الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

أدواء متفرقة — 6

أما الآلام الناجمة عن إصابة الأعصاب المحيطية فتنجم غالباً عن الرضوض أو الالتهاب الفيروسي أو الجرثومي أو بسبب التسمم الغولي أو مصاحبة للداء السكري الوخيم أو بسبب العوز الغذائي وخاصة لبعض الفيتامينات..

2 ـ ألم العصب مثلث التوائم:

وهو من الآلام المجهولة السبب،ويصيب الوجه على مسير فرع أو أكثر من العصب مثلث التوائم،ويشاهد في كل الأعمار،وإن كان يكثر عند من تجاوز سن الاربعين،وله صفات خاصة ومميزة وأهمها:

ـ أنه اشتدادي:يحدث بشكل نوبي،وتستمر النوبة لعدة ثوان،وتتكرر غالباً خلال ساعة،ثم تختفي.وقد تعاود بعد أسابيع أو أشهر.وهو يظهر فجأة ويختفي فجأة.

ـ والألم يكون شديداً يصفه المريض بأنه كالبرق أو لسع الكهرباء،وهذه الصفة تشاهد عند جميع المرضى،وإن عدم وجودها ينفي وجود المرض،وإن كان البعض يصف الألم بأنه كطعنة الخنجر.

ـ يشمل الألم فرعاً أو أكثر من العصب الخامس.

وقد يثار الألم بلمس نقطة الزناد،وهي تقع غالباً قرب جناح الانف،وإذا كانت النقطة في تجويف الفم فإنها تمنع المريض من الأكل والشرب والكلام.

والألم وحيد الجانب في معظم الحالات.

3 ـ الألم الحارق:Causalgia

وهو تناذر خاص ينجم عن رض الأعصاب المحيطية بشكل جزئي،وخاصة العصب الوركي في الطرف السفلي والعصب المتوسط في الطرف العلوي.ويتظاهر بألم شديد جداً لا يعنو للمورفين،ويثيره أقل شىئ،ويترافق مع قصة رض حاد،واضطراب الحس،وبعض الأعراض الودية الذاتية حيث يكون الطرف مبللاً بالعرق وبارداً.

4 ـ الآلام المعندة: Intractable:

وتنجم عن إصابة غير قابلة للشفاء وخاصة في الحالات السرطانية.

5 ـ الألم المهادي: Thalamic:

وهو ينجم غالباً عن إصابة وعائية(خثرة أو صمامة) في منطقة المهاد،وخاصة إصابة الشريان المخي الخلفي،ويترافق الألم مع فقدان نصف الرؤية ،فإذا كانت الآفة في المهاد الأيسر حصل عمى في النصفين الأيمنين للعينين،وقد ينجم عن إصابة الفروع الثاقبة للشريان المخي المتوسط والخلفي،وأحياناً بسبب ورمي.

ويكون الألم شقياً يصيب نصف الوجه ونصف البدن،ولكنه ليس حاداً بشكل البرق أو اللمعان،وإنما كليلاً Dull،يشبهه المريض بدبيب النمل أو الشعور بزقزقة البدن عندما يفتح أحدهم الباب.ويرافقه نقص الحس.

من الناحية الأدبية:

يقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد (المجموعة الكاملة ـ ج25 ـ ص351) تحت عنوان:“الألم واللذة“:

„أما أن الألم موجود في هذه الدنيا فمما لا يختلف فيه اثنان،وأما أنه كثير فوق ما تقبل النفوس فمما لا يختلف فيه إلا القليل.وأما أنه نافع أو غير نافع ومقدم للحياة أو مثبط لها فذلك ما يختلف فيه الكثيرون.

ورأىي في هذا الخلاف أن الألم ضرورة من ضرورات الحياة وحسنة من حسناتها في بعض الأحيان وحالة لا تتخيل الحياة الإنسانية بدونها على وجه من الوجوه.

