الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (2/8)

„يستحب لمن يريد تلاوة القرآن أن يرتله ترتيلاً،أي أن يقرآه على مهل من غير عجلةٍ، ويبينه حرفاً حرفاً،والترتيل هو التنسيق وحسن النظام،وعليه أن يوضح الحروف وإخراج كل حرفٍ من مخرجه من الحلق قدر الاستطاعة،لأنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حزبٌ يقرؤه ولا يخل به،وكانت قراءته ترتيلاً لا هذاً ولا عجلةً،والهذ هو السرعة في القراءة،بل كانت قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً،وكان يقطع قراءته آيةً آيةً، وكان يمد عند حروف المد،وكان يتغنى بالقرآن ويرجع صوته به أحياناً.

والتغني بالقرآن مطلوب،وليس معناه اتباع أساليب الغناء ولكن معناه تحسين القراءة وترتيبها وتحسين الصوت اثناء التلاوة وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:“زينوا القرآن بأصواتكم„، وقوله أيضاً:“ليس منا من لم يتغن بالقرآن“ أي يترنم به بصوت جميل.أما التمطيط في القراءة والتكلف فيها وتأديتها بألحان الغناء فهو ممنوع وقد أنكره العلماء ولم يأذنوا به.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد الميعاد:“إن تحسين الصوت بالقرآن وتزيينه والتطريب بقراءته أوقع في النفوس وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء“.انتهى كلام الشيخ ناجي الطنطاوي.

وأما فيما يتعلق بختم القرآن فيُستحب ختمه كل ثلاث،وأوسط الأمور ـ وهذا ما ورد عن الصحابة والسلف الصالح ـ ختمه في سبعة ايام وليال،عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : „اقرأ القرآن في كل شهر،قلت : إني أجد قوة، قال: فاقرأه في عشرين ليلة، قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك“[رواه مسلم والبخاري]

وذكرت بعض الروايات أنه رخّص له أن يقرأه في ثلاث بعد ذلك .

هذا هو المشهور والمألوف من الصحابة والسلف الصالح،وأما ما يذكر في بعض الكتب ـ ومنها „الإحياء“ للإمام العظيم أبي حامد الغزالي، و“الأذكار“ لللإمام العظيم النووي رحمهما الله تعالى ورضي عنهما وأرضاهما، من أن بعضهم ختم القرآن في اليوم والليلة ثمان مرات أوأنه ختمه في ركعة واحدة، فإن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كما جاء في السيرة النبوية لم يقرأ القرآن في أقل من ثلاث،وجاء في الحديث الشريف: „لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث“[رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني]

فالقضية ليست قضية تسابق أو استعجال أو تمرير صفحات،بل الأصل هو الخشوع والتدبر والتفكر في المعاني، جاء عن مسلم بن مخراق قال: قلت لعائشة رضي اله عنها: „إن رجالاً يقرؤون القرآن في ليلة مرتين أو ثلاث، فقالت: قرؤوا ولم يقرؤوا.  كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ“

وقال رجل لإبراهيم  النخعي : إني أختم القرآن كل ثلاث، قال ليتك تختمه كل ثلاثين وتدري أي شيء تقرأ،ورُوي عن الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان أنه قال : من قرأ القرآن في سنة مرتين فقد أدّى حقه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عرض على جبريل في السنة التي قُبض فيها مرتين.

وعلى قارئ القرآن أن يُداوم على قراءته وأن يتعهدّه بالحفظ والمراجعة وإلا تعرّض للنسيان،عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : „تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشدّ تفلتاً من الإبل في عُقلها“ [ متفق عليه ]. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : „إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المُعقّلة،إن عاهد عليها أمسكها،وإن أطلقها ذهبت“  [متفق عليه]. وعن انس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: „عُرضت علي أجور أمتي حتى القَذاة يخرجها الرجل من المسجد،وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً اعظم من سورة من القرآن أو آية أُوتيها رجل ثم نسيها „[رواه أبو داود والترمذي].

وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: „من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة وهو أجذم“ [ رواه أبو  داود والترمذي] .

هذا هو حال من قرأ القرآن ولم يتعهده بالمداومة على الحفظ والقراءة فنسيه، فما بالك بحال من لم يقرأ القرآن ولم يحفظ منه شيئاً، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم: „إن الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب“ [أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح ]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ  فيه سورة البقرة“ [ رواه مسلم].

وقال سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه“ من أضيّع الأشياء: عالم لا يُسأل عنه،وعلم لا  يُعمل به،ورأي صواب لا يُقبل، وسلاح لا يستعمل،ومسجد لا يُصلى فيه، ومصحف لا يُقرأ فيه،ومال لا ينفق منه، وخيل لا يُركب،وعمر طويل لا يتزود فيه صاحبه لسفره “ ،وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه „إن هذا القرآن مأدبة الله فمن استطاع أن يتعلم منه شيئاً فليفعل،فإن أنأى البيوت عن الخير الذي ليس فيه من كتاب الله شيء،وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له „.

نعم، لقد كان القرآن محفوظاً في الصدور،فاصبح الآن حلية تُحلّي الصدور،صدورالمنازل،والمكتبات،وصدور النساء المكشوفة التي نزل القرآن بتحريم كشفها !! وكان القرآن نوراً وهدىً،يُحيى القلوب ويُبدّد الظلمات،فأصبحنا نكتفي اليوم بقراءته على الأموات القابعين في تجاويف الظلمات،وفي المآتم بين أفواج المستقبلين والمودعين حيث تدار فناجين القهوة ولفافات السجائر !!

