ـ وفقه معانيه،للعمل بمدلولاته،وما يتضمنه من أحكام: {كتابٌ أنزلناهُ إليكَ مباركٌ ليدبّروا آياته}[ص29] والقلوب المقفلة التي يغشاها الران ـ والعياذ بالله ـ هي التي تحرم هذا التدبر،وتعرض عن التذكرة التي أرادها الله {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [سورة محمد 24]،{فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حُمر مستنفرة* فرت من قسورة}[المدثر 50 ـ 52] ويتابع رحمه الله: “ وكيف لا يكون ذلك والإعراض عن التدبر إعراض عن كل معاني الخير،ولقد منّ الله على الأمة يوم كان ينزل القرآن فقال:{لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم}[الأنبياء 10]أي شرّفكم وما به تُذكرون وتعتزون في الناس، وفي آية أخرى“ {وإنّه لذكرٌ لكَ ولقومكَ وسوفَ تُسألون}[الزخرف 44] انتهى كلام الدكتور أديب صالح .
نعم، إن مواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون،وتُعبّركم فلا تعتبرون،فواعجباً لكم تَسمعون ولا تُنصتون،وتقرؤون ولا تتدبرون،وتعلمون ولا تعملون،فواعجباً لكم هل أصبح الجبل ألين من قلوبكم والحجر أطوع من نفوسكم،والصخر أشدّ خشية من نفوسكم!! {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله }[ الحشر 21].
6ـ هجروه دعوةً وتبليغاً
أنزل الله تعالى القرآن الكريم نوراً وهدى،وشفاءً ورحمةً للمؤمنين والعالمين،وأنزله الله دستوراً للأمة،وهدايةً للخلق،وآية صدق،وبرهاناً ساطعاًعلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم،وحجةً قائمةً إلى يوم الدين،ومعجزةً خالدة تتحدى الأجيال وضرب فيه الأمثال،وبيّنَ فيه الحلال والحرام،وشرّع فيه الحلال والحرام،وشرّع فيه التشريعات إنذاراً وإعذاراً لئلا يكون للناس على الله حجّة.
والقرآن الكريم كتابٌ أنزله الله هدى وهداية للعالمين،وهذه هي رسالته الأولى والعظيمة،ولكنه في نفس الوقت كتابٌ قد جمع من الإعجازاللغوي والعلمي والأخلاقي والتشريعي..وهذا يتطلب من الدعاة والمُبلّغين ان يغوصوا في بحوره ويستخرجوا دُرره،ويكتشفوا كنوزه،ويبينوا للناس هذا بعد أن بينتّه الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله:
„ما هي المعجزة؟هي حادث خارق لنواميس الكون التي يعرفها الإنسان مقصود به إقناع المنكرين بأن صاحبها مرسل من قبل الله،إذ كان يأتي للناس بعمل لا يقدر عليه غير الله.وإنما الأساس فيها والحكمة الأولى أنها تخرق النواميس المعروفة وتشذ عن السنن المطردة في حوادث الكون،وعلى هذا الوجه يجب أن يفهمها المؤمنون بها والمنكرون لها على السواء.فيخطىء المؤمن الذي يحاول أن يفسر المعجزة تفسيراً يطابق المعهود من السنن الطبيعية لأنه بهذا التفسير يبطل حكمتها ويلحقها بالحوادث الشائعة التي لا دلالة لها في هذا المعنى أو بأعمال الشعوذة والتمويه التي تظهر للناس على خلاف حقيقتها،ويخطىء المنكر الذي يفهم المعجزة على غير هذا الوجه ثم ينكر إمكان وقوعها لأنها إذا دخلت في نظام النواميس المعهودة لم يجز له إنكارها ولم تخرج عن كونها شيئاً من هذه الأشياء التي يتوالى ورودها على الحس في أوقاتها.
والمعجزة في لفظها العربي قوامها الإعجاز أي الإقناع بأن فاعلها هو الله لا سواه ومن ثم يكون الرجل الذي ساقها مساق الدليل رسولاً من عند الله“.
ويتابع العقاد رحمه الله:“فينبغي للمعجزة أولاً أن تخرق النظام الذي يعهده الناس،وينبغي لها ثانياً أن تمنع كل ريب في حدوث ذلك الخرق بقدرة غير قدرة الله.
وأمر الله رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه وتبليغ مافيه قال تعالى:{ياأيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك}[ المائدة 67 ]وقال تعالى:{هذا بلاغٌ للناس وليُنذروا به} [ابراهيم 52].
وقد أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّ التبليغ والدعوة ونصح الأمة،ووجّهها إلى طريق الخير قال تعالى:{أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} [الأعراف 62] وقال تعالى:{أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} [الأعراف 68.]