ويتابع:“إن أردت حياة لا ألم فيها فأنت تريد إحدى حياتين:فإما أن تكون وحدك في هذا الوجود وهذه حياة لا يتخيل العقل كيف تكون ولو تخيلها لما أطاق احتمالها.وكيف ونحن نرى أن الأديان الكبرى كلها تعلمنا أن الله خلق الخلق ليعرفه غيره بعد أن كان ولا شىء سواه؟فإذا كانت النفس البشرية لا تقوى على أن تتصور إلهاً منفرداً بالوجود فكيف تراها تطيق الحياة وحدها أو تعتد هذه الحياة المتوحدة غايتها وأمنيتها من السعادة والخلو من الألم؟

وأما أن يكون معك في الوجود غيرك على أن لا تحس به أو على أن لا يصدمك من هذه الاشياء صادم ولا يقابلك منها ماترى أن بينه وبين حياتك اختلافاً وفرقاً،وهذه هي أشبه الحالات“بالنيرفانا“ البوذية أو هي الموت بذاته في صورة غير صورته المعهودة.

ولست أفترض لهاتين الحياتين حياة ثالثة إلا أن يتمنى المتمني أن تسره الأشياء الأخرى التي تصادمه في هذا الوجود فلا يكون إلا مبتهجاً بها راضياً عن جميع حالاتها،وهذا كالجمع بين المتناقضات لأن من سره قرب شىء ساءه البعد عنه ومن أرضاه أن يدرك أملاً أغضبه أن يحرمه،فإمّا حياة متشابهة من جميع الجوانب فيستوي فيها الخير والشر والحسن والقبيح بل لا يكون فيها خير ولاشر ولا حسن ولاقبيح،بل لا يكون فيها شىء تتمناه لأنك لاتحرم فيها شيئاً،فكيف تكون هذه الحياة هي رضى النفس وأمنيتها التي نتمناها؟وإما حياة تختلف جوانبها ففيها النقيض ونقيضه وفيها حينئذ مايسر وما يسوء وما يلذ وما يؤلم.

وخلاصة هذه الفروض أن النازل عن الألم نازل عن ذاته أو حياته في هذا العالم،وأن العقل الإنساني لن يستطيع أن يتخيل حياة مبرأة من الآلام وإن كان يتمناها أحياناً“.

الجنون

من الناحية الطبية:

الجنون:Madness هو عدم القدرة على السيطرة على العقل،أو هو مجموعة من السلوكيات الشاذة التي تميز أنماط من السلوك الشاذ،يقوم بها الأشخاص بدون وعي وإدراك.ورغماً عن إرادتهم.

وله أشكال عديدة ومنها

1 ـ الهوس Mania:ويتمثل بامتلاك الشخص المصاب درجة عالية من الطاقة والمزاج،وهو أحد أعراض الاضطراب ثنائي القطبBipolar،ويتميز بالأعراض التالية:امتلاك طاقة عالية،وفرط التفكير،وسهولة التشتت والانزعاج،وعدم النوم،والقلق النفسي الشديد،والانفصال عن الواقع،والشعور الشديد بالابتهاج(ايفوريا)،وسرعة الكلام.

2 ـ الوُهام:Delusion:ويتمثل بامتلاك الشخص المصاب لأفكار ومعتقدات راسخة،لاتمثل الواقع على الرغم من وجود أدلة تنفي هذه الأفكار.

ومن أهم الأعراض سرعة الغضب،والمزاج السىء،والتهيج،والهلوسات المرتبطة بالوهم الذي يعيشه المصاب مثل سماع أو رؤية أو الإحساس ببعض الأشياء غير الحقيقية.

3 ـ الخرف أو العته:Dementiaويترافق مع اضطراب في الذاكرة،والتواصل والتركيز،واضطراب الأكل ونقصان الوزن،وسلس البول،وتغيرات سلوكية.

