الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنَّ قومي اتَّخذوا القرآنَ مَهجوراً (1/8)

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآنَ مهجوراً

القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المعجز،المُنزّل على خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم ،بواسطة الأمين جبريل عليه السلام،المنقول بالتواتر،والمُتعبّد بتلاوته المكتوب في المصاحف،والمحفوظ في الصدور.

أنزله الله تعالى دستوراً للأمّة،وهدايةً للخلق،وآيةَ صدقٍ على نُبوّة محمد صلى الله عليه وسلم،وحُجّةً قائمةً إلى يوم الدين،ومعجزةً خالدة تتحدى الأجيال على مرِّ الزمان وكَرِّ الدهور .

ولقد اهتمَّ السلف الصالح بالقرآن الكريم ،فانكَبّوا عليه إنصاتاً واستماعاً ،قراءةً وتدبراً،علماً وعملاً وتعليماً،واتخذوه دستوراً ومنهجاً وشريعة، ففازوا بسعادة الدارين،ورضوان الله عليهم يوم الدين،وسادوا العالم يوم أن حَكّموه،واستأسروا القلوب والنفوس يوم أن تدَّبروه،وارتقوا سُلّمَ الحضارة يوم أن رفعوه.

أما الخلف وللأسف،فقد هجروا الإنصات إليه،وهجروا قراءته وتدبره،وهجروا علمه وتعليمه،وهجروا اتخاذه دستوراً ومنهجاً وشريعة ،فآلت أحوالهم إلى ما نراه اليوم، حيث أعرضت عنهم العزّة والسيادة يوم أعرضوا عنه،وتَجهّمت لهم الكرامة والسعادة يوم تَجهّموا لأحكامه .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:(كتاب الفوائد ـ أنواع هجر القرآن):

„هجر القرآن أنواع،أحدها:هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

والثاني:هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

والثالث:هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

والرابع:هجر تدبره وتفهمه ومعرفى ما أراد المتكلم به منه.

والخامس:هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها،فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به،وكل هذا داخل في قوله:{وقالَ الرَّسولُ ياربِّ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآنَ مهجوراً}[الفرقان 30].وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.

ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله(مجلة البيان ):

„في شكوى النبي صلى الله عليه وسلم من هجر القرىن دليل على أن ذاك من أصعب الأمور عليه وأبغضها لديه ،وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه،ولما كان الهجر طبقات،أعلاها عدم الإيمان به فلكل هادر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.ونحن ـ معشر المسلمين ـ قد كان منا للقرآن هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين،بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلته العقلية القريبة القاطعة،فهجرناها،وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين،وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة،وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار،مع بيان حِكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام ،فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر،جافة بلا حكمة،محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة،تفنى الأعمار قبل الوصول إليها،وبيّن القرآن مكارم الاخلاق ومنافعها ومساوىء الأخلاق ومضارها،وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس ،والسلامة من الخيبة بتدسيتها،فهجرنا ذلك كله،ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا،واصطلاحات من اختراعاتنا،خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحاء إلى الغلو والتنطع،وعن السنّة البيضاء إلى الإحداث والتبدع،وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي،والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام،والقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام،وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها،والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها ومعارضة هداية القرآن بها.وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه،ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة لننظر ونبحثونستفيد ونعمل،فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب وبدائع الزهور والحوت والصخرة وقرون الثور!،ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته ،ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه،فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه،فترى الطالب يفنى حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك.

وعلّمنا القرآن أن النبي صلى اله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم،وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم وينهوا عما نهاهم عنه،فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن،فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه ،حتى إنه ليقلّ في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة فضلاً عن غيرهم من اهل العلم وفضلاً عن غيرها من كتب السنة.وكم وكم وكم بيّن القرآن،وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران!

شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه،لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم،فكان شرهم متعدياً وبلاؤهم متجاوزاً وشرُّ الشرِّ وأعظم البلاء ما كان كذلك.

لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن،إلى علمه وهديه،وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه،والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه،والإستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والإعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والإهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين،وهذا أمر قريب على من قرّبه الله عليه،يسير على من توكل على الله فيه ،وقد بدت طلائعه ـ والحمد لله ـ وهي آخذة في الزيادة ـ إن شاء الله ـ وسبحان من يحيى العظام وهي رميم“.

ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال في تفسير الآية 30 من سورة الفرقان:

„لقد هجروا القرآن الذي نزله الله على عبده،لينذرهم ويبصرهم.هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم رداً عنه.وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحقّ من خلاله،ويجدوا الهدي على نوره.وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم،وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق“.

 1 ـ هجروا الإنصات إليه!

الإستماع في اللغة: الإصغاء، وهو مصدر الفعل استمع ، يُقال: استمع فلان إلى القرآن: قصد إلى سماعه . فالسماع يكون بقصد وبغير قصد،ولا يكون الاستماع إلا بالقصد.

وقد وردت بعض مشتقات الإستماع في القرآن وذلك في قوله تعالى مخاطباً موسى عليه السلام {وأنا اخترتك فاستمع لما يُوحى} (مجموعة السفير ج15ـ16 ص 1194-1195)

ولقد فهم السلف الصالح قوله تعالى{وإذا قُرئَ القُرآنُ فاستَمِعُوا لهُ وأنصِتُوا لعلَّكُم تُرحَمُون}(الأعراف 204)

فكانوا يُنصتون لقراءة القرآن،ويستمعون إليه وقلوبهم مليئة بالخشية،وعقولهم تتدبر معانيه،وتعيش ألفاظه،وجوارحهم تسكن في مواضع السكون،وتتفاعل رهبةً أو رغبةً في مواضع الترهيب والترغيب.

ولأنهم أدركوا أن الإنصات والإستماع إليه سبيل إلى نيل رحمة الله . يقول الفقيه العظيم الإمام الليث بن سعد: „ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن الكريم لقوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}، يقول الإمام الليث :ولعلّ من الله واجبة.

ومما يُساعد على الإنصات من جهة القارئ تحسين الصوت أثناء التلاوة،عن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال: „سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً احسن صوتاً منه“ [متفق عليه[.

