إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (5/8)
- ١ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٢ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٣ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٤ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٥ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٦ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٧ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٨ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
ويقول تعالى:{إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}[الإسراء 9].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم،فيشمل الهدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان،ويشمل ما يهديهم إلى كل منهج وكل طريق،وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان.
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور،بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد ىفيها ولا غموض والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة،وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء،وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه،وبين مشاعره وسلوكه،وبين عقيدته وعمله،فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم،متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض،وإذا العمل عبادة متى توجه به الإنسان إلى الله،ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة.
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة،فلا تشق التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء.ولا تسهّل وتترّخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار،ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض:أفراداً وأزواجا“،وحكومات وشعوبا،ودولاً وأجناسا،وتقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى،ولا تميل مع المودة والشنآن،ولا تصرفها المصالح والأغراض.الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقهنوهو أعلم بمن خلق،وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل،فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان.
ويهدي للتي هي أقوم في تبني الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام“.
وكما أن القرآن الكريم يُفسّر بالقرآن،ولكن هناك كثيرمن ألاحاديث النبوية الشريفة،وأقوال الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين توضّح لنا وتبيّن مكنونات وذخائر ماتحتويه دفتي هذا الكتاب العظيم.
في حديث أخرجه الترمذي والدارمي عن الحارث الأعور عن الإمام علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „ستكون فتن،قلت: فما المخرج منها يارسول الله؟قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر مابعدكم،وحكم ما بينكم،وهو الفصل ليس بالهزل،من تركه من جبار قصمه الله،ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله،وهو حبل الله المتين،والذكر الحكيم،وهو الصراط المستقيم،وهو الذي لا تزيغ به الأهواء،ولا تلتبس به الألسنة،ولا تشبع منه العلماء،ولا يخلق على كثرة الرّد،ولا تنقضي عجائبه،وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا:{ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فأمنا به}،من قال به صدق،ومن حكم به عدل،ومن عمل به أجر،ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم“.وهو حديث ضعيف أخرجه الترمذي والدارمي عن الإمام علي مرفوعاً وسبب ضعفه وجود الحارث بن عبد الله الأعور في سنده وهو ضعيف، وقد جرّحه الإمام مسلم تجريحاً كبيراً في مقدمة صحيحه ولكن الأستاذ العلّامة محمد لطفي الصباغ وكما ذكر في كتاب نداء إلى الدعاة(ص16ـ17 ) يقول: „يعجبني هذا الحديث الذي فيه وصف رائع للقرآن مع أنه حديث ضعيف.
وينسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه(العقد الفريد ج4 ص129):
„هذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه،ولا يُطفأ نوره،فثقوا بقوله،وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة“
ويُنسب لسيدنا علي رضي الله عنه قوله في القرآن:
„ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه،وسراجاً لا يخبو توقدّه،وبحراً لا يدرك قعره،ومنهاجاً لا يضل نهجه،وشعاعاً لا يظلم ضؤوه،وفرقاناً لا يخمد برهانه،وتبياناً لا تهدم أركانه وشفاءً لا تخشى اسقامه،وعزّاً لا تهزم أنصاره،وحقاً لا تخذل أعوانه،فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه،وأثافي الإسلام وبنيانه،وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المستنزفون،وعيون لا ينضبها الماتحون،ومناهل لا يغيضها الواردون،ومنازل لا يضل نهجها المسافرون،وأعلام لا يعمى عنها السائرون،وآكام لا يجوز عنها القاصدون،جعله الله رياً لعطش العلماء،وربيعاً لقلوب الفقهاء،ومحاج لطرق الصلحاء،ودواء ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة،وحبلاً وثيقاً عروته،ومعقلاً منيعاً ذروته،وعزاً لمن تولاه، وسلماً لمن دخله،وهدى لمن ائتمّ به، وعذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلم به،وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به،وحاملاً لمن حمله، ومطية لمن اعمله،وعلماً لمن وعى،وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى“.
وقال فيه الإمام العظيم ابن القيّم رحمه الله:
„الكتاب المبين،الفارق بين الهدى والضلال،والغي والرشاد،والشك واليقين،أنزله الله لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً،ونسعد به تذكراً،ونحمله على احسن وجوهه ومعانيه، ونُصدّق به،ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه،ونجتني ثمارعلومه النافعة الموصولة إلى الله سبحانه من اشجاره،ورياحين الحكم ما بين رياضه وأزهاره،فهو كتابه الدّال عليه لمن أراد معرفته،وطريقه الموصلة لسالكها إليه،ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات،ورحمته المهداة التي بها صلاح المخلوقات،والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب،وبابه الأعظم الذي منه الدخول فلا يُغلق إذا غلقت الأبواب،وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الأراء،والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء،والنُزُل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء،لا تفنى عجائبه،ولا تقلع سحائبه،ولا تنقضي آياته،ولا تختلف دلالاته،كلما ازدادت البصائر فيه تأملاً وتفكيراً،زادها هداية وتبصيراً،وكلما تَجَسّت مَعينه، فجّر لها ينابيع الحكمة تفجيراً،فهو نور البصائر من عماها،وشفاء الصدور من أدوائها وجواها،وحياة القلوب ولذة النفوس“.
وقال فيه الأمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله :
„ومن كلام الله تعالى القرآن العظيم،وهو كتاب الله المبين،وحبله المتين،وتنزيل رب العالمين،نزل به الروح الأمين،على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، مُنزّل غير مخلوق،منه بدأ وإليه يعود،وهو سور محكمات، وآيات بيّنات،وحروف وكلمات،من قرأه فله بكل حرف عشر حسنات،له أول وآخر،واجزاء وابعاض،متلو بالألسنة،محفوظ في الصدور،مسموع بالأذان،مكتوب في المصاحف،فيه محكم ومتشابه،وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام ،وأمر ونهي،{لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفهِ تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ}[فصلت 42]، {قل لئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بمثلهِ ولو كانَ بعضهم لبعضٍ ظهيرا}.[الإسراء 88].
وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا“لانؤمن بهذا القرآن“، وقال بعضهم:{إن هذا إلا قولُ البشر}[المدثر 25]فقال سبحانه:{ سأصليه سقر}[المدثر 26]، وقال بعضهم:هو شعرفقال الله{وما علّمناهُ الشعرَ وما ينبغي له إن هو إلا ذكرٌ وقرآنٌ مبين}[يس 69]، فلما نفى الله عنه أنه شعر واثبته قرآناً لم يبق شبهة لذي لبس في أن القرآن وهو هذا الكتاب العربي الذي هو حروف وكلمات وآيات وهو ليس بشعر،وقال تعالى: {وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}[البقرة 23]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل مالايُدرى ماهو ولا يُعقل، وقال تعالى:{وإذا تتلى عليهم آياتُنا بيناتٍ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآنٍ غيرِ هذا أو بدّلهُ قل ما يكون لي أن أبدّلهُ من تلقاءِ نفسي}[يونس 15] فاثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(النبأ العظيم ص44):
„ومثال آخر ما جاء في التحدي بهذا القرآن وتعجيز العالم كله عن الإتيان بمثله{قل لَئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُ على أن يأتوا بمثلِ هذا القرآن لا يأتونَ بمثلهِ ولو كانَ بعضهم لبعضٍ ظهيرا}[الإسراء88].