وجاء في مقال للدكتور أسعد الحكيم نشره في مجلة المجمع العربي في دمشق بعنوان“ماهية الجنون وتاريخه“:

الجنون في اللغة العربية:

الجنون في اللغة الاستتار.وجن الشىء إذا استتر.وأجن الليل الشىء إذا ستره.والمجنون من الناس من كان مستور العقل.وقد أطلق العرب كلمة الجنون على جميع الآفات النفسية على اختلافها وتنوعها،فقالوا:الجنون فنون،ولا يخلو العاقل من ضرب من الجنون.

فالجنون والحالة هذه كلمة عامة أطلقها العرب على جميع الأحوال النفسية الشاذة.والمجنون عندهم كل من أصيب في نفسه فلم يأتلف مع البيئة عقلاً أو فعلاً أو انفعالا.وهذا أقصى ماوصل إليه العلم الحديث في تعريف الجنون في العصر الأخير.

وتتألف حياة الإنسان من أفعال عضوية حسية وحركية،ومن أفعال نفسية،منها العقل.وأهم عناصره:الذاكرة،والانتباه،والإدراك،والشعور،والقياس،والحكم.ومنها الفاعلية ومن عناصرها الإرادة.ومنها الانفعالية ومن عناصرها العواطف والشهوات والميول.

وكما أن الأفعال العضوية تختلّ وتمرض،كذلك يعتري الأفعال النفسية تغير،منه النقص،ومنه الازدياد المرضي،ومنه الفساد.فإذا نقص عقل المرء يصبح معتوهاً أو أبله أو أحمق،وإذا نقصت إرادته يصير موسوساً قلقاً وهن النفس،وإذا نقصت انفعاليته يمسي مجذوباً لا يبالي ولا يكترث بأمر من أمور الحياة.وكذلك يقال في ازدياد هذه الأفعال،فإذا وقع الاحتداد في الأفعال العقلية يصبح المرء نشطاً كثير الكلام سريع الجواب شديد الحركة لا يستقر على حال.يتحرش بالناس أشبه به(بزنبرك)الصندوق الحاكي إذا أفلت من عقاله،يكثر لفظه ويقل معناه.وإذا حصلت الحدة في الفاعلية يمسي صاحبها سريع الغضب بطاشاً متعجرفاً أزور.ويولد فرط الانفعالية:أنواع الخوف وشدة التأثر والهستريا.أما فساد هذه الأفعال فينشأ عنه الهذيان وأنواع الجرائم وسوء الخلق على تنوعه.

تلك هي الحالات النفسية الشاذة التي تطلق عليها كلمة الجنون.وقد جعل بعض الكتاب العبقرية أو النبوغ من أقسام الجنون بدعوى أنها زيادة في الأفعال العقلية،وهذا خطأ فادح،لأن الزيادة المقصودة في هذا البحث هي الزيادة المرضية التي تشبه سرعة حركة الصندوق الحاكي عندما يفلت زنبركه.

إن تاريخ الأمراض النفسية والمصابين بها مرتبط من حيث التطور العلمي والاجتماعي بتاريخ البشرية العام ارتباطاً محكماً يصح معه أن يقال:إن تاريخ الجنون والمجانين هو تاريخ العلم والاجتماع والعكس بالعكس.وعلى هذا يمكننا القول:إن أرقى عصور البشرية علماً هي التي عرفت ماهية الجنون وإن أبهى أيام البشرية حضارة هي التي عومل فيها المجنون معاملة المرضى بالرأفة والشفقة والإحسان.

