أدواء متفرقة — 5
يعتبر التدخين من الأسباب الرئيسية لأمراض القلب والأوعية وخاصة ارتفاع الضغط الشرياني واضطراب انتظام القلب(تسرع القلب بمختلف أشكاله)،والداء القلب الإكليلي أي خناق الصدر واحتشاء عضلة القلب.وهذا كله مرتبط بعاملين رئيسيين:التصلب الشرياني وارتفاع ضغط الدم الذي ينجم عن التدخين وخاصة النيكوتين.
كما أن التدخين يسبب نقص التروية الدموية في الأطراف وحدوث مايسمى داء بورجر Burerger والذي قد يؤدي في النهاية لاستئصال القدم بسبب نقص التروية الدموية الشديد والتصلب الشرياني.
كما أن التدخين وخاصة عند النساء الذين يتناولون مانعات الحمل قد يكون من الأسباب الرئيسية لحدوث الخثرات الوريدية والصمامات الرئوية التي قد تكون مهددة للحياة.ويؤهب أكثر لأمراض القلب والأوعية،وأمراض الدماغ الوعائية وخاصة نقص التروية والحوادث الوعائية الدماغية(الفالج).
كما أن التدخين وبسبب ارتفاع تركيز غاز أول أوكسيد الكربون في الدم والذي ينافس الأوكسجين على خضاب الدم ويزيحه عنه مما يسبب انعكاسياً فرط لزوجية الدم بسبب الإفراط في تشكيل الكريات الحمراء في نقي العظم للمعاوضة ،وهذه اللزوجية الشديدة في الدم تؤهب لحدوث الخثرات الوعائية في جميع أنحاء الجسم.
2 ـ الجهاز التنفسي:
يعتبر التدخين السبب الرئيسي لالتهاب القصبات الساد المزمن COPD وانتفاخ الرئة والذي يعتبر حالياً من أهم الأسباب للوفيات في معظم أنحاء العالم بعد السرطانات وأدواء القلب الإكليلية،كما أن التدخين عند مرضى الربو يزيد من وخامة الإنذار في المرض ويؤدي إلى هجمات ربوية شديدة بالمقارنة مع غير المدخنين،وإن تشارك التدخين مع الربو يسبب مايسمى Overlappen Syndrome وهو ذو انذار سيىء لمرضى الربو.ويمكن الرجوع إلى ذلك بالتفصيل في هذا الموقع.
وعند المدخنين تزداد الإصابة بأمراض التهاب القصبات والرئة المتكررة وذلك كما ذكرنا سابقاً بسبب تأثير التدخين على المفرزات القصبية،كما أنه يعطل عمل الأهداب الشعرية في خلايا الغشاء المخاطي للقصبات وهذا يؤثر بشكل مزمن على وظيفة التصفية في الغشاء المخاطي للقصبات،ويسبب معاودة الانتانات وطول مدتها وصعوبة معالجتها.
3 ـ الجملة العصبية المركزية والمحيطية:
من المعروف ازدياد حوادث نقص التروية الدماغية وحدوث الحوادث الوعائية الدماغية أي مايسمى الفالج الدماغي وارتفاع نسبة النزوف الدماغية عند المدخنين وخاصة بسبب ارتفاع التوتر الشرياني وازدياد التصلب الشرياني.كما يصبح إنذار داء الصرع وخيماً عند المدخنين.
كما أن التدخين يسبب الرجفان في الايدي،وحدوث اعتلال الأعصاب المحيطية…
4 ـ الحواس:
من المعروف أن التدخين يؤثر على العين بجميع أجزائها وخاصة شبكية العين،وقد يسبب نقص الرؤوية وفي بعض الحالات ضمور العصب البصري.
وكذلك فإن التدخين يؤثر على حاسة الشم وبدرجات مختلفة.وكذلك يؤثر بشكل سلبي كبير على حاسة الذوق.
5 ـ الجلد:
من المعروف أن النيكوتين يسبب تقبض الأوعية الدموية وهذا يتظاهر بشكل واضح عند المدخنين وخاصة الإناث حيث يسبب نقصاً في نضارة الجلد،ويؤدي إلى تخرب ألياف الكولاجين والمسؤولة عن مرونة الجلد.كما يلاحظ وجود اللون الشاحب المائل للرمادي عند المدخنين.وظهور أعراض تقدم البشرة في السن أكثر من غير المدخنين.
كما يزداد حدوث التجاعيد الجلدية وخاصة في منطقة أسفل الشفاه.
6 ـ جهاز الهضم:
حيث يشاهد لدى المدخنين ارتفاع حالات الإصابة بالتهابات المعدة والقرحات الهضمية.ومعظم تأثيرات النيكوتين في جهاز الهضم تنجم عن تنبيه العصب نظير الودي.ولذا قد يشاهد عند المدخنين الميل للإصابة بالإسهالات،وقد يحدث الإقياء والغثيان.
7 ـ الجهاز البولي التناسلي:
وجد ارتفاع نسبة العنانة والعجز الجنسي عند المدخنين من الذكور.وخاصة إذا ترافق التدخين مع عوامل أخرى كالداء السكري والتصلب الشرياني وارتفاع ضغط الدم.
وكذلك لوحظ عند النساء المدخنات حصول سن اليأس أو الضهي بشكل أبكر .
8 ـ تجويف الفم:
المدخنين أكثر عرضة للإصابة بالتهابات اللثة والانتانات البلعومية،ورائحة الفم الكريهة(البخر) وتسوس الاسنان.
ـ العلاقة بين التدخين والسرطان:
هناك علاقات مؤكدة وموثقة عن ارتباط التدخين بمجموعة من السرطانات عند الإنسان ومنها:سرطان الحنجرة والقصبات والرئة،سرطان المري والمعدة،وسرطان الكلية والمثانة(بسبب مستقلبات المواد المسرطنة في التبغ والتي تطرح عن طريق الجهاز البولي).وسرطان الشفة وتجويف الفم والبلعوم.وكذلك ارتفاع نسبة سرطان عنق الرحم عند النساء المدخنات.
ويعتبر التبغ من أكثر السموم التي درست وعلاقتها بالسرطان.وقد ازدادت حوادث سرطان القصبات في الخمسين سنة الاخيرة.ويعتبر سرطان القصبات والرئة أكثر السرطانات مشاهدة في أمريكا.وفي عام 1983م فإن حوالي 16% من وفيات السرطان في ألمانيا كانت بسبب سرطان القصبات.وأكثر دول أوروبا إصابة بالسرطان فنلندا،وبريطانيا.
منذ عشرات السنين عرفت العلاقة بين التدخين وبعض سرطانات الجسم وخاصة سرطان الرئة والقصبت والحنجرة،وفي عام 1964م أعلنت المؤسسات الأمريكية الصحية عن وجود علاقة مؤكدة بين سرطان الرئة والتدخين،وأنه بالإضافة إلى ذلك يسبب إصابات في الشرايين القلبية ويسبب التهاباً مزمناً في القصبات ،وهناك علاقة مابين التدخين بالغليون(البايب) وسرطان الشفاه.
وبناء على ذلك أصدر الكونجرس الأمريكي القانون الفيدرالي عام 1965م والذي يحدد فيه ضرورة وضع تحذير على علبة سجائر تباع اعتباراً من أول كانون الثاني 1966م وبدأت الحملات القومية ضد التدخين ومنعت الإعلانات عن السجائر اعتباراً من أول كانون الثاني عام 1971م.
ونسبة حدوث سرطان الرئة والقصبات عند المدخنين أكثر بحوال 11 ضعف بالمقارنة مع غير المدخنين.والإصابات بالسرطان لها علاقة مع عدد السجائر المستهلكة ومدة التدخين،فكلما زاد عدد السجائر اليومية،وسنوات التدخين كان خطر الإصابة بالسرطان أشد.
كما أن التدخين السلبي يؤثر على زوجات المدخنين(االلاتي لايدخن)وهذا يؤهب لحدوث التهابات القصبات وأمراض الرئة،كما أنهن أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة بنسبة حوالي ثلاثة أضعاف من النساء الأخريات.
وهناك ملاحظة هامة جداً حيث تبين أن سرطان القصبات يتشكل من خلال تبدلات تستمر عدة سنوات في الغشاء المخاطي للقصبات وهذه لا يمكن كشفها بالوسائط التشخيصية المتاحة،وأن هذه التبدلات قد تستمر رغم التوقف عن التدخين حيث أنها تسبب السرطان بعد عدة سنوات،ولذا يقال بأنه يجب مراقبة المريض الذي أقلع عن الدخان لعدة سنوات بعد الإقلاع ويقال بأنه حوالي 7 سنوات،ويمكن القول بعدها أنه يصبح مثل غير المدخنين من حيث عامل الخطورة.وهناك من يقول بأنه ربما أكثر من ذلك.
وإن أحد أشد وأخبث سرطانات الجنب والرئة والمسمى „ميزوثليوم“والذي ينجم عن استنشاق أغبرة الأسبست يزداد حدوثه أضعافاً مضاعفة إذا تشارك استنشاق هذه الأغبرة مع التدخين.
ومن الملاحظات الهامة أيضاً في سرطان الرئة والقصبات أنه أصبح يشاهد بأعمار مبكرة أي في منتصف الأربعين إلى الخمسين،ويعزى ذلك إلى ارتفاع عدد المدخنين في مراحل مبكرة من العمر وخاصة في سن المراهقة والبلوغ،حيث يكون تأثير التدخين على الغشاء المخاطي للقصبات في هذه الأعمار أشد خطورة.
التدخين والحامل:
ينتقل النيكوتين عند الحامل من المشيمة إلى الجنين أثناء الحمل،وهذا قد يسبب تشوهات عند الجنين،ومن أهم الاضطرابات المشاهدة نقص نمو الوليد عند الولادة،وحدوث الخداج أي الولادة المبكرة.ويمكن أن يسبب الإجهاضات أو ولادة أجنة ميتة.والاسقاطات المتكررة.وتدل الإحصائيات أن نقص وزن الوليد عند المدخنات الحوامل يعادل 150 ـ 250غرام بالمقارنة مع غير المدخنات.
كما أن التدخين عند الحامل قد يؤهب لارتفاع التوتر الشرياني لديها،والإصابة بما يسمى الإرجاج النفاسي.
وبشكل مختصر فإن التدخين يعيق نمو الجنين،ويزيد نسبة الإجهاضات،والأختلاطات الحملية،وينقص مدة الحمل،ويرفع نسبة وفيات االأجنة.
والسبب الفيزلوجي في كل هذه الاضطرابات يعود بشكل خاص إلى تأثير النيكوتين الذي كما ذكرنا يعبر المشيمة إلى الجنين،ويسبب النيكوتين نقص التروية الدموية في منطقة المشيمة والتي تعتبر العضو الرئيسي في تغذية وتنفس الجنين.
وكذلك فإن التدخين يترافق مع ارتفاع تركيز أول أوكسيد الكربون وهذا يسبب نقص حمولة الخضاب من الأوكسجين في دم الأم والجنين.
وكذلك فإن النيكوتين يمر من حليب الأم المرضع إلى الرضيع،وهذا يسبب تأثيرات سلبية على نموه وتغذيته.
التدخين السلبي أو التدخين القسري:
ذكرت دراسة أصدرها المركز الألماني الدولي لبحوث السرطان في مدينة هايدليبرغ أن استنشاق غير المدخنين لدخان سجائر المدخنين بغير إرادة منهم وهذا مانسميه بالتدخين السلبي يتسبب في أمراض تؤدي إلى وفاة 3300 شخص في المانيا سنوياً.
ولقد بينت الدراسات جميعاً على خطورة التدخين السلبي وبشكل خاص على الأطفال والحوامل والمسنين.
وللأسف إن الكثير من الآباء يغفلون أو يتغافلون عن أن التدخين بالقرب من الأطفال يعرضهم لاستنشاق الدخان وما يحويه من مركبات ضارة،وهذا قد يسبب لدى هؤلاء الأطفال التهابات مزمنة في القصبات والرئة،ونوبات الربو،وقد يكون ذلك مستمراً ومزمناً بحيث أنه يؤثر على صحتهم ليس على المدى القريب بل والبعيد أيضاً.
كما تبين الدراسات ومنها الدورية الطبية البريطانية بأن التدخين السلبي يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تتراوح من 50 ـ 60%.
كما تبين الدراسات أن التدخين السلبي يجعل مستوى الأطفال الذين يتعرضون للتدخين أسوأ من زملائهم الذين لا يتعرضون له.
الحكم الشرعي في التدخين:
يقول الشيخ الدكتور العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله(موقع القرضاوي ـ التدخين من الخبائث ـ ):
„الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه،أما بعد:
فقد ظهر هذا النبات المعروف الذي يطلق عليه اسم“الدخان“ أو“التبغ“ أو“التمباك“ أو“التتن“،في آخر القرن العاشر الهجري،وبدأ استعماله يشيع بين الناس،مما أوجب على علماء ذلك العصر أن يتكلموا في بيان حكمه الشرعي.
ونظراً لحداثته وعدم وجود حكم سابق فيه للفقهاء المجتهدين،ولا من لحقهم من أهل التخريج والترجيح في المذاهب،وعدم تصورهم لحقيقته ونتائجه تصوراً كاملاً،مبنياً على دراسة علمية صحيحة،اختلفوا فيه اختلافاً بينا فمنهم من ذهب إلى حرمته،ومنهم من أفتى بكراهته،ومنهم من قال بإباحته،ومنهم من توقف فيه وسكت عن البحث عنه،وكل أهل مذهب من المذاهب الأربعة السنية فيهم من حرمه وفيهم من كرهه،وفيهم من أباحه.ولهذا لا نستطيع أن ننسب إلى مذهب القول بإباحة أو تحريم أو كراهة.
