إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (4/8)
- ١ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٢ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٣ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٤ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٥ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٦ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٧ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
- ٨ إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً
وفي الطريقة التي يتبعها القرآن لبناء هذا التصور الكامل الصحيح في الإدراك البشري.وهو يخاطب الفطرة،خطاباً خاصاً،غير معهود مثله في كلام البشر أجمعيننوهو يقلب القلب من جميع جوانبه ومن جميع مداخله،ويعالجه علاج الخبير بكل زاوية وكل سر فيه.
وفي الشمول والتوازن والتناسق بين توجيهاته كلها،والاستواء على أفق واحد فيها كلها.مما لايعهد إطلاقاً،في أعمال البشر،التي لاتستقر على حال واحدة،ولا تستقيم على مستوى واحد،ولا تحيط هكذا بجميع الجوانب،ولا تملك التوازن المطلق الذي لا زيادة فيه ولا نقص،ولا تفريط فيه ولا إفراط،والتناسق المطلق الذي لاتعارض فيه ولا تصادم سواء في ذلك الأصول والفروع.
فهذه الظواهر المدركة…وأمثالها..مع ذلك السر الخافي الذي لا سبيل إلى إنكاره…مما يسبغ على هذا الكتاب سمة الإعجاز المطلق في جميع العصور.وهي مسألة لا يماري فيها إنسان يحترم حسه،ويحترم نفسه،ويحترم الحقيقة التي تطالعه بقوة وعمق ووضوح،حيثما واجه هذا القرآن بقلب سليم..{فليأتُوا بحديثٍ مثلهِ إن كانوا صادقين}[الطور 34].
ولقد وصف الله تعالى القرآن الكريم بعدة أوصاف وجعل له عدة مسميات تساعدنا في الرجوع إلى المنبع الأصلي والأرتواء من هذا المنهل الصافي الزلال العذب، فمن أسماء القرآن الكريم التي ذكرت في القرآن:
القرآن :{إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء 9].
والفرقان :{تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}[لفرقان 1]
والكتاب :{آلم* ذلك الكتاب لاريب فيه} [البقرة 1 ـ 2]
والذكر :{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر 9]
ومن أوصافه التي ذكرت ايضاً في القرآن الكريم ذاته:
نور: {وأنزلنا إليكم نوراً مبينا} [النساء 174]
وهدى ورحمة :{هدىً ورحمة للمحسنين}„[لقمان 3 ]
و شفاء: {وننزل من القرآن ماهو شفاء}[ الإسراء 82،]
وكريم ومبين وموعظة : {قد جاءتكم موعظة من ربكم}[ يونس 57]
حكمة: {حكمة بالغة} ا[لقمر 5 ]
وحي :{إنما أنذركم بالوحي}“ [الأنبياء 45]،ح.. وهناك خمس وخمسون اسماً للقرآن يمكن الرجوع إليها في كتاب“البرهان في علوم القرآن “ للزركشي.
يقول الدكتور صبحي الصالح رحمه الله(مباحث في علوم القرآن الكريم ـ أسماء القرآن واشتقاقها):
„لقد اختار الله لوحيه أسماء جديدة مخالفة لما سمى العرب به كلامهم جملة وتفصيلاً.وروعيت في تلك الألقاب أسرار التسمية وموارد الاشتقاق.واشتهر منها لقبان:الكتاب والقرآن.
وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور،لأن الكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ،كما أن في تسميته بالقرآن إيماءة إلى حفظه في الصدور،لأن القرآن مصدر القراءة،وفي القراءة استذكار.فهذا الوحي العربي المبين قد كُتب له من العناية به ما كفل صيانته في حرز حريز،وما جعله بنجوة من خوض العابثين وتلاعب المحرفين:إذ لم ينقل كجميع الكتب بالكتابة وحدها ولا بالحفظ وحده،بل وافقت كتابته تواتر إسناده،ووافق إسناده المتواتر نقله الأمين الدقيق.
لقد ذهب العلماء في لفظ „القرآن“ مذاهب، فهو عند بعضهم مهموز وعند بعضهم الآخر غير مهموز،فممن رأى أنه بغير همز الشافعي والفراء والأشعري.وممن رأى أن لفظ القرآن مهموز :الزجاج واللحياني وجماعة.