الجنون والمجانين عند العرب:وهنا ننتقل إلى تلك الدهناء القاحلة لنشاهد المجنون يهيم في فلولتها على وجهه ولا رادع ولا زاجر،ثم لنراه ممسوساً ومن حوله الكهان والعرافون.وعليه التمائم والطلاسم،وأمامه النار يتصاعد منها دخان العود والند،يعزمون بها على الجني ليخرجوه من ذلك الجسم الضعيف،ثم لنبصره في مستشفيات بغداد ودمشق ومصر وقرطبة مضطجعاً على فراش من القطن اللين في ردهة يتنازع جوها الهواء والنور،وأمامه الرازي وابن سينا ومهذب الدين عبد الرحيم وابن زهرة وغيرهم ومن حولهم الخدام والمشارفون يتعهدونه بأنواع الأشربة المسكنة والمرطبة،ويغذونه بمرق الدجاج وأنواع الألبان بينا الموسيقى تصدح خلفه بألحانها الشجية.ثم لنلحظه وقد تحولت تلك المصحات إلى مجازلا مظلمة مكبلاً كالوحش الضاري بالسلاسل والأغلال عاري الجسد تنهال عليه زبانية العذاب بالسياط كلما تململ أو صاح والناس من حوله يقهقهون ويسخرون.

كان العرب في عصر جاهليتهم يعتقدون كسائر الأمم القدية بأن الجنون شيطاني فيعالجونه بالرقى والتمائم والنذور والسحر والعزائم،وقد طل هذا الاعتقاد سائداً عندهم حتى الصدر الأول من الإسلام.فقد جاء في شعر مجنون بني عامر:

وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقى     وصبوا عليه الماء من ألم النكس

وقالوا به من أعين الجن لحظة     ولو عقلوا قالوا به أعين الأنس

وقد كان يقوم بمهام هذه الصناعة الكهان والعرافون،وكانوا يطلقون كلمة الجنون على جميع الآفات النفسية حتى على العشق،وينعتون بالجنون كل من يخالفهم لافي عاداتهم فيجىء بما ينكرون،ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يؤذون مجانينهم بغلهم وتعذيبهم بل كانوا يطلقونهم يهيمون على وجوههم حيثما شاؤا فيعترضهم الصبية يسخرون بهم ويضحون منهم كما هي الحال اليوم في كثير من المدن الشرقية.

ثم لما أضاء الإسلام بصائرهم ضربوا في طول الأرض وعرضها فقوضوا عروش القياصرة والأكاسرة وأسسوا في هنة من الزمن مملكة عظيمة ذات حضارة ومدنية رفيعة لم تسبقهم إلى مثلها أمة من الأمم.واتجهت أبصارهم إلى العلوم الطبيعية والعقلية فألفوها مهجورة منبوذة تفتك في صحفها عوامل الإهمال والنسيان،فاتجهوا إليها بكليتهم واستخدموا في سبيل جمعها وإحيائها كل ما أوتوه من سلطان شامخ،ومال زاخر،ومجد باذخ،فنبتت بذور العلم القاحل ثمة تزهو بألوان عربية جديدة في جميع الممالك الإسلامية،وشيدت فيها المستشفيات الواسعة الأرداء ودور الحكمة والصيدليات ومجالس الأدب والمناظرة.وعاد الطب النفسي إلى سيرته اليونانية الرومانية الأولى فعرف الناس أن الجنون مرض كسائر الأمراض الجسمية،وأن مركزه الدماغ،وعالجوه بالأدوية والتدابير الصحية والعوامل الطبيعية والتلقين،وجعلوه فرعاً من فروع الطب ممتزجاً بفرع الجهاز العصبي كما هو عليه اليوم،وأدخلوه المستشفيات العامة،وخصصوا له فيها غرفاً خاصة كانوا يسمونها غرف الممرورين،وألفوا في بعض أبحاثه كتباً خاصة.قال ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء:“شاهدت يوماً شيخي مهذب الدين عبد الرحيم في البيمارستان النوري في دمشق،وقد دخل قاعة الممرورين فرأى فيها رجلاً مصاباً بالمرض المعروف بالمانيا وهو الجنون السبعي فوصف بأن يضاف إلى ماء الشعير في وقت إسقائه إياه مقدار متوفر من الأفيون،فصلح ذلك الرجل وزال مابه من تلك الحال“.وذكر أيضاً:أن الطبيبموفق الدين عبد اللطيف البغدادي كتب مقالة في المزاج ومقالة في الرسام ومقالة في العلة المراقية.وأن جبريل بن بختيشوع شفى جارية للرشيد كانت مصابة بشلل هستريائي بصدمة نفسية.وقال أبو القاسم النيسابوري في كتابه عقلاء المجانين:دخلت البيمارستان في البصرة فشاهدت في المجانين الخ.. مما يدل دلالة واضحة على أنه كان يوجد في المستشفيات في ذلك العهد غرف خاصة بالامراض النفسية،وعلى إدراك الأطباء ماهية الجنون وعدم تفريقهم بينه وبين سائر الأمراض الجسمية من حيث الماهية،وعلى اهتمامهم بدرسه ومعالجته بالطرق العلمية الفنية مما لم يوفق الطب الحديث إلى مثله إلا منذ بضع سنين،هذا بالنظر لبلوغ الممالك الإسلامية في ذلك العهد درجة رفيعة في الحضارة والمدنية اللتين من لوازمهما النظام والامن لم يعد من الممكن ترك المجانين مطلقين يطوفون في المدن كما كانوا عليه في الزمن السابق وكما هو عليه اليوم في البلاد الشرقية،وذلك لما يظهرون به من المظاهر المخالفة للحشمة والآداب العامة،ولما يأتونه من الأعمال المخلة بالانظمة والإدارة والمقلقلة لراحة الناس،فأمر المنصور العباسي بأن تبنى لهم دور خاصة يحجر عليهم فيها منعاً لأضرارهم والإضرار بهم،فشيدت في كل بلد من البلاد الإسلامية دار للمجانين.