وكان منهجاً وشرعةً وآداباً يتحلّى بها المسلمون الأوائل،وأصبحنا نكتفي بسماعه الآن في  المقاهي وأماكن اللهو،ومن الإذاعات المرئية والسمعية جنباً إلى جنب يتردّد مع  المسلسلات التافهة والأغاني السفيهة والأفلام الرخيصة،لا نتأثر به،ولا ترهبنا آياته، ولا تُحرّكنا كلماته !!

وكان حملة القرآن وحفاظه هم سادة العلماء وأشراف الناس،فلماذا لم نعد نسمعه الآن إلا من الشحاذين والمنتفعين في المقابر وعلى أبواب المساجد؟ !!هذا هو بِرّنا وعنايتنا بالقرآن في هذا الزمان!!

الّلهُمَّ اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا. الّلهُمَّ اجعله لنا إماماً في الدّنيا وشفيعاً في الآخرة،الّلهُمَّ ذَكرّنا منه ما نُسّينا،وعلّمنا منه ماجهلنا،وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار،واجعلنا ممن يعملون بحدوده ولا يكتفون بحروفه . إنك على كل شئٍ قدير .

3 ـ هجروه تعلماً وتعليماً

منذ ابتداء الوحي ونزول الآيات الاولى من سورة العلق {اقرأ باسم ربك الذي خلق }أقبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام،رجالاً ونساءً،شيبةً وشباناً واطفالاً،على قراءة القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه للآخرين،وكانوا يترقبون نزول آياته وسوره الكريمة ترقب الأرض العطشى لنزول قطرات المطر،ما إن تلامسها حتى اهتزت وربت،وكذلك كانت آيات القرآن الكريم تفعل فعلها في النفوس: تُحيى القلوب وتنير العقول، وتُزّكي النفوس..

وكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حريصاً على حفظ القرآن وتعلمه،وانظر إلى  الخطاب الرّباني الجميل الرائع الذي يبين حرص الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم {لا تُحَرِّك بهِ لسانكَ لِتَعجلَ به *إنَّ علينا جَمعَهُ وقرآنَهُ* فإذا قرأناهُ فاتّبع قُرآنه}[القيامة 16ـ 18]. وانظر إلى حال الرسول  صلى الله عليه وسلم والمعاناة النفسية الشديدة التي عاشها فترة تأخر الوحي وانقطاعه عنه، توضح ذلك الآيات الكريمة في سورة الضحى {والضحى *والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى} وكذلك كان حال الصحابة رضوان الله عليهم،أقبلوا على تعلّم القرآن وحفظه وتعليمه لأهلهم وأطفالهم،كانوا يتدارسونه مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيما بينهم،حتى ظهر خلال سنوات قليلة عشرات الحفّاظ منهم الذين حفظوه في صدورهم،واتسمت به أخلاقهم وظهرت آثاره على معاملاتهم،ويكفي أن نذكر أنه قد استشهد منهم مالا يقل عن السبعين من الحفاظ في حروب الرّدة،مما دعا الخليفة أبو بكر الصديق والخلفاء الراشدين من بعده إلى جمع القرآن ونسخه خوفاً عليه من الضياع بعد استشهاد الكثير من الحفّاظ . وأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن كانوا ينهلون من مَعين القرآن ويتدارسونه مع الرسول صلى الله عليه وسلم،ثم يُعلّمونه لنساء المؤمنين من المهاجرين والأنصار،اللاتي كنّ حريصات على تعلّمه وتعليمه لأطفالهن،حرصهنّ على الإسلام نفسه

وحتى الأطفال واليافعين أقبلوا عليه حفظاً ودراية ومن أبرزهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس والذي سُميّ حَبر الأمة وترجمان القرآن، وأسامة بن زيد رضوان الله عليهم .

لقد تعهد الله عزّ وجلّ بحفظ القرآن الكريم حتى يرث الله الأرض ومن عليها قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر9].

ومن وسائل وآلات هذا الحفظ أن قدّر الله في كل زمان ومكان من يحفظ القرآن ويَعيه ويعلمه لمن حوله. يقول تعالى في سورة القيامة: {إنّ علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}[القيامة 17] .

يقول الأستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه „النبأ العظيم“ :

„والقرآن هنا „فاتبع قرآنه“ هو المصدر على وزن فُعلان كالغُفران،تقول قرأته قرءاً وقراءةً وقرآناً بمعنى واحد،أي تلوته تلاوة، ويتابع رحمه الله „روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن،كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام،فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الإسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد،أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً {أن تضل إحداهما  فتذكر إحداهما الأخرى}[ سورة البقرة282]

ويتابع رحمه الله :“وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها بقي القرآن محفوظاً في حِرز حريز إنجازاً لوعد الله الذي تكفّل بحفظ القرآن الكريم ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند حيث لم يتكفل الله بحفظها،بل وكلها إلى حفظ الناس قال تعالى: {والرَّبانيّونَ والأحبارُ بما استُحفظُوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة 45] أي طلب إليهم حفظه .

ويتابع رحمه الله:“ والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد،وأن هذا القرآن جئ به مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه،فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة زائداً عليها بما شاء الله زيادته،وكان ساداً مسدّها، ولم يكن شيء منها ليسد مسدّه،فقضى الله أن يبقى حجّة إلى قيام الساعة ،وإذا قضى الله أمراً يسّر أسبابه وهو الحكيم العليم „. انتهى كلام الشيخ دراز.

ويقول الشيخ محمد محمد المدني رحمه الله(الرسالة العدد 1043 بتاريخ 9 كانون الثاني عام 1964:

„إن عناية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالقرآن الكريم تبدو في مراحل تاريخية متميزة:

ـ المرحلة الأولى:في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

1 ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أن يتلقى نص القرآن كما أنزله الله،ويحفظه دون أن يعتريه أي تحريف أو تبديل.