ويبدو لي أن الخلاف بين علماء المذاهب عند ظهور الدخان،وشيوع تعاطيه،واختلافهم في إصدار حكم شرعي في استعماله،ليس منشؤه في الغالب اختلاف الأدلة،بل الاختلاف في تحقيق المناط.فمنهم من أثبت للتدخين عدة منافع في زعمه.ومنهم من أثبت له مضار قليلة تقابلها منافع موازية لها.ومنهم من لم يثبت له أية منافع،ولكن نفى عنه الضرر وهكذا.ومعنى هذا أنهم لو تأكدوا من وجود الضرر في هذا الشىء لحرموه بلاجدال.
وهنا نقول:إن إثبات الضرر البدني أو نفيه في „الدخان“ ومثله مما يتعاطى ليس من شأن علماء الفقه،بل من شأن علماء الطب والتحليل.فهم الذين يسألون هنا،لأنهم أهل العلم والخبرة. قال تعالى:{فاسأل به خبيراً}[الفرقان 59]وقال تعالى:{ولا ينبئك مثل خبير}[فاطر 14].
أما علماء الطب والتحليل فقد قالوا كلمتهم في بيان آثار التدخين الضارة على البدن بوجه عام،وعلى الرئتين والجهاز التنفسي بوجه خاص،وما يؤدي إليه من الإصابة بسرطان الرئة مما جعل العالم كله في السنوات الأخيرة يتنادى بوجوب التحذير من التدخين.
وفي عصرنا ينبغي أن يتفق العلماء على الحكم وذلك أن حكم الفقيه هنا يبنى على رأي الطبيب،فإذا قال الطبيب إن هذه الآفة أي التدخين ضارة بالإنسان فلابد أن يقول الفقيه هذا حرام،لأن كل ما يضر بصحة الإنسان يجب أن يحرم شرعاً.على أن من أضرار التدخين مالايحتاج إثباته إلى طبيب اختصاصي ولا إلى محلل كيماوي،حيث يتساوى في معرفته عموم الناس،من مثقفين وأميين.
علّة التحريم:
أما ما يقوله بعض الناس:كيف تحرمون هذا النبات بلا نص؟
فالجواب:إنه ليس من الضروري أن ينص الشارع على كل فرد من المحرمات،وإنما هو يضع ضوابط أو قواعد تندرج تحتها جزئيات شتى،وأفراد كثيرة.فإن القواعد يمكن حصرها.أما الامور المفردة فلا يمكن حصرها.ويكفي أن يحرم الشارع الخبيث أو الضار،ليدخل تحته ما لا يحصى من المطعومات والمشروبات الخبيثة أو الضارة،ولهذا أجمع العلماء على تحريم الحشيشة ونحوها من المخدرات،مع عدم وجود نص معين بتحريمها على الخصوص.
وهذا الإمام أبو محمد بن حزم الظاهري،نراه متمسكاً بحرفية النصوص وظواهرها،ومع هذا يقرر تحريم ما يستضر بأكله،أخذاً من عموم النصوص.قال:“وأما كل ما أضر فهو حرام لقول النبي صلى اللله عليه وسلم:„إن الله كتب الإحسان على كل شىء“[رواه مسلم عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه] فمن أضر بنفسه أو بغيره فلم يحسن،ومن لم يحسن فقد خالف كتاب(أي كتابة الله الإحسان على كل شىء).
ويمكن أن يستدل لهذا الحكم أيضاً بقوله صلى الله ىعليه وسلم:“لاضرر ولا ضرار„[حديث صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه].كما يمكن الاستدلال بقوله تعالى:{ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}[النساء 29]،ومن أجود العبارات الفقهية في تحريم تناول المضرات عبارة الإمام النووي في روضته قال:“كل ما أضر أكله،كالزجاج والحجر والسم يحرم أكله.وكل طاهر لاضرر في أكله يحل أكله،إلا المستقذرات الطاهرات،كالمني والمخاط.فإنها حرام على الصحيح…ويجوز شرب دواء فيه قليل سم إذا كان الغالب السلامة،واحتيج إليه“.
ـ الضرر المالي:
لايجوز للإنسان أن ينفق ماله فيما لاينفعه لا في الدنيا ولا في الدين،لأن الإنسان مؤتمن على ماله مستخلف فيه.وكذلك فإن الصحة والمال وديعتان من الله ولذا لا يجوز للإنسان أن يضر صحته أو يضيع ماله.ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.
والمدخن يشتري ضرر نفسه بحرِّ ماله,وهذا أمر لايجوز شرعاً.قال الله تعالى:{ولا تُسرفوا إنه لا يحبُّ المسرفين}[الأنعام 141]،ولا يخفى أن إنفاق المال في التدخين إضاعة له.فكيف إذا كان مع الإتلاف للمال ضرر متحقق يقيناً أو ظناً.أي أنه اجتمع عليه إتلاف المال وإتلاف البدن معاً.
ـ ضرر الاستعباد:
وهناك ضرر آخر يغفل عنه عادة الكاتبون في هذا الموضوع وهو الضرر النفسي،وأقصد به،أن الاعتياد على التدخين وأمثاله،يستعبد إرادة الإنسان،ويجعلها أسيرة لهذه العادة السخيفة،بحيث لا يستطيع أن يتخلص منها بسهولة إذا رغب في ذلك يوماً لسبب ما،كظهور ضررها على بدنه،أو سوء أثرها في تربية ولده،أو حاجته إلى ماينفق فيها لصرفه في وجوه أخرى أنفع وألزم،أو نحو ذلك من الأسباب.
ونظرأ لهذا الاستعباد النفسي،نرى بعض المدخنين،يجور على قوت أولاده،والضروري من نفقة أسرته،من أجل إرضاء مزاجه هذا،لأنه لم يعد قادراً على التحرر منه.وإذا عجز مثل هذا يوماً عن التدخين،لمانع داخلي أو خارجي،فإن حياته تضطرب،وميزانه يختل،وحاله تسوء،وفكره يتشوش،واعصابه تثور،لسبب أو لغير سبب.ولا ريب أن مثا هذا الضرر جدير بالإعتبار في إصدار حكم على التدخين.
التدخين محرم شرعاً:
ليس للقول بِحلّ التدخين أي وجه في عصرنا بعد أن أفاضت الهيئات العلمية الطبية في بيان أضراره،وسىء آثاره،وعلم بها الخاص والعام،وأيدتها لغة الأرقام.
وإذا سقط القول بالإباحة المطلقة،لم يبق إلا القول بالكراهة أو القول بالتحريم.وقد اتضح لنا مما سبق أن القول بالتحريم أوجه وأقوى حجة.وهذا هو رأينا.وذلك لتحقق الضرر البدني والمالي والنفسي باعتياد التدخين.لأن كل مايضر بصحة الإنسان يجب أن يحرم شرعاً.
والله تعالى يقول:{ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة}[البقرة 195]،ويقول جل جلاله:{ولاتقتلوا أنفسكم إنَّ الله كان بكم رحيماً}[النساء29]،ويقول الله عز وجل:{ولا تُسرفوا إنّهُ لا يحبُّ المسرفين}[الأنعام 141]،ويقول تعالى:{ولا تُبذر تبذيراً *إنَّ المُبذرينَ كانوا إخوانَ الشياطين وكان الشيطانُ لربّهِ كفوراً}[الإسراء 26 ـ 27]،فهناك ضرر بدني ثابت وهناك ضرر مالي ثابت،فتناول كل مايضر الإنسان يحرم،لقوله تعالى:{ولا تقتلوا أنفسكمْ}من أجل هذا يجب أن نفتي بحرمة هذا التدخين في عصرنا.
والواقع الذي لاشك فيه هو أن الأطباء يجمعون على أن في التدخين ضرراً مؤكدا.صحيح أن ضرره ليس فورياً،ولكنه ضرر تدريجي.والضرر التدريجي كالضرر الفوري في التحريم،فالسم البطىء كالسم السريع كلاهما يحرم تناوله على الإنسان.
والانتحار محرم بنوعيه السريع والبطىء،والمدخن ينتحر انتحاراً بطيئاً.والإنسان لايجوز أن يضر أو يقتل نفسه،ولا أن يضر غيره.ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:“لاضرر ولاضرار“[حديث حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه] أي لاتضر نفسك ولاتضر غيرك،فهذا ضرر مؤكد على نفس الإنسان بإجماع أطباء العالم،لهذا أوجبت دول العالم على كل شركة تعلن عن التدخين أن تقول إنه ضار بالصحة بعد أن استيقن ضرره للجميع،لهذا لايصح أن يختلف الفقهاء في تحريمه.
والضرورات الخمس التي ذكرها الأصوليون وفقهاء الدين،وأوجبوا الحرص على المحافظة عليها وعدم الإضرار بها هي:الدين والنفس والعقل والنسل والمال.وكلها تتأثر بهذه الآفة.,فدين الإنسان يتأثر،فمن الناس من لايصوم رمضان لأنه لايستطيع أن يمتنع عن التدخين.والنسل يتضرر بالتدخين،سواء كان المدخن أحد الأبوين أو كلاهما،بل إن الجنين يتضرر من تدخين أمه،بما يعني أن المدخن لايضر نفسه فقط وإنما يضر غيره،وهناك الآن مايسمى „التدخين القسري“ أو“التدخين بالإكراه“،فيدخن الإنسان رغم أنفه وهو لايتناول السيجارة وإنما يتناولها قهراً عندما يجلس بجوار إنسان مدخن أو في بيئة فيها التدخين.
فأنت أيها المدخن تضر نفسك وتضر غيرك رغم إرادته وأنفه،فمن أجل هذا الضرر وغيره يجب أن يحرم التدخين وأن يجمع العلماء على تحريمه.
وينبغي للإنسان المسلم العاقل أن يمتنع عن هذه الآفة الضارة الخبيثة،فالتبغ لاشك من الخبائث،وليس من الطيبات،إذ ليس فيه أي نفع دنيوي أو نفع ديني.
ونصيحتي للشباب خاصة،أن ينزهوا أنفسهم عن الوقوع في هذه الآفة،التي تفسد عليهم صحتهم،وتضعف من قوتهم ونضرتهم،ولايسقطوا فريسة للوهم الذي يخيل إليهم أن التدخين من علامات الرجولة،أو استقلال الشخصية.
ومن تورط منهم في ارتكابها يستطيع التحرر منها،والتغلب عليها وهو في أول الطريق،قبل أن تتمكن هي منه،وتغلب عليه،ويعسر عليه فيما بعد النجاة من براثنها،إلا من رحم ربك.
وعلى أجهزة الإعلام أن تشن حملة منظمة بكل الأساليب على التدخين،وتبين مساوئه.وعلى مؤلفي ومخرجي ومنتجي الأفلام والتمثيليات والمسلسلات،أن يكفوا عن الدعاية للتدخين،بوساطة ظهور السيجارة بمناسبة وغير مناسبة في كل المواقف.
وعلى الدولة أن تتكاتف لمقاومة هذه الآفة،وتحرير الأمة من شرورها،وإن خسرت خزانة الدولة الملايين فإن صحة الأمة وأبنائها،الجسمية والنفسية،أهم واغلى من الملايين.والواقع أن الدولة هي الخاسرة مالياً عندما تسمح بالتدخين،لأن ماتنفقه في رعاية المرضى الذين يصيبهم التدخين بأمراض عديدة وخطيرة تبلغ أضعاف ماتجنيه من ضرائب تفرضها على التبغ،بالإضافة إلى ماتخسره من نقص الإنتاج بسبب زيادة تغيب المدخنين عن العمل نتيجة مايعانونه من أمراض.
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينير بصائرنا،وان يفقهنا في ديننا،وأن يعلمنا ما ينفعنا،وينفعنا بما علمنا،إنه سميع قريب.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم“.(انتهى كلام الشيخ القرضاوي).
ومن الذين قالوا بتحريم التدخين في عصرنا الحاضر مجموعة كبير من علماء الدين ومنهم:
الإمام الأكبر وشيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق حيث قال:“بعد أن قرأت النشرات الطبية العديدة التي توضح آثار التدخين وأضراره الصحية والاجتماعية أقول إنه حرام قطعاً ويجب على المدخنين أن يقلعوا عنه،وعلى غير المدخنين أن يتحاشوه،والله أعلم“.
والدكتور عبد الجليل شلبي عضو مجمع البحوث الإسلامية حيث قال:“الحكم الشرعي الذي تطمئن إليه النفس أن التدخين حرام:الدخان من الخبائث لمذاقه المر،ورائحته الكريهة،وأضراره البالغة،وعواقبه الوخيمة،ويكون حراماً والله سبحانه وتعالى أعلم“.
والشيخ عطية صقر عضو لجنة الفتوى ومجمع البحوث الإسلامية في الأزهر:“إن تناول الدخان على أي وجه،يستتبع عاجلاً أو آجلاً أمراضاً شتى،أخطرها أمراض القلب والسرطان في الجهازين التنفسي والبولي كما ـأن فيه تبذيراً وإنفاقاً للمال في غير حقه،فلذلك يكون حراماً شرعاً وحيث كان أمر الدخان فيجب الامتناع عن تناوله شرعاً وعقلاً والله تعالى أعلم.
والدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ ورئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين جامعة الازهر:“ومن كل ما سبق نقول:“إن التدخين حرام،وإن واجب المسلمين أن يحاربوا هذه العادة الضارة المهلكة“.
الإقلاع عن التدخين:
إن عملية الإقلاع عن التدخين هي ليست بالعملية المستحيلة وخاصة إذا ترافقت مع الإرادة القوية،ومعرفة الاضرار الشديدة الصحية والمالية التي يتعرض لها المدخن.وقد يتم الأمر فردياً وقد يحتاج أحياناً إلى الاستشارة الطبية التي تساعد في إيجاد الوسائل المناسبة للإقلاع عن التدخين.وهناك وسائل عديدة دوائية وغير دوائية يمكن اللجوء إليها.
ومن المهم التذكير أن النتائج تكون أفضل كلما قصرت سنوات التدخين عند المدخن،وإن كنت في حياتي العملية وممارستي لطب أمراض الصدر منذ أكثر من أربعين سنة قد اجتمعت بحالات تمكن المريض فيها من الإقلاع عن التدخين بعد أكثر من أربعين سنة.
وقد تحدث بعض أعراض الحرمان عند الإقلاع عن التدخين في المراحل الأولى ونذكر منها:الأرق،والتوتر والغضب والانزعاج،وعدم الإحساس بالراحة،وصعوبة في التركيز،وزيادة الرغبة في تناول الطعام ومايلحق ذلك من زيادة الوزن،والتهيج،والصداع،والشوق إلى معاودة التدخين….
وتصل هذه الاعراض إلى ذروتها في الأيام الثلاثة الاولى من الامتناع،ومن ثم تخف تدريجياً،ولكن الرغبة في معاودة التدخين قد تستغرق فترة طويلة.
من الناحية الأدبية:
يقول الأستاذ الكاتب أحمد أنيس(كتاب مع نفسي):
„كنت أدخن وتوقفت.ويسألني الذين لا يعرفون كيف يتوقفون فأقول حاولت أن أجعل التدخين عادة فلم أفلح.ويكون السؤال:ولماذا عادة؟أحمد ربنا.
الحمد لله.ولكن كنت أريد أن أجعله عادة.منظر السيجارة والاهتمام بها وإشعالها ووضعها في الفم.وسحب الهواء وإطلاقه من الفم أو من الأنف..كما يفعل معظم الممثلين المبتدئين،منظر جميل لمن يراه…ومعنى ذلك أن الفرجة على الدخان ينطلق مدللاً ناعماً مائعاً مليصاً من الفم إلى مافوق الرأس.
اذن فمن الأفضل أن أتفرج على المدخنين لا أن أدخن مثلهم!
ولاحظت عند بدايتي للتدخين أن السجائر ذات الفلتر أجمل شكلاً وأطول…ودخنت…ولم أستطعم…وحاولت أن أدخن على فترات متباعدة لأجد للسجائر طعماً.ولم أجد الطعم.وحاولت أن أشعل سيجارة من سيجارة..ولم تترك السجائر إلا أثراً في أصابعي وفي حلقي وفي أسناني…ولكن لا طعم لها…وانتقلت من السجائر المصرية إلى الأمريكية إلى الفرنسية ثم إلى العراقية والاردنية.ويبدو أنني في حركة التنقلات هذه فقدت القدرة على التذوق.وكنت أندهش كلما رأيت انساناً يتلهف على السيجارة.ويسحب الهواء من خلالها ويملأ صدره وتتراخى أعصابه وعضلاته.وأسأل هل صحيح ما يحدث لكم من السجائر فيؤكدون أن السجائر نعمة.وإنهم يفضلون السجائر على الطعام والشراب وأشياء أخرى كثيرة…وكنت أندهش…
وتوقفت عن الاستمرار في المباراة التي ليست لها أية أهداف ولا نتائج فلا أنا عارف كيف أدخن…ولا أنا إذا دخنت استطعمت…
وعندما ذهبت إلى كوبا رأيت الزعيم كاسترو يدخن بصورة غريبة.فهو شاب وفي غاية الحيوية.ويدخن بحرارة ولهفة واحترام للسيجار.وكان كاسترو يدعونا إلى أن ندخن.وكان يعلمنا طريقة مسك السيجار بأن نضع طرفه في فنجان القهوة،ثم نكسر الطرف المبتل بأسنانا ونتمتع بالحياة بعد ذلك.وحملت معي من كوبا عشرات من علب السيجار…ودخنت…وأهديت الأصدقاء واستمتعوا.ولم أجد أية متعة.
وتلقيت أخيراً هدية من كوبا…وفرحت.ومددت يدي.واسترخيت في مقعدي.ووضعت كل إحساساتي في فمي.,أشعلت عود كبريت..وأدنيته من السيجار وتصاعد الدخان…وتسلل بعمق إلى صدري.وانتظرت النتيجة على مهل.وتوقعت أن أسمع تصفيقاً في داخلي وأصواتاً سعيدة تقول:الحرارة وصلت.الكهرباء جاءت.عادت المياه!
ولكن لا صوت ولا حس ولا خبر.
وإنما سعال شديد يمزق صدري.
ودموع من عيني وما يشبه الإغماء.
ولعنات:لا أعرف إن كنت أنا الذي ألعن السجائر،أو هي التي تلعنني!“.
يقول الشاعر معروف الرصافي في التدخين:
ورُبَّ بيضاءَ قيدِ الأصبع احترقت في الكفِّ وهي احتراق في الحشاشات
إن مرَّ بين شِفاهِ القومِ أسودها ألقى اصفراراً على بيضِ الثنيات
وليتها كان هذا حظّ شاربها بل قد تفتك بفكيه المرارات
عوائد عمّت الدنيا مصائبُها وإنما أنا في تلك المصيبات
إن كلّفتني السكارى شرب خمرتهم شربت لكن دخاناً من سكاراتي
واخترت أهون شرّ بالدخان وإن أحرقت ثوبي منه بالشرارات
وقلت يا قوم تكفيكم مشاركتي إياكم في التذاذ بالمُضرات
إني لأمتص جمراً لُفَّ في ورق إذ تشربون لهيباً ملءَ كاساتِ
كلاهما حُمق يفترّ عن ضرر يَسمُّ من دمنا تلك الكرياتِ
حسبي من الحُمقُ المعتاد أهونهُ إن كان لا بدّ من هذه الحماقات
يا منْ يُدخن مثلي في كلِّ آونةٍ لمني ألُمك ولاترض اعتذاراتي
إن العوائد كالأغلالِ تجمعنا على قوتٍ لنا منهنَّ أشتاتِ
مُقيدين بها نمشي على حذر من العيونِ فنأنى بالمُداجاةِ
قد ننكرُ الفعل لم تألفهُ عادتنا وإن علمناهُ من بعض المباحاتِ
ورُبَّ شنعاء من عاداتنا حسُنت في زعمها وهي من أجلى الشناعات
لو لم يكُ الدهرُ سوقاً راجَ باطلها ماراجت الخمر في سوق التجارات
ولا استمرَّ دخان التبغ منتشراً بين الورى وهو مطلوب كأقواتِ
لو استطعتُ جعلتُ التبغ محتكراً فوق احتقار له أضعافَ مراتِ
وزدت أضعافَ أضعافَ ضريبته حتى يبيعوهُ قيراطاً ببدرات
فيستريحُ فقير القوم منه ولا يبلى به غير مثرِ ذي سفاهات
يقول الشاعر يحيى بشير حاج:
سأل سيجارته بعد نوبة من السعال:
لماذا تفعلين بي ما تفعلين؟
فأجابت وهي تتحول إلى رماد:
أنا علبّ ملونة
ومنها أنت تختار!
هان لأجلي المال والدار
أعاديكم،وتحموني!!
وبالأموال تفدوني!!
وبالرئتين تُغذوني!!
فعلام تلوموني!؟
وأنتم لا تعادوني!؟
إلى الأمراض أدعوكم
تعالوا يا أحبائي
لأقتلكم بوبائي
وأهدافاً لأدوائي
لقد سمّمت أجوائك
وناري أصبحت دائك
فكم آذيت أبنائك
وكم أحرقت أحشائك
مقامي في الشرايين
كوسواس الشياطين
أنا الأمراض أجمعها
أنا السرطان والقار
أنا سلّ وأخطار
وعند الموت أشكال
الربو
ولي الدين يكن والربو (أعلام الأدب العربي الحديث – عيسى فتوح- ص14-15):وشعراء عرب معاصرون –نجيب البعيني ص38-
ولي الدين يكن 1873-1921 شاعر ولد في الأستانة بتركيا وابن أخت سلطان مصر محمد علي باشا يكتب رسالة الى صديقه في 12 شباط 1918 يصف معاناته من مرض الربو :
يصف مرضه الربو :
„أنا في يأس شديد من زوال هذا المرض الذي عجز الطب عن دفعه ،وهو المسمى „الربو“. اذا دجا الليل تكاثرت مخاوفي،فلا يغمض جفناي فَرَقاً لأني لا أغفو إغفاءة إلا وانتبه صارخاً مذعوراً، إذ تنقطع أنفاسي،ويشتدّ اضطراب قلبي ،وتبرد يداي ورجلاي،فأختلج مكاني،وأتلوى تلوي الأفعى ألقيت في النار،أريد تنفساً أستعيد به ما يوشك أن يذهب عني من الحياة فلا أجده،حتى إذا بللّني العرق وأنهكني التعب،عاودتني أنفاسي شيئاً فشيئاً، وذهبت النوبة على أن تعود بعد ساعة أو ساعتين،ومصير مثل هذا المرض معلوم وهو مذكور في كتب الطب لم يختلف فيه طبيبان،لا أدري أمن الموت وما أنتظر من أهواله يزداد جزعي؟ وما تطلع علي شمس يوم إلا زادتني قرباً من قبري،والهفي على آمال تحولت آلاماً،واحسرتي على أيام عمر ما ضحكت لي مرة إلا وجعلت دموعي لها ثمناً.أهذه عاقبة الصبر التي أطلت انتظارها ؟ ما أكثر ضلال الحكماء،وما أكبر غش القدماء “ .
ووجد بقرب سريره عند موته في 6 اذار 1921 بيتاً من الشعر :
يا جسداً قد ذاب حتى امحّى إلا قليلاً عالقاً بالشقاء
أعانك الله بصبر على ما ستعاني من قليل البقاء
أحمد حسن الزيات يتكلم عن وفاة الأديب محمد اسعاف النشاشيبي بداء الربو :(وحي الرسالة ج3 ص110-111):
„أهكذا،وفي أسرع من رجع النفَس يسكت اللسان الذليق،ويسكن العصب الثائر،ويخمد الذهن المتوقد،ويقف الفؤاد الذكي،ويصبح النشاشيبي نعياً في الصحف،وخبراً في البلاد وحديثاً في المجالس،لا يقول فنسمع ،ولا يكتب فنقرأ !؟
ويتابع:
„كنت ثالث ثلاثة استبقاهم الوفاء بجانب إسعاف في ساعاته الأخيرة،وكان الطبيب واقفاً يصف الدواء وينظم العلاج ويرشد الممرضة،وكان المريض جالساً في سريره حاضر الذهن حافل الخاطر يغالب انبهار النفَس من الربو ،ويجاذب العوّاد ما رقَّ من الحديث: فهو يضع لسانه من حيث شاء من نوادر اللغة وطرائف الأدب،فينتقل من الكلام في(ليس غير) إلى الكلام في ترجمة (جوته) لقصيدة خلف الأحمر،حتى إذا سمع الطبيب يصف له البنسلين قطع الحديث وقال بلهجته المعروفة : أنا أكره البنسلين لأنه أنقذ (تشرشل) ! فقلنا له : ونحن نحبه لأنه سينقذ أبا عبيدة ! وكانت مظاهر العزم في حديث(أبي عبيدة) توسع في أنظارنا فسحة الأمل،وتصرف عن أذهاننا فكرة الخوف،فلم يدر في خلدنا أن المنية كانت مرنقّة فوق سريره تنتظر أنفاسه المعدودة أن تنقضي،وألفاظه المسرودة أن تنفد،فلم يكد السامر ينفض والساهر ينام حتى ختمت على فمه المنون فسكت سكوت الأبد!“.