فانظر هذا النفي المؤكد،بل الحكم المؤبّد!هل يستطيع عربي يدري ما يقول أن يصدر هذا الحكم وهو يعلم أن مجال المساجلات بين العرب مفتوح على مصراعيه،وأن الناقد المتأخر متى أعمل الروية في تعقب قول القائل المتقدم لا يُعييه أن يجد فيه فائتاً ليستدرك،أو ناقصاً ليكمل،أو كاملاً ليزداد كمالاً؟ألم يكن يخشى بهذا التحدي أن يثير حميتهم الأدبية فيهبّوا لمنافسته وهم جميعٌ حذرون؟وماذا عساه يصنع لو أن جماعة من بلغائهم تعاقدوا على أن يضع أحدهم صيغة المعارضة،ثم يتناولها سائرهم بالإصلاح والتهذيب كما كانوا يصنعون في نقد الشعر،فيكمل ثانيهم مانقصه أولهم،وهكذا، حتى يخرجوا كلاماً إن لم يبزه فلا أقل من أن يساميه ولو في بعض نواحيه؟ثم لو طوعت له نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره فكيف يصدره على الأجيال القادمة إلى يوم القيامة، بل على الإنس والجن؟إن هذه مغامرة لايتقدم إليها رجل يعرف قدر نفسه إلا وهو مالئ يديه من تصاريف القضاء، وخبر السماء.وهكذا رماها بين أظهر العالم،فكانت هي القضاء المبرم سُلّط على العقول والأفواه، فلم يهمَّ بمعارضته إلا باء بالعجز الواضح، والفشل الفاضح.على مرِّ العصور والدهور“.
وقال فيه ابن قتيبة رحمه الله:
„وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره،واتسع علمه،وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب،وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة قد أوتيت العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب،وأراد الله تعالى إقامة الدليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب، فجعل علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور في زمانه المبعوث فيه،وللعرب مجازات في الكلام ومعناها طرق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار،والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع،والجميع خطاب الواحد،والواحد والجمع خطاب الإثنين،والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص،مع أشياء كثيرة، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن“.
وقال فيه الجاحظ(أمراء البيان ص315):
„القرآن حجة على الملحد،وتبيان للموحد،قائم بالحلال المنزل،والحرام المُفصّل،وفاصل بين الحق والباطل،وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل،وإمام تُقام به الفرائض والنوافل،وسراج لا يخبو ضياؤه،ومصباح لا يخزن ذكاؤه،وشهاب لا يُطفأ نوره وبحر لا يدرك غوره،ومعدن لا تتقطع كنوزه،ومعقل يمنع الهلكة والبوار،ومرشد يدل على طريق الجنة والنار،وزاجر يصد عن المحارم ويجير يوم التحاكم“.
وقال فيه الإمام الباقلاني رحمه الله :
„إنك تجد في كتاب الله الحكمة وفصل الخطاب،مجلوة عليك في منظر بهيج ومعرض رشيق،ونظم انيق،غير متعاص على الأسماع،ولا ملتو على الأفهام،ولا مستكره على اللفظ،يمر كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر،طموح العباب، جموح على الطارق المُنتاب كالروح في البدن، والنور المسيطر في الأفق،والغيث الشامل،والضياء الباهر،لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد“.
وقال فيه الإمام الفخر الرازي رحمه الله :
„لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً ورأيت أقرب الطرق،طريق القرآن ومن جرّب تجربتي عرف مثل معرفتي“.
وقال فيه الراغب الأصفهاني(مقدمة كتابه „المفردات في غريب القرآن):
„إن الله تعالى كما جعل النبوة بنبينا مختتمة،وجعل شرائعهم بشريعته من وجهٍ مُنتسخة ومن وجهٍ مُكّملة مُتمّمة كما قال تعالى:{اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ ديناً}[المائدة 3].جعل كتابه المُنزل عليه متضمناً ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم كما نبّه عليه بقوله تعالى:{يتلو صُحفاً مُطهَّرةً*فيها كتُبٌ قيّمةٌ}[البينة 2 ـ 3]،وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم مُتضمنٌ للمعنى الجمّ،وبحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه،والآلات الدنيوية عن استيفائه كما نبّه عليه بقوله تعالى:{ولو أنَّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يَمُدُّهُ من بعدهِ سبعةُ أبحُرٍ ما نفِدَت كلماتُ الله إنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ}[لقمان 27].
والقرآن وإن كان لا يخلو لناظر فيه من نورٍ ما يُريه،ونفعٍ ما يُوليه،فإنه:كالبدر من حيثُ التفتَّ رأيته يُهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً كالشمس في كبد السماء وضوءها يغشى البلاد مشارقاً ومغارباً،لكن محاسن أنواره لا يُثقفها إلا البصائر الجليّة،وأطايب ثمره لا يقطعها إلا الأيدي الزكية،ومنافعُ شفائه لا ينالها إلا النفوس النقية،كما صرح تعالى به فقال في وصف مُتناوليه:{إنّهُ لَقرآنٌ كريمٌ*في كتابِ مكنونٍ* لا يَمسُّهُ إلا المُطهَّرون}[الواقعة 77 ـ 79]،وقال في وصف سامعيه:{قلْ هوَ للذينَ آمنوا هُدىً وشِفاءٌ والذينَ لا يؤمنونَ في آذانهم وقرٌ وهوَ عليهم عمى}[فصلت 44]“.