وجاء ايضاً في الحديث الشريف: „إن من أحسن الناس صوتاً  بالقرآن، الذي إذا سمعته يقرأ ،رأيت أنه يخشى الله „[رواه جابر بن عبد الله وصححه الألبانيٍ

[وروى البراء بن عازب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: „زَينوا القرآن بأصواتكم،فإن الصوتَ الحسن يزيدُ القرآن حُسناً“ [رواه أبو داود وصححه الألباني ]، وعن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر رضي الله عنه أن الرسول صلى اله عليه وسلم قال: „من لم يَتغن بالقرآن فليس منا „[ رواه أبو داود بإسناد جيد].والمقصود هنا تحسين الصوت بدون تلاعب بالحروف أو خروج عن أحكام التجويد،أو محاكاة لأصوات المغنين،وإلا ضاع الخشوع المطلوب في التلاوة.

إنَّ التَغنّي في التلاوة وتحسين الصوت هو الذي يجعل المسلم عندما يُنصت إلى القرآن يتأثر به ويتفاعل معه،حيث يجتمع هنا حسن الصوت وجودّة الترتيل مع معاني القرآن العظيم، فتتأثر النفوس والمشاعر،ويخشع القلب والجوارح،أما عندما يصبح الغرض ـ كما يفعل وللأسف بعض المقرئين في هذه الأيام ـ إثارة الطرب وإحداث النشوة، كما يفعل بعض المغنين والمطربين، وليس توصيل معاني القرآن والتأثر بمعانيه،وعندما تصبح قراءة القرآن لحناً وليس ترتيلاً،وطرباً وليس خشوعاً،وعندما يصبح هَمُّ السامع الإنشغال فقط بصوت القارئ وعدم تدبر المعنى،فهذا هو الغناء وهذا لايجوز.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد ـ شروط الانتفاع بالقرآن ـ ص7):

„إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه،والقِ سمعك،واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه،فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله،قال تعالى:{إنَّ في ذلكَ لَذكرى لِمن كانَ لهُ قلبٌ أو ألقى السّمعَ وهوَ شهيدٌ}[ق 37].

وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه،تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد..فقوله:{إن في ذلك لذكرى} إشارة إلى ماتقدم من أول السورة إلى ههنا،وهذا هو المؤثر،وقوله:{لمن كان له قلب}فهذا هو المحل القابل،والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى:{إن هوَ إلا ذكرٌ وقُرآنٌ مُبينٌ*لِيُنذرَ من كانَ حَيَّاً}[يس 69 ـ 70].أي حي القلب.وقوله:{أو ألقى السمع}أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له،وهذا شرط التأثر بالكلام.

وقوله{وهو شهيد}أي شاهد القلب حاضر غير غائب.قال ابن قتيبة الدينوري:استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم،ليس بغافل ولا ساه،وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير،وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله.فإذا حصل المؤثر وهو القرآن،والمحل القابل وهو القلب الحي،ووجد الشرط وهو الإصغاء،وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شىء آخر،حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر“.

يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في كتابه القيّم „هكذا علمتني الحياة“:

„تأثير القرآن في نفوس  المؤمنين بمعانيه لا بأنغامه،وبمن يتلوه من العاملين به لا بمن يجوّده من المحترفين به،ولقد زلزل المؤمنون بالقرآن الأرض يوم زلزلت معانيه نفوسهم،وفتحوا به الدنيا يوم فتحت حقائقه عقولهم،وسيطروا به على العالم يوم سيطرت مبادئه على أخلاقهم ورغباتهم“ .

وأما في هذا الزمان فكيف يمكن أن نفسّر ارتكاس وتفاعل بعض السامعين لبعض القراء وهم يتلون عليهم آيات العذاب وصور الجحيم مثل قوله تعالى: {خذوه فغلوه* ثم الجحيم صلوه* ثم في سِلسلةٍ ذَرعُها سبعونَ ذراعاً فاسلكوه}[الحاقة 30 ـ 32]،كيف نفسر ارتكاسهم بإطلاق الصرخات تلو الصرخات والصيحات بعد الصيحات:  الله … الله ، أعد ..أعد ؟! بدلاً من أن تخشع قلوبهم،وتذرف دموعهم،وترتجف أوصالهم!! إن بعض السلف الصالح كان يغشى عليه ،بل يصاب بالإغماء لعدة دقائق وربُّما ساعات عندما كانت تُقرأ عليه آيات الوعيد والعقاب والترهيب… بل كيف نفسر صراخ وصيحات أمثال هؤلاء المستمعين عندما تًتلى عليهم آيات المحيض مثلاً!!!

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب فصول إسلامية ـ مقال بعنوان قرآنكم يامسلمون ـ ص233):

„الذي دفع إلى كتابة هذا البحث أني سمعت الجمعة الماضية القارئ المصري المعروف(فلاناً)…ولست أسميّه، يقرأ في جامع بني أمية،ويذيع قراءته(مذياع دمشق)، فإذا أنا أسمع بدَلَ القرآن غناءٍ رخواً طرياً،من هذا الغناء الذي يتخلّع فيه الصوت ويتخنّث، وتكون كل رجفة فيه وكل هزة كفراً بالرجولة،وجحوداً لها،وكلما وقف وقفة هَدرَ الناس ب(أه)و(الله)و(ياسلام)و(أعد) إي والله، (أعد) التي تسمعونها في المسارح والملاهي،ولم يبق مما هنالك إلا التصفيق،وقرع الكؤوس…

وأعجب مافي الأمر،وكله عجب،أن السورة التي يقرؤها، ويغنّي بها…هي، هي يا أيها الناس، سورة الحاقة، السورة التي تصف أهوال يوم القيامة،السورة التي فيها:{وأمّا من أُوتيَ كتابَهُ بشِمالهِ فيقولُ ياليتني لم أوتَ كتابيه* ولم أدرِ ما حسابيه*ياليتها كانتِ القاضيه* ما أغنى عنّي ماليه* هلكَ عنّي سلطانيه*خذوهُ فَغُلُّوهُ*ثمَّ الجحيمَ صَلّوه*ثمَّ في سِلسلةٍ ذَرعها سَبعونَ ذِراعاً فاسلكوه*إنّهُ كانَ لايؤمنُ بالله العظيم*ولايَحُضُّ على طعامِ المسكين*فليسَ لهُ اليومَ ها هنا حميم* ولاطعامٌ إلا من غِسلين* لا يأكلهُ إلا الخاطئون}.