ولنتكلم بعض التفصيل في بعض الأسماء والصفات:
يقول تعالى: {وكذلِكَ أوحينا إليكَ رُوحاً من أمرِنا ما كُنتَ تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جَعلناهُ نُوراً نهدي به من نشاءُ من عبادِنا وإنَّكَ لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} [الشورى 52].
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(منبر الجمعةـ فصل القلوب الحية ـ):
„وهذا القرآن الكريم بما يحمل من طابع الربانية وخصائص الكلام الإلهي،وبما ينطوي عليه من معاني التأثير الكامل في القلوب الواعية،والنفوس الصافية،وبما تميّز به من سحر الفصاحة،وإعجاز البلاغة،وحلاوة الأسلوب،وعذوبة المنطق،وعلوُّ الذوق،وغرابة التركيب،وصادق التوجيه،وصحيح المعرفة… هذا القرآن بخصائصه هذه روح من الله تعالى يُنفخ في القلوب الهامدة،أو يُسكب في تجاويف الأفئدة الميتة،فيُحييّها ويبعثها ويحركها،ويعيد إليها كل معاني الحياة القوية الدافقة المنتجة المثمرة،وهو بهذه الخصائص كلها نورقوي وهاج يضئ لها سبيل السَير والسلوك بعد أن وهب لها حُسن الحياة وقوة الإحياء.. ومن هنا وهب القرآن للرعيل الأول من رجال هذه الأمة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان حياة جديدة في كل شئ ونوراً جديداً أضاء لهم السبيل لكل شئ،فأحياهم بعد خمود،وجمعّهم بعد فرقة،واغناهم بعد فاقة،وجعلهم أئمة الدنيا يهدون الناس بإذن ربهم إلى طرائق العدل وسبل الخير ووسائل السعادة والسلام،وكانوا المثل الحية للقلوب الحية {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُلَ السلام ِويُخرِجُهُم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}„[ المائدة 15 ـ 16].
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في آيات سورة المائدة(مجلة المنار العدد 344 الموافق 29 نوفمبر عام 1913):
„قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين“ في المراد بالنور هنا ثلاثة أقوال: أحدها أنه النبي صلى الله عليه وسلم،وثانيها أنه الإسلام،وثالثها أنه القرآن. ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نور هو أنها للبصيرة كالنور للبصر،فلولا النور لما أدرك البصر شئ من المبصرات،ولولا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة من أهل الكتاب ولا من غيرهم حقيقة دين الله،وحقيقة ما طرأ على التوراة والإنجيل من ضياع بعضها ونسيانه،وعبث رؤساء الدين بالبعض الىخر بإخفاء بعضه وتحريف البعض الآخر،ولظلوا في ظلمات الجهل والكفر لايبصرون.
وقد ذكر الله تعالى لهذا النور ثلاث فوائد:
الأولى:أنه يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام،أي أن من اتبع منهم مايرضيه تعالى بالإيمان بهذا النور يهديه هداية دلالة تصحبها العناية والإعانة ـ الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل مايرديه ويشقيه،فيقوم في الدنيا بحقوق الله تعالى وحقوق نفسه الروحية والجسدية وحقوق الناس.فيكون متمتعاً بالطيبات مجتنباً للخبائث،تقياً مخلصاً،صالحاً مصلحاً،ويكون في الآخرة سعيداً منعماً،جامعاً بين النعيم الحسي الجسدي ،والنعيم الروحي والعقلي.وخلاصة هذه الفائدة أنه يتبع ديناً يجد فيه جميع الطرق الموصلة إلى ما تسلم به النفس من شقاء الدنيا والآخرة،لأنه دين السلام والإخلاص لله ولعباده،دين المساواة والعدل،والإحسان والفضل.
الثانية:الإخراج من ظلمات الوثنية والخرافات والاوهام التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان واستعبدوا أهلها ـ إلى نور التوحيد الخالص الذي يحرر صاحبه من رق رؤساء الدين والدنيا،فيكون بين الخلق حراً كريماً،وبين يدي الخالق وحده عبداً خاضعاً.