وقال فيه القاضي عياض في الشفاء من وجوه الإعجاز(نقلاً عن مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا العدد 182):
„اعلم وفقنا الله وإياك أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه:
أولها:حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إعجازه وبلاغته الخارقة عادة للعرب وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام قد خصوا من البلاغة والحكم،بما لم يخص به غيره من الأمم،وأوتوا من ذرابة اللسان،مالم يؤت إنسان،ومن فصل الخطاب، مايقيد الألباب،جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة،وفيهم عزيزة وقوة،يأتون منه على البديهة بالعجب،ويدلون به إلى كل سبب،فيخطبون بديهاً في المقامات وشديد الخطب،ويرتجزون به بين الطعن والضرب،ويمدحون ويقدحون،ويتوسلون ويتوصلون،ويرفعون ويضعون،فيأتون من ذلك بالسحر الحلال،ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب،ويذهبون الإحن،ويهيجون الدمن،ويجرّئون الجبان،ويبسطون يد الجعد البنان،ويصيرون الناقص كاملاً،ويتركون النبيه خاملاً،منهم البدوي ذو اللفظ الجزل،والقول الفصل،والكلام الفخم،والطبع الجوهري،والمنزع القوي،ومنهم الحاضري ذو البلاغة البارعة،والألفاظ الناصعة،والكلمات الجامعة،والطبع السهل،والتصرف في القول،القليل الكلفة،الكثير الرونق،الرقيق الحاشية،وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة،والقوة الدامغة،والقدح الفالج،والمهيع الناهج،لايشكون أن الكلام طوع مرادهم،والبلاغة ملك قيادهم،قد حووا فنونها،واستنبطوا عيونها،ودخلوا من كل باب من أبوابها،وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها،فقالوا في الخطير والمهين،وتفننوا في الغث والسمين،وتقاولوا في القل والكثر،وتساجلوا في النظم والنثر.فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز{لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد}[فصلت 42]، أحكمت آياته،وفصلت كلماته،وبهرت بلاغته العقول،وظهرت فصاحته على كل مقول،وتضافر إيجازه وإعجازه.وتظاهرت حقيقته ومجازه،وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه،وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه،واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه،وهم أفسح ماكانوا في هذا الباب مجالاً.وأشهر في الخطابة رجالاً، وأكثر في السجع والشعر سجالاً،وأوسع في الغريب واللغة مقالاً،بلغتهم التي بها يتحاورون،ومنازعهم التي عنها يتناضلون،صارخاً بهم في كل حين،ومقرعاً لهم بضعاً وعشرين عاماً على رؤوس الملأ أجمعين:{أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}[يونس 38]، {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}[البقرة 23]،إلى قوله{ولن تفعلوا} و{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} ا[الإسراء 88] و{قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات}[هود 13] وذلك أن المفترى أسهل،ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب،والفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب، ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال له وفلان يكتب كما يريدن وللأول على الثاني فضل وبينهما شأو بعيد.فلم يزل يقرّعهم صلى الله عليه وسلم أشد التقريع،ويوبخهم غاية التوبيخ،ويسفه أحلامهم،ويحط أعلامهم،ويشتت نظامهم،ويذم آلهتهم وآباءهم،ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته،محجمون عن مماثلته،ويخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب،والإغراء بالإفتراء وقولهم:إن هذا إلا سحر يؤثر وسحر مستمر وأفك افتراه وأساطير الأولين،والمباهتة والرضى بالدنيئة كقولهم: قلوبنا غلف،وفي أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب،ولاتسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون،والإدعاء بقولهم:لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقد قال لهم الله{ولن تفعلوا} فما فعلوا ولاقدروا.ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم،وسلبهم الله الفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف عن أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم،ولاجنس بلاغتهم،بل ولوا عنه مدبرين وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون.ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم{إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل 90] قال: والله إن له لحلاوة،وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق،وإن أعلاه لمثمر،مايقول هذا بشر.وذكر أبو عبيد أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ{فاصدع بما تؤمر} فسجد، وقال: سجدت لفصاحته.وسمع آخر رجلاً يقرأ{فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً}[يوسف80] فقال : أشهد أن مخلوقاً لايقدر على مثل هذا الكلام.وحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوماً نائماً في المسجد فإذا هو بقائم على راسه يتشهد شهادة الحق فاستخبره فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها وإنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع فيها ما انزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة وهي قوله تعالى{ومن يطع الله ورسوله ويخشَ الله ويتقه} [النور52]ا، وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها:قاتلك الله ما أفصحك! فقالت:أو يعدّ هذا فصاحة بعد قول الله تعالى{وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} ا[القصص7]، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين.وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتى به بمعلوم ضرورة.وكونه صلى الله عليه وسلم متحدياً به علوم ضرورة.وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة.وكونه في فصاحته خارقاً للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة.وسبيل من ليس في أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عند معارضته واعتراف المفترين بإعجاز بلاغته ، وأنت إذا تأملت قوله تعالى{ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب}[البقرة179] وقوله{ولو ترى إذ فزِعوا فلا فوتَ وأُخذوا من مكانٍ قريب}[سبأ 51]وقوله{ وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي}[هود 44] وقوله{ فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً}[العنكبوت 40] وأشباهها من الآي بل أكثر القرآن حققت مابينه في إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها ،وإن تحت كل لفظة منها جملاً كثيرة وفصولاً جمة وعلوماً زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها،وكثرت المقالات في المستنبطات عنها.
الوجه الثاني من إعجازه:صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليها ووقفت مقاطع آية وانتهت فواصل كلماته إليه.ولم يوجد قبله ولابعده نظير إليه،ولا استطاع أحد مماثلة شئ منه،بل حارت فيه عقولهم،وتدلهت دونه أحلامهم،ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم،من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر.ولما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة وقرأ عليه القرآن رقّ فجاءه أبو جهل منكراً عليه قال:والله مامنكم أحد أعلم بالأشعار مني والله مايشبه الذي يقول شيئاً من هذا. وفي خبره الآخر حين جمع قريشاً عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأياً لايكذب بعضكم بعضاً، فقالوا:نقول كاهن،قال: والله ماهو بكاهن، ماهو بزمزمته ولاسجعه، قالوا: مجنون،قال: وماهو بمجنون ولابخنقه ولاوسوسته،قالوا فنقول: شاعر،قال: ماهو بشاعر قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، وماهو بشاعر،قالوا: فنقول ساحر،قال: وماهو بساحر ولانفثه ولاعقده، قالوا: فما نقول؟قال: وما أنتم بقائلين في هذا شيئاً إلا وأنا أعرف أنه باطل وإن أقرب القول إنه ساحر،فإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته. فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس فأنزل الله تعالى في الوليد{ذرني ومن خلقت وحيداً}الآيات من المدثر.
وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن: ياقومي قد علمتم أني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته والله لقد سمعت قولاً والله ماسمعت مثله قط، ماهو بالشعر ولابالسحرولا بالكهانة.وقال النضر بن الحارث نحوه.وفي حديث إسلام أبي ذرّ ووصف أخاه أنيساً فقال:والله ماسمعت بأشعر من أخي أنيس لقد ناقض إثني عشر شاعراً في الجاهلية أنا أحدهم،وإنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت: فما يقول الناس؟قال: يقولون شاعر،كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فماهو بقولهم،ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعد، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول:أنه ماجمع في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه وبديع تأليفه وأسلوبه لايصح أن يكون في مقدور البشر،وإنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء الموتى وقلب العصا وتسبيح الحصا.
وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت،وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع،وهو أبلغ في التعجيز،وأحرى بالتقريع،والاحتجاج بمجئ بشر مثلهم بشئ ليس من قدرة البشرلازم،وهو أبهر آية،وأقمع دلالة،وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال،بل صبروا على الجلاء والقتل،وتجرعوا كاسات الصَغار والذل،وكانوا من شموخ الأنف وإبائة الضيم بحيث لايؤثرون ذلك اختياراً،ولايرضونه إلا اضطراراً.وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم،والشغل بها أهون عليهم،وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم،وهم ممن لهم القدرة على الكلام،وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام،ومامنهم إلا من جهد جهده،واستنفد ماعنده،في إخفاء ظهوره،وإطفاء نوره. فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم،ولا أتوا بنطفة من معين مياهم.مع طول الأمد وكثرة العدد.وتظاهر الوالد وما ولدن بل أبلسوا فما نبسوا.ومنعوا فانقطعوا.
الوجه الثالث:ما انطوى عليه من الأخبار المغيبات ومالم يكن،ولم يقع ،كقوله تعالى:{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين}[الفتح27]، وقوله تعالى:{وهم من بعد غلبهم سيغلبون}[الروم3]، وقوله:{ليظهره على الدين كله}[الصف9]وقوله{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض}[النور55]وقوله{إذا جاء نصر الله والفتح}.. فكان جميع هذا كما قال فغلبت الروم فارس في بضع سنين ودخل الناس الإسلام واستخلف المؤمنين في الأرض ومكن فيها دينهم وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب كما قال صلى الله عليه وسلم:„إن الله زوى لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها فإن أمتي سيبلغ ملكها مازوي لي منها„[صحيح ابن حبان عن ثوبان].وقوله:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}فكان ذلك.ومنه قوله{سيهزم الجمع ويولون الدبر}[القمر 45]وقوله{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}[التوبة 14]وقوله{هو الذي أرسل رسوله بالهدى}[التوبة 33]وقوله{لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم} [آل عمران 111]فكان كل ذلك.ومافيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك كقوله{ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول}[المجادلة8]، وقوله{يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك}[آل عمران154]وقوله{من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه}[النساء 46]. وقال مبدياً ماقدره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر{وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}[الأنفال 7]ومنه قوله تعالى{إنا كفيناك المستهزئين}[الحجر 95] ولما نزلت بشرّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه بأن الله كفاه إياهم وكان المستهزئون نفراً بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا.وقوله{ والله يعصمك من الناس}[المائدة 67] فكان كذلك على كثرة من رام ضره وقصد قتله .
الوجه الرابع:ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة،والامم البائدة،والشرائع الداثرة،مما كان لايعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه،ويأتي به على نصه،فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه،وإن مثله لم ينله بتعليم،وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أميّ لايقرأ ولايكتب،ولا اشتغل بمدارسة ولامثافنة،ولم يغب عنهم، ولاجهل حاله أحد منهم،وقد كان أهل الكتاب كثيراً مايسألونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه من القرآن مايتلو عليهم منه ذكراً،كقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف وأخوته وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان وابنه وأشباه ذلك من الأنباء وبدء الخلق وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء بها،ولم يقدروا على تكذيب ماذكر منها،بل أذعنوا لذلك فمن موفق آمن بما سبق له من خير،ومن شقي معاند حاسد.ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم، وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم وتعنيهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم،ومستودعات سيرهم، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم،ومضمنات كتبهم، مثل سؤالهم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف وعيسى وحكم الرجم وماحرّم إسرائيل على نفسه وما حرّم عليهم من الأنعام ومن طيبات كانت أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم،وعرفهم بما أوحي إليه من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه بل أكثرهم صرّح بصحة نبوته،وصدق مقالته،واعترف بعناده وحسده إياه،كأهل نجران وابن صوريا وغيرهم.ومن باهت في ذلك بعض المباهتة،وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة،دعي إلى إقامة حجته، وكشف دعوته،فقيل له {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}[آل عمران 93] فقرّع ووبخّ، ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع،فمن معترف بما جحده،ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه يده،ولم يؤثر أنه واحداً منهم أظهر بخلاف قوله من كتبه،ولاأبدى صحيحاً ولاسقيماً من صحفه، قال الله تعالى:{يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير}.[المائدة 15].
ويتابع القاضي عياض رحمه الله(المنار العدد 183):
„هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ولامرية.ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لايفعلونها فما فعلوا ولاقدروا على ذلك كقوله لليهود{قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} [البقرة 94]. قال أبو إسحاق الزجاج:في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة لأنه قال{فتمنوا الموت}وأعلمهم إنهم لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم.وعن النبي صلى الله عليه وسلم:“والذي نفسي بيده لايقوله رجل منهم إلا غصّ بريقه„.يعني يموت مكانه.فصرفهم الله عن تمنيه وجزّعهم ليظهر صدق رسوله وصحة ما أوحي إليه إذ لم يتمنه أحد منهم وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا ولكن الله يفعل مايريد.فظهرت بذلك معجزته،وبانت حجته.
وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى حيث وفد أساقفة نجران وأبوا الإسلام فأنزل الله تعالى آية المباهلة بقوله{ فمن حاجك فيه} الآية، فامتنعوا منها ورضوا بأداء الجزية وذلك أن (العاقب) عظمهم قال لهم: قد علمتم أنه نبي وأنه ما لاعن قوماً نبي قط فبقي كبيرهم ولاصغيرهم.ومثله قوله{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} إلى قوله{ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فأخبرهم أنهم لايفعلون كما كان وهذه الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ولكن فيها من التعجيز مافي التي قبلها.
ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه،والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنافة خطره، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفوراً كما قال تعالى ويودون انقطاعه لكراهتم له . .وأما المؤمن فلاتزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه إنجذاباً وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال تعالى:{تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} وقال:{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} الآية.ويدل على أن هذا شئ خاص به أنه يعتري من لايفهم معانيه ولايعلم تفاسيره كما روى عن نصراني أنه مرّ بقارئ فوقف يبكي فقيل له: ممّ بكيت؟ قال: للشجا والنظم.وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وهلة وآمن به ومنهم من كفر.فحكي في الصحيح عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية{أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون}[الطور35] إلى قوله{المصيطرون} كاد قلبي أنه يطير للإسلام.وفي رواية وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي.وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم حم فصلت إلى قوله{صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}[فصلت 13] فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف ،وفي رواية فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقام عتبة لا يدري بما يراجعه ويرجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم وقال: والله لقد كلمني بكلام والله ماسمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له.
ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لاتعدم مابقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه فقال:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقال{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه} الآية.وسائر معجزات الأنبياء قد انقضت بإنقضاء أوقاتها فلم يبق إلا خبرها.والقرآن العزيز الباهرة آياته،الظاهرة معجزاته،على ماكان عليه اليوم مدة خمسة مائة عام وخمس وثلاثين سنة لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته قاهرة،ومعارضته ممتنعة،والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، حملة علم اللسان،وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام وجهابذة البراعة،والملحد فيهم كثير،والمعادي للشرع عتيد، فمامنهم من أتى بشئ يؤثر في معارضته،ولا ألف كلمتين في مناقضته،ولاقدر فيه على مطعن صحيح، ولاقدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه،والنكوص على عقبيه“.
ويقول سيد قطب رحمه الله(الظلال ـ سورة الشعراء):
„ولكنه سبحانه لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة.لقد جعل آيتها القرآن.منهاج حياة كاملة.معجزاً في كل ناحية:
ـ معجزاً في بنائه التعبيري وتنيسقه الفني،باستقامته على خصائص واحدة،في مستوى واحد،لا يختلف ولا يتفاوت،ولا تتخلف خصائصه كما هو الحال في أعمال البشر.إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد،المتغير الحالات.بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد،ومستوى واحد،ثابت لا يتخلف،يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال.
ـ معجزاً في بنائه الفكري،وتناسق أجزائه وتكاملها،فلا فلتة فيه ولا مصادفة.كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل،وتحيط بالحياة البشرية وتستوعبها،وتلبيها وتدفعها،دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى،ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها…وكلها مشدودة إلى محور واحد،وإلى عروة واحدة،في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة.ولابد أن تكون هناك خبرة مطلقة،غير مقيدة بقيود الزمان والمكان.هي التي أحاطت به هذه الإحاطة،ونظمته هذا التنظيم.
ـ معجزاً في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس،ولمس مفاتيحها،وفتح مغاليقها،واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها،وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين،وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات،دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة“.
وقال سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء 88] يقول رحمه الله:
„فهذا القرآن ليس ألفاظاً وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها،إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصنعوه.هو كالروح من أمر الله لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل،وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره.
والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل.منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها،والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها.
إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه،وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به“.
وقال فيه الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله :
„آية الله الكبرى القرآن العظيم،وهو كتاب لا كالكتب،وهو آية لا كالآيات،هو معجزة المعجزات،هو نورلا كالأنوار،هو سر لا كالأسرار،هو كلام لا كالكلام،هو كلام الله الحي القيوم،فهو معجز للخلق بلفظه ونظمه واسلوبه وهدايته وتأثيره وعلومه“.
وقال فيه الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد455):
„القرآن كلام الله المعجز للخلق في أسلوبه ونظمه، وفي علومه وحكمه،وفي تأثير هدايته، وفي كشفه الحجب عن الغيوب الماضية والمستقبلة،وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول،وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول،وقد تحدّى محمد رسول الله النبي العربي الأمي العرب بإعجازه، وحكى لهم عن ربه القطع بعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله،فظهر عجزهم على شدة حرص بلغائهم على إبطال دعوته،واجتثاث نبتته،ونقل جميع المسلمين هذا التحدي إلى جميع الأمم فظهرعجزها أيضاً.
ويتابع رحمه الله:“لقد حار العلماء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن،بعد أن ثبتت عندهم بالوجدان والبرهان،حتى قال بعضهم إن الله تعالى قد صرف عنه قدَر القادرين على المعارضة بخلق العجز في أنفسهم وألسنتهم،وذلك أن إدراك كنه العجز والإحاطة بأسبابه وأسراره ضرب من ضروب القدرة، والمقام مقام عجز مطلق،فالقرآن في البيان والهداية كالروح في الجسد،والأثير في المادة،والكهرباء في الكون،تعرف هذه الأشياء بمظاهرها وآثارها، ويعجز العارفون عن بيان كنهها وحقيقتها،وفي وصف ماعرف منها أو عنها لذة عقلية لايستغني عنها،كذلك ماعرف من أسباب عجز العلماء والبلغاء عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن في الهداية أو الأسلوب أو حسن البيان،فيه لذات عقلية وروحية، وطمأنينة ذوقية وجدانية،تتضاءل دونها شبهات الملحدين،وتهزم من طريقها تشكيكات الزنادقة والمرتابين“.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد69 بتاريخ 29 تموز عام 1899م):
„بماذا نحيا؟ لا حياة لنا إلا بما حيي به أسلافنا من قبل وما كانت حياتهم إلا بروح القرآن.أترون من البعيد أن تعود إلينا حياتنا بهذا الروح الشريف؟كيف وقد عاش آباؤنا الأولون بالستقاء من ينبوعه المتفجر من عين الحياة الأزلية الأبدية وإنما متنا بترك الاستقاء منه اكتفاءً بالوشل الآجن الذي ينضح من آنية أمثالنا المخلوقين.إن القرآن قد صارع الهمجية العربية فصرعها وغالب جيوش الوثنية فغلبها وزرع فسيل المدنية الفضلى في تلك الأرض التي كانت معشوشبة بجميع الأعشاب الخبيثة فاجتث هذه الأعشاب وأنمى ذلك الفسيل فكان أدواحاً عظيمة من كل زوج بهيج.
اشتهر عند مشركي العرب أن القرآن ما خالط قلباً إلا وجذبه إلى الحنيفية وقاده إلى جنة الإسلام بسلاسل الإقناع والبرهان فحملهم الحرص على عقائدهم وحب البقاء على تقاليدهم على مقاواته بما يمكنهم فكان أمثل رأي ارتأوه في ذلك ما قصه الله علينا بقوله{وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون}[فصلت 26] رأوا عدم السماع له بالمرة وهو رأي الجبناء في الهزيمة ورأوا مقابلته باللغو واللغط لئلا يسبق منه إلى الأذهان شيء فيقتادها إلى ما لم يكن من مرادها وإن كان فيه هدايتها ورشادها ولم يكونوا مع هذا على ثقة من الغلب وإنما هو الأمل والرجاء. وبلغ من عدائهم للقرآن ما قصه الله تعالى {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}.[الأنفال 32].