هذا الكلام الذي تنخلع له قلوب من لهم قلوب من القراء،كيف يستطيع مسلم أن يتغنّى به كما يتغنى بقطعة من الشعر الغزِل المرقص؟

من يستطيع أن يقرأ المرثية الباكية وهو يضحك؟ومن يصف الفاجعة القاصمة وهو يبتسم؟إلا أن يكون جاهلاً لا يدري بِمَ يتحرك لسانه، ولا يفهم معناه..أو أن يكون مجنوناً أفلت من المارستان؟

أفيس معنى هذا أن هذا القارئ لايفهم معاني الكلمات التي يقرؤها ولايدري ما موضوعها،أو هو لايحاول أن يفهم،وأن السامعين الذين لا يهزّهم إلا الطرب،ولا تحرّكهم إلا الأنغام،هم مثله لا يفهمون المعنى،ولا يدرون ما الموضوع؟

وهذه هي المصيبة التي ليس فيما أصاب المسلمين أكبر منها،لأن فيها تعطيل القرآن،وتحويله من دستور شامل، ومنهج كامل، يتدبر ويفهم ويحفظ ويعمل به،إلى مجرد كلمات، تردد ترديد الببغاوات…

يقرأ المسلمون القرآن،فيحرّكون ألسنتهم بلفظ كلماته،وتجويد تلاوته،ولكن لايفكرون في وجوب تحريك عقولهم لفهم معانيه،ويرون أن هذا هو الأصل في القراءة،كأن القرآن ليس إلا كلاماً معدّاً للتلحين،ولا يطلب منهم إلا التسابق إلى حسن تلحينه،وإدارته على البيات والرصد والعجم وهاتيك الأنغام..

وصار البرُّ بالقرآن كل البرّ،والعناية به كل العناية،أن نتقن مخارج حروفه،ونفخّم مفخمه،ونرقق مرققه،ونحافظ على حدود مدوده،ونعرف مواضع إخفاء النون وإظهارها،ودغمها وقلبها والغنّة بها،ثم نفتتح به الإذاعة كل يوم،نختار لذلك أحلى القراء صوتاً،وأبصرهم بالألحان،وأقدرهم على التصرف فيها،ويختم القارئ تلاوته، فننتقل مباشرة إلى الأغنية الفاسقة نذيعها،والكلام الفارغ نعلنه،وتسمع هذه التلاوة في القهوة وأهلها معرضون عنها،مشغولون بالنرد المحرّم والدخان واغتياب الناس،وأن نبدأ بعشر آيات من القرآن كل حفلة وكل اجتماع،وأن نقيم من يقرأ في المآتم،والناس منصرفون عن القرآن إلى الإستقبال والوداع وإدارة القهوة والدخائن،وأن يقرأه(الشحّادون) على أبواب المساجد،وأن نضع اللوحات الثمينة فيها الآيات منه في صدور أبهائنا ومجالسنا،وأن تتخذه النساء المسلمات حلية تعلّق في صدورهن المكشوفة،التي يحرم هذا القرآن كشفها،هذا هو كل برّنا بالقرآن، وعنايتنا به!!

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 379):

„نزل القرآن آمراً وناهياً،ومذكراً وواعظاً،وكان للمسلمين دستوراً وقانوناً،فلم نفهم منه إلا أنه كتاب تبرّك،نتخذه تمائم ورقي،أو نتلوه تلاوة تطريب وتلحين،وتطرية وتليين،نؤخذ بحلاوة صوت القاريء،وبراعة إلقائه،وحسن تصرفه في ألحانه،ولا نتنبه الانتباه المطلوب إلى المعاني،ولا نخشع الخشوع اللائق بمن يسمع كلام الخالق.

أما إنه لا جدال في وجوب ترتيل القرآن وتجويده،وضبط مخارجه وأحكامه وأدائه،أما أن يكون القصد من الإصغاء إليه الطرب،والغاية من تلاوته الإطراب، فلا،ثم لا…

ويتابع رحمه الله:“ذلك أن منهم من أولع بالقراءة على السبع،في المساجد والمجامع،يكرر الآية الواحدة على الأوجه المختلفة،فلا يأتي من ذلك إلا فتنة العامة،وتشكيك الجهلاء،وما يخالط القاريء من العجب والزهو،وذلك ما لا يستحبه الشرع.ولقد ثبت في الحديث أن القرآن أنزل على سبعة أحرف،تسهيلاً على العرب المختلفة لغاتهم،وكانوا يقرؤون عليها جميعاً،حتى إذا كان زمان عثمان رضي الله عنه،وسيطرت لغة قريش أو كادت،وتوحدت اللغات ولم يبق للسبعة ألاحرف من فائدة إلا اختلاف الناس،أمر عثمان بالاقتصار على واحد منها ومنع ما عداه،وكتب المصحف الإمام وبعث به إلى الأمصار،واقتصر الناس على الحرف الواحد حتى نشأ النحاة وأهل اللغة والقراء،فوقع بينهم اختلاف يسير في حركة أو إمالة أو مد أو همز فكان من ذلك القراءات السبع ،وهي على حرف واحد وليست على الأحرف السبعة كما يظن بعض من لا علم له“.انتهى كلام الطنطاوي رحمه الله.