ابن شهيد:أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد (382-426هجري) أديب أندلسي،كان أصماً،وكان يشكو من مرض الربو ،ومات به (تاريخ الادب العربي عمر فروخ ج4 ص455)
وجاء في أمالي القالي ج2 ص248:
„والعرب تستحّبُ سَعةَ المَنخَر في الفرس، لأنه إذا اتسع منخره لم يحبس الرَّبو في جوفه، قال امرؤ القيس:
لها مَنْخَرٌ كوِجَارِ الضِّباعِ فمنهُ تُريح إذا تَنبهِرْ
ولي الدين يكن يصف مرض الربو الذي كان مصابا به :
لولا الغرامُ وعهدهُ الأوفى ما سَهَّدَ الهجران لي طرفا
أُرمى كما يرمي العدو وكم أُقصى وكم أقلى وكم أجفى
وضنى لبستُ ثيابهُ زمناً فلبثتُ لا أقضي ولا أشفى
حَولٌ تكامل في مرارتهِ قد خلتهُ من طُولهِ ألفا
استلَّ نصفَ الجسمِ حين مضى ورمى إلى عُوادّهِ النصفا
تنبو النواظر عن ملابسهِ ويكاد إن تطلبه أن يخفى
هجر المضاجع خيفة وغدا متبوئاً كرسيَّهُ كهفا
يُمسي ويصبح فوقهُ أبداً لم يغتمض سِنةً ولا أغفى
وقال حين اشتداد المرض:
عُمر الشباب لقد مضيت مُحَبَّباً وتركت لي عمراً سِواكَ بغيضاً
أُمحى وتثبتني الشقاوة كارهاً مثل الكتابِ يكابد التبييضا
عودَّت أمراضي وطول تألمي حتى كأني قد ولدتُ مريضاً
وقال في قصيدة أخرى نشرها في مجلة الزهور سنة 1913 :
سقى الله دار „القرافة“ ديمةً ترفُّ على قوم هنالك هُجّدِ
أحنُّ إلى تلك المراقدِ في الثرى ولو أستطيعُ اليوم لا خترت مرقدي
فأنزلتُ جسمي منزلاً لا يملهُ يكون بعيداً عن أعادٍ وحُسّدِ
وما يتمنى الحرُّ من ظل عيشةٍ تمرُّ لاحرارٍ وتحلو لأعبدِ
ذات الرئة وتقيحات الجنب
يقال: ـ بِجَنبهِ فلتكن الوَجْبَةُ -أي السقطة يقال عند الدعاء على الإنسان – أي رماه الله بداء الجنب وهو قاتل فكأنه دعاءٌ عليه بالموت (الأمثال للميداني ص93)
من الشهداء من مات بذات الجنب- كما ذكر ذلك الدكتور يوسف القرضاوي-موقع القرضاوي –الحكم على الناس بدخول الجنة أو النار-:“الموت بالحرق ،وذات الجنب، ومن أدلته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أصنافاً من الشهداء فذكر منهم الحريق ،وصاحب ذات الجنب:وهي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع.
مسكين الدارمي: خرجت للشاعر سعيد الدارمي (ت 150هجري) في أواخر حياته قرحة في جوفه (او في صدره) فبزق منها بزقة خضراء فتشاءم من ذلك وخاف ألا يعيش بعدها وهو صاحب قل للمليحة في الخمار الأسود(تاريخ الأدب العربي عمر فروخ ج7 ص72)
وجاء في البيان والتبيين – الجاحظ ج1 ص161:“قال الأصمعي : خرجت بالدارمي قرحة في جوفه ،فبزق بزقة خضراء فقيل له : قد برأت إذ قد بزقتها خضراء، قال : والله لو لم تبق في الدنيا زمردة خضراء إلا بزقتها لما نجوت .
جاء في زهر الآداب ج3-4 ص1000-1001 :
“ لم تزل الخنساء تبكي على أخويها صخرٍ ومعاوية ،حتى أدركت الاسلام ،فأقبل بها بنو عمها وهي عجوز كبيرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،فقالوا: يا أمير المؤمنين هذه الخنساء وقد قرَّحت آماقها من البكاء في الجاهلية والاسلام ،فلو نهيتها لرجونا أن تنتهي فقال لها عمر رضي الله عنه:اتقي الله وأيقني بالموت،قالت: أبكي أبي وخَيرَ بني مضر صخراً ومعاوية ،وإني لموقنة بالموت ،قال: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار ؟ قالت: ذلك أشدَّ لبكائي عليهم . فرَّقَ لها عمر وقال: خلّوا عن عجوزكم لا أبا لكم ! فكل امرئ يبكي شَجوهُ،ونام الخليّ عن بكاء الشجي.
صخر بن عمرو الشريد أخو الخنساء:استطاع أبو ثور ربيعة بن ثور الأسدي أن يطعن صخراً طعنة دخل بها عدد من حلقات الدرع في جسم صخر،وقيل اندمل الجرح على هذه الحلقات مدة ،فنتأت قطعة من جنبه مثل اليد فمرض لها حولاً ثم اُشير عليه بقطعها ،فأحموا له شفرة ثم قطعوها ،فما عاش إلا قليلا.
وقيل بل جَوِىَ (فسد) جرح صخر فاغتسل منه نحو عام ثم مات.
وجاء في عيون الأخبار –ابن قتيبة – كتاب النساء ص118 واختيارات الاغاني ج2 ص108-109 “ كان صخر بن الشريد اخو الخنساء خرج في غزوة فقاتل فيها قتالاً شديداً ،فأصابه جرح رغيبٌ(واسع) فمرض،فطال به مرضه وعاده قومه،فقال عائدٌ من عواده يوماً لأمرأته سلمى : كيف أصبح صخرٌ اليوم ؟ قالت: لا حياً فيرجى،ولا ميتاً فينُسى . فسمع صخر كلامها فشقَّ عليه وقال لها أنت القائلة كذا وكذا ،قالت : نعم غيرَ معتذرة إليك،ثم قال عائدٌ آخر لأمه : كيف أصبح صخر اليوم؟ فقالت: أصبح بحمد الله صالحاً ولا يزال بحمد الله بخير ما رأينا سوادَه بيننا فقال صخر :
أرى اُمَّ صخرٍ ما تَملُّ عيادتي وملّت سُليمى مضجعي ومكاني
(رواية اخرى:ماتجف دموعها بدلا من ماتمل عيادتي)
وما كنت ُأخشى أن أكون جِنازةً عليكِ ومن يغترُّ بالحَدثانِ
(جنازة: كل ما أثقل على قوم واغتموا به)
فأيُّ امرئٍ ساوى باُمٍ حليلةً فلا عاشَ إلا في أذى وهوانِ
(رواية:شقا وهوان)
أهمُّ بأمرِ الحزمِ لو أستطيعهُ وقد حِيلَ بين العَيرِ والنزَّوانِ
لعمري لقد أنبهتُ من كان نائماً وأسمعتُ من كانت له اُذنانِ
(رواية : نبهتِ، وأسمعتِ)
فلما أفاق عمد إلى سلمى فعلقّها بعمود الفسطاط حتى فاضت نفسها ثم نُكس من طعنته فمات .
موفق الدين البغدادي : ذكر صاحب تاريخ الحكماء عند ترجمة الشيخ موفق الدين البغدادي أنه قال: لما اشتدّ بأستاذي المرض الذي مات فيه وكان ذات الجنب عن نزلة فأشرت عليه بالمداواة فأنشد :
لا أذود الطير عن شجر قد بلوت المرّ من ثمره
(الكشكول – العاملي ج1 ص295)
الفرزدق والخرّاج: معجم الأدباء –ياقوت الحموي ج5 ص604-605:
„أسنَّ الفرزدق حتى قارب المائة ،فأصابتهُ الدُّبَيلة (داء في الجوف أو خراج)وهو بالبادية فَقُدِمَ به إلى البصرة واُتي برجلٍ متَطَببٍ من بني قيس فأشار بأن يُكوى ويُسقى النِّفط الأبيض (دهن معدني سريع الاحتراق توقد به النار ويُتداوى به أيضاً ) فقال: اُتُعجلونَ لي طعام أهل النار في الدنيا ؟وجعل يقول :
أروُني من يَقومُ لكمْ مقامي إذا ما الأمرُ جَلَّ عن الخطابِ؟
ومات في مرضه سنة عَشرٍ ومائة ومات بعده جرير بستة أشه،ومات في هذه السنة الحسن البصري وابن سيرين ،فقالت امرأة من أهل البصرة : كيف يُفلحُ بلداً مات فقيهاه وشاعراه في سنة ؟
وجاء في اختيارات الأغاني ج3 ص373:
„قال أبو عكرمة : وحُكي لنا عن لَبَطة بن الفرزدق أن أباه أصابته ذاتُ الجَنبْ،فكانت سبب وفاته . وقال : ووصف له أن يشرب النفط الأبيض،فجعلناه له في قدحٍ وسقيناه إياه ،فقال: يابني عجلت لأبيك شراب أهل النار . فقلت له : يا أبت قل لا إله إلا الله ،فجعلت اُكررها عليه مراراً فنظر إليّ وجعل يقول:
فظلت تعالى باليفاع كأنها رِماحٌ نحاها وِجهة الريح راكز
(يفاع: مكان مرتفع، ركز الرمح: كانه أراد بذلك روحه التي تتصاعد شيئاً فشيئاً)
ابن جرير الطبري وذات الجنب:معجم الأدباء –ياقوت ج5 ص274-275:
„كان بأبي جعفر (محمد بن جرير الطبري المفسر والمؤرخ)ذات الجنب تعتاده وتنتفض عليه، فوجّه إليه علي بن عيسى طبيباً ،فسأل الطبيبُ أبا جعفرٍ عن حاله ،فعرَّفه حاله وما استعمل وأخذه لعلته،وما انتهى إليه في يومه ذاك وما كان رَسْمُهُ أن يعالج به وما عزم على أخذه من العلاج . فقال له الطبيب: ما عندي فوق ما وصفته لنفسك شئ ،والله لو كُنتَ في مِلتنا لَعُددتَ من الحواريين،وفقك الله . ثم جاء إلى علي بن عيسى فعرَّفه ذلك فأعجبه.
أحدهم :
مريضٌ ، لا يَصِحُّ ، ولا أبالي كأنَّ بشقهِ ، وجعَ الجُنابِ
(جاء في لسان العرب لابن منظور ج1 ص280 الجناب: ذات الجنب)
البحتري :
كم صحيحٍ قد ادَّعى السُّقمَ فيه وعليلٍ قد ادعَّى البرساما
(ذات الجنب)
مهيار الدّيلمي:
فلا شكروا فضلَ العتابِ فإنَّهُ فضالتُ داءِ الصدرِ، والداءُ يُكظمُ
وما فاضَ حتى ضاقَ عنهُ إناؤهُ وقد يملأُ القَطرُ الإناءَ فَيُفعَمُ
ابن الرومي:
وعزيزٌ عليَّ عَضِّيكَ باللو م ولكنْ أصبتَ صدري بداء
(صعب علي الحاق الضرر)
أنتَ أدويتَ صدر خِلِّكَ فاعذر هُ على النَّفْثِ إنّه كالدواء
لا تلومنّ لائماً وضع اللو م في كنه موضع اللّوماء
الخنساء:
ولا بِسعّالٍ إذا يُجتدى وضاقَ بالمعروفِ صدرُ البخيلِ
(العرب تزعم أن البخيل إذا سئل سعل وتنحنح طلبا للمعذرة)
المتنبي:
كلّ عليلٍ فوقها محتالِ يُمسِكُ فاهُ خشية السُعالِ
دعبل الخزاعي:
كأنكَ بالأضلاعِ قد ضاقَ رَحبُها لما ضُمّنتْ من شدّةِ الزفراتِ
يقول بدر شاكر السياب في قصيدة له بعنوان رئة تتمزق :
الداء يثلج راحتي ، ويطفئ الغد … في خيالي
ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال
تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال
مشدودتين لإلى ظلام القبر بالدّم والسعال
واحسرتا ؟! كذا أموت ؟ كما يجف ندى الصباح؟
ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي
فتضوع أنفاس الربيع تهز أفياء الدوالي
حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح
كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب
وودت لا طلع الشروق علي إن مال الغروب
بالأمس كنت أرى دجاك أحب من خفقات آل
راقصن آمال الظماء … فبلها الدم واللهيب
بالأمس كنت أصيح : خذني في الظلام إلى ذراعك
وأعبر بي الأحقاب يطويهن ظل من شراعك
خذني إلى كهف تهوم حوله ريح الشمال
نام الزمان على الزمان به وذابا في شعاعك
كان الهوى وهماً يعذبني الحنين إلى لقائه
ساءلت عنه الأمنيات وبت أحلم بارتمائه
زهراً ونوراً في فراغ من شكاة وابتهال
في ظلمة بين الأضالع تشرئب إلى ضيائه
واليوم حببت الحياة إلي وابتسم الزمان
في ثغرها وطفا على أهدابها الغد والحنان
سمراء تلتفت النخيل المساهمات إلى الرمال
في لونها وتفر ورقاء ويأرج أقحوان
سمراء يانجماً تألق في مسائي ابغضيني
وأقسي علي ولا ترقي للشكاة وعذبيني
خلي احتقار في العيون وقطبي تلك الشفاه
فالداء في صدري تحفز لافتراسك في عيوني
يا موت يارب المخاوف والدياميس الضريرة
اليوم تأتي؟ من دعاك؟ ومن أدراك أن تزوره؟
أنا ما دعوتك ايها القاسي فتحرمني هواها
دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة
لا ! سوف أحيى سوف أشقى سوف تمهلني طويلا
لن تطفئ المصباح لكن سوف تحرقه فتيلا
في ليلة في ليلتين سيلتقي آها فآها
حتى يفيض سني النهار فيغرق النور الضئيلا
يا للنهاية حين تسدل هذه الرئة الأكيل
بين السعال على الدماء فيختم الفصل الطويل
والحفرة السوداء تفغر بانطفاء النور فاها
إني اخاف أخاف من شبح تخبئه الفصول
وغدا إذا ارتجف الشتاء على ابتسامات الربيع
وانحل كالظل الهزيل وذاب كاللحن السريع
وتفتحت بين السنابل وهي تحلم بالقطيع
والناي زنبقة مددت يدي إليها في خشوع
وهويت أنشقها فتصعد كلما صعد العبير
من صدري المهدوم حشرجة فتحرق العطور
تحت الشفاه الراعشات ويطفأ الحقل النضير
شيئاً فشيئاً … في عيوني ثم ينقلب الأسير
خليل مطران في قصيدته وفاء يتكلم عن زوج ماتت زوجته بداء الصدر ومات حزناً وراءها :
فقدتك بالداء الذي هو قاتلي فإن ساءنا بالفصل أسعد بالوصل
عليك سلام العاشق المدنف الذي يسير إلى قبر الحبيب على مهل
باحثة البادية:
من مبلغ عني طبيبك أنهُ يفري بمبضعه حشاي وأضلعي
يخبرك صدري بالحقيقة إذ بدا من إثر طعنته السعال مشايعي
فلئن سكتُّ فمن ضرورات الأسى ولئن سعلتُ فزفرةُ المتفجع
ولئن بكيتُ فإنما لتذكري عينيك تفتح بالسنان المشرع
عجباً جفونك دائماً مغموضة وأبيت محصية النجوم الطُّلع
مازلت أرقبها تروح وتغتدي بالليل حتى قد جفاني مضجعي
فاسلم أبي وانظر إليَّ برأفةٍ عيني فداؤك كي أقرَّ ومسمعي
جاء في كتاب عبقريات وأعلام ـ عبد الغني العطري ـ ص44:
„عرف جميل مردم بك أنه كان يصطنع عندما يفاجأ بأمر،سعالاً يستعيده ويكرره،حتى ينفد إلى ما يريد، وقد عُرف ابن مردم بهذا السعال حتى كان موضع تندر إخوانه وخصومه على السواء،ويا طالما دوى هذا السعال في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب أو في المفاوضات مع الفرنسيين أو في غيرها من مشاغل الدولة وتبعات الحكومة،فيبتسم المشاهدون ويعلمون أن ابن مردم يُعِدّ وهو في سعاله من الجواب ما يكون فصل الخطاب“.