الثالثة:الهداية إلى الصراط المستقيم.وهو الطريق الموصول إلى القصد والغاية من الدين في أقرب وقت،لأنه طريق لاعوج فيه ولا انحراف فيبطئ سالكه أو يضل في سيره،وهو أن يكون الاعتصام بالقرآن على الوجه الصحيح الذي أنزله الله تعالى لأجله،كما كان عليه أهل الصدر قبل ظهور الخلاف والتأويل،بأن تكون عقائده وآدابه وأحكامه مؤثرة في تزكية النفس وإصلاح القلوب وإحسان الأعمال،وثمرة ذلك سعادة الدنيا والآخرة بحسب سنن الله في خلق الإنسان“.
ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ مقال:الدين النصيحة):
„روى مسلم في صحيحه،عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“الدين النصيحة،الدين النصيحة،الدين النصيحة.قال تميم: قلنا: لمن يارسول الله؟قال:لله،ولكتابه،ولرسوله،ولأئمة المسلمين وعامتهم“.
يقول الشيخ القرضاوي:“والنصيحة لكتاب الله عز وجل أي الإخلاص لهذا القرآن العظيم،الذي أنزله الله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين،والذي أنزله الله ليصحح ما اعوجَّ من الحياة،ويصلح به مافسد،ونوّر به ما أظلم،ويهدي به للتي هي أقوم،فهو قانون السماء لهداية الأرض،ودستور الخالق لإصلاح الخلق،لا يضلّ من اهتدى به،ولا يعوجّ فيقوّم،من علم علمه سبق،ومن قال به صدق،ومن حكم به عدل،ومن عمل به أجر،ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
كتاب الله،وحبل الله المتين،ممدود بينكم وبين ربكم،فمن أمسك بهذا الحبل القوي،وتعلّق بهذه العروة الوثقى،لا انفصام لها،فإنه واصل بهذا الحبل إلى الجنة…لأن منهاه الجنة…
النصيحة لكتاب الله،أن نعمل به…وأن نتبع هداه،وأن نقتبس من سناه،وأن نصدّق شرائعه،وأن نتأدب بآدابه،ونتخلّق بأخلاقه.
ومن معاني النصيحة لكتاب الله،أن نتدبره،ونتفهم ما أنزل الله فيه من معان وأسرار تصلح الحياة،وتصلح الأفراد والمجتمعات.
هذا الكتاب هو نور الحياة،للناس جميعاً،في كل عصر وفي كل مصر،{كتابٌ أنزلناهُ إليكَ لتُخرجَ الناس من الظلماتِ إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}[إبراهيم 1]“.
يقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد ـ محتوى خطاب القرآن):
„تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد كله.أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومردها إليه،مستوياً على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته،عالماً بما في نفوس عبيده،مطّلعاً على أسرارهم وعلانيتهم،منفرداً بتدبير المملكة،يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيى ويقدر ويقضى ويدبر.الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها،وصاعدة إليه لا تتحرك من ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.فتأمل كيف تجده يثنى على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه،ويحذرهم مما فيه هلاكهم،ويتعرف إليهم باسمائه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه.فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها،ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعدّ لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعلن لهم من العقوبة إن عصوه.ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ،ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم.ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهيننويجيب عن شُبه أعدائه أحسن الأجوبة،ويصدق الصادق ويكذب الكاذب،ويقول الحق ويهدي السبيل.ويدعو إلى دار السلام،ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها،ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها،ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين،ويذكر غناهُ عنهم وعن جميع الوجودات،وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه،وكل ما سواه فقير إليه بنفسه وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته،ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب،وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع عنهم،والمحامي عنهم،والناصر لهم،والكفيل بمصالحهم،والمنجي لهم من كل كرب،والموفي لهم بوعده،وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم،فنعم المولى ونعم النصير.فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً رحيماً جواداً جميلاً هذا شأنه فكيف لاتحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحبّ إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه؟وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها دواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟“.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى(كتاب الفوائد ـ تجليات الرب):
„القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته،فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال،فتخضع الأعناق،وتنكسر النفوس،وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء،وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال،وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها،بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله،فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته،فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء،كما قيل:
يُرادُ من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعاً لا تكلفاً.وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره.وكلما قوي الرجاء جدّ في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر،وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر.
وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة،انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات،وانقبضت أعنة رعوناتها،فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر.
وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع،انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لاوامره والتبليغ لها والتواصي بها وتذكرها والتصديق بالخبر والالمتثال للطلب والاجتناب للنهي.
وإذا تجلى بصفات السمع والبصر والعلم،انبعثت من العبد قوة الحياء فيستحيى من ربه أن يراه على ما يكره،أو يسمع منه ما يكره،أو يخفى في سريرته ما يمقته عليه،فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم،ودفع المصائب عنهم ونصرة لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم،انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وبكل ما يجريه على عبده ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه.والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له.
وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح له فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارؤحه وسمته،ويذهب طيشه وقوته وحدته.
وجماع ذلك:أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات آلهيته تارة،وبصفات ربوبيته تارة،فيوجب له شهود صفات الالهية المحبة الخاصة،والشوق إلى لقائهنوالأنس والفرح به،والسرور بخدمته ،والمنافسة في قربه ،والتودد إليه بطاعته ،واللهج بذكره ،والفرار من الخلق إليه ،ويصير هو وحده همّه دون ما سواه.ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار إليه والاستعانة به،والذل والخضوع والانكسار له.وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في أهيته،وألهيته في ربوبيته ،وحمده في ملكه،وعزه في عفوه،وحكمته في قضائه وقدره،ونعمته في بلائه،وعطاءه في منعه،وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته،وعدله في انتقامه،وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه.ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه،وعزّه في رضاه وغضبه،وحلمه في إمهاله،وكرمه في إقباله،وغناه في إعراضه“.
ويقول الأستاذ وهبي سليمان الألباني(رسائل مسجد الجامعة ـ تحت لواء القرآن الكريم ـ ):
„وكما تكون حياة الجسد بالروح كذلك تكون حياة الإيمان بالقرآن،وقد كان القرآن الكريم كذلك وما يزال،فهو الذي نفخ في روح حياة المؤمنين،فجعلهم عباد الله سبحانه وحده بعد عبادة الاحجار والأصنام،وغرس فيهم فضيلة العزّة بالإسلام وللإسلام بعد أن كانت بالمظاهر وللنفوس والأهواء،وأهاب بالقلوب أن تَعمر بحب الخير للناس،وجعل مصلحة المؤمن الحقيقية هي مرضاة الله تعالى وما والاه،وحضَّ على إخلاص العمل كله لله تعالى وجعل حرفة الكسب على طاعته سبحانه كعبادة من العبادات في تكفير الذنوب والسيئات،وهو الذي شرّع الأخوّة لاصحاب المبدأ الواحد،وشرّع الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى،وإيصال شرعته إلى أرجاء الأرض،وفرض على العباد طهارة القلب واللسان واليد ،وعفّة الروح والجسد،وهو الذي سما بأهله إلى أعلى مراتب المجد،وجعلهم شهداء على من سبقهم من أمم هذه الأرض،وما أجلَّ وصف القرآن الكريم لما صنعه القرآن الكريم بالعرب من تحويلهم إلى حياة عزيزة مثمرة بعد حياة مظلمة تافهة{وكنتم أمواتاً فأحياكم}[البقرة 28] ويقول تعالى{يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم} [الأنفال 24].وقال الله تعالى {يا أيُّها الناسُ قدجاءتكُم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدورِ وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين}[ يونس 57]،وقال تعالى:{قل هو للذين أمنوا هدى وشفاء}[ فصلت 44]،وقال تعالى:{ونُنزِّلُ من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين}“ [الإسراء 82].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„وفي القرآن شفاء،وفي القران رحمة،لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان،فاشرقت وتَفتّحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان.
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة،فهو يصل القلب بالله فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة،والقلق مرض،والحيرة نَصَب،والوسوسة داء،ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدَنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان… وهي من أفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطّم والبِلى والانهيار،ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الإتجاهات المختلفة في الشعوروالتفكيرفهو يعصم العقل من الشطط،ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة،ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي،ويأخذه بمنهج سليم مضبوط،يجعل نشاطه منتجاً ومأموناً،ويعصمه من الشطط والزلل،وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليماً معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر،ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من العلل الإجتماعية،وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة،ومن ثم هو رحمة للمؤمنين“ .
ويقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله في“زاد المسير في علم التفسير:
„وفي هذا الشفاء ثلاثة اقوال: أحدها:شفاء من الضلال،لما فيه من الهدى،والثاني:شفاء من السقم،لما فيه من البركة،والثالث: شفاء من البيان للفرائض والأحكام“.
ويقول الأستاذ وهبى سليمان الألباني(رسائل مسجد الجامعة):
„وقد كان القرآن الكريم كذلك ـ وما يزال ـ فلقد شفى الإنسان من مرض عبادة غير الله تعالى،عالجه من مرض إطلاق الأهواء والغرائز من عُقُلها تحيا دون هدف وتسعى إلى غير غاية ليس لها وازع ولا رادع،داواه من أمراض القلب الفتاكة كالحقد والحسد والبغضاء فحفظ المجتمع من حقد الفقراء على الأغنياء وحسدهم لهم وتمني زوال نعمهم ولحاق الضرّ بهم،وهذه الأمراض الثلاثة هي اليوم أشد الأمراض فتكاً بالبشر بعد ضعف الثقة بالله تعالى،داواه من أمراض اللسان القتّالة كالغيبة والنميمة والفحش والبذاءة،داواه في نفسه فجعلها تحيا لغاية كريمة لاتجعل الدنيا أكبر همها ولا مبلغ علمها بل تحيا طلباً لمرضاة الله تعالى واتقاء سخطه، شفاه من أمراض الفرقة واحتقار الذات،فقلب العرب المزعين أشتاتاً مابين خاضع للفرس في دولة الحيرة وخاضع للرومان في إمارة الغساسنة وخاضع لظلم الأمراء في غير ذلك،قلبهم إلى أمة واحدة تضرب الفرس والروم معاً في حصونهما وتخرج من المعركة ـ بعد قليل ـ مظفرة منتصرة ثم تسيح في الأرض تنشر الضياء وتقيم صروح العدالة على حكم القرآن وتردّ إلى الإنسان كرامة الإنسان.
داواه من الكبر والغرور والإستهانة بالضعفاء وترك القيام بمصالحهم كما أمر الله تعالى وهذه الأمراض الثلاثة هي بعض أسباب طغيان الأغنياء وظلمهم الفقراء والضعفاء،وإنها لعمري معاول الهدم في بناء الأخوة وسيوف الفتك في جسم المجتمع“.
وقال تعالى {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين *يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور} [المائدة 15 ـ 16]، وقال تعالى {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}[الشورى 52]، وقال تعالى{ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}[ النساء 174]،وقال تعالى“{ فآمنوا باللهِ ورسولِهِ والنُّورِ الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير}[التغابن 8].
يقول سيد قطب رحمه الله :
„نور تتجلّى تحت أشعته الكاشفة حقائق الاشياء واضحة،ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محدوداً مرسوماً في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء،حيث تجد النفس من هذا النورما يُنير جوانبها أولاً، فترى كل شئ فيها ومن حولها واضحاً،حيث يتلاشى الغبش وينكشف،وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهية، وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟! وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة،ويتلقى تصوراته وقيمه وموازينه، يحسُّ يسراً وبساطةً ووضوحاً في رؤية الأمور ويشعر أن مقررات كثيرة كانت قلقة في حسّه قد راحت تأخذ اماكنها في هدوء،وتلزم حقائقها في يسر،وتنفي ماعلق بها من الزيادات المتطفلة،لتبدو في براءتها الفطرية ونصاعتها كما خرجت من عند الله“.
ويقول الأستاذ وهبي سليمان الألباني(رسائل مسجد الجامعة تحت عنوان“تحت لواء القرآن الكريم“):
„ووصفه بانه ضياء ونور،وقد كان القرآن الكريم كذلك ـ ومايزال ـ فهو الذي أضاء على المؤمنين به سبيل العقيدة والدين الصحيح،أشرق على النفوس فنشّأها على الخير وربّاها على الاستقامة، نظّم صلة العبد بربه سبحانه وصلته بنفسه وبالناس ونظّم علاقته بماله ووقته وعمله،أضاء على المؤمنين طريق السيادة فجعل لهم الخلافة في الارض ونصرهم على الأعداء ومكّن لهم في الحكم وسخّر لهم ـ ولغيرهم ـ من أجل مصلحتهم ما في السموات والأرض.فالمؤمنون به يعيشون في قلوبهم وأعمالهم وأخلاقهم على هدى ونور“.