وقد نبغ في الطب في هذه الدور في البلاد الإسلامية أطباء عظام خلد التاريخ ذكرهم منهم الشيخ الرئيس ابن سينا والرازي وابن زهر وغيرهم.

ومن ثم أصاب المسلمين ما أصاب غيرهم من الاختلاف والتشعب في الطرق والمذاهب والتي كان من نتائجها السيئة انصراف الناس عن العلم واشتغالهم بالبدع،ونذكر من ذلك العود إلى الاعتقاد بأن الجنون روحاني أو شيطاني والأخذ بمعالجته بالطلاسم والحجب والتمائم والرقى والعزائم وغير ذلك مما حمل الغربي في العصر الأخير على القول بأن الإسلام ينظر إلى المجاذيب كأولياء مقدسين،بينما هذا الظن فاسد يدحضه على ما أتينا على ذكره مما كان عليه الجنون والمجانين عند المسلمين وخلفائهم في صدر الإسلام.

هذا وإن تاريخ الحضارة الإسلامية يطلعنا على أن الإسلام لم يهمل العناية بالمجانين البتة،ففي العصور التي كانت تعد فيها الأمراض النفسية في أوربة ناشئة عن أسباب فوق الطبيعة كانت معارف الأطباء العرب الذين ورثوا الطب اليوناني صحيحة صريحة فيما يتعلق بهذه الأمراض،ويرجح أن فكرة إسعاف المجانين قد انتقلت أخيراً إلى العالم المسيحي بواسطة الملاجىء التي أوجدها المسلمون في اسبانيا.

من الناحية الفقهية والدينية:

هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادراً.

وجاء في مقال ماهية الجنون للدكتور أسعد الحكيم:

الجنون والشرع الإسلامي:

للشريعة الإسلامية فضل السبق على سائر الشرائع القديمة والحديثة بوضع أحكام للمجانين مطابقة لروح العدل والعلم والاجتماع على اختلاف الزمان والمكان.فهي تنزل المجنون في الحكم وفي المعاملات منزلة الصغير غير المميز أو المميز أحياناً حسب نوع جنونه ودرجته.وتقضي على السفيه والفاسق اللذين يعدهما العلم الحديث من المنفوسين بالحجر محافظة على أموالهم.وتحدد درجات المحجورين والمأذونين منهم وتعرفهم وتبين أنواعهم وتفصل أحكامهم بالنسبة لأنواع التصرفات مما لم تتوفق إليه الشرائع المدنية الحديثة إلا في القرن الاخير.فالمجنون في الشرع الإسلامي غير مكلف وهو محجور لذاته.وتصرفات المجنون في حال إفاقته كتصرف العاقل.(انتهى الكلام)

ومن أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم:“اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سىء الأسقام„[أخرجه أبو داود وأحمد واللفظ لهما والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الألباني].