والقرآن الكريم يدلنا على ذلك حيق يقول الله عز وجل مخاطباً رسوله صلوات الله عليه وسلم:{لا تحرك به لسانك لِتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه}

ففي هذه الآية إشارة إلى ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم من ملاحقة جبريل ومتابعته بالقرآن حين يتلوه عليه،ومن تحريك لسانه بما يسمع منه،كما يفعل المرء منا إذا سمع سيئاً وكان حريصاً على أن يحفظه،فهو يعجل به ويخشى أن يتفلت منه والله سبحانه وتعالى صور هذه الصورة التي تنبىء عن شدة الرغبة في المحافظة على النص،ثم نهي رسوله عنها نهي المطمئن له،واعداً إياه بأنه هو سبحانه قد تكفل بجمع هذا الوحي الكريم وقرآنه،أي بأن يلقنه الرسول ويحفظه مجموعاً في قلبه لا يضيع منه حرف،وأن يقرأه كذلك محرراً مضبوطاً لا يعتريه أي تبديل أو تحريف.

فالرغبة الشديدة من الرسول صلى الله عليه وسلم متجلية في هذا الصنيع،والوعد الكريم قاطع في تكفل الله بتحقيق هذه الرغبة،والعبارة فيه قوية لأنها تجعل هذا أمراً،ولن يخلف الله عهده.

2 ـ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه شىء من القرآن دعا إليه كتّابه فأمرهم بكتابة مانزل أولاً بأول.

وكان له كتّاب منهم زيد بن ثابت،وعلي بن أبي طالب،وعثمان بن عفان،وعبد الله بن مسعود،وأنس بن مالك،وأبي بن كعب،وغيرهم.

غير أن هؤلاء الكتّاب لم يكونوا دائماً مجتمعين كلهم،ولكن ربما غاب منهم أحد وحضرغيره،فيختار ممن حضر من يكتب له ما أنزله الله عليه،ويقول:“ضعوا هؤلاء“الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا“.فيكتبه أحياناً على عسيب أي على قطعة عريضة من جريد النخل وأحياناً على رقعة من جلد،وأحياناً على لَخفة وهي القطعة المسواة المرققة من الحجارة،وأحياناً على خشبة مما يوضع على ظهر البعير ليركب عليه،وهي المعروفة بالقتب،وهكذا كان القرآن يكتب أولاً بأول بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإشرافه على العسب،والرقاع واللخاف،والأقتاب،وتلك هي الأشياء التي كانت يومئذ تستعمل كصفحات يكتب فيها قبل أن ينتشر استعمال الورق.

3 ـ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب هذا كله،يبلغ الناس ما أنزله الله من الكتاب أولاً بأول،شفاهاً يسمعونه منه،ويحفظونه عنه،ومنهم من كان يكتفي بهذا السماع والحفظ الشفوي،ومنهم من كان يحرص هو أيضاً على أن يكتب لنفسه،ويحتفظ بما كتب.

ولذلك كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفظ عشرات الآيات،ومنهم من حفظ عشرات السور ومئات الآيات،يتفاوتون في ذلك،على قد أحوالهم وحظوظهم من الحفظ،حتى كان منهم من حفظ القرآن كله،ويذكرون من هؤلاء:أبا بكر،وعمر وعثمان،وعلياً ،وطلحة،وأبي بن كعب،وزيد بن ثابت،ومعاذ بن جبل،وغيرهم.

وكان منهم من جمع إلى الحفظ جودة الترتيل،وحسن الأداء،وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نوه ببعض هؤلاء فقال:“استقرئوا القرآن من أربعة:من  ابن مسعود،وسالم ،مولى أبي حذيفة،وأبي بن كعب،ومعاذ بن جبل“[أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما].

وقال:“من سرّه أن يقرأ القرآن غضّاً كما أُنزل،فليقرأهُ على قراءة ابن أم عبد“(يريد عبد الله بن مسعود).[مسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق وعمران بن الحصين رضي الله عنهما وإسناده صحيح]

ولذلك أيضاً لم تكن الصحف التي يكتبها كتّاب وحي النبي صلى الله عليه وسلم،هي الصحف الوحيدة التي جمع فيها القرآن،ولكن كان هناك غيرها مما كتبه الأصحاب رضي الله عنهم لأنفسهم .ومن الواضح أن صحف الرسول صلى الله عليه وسلم التي كتبت بأمره،وبإشرافه،كانت هي الصحف التي عليها المعول،وإليها المرجع حين جاء الدور الأخير لكتابة المصحف،كما سنبين.

4 ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث من الحّفاظ من يعلم المسلمين القرآن في خارج مكة أو المدينة،فقد بعث مصعب بن عمير،وعبد الله بن أم مكتوم إلى المدينة قبل الهجرة ليعلما الناس القرآن،ولما فتح مكة وخرج منها إلى حنين أبقى فيها معاذ بن جبل ليعلم أهلها القرآن وشرائعه.

5 ـ كان جبريل عليه السلام يجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم ويدارسه القرآن.وقد صح في ذلك أنهما كانا يجتمعان لهذا الغرض في رمضان من كل عام،فيتدارسان القرآن مرة في كل سنة،وأنهما تدارساه مرتين في آخر سنة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

6 ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى الناس عن كتابة شىء عنه سوى القرآن،وذلك كيلا يختلط القرآن بغيره،وكان يقول:“من كتب عني غير القرآن فليمحه“[صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

نعم قد ورد في بعض الروايات أنه أجاز ذلك،بل إنه أمر بكتابة كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم لرجل اسمه أبو شاه حين رغب إليه في ذلك،فقال صلى الله عليه وسلم :“اكتبوا لأبي شاه“،ولكن هذا لا ينافي ان الاتجاه والميل في غالب الأحوال أنما كان إلى عدم كتابة ما سوى القرآن،بدليل أن السنة حين دونت إنما دونت من أفواه الرواة والحفاظ في أكثر الأحوال،لا من صحف كانت قد كتبت من قبل.