ويقول تعالى:{وإنهُ لَهدى ورحمةٌ للمؤمنينَ}[النمل 77].
يقول سيد قطب رحمه الله:
هدى :يقيهم من الإختلاف والضلالة،ويوحد المنهج ويعين الطريق،ويصلهم بالسنن الكونية الكبرى التي لاتختلف ولا تحيد.
ورحمة: يرحمهم من الشك والقلق والحيرة،والتخبط في المناهج والنظريات التي لاتثبت على حال،ويصلهم بالله يطمئنون إلى جواره ويسكنون إلى كنفه،ويعيشون في سلام مع أنفسهم ومع الناس من حولهم،وينهلون من رضوان الله وثوابه الجزيل.
والمنهج القرآني منهج فريد في إعادة إنشاء النفوس،وتركيبها وفق نسق الفطرة الخالصة،حيث تجدها متسقة مع الكون الذي تعيش فيه،متمشية مع السنن التي تحكم هذا الكون ـ في يسر وبساطة ـ بلا تكلف ولا تعمل.
ومن ثم تستشعر في أعماقها السلام والطمأنينة الكبرى،لأنها تعيش في كون لا تصطدم مع قوانينه وسننه ولا تعاديه ولا يعاديها متى اهتدت إلى مواضع اتصالها به،وعرفت أن ناموسها هو ناموسه.وهذا التناسق بين النفس والكون،وذلك السلام الأكبر بين القلب البشري والوجود ينبع منه السللم بين الجماعة،والسلام بين البشر،وتفيض منه الطمأنينة والاستقرار… وهذه هي الرحمة في أشمل صورها ومعانيها“.
ويقول تعالى:{طس تلكَ آياتُ القرآنِ وكتابٍ مُبينٍ*هدىً وبُشرى للمؤمنينَ}[النمل 1ـ 2].
يقول سيد قطب رحمه الله:“
ثم يصف القرآن أو يصف الكتاب بانه“هدى وبشرى“ وهذه أبلغ مما لو قيل:فيه هدى وبشرى للمؤمنين،فالتعبير القرآني على هذا النحو يجعل مادة القرآن وما هيته هدى وبشرى للمؤمنين.والقرآن يمنح المؤمنين هدى في كل فج،وهدى في كل طريق.كما يطلع عليهم بالبشرى في الحياتين الأولى والآخرة.
وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة.إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرأه ويستوعب مافيه.إنما القرآن كتاب يخاطب القلب،أول ما يخاطب،ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح،الذي يتلقاه بالإيمان واليقين.وكلما كان القلب ندياً بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن،وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لايدركه منه القلب الصلد الجاف،واهتدى بنوره إلى ما لايهتدي إليه الجاحد الصادف“.
ويقول تعالى:{إنّا نحنُ نزَّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ}،وقال تعالى:{وأنزلنا إليكَ الذكرَ لتُبيِّنَ للناسِ ما نزلَ إليهم}[النحل 44].
يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي):
„الذكر هو القرآن،وللأسف وجدنا بعض المغرورين من الدخلاء على القرآن وعلى علوم القرآن،ممّن يدعون أنهم يقرأون القرآن قراءة معاصرة،قراءة جديدة،ويحسبون أن الطبري والزمخشري والرازي وابن كثير والقرطبي وكل مفسري المسلمين ـ تفسير بالرواية وتفسير بالدراية ـ لم يفهموا القرآن،وهم الذين يفهمونه وحدهم، ويقولون :أنا أبدأ من الصفر،لا تقل لي:حديث مرفوع ولا حديث موقوف،ولا تقل لي تفسير ابن عباس،ولا تقل لي تفسير ابن مسعود ولا غيره.أنا أبدأ من جديد،ويأتوننا بالعجب،ومن العجب الذي جاءوا به أنهم قالوا:الذكر شىء والقرآن شىء، والفرقان شىء…وهكذا.
الذكر هو القرآن:{وقالوا يا أيُّها الذي نُزِّلَ عليه الذكرُ إنّكَ لمجنون}،وهل نزل عليه شىء غير القرأن؟حتى المشركين قالوا هذا:{أأنزلَ عليه الذكرُ من بيننا}[ص8].