كما أدّى رُسُلِ الله من قبل حق الدعوة والتبليغ قال تعالى:{وليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}[الجن 28].
وقد توّعد الله الرسل التي لا تؤدي حقّ التبليغ والدعوة بأشدِّ العقاب قال تعالى:{يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته} [المائدة 67]، وقال تعالى:{قل إنّي لن يُجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً إلا بلاغاً من الله ورسالاته}[ الجن 23].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“ :
„وهذه هي القولة الرهيبة التي تملأ القلب بجدّية هذا الأم،أمر الرسالة والدعوة،والرسول صلى الله عليه وسلم يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبرى،إني لن يجيرني من الله أحد،ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية إلّا أن أبلّغ هذا الأمر،وأودّي هذه الأمانة،فهذا هو الملجأ الوحيد وهذه هي الإجازة المأمونة،إن الأمر ليس أمري،وليس لي فيه شئ إلّا التبليغ،ولا مفرّ لي من هذا التبليغ،فأنا مطلوب به من الله ولن يجيرني منه أحد،ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني إلّا أن أبلّغ وأودّي… ويتابع رحمه الله : „يا للرّهبة! ويا للرّوعة! ويا للجدّ،إنها ليست تطوعاً يتقدّم به صاحب الدعوة،إنما هو التكليف الصارم الجازم الذي لا مفرّ من أدائه،فالله من ورائه،وإنها ليست اللذّة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس،إنّما هو الامر العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه،وهكذا يتبيّن أمر الدعوة ويتحدّد،إنها تكليف وواجب،وراءه الهول،ووراءه الجدّ، ووراءه الكبير المتعال“.
فالرسول مُبَلّغ،فإذا بلّغ الرسالة والدعوة فقد أدّى الأمانة،ونهض بالواجب وأقام الحجّة،قال تعالى:{وما على الرسول إلا البلاغ المبين}[ النور 54]، فإن اتّبعه الناس فقد فازوا وحازوا بسعادة الدارين : الدنيا والآخرة،وإن أعرضوا وتولّوا فقد كتب عليهم الشقاء في الدارين،وما على الرسول إلا البلاغ وعلى الله الحساب والعقاب، يقول تعالى: {وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ} [آل عمران 20]، وقال تعالى: „{فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ} وقال تعالى: {وإن ما نُرِينَّكَ بعضَ الذي نعدهُم أو نتوفينَّك فإنَّما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.[الرعد 40].
وقد فرض الله على أمة الإسلام واجب التبليغ والدعوة لكتابه الكريم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم،فكل مؤمن مسلم عليه واجب نشر أمر الدعوة بين الناس كُلٌّ حسب إمكاناته وقدراته قال تعالى:{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام 19]، وقال تعالى:{الذين يبُلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدأً إلا الله وكفى بالله حسيباً}[ الأحزاب 39].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسيرالآية 19 من سورة الأنعام :
„فكلّ من بلغه هذا القرآن من الناس،بلغة يفهمها ويحصل منها محتواه،فقد قامت عليه الحجّة به،وبلغه الإنذار،وحقّ عليه العذاب،إن كذّب بعد البلاغ“.
إن العلم بالقرآن الكريم والإحاطة بعلومه ونفائسه وذخائره وتشريعاته واخلاقياته وأحكامه هو من أهم الأمور التي يجب على الداعية أن يسعى إليها،ويحيط بها،ولعلّ من أفضل وسائل العون على تفجير مكنونات القرآن الكريم وفهم مدلولاته والإحاطة بشئ من إعجازه وعجائبه أن نرجع اولاً إلى القرآن الكريم فأفضل مفسرٍ للقرآن هو القرآن ذاته،والفهم الصحيح للقرآن من خلال القرآن هو أفضل ما يساعد المسلم الداعية والمُبلّغ على الأستفادة من هذا المَعين،والاقتباس من مشكاة القرآن الكريم.
ويقول سيد قطب رحمه الله أيضاً(الظلال ـ سورة الطور):
„إن في هذا القرآن سراً خاصاً،يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء،قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها.إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن.يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير.وأن هنالك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن.يدركه بعض الناس واضحاً ويدركه بعض الناس غامضاً،ولكنه على كل حال موجود.هذا العنصر الذي ينسكب في الحس،يصعب تحديد مصدره:أهو العبارة ذاتها؟أهو المعنى الكامن فيها؟أهو الصور والظلال التي تشعها؟أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود؟!
وذلك سر مودع في كل نص قرآني،يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء…ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله:
في التصور الكامل الصحيح الذي ينشئه في الحس والقلب والعقل.التصور لحقيقة الوجود الإنساني،وحقيقة الوجود كله،وللحقيقة الأولى التي تنبع منها كل حقيقة.حقيقة الله سبحانه.