قلب الرياضي
عيون الأخبار – ابن قتيبة –كتاب الحرب – باب أخبار الشجعان والعقد الفريد ج1 ص84:
„حدثني عبد الرحمن عن عمه قال: لما غرق شبيب( شبيب الحروري أحد فرسان العرب المشهورين قتله الحجاج)، أُخرج ،فشقّ بطنه ،فإذا مثل الكوز،فجعلوا يضربون به الأرض فينزو كما تنزو المثانة المنفوخة „.
ومثله ما جاء في نفس الكتاب والباب :“حدثني أبو حاتم قال حدثني الأصمعي قال سمعت الحَرسيّ يقول: رايت من الجبن والشجاعة عجباً ،استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يُذريان حنطة ،أحدهما أصيفر أحيمس (ولعله أحيمش دقيق الساقين) والأخر مثل الجمل عِظما ،فقاتلنا الاصيفر بالمذِرْى لا تدنو منه دابة إلا نخس أنفها وضربها حتى شقّ علينا فقتل ،ولم نصل إلى الأخر حتى مات فَرَقاً ،فأمرت بهما فبقرت بطونهما ،فإذا فؤاد الضخم يابس مثل الحشفة ،وإذا فؤاد الاصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض مثل كوز من ماء „.
بحة الصوت
خليل مطران :
إن كنت ياصوتي غيرَ راجعٍ فتلكَ والله من الفواجعِ
يابُحَةً بُحِحتُها فأصبحتْ فصاحتي مذبوحةَ المقاطعِ
ألحَّتِ العِلّةِ إلحاحاً على حنجرتي هل من علاجٍ نافعِ
أيرجعُ العهدُ الذي يجري بهِ قولي هنيئاً في فؤاد السامعِ
الشرق بالماء
في المثل:شرِق بالريق،أي ضرّه أقرب الأشياء إلى نفعه.
أبو فراس الحمداني:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ويدي إذا اشتدَّ الزمان وساعدي
فرميت منك بغير ما أملته والمرءُ يشرق بالزلال البارد
البحتري:
تداويتُ من ليلى بليلى فما اشتفى بماء الرُّبا من بات بالماءِ يَشْرَقُ
المعري:
فَرُبّما ضَرَّ خِلٌ نافِعٌ أبداً كالرّيقِ يحدثُ منهُ عارض الشَّرَقِ
مهيار الديلمي:
فكم من شرقةٍ بالماءِ تُردي وإن كانت به تُشفى الكروبُ
مهيار:
والماءُ يُشرَبُ تارةً من منهلٍ صافٍ ويُشرَقُ تارةً بأجونهِ
(الكدر)
الطغرائي:
إني لأذكركم وقد بلغ الظما مني فأشرق بالزلال البارد
وأقول ليت أحبتي عاينتهم قبل الممات ولو بيوم واحد
عدي بن زيد:
لو بغيرِ الماءِ حَلقي شرِقٌ كنتُ كالغصّانِ بالماءِ اعتصاري
(قال الأصمعي:هذا من أشرف أمثال العرب . يقول:إن كل من شرق بالماء لا مستغاث له نقلا عن العقد الفريد ج3 ص35)
امرؤ القيس:
وأفلتهن عِلباءٌ جريضاً ولو أدركنه صَفِر الوِطابُ
(جرض بريقه:ابتلعه عن جهد ومشقة . علباء : اسم شخص . صفر الوطاب: قتل الوطاب وهو جمع وطب وهو سقاء اللبن . صفر :فرغ)
محمود سامي البارودي:
قد يَضُرُّ الشئُ ترجو نَفعَهُ رُبَّ ظمآنَ بصفو الماءِ غَص
مَيِّزْ الأشياء تعرِفُ قَدرَها ليست الغُرّةُ من جنس البَرَصْ
الأعرج:
وكنا نستطب إذا مرضنا فصار سقامنا بيد الطبيب
فكيف نجيز غَصّتنا بشئ ونحن نغصُّ بالماء الشريب
أحدهم:
من غَصَّ بالزادِ ساغَ الماءُ غُصّتهُ فكيفَ يصنعُ من قد غَصَّ بالماءِ
رواية:
من غَصَّ داوى بشربِ الماء غُصّتهُ فكيف يصنع من قد غُصَّ بالماء
أحدهم :
ساغَ ليَ الطعامُ وكنتُ قبلاً أكادُ أغَصُّ بالماء القَراحِ
3 ـ بعض الأمراض العصبية والنفسية:
نظرة تشريحية ـ وظيفية:
تقسم الجملة العصبية عند الإنسان إلى:الجملة العصبية المركزية،والمحيطية.
الجملة العصبية المركزية: فتشمل الدماغ،الذي يتوضع ضمن تجويف القحف أو الجمجمة،والنخاع الشوكي الذي يقع ضمن القناة السيسائية من جهة أخرى.ويتألف الدماغ بدوره من المخ والمخيخ وجذع الدماغ.
وأما الجملة العصبية المحيطية: فتشمل 43 زوجاً من الأعصاب المحيطية التي تنشأ من المحور الدماغي الشوكي،لتتوزع في مختلف أنحاء الجسم،ومن هذه الأعصاب يوجد 12 زوجاً من الأعصاب القحفية.وكذلك 31 زوجاً من الأعصاب الشوكية.
ويمكن تقسيم الجملة العصبية المحيطية بالاستناد إلى جهة السيالات العصبية فيها إلى:
1 ـ الألياف العصبية الواردة أو الحسية:وهي تنقل السيالات العصبية من محيط الجسم إلى المراكز الدماغية العليا.
2 ـ الألياف العصبية الصادرة أو المحركة:وتنقل السيالات العصبية من المركز إلى العضلات والغدد.
ويمكن تقسيم الجملة العصبية المركزية فيزلوجياً إلى:
1 ـ الجملة العصبية الجسمية:أو الدماغية الشوكية،أو الإرادية.Somatic nervous system
2 ـ الجملة العصبية الحشوية أو الذاتية أو اللإرادية.Autonomic N S ،وهذه الجملة تنقسم إلى فرعين:
1 ـ الجملة العصبية الودية:Sympathetic:وهذه تتألف من سلسلتين من العقد تتوضعان على جانبي العمود الفقري،وعقدتين تتوضعان أمام الفقرات هما العقدة البطنية Celiac،والعقدة الخثلية أو الشرسوفية Hypogastric.والناقل الكيميائي فيها هو النورأدرنالين.وهي تسبب تقبض الأوعية الدموية،وتوسع الحدقة،وتقلص المصرات في الأمعاء،وتقلص المصرة المثانية،كما أنها تنبع عضلة القلب وتزيد من قابلية التقلص والناقلية.كما أنها توسع القصبات وترخي العضلات الملس في الرحم والقناة الهضمية.
ويعتبر لب الكظر غدة صماء للجملة الودية،ويفرز الأدرنالين والنور أدرنالين،ولهما تأثيراتهما القلبية والوعائية والاستقلابية.
2 ـ الجملة العصبية نظير الودية:Parasympathetic،والناقل أو الوسيط الكيميائي فيها هو الأستيل كولين.ويعمل الأستيل كولين على نمطين من المستقبلات هما:المستقبلات النيكوتينية،والمستقبلات الموسكارينية.
والمستقبلات الموسكارينية توجد في الخلايا الجدارية للمعدة وهي المسؤولة عن إفراز الحامض المعدي.
وتوجد أيضاً في عضلة القلب،وتنبيهها يؤدي لتثبيط فاعلية التقلص في القلب ونقص الناقلية العصبية.
وتوجد أيضاً في الخلايا خارجية الإفراز والغدد العرقية واللعابية وجدران العضلات الملس.
إن الجملة العصبية هي بمثابة الناظم والمشرف على كل حركات الجسم وارتكاساته تجاه العوامل المتبدلة في الوسط الداخلي وتجاه العوامل المتغيرة في الوسط الخارجي.فالألياف الواردة تحمل التعليمات من المحيط الخارجي وبواسطة مستقبلات خاصة بعضها يتحسس من النور أو الضياء كالخلايا العصبية في شبكية العين،وبعضها من الأصوات كما هو الحال في أعضاء كورتي في الأذن الباطنة،أو من الحرارة كما هو الحال من جسيمات روفيني في الأدمة العميقة من الجلد،أو من الضغط كما هو الحال في جسيمات باشيني في الجلد،وتنقلها إلى المركز.وكذلك هناك ألياف تحمل تعليمات من الوسط الداخلي مثل توتر العضلات،أو تمدد الأحشاء،ومنها إلى المركز.
ومن هذه الألياف الواردة وما تحمله يتفاعل المركز وما يحتويه من خلايا عصبية نبيلة تدعى العصبونات،ومن ثم يبعث الأوامر بالحركة أو الإفرازات إلى المستجيبات.والمركز هنا نعني به الدماغ بصورة رئيسية،أما النخاع الشوكي فإنه ليس إلا واسطة لنقل الألياف العصبية من وإلى المركز والمحيط.ولكن النخاع الشوكي في حالات مايسمى الأفعال الإنعكاسية يكون بمثابة المركز الحاكم والمدبر وليس الوسيط الناقل.
الجملة العصبية المركزية:
تحيط بالدماغ ثلاثة أغشية من السحايا:الجافية(Dura mater)،والعنكبوتية(Arachnoid)،والحنون(Pia mater).وهي تتصل مع السحايا المغطية للنخاع الشوكي من خلال الثقبة القفوية.والمسافة تحت الجافية هي فاصل شعري وعائي يفصل الأم الجافية عن العنكبوتية،وتحتوي كمية ضئيلة من سائل مصلي.
تتصل السحايا الموجودة داخل تجويف القحف مع السمحاق العظمي والذي يبطن عظام القحف من الداخل،وإن الأوعية الرئيسية للدماغ تتوضع شعبها الرئيسية في المسافة تحت الجافية،أي مابين السحايا العنكبوتية وسحايا الأم الحنون.
وتتألف الجملة العصبية نسيجياً وخلوياً من بلايين الخلايا العصبية أو العصبونات،وإن كل عصبون يحاط بحوالي عشرة خلايا دبقية،وعلى هذا فإنه يمكننا أن نقدر مدى كثافة النسيج العصبي الخلوية إذا عرفنا أن هناك ما يقارب عشرة آلاف مليون عصبون في الجملة العصبية المركزية تتخلق منذ الشهر السادس عند الجنين داخل الرحم،وهي ثابتة لا تبدي مظاهر الانقسام الخيطي والتكاثر بعد الولادة.
إن للخلايا الدبقية gliall cells،شأن عظيم في النسيج العصبي،فهي كما ثبت تساعد في انتقال المواد الضرورية من الدم إلى العصبون النبيل.
يروى نصف الكرة المخية في كل جانب من الدماغ فروع الشريان السباتي الباطن والذي ينشأ من الشريان السباتي الأصلي خلف زاوية الفك،ويصعد خلف البلعوم ليدخل القحف عبر القناة السباتية،ويمر كلا الشريانين السباتيين عبر الجيب الكهفي خلف السرج التركي،ويتفرع عن كل منهما فوق الجيب الكهفي الشريان العيني،ومن ثم ينقسم كل منهما إلى الشريان المخي الأمامي والمتوسط،ويروى هذا الجهاز الوعائي العصب البصري والشبكية في العين والفصوص الجبهية والجدارية وقسم من الفص الصدغي.
وينشأ الشريان الفقري من الشريان تحت الترقوة ويصعد عبر قناة عظمية في الفقرات الرقبية ليدخل الجمجمة من خلال ثقبة Magnumوينشأ عنه الشريان المخيخي الخلفي السفلي والشرايين الشوكية الأمامية الإنسية.
ويتحد الشريانان الفقريان عند الملتقى الحدبي البصلي ليشكلا الشريان القاعدي .