الذكر هو القرآن:سُمي ذكراً لأنه يُذكّر بالله وبعبادته،ويُذكر بالأخلاق وأصول الفضائل،ويُذكر بالآخرة،ويُذكر بكل ما هو خير،إنه هو التذكير:[فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}[ق 45]،{فذكر إن نفعت الذكرى}[الأعلى 9]،{ولقد يسَّرنا القرآن للذكرِ فهل من مُدَّكرٍ}[القمر 17[،هو مُذكر،ولذلك سمي ذكراً.
وهؤلاء يزعمون أن الذكر شىء،وأن القرآن شىء،وأن الكتاب شىء،{تلكَ آياتُ الكتابِ وقُرآنٍ مبينٍ}[الحجر1]،الكتاب شىء والقرآن شىء:{تلكَ آياتُ القرآن وكتابٍ مبينٍ}[النمل1].
ونقرأ في سورة الشورى قوله تعالى:{إنَّ الذينَ كفروا بالذِّكرِ لما جاءهم وإنّهُ لكتابٌ عزيزٌ}[فصلت 41]،الذكر هو الكتاب العزيز ليس شيئاً آخر:{ولو جعلناهُ قُرآناً أعجمياً لقالوا فصّلت آياتُهُ أأعجميٌّ وعربيٌّ}[فصلت 44]،فهو القرآن،وهو الذكر،وهو الكتاب في سياق واحد،ولكن هؤلاء جعلوا القرآن عضين ـ مفرقاً ـ يقرأون القرآن منفصلاً بعضه عن بعض،لا يستحضرون ما ورد في الموضوع من آيات،ولذلك يقعون في هذه الهاوية من سوء الفهم ومن ضلال الفكر،والعياذ بالله.
لم يتأهلوا لتفسير القرآن،لم يعرفوا القرآن حقّ المعرفة،لم يعرفوا السنة النبوية،وهي بيان القرآن،لم يعرفوا كيف يُفهم القرآن،لم يفهموا أصول الفقه،وما وضعه العلماء من قواعد لحسن الفهم،كيف يُحمل المطلق على المقيّد،والعام على الخاص،وكيف يفسر الواضح غير الواضح،والمفصل المُمجمل،…إلخ،لم يتأهلوا للقراآن،ولكن هذه دعواهم.
ويقول تعالى:{يس*والقرآن الحكيم}[يس 1 ـ 2].
يقول سيد قطب رحمه الله:
„يصف القرآن ـ وهو يقسم به ـ بأنه القرآن الحكيم.والحكمة صفة العاقل.والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والمقصد والإرادة.وهي من مقتضيات أن يكون حكيماً.ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها.فإن لهذا القرآن لروحاً وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصغي له قلبك وتصغي له روحك.وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك.وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات،كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته ،حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح خلاله.ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره،ويقف على الأبواب ينصت إذا سمع من داخلها من يرتل هذا القرآن.كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب.
والقرآن حكيم.يخاطب كل أحد بما يدخل في طوقه.ويضرب على الوتر الحساس في قلبه.ويخاطبه بقدر.ويخاطبه بالحكمة التي تصلحه وتوجهه.
والقرآن حكيم.يربي بحكمة.وفق منهج عقلي ونفسي مستقيم.منهج يطلق طاقات البشر كلها مع توجيهها الوجه الصالح القويم.ويقرر للحياة نظاماً كذلك يسمح بكل نشاط بشري في حدود ذلك المنهج الحكيم“.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ألم* تلك آياتُ الكتابِ الحكيم}[لقمان 1 ـ 2[:
„واختيار وصف الكتاب هنا بالحكمة لأن موضوع الحكمة مكرر في هذه السورة،فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب في جوه المناسب على طريقة القرآن الكريم.
ووصف الكتاب بالحكمة يلقي عليه ظلال الحياة والإرادة،فكأنما هو كائن حي متصف بالحكمة في قوله وتوجيهه،قاصد لما يقول،مريد لما يهدف إليه.وإنه لكذلك في صميمه.فيه روح وفيه حياة.وفيه حركة.وله شخصية ذاتية مميزة،وفيه إيناس،وله صحبة يحس بها من يعيشون معه ويحيون في ظلاله،ويشعرون له بحنين وتجاوب كالتجاوب بين الحي والحي،وبين الصديق والصديق“.