ـ المرحلة الثانية:الجمع البكري العمري:

1 ـ ظهر مما سبق أن القرآن الكريم كان مكتوباً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العسب واللخاف والرقاع والقتب،وأن هناك أصحاباً كتبوا لأنفسهم على تفاوت فيما بينهم كثرة وقلة،وأصحاباً آخرين حفظوا على تفاوت أيضاً،تلقياً بالمشافهة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 ـ وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والحال على ماوصفنا،القرآن مكتوب محفوظ،والناس يقرؤونه ويُقرئونه،لا يكادون يختلفون بعد أن توحدوا على حرف واحد من الأحرف السبعة التي كانت مباحة من قبل،تيسيراً على الناس.

ولكن كبار القراء والحفاظ لهم أعمارهم المحدودة ولا بد أن تأتيهم آجالهم قريباً أو بعيداً،فيفقد بفقدهم مصدر هام،أو مرجع هام من مراجع تحقيق النص القرآني،ولا سيما وهم يشتركون في الحروب والغزوات لنصرة الإسلام، ورد الخارجين عليه إلى الطاعة،فلم يكن من الحكمة أن يُترك هذا الاحتمال قائماً مهدداً بضياع القرآن أو بعض القرآن.

حاشا لله وهو الذي وعد بحفظه.

لذلك وقر في نفس أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنه لابد من قرار حاسم سريع في هذا الشأن،فقرروا بعد التشاور كتابة القرآن الكريم وجمعه في مصحف واحد بين دفتين،حتى يكون معروفاً لجميع الناس أن هذا هو كتاب الله تعالى.

يدل على ذلك مارواه البخاري وغيره:أن زيد ابن ثابت قال:“أرسل إلي أبو بكر،فإذا عمر بن الخطاب عنده،فقال أبو بكر:إن عمر بن الخطاب أتاني،فقال:إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن،وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن ـ أي الغزوات ـ فيذهب كثير من القرآن.وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن،فقلت لعمر:كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ؟قال عمر:هذا والله خير،فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك،ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.قال زيد:قال أبو بكر:إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك،وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم،فتتبع القرآن فاجمعه،فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أثقل مما أمرني به من جمع القرآن.قلت:كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟قال هو والله خير،فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما،فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ـ أي أنه كان يجمع في سبيل التحقيق والوصول إلى النص القرآني بدقة تامة،بين قراءة ما هو مكتوب في العسب واللخاف،وبين استقراء الرجال ما يحفظونه،فلا يكتفي بواحد منهما حتى يؤازره بالطريق الآخر زيادة في الحيطة ووصولاً إلى اليقين.قال زيد:ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره:“لقد جاءكم رسول من أنفسكم“حتى خاتمة براءة،فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله،ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها.

ويؤخذ من هذا النص الصحيح المعتمد ما يأتي:

1 ـ أن هذا الجمع كان بمشورة عمر،على رأي واجتهاد له،وأن أبا بكر وافقه بعد المراجعة،وعهد بجمع القرآن إلى زيد بن ثابت.

2 ـ أن الفرق بينه وبين ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،أن المكتوب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان مفرقاً بين العسب واللخاف وغيرهما،وليس صحفاً مجموعة بين دفتين،أما الجمع البكري العمري فكان خطوة أخرى،حيث جمع القرآن من هذه الأشياء ومن صدور الرجال الحافظين،وكتب في صحف متلائمة يمكن ضمها بين دفتين.

3 ـ أن الغاية من هذا الجمع كانت المبادرة بعمل حاسم يُحفظ به القرآن من الضياع بعد أن أخذت الحوادث تنبه إلى الخطر بموت فريق من كبار القراء في بعض المعارك،وتوقع أن يموت آخرون في معارك أخرى.

ـ المرحلة الثالثة:مصاحف عثمان بن عفان رضي الله عنه:

1 ـ إن كتابة القرآن في المصاحف على عهد عثمان كان هدفها جمع الناس على مصحف إمام حتى لا يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى الذين تعددت لديهم نسخ الإنجيل والتوراة.

2 ـ إن اعتماد عثمان ولجنته التي وكل إليها هذا العمل كان على صحف الجمع البكري العمري التي كانت محفوظة عند حفصة بنت عمر زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3 ـ أن عثمان رضي الله عنه أمر بما سوى ذلك من المصحف والمصاحف أن يحرق،وهو عمل حسن وافقه عليه جمهور الصحابة.

ويقول الاستاذ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله في قوله تعالى من سورة القمر{ولقد يَسّرنا القرآنَ للذكرِ فهل من مُدَّكر}[القمر 22]:

„بين تعالى بأن القرآن من عند الله وأن الله يسّره وسهله لتذكر الخلق بما يحتاجونه من التذكير مما هو هدى وإرشاد.وهذا التيسير ينبئ بعناية الله به مثل قوله{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالاً على مدارسته وتعريضاً بالمشركين عسى أن يَرعَوُوا عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله{فهل من مدكر}.

والتيسير: إيجاد اليسر في شئ، من فعل كقوله{يريد الله بكم اليسر}[البقرة 185]أو قولٍ كقوله تعالى{فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}[الدخان 58].

واليسر: السهولة،وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شئ.وإذا كان القرآن كلاماً فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير مايُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون:يدخل للاذن بلا إذن.وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني،فأما من جانب الألفاظ فذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب،أي فصاحة الكلام ،وانتظام مجموعها،بحيث يخف حفظها على الألسنة.

وأما من جانب المعاني فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ماتحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له.ويتولد معان من معان أُخر كلّما كرّر المتدبر تدبره في فهمها.

ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر وأسمحُ الفاظاً وتراكيب بوفرة المعاني،ويكون تراكيبه اقصى ماتسمح به تلك اللغة،فهو خيار من خيار. قال تعالى:{بلسان عربي مبين}[الشعراء 195].

ثم يكون المتلقين له أمة هي أذكى الأمم عقولاً وأسرعها افهاماً وأشدها وعياً لما تسمعه،وأطولها تذكراً له.دون نسيان،وهي على تفاوتهم في هذه الخلال تفاوتاً اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من تيسيره للذكر،لأن الذكر جنس من الأجناس المقول عليها بالتشكيك إلا أنه إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدت لجموعهم معان لا يحصيها الواحد منهم وحده.

وقد فرض الله على علماء القرآن تبينه تصريحاً كقوله{لتبين للناس مانزّل إليهم}[النحل 44]، وتعريضاً كقوله{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننّه للناس}[آل عمران 187]فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق.

وفي الحديث“ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده„.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

والذكر:مصدر ذكر الذي هو التذكر العقلي لا اللساني،والذي يرادفه الذُكر بضم الذال اسماً للمصدر،فالذكر هو تذكر مافي تذكره نفع ودفع ضر، وهو الاتعاظ والاعتبار.

فصار معنى{يسرنا القرآن للذكر} أن القرآن سُهلت دلالته لأجل انتفاع الذكر بذلك التيسير،فجهلت سرعة ترتب التذكر على سماع القرآن بمنزلة منفعة للذكر لأنه يشيع ويروج كما ينتفع طالب شئ إذا يُسرت له وسائل تحصيله،وقربت له أباعدها“.انتهى كلام الشيخ ابن عاشور.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه اله(نور وهداية ـ مقال موسم العبادة):

„أفلا تحبون أن تنزل السكينة على قلوبكم وأن تستشعروا الطمأنينة وأن تتخلصوا من الهمّ والقلق والاضطراب؟إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.

أولا تحبّون أن تغشاكم الرحمة من الله؟ومن غشيته رحمة الله فقد نال كل خير ونأى عنه كل ضرر وكل ألم.إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.

أولا تحبّون أن يكون جلساؤكم الملائكة،هل أشرفُ من هؤلاء الجلساء؟وأن يطرد من حولكم الشياطين:شياطين الإنس وشياطين الجن؟إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.

أو لا ترون الناس يحرصون على الشهرة وعلى ذيوع الإسم؟إن غاية ما يتمنونه أن يعرفهم أهل الأرض.وما هذه الأرض بالنسبة إلى هذا الكون الواسع؟والذين يتلون القرآن ويتدارسونه يعرفهم أهل الملأ الأعلى وتصل أخبارهم إلى من في السماوات ويذكرهم الله فيمن عنده.أفلا تريدون أن تنالوا هذا الشرف الذي لا شرف بعده؟إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه“.

والإسلام العظيم والعلم ـ اقصد العلم الشرعي والعلوم الدنيوية النافعة للمجتمع والإنسانية ـ صنوان لا يفترقان،إذا ذُكرَ احدهما ذَكَرَّ بالآخر،ولقد حضّ الإسلام على الإقبال على العلم والنهل من ينابيعه والارتواء من معَينه،وجعل طلب العلم والتماسه موصلاً إلى طريق الجنة.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة“[ رواه مسلم].

وإنّ تعلم القرآن الكريم وتعليمه من أجَلّ العلوم وأفضلها وأكثرها عند الله أجراً وثواباً .عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه“[ رواه البخاري]. وجعل مُدارسة القرآن الكريم وتعلّمه ومجالسه من أعظم مجالس البرّ والذكر وخصّها بأفضل الأجر وعظيم الثواب،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه“ [أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] .

فانظر إلى هذا الأجر العظيم الذي جمعه الله لأهل مجالس الذكر ومُدارسة القرآن: تتَنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة،وتحفّ بهم الملائكة،ويذكرهم الله .وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: „يقول الله انا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم“.

وسئل الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله،وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه إلا أظلّتهم الملائكة بأجنحتها وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يخوضوا في حديث غيره .

وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: „كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقاً حلقاً يقرؤون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنة ويذكرون الله تعالى „. وقال عمر الفاروق رضي الله عنه:“ ايها الناس تعلّموا كتاب الله تُعرفوا به،واعملوا به تكونوا من أهله“.

ولقد عمل السلف الصالح رضوان الله عليهم بأقوال رسولهم العظيم وأئمتهم وأقبلوا على  الاهتمام بالقرآن الكريم قراءة وحفظاً وتلاوة وتجويداً وترتيلاً، وأقبلوا عليه علماً وتعليماً وعملاً وتدبراً. فظهر منهم على مرِّ الدهور وكرِّ العصور أعظم الأئمة وأجَلّ العلماء،ظهر منهم الحفّاظ: كابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري،والإمام الذهبي، والحافظ المفسر ابن كثير،والحافظ العراقي … وظهر منهم المفسرون :مثل الإمام الطبري وابن كثير وابن الجوزي والحافظ الرازي… وظهر منهم من اهتم بعلم أسباب النزول وآيات الأحكام،ودلائل الإعجاز ،وغير ذلك من علوم القرآن جزاهم الله عن المسلمين كل خير،ولا زال والحمد لله وحتى عصرنا الحاضر من سار على طريقهم،واهتدي بهديهم، رغبة في ثواب الله عزّ وجلّ،وطمعاً في جنته وشفاعته يوم العرض عليه. عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تُحاجّان عن صاحبهما“ [رواه مسلم ].

يقول الإمام العظيم ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه“جامع العلوم والحكم“ في تفسير الحديث الشريف „من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة“ يقول :

„وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء،ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثل حفظه ومدارسته ومذاكرته وكتابته والتفهم له ونحوذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم“.