والجنون:هو فقدان العقل وعدم التمييز،فلا يفقه ولايفهم ولا يُدرك التكاليف.

والجنون:هو استتار العقل وزواله.وهو على درجات.

فالعقل هو مناط التكليف،وبه يعبد الإنسان ربه،وبه يتدبر ويتفكر في خلائق الله تعالى،وفي كلامه العظيم،فذهاب العقل هو ذهاب بالإنسان.والمجنون مرفوع عنه القلم،والناس ينفرون منه،لأن تصرفاته تجري على غير قصد أو حكمة أو منطق.

من الناحية الأدبية:

جاء في المستطرف للأبشيهي ص21: الحمق: قال ابن الأعرابي : الحماقة  مأخوذة  من حمقت السوق إذا كسدت ،فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت إليه  في أمر من الأمور .

ومن صفات الأحمق: ترك النظر في العواقب،وثقته بمن لا يعرفه ،والعجب،وكثرة الكلام،وسرعة الجواب ،وكثرة الالتفات،والخلو من العلم ،والعجلة ،والخفة ،والسفه،والظلم، والغفلة ،والسهو والخيلاء . إن استغنى بطر،وإن افتقر قنط ،وإن قال أفحش ،وإن سئل بخل  وإن سأل ألح ،وإن قال لم يحسن،وإن قيل له لم يفقه ،وإن ضحك قهقه، وإن بكى صرخ .

وممن يضرب بهم المثل عيّ باقل، وحديثه مشهور،وهو أنه اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً ،فمرّ بقوم  فقالوا له : بكم أخذت الظبي ؟ فمد يديه وأخرج لسانه ،يريد بأصابعه عشرة دراهم ،وبلسانه درهماً ،فشرد الظبي حين مدّ يديه وكان الظبي تحت ابطه ،فجرى المثل بعّيّه ،وقيل أشدّ عِياً من باقل كما قيل أبلغ من سحبان وائل (ثمار القلوب  الثعالبي ص127).

عبد الحميد أديب والمارستان:

رعاك الله „مارستان“مصر                              فإنّكَ دار عقل لا جنون

حويتَ الصابرينَ على البلايا                           ومن نزلوا على حكم السنين

ومن هبطوا بهم من صَرْح عزٍّ                          إلى أغلال إذلال وهُون

تراهم خائفين .. فإن أثيروا                            بمهزلةٍ فآسادُ العرين

وإن سئلوا عن الأسرار كانوا                         كمن أخذوا عن الروح الأمين

ورُبّ مهرج منهم بقولٍ                              يُريكَ الجد في ثوب المجون

فإن يغضب بقارصةٍ تباكى                           فأبكى العين بالدمع الهتون

يعذبه عبادك كل يومٍ                                  ويصلى الضيم حيناً بعد حين

احدهم:

وإن النوك للأحساب داء                                 وأهون دائه داء العياء

أحدهم:

إيه  ياليل لو دعيت نجائي                              حين يسري ولو رثيت لما بي

الهواجس وتأنيب النفس والظنون والشك

طه حسين يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب :

„كان يرى نفسه إنساناً من الناس،ولد كما يولدون ،وعاش كما يعيشون ،يُقسّم الوقت والنشاط فيما يقسمون فيه وقتهم ونشاطهم،ولكنه لم يكن يأنس إلى أحد ،ولم يكن يطمئن إلى شئ ،قد ضرب بينه وبين الناس والأشياء حجاب ظاهره الرضا والأمن وباطنه من قبله السخط والخوف والقلق واضطراب النفس في صحراء موحشة لا تحدها الحدود  ولا تقوم فيها الأعلام ولا يتبين فيها طريقه التي يمكن أن يسلكها ،وغايته التي يمكن أن ينتهي إليها“.