ويقول تعالى:{الم* تنزيلُ الكتابِ لا ريبَ فيهِ من ربِّ العالمينَ* أم يقولونَ افتراهُ بل هوَ الحقُّ من ربِّكَ}[السجدة 1 ـ 3].
يقول سيد قطب رحمه الله:“
الحق.…بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحقّ الأزلي،وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت،المستقر في كيانه،الملحوظ في تناسقه،واطراد نظامه،وثبات هذا النظام،وشموله وعدم تصادم أجزائه،أو تناثرها،وتعارف هذه الأجزاء وتلاقيها.
الحق..بترجمته لنواميس هذا الوجود الكبير ترجمة مستقيمة،وكأنما هو الصورة اللفظية المعنوية لتلك النواميس الطبيعية الواقعية العاملة في هذا الوجود.
الحق...بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية،وما يعقده بينهم وبين قوى الكون كله من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق.حيث يجدون أنفسهم في صداقة مع كل من حولهم في هذا الكون الكبير.
الحق...الذي تستجيش له الفطرة حين يلمسها إيقاعه،في يسر وسهولة،وفي غير مشقة ولا عنت.لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم.
الحق…الذي لا يتفرق ولا يتعارض وهو يرسم منهاج البشرية كاملاً،ويلحظ في هذا المنهاج كل قواها وكل طاقاتها،وكل نزعاتها وكل حاجاتها،وكل ما يعتورها من مرض أو ضعف أو نقص أو آفة،تدرك النفوس وتفسد القلوب.
الحق...الذي لا يظلم أحداً في دنيا أو آخرة.ولا يظلم قوة في نفس ولا طاقة.ولا يظلم فكرة في القلب أو حركة في الحياة،فيكفها من الوجود والنشاط،مادامت متفقة مع الحق الكبير الأصيل في صلب الوجود“.
وقال تعالى:{وبالحقِّ أنزلناه وبالحقِّ نزل}[الإسراء 105].
يقول سيد قطب رحمه الله:
„لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة،ويقيم لها نظاماً،فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها،وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل.
ولقد أنزل الله هذا القرآن قائماً على الحق“وبالحق أنزلناه„فنزل ليُقرّ الحق في الأرض ويثبته،“وبالحق نزل“ فالحق مادته والحق غايته،ومن الحق قوامه،وبالحق اهتمامه.
الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود،والذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به،متلبساً بهما،والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله،يشير إليه ويدل عليه،وهو طرف منه.فالحق سداه ولحمته،والحق مادته وغايته،والرسول مبشر منذر بهذا الحق الذي جاء به“.
ويقول تعالى:{تباركَ الذي نزَّلَ الفُرقانَ على عبدهِ ليكونَ للعالمينَ نذيراً}[الفرقان 1].
يقول سيد قطب رحمه الله:
„وسماه„الفرقان“،بما فيه من فارق بين الحق والباطل والهدي والضلال،بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج،وبين عهد للبشرية وعهد.
فالقرآن يرسم منهجاً واضحاً للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير،وصورتها الممثلة في الواقع.منهجاً لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله،ويمثل عهداً جديداً للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله.فه فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير.فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد.وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة،ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة“ليكون للعالمين نذيراً“.
وقال تعالى:{هذا بيانٌ للناس وهدىً وموعظةٌ للمتقين}[آل عمران138]، وقال تعالى:{فإذا قرآناهُ فاتبع قرآنه* ثم إنّ علينا بيانه}[القيامة 18 ـ 19].
يقول الدكتور عبد الحليم بن عيسى في مجلة التراث العربي العدد102:
„فالقرآن الكريم كله“بيان„لما يجب أن يكون عليه الإنسان في علاقاته مع خالقه والمحيط الذي يعيش فيه.وكانت اللغة السبيل إلى هذا البيان لذلك قال تعالى:{بلسانٍ عربي مبين}[الشعراء195]، فمن سمات لغة القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية ككل “ البيان والإيضاح“،ولذلك قال الرماني: القرآن كله في نهاية حسن البيان“.