يروى الجهاز الفقري ـ القاعدي القسم العلوي الرقبي من النخاع الشوكي،وجذع الدماغ ،والمخيخ،والسرير البصري،والجهازين السمعي والدهليزي.
الاستقلاب في الجملة العصبية:
إن معظم احتياجات الدماغ تأتي عن طريق الأوعية الدموية،وإن النسيج العصبي من أكثر الأنسجة نشاطاً،وأنه حوالي 55مل من الدم يستهلك كل دقيقة لكل 100غرام من النسيج العصبي.فإذا قدرنا وزن هذا النسيج بحوالي 1400 غرام فإن حصيل الدماغ يقدر بحوالي 770مل كل دقيقة.
يغادر الدم الدماغ عن طريق الوريد الوداجي،فإذا حسبنا الفرق في كمية الأوكسجين بين الدم الشرياني السباتي والدم الوريدي الوداجي لوجدنا أنه يعادل 6مل من الأوكسجين لكل 100 مل دم.فيكون استهلاك 100 غرام من النسيج العصبي كل دقيقة يعادل 3،3 مل أوكسجين أو ما يعادل 46 مل من الأوكسجين في كل دقيقة لكامل الدماغ.وهذه الكمية تعادل خمس كمية الأوكسجين التي يستهلكها الجسم ككل في نفس الزمن.وعند الأطفال والرضع وحيث يكون وزن الدماغ كبيراً لديهم نسبياً بالنسبة لباقي الجسم فإن الاستهلاك يعادل الخُمسين.
والغلوكوز هو العنصر الضروري الأساسي في توليد الطاقة وتحرير القدرة في نسيج الدماغ،ولذا فإن نقص الغلوكوز كما هو الحال في حالات نقص سكر الدم يسبب اضطرابات واضحة في الدماغ قد تصل إلى الاختلاجات والسبات والوفاة.
تتطلب العصبنات في الدماغ من أجل الاستقلاب امداداً مستمراَ من الغلوكوز يقدر بحوالي 150غرام ومن الأوكسجين حوالي 72لتراً في اليوم.والدماغ ليس قادراً على تخزين هذه المواد ولذلك لا يستطيع العمل سوى دقائق قليلة بعد نقصانها.
يضخ القلب في كل تقلصة حوالي 70 مل في دم الشريان الأبهر ومنه إلى الدوران العام،ويذهب منها حوالي 10 ـ 15 مل إلى الدماغ.
عندما ينقطع الوارد الدموي لمدة 30 ثانية يحدث نقص التروية ويتبدل الاستقلاب،ويمكن أن يتوقف عمل العصبونات بعد دقيقة،ويبدأ انعدام الأكسجة النسيجية بعد خمس دقائق،حيث تحدث تبدلات لا عكوسة مؤدية للإحتشاء الدماغي.
أقسام الدماغ: يتألف من:
! ـ المخ:
وهو أكبر أقسام الدماغ(85% من الدماغ)، ويتألف من نصفي كرة،ويقسم نصف الكرة المخية إلى عدة تلافيف بواسطة أثلام،ولا يمكن رؤية التلافيف والأثلام إلا بعد نزع السحايا عنها.ويمكن القول أن توزع التلافيف والأثلام لا يتشابهان في البشر.كما أن نصف الكرة المخية اليسرى ذو إشراف أكثر من اليمنى ولذا في حالات إصابة هذا النصف الأيسر يشاهد فالج شقي مترافق مع حبسة(أي اضطراب النطق) بينما في إصابة النصف الأيمن لايشاهد إلا الفالج الشقي.والمخ هو المسؤول وظيفياً عن توجيه السمع والنظر واللمس والتفكير والإحساس والكلام والتعلم.
2 ـ مقدم الدماغ الأمامي:أو الدماغ المتوسط:
ويتألف من قسمين:
1 ـ الدماغ المتوسط الداخلي:
وهو يتألف من منطقة المهاد البصري،ومنطقة تحت المهاد.ويقع مابين نصفي كرة المخ ويسمى أيضاً الجهاز اللمبي،وتلعب منطقة ماتحت المهاد أو السرير دوراً كبيراً في الإشراف على الكثير من الفعاليات الجسمية،فهذه المنطقة تسيطر على كافة أنواع الاستقلاب في الجسم،فهي ذات أهمية خاصة في التغذية والاستقلاب،وهي مركز تنظيم الحرارة في الجسم،وهي تشرف على الجهاز القلبوعائي وجهاز الهضم،وهي تشرف على الفص الأمامي من الغدة النخامية،من خلال الدوران البابي ـ النخامي،وتسيطر على الفص الخلفي للنخامى بالطريق فوق البصري ـ النخامي.ولهذه المنطقة دوراً هاماً في حاستي الشهية والعطش،كما أنها تشرف على ضغط الدم،والعاطفة والانفعال،والنوم واليقظة،ولها دورهام في الجنس والبدانة وهذا يفسر لنا الكثير من الظواهر المترافقة مع آفات ما تحت المهاد.وإصابة هذه المنطقة تسبب مايلي:
فقدان الوعي،ولكنه يمتاز بأن المريض يتابعك بالرؤية عند فحصه،واميل للنوم،والبيلة التفهة،واضطرابات الجنس والبدانة.
3 ـ الدماغ المتوسط أو الدماغ المتوسط الخارجي أو مضيق الدماغ:
ويتألف من البصلة،والحدبة،و السويقتان المخيتان،وهما عبارة عن حزمتان من الألياف العصبية.وأهمية مضيق الدماغ:أنها محطة تسير فيها الحزم الحسية والحركية بما فيها الأفعال الانعكاسية البسيطة كالتوازن والقياس،وأنه يحتوي الأعصاب القحفية عدا الأول والثاني،ويحوي التشكلات الشبكية وهي المسؤولة عن الصحو واليقظة.
إن إصابة منطقة مضيق الدماغ تسبب مايلي:
1 ـ فقدان الوعي:على الرغم من سلامة نصف الكرة المخية وذلك لإصابة التشكلات الشبكية التي تقع في الحدبة والسويقتان ولها علاقة مع الصحو واليقظة.
2 ـ إصابة السويقة تؤدي لحول وحشي وذلك لإصابة العصب القحفي الثالث،وفالج شقي مقابل لإصابة الحزمة الهرمية.
3 ـ إصابة السويقة تسبب الحول الإنسي لإصابة العصب القحفي الرابع،والفالج في الجانب المقابل وأحياناً اللقوة المركزية في الجانب الموافق.
إن الفوالج المتصالبة تدل على إصابة مضيق الدماغ،وهي تشترك غالباً مع فقدان الوعي لإصابة التشكلات الشبكية.
4 ـ المخيخ:
وهو يتألف من نصفي كرة.ويقارب حجمه حجم البرتقالة.
5 ـ الحدبة:Pons:تتوضع مابين نصفي كرتي المخيخ.
6 ـ البصلة: Medullaتصل الحدبة مع النخاع الشوكي.
7 ـ الجذع الدماغي: يتكون من الدماغ المتوسط والحدبة والبصلة.
والمخيخ مسؤول وظيفياً عن التوازن عند الإنسان وينسق بين المعلومات الحسية وحركة العضلات.
ولاتظهر اضطرابات المخيخ عند إصابته إلا إذا ترافقت مع وجود حركة إرادية للمريض فلا يمكن الاستدلال على وجود إصابة في المخيخ إذا كان المريض في وضعية السكون وعدم الحركة.وأهم الأعراض والعلامات في إصابة المخيخ:
1 ـ فقدان الاتساق الحركي بين العضلات الباسطة والقابضة وهذا يكشف من خلال مايسمى عملية عد الأصابع
2 ـ عدم توافق الحركات:حيث لايستطيع المريض القيام بتلويح اليدين بشكل سليم.
3 ـ ارتخاء العضلات.
4 ـ وجود المنعكسات النواسية
5 ـ الرنح واضطرابات التوازن والسقوط لجهة الآفة.
6 ـ علامة رومبرغ
7 ـ الرأرأة والرجفان القصدي
وأما إصابة الجملة خارج الهرمية والذي يعتقد أن لها دوراً في المقوية العضلية فإن أهم وعلامات إصابتها:
1 ـ اشتداد المقوية العضلية كما في داء باركنسون،أو على العكس نقص المقوية العضلية كما في داء الرقص.
2 ـ الحركات اللإرادية:وأهم أشكالها:
ـ الرجفان اللاقصدي:كما في داء باركنسون حيث يظهر الرجفان في نهايات الأطراف وخاصة العليا ،مع وجودها أيضاً في اللسان والشفتين.وهي حركات رتيبة منتظمة(عد الدراهم) وقد تزداد شدة عند تناول الطعام.
ـ الرقص:Chorea:حركات سريعة شديدة وفجائية غير منظمة ليس لها غاية.
ـ الكنع:Athetosis:حركات بطيئة تشبه حركات تلوي الأفعى وتوجد في نهاية الأطراف.
ـ رقص الباليه:ويشاهد عند إصابة جسم لويس بحيث تشمل الطرف بكامله وتسبب الإنهاك.
ـ تشنج الالتواء:حركات بطيئة واسعة تشاهد في الجذع غالباً وتظهر أثناء الراحة وتزداد بالحركة(تشبه حركة الملوية)
النخاع الشوكي:
يمتد الحبل الشوكي عند الكهول من المفصل اللقمي الفقهي إلى الحافة العلوية من الفقرة القطنية الثانية،وعند الأطفال حتى الفقرة القطنية الرابعة،وبطول حوالي 43سم وقطر سم واحد.
وأهم أعراض وعلامات إصابة النخاع الشوكي:
1 ـ إصابة الحزمة القشرية ـ الشوكية:تسبب زوال الحركة الإرادية وبقاء الإنعكاسية(وخز الدبوس يؤدي للحركة).
2 ـ تناذر النورون السفلي:ويتظاهر بما يلي:ضعف أو انعدام الحركة أي الشلل،ونقص المقوية العضلية،والضمور العضلي،والرخاوة العضلية،وانعدام المنعكسات الوترية،وبقاء المنعكسات الجلدية،ولاتظهر المنعكسات المرضية،وإصابة المثانة هنا نادر الحدوث.
3 ـ تناذر النورون العلوي:ويتظاهر بما يلي:ضعف أو انعدام الحركة حسب الشدة،التشنج العضلي(علامة الموسى)والضمور العضلي لايشاهد هنا وإن لوحظ يكون متأخراً،واشتداد المنعكسات الوترية،وزوال المنعكسات الجلدية،وظهور المنعكسات المرضية،وإصابة المثانة يشاهد عادة.وتشتد المنعكسات في آفات النورون العلوي إلا في حالة صدمة النخاع،وذلك بالإصابات الحادة الالتهابية أو الرضية ولكنها لاتلبث بعد غيابها أن تعود وتشتد.
ومن أشكال إصابة النخاع الشوكي داء شلل الأطفال والذي ينجم عن إصابة القرون الأمامية للنخاع ويسبب الشلل ولكنه لايترافق مع اضطرابات حسية أبداً.
وتقسم الجملة العصبية المركزية أيضاً بحسب وظائفها إلى:
1 ـ الوظائف الحسية
يقسم الحس في الجسم إلى عدة أقسام:
1 ـ الحس الابتدائي:وهو يشمل حس الألم والحرور:ويأتي من النهايات العصبية المنتشرة في الجلد،ومن ثم تنتقل السيالات العصبية إلى الجذور الخلفية للنخاع الشوكي،ومن ثم إلى الحبل الجانبي للنخاع،وتتصالب في الملتقى الرمادي ومنه إلى الجانب المقابل باسم الحزمة الشوكية ـ المهادية فالشريط المتوسط فالمهاد البصري.ويقال أنه ليس من الضروري أن يكون لحس الألم أو الحرور تواقيع قشرية مركزية مخية.
2 ـ حس اللمس: تنتقل السيالات العصبية من المحيط وتسير من النخاع الشوكي ألياف متصالبة إلى الحبل المقابل الجانبي مع حزمة دجرين،ولكن القسم الأكبر من الألياف تسير مع الحبل الخلفي الموافق مع حزمتي كولد بورداك حيث تتصالب في البصلة ومنه إلى الشريط المتوسط فالمهاد البصري فالقشر الدماغي الحسي المدرك،أي أنه لابد من وجود تواقيع قشرية مخية فيما يتعلق بحس اللمس.
3 ـ الحس العميق:وهو حس المفاصل والأوتار،حيث تنتقل السيالات إلى النخاع الشوكي ومنه إلى حزمتي كولد بوردلك ومن ثم للحبل الخلفي الموافق.
والإصابات الحسية المرضية تقسم إلى عدة أنواع:
1 ـ إصابة العصب كاملاً تسبب فقدان كافة أنواع الحس على طول توزع العصب بالإضافة للإصابة الحركية.
2 ـ إصابة الحبال الخلفية للنخاع الشوكي:وهذا يشاهد خاصة في السهام الظهريTabesويشاهد في الداء الافرنجي أو في حالة التصلب المختلط والذي يشاهد بسبب فقر الدم الخبيث مثلاً،حيث يشاهد هنا زوال الحس العميق أي حس الأوتار والمفاصل وحس الاهتزازVibrationومن الأعراض السريرية المشاهدة هنا:
1 ـ الرنحAtaxia ويشاهد خاصة في الظلام عند غياب منعكسات الرؤية.
2 ـ المشية المهمازية أو مشية العسكر:حيث يرفع المريض ساقه أكثر من اللزوم وينزلها بشدة على الأرض.
3 ـ عدم معرفة وضعية المفاصل:وذلك بعطف الإبهام مثلاً أو بسطه.