ولقد ظهر على مرِّ العصور وفي سالف الدهور الكثير الكثير من العلماء الأتقياء الأجلّاء الذين وهبوا أنفسهم وحياتهم وأوقاتهم لخدمة هذا القرآن العظيم ، ولعلّ من أجمل الصور التي ما أزال أحتفظ بها في ذاكرتي ذلك الوصف الرائع للشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله للعالم والشيخ الذي تتلمذ عليه والذي يذكّرني بعدد غير قليل من علماء الشام ومصر الذين كان لهم الفضل الكبير في تعليم القرآن للعديد من الأجيال، يقول الشيخ الطنطاوي في كتابه „في سبيل الإصلاح“ وتحت عنوان „إنّ هذا العلم دين“ يقول رحمه  الله:

„فلما توفي والدي لزمت عالماً أزهرياً متفنناً ، فكنت أنصرف من المدرسة فأراجع دروسها على عجل ثم أتعشى  ـ وكان العشاء في تلك الأيام بعد العصر ـ وأصلي المغرب وأمضي إليه في مسجده، فاقعد مع الطلبة ننتظره حتى يفرغ من صلاته ، فإذا قضى الشيخ صلاته أقبل علينا فسّلم فرددنا عليه السلام، لا نقوم له لأنه أدّبنا بآداب الإسلام، وليس منه هذا القيام، ولكن تثبت لمقدمه قلوبنا، وتخشع لمحضره جوارحنا، وتنبض بحبّهِ وإجلاله كلّ ذرة فينا، فيقعد ونحن حوله، فَيُسّمي الله ويحمده، ويشرع في درس النحو، فيقرأ المعيد ويشرح هو، ويُقيم أحدنا إلى لوح أسود كالذي يكون في المدرسة، فيملي عليه الشاهد ليوضح عليه القاعدة الجديدة، ويذكرنا بالقواعد القديمة، وكان أحبّ شيء إليه أن نستعيده ونستوضحه ونناقشه، فيعيد ويوضّح ويجيب، باسم الثغر، طلق المحيّا، مشرق الشيبة محبوباً مهيباً ، فيملك بخلقه قلوبنا، وبعلمه عقولنا، ثم يختم الدرس بحمد الله كما بدأه بحمد الله، ويؤذن المؤذن فنقوم إلى الصلاة فنرى السكينة قد حَفّت المجلس، والرحمة قد نزلت به، ونحسّ بالملائكة قد حضرته، ويؤمنّا الشيخ فيقرأ قراءة أخال من روعتها كأنّ القرآن قد هبط به الوحي آنفاً، فإذا قُضيت الصلاة قعدنا نذكر الله بقلوب حاضرة، وألسنة رطبة، وجوارح خاشعة، ثم ينظر الشيخ فيقول: إنّ فلاناً لم يحضر وقد بلغني أنه مريض، فَعودوه وساعدوه، فنسرع إليه نَعوده ونؤنسه ونأتيه بالطبيب والدواء، وإنّ فلاناً في ضيق فأعينوه فنسدّ خلته ونفرّج ضيقته، ورُبّما استبقى الواحد منا فانفرد به ووعظه أو نبّه على زيّ ـ لا يليق بطالب العلم ـ اتخذه، أو محل ـ لا يحسن به ـ حلّه، أو صاحبٍ ـ لا يدلّه على الله ـ  صاحبه، فيبلغ تأنيبه مالا يبلغه السيف، وندع ما كرهه ولا نعود إليه، ثم ننصرف جميعاً  إلى بيوتنا. أما الدنيا فلم يكن يسأل عنها أقبلت أو أدبرت، ولم يكن يفكّر فيها ضاقت أو اتسعت، فإن حضره الطعام حلالاً أكل، وإن دعاه محبّ أو فقير أجاب، وإن أُهدي إليه قبل فإن كانت الدعوة أو الهدية من فاسق أو متكبر أبى “ انتهى كلام الطنطاوي رحمه الله .

ويقول الأستاذ محب الدين الخطيب في مقال له بعنوان“مع تلاميذ المدرسة الإسلامية الأولى نشره في مجلة الفتح:

„وأنا أفهم من ذلك أن الصحابي الذي ظهرت منه العجائب عندما قذف به الإسلام إلى أقطار المشرق والمغرب،كان يتلقى من القرآن عشر آيات بعد عشر آيات،فكان لا ينتقل من العشر إلى العشر إلا بعد حفظ هذه الآيات القليلة بإتقان،ثم يتدبر ما فيهن من آداب وأحكام وتوجيهات وأهداف.ثم يمرّن نفسه وجوارحه على „العمل“ بذلك،حتى يصبح خُلقاً له وعادة وسجية. فإذا قرأ في سورة „العصر“ آية „التواصي بالحق“وطّن نفسه على أن يكون من أهل الحق،سواء كان الحق في جانب المصلحة والمنفعة له ولمن يحبهم أم على خلاف ذلك.وأخذ يوصي بذلك ذويه وأحبابه والذين يستنصحونه،ويتقبل الوصية به منهم ومن غيرهم بالبشاشة والابتهاج والسرور،ويمضي في مسالك الأرض مقيماً للحق ناصراً له داعياً إليه بقلبه ولسانه وعمله.وكان لهذا الضرب من العلم الذي يعملون به قيمة عالية عندهم،ويرون أنه هو العلم النافع المطلوب،ويدعون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم:“اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع“فكل معرفة لها أثر نافع في تهذيب النفس،وفي الحياة الصالحة،وفي تقوى الله،والبعد عن الشر وأهله،والدعوة إلى تعميم الخير زمناصرة أوليائه،وفي إقامة الحق وبسط سلطانه في الأرض،يقبلون عليها ويمرنون أنفسهم وجوارحهم على العمل بها.ولا يشغلون مداركهم وعقولهم بلغو القول،ولا بالفلسفة التي لا طائل تحتها فيما وراء الطبيعة،وما استأثر الله بعلمه من غيبه،مكتفين من ذلك بما ورد به النص لا يزيدون عليه ولا ينقصون منه.ويتعلمون العبادات بالقدوة،ويزينوها بالخشوع،ويجودون بالمال والنفس والولد في سبيل الحق والخير:يقيمونها في الأرض بالاعتدال والرفق إذا تواصلوا إليهما بهما،ويقمعون الباطل والشر بالقوة والقسوة إذا لم يقمعا إلا بهما“.