نعم، لقد أصبح  سماع القرآن الكريم عند بعض الناس كسماعهم للأغاني والألحان،يطربهم  الصوت،ويُنشيهم اللحن،وتسحرهم الحناجر،ولا يبقى هناك دور لفهم المعاني أو تدبر الألفاظ،والأدهى من ذلك بل والأمرّ أن هناك من يُنادي بين فترة وأخرى أن يُلحن القرآن الكريم!!! ولا بأس أن يرافق ذلك كما يقولون بعض المعازف!!.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 512 تشرين الثاني عام 1933م):

يقول تعالى:{ومنهُم من يستمعونَ إليكًَ أفأنتَ تُسمع الصُّمَّ ولو كانوا لايعقلون}[يونس 42] أي يصيخون بأسماعهم مصغين إليك إذا قرأت القرآن،أو بينت مافيه من أصول الإيمان والأحكام،ولكنهم لايسمعون إذ يستمعون،إذ لايتدربون القول ولايعقلون مايراد به،ولايفقهون مايرمى إليه،لأن الاستماع إليك مقصود عندهم لذاته لا لما يراد به،وهي بلاغته في غرابة نظمه،وجرس الصوت بترتيله،كمن يستمع إلى طائر يغرد على فننه،ليستمع بصوته لا ليفهم منه كما قال تعالى{ما يأتيهم من ذكرٍ من رَّبّهم مُحدَثٍ إلا استمعوهُ وهم يلعبونَ}[الأنبياء2] أو كالبهائم ثم يصيح بها الراعي فترفع رؤوسها لإستماع صوته الذي راعها فصرفها عن رعيها{ومثل ُالَّذينَ كفروا كَمثلِ الذي ينعِقُ بما لايسمعُ إلا دُعاءً ونداءً صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فهم لايعقلونَ}[البقرة 171] أو كما قال {ومنهُم من يستمعُ إليكَ وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوهُ وفي آذانهم وقراً}[الأنعام25] والقاعدة الطبعية الشرعية أن الأمور بمقاصدها. ونحن نرى كثيراً من الناس يقصدون قراء القرآن في ليالي رمضان أو في المآتم ليستمعوا إلى فلان القارئ الحسن الصوت لغرض التلذذ بترتيله وتوقيع صوته،ولا أحد منهم ينتفع بشئ من مواعظ القرآن ونذره،وحكمه وعبره،ولاعقائده وأحكامه“.

إنه يجب على السامع أن يستمع وينصت ويخشع بقلبه وجوارحه،وأن يحاول ما أمكن أن يتجنّب التعليق على التلاوة  بعبارات من عنده،وأن يمتنع في مجالس القرآن عن الشراب والطعام،والكلام والضحك،وألاّ يستخّفه حسن الصوت فيخرجه عن وقاره وآدابه، وأما ما نراه اليوم وللأسف الشديد فهو الاستماع إلى القرآن الكريم في المقاهي والملاهي والناس يلهون ويشربون ويأكلون،بل ويقتلون الوقت ـ كما يقولون ـ بلعب النرد والورق والشطرنج ويرسلون بين الحين والآخر الصيحات والصرخات،وبين الفينة والأخرى القهقهة  والضحكات… ويظنون حقاً أنهم يستمعون إلى القرآن الكريم!!

يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في „هكذا علمتني الحياة“:

„خير من ألف إذاعة تتلو القرآن على المسلمين بأعذب الأصوات صباح مساء إذاعة واحدة يُتلى فيها القرآن الكريم  بآدابه من قلب خاشع يستمع إليه المسلمون بقلوبهم وعقولهم ساعة واحدة في كل أسبوع“ .

نعم، لقد كان الإنصات والإستماع إلى القرآن الكريم يَعملُ عمله،ويفعلُ فعله في النفوس التي تفهمه والعقول التي تتدّبره،والقلوب التي تلين وتخشع له،لقد كان الإنصات إليه  يؤثر في نفوس المؤمنين بل والكافرين أيضاً،كما أثَرّ في الملائكة والجن ،فلماذا لا يفعل فعله في نفوس المسلمين،ولماذا لا يؤثر فيهم كما أثرّ في السابقين؟ !

لقد كان القرآن الكريم مُعجزاً للعرب،وهم أهل الفصاحة والبيان وأُولي البلاغة والتبيان،وقررّ القرآن الكريم أن مجرد سماع العرب لآياته حجة كبرى عليهم، يقول تعالى : {وقالوا لولا أُنزلَ عليهِ آياتٌ من ربه قُلْ إنما الآيات عند الله وإنّما انا نذيرٌ مبين*أولم يكفِهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم} [العنكبوت 50 ـ 51]، فأخبر الله عز وجلّ أن القرآن الكريم الذي أنزله، والذي يتلى عليهم هو آيةٌ من آيات الله، ودليلٌ بإعجازه وبيانه وفصاحته وحكمته للدلالة على صدق هذا النبي الكريم والذي عاش معهم أربعين سنة قبل نزول الوحي وشهدوا بأنه الصادق الأمين، يقول تعالى: {قل لو شاء الله ماتلوته عليكم ولا أدراكُم به فقد لبثتُ فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون* فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته إنه لايُفلحُ المجرمون}[يونس 16 ـ 17]

لقد تحوّل سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه من أعدى أعداء المسلمين إلى أقربّ المقربين من الله ورسوله بعدما تأثرّ بآيات الله تتُلى عليه من سورة طه ،لقد دخل على أخته وزوجها والشرر يتطاير من عينيه، ينوي قتلهما،وما لبث حين سمع كلمات الله تُتلى عليه ـ وهو المعروف عنه في الجاهلية بأنّه كان أفضل من يتذوّق لغة العرب وأشعارهم ـ مالبث حينئذ أن هدأت ثورته،وذهب غضبه ،وسكن غليانه،وذهب إلى الرسول محمد صلى الله عليه  وسلم لا ليقتله ، بل ليبايعه.

وأما عتبة بن ربيعة ،أحد صناديد قريش، فكان معروفاً عنه أنه حلو الحديث،بليغ المنطق قويّ الحجّة،أرسلته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاجّه، وكانت تظنّ أنه سوف يلحق بالقرآن بعض الشنآن،أو يحيط به بعض الريب، فلما استمع إلى سورة حم السجدة،ووصل إلى مسامعه قوله تعالى{فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}[فصلت 13]دارت به الأرض وتهدّم كيانه وغاب وعيه وإدراكه،وأيقن أن قيامته قامت فقال له عثمان  ابن مظعون : لتعلموا أنه من عند الله.