4 ـ فقدان حس الاهتزاز
3 ـ زوال حس الألم والحرور:
ويشاهد هذا مثلاً في أورام مركز النخاع الشوكي أو مايسمى تجوف النخاع.فالمريض يصاب بالحروق دون أن يشعر بهاأو يتألم.ويشاهد هنا ما يسمى الفرقان الحسي حيث يزول حس الألم والحرور ويبقى حس اللمس والحس العميق.
4 ـ تناذر براون سكوار:وهو ينجم عن إصابة مايقرب من نصف النخاع الشوكي ويترافق مع:شلل حركي أسفل الإصابة في الجانب الموافق.مع فقدان حس اللمس والحس العميق في الجانب الموافق.وإصابة حس الألم والحرور في الجانب المقابل.
5 ـ فقدان كل أنواع الحس:يدل على إصابة منطقة المهاد أي السرير البصري .
2 ـ الوظائف الحركية:
الأعصاب القحفية:Cranial Nerves
يوجد هناك 12 زوجاً من الأعصاب القحفية وهي:
1 ـ العصب الشمي:Olfactory Nerve:
يتشكل من ألياف عصبية المنشأ تنشأ من الخلايا الشمية في البشرة الشمية لسقف الأنف.وهي ألياف غير مغمدة بالنخاعين ودقيقة جداً،وتنتهي في البصلة الشمية.وإصابته تسبب فقدان الشم أو مايسمى الخشم Ansomnia.ويشاهد هذا غالباً في أمراض الأنف وكسور قاعدة الدماغ،وأورام الفص الجبهي،ورضوض الجمجمة والتهاب السحايا القاعدية المشاهد في السل وداء الإفرنجي.
وعند فحص حاسة الشم يفضل عدم استعمال المواد القوية مثل النشادر لأنها قد تنبه ليس فقط ألياف العصب الشمي بل وأيضاً ألياف من العصب الخامس.
2 ـ العصب البصري:Optic Nerve:
عصب ثخين،اسطواني الشكل،يتألف من ألياف نخاعينية تنشأ من خلايا الشبكية في العين،ويمتد حتى التصالب البصري في الخلف.وبعد التصالب يتكون الشريط البصري وتنتهي الألياف العصبية في ثلاثة مراكز:
1 ـ الجسم الركبي الوحشي:Lateral genicular body:وهو جزء من منطقة المهاد أو السرير البصري،وتنتهي عنده معظم الألياف،ومن هنا تنطلق الألياف بشكل الإكليل المشع Corona radiatio ومنه إلى الفص الصدغي وقسم آخر إلى الفص الجداري لنتهي جميعاً في القشر القفوي.
2 ـ نواة العصب الثالث:وتشكل هذه الألياف الطريق الحسي للقوس الانعكاسية لتفاعل الحدقة تجاه الضوء.
3 ـ الجسيمات الرباعية:Quadra bodies:حيث يوجد مركز تنظيم حركة العينين والرأس.
الآفات التي تصيب العصب البصري:
1ـ إصابة العصب البصري بالذات:تسبب الغمش(ضعف البصر) في عين واحدة،أو الكمنة أي فقد الرؤية في عين واحدة،وفي الكمنة يزول تفاعل الحدقة المباشر للضياء ولكن يبقى التفاعل غير المباشر(بتسليط النور على العين السليمة).
ـ إصابة التصالب البصري:يصاب في الآفات المركزية كأورام الغدة النخامية،ويسبب عمى نصفي صدغي(عمى جانبي وحشي) في العينين.أما في الآفات الجانبية مثل أم دم الشريان السباتي الباطن فتؤدي لعمى نصفي أنفي(عمى جانبي أنسي) لضغط الألياف التي لم تتصالب.
ـ إصابة الشريط البصري:وتسبب عمى نصفي متوافق تماماً.
إصابة التشعع البصري:وتسبب عمى نصفي متوافق ولكن ليس تام.
2 ـ الوذمة الحليمية في العصب البصري:
ولها عدة أسباب:
ـ الكتل داخل ادماغ.
ـ فرط التوتر الشرياني الوخيم.وهو لايكون وخيماً إلا إذا ترافق بوذمة حليمة العصب البصري.
ـ عوائق عود الدوران الوريدي:كما هو الحال في أورام الحجاج،وخثرة الجيب الكهفي،وانضغاط الوريد الاجوف العلوي،وخثرة الوريد الشبكي المركزي.
ـ التهاب العصب البصري خلف المقلة.
ـ أسباب أخرى:فقر الدم الشديد،احميرار الدم،زيادة غاز ثاني أوكسيد الكربون،داء أديسون،قصور جارات الدرق،الحمل،تناول الكلور تتراسيكلين،حبوب منع الحمل،التسمم بالفيتامين A.
3 ـ التهاب العصب البصري:Optic neur:
وهذا يسبب ضعفاً شديداً في البصر ويتجلى بظهور عتمة مركزية(بقعة مظلمة في الساحة البصرية).
ومن أهم أسباب التهاب العصب البصري نذكر:التصلب اللويحي،عوز الفيتامينات B و B12،والتسمم بالنيكوتين،والتسمم بالكحول الميتيلي،وهناك أسباب مجهولة.
4 ـ ضمور حليمة العصب البصري:
ويشاهد بتنظير العين شحوب الحليمة،وله نموذجان:التال لوذمة الحليمة،والبدئي.
وأهم أسباب الضمور:الانضغاط الواقع على العصب أو التصالب أو الشريط البصري.رضوض العصب،العامل السمي:وخاصة الغول الميتيلي،والتهابات العصب،وداء الافرنجي،وعوز الفيتامين B12،ونقص التروية،انسداد الشريان الشبكي،العلل الوراثية،داء الزرق،..
3 ـ العصب محرك العين المشترك: Oculomotor:
هو عصب محرك، يعصب معظم عضلات العين.كما أنه يحتوي أليافاً إنباتية،تعصب مُقبضة الحدقة والقسم الحلقي للعضلة الهدبية.
ومن الناحية التشريحية:يظهر زوجا العصب الثالث في الدماغ المتوسط قرب السويقتين الدماغيتين،ويمر كل منهما بين الشريانين المخي الخلفي والمخيخي العلوي.يخترق العصب الثالث الأم الجافية في نواحي النواتىء السريرية الخلفية ليصل إلى الجيب الكهفي حيث يمر مع العصب الرابع والسادس إلى الوقب عبر الفرجة الوقبية العليا.
4 ـ العصب الاشتياقي أو البكري:Trachlear:
عصب محرك يعصب عضلة واحدة هي العضلة المنحرفة الكبيرة.
ومن الناحية التشريحية:يظهر زوجي العصب الرابع في الناحية الخلفية للدماغ المتوسط(الوحيدان اللذان يظهرا في الناحية الخلفية) بعد تصالبهما على نمط مغاير لجميع الأزواج القحفية الأخرى التي لاتتصالب.ويسير كل منهما مابين الشريانين المخي الخلفي والمخيخي العلوي,ليدخل الجيب الكهفي فالوقب عبر الفرجة الوقبية.
5 ـ العصب مثلث التوائم:Trigeminus
عصب مختلط حسي ـ حركي.ويسمى عصب العضلات والفوهات،يتألف من جذرين حسي وحركي،وهو يعصب تعصيباً حركياً العضلات الماضغة ويعص تعصيباً حسياً الوجه وجوف الحجاج،والفم والحفرة الأنفية.
ينشأ الجذر الحسي للعصب من خلايا عقدة كاسر،ويدخل السطح الجانبي للجسر من منصفه،وإن الألياف التي تحمل سيالات حس اللمس وحس الوضعية تنتهي في نواة كبيرة في الجسر تقع إلى الوحشي من النواة الحركية قرب سقف البطين الرابع،بينما ألياف الألم والحرور فإنها تنتهي في الجذر البصلي الشوكي أو الجذر النازل الذي يسير في الأسفل حتى الشدفة الرقبية الثانية من الحبل الشوكي،وبعد عقدة كاسر فإن العصب يتشعب لفروعه الثلاثة.
أما الجذر المحرك فإنه ينشأ من نواة صغيرة تقع أنسي النواة الحسية الرئيسية،ومن جذر ينشأ من خلايا عصبية مبعثرة حول قناة سلفيوس،وهو يخترق جانب الجسر أمام الجذر الحسي فعقدة كاسر ثم يتمادى مع الفكي السفلي.
وأما شعب العصب الخامس فهي:
1 ـ العصب العيني:
وهو يعصب الملتحمة(عدا ملتحمة الجفن السفلي)والغدة الدمعية،والقسم الإنسي من جلد الأنف وحتى ذروة الأنف،والجفن العلوي وفروة الرأس.
وإصابة العصب العيني تسبب فقدان حس الجلد وحس القرنية مع تبدلات ضمورية في قرنية العين.وزوال منعكس القرنية.
2 ـ العصب الفكي العلوي:Mandibular:
يعصب الوجه أمام الناحية الصدغية والجفن السفلي وملتحمة العين فيه،وجانب الأنف،والشفة العليا،والأسنان العليا،ومخاطية تجويف الأنف،والقسم العلوي من البلعوم،وسقف الفم ومعظم شراع الحنك واللوزة.
وإصابة العصب تسبب فقدان حس ما ذكر،مع فقد منعكس شراع الحنك أحياناً.
3 ـ الفكي السفلي:
وهو الشعبة المحركة من العصب الخامس،يعصب حسياً القسم السفلي من الوجه،والشفة السفلى،والأذن،واللسان والأسنان السفلى،ويعصب نظير ودياً الغدد اللعابية،وحركياً عضلات المضغ.
وإن شلل العصب الخامس كلياً يسبب:فقدان حس نصف الوجه،ومخاطية ذلك النصف والبلعوم الأنفي،مع نقص الإفرازات اللعابية والفموية والدمعية،مع تبدلات ضمورية.أما حس الذوق فيبقى سليماً ولكن نقص الإفرازات اللعابية والفموية يسبب شواشاً في حس الذوق.
وبالنسبة لحس الذوق:
فإن ألياف حس الذوق تسير مع العصب اللساني إلى عصب حبل الطبل فالعقدة الركبية للعصب الوجهي،فالبصلة،وفي حالات نادرة تدخل الألياف الذوقية مضيق الدماغ مع ألياف الفكي العلوي وليس مع ألياف حبل الطبل،فالعصب الوجهي.
وأما ألياف الذوق للثلث الخلفي من اللسان فتسير مع ألياف العصب التاسع.
وإن جميع ألياف حس الذوق تسير معاً مع الحزمة المنفردة فالنواة المنفردة فقدم التلفيف المركزي الخلفي.
وإن فقدان الذوق يشاهد في آفات الألياف المحيطية أو الآفات الحدبية المركزية .
6 ـ العصب المحرك الوحشي للعين:Abducent:
عصب حركي يعصب عضلة واحدة هي المستقيمة الوحشية.
ومن الناحية التشريحية:فإن نواة العصب السادس تقع في الجسر قرب نواة العصب السابع،ويمر هذا العصب في الزاوية الجسرية المخيخية،ومن ثم إلى رأس الصخرة قرب العصب الخامس،ليصل الجيب الكهفي فالوقب عبر الفرجة الوقبية.
آفات الأعصاب المحركة للعينين ونعني بها العصب الثالث والرابع والسادس:
لمحة تشريحية وظيفية:
تقع في الدماغ المتوسط نواتا العصب الثالث والرابع،مع مركزين لتنظيم حركات العينين المشتركة اللإرادية إلى الاعلى والأسفل.
ويقع في منطقة الجسر نواة العصب السادس مع مركزين لتنظيم حركات العينين المشتركة الجانبية اللإرادية.
ويصل مابين هذه النوى والمراكز الأخرى الحزمتان الطولانيتان الأنسيتان.
ويسيطر مركزين في قشري الفص الجبهي في كل ناحية على جميع حركات العينين الإرادية السريعة.
ويسيطر مركزين في قشري الفص القفوي في كل جانب على جميع حركات العينين الإرادية البطيئة.
ويعصب العصب السادس العضلة المستقيمة الوحشية،وهي تحرك العين باتجاه اللحاظ،وإصابة العصب تسبب الحول الأنسي(القَبل).
ويعصب العصب الرابع العضلة المنحرفة العلوية.
ويعصب العصب الثالث ما تبقى من عضلات العين الداخلية والخارجية:أي انحراف العين نحو اللحاظ،وتحرك العين نحو الاعلى بواسطة المستقيمة العلوية،ونحو الأسفل بواسطة المستقيمة السفلى.
أما عند انحراف العين نحو الموق فتتحرك إلى الأعلى بواسطة المنحرفة السفلى،ونحو الأسفل بواسطة المنحرفة العلوية.
كما أن العصب الثالث يعصب رافعة الجفن العلوي والعضلة الهدبية المنظمة لتحدب البلورة لمطابقة الرؤية القريبة،ومقبضة الحدقة بتأثير النور.
يسبب شلل العصب الثالث التام:
الإطراق،توسع الحدقة،الحول الوحشي،شلل عضلات العين كلها عدا المستقيمة الوحشية والمنحرفة العلوية.فتبدو العين متجهة إلى الوحشي والأسفل بتأثير العصب الرابع والسادس.كما أن إصابة العصب الثالث(المحرك المشترك) تؤدي للشفع.وهناك قاعدتان هامتان لتقييم الشفع:
1 ـ يصبح الشفع على أشده حين تحريك العين نحو الجهة التي كانت العضلة المؤوفة تحرك المقلة إليها.