نعم، إننا بحاجة إلى أمثال هؤلاء العلماء ، فبهداهم نقتدي، وأخشى ما نخشاه علماء تعلّموا القرآن وعلّموه ولكن لم يعلّموه إخلاصاً لله وابتغاء مرضاته، ولكنه النفاق والرياء، جاء في  الحديث الشريف: „ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به  فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن،قال كذبت ولكنك تعلّمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال :هو قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار“.[صحيح الجامع عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهناك من تعلّم القرآن وعرف ما فيه ولكنه لم يعمل به، ولم يتخلّق بأخلاقه، وقد جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان والنَسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصفاً لثلاثة من العلماء ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أُعطي جوامع الكلم يحدثنا عنهم „مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا وأسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك راساً لم يقبل هدي الله الذي أرسلت به“.

نقل الحافظ ابن حجر في كتابه „فتح الباري“ عن القرطبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لما جاء من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي إلى الناس في حال حاجتهم إليه وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يُحيى البلد الميت فكذا علوم الدين تُحيى القلب الميت، ثمّ شَبّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقّه فيما جمع لكنه أدّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقّر  فيها الماء فينتفع الناس به وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم“ „نّضرّ الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فَرُبّ حامل فقه إلى من هو  أفقه منه „[صحيح الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وصححه الألباني]   ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء“.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه „إنّ أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاور تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع“. وقال الإمام الحسن البصري أحد سادة التابعين „العلم علمان: علم في اللسان فذاك حجّة الله على ابن آدم كما جاء في الحديث الشريف“ القرآن  حجة لك أو عليك“ [رواه مسلم]، وعلم في القلب فذاك العلم النافع“.

إنّ ما نراه اليوم من قلّة الاهتمام على المستوى الرسمي والشعبي بتعليم القرآن الكريم مدعاة للحزن ومجلبة للأسف الشديد، لقد أصبحنا نعيش في زمان قد ألغيت فيه وفي كثير من الدول الإسلامية المدارس الشرعية، ومدارس تحفيظ القرآن، وحُدّدت ساعات التربية الدينية، وألغيت الكتاتيب التي كانت تهتم بتعليم وتحفيظ القرآن الكريم للأطفال في السنوات الأولى من حياتهم  ـ حيث تكون قابلية الطفل على الحفظ والاستيعاب ممتازةـ، وسقى الله زماناً كان المعلم يقول فيه للتلميذ: عليك أن تحفظ النص أو المقطوعة أو النشيد كما تحفظ الفاتحة، فأصبحنا اليوم نعيش في زمان قلّ فيه من يحفظ الفاتحة !!

وأصبحنا نعيش في زمان صارت فيه المساجد كالمؤسسات الحكومية تفتح بأوقات، وتُغلق بُعيد أداء الصلوات ففقدت دورها الرئيسي والعظيم كدور للعبادة والتعليم والإشراف على شؤون الحياة.

وسقى الله زماناً كان الأهل حريصين أشدّ الحرص على تعليم أطفالهم القرآن، وكانوا يرسلونهم في أوقات الصيف للمدارس الخاصة أو الكتاتيب، وكانوا يقيمون لهم الاحتفالات عندما يحفظون القرآن أو بعض أجزائه.

وسقى الله زماناً كان العلماء يتسابقون فيه على تعليم الأطفال والناشئين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ابتغاء مرضاة الله، وطمعاً في ثوابه، فأصبحنا نعيش اليوم في زمان قد انتزع العلم منه بانتزاع أهله العلماء ـ إلا من رحم ربي ـ فساد الجُهال وأفتى المُضّلون فَضّلوا وأضَّلوا  !!

وقديماً ـ وليس بالقديم البعيد ـ كان الناس عندما يقرؤون هذا الكلام في فيض الخاطر لأحمد أمين „كانوا في الكتاتيب فما يشعر الطفل إلا والعصا الطويلة نزلت عليه وصحبها من  الشيخ „اهتز يا ولد“ فقد كان عليهم أن يهتزوا عند قراءة القرآن، وقد كان لهذه العصي، ما طال منها وما قصر، أثر في النفوس“ ، كانوا عندما يقرؤون هذا الكلام يضحكون فيما بين أنفسهم، ونحن في هذا الزمان والله أحقّ بأن نبكي على أنفسنا وحالنا !!

4 ـ هجروه أخلاقاً وسلوكاً

عندما سُئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “ كان خلقُهُ القرآن“.[أخرجه أحمد واللفظ له وصححه الأرناؤوط].

نعم،لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين يقرؤون القرآن،ويعملون بما أُنزل فيه،يُحلّون حلاله،ويُحرّمون حرامه،ويتهّذبون بأخلاقه،يرغبون فيما يُرّغبهم،ويرهبون مما يُرّهبهم،وهذا هو التفسير العملي والتطبيقي لقوله عزّ وجلّ {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به} ا[لبقرة 121]

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(مجلة الرسالة العدد375 مقال تحت عنوان :أخلاق القرآن):

„فأخلاق القرآن هي التي تجلّت في محمد خاتم النبيين وأصحابه ومن تبعهم وسارعلى نهجهم من بعد.وإنما يظهر صلاح القانون حين إنفاذه،ويتبين سداد الرأي حين يختبره العمل،ويُعرف رشاد الطريقة حينما تهدي السائرين عليها إلى الغاية المثلى.فإذا أردنا أن نقدر أخلاق القرآن فإنما نتبينها في سيرة من عملوا بالقرآن.