وقصة الوليد بن المغيرة معروفة،عندما استمع إلى القرآن الكريم فقال لقريش: „ماذا أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم مني بالشعرولا برجزه ولابقصيده،ولا بأشعار الجن،والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا،والله إن لقوله لحلاوة،وإنّ عليه لطلاوة وإنّهُ ليحطم ما تحته،وإنه ليعلو وما يُعلى عليه “ . قال أبو جهل: والله لايرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني أفكر فيه،فلما فكّر قال: إن هذا إلا سحرٌ يؤثر،أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله ومواليه. وفي ذلك نزل قرآناً يتلى :{إنه فكَّر وقدّر* فَقُتِل كيفَ قدّر*ثُمَّ قُتِلَ كيف قدّر*ثُمَّ نظر* ثُمَّ عبسَ وبَسَر*ثُمَّ أدبرَ واستكبر*فقال إن هذا إلا سحرٌ يُوثر} [المدثر 18 ـ 24].

يقول أبو عثمان الجاحظ تعقيباً على هذا الموضوع: „بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أكثرَ ماكانت العربُ شاعراً وخطيباً، وأحكمَ ماكانت لغةً،وأشدَّ ماكانت عدّةً،فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله،وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة،فلما قطع العذر، وأزال الشبهة،وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف،فنصبَ لهم الحرب، ونصبوا له،وقتل من عليتهم وأعلامهم، وأعمامهم وبني أعمامهم،وهو في ذلك يحتجُّ عليهم بالقرآن،ويدعوهم صباحاً ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة،أو بآياتٍ يسيرة،فكلّما ازداد تحدياً لهم بها،وتقريعاً لعجزهم عنها،تكشّفَ عن نقصهم ما كان مستوراً، وظهر منه ماكان خفياً،فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا:أنت تعرف من أخبار الأمم مالانعرف،فلذلك يمكنك مالا يمكننا،قال: فهاتوها مفتريات، فلم يَرُم ذلك خطيبٌ،ولا طمع فيه شاعر..فدلَّ ذلك العاقلَ على عجز القوم مع كثرة كلامهم،وسهولة ذلك عليهم،وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم،وعارض شعراء اصحابه وخطباء أمته،لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت انقض لقوله،وأفسد لأمره،وأبلغ في تكذيبه ،وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس،والخروج من الأوطان، ولإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات.فمحال ـ أكرمك الله ـ أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر،والخطأ المكشوف البين.. وهم أشدُّ الخلق أنفة،وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيَِّد عملهم،وقد احتاجوا إليه،والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة“. انتهى كلا الجاحظ

وقصة المشرك الذي سمع قوله تعالى:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}[النحل 90]فما لبث ذلك الأعرابي حين سماع هذه الآية الكريمة أن خرَّ ساجداً ،فقيل له: لم فعلت ذلك قال: سجدت لبلاغة هذا الكلام .

لقد عرف عرب الجاهلية وكفار قريش مدى تأثير وقع كلام الله في النفوس،ولذلك كانوا  يتعاهدون على أن لا يحضروا مجلسه ولا يملؤون منه أسماعهم،ومع هذا كانوا يحنثون من قرب،ويتسللون في جنح الظلام للإستماع إليه. وبعد ذلك تعاهدوا فيما بينهم على أن  يحاولوا بكل الطرق والوسائل سدَّ المنافذ التي تؤدي لسماع العرب وأهل القبائل لكلام الله المعجز ،فأخذوا يلجؤون إلى وسائل التشويه لكل ما تفتقّ عنه مكرهم وخبثهم ، قال تعالى: „{وقالَ الذين كَفروا لا تَسمعُوا لهذا القرآنِ وألغَوا فيه لعلَّكُم تَغلبون}[ فصلت 26] .

نعم لقد كانوا يسعون بكل جهدهم للحيلولة مابين سماع القرآن الكريم ووصوله إلى العرب وخاصة القادمين إلى مكة من أجل التجارة أو الطواف بالكعبة،وجاء في سيرة ابن هشام فيما يتعلق بإسلام الطفيل بن عمرو الدوسي مايلي: „قدم الطفيل مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها،فمشى إليه رجلٌ من قريش،وكان الطفيل شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: يا طفيل،إنك قدمت بلادنا،وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا،وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا،وإنما قوله كالسحر،يفرّق بين الرجل وأبيه،وبين الرجل وبين زوجته،وإنما نخشى عليك وعلى قومك ماقد دخل علينا،فلا تكلمنَّه ولاتسمعنّ منه شيئاً.قال الطفيل: فوالله مازالوا بي حتى أجمعت ألا اسمع منه شيئاً،ولا أكلمه،وحشوتُ في اُذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً(أي قطناً) فَرَقاً من أن يبلغني شئ من قوله،وأنا لا أريد ان أسمعه.فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائم يصلي عند الكعبة،فقمت منه قريباً، فأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله،فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكلَ أمي!والله إني لرجل لبيب شاعر،ما يخفى عليَّ الحسنُ من القبيح،فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل مايقول؟فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته،وإن كان قبيحاً تركته.فمكثت حتى انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيته، فاتبعته،حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يامحمد،إنَّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا… فوالله مابرحوا يخوفونني أمرك حتى سددتُ أُذني،بكُرسُفٍ لئلا أسمع قولك، ثم ابى الله إلا أن يُسمعني قولك،فسمعت قولاً حسناً،فأعرض عليَّ أمرك.فعرض عليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتلا عليّ القرآن، فلا والله ماسمعت قولاً قطُّ أحسن منه،ولا امراً أعدل منه ،فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحق“.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“:

„كلمة كان يوحي بها الكبراء من قريش  أنفسهم،ويغرون بها الجماهير،وقد عجزوا عن مغالبة  أثرالقرآن في أنفسهم وفي نفوس الجماهير،فهو كما كانوا يدّعون يسحرهم ويغلب عقولهم ويفسد حياتهم ويفرّق بين الوالد وولده والزوج وزوجه.. ولقد كان القرآن يفرّق نعم ،ولكن بفرقان الله بين الإيمان والكفر،والهدى والضلال.. كان يستخلص القلوب له فلا تحفل بوشيجة غير وشيجته، فكان هو الفرقان“ ، ويتابع رحمه الله :“ وألغوا فيه لعلكم تغلبون..وهي مهاترة لا تليق،ولكنّهُ العجز عن المواجهة بالحجّة والمقارعة بالبرهان،ينتهي إلى المهاترة عند من يستكبر على الإيمان،ولقد كانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم كما فعل مالك بن النضر ليصرف الناس عن القرآن، ويلغون بالصياح والهرج،ويلغون بالسجع والرجز،ولكن هذا كله ذهب أدراج الرياح،وغلب القرآن لأنه يحمل سر الغلب،إنه الحقّ، والحقّ غالب مهما جبهه المبطلون“.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى:{وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً}[الإسراء 45].يقول رحمه الله:

„كان القوم تتأثر بالقرآن فطرتهم فيصدونها،وتجاذبهم إليه قلوبهم فيمانعونها،فجعل الله بينهم وبين الرسول حجاباً خفياً لا يظهر للعيون ولكن تحسه القلوب،فإذا هم لا ينتفعون به ولا يهتدون بالقرآن الذي يتلوه.وهكذا كانوا يتناجون بما أصاب قلوبهم من القرآن،ثم يتآمرون على عدم الاستماع إليه،ثم يغلبهم التأثر به فيعودون،ثم يتناجون من جديد،حتى ليتعاهدوا على عدم العودة ليحجزوا أنفسهم عن هذا القرآن المؤثر الجذاب الذي يخلب القلوب والألباب،ذلك أن عقيدة التوحيد التي يدور عليها هذا القرآن كانت تهددهم في مكانتهم وفي امتيازاتهم وفي كبريائهم فينفرون منها“.

وما نراه في يومنا الحاضر ليس بعيداً كل البعد عما فعله كبراء قريش وكفارها،فبعد ما أدرك اعداء الإسلام ممن يحاربونه علناً وجهرةً،أو ممن ينتمون إليه إسماً ، ويحاربونه سراً بعد ما أدركوا أنه لا وسيلة لتغيير القرآن أو تبديله او تحريفه فهو محفوظ من عند الله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر 9] لجؤوا إلى الوسائل الماكرة والأساليب الخادعة ليحجبوه عن الأسماع والعقول والقلوب فهم من جهة يحاربون اللغة العربية لغة القرآن الكريم،وينادون بإحياء اللغات العاميّة وتدريس العلوم والمعارف باللغات الأجنبية بحجة أن اللغة العربية عاجزة ـ كما يزعمون ويفترون ـ عن اللحاق بركب الحضارة الحديثة والتقدم العلمي،وهم يدركون كل الإدراك ان مفتاح فهم القرآن الكريم وتدّبر معانيه،يكمن في فهم اللغة العربية والإطّلاع على مافيها من جمال وإعجاز وبلاغة،يلجؤون في ذلك أيضاً لمحاربة دروس اللغة العربية والديانة الإسلامية وتقليص ساعات تدريسها ،لجؤوا في ذلك إلى الفن الرخيص حيث لم يعد هَمّ لبعض الأفلام أو المسلسلات أو المسرحيات إلا في السخرية والاستهزاء من مدرسي اللغة العربية والإسلامية ،كما لجؤوا إلى إغلاق المدارس الشرعية والكتاتيب التي كانت تساعد الأطفال الصغارعلى حفظ القرآن الكريم. ومن جانب آخر اقتصروا في الإذاعة المرئية والسمعية على دقائق معدودة لتلاوة القرآن الكريم ـ وفي حالات نادرة لعدّة ساعات وذلك عند وفاة أحد الزعماء أو الملوك!!

والأنكى من هذا والأدهى أن بعض الإذاعات امتنعت عن السماح بتلاوة بعض الآيات أوالسورالقرآنية التي تتعرّض لناس أو أعداء وتكشف زيفهم وحقدهم وعدائهم للإسلام . وبعض الإذاعات المرئية تنقل بعض الشعائر الدينية أو أذان الصلوات مع قراءة قليلة للقرآن الكريم وذلك في أثناء عرض بعض المسلسلات التافهة أوالأفلام الرخيصة،وليس من النادر أن يسبق أو يعقب قراءة القرآن أغنية ماجنة أو رقصة فاجرة !!

ومن جانب ثالث يحاولون التشويش والتشويه بتسخير بعض الأقلام الرخيصة والمأجورة في نشر بعض الكتب أو المقالات في تفسير وتأويل بعض الآيات أو الأحداث بما يعارض نصوص القرآن القطعية والسّنة الصريحة وذلك لترضي أصحاب السلطان .

إنها محاولات عديدة ومتنوعة يحاول بها المُفسدون حجب القرآن الكريم عن الناس لكي لا يُبصّرهم وينذرهم،ويحاولون صَمَّ الآذان عن سماعه حتى لا يمتلك القلوب ويجتذب النفوس،ويحاولون إقصاءه عن المسلمين حتى لا يتدبروه ويدركوا الحقّ من خلاله ويجدوا النور والهدى فيه،إنهم يحاولون أن يسدّوا السبل في وجه المسلمين ليصرفوهم عن القرآن العظيم حتى لا يجعلوه دستور حياتهم ومنهاج طريقهم وإمامهم في الدنيا، ولكنهم {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}[الأنفال 30]

ومن جانب أخر فإنه يجب على المسلمين الواعين والملتزمين والحريصين على نُصرة إسلامهم وقرآنهم أن لا يكتفوا بردود الفعل،ولا بالإرتكاسات الحماسية والإندفاعات غير الملتزمة،بل يجب عليهم أن يسعوا إلى مواجهة الباطل ومجابهة قوى الضلال بكل ما أُوتوا من إخلاص ووعي ومعرفة وعلم وإدراك وثبات على الحقّ، إننا بحاجة كما يقول  الأستاذ العلاّمة محمد لطفي الصباغ حفظه الله في كتابه „تذكرة الدعاة“ :

„إلى طليعة تحيا للقرآن ووفق أحكامه،لا يكون القرآن في حياتها نغماً يطرب له السامعون ولا تراتيل تُفتتح بها الحفلات،ولا تعاويذ تقرأ في المآتم،واحذروا يا عباد الله من أن تكونوا ممن يقرأ القرآن، والقرآن يلعنه“.