إن الحياة التي تفيض علينا أمواها من أنابيب القرآن تكفل لنا سعادة الدارين وتمنحنا الفوز بالحسنيين ولا نعلم ديناً جمع بين مصالح الروح والجسد ومنافع الدنيا والآخرة على وجه الكمال إلا دين القرآن الذي علمنا أن ندعو الله تعالى بقوله{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}[البقرة 201].ويقول نبي هذا الدين محمد صلى الله عليه وسلم:“اليد العليا خير من اليد السفلى“[أخرجه الشيخان والنسائي عن حكيم بن حزام].ويقول:„إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس“.[متفق عليه عن سعد بن أبي وقاص]
وقال فيه الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد458 و459):
„إعجاز القرآن قد ثبت بالفعل،وتواتر فيه النقل،وحسبك منه وجود مالايحصى من المصاحف في جميع الأقطار التي يسكنها المسلمون وكذا في غيرها ووجود الألوف من حفاظه في مشارق الأرض ومغاربها وهي تحكي لنا هذه الآيات في التحدي بإعجاز،ولو وجد له معارض أتى بسورة مثله لتوفرت الدواعي على نقلها بالتواتر أيضاً، بل لكانت فتنة ارتد بها المسلمون على أدبارهم.ووجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
! ـ إعجاز القرآن بأسلوبه ونظمه:
وهو اشتماله على النظم الغريب،والوزن العجيب،والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من كلام العرب في مطالعه وفواصله ومقاطعه.
ولعمري ان مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكبر،وأعجب العجائب لمن فكر وابصر،ولم يوفها أحد حقها،على كثرة ما أبدوا وأعادوا فيها،وما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد،وإنما هو مائة أو أكثر:القرآن مائة وأربع عشرة سورة متفاوتة في الطول والقصر: من السبع الطوال التي تزيد السورة فيه على المائة وعلى المائتين من الآيات ـ إلى السور المئين ـ إلى الوسطى من المفصل إلى مادونها من العشرات فالآحاد كالثلاث الآيات فما فوقها، وكل سورة منها تقرأ بالترتيل المشبه للتلحين، المعين على الفهم المفيد للتأثير،على اختلافها في الفواصل وتفاوت آياتها في الطول والقصر،فمنها المؤلف من كلمة واحدة ومن كلمتين ومن ثلاث،ومنها المؤلف من سطر أو سطرين أو بضعة أسطر، ومنها المتفق في أكثر الفواصل أو كلها،ومنها المختلف في السورة الواحدة منها،وهي على مافيها متشابه وغير متشابه في النظم، متشابه كلها في مزج المعاني العالية بعضها ببعض،من صفات الله تعالى واسمائه الحسنى، وآياته في الأنفس والآفاق،والحكم والمواعظ والأمثال، وبيان البعث والمآل، ودار الأبرار ودار الفجار،والاعتبار بقصص الرسل والأقوام، وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام.
2 ـ إعجاز القرآن ببلاغته:
بلاغته التي تقاصرت عنها بلاغة سائر البلغاء قبله وفي عصر تنزيله وفيما بعده،ولم يختلف أحد من أهل البيان في هذا،وإنما أورد بعض المخالفين بعض الشبه على كون بلاغة كل سورة من قصار سوره بلغت حد الإعجاز فيه، والقائلون به لايحصرون إعجاز كل سورة فيه،ويتحقق التحدي عندهم بإعجاز بعض السور القصيرة بغيره.كأخبار الغيب في سورة الكوثر التي هي اقصر سوره، على أن مسيلمة تصدى لمعارضتها بمحاكاة فواصلها، فجاء بخزي كان حجة على عجزه وصحة إعجازها.
فمعرفة مكانة القرآن من البلاغة لايحكمها من الجهة الفنية والذوقية إلا من أوتي حظاً عظيماً من مختار كلام البلغاء المنظوم والمنثور،من مرسل ومسجوع،حتى صار ملكة له وذوقا،واستعان على فهم فلسفته بمثل كتابي عبد القاهر الجرجاني والصناعتين لأبي هلال العسكري والخصائص لإبن جني،وأساس البلاغة للزمخشري، ومغني اللبيب لإبن هشام هذه مقدمات البلاغة ونتيجتها الملكة ولها غاية يمكن العلم بها من التاريخ، وهي ماكان للقرآن من التأثير في الأمة العربية، ثم فيمن حذقها من الأعاجم أيضا.
3 ـ إعجاز القرآن بما فيه من علم الغيب:
وهو اشتماله على الأخبار بالغيب من ماض كقصص الرسل مع أقوامهم، ومن حاضر في عصر تنزيله، كقوله تعالى:{آلم* غُلبت الرُّوم* في أدنى الأرضِ وهُم من بعدِ غَلَبِهم سَيغلبون*في بضعِ سِنينَ لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ويومئذٍ يفرح المؤمنون* بنصرِ الله ينصر من يشاء وهو العزيزُ الرّحيم}[الروم 1 ـ 5]وفيها خبران عن الغيب ظهر صدقهما بعد بضع سنين من نزول الآية. ومنها قوله تعالى:{لقد صَدقَ اللهُ رَسولَهُ الرؤيا بالحقِّ لَتَدخُلُنّ المسجدَ الحرامَ إن شاء اللهُ آمنينَ مُحَلّقين رؤوسَكُم ومُقَصِّرينَ لاتخافون}[الفتح 27].
ومن أظهر هذه الأخبار وعده تعالى بحفظ القرآن من النسيان والتغيير والتبديل في قوله:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر9].ووعده بحفظ الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:{والله يعصمك من الناس} وغيرها كثير.
يقول سيد قطب رحمه الله في الآية 9 من سورة الحجر:
„وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد الله الحقّ بحفظ هذا الذكر،فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب،ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصوناً محفوظاً لا تتبدل فيه كلمة،ولا تحرف فيه جملة،لولا أن هناك قدرة خارجة عن إرادة البشر،أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل،تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل،وتصونه من العبث والتحريف.
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد وعد.أما هذا اليوم من وراء تلك الأحداث الضخام،ومن وراء كل تلك القرون الطوال فهو المعجزة الشاهدة بربانيّة هذا الكتاب والتي لا يُماري فيها إلا عنيد جهول“.
فهذه الأخبار الكثيرة بالغيب دليل واضح على نبوة نبينا وكون القرآن من عند الله تعالى إذ لايعلم الغيب غيره سبحانه.
4 ـ إعجاز القرآن بسلامته من الاختلاف:
سلامته على طوله من التعارض والتناقض والاختلاف خلافاً لجميع كلام البشر وهو المراد بقوله تعالى:{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} وإننا نجد كبار العلماء في كل عصر يصنفون الكتاب فيسودون،ثم يصححون ويبيضون،ثم يطبعون وينشرون، ثم يضهر لهم ولغيرهم كثير من التعارض والاختلاف والأغلاط اللفظية والمعنوية لاسيما إذا طال الزمان، وهذا أمر مشهور في جميع الأمم.