كل ما يزدان به تاريخ الإسلام من سير الملوك والولاة والقواد والقضاة والعلماء والصالحين وغيرهم،فهو أخلاق القرآن تتجلى في صور مختلفة.فإن رأيت ملكاً من المسلمين ملك الدنيا ولم تملكه،وسيطر على الأرض ولم تسيطر عليه،فساس عباد الله بعدل الله،وأتعب نفسه لراحة رعيته،وراقب فيهم ربّه ليله ونهاره،فهذا من أخلاق القرآن.وإن رأيت والياً دخلت الدنيا يده ولم تدخل قلبه وكفّ يده عن المحارم ولم يأل جهداً في العمل لخير الناس،فهذا من خلق القرآن كذلك.وإن رأيت قائداً يحتقر المهالك،ويقذف بنفسه في المعارك،يفتح البلاد ولا يُعنت العباد،قد ملكت القناعة قلبه ويده،وكفّه العدل عن العدوان،فهذا من خلق القرآن في أحد مظاهره.وإن رأيت قاضياً كدّ عقله في معرفة الحق والتثبيت،وآثر العدل وجانب الجور وأخلص لله فكره وحكمه،وأقضّ مضجعه عظم التبعة،فذلك من قضاة القرآن.وإن رأيت عالماً توجّه لاإلى الله بفكره،وأدام النظر في ملكوت السماوات والأرض،ودأب في البحث ابتغاء الحق لا يميل مع الهوى ولا يرجو إلا وجه الله فهو من علماء القرآن.

عدل أصحاب السلطان،وجهاد المجاهدين بالحق،وإحسان المحسنين في كل عمل،وطلب الحق والصبر عليه،ودفع الظلم والنفور منه،والاضطلاع بأعباء الحياة،والصبر على المكاره والثبات على الشدائد،كل ذلك من أخلاق القرآن“.انتهى كلام د . عزام.

كان السلف الصالح يقرؤون القرآن،حافظين لآياته،عاملين بما فيها،مُطبقين لأحكامها مُتبعين لأوامرها،مُجتنبين لنواهيها،وكانوا كما قال الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي  الله عنه :“كان يَجلّ في أعيننا من يحفظ الزهراوين“ (أي سورتي البقرة وآل عمران)

وقد أقام الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ثمان سنوات في تعلّم سورة البقرة،لما فيها من أحكام وقضايا،ولعظم فقهها .

نعم ،لم يكونوا ينتقلون من حفظ سورة إلى أخرى حتى يتدّبروا مافيها،ويعملوا بأحكامها ويتدارسوا آياتها،وهكذا قرؤوا القرآن وتعلّموا مافيه وعملوا بما فيه،تقول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها :“كانت تتنزل الآية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحفظ حلالها وحرامها وأمرها وزجرها قبل أن نحفظها “

ويعجبني هنا وصف الشيخ محمد عبد الله دراز رحمه الله يصف معنى „خلقه القرآن“ في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه في حديث أمّ المؤمنين عائشة  يقول :

„الطُهر ملء ثيابه،والجدّ حشو إهابه،يأبى لسانه أن يخوض فيما لايعلمه،وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه،ويأبى سمعه أن يُصغي إلى غلو المادحين له،تواضعٌ هو حِليّة العظماء،وصراحة نادرة في الزعماء، وتَثّبت قلّما تجده عند العلماء“ (النبأ العظيم ص32).

وانظر إلى هذا الوصف الرائع للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف حملّة القرآن يقول :“ألا،إنّ لله عباداً مخلصين، كمن رأى أهل الجنة في الجنة فاكهين،وأهل النار في النار معذّبين،شرورهم مأمونة،وقلوبهم محزونة،وأنفسهم عفيفة،وحوائجهم خفيفة ،صبروا أياماً قليلة لعقبى راحة طويلة،أما بالليل فصفّوا أقدامهم في صلاتهم،تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم،ربّنا، ربّنا ! يطلبون فِكاك قلوبهم،وأما بالنهار فعلماء حلماء بررة اتقياء،كأنّهم القداح ـ يريد السهام في ضمرتها ـ حيث ينظر الناظر إليهم فيقول : مرضى، وما بالقوم من مرض،ويقول: خولطوا،ولقد خالط القوم أمر عظيم“ (العقد الفريد ج3 ص112).

ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :“ ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون،وبنهاره إذا الناس مفطرون،وبحزنه إذا الناس يفرحون،وببكائه  إذا الناس يضحكون،وبصمته إذا الناس يخوضون،وبخشوعه إذا الناس يختالون“.

نعم،هؤلاء هم حملة القرآن : أتقياء،أنقياء،صُوّام، قُوّام،أمرون بالمعروف،ناهون عن المنكر،ليس لهم لدى السلطان حاجة، قلوبهم متصلّة بالله عزّ وجلّ،وجوارحهم خاشعة له،وألسنتهم لا تفتّرعن ذكره،أذِلّةٍ على المؤمنين،أعزّةٍ على الكافرين،لا يَرهبون جباراً،ولا يخافون طاغيةً،مجاهدين في الله حقّ جهاده،بأنفسهم وأموالهم،لا يخافون في الله لومة لائم.

يقول التابعي الجليل الفضيل بن عياض رحمه الله :“ ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم “ وقال أيضاً: „حامل القرآن،حامل راية الإسلام ينبغي أن لا يلهو مع من يلهو،ولا يسهو مع من يسهو،ولا يلغو مع من يلغوا، تعظيماً لحقّ القرآن“.