ولم يقتصر الاستماع للقرآن والإصغاء إليه والتأثر بآياته ولغته وكلماته على جماهير الأنس من البشر،بل إنه تعدى ذلك إلى الجانب الآخر من الثقلين وأعني بهم مؤمنين الجن.يقول الشهيد سيد قطب في الظلال في قوله تعالى:{وإذ صَرفنا إليكَ نَفراً من الجنِّ يَستمعونَ القرآنَ فلمَّا حضروهُ قالوا أنصِتوا فلمّا قُضيَ ولّوا إلى قومهم منذرين}[الأحقاف 29]،يقول رحمه الله:

„وهذا يصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن،فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية.فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم،وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه،أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به،وهي حالة من امتلأ حسه بشيءٍ جديد،وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب،يدفعه دفعاً إلى الحركة والاحتفال بشأنه ،وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام.

ثم عبروا عما خالج مشاعرهم منه وما أحست ضمائرهم فيه فقالوا:{يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم}[الأحقاف 30].

ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل وضخم،لا يقف له قلب غير مطموس ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم.ومن ثم لمس هذه القلوب لأول وهلة،فإذا هي تنطق بهذه الشهادة وتعبر عما مسّها منه هذا التعبير.

ثم مضوا في  نداءهم لقومهم في حماسة المقتنع المندفع،الذي يحس أنه عليه واجباً في النذارة لا بد أن يؤديه:{يا قومنا أجيبوا داعيَ الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويُجركم من عذابٍ أليمٍ}[الأحقاف 31].

فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجن،واعتبروا محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً  لهم إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له:فنادوا قومهم:{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به}[الأحقاف 31].

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قُلْ أُوحيَ إليَّ أنَّهُ استمعَ نفرٌ من الجنِّ فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عَجباً}[الجن 1]

يقول رحمه الله:“إن هذه الآيات كالسورة تنبىء عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن،مفاجأة أطارت تماسكهم،وزلزلت قلوبهم،وهزّت مشاعرهم ،وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض،فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعاً،ولا تملك عليه صبراً،قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب المتدفق،النابض بالحرارة والانفعال،وبالجد والاحتفال في نفس الأوان،وهي حالة من يفاجأ أول مرة بدفعة قوية ترج كيانه،وتخلخل تماسكه،وتدفعه دفعاً إلى نقل ما يحسه إلى نفوس الآخرين في حماسة واندفاع،وفي جد كذلك واحتفال.

„إنا سمعنا قرآناً عجباً“

فأول ما بدههم منه أنه“عجيب“غير مألوف،وأنه يثير الدهش في القلوب،وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح،ومشاعر مرهفة،وذوق ذواق…عجب! ذو سلطان متسلط،وذو جاذبية غلابة،وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب…عجب!فعلا…يدل على أن أولئك النفر من الجن كانوا حقيقة يتذوقون.

„يهدي إلى الرشد“

وهذه هي الصفة الثانية البارزة كذلك في هذا القرآن،والتي أحسها النفر من الجن،حين وجدوا حقيقتها في قلوبهم…وكلمة الرشد في ذاتها ذات دلالة واسعة المدى.فهو يهدي إلى الهدى والحق والصواب.ولكن كلمة الرشد تلقي ظلاً آخر وراء هذا كله.ظل النضوج والاستواء والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب.ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات،فهو ينشىء حالة ذاتية في النفس تهتدي بها إلى الخير والصواب.

والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية،وإدراك ومعرفة،واتصال بمصدر النور والهدى،واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى.

كما يهدي إلى الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها.هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله في ظل حضارة من الحضارات أو نظام من الأنظمة،ما بلغته في ظله أفراداً وجماعات،قلوباً ومجتمعات،أخلاقاً فردية ومعاملات اجتماعية…على السواء..“.

2 ـ هجروه قراءةً وترتيلاً

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقدمة الظلال:

„إنّ الحياة في ظلال القرآن نعمة،نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها ،نعمة ترفع العمر وتباركه وتُزّكيه“.

ولقد أدرك السلف الصالح قيمة هذه النعمة التي يعيشها قارئ القرآن،فأقبلوا عليه تلاوةً وترتيلاً،وعاشوا آياته يتدبرون معانيها، ويتفكّرون فيها،فأنارت قلوبهم،وزَكّت عقولهم وشَفت نفوسهم ،وسَمت مشاعرهم،وزادت إلى ذلك فرحتهم وسعادتهم بوعد الله تعالى لهم وما أعدّ لهم من عظيم الأجر وجزيل الثواب في الدنيا والآخرة،قال تعالى: {إنّ الذين يَتلُونَ كتابَ الله وأقاموا الصلاةَ وأنفقوا ممَّا رزقناهُم سراً وعَلانيةً يَرجُونَ تجارةً لن تبور* لِيوفّيَهُم أجُورَهُم ويزِيدَهُم من فضلهِ أنَّهُ غفورٌ شكور}[ فاطر 29ـ30]

فالقرآن يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة،وما أعظمها من شفاعة وما أحوج المرء لها  في ذلك اليوم العصيب.

عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه“ [رواه مسلم].

وقارئ القرآن مع السّفرة الكرام البرّرة،أي الملائكة الأطهار،فما أعظمه من مقام عَظُمَ منزلاً وعَظُمَ صحبة. عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم „الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة،والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران“[ رواه الشيخان] .  (يتتعتع: يجد صعوبة في قراءته)

وقارئ القرآن موضع الغبطة لعظيم النعمة التي يعيش فيها،عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: „لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار „[ رواه الشيخان ].

(والحسد هنا كما يقول الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري أُطلق مجازاً ويقصد به الغبطة).

وقراء القرآن هم أهل الله وأحباؤه وخاصته،فما أعظمها من نسبة وما أعظمها من صلة .جاء في الحديث الشريف : „إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال : أهل القرآن هم أهل الله وخاصته“ [رواه ابن ماجة وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الالباني ].

والقرأن حافظ لصاحبه ـ بإذن الله ومشيئته ـ اثناء نومه واضطجاعه لا يصيبه مكروه ولا يقربه شر،عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:„ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله تعالى إلا وكل به الله ملكاً يحفظه فلا يقربه شئ يؤذيه حتى يهب متى هب“[ رواه أحمد والترمذي].