5 ـ إعجاز القرآن بالعلوم الدينية والتشريع:
وهو اشتماله على العلوم الإلهية، وأصول العقائد الدينية،وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب،وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي، الموافقة لكل زمان ومكان،وبذلك يفضل كل ماسبقه من الكتب السماوية،ومن الشرائع الوضعية،ومن الآداب الفلسفية،كما يشهد بذلك أهل العلم المنصفون من جميع الأمم الشرقية والغربية.
6 ـ إعجاز القرآن بعجز الزمان عن إبطال شئ منه:
إن القرآن يشتمل على بيان كثير من آيات الله تعالى في جميع أنواع المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان والإنسان ويصف خلق السموات وشمسها وقمرها ودراريها ونجومها والأرض والهواء والسحاب والماء من بحار وأنهار وعيون وينابيع،وفيه تفصيل لكثير من أخبار الأمم، وبيان لطريق التشريع السوي،وقد حفظ ذلك كله فيه بكلمه وحروفه منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف،ثم عجزت هذه القرون، التي ارتفعت فيها جميع العلوم والفنون، أن تنقض بناء آية من آياته،أو تبطل حكماً من أحكامه،أو تكذب خبراً من أخباره، وهي التي جعلت فلاسفة اليونان دكاً،ونسخت شرائع الأمم نسخاً،وتركت سائر علوم الأوائل قاعاً صفصفا.
7 ـ إعجاز القرآن بتحقيق مسائل كانت مجهولة للبشر:
وهو اشتمال القرآن على تحقيق كثير من المسائل العلمية والتاريخية التي لم تكن معروفة في عصر نزوله ثم عرفت بعد ذلك بما انكسف للباحثين والمحققين من طبيعة الكون وتاريخ البشر وسنن الله في الخلق“.
ويتابع الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله واسكنه فسيح جنانه(مجلة المنار العدد 461 بتاريخ 29 حزيران عام 1927م):
„إن ما أيد الله تعالى به رسله من الآيات الكونية كان مناسباً لحال زمان كل منهم وأهله،وقامت الحجة على من شاهد تلك الآيات في عهده،ثم على من صدق المخبرين من بعده،وقد علم الله تعالى أن سلسلة النقل ستنقطع، وأن ثقة بعض المتأخرين به ولاسيما بعد انقطاع سلسلته ستضعف،وأن دلالتها على الرسالة ستنكر، فجعل الآية الكبرى على إثبات رسالة خاتم النبيين علمية دائمة لاتنقطع، وهي هذا الكتاب المعجز للخلق بما فيه من أنواع الإعجاز السبعة التي ذكرناها، وبيّنا أن كل واحد منها آية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وكان مستقلاً مطلقاً من أسر النظريات المادية وقيود التقليد.إذ لايتصور عاقل يؤمن برب العالمين أن يصدر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر العظيم من المعاني، في هذا الأسلوب البديع والنظم المنيع من المباني،من رجل أمي ولامتعلم أيضاً، إلا أن يكون وحياً اختصه به الرب عزّ وجلّ،ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله،ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فهذا التحدي حجة مستقلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بصرف النظر عن المتحدي به ماهو،وكل نوع من تلك الأنواع السبعة الثابتة للقرآن حجة مستقلة في نفسها،وحجة أنهض وأقوى باعتبار أمية من جاء بها“.
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 503 بتاريخ الأول من تموز عام 1932م):
„هو كتاب لا كالكتب،هو آية لا كالآيات،هو معجزة لا كالمعجزات،هو نور لا كالأنوار،هو سر لا كالأسرار،هو كلام لا كالكلام،هو كلام الله الحي القيوم الذي ليس لروح القدس جبريل الأمين عليه السلام منه إلا نقله بلفظه العربي من الأفق الأعلى إلى هذه الأرض،ولا لمحمد رسول الله وخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله منه إلا تبليغه للناس ليهتدوا به،فهو معجز للخلق بلفظه ونظمه واسلوبه وعلومه وهدايته.
فمن كان يؤمن بان للعالم رباً عليماً حكيماً مريداً فاعلاً مختاراً فلا مندوحة له ولا مناص من الإيمان بأن هذا القرآن وحي من لدنه عز وجل أنزله على خاتم أنبيائه المرسلين رحمة بهم ليهتدوا به إلى تكميل فطرتهم،وتزكية أنفسهم،وإصلاح مجتمعهم من المفاسد التي كانت عامة لجميع أممهم، فيكون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فرضاً غلهياً لازباً عاماً كما قال تعالى:{قل يا أيُّها النَّاس ُإنّي رسولُ الله إليكم جميعاً الذي له ملكُ السّمواتِ والأرضِ لا إله إلا هو يُحيي ويُميت فآمنوا بالله ورسولهِ النّبي الأمّي الذي يؤمنُ بالله وكلماتهِ واتبعوه لعلكم تهتدون}[الأعراف 158].
ويتابع رحمه الله:“ فالقرآن كتاب أنزل على قلب رجل امي نشأ على الفطرة البشرية سليم العقل صقيل النفس طاهر الاخلاق لم تملكه تقاليد دينية ولا أهواء دنيوية لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير في العرب فسائر الامم يكتسح من العالم الإنساني ما يدنس فطرته من رجس الشرك والوثنية الذي هبط بهذا الإنسان من أفقه الاعلى في عالم الارض إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه المخلوقات،وما أفسد عقله وذهب باستقلال فكره من البدع الكنسية، والتقاليد المذهبية،التي أحالت توحيد الأنبياء الأولين شركاً وحقهم باطلاً،وما أفسد بأسه، وأذل نفسه، وسلبه إرادته، من استبداد الملوك الظالمين،والرؤساء القاهرين،ثورة تحرر العقل البشري والإرادة الإنسانية من رق المنتحلين لأنفسهم صفة الربوبية أو النيابة عنها في التحكم في الناس واستذلالهم،فيكون كل امرئ حراً كريماً في نفسه،عبداً خالصاً لربه وإلهه،ويوجه قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه“.
ويقول فيه الجاحظ(نقلاً عن مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا العدد 282):
„سلك أئمة البلاغة في الكلام عن إعجاز القرآن الحكيم سبلاً عديدة وذهبوا مذاهب مختلفة في تبيين وجوه الإعجاز وبيان أساليب التحدي وكان الباقلاني أكثرهم إيفاء للكلام في كتابه(إعجاز القرآن) الذي جعله خاصاً بهذا الموضوع. بيد أن الجاحظ وهو إمام الكتاب ورئيس المنشئين سلك سبيلاً أخرى في كلامه عن إعجاز القرآن فإنه لم يتعرض إلى دقائق الفصاحة وفلسفة البلاغة وبيان مناحي الكلام ومسالك النظم والنثر بل تكلم عن الإعجاز باعتبار كونه ثابتاً واقعاً وإليك كلامه:
„بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام في زمن أكثر ما كانت العرب فيه شاعراً وخطيباً،وأحكم ما كانت لغة،وأشد ما كانت عدة،فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته،فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر وأزال الشبهة،وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة،نصب لهم الحرب ونصبوا له،قتل من عِليتهم وأعمامهم وبني أعمامهم،وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن،ويدعوهم صباح مساء إلى معارضته ـ إن كان كاذباً ـ بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما أراد تحدّيا بها وتقريعاً لهم بعجزهم عنها قالوا له أنت تعرف من أخبار الأمم مالا نعرف فلذلك يمكنك مالا يمكننا.