2 ـ الصورة الكاذبة في الشفع هي دائماً إلى الوحشي وتكون عادة أقل وضوحاً من الصورة الحقيقية وتزول بإغماض العين المصابة.
وعلى ذلك فإن الأعصاب الثلاثة الثالث والرابع والسادس يمكن أن تتأثر في آفات على طول مسيرها ونذكر منها بالتفصيل:
1 ـ آفات جذع الدماغ:الوعائية أو الورمية،أو الالتهابية،أو بسبب التصلب اللويحي.
2 ـ آفات السحايا:وخاصة التهاب السحايا:ويصاب بشكل خاص العصب الثالث وبشكل خاص في الداء الإفرنجي والسل،والعصب السادس في التهاب السحايا القيحي.
وكذلك في أورام السحايا،والإفرنجي السحائي الوعائي،والانتقالات السرطانية للسحايا.
3 ـ خثرة الجيب الكهفي:وتنجم غالباً عن انتان وجهي في مثلث الأنف وخاصة بالدمامل،وتسبب شلل الأعصاب العيني ،والأعصاب المحركة للعينين،والجحوظ.
4 ـ آفات العظم الوتدي:
ويصيب عادة الأعصاب المحركة للعين مع أو بدون إصابة العصب البصري،ومن أهم هذه الآفات:انتان الجيب الوتدي،كسور الجمجمة،النزوف،الأورام ولاسيما الأورام السحائية،والورم البلعومي الأنفي.
5 ـ آفات الوقب:وتتأذى الأعصاب في:التهاب النسيج الخلوي والنزوف والأكياس،والأورام الانتقالية ولاسيما من الرئة والكلية والبلعوم الانفي .والأورام البدئية:العرقية والسحائية وورم العصب البصري الدبقي.
6 ـ أسباب أخرى:يمكن للأعصاب المحركة للعين أن تصاب بأمراض أخرى ومنها اعتلال الأعصاب العديد،والداء السكري،والوهن العضلي الوخيم.
7 ـ العصب الوجهي:Facial N:
وهو العصب المحرك لعضلات الوجه،والمسؤول عن إمارات الوجه.وفي نفس الوقت هو عصب حسّي،وإنباتي يحمل أليافاً إفرازية للغدد الدمعية والأنفية وغدة تحت الفك وتحت اللسان والغدد اللسانية المنتشرة على طول اللسان.
تقع نواة العصب الوجهي قرب نواة العصب السادس في الجسر من مضيق الدماغ،ويمر العصب بالزاوية الجسرية المخيخية في طريقه لمجرى السمع الباطن مع العصب الثامن وبالتالي فإن إصابة أحد العصبين تسبب إصابة الآخر،ثم إلى القناة الوجهية في عظم الصخرة حيث يعطي هناك شعبىة لعظم الركابة،ويدخل العقدة الركبية التي تتلقى ألياف حس الذوق من الثلثين الأماميين لنصف اللسان بواسطة عصب حبل الطبل،ويترك العصب الوجهي الجمجمة من الثقبة الإبرية الخشائية ليدخل الغدة النكفية،ويتوزع في عضلات الوجه بما فيها العضلة اللوحية في الرقبة.
تتلقى النواة في الحدبة مجموعتين من الألياف من العصبونات المحركة العلوية في الفص الجبهي،فالأولى تنشأ من القشر الدماغي في الجبهتين وتؤثر في حركة العضلات في القسم العلوي من الوجه،وهكذا فإن آفات العصبونات المحركة العليا في جهة واحدة تؤدي إلى شلل الحركة الإرادية في عضلات القسم السفلي للجهة المقابلة في الوجه دون تأثر عضلات القسم العلوي بسبب التعصيب المضاعف.أما في آفات العصبونات المحركة السفلى فإنها تسبب شلل نصف الوجه بكامله.
ومن الناحية الوظيفية:
فالعصب الوجهي عصب حركي يعصب عضلات الوجه وفروة الرأس كلها عدا رافعة الجفن العلوي،كما يعصب بعض عضلات العنق،كما يحمل ألياف الذوق مع عصب حبل الطبل،وقد تسبب إصابته أحياناً اضطرابات حسية لقربه من صيوان الأذن.
الإصابات:
1 ـ الحدبة:ويصاب معه الأعصاب السادس والخامس والحزمة الشوكية المهادية والهرمية قبل التصالب.
2 ـ الزاوية الجسرية المخيخية: ويصاب معه الأعصاب الثامن والسادس،فيزول حس الذوق في الثلثين الأماميين لنصف اللسان،مع فرط السمع لإصابة عضلة الركابة.
3 ـ القناة الوجهية:يتأذى العصب الخامس أثناء مروره في الأذن الوسطى ويؤدي هذا لنقصان حس الذوق.
4 ـ الثقبة الإبرية الخشائية والنكفة.
5 ـ شلل بل أو اللقوة المحيطية.
8 ـ العصب السمعي:Auditory N:
ويسمى العصب الدهليزي ـ الحلزوني.وهو عصب حسي.يتألف من العصب الحلزوني الذي يأتي بالإحساسات السمعية من الحلزون في الأذن الباطنة،والعصب الدهليزي الذي يأتي بإحساس التوازن من الدهليز والأقنية الهلالية في الأذن الباطنة.
9 العصب البلعومي اللساني:Glossopharangeal:
وهو عصب مختلط حسي ـ حركي.وهو يعصب الغشاء المخاطي للبلعوم وينقل حس الذوق من الثلث الخلفي من اللسان،ويعصب بعض عضلات البلعوم حركياً.
10 ـ العصب المبهم:Vagus:
عصب حركي ـ حسي.وهو عصب حشوي يعصب العنق والصدر والبطن.
11 ـ العصب الشوكي:Spinus
هو عصب للنخاع الشوكي.
12 ـ العصب تحت اللسان الكبير:Hypoglossal
يعصب عضلات اللسان
حس الألم
التعريف:هو عرض شخصي يعبر عنه المريض لفظاً وشعوراً،وهو الذي يدعو المريض في أغلب الحالات لمراجعة الطبيب ليخفف عنه هذا الشعور.
وحس الألم هو عمل دفاعي،وليس هناك علاقة مابين شدة الألم وخطورة العامل المسبب لحدوثه،وليس الألم دوماً عضوي المنشأ،فهناك الألم Painوهناك الشعور بالألم أو التألم Suffering ،فهناك من يشعر بالألم بسبب المعاناة من الوحدة والانعزال،أو بسبب القلق،أو لأسباب نفسية أخرى.
فلسفة الألم:
لم يكن الألم ضمن الحواس الخمس(البصر والسمع والشم والذوق واللمس) التي ذكرها أرسطوطاليس منذ أكثر من ألفي عام،كما أنه ليس الحاسة السادسة التي تحدث عنها البعض حيث يختلف المعنى باختلاف المناسبة.
وقال القدماء بأن الألم ماهو إلا حالة إحساس مضادة لحالة السرور،حيث اعتقدوا أن الطبيعة منذ خلق الإنسان وضعته تحت سيطرة إحدى حالتين:الألم أو السرور.
وفي العصور الحديثة بدأ العلماء يميلون إلى تفسير الألم بأنه ظاهرة فسيولوجية ذات أسباب محدودة،وأن الشعور بالألم إن هو إلا إدراك الإنسان لمؤثر ضار يدفعه إلى التخلص منه بأي وسيلة من الوسائل باستجابة مضادة.
وانطلاقاً من هذا المفهوم برزت في الطب الحديث نظريتان قد تبدوان لأول وهلة أنهما متعارضتان ولكنهما في الحقيقة متكاملتان.وهي:هل الألم ظاهرة صحية مفيدة؟أم أنه ضار بصحة الإنسان؟
1 ـ هل الألم ظاهرة صحية مفيدة؟:
يعتبر العالمان هيلتون وشرنجتون بأن الألم هو الضوء الأحمر الذي ينبه الإنسان إلى خطر يتعرض له،فهو عنصر هام من عناصر الدفاع في الجسم،أوجدها الخالق ليحفظ الكائن الحي من الأسوأ.وكلما كان الألم شديداً كانت الحالة المسببة له خطرة وقاتلة.وبهذا المعنى يصبح الألم مفيداً في معظم الأحيان.
2 ـ هل الألم ضار بصحة الإنسان؟
يقول العالم الطبيب زيجلر بأن اللفظ الاإنجليزي للألم Pain،يشبه في الرسم والنطق كل من الكلمة الفرنسيةPeinوالإيطالية Penuواللاتينيةpoena،وكلها تعني جميعاً في تلك اللغات العقوبة.
فالألم إذن نوع من العقوبة يحكم به على الإنسان مسبباً أضراراً نفسية وبدنية بلبغة،ومن المعلوم طبياً أن الألم إذا استمر فترة طويلة فإنه يتعدى وظيفته الدفاعية ويحدث بالجسم والنفس أضراراً عظيمة تفوق تلك التي نتج عنها.
وحول هذا المضمون كتب جراح الأعصاب الأمريكي ميتشل في نهاية القرن التاسع عشر ولأول مرة عن الألم كمرض بحد ذاته له خصائصه المميزة ويحتاج إلى علاج مستقل،وليس عرضاً يشير إلى مرض دفين يتعين على الطبيب اكتشافه.
وبعد استعراض النظريتين يتضح لنا أن الألم يعتبر ناقوس الخطر الذي يدق،والضوء الأحمر الذي ينبه إلى مواطن الخطر.ولكنه إذا استمر لفترة طويلة وكما هو الحال في الأمراض العضال المزمنة فإنه يصبح في هذه الحالة مصدراً مرضياً بدنياً ونفسياً جديداً وحينئذ يجب على الطبي من علاج الألم كحالة مستقلة إذا اقتضت الظروف ذلك آخذاً بعين الاعتبار المرض المسبب للألم بادىء ذي بدء.
ميكانيكية الألم:
هناك سيالات عصبية موجودة في كل أنحاء الجسم،في الجلد والأعضاء الداخلية على حد سواء،وهي تنقل الرسائل بعد تنبيهها مثلاً من خلال وخز الجلد أو ضربة عصا أو تقلص أمعاء…وهي تنتقل إلى النخاع الشوكي والمراكز الحسية القشرية العليا في المخ.والتي تؤثر وتسيطر في الشعور الواعي.
يبدأ الشعور بالألم من النهايات العصبية المنتشرة في كل أنحاء الجسم،وتسير السيالات العصبية مع الأعصاب المحيطية حتى تصل إلى القرن الخلفي من النخاع الشوكي،ومنها تنتقل إلى الحزمة الشوكية ـ المهادية،ومنه إلى منطقة المهاد ومنه إلى القشر العصبي الحسي الجداري(التلفيف الجداري في المخ).
أما فيما يتعلق بالإدراك الواعي للألم فإنه يتوضع في القشر الحسي الدماغي،وهذا يبدو جلياً في المصابين بآفة في الفص الجداري،فعندما ينبهون بالوخز بالدبوس مثلاً أو بالضغط فإنهم يتألمون ولكنهم لايستطيعون أن يحددوا مكان الألم وطبيعة المنبه الإيلامي.
وهناك نوعان من الألياف الناقلة لحس الألم:فهناك ألياف تنقل الألم بسرعة كبيرة،وألياف بسرعة أقل.فإذا عطلت الألياف ذات النقل السريع بالضغط أو نقص التروية،فإن الألم يصبح حارقاً في الناحية المصابة،وهذا يشاهد مثلاً في التهاب الأعصاب المحيطية حيث تصاب ألياف النقل السريع الكبيرة،أكثر من الصغيرة،فإذا ماخرشنا أخمص القدم أودى هذا لألم بسيط في البدء يعقبه بعد حوالي الثانية ألم شديد ومزعج وطويل الأمد.
وإن آفات النواة المهادية Thalamic nuclus يؤدي لنقص أو فقدان حس الألم في الجانب المقابل من البدن.
المنبهات الألمية:Pain stimuli:
إن الألم الحقيقي ينجم عن وجود أذية نسيجية،كإصابة الجلد (بالوخز أو الحرق أو الرض..).أو إصابة العضلات(التشنج الشديد المديد،التعب العضلي،الهرس…)أو الأعصاب(التهاب ،رض،..)أو العظام وهي بطبيعتها غير حساسة للألم ولكن السمحاق وهو الغني بالتعصيب هو الذي ينقل الألم،أو الأحشاء(وهي بطبيعتها غير متألمة ولكن إصابة النهايات العصبية فيها)والدماغ(وخاصة إصابة الأوعية والسحايا القاعدية).
وأما مايسمى الآلام المسندةReboundفنعني بها وجود الألم في ناحية والآفة في ناحية أخرى.
وينجم الألم عن انطلاق بعض المركبات الكيميائية في منطقة الاذية مثل الهستامين والبرادي كينين وغيرها من المركبات.
أسباب الألم:Causes:
1 ـ الآلام الجذرية والمحيطية:
وهي تنجم غالباً عن الانضغاطات الجذرية ويبدو فيها الألم على توزع الجذر المصاب وخاصة الجذور القطنية ـالعجزية للعصب الوركي.وهذه أهم أسبابها انفتاق النواة اللبية.أو إصابة وانضغاط الجذور الرقبية.
ويتصف الألم بأنه شديد يصفه المريض بالبرق أو اللمعان أو الوخز.وتكون الآلام في حالات نصف الانضغاط أكثر منها في حالات الانضغاط الكامل.