وتعظم منزلة القارئ وتزداد مكانته ويزداد أجره بمقدار ما يتلو من القرآن الكريم ويتدبره ويحفظه،عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله  عليه وسلم: „يقال لصاحب القرآن اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها“[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي ،وقال الترمذي حسن صحيح ].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف“ [رواه الترمذي وقال حسن صحيح ]،وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „يقول الله تعالى: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله سبحانه وتعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه“ [رواه الترمذي وقال حديث حسن] .

وقارئ القرآن العامل به المُتأدِّب بآدابه محبوب من الناس لسلوكه وخلقه وطيب عشرته عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة،ريحها طيب وطعمها طيب،ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة،لا ريح لها وطعمها حلو،ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر“ [رواه الشيخان.]

ولابد عند قراءة القرآن من قراءته على مهل،بعيداً عن العجلة والإسراع ـ وهو ما يسمى  ـ الهذرمة ـ مع التدبر ،فالأمر ليس في عدد الصفحات التي يقرؤها القارئ،بل فيما فهم منها ووعاها وتدبرها، يقول الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما: „لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحبّ إلي من أقرأ القرآن كله هذرمة“.

يقول الشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله في كتاب „فصول إسلامية“ تحت عنوان  قرآنكم يا مسلمون:

„القرآن الذي أنزله الله أمراً ونهياً ومنهجاً كاملاً للمسلم في حياته  الخاصة وحياته الأجتماعية، يكتفى منه بالتغني بألفاظه وتجويد تلاوته، فهل ينفع القاضي أن يقرأ القانون مجوداً ثم لا يفهمه ولا يحكم به،وإذا تلقى الضابط برقية القيادة هل يُنجيه من المحكمة العسكرية أن يضعها على رأسه ويقبلّها ويترنم بها ولا يحاول أن يدرك مضمونها،بل لو رأيتم رجلاً قعد يقرأ جريدة حتى أتمّها كلّها من عنوانها إلى آخر إعلان فيها فسألتموه ماهي أخبارها؟ فقال: والله ما أدري،لم أحاول ان أفهم معناها فماذا تقولون؟ أما تنكرونه وتنكرون عليه؟ فكيف لا تنكرون على من يعكف على المصحف حتى يختم الختمة وقد خرج منها بمثل ما دخل فيها،ما فهم من معانيها شيئاً، فمن أين جاءت هذه المصيبة؟ وأي عدو من أعداء الله استطاع أن يلعب هذه اللعبة فيخرج المسلمين من قرآنهم،وهو بين أيديهم وفي كل بيت نسخ منه،وهو يتلى دائماً في كل مكان، يحرمهم منه وهو في أيديهم،وهو ملء انظارهم واسماعهم ،مسألة عجيبة جداً والله „.

ويُستحب لقارئ القرآن أن يصحب معه تفسيراً صغيراً يُوضح بعض المعاني أوالألفاظ أوأسباب النزول،يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتاب“فصول إسلامية“:

„ولندع بعد ذلك إلى الرجوع إلى حقيقة القرآن وقراءته قراءة تدّبر وفهم كما تقرأ الكتب العلمية والأدبية،نتفهم مقاصدها ونلخص قواعدها،لا أريد أن يفهم كل قارئ بعقله وحده من غير رجوع إلى معجم ولا نظر في تفسير ولا استقراء لأثر،لا،بل يكشف أولاً عن معاني الكلمات من التفسيرات المختصرة أو المعاجم ،ولا سيما مفردات الراغب الأصبهاني ،ثم يفهم معاني  الآيات مستعيناً بمعرفة أسباب نزولها والمأثور من تفسيرها“.

كما يُستحب لقارئ القرآن أن يُرتلّه ترتيلاً قال تعالى : {ورتل القرآن ترتيلاً}[المزمل 4 ].

جاء في كتاب „التبيان في آداب حملة القرآن“ للإمام النووي رحمه الله تعالى:

„وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل لقوله تعالى :{ورتل القرآن ترتيلاً} ، وثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها قراءة مفسرة حرفاً حرفاً„[ رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح]، ويستحب إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله،وإذا مرّ بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشرور والعذاب،أويقول اللّهُمَّ إنّي أسألك العافية أو أسألك المعافاة من كُلِّ مكروه أو نحو ذلك،وإذا مرّ بآية تنزيه لله تعالى نزّه الله تعالى فيقول: سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلّت عظمة ربنا،فقد صحَّ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: „صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة،ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى،ثم افتتح آل عمران فقرأها، فقلت: يركع، فصلى بها ،ثم افتتح النساء فقرأها يقرأ ترتيلاً،إذا مر بآية فيها تسبيح سَبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ“[ رواه مسلم].

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في „فصول إسلامية“

:لقد ورد الأمر بالترتيل، ولكن الترتيل كما قال الراغب الأصبهاني في المفردات: هو إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة، والتمهل في النطق والإبانة عن الحروف،والذي أفهمه أن المطلوب في التلاوة التريث والتمهل،وإبانة الحروف والكلمات، وتحسين الصوت فيه،وإظهار الخشوع مع بعض التنغيم الذي يأتي عفواً ولا يكون هو المقصود،والذي ينشأ عن فهم المعنى ويؤدي إلى إظهاره،وإن للكلام آثاراً مختلفة في النفس، منها : الحماسة والحزن والخوف والرغبة والاعتبار والتفكير،ولابد من اللهجات المناسبة للتعبير عنها تعبيراً يوصل إليها ويدل عليها،مع ما يكون فيه من رنّة الاستفهام والتعجب والدهشة وغيرها، وهذا هو التلحين التعبيري،أما الغناء فلا يثير إلا الطرب،والقراء اليوم لا يفرقون في الأنغام التي يقرؤون بها بين آيات الترغيب في الجنة وآيات الترهيب من النار،وآيات القصص وآيات التشريع ،مع أن الإلقاء العادي لا يكون إلقاءً حيّاً مُعبراً إذا جاء هذا كله بلهجة واحدة لا تتبدل ولا تتغير بتبدل المعاني وتغير الأساليب“.

ويقول الأستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله(كلمات نافعة ص127):