قال فهاتوا ولو مفتريات،فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر،ولو طمع فيه لتكلفه ولو تكلفه لظهر ذلك ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وناقض،فدل ذلك العاقل على عجز القوم من كثرة كلامهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم،وعارض الشعراء من أصحابه والخطباء من أمته،لأن سورة واحدة وآية يسيرة كانت أنقص لقوله، وأبلغ في تكذيبه،وأسرع في تفريغ أتباعه عن بذل النفوس والخروج عن الأوطان وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لايخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والنبل بطبقات،ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر،والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ولهم الأسجاع واللفظ المنثور،ثم يتحدى به أقصاهم،بعد أن ظهر به عجز أدناهم،فمحال ـ أرشدك الله ـ أن يجتمع هؤلاء كلهم في الأمر الظاهر،والخطاب المكشوف البين،مع التقريع بالتقصير،والتوقيف على العجز،وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة،والكلام سيد أعمالهم،وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض،فكيف بالظاهر الجليل المنفعة،كما أنه محال أن يطيقوه ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه،ويجدون السبيل وهم يبذلون أكثر منه“.
وقال فيه الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (إعجاز القرآن ص29):
„آياتٌ منزلة من حول العرش،فالأرض بها سماء هي منها كواكب،بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب،أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها،وامتنعت عليه“أعراف“ الضمائر فابتزّ“أنفالها“. وكم صدوا عن سبيله صداً، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟واعترضوه بالألسنة رداً،ولعمري من يرد على الله القدر؟وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب،وفتحوا عليه من الحوادث كلَّ شدق فيه من كل داهية ناب.فما كان إلا نور الشمس:لايزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لايضع منه قطرة في سقائه،ويلقى الصبيّ غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لايزال النور ينبسط على غطائه.
ويتابع رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه:
„ألفاظ إذا اشتدّت فأمواج البحر الزاخرة،وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة،تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها،وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها،ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب،وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة تُرعد من حمّى القلوب.
„ومعان بينا هي عذوبة تُرويك من ماء البيان،ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان…وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير،وتخلق في أوراقها من معاني العبرة معنى العبير،وتهب عليها بأنفاس الرحمة فتَنم بسر هذا العالم الصغير.
„وبينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان،وتدع الفلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان،وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قواعده والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذا هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنْبَها،واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة: وإنما هي عند ذلك زجرةٌ واحدة:،فإذا الخلق طعام الفناء، وإذا الأرض „مائدة“.
ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(إعجاز القرآن ص13):
„ولكنه مع ذلك كتابٌ،أي كلام ومعانٍ تتسع لكل الأزمنة وتحتمل اختلافها الذي تختلف به ثم هي تحدّدُ هذا الاختلاف فتردّهُ إلى القانون الإنساني الأعلى الذي يسري فيه اليقين العامُّ ليحفظ الإنسانية على أهلها،ومن ثم تراه يجمع في نفسه الثبات الزمني، فلايتغير ولايتبدل على مايمتد الزمن ويتغير،ثم يجمع إلى ذلك لكل جيل قوة التأويل في معانيه الحادثة الصحيحة،وقوة التكوين في آدابه الصالحة القوية كأنه ليس من زمن مضى،ولا كان لأمة سلفت،ولاهو لتاريخ وقع وانقطع،فإذا أنت تدبرت هذا واستدللت عليه بما أظهره هذا الجيل العلمي في القرآن مما وافق الحقائق الطبيعية والكونية والاجتماعية فلن يأتي لك من ذلك إلا معنى واحد تستخرجه وتقع به،وهو أن هذا الكتاب الكريم أثر غيبي كان في علم الله قبل كل الأزمنة، فهو يحويها كلها وكأنه يوجد معها كلها،وبذلك يتعين أنه هداية إلهية في أسلوب إنساني يحمل في نفسه دليلَ إعجازه،ويكون القرآن منفرداً في التاريخ بأنه منذ أنزِلَ لايبرحُ في كل عصر يظهر من ناحيتين صادقتين: ناحية الماضي، وناحية الحاضر“.
ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(إعجاز القرآن ص33):
„أنزل هذا القرآن مُنَجمّاً في بضع وعشرين سنة،فربما نزلت الآية المفردة،وربما نزلت آيات عدّة إلى عشر،كما صح عن أهل الحديث فيما انتهى إليهم من طرق الرواية،وذلك بحسب الحاجة التي تكون سبباً في النزول، وليثبت به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن آياته كالزلازل الروحية،ثم ليكون ذلك أشدّ على العرب وأبلغ الحجة عليهم وأظهر لوجه إعجازه وأدعى لأن يجري أمره في مناقلاتهم ويثبت في ألسنتهم ويتسلسل به القول.
ولولا نزوله متفرقاً:آية واحدة إلى آيات قليلة،ما أفحهم الدليل في تحدّيهم بأقصر سورة منه.إذ لو أنزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يُلبس الحق بالباطل،وينفِّس عليهم أمر الإعجاز.ويهون في أنفسهم من الجملة بعضَ مالايهون من التفصيل، لأنهم قوم لايقرءون ولايتدارسون،ولكن الآية أو الآيات القصيرة تنزل في زمن يعرفون مقداره بما ينزل في عقبها ثم هم يعجزون عن مثلها في مثل هذا الزمن بعينه،وفيما يربو عليه ويُضعف،وعلى انفساح المدة وتراخي الأيام بعد ذلك إلى نفس من الدهر طويل ـ أمر هو يشبه في مذهب الإعجاز أن يكون دليل التاريخ عليه وأنه ليس في طبعهم البتةَ لاقوةً ولاحيلةً، فإن العجز عن صنع المادة لايثبت في التاريخ إلا إذا ثبتت مدة صنعها على وجه التعيين بأي قرينة من القرائن التاريخية“.
وقال الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد السادس ص197):
„فعندي أن وجه الإعجاز في كتاب رب العالمين يرجع إلى خلود الرسالة التي جاء بها هذا الكتاب،وما فيه من هدى ونور وصلاح وإصلاح للبشرية جمعاء في إسعاد الفرد والجماعة.