حافظ ابراهيم:

رمَيتُ بها على هذا التبابِ                  وما أوردتُها غيرَ السرابِ

(يقصد نفسه)

وما حَمّلتها إلا شقاءً                         تقاضيني به يومَ الحسابِ

جنيتُ عليكِ يا نفسي وقبلي            عليك جنى أبي فدّعي عتابي

فلولا أنهم وأدوا بياني                      بلغتُ بك المُنى وشفيتُ ما بي

سعيتُ وكم سعى قبلي أديبٌ           فآبَ بخيبةٍ بعد اغترابِ

وما أعذرتُ حتى كان نعلي                 دماً ووسادتي وجهَ الترابِ

وحتى صيرتني الشمسُ عبداً            صبيغاً بعدما دبغَتْ إهابي

وحتى قَلمّ الإملاقُ ظُفري                 وحتى حَطَّمَ المقدارُ نابي

جميل صدقي الزهاوي:

طالت عليَّ الهواجس ليلتي                       هل بالصباحِ لليلتي إيذان

ادركت غيدان الشباب فلم يدم                  ذاك الشباب وذلك الغيدان

لا بدّ من يوم على كره به                         تتفارق الأرواح والأبدان

عمر أبو ريشة:

يؤرقني الماضي فأنشر طِرسَهُ               وألسنةُ الآلامِ تُقراُ في الطرْسِ

وأهجسُ والأشباحُ تعتامُ ناظري               فيرتدُّ إشفاقاً فأقصرُ من هجسي

وأزجرُ دمعي أن يثور وزفرتي                   فلا دمعتي تسلي ولا زفرتي تُنسي

تغرُّ ابتساماتي عيونَ أخي الهوى             وخلف ابتساماتي جراحٌ من البؤسِ

طلعتُ على الأيامِ والطُهرُ حارسي          يحوك على عِطفيَّ جلبابه القدسي

وضَجَّ باعطافي الغرورُ فلم ألِنْ                    لصرخةِ ولهانٍ تَمخَّضُ باليأسِ

كنرجسةٍ في الحقلِ تلثمُ ساقها                ثغورٌ من الأزهارِ طيبة الغرسِ

ولكنها ، والكبرياءُ تهزّها                            أبت أن ترى في غيرها رفعة الجنسِ

حنتْ رأسها كيما تُقبِلُّ ظِلّها                      غروراً، فماتت وهي محنيّةُ الرأسِ

ولما رأيتُ الدهرَ ازبدَ فَكَّهُ                           وكَشَّرَ عن أنيابِ منهرتٍ طَلْسِ

صحوتُ فلم أبصر حواليَّ راحماً                  يُخفف من بؤسي ويطردُ من تعسي

وألقتني الأقدارُ في كفٍ أرعنٍ                    كما قبضتْ كَفُّ البخيلِ على الفَلْسِ

يَبثُّ لي النجوى فيطربني بها                    فأبني من الآمالِ أساً على اُسِ

يَهشُّ لها الراي فترقص حولَهُ                     فيلقمها الأعشابَ بالأنملِ الخمسِ

فما اكتنزتْ حتى تَخَطَّفَ عنقها                  بقبضةِ ذي حقدٍ ومديةِ ذي مسِّ 

فدوى طوقان في المعري(الرسالة العدد 579):

أما زلت تسعى وراء اليقين                               فينأى به عنك عقل عسر

ظللت مدى العمر في أسره                             وما قاد يوماً إلى مستقر 

فكم حيرتك خبايا الغيوب                                 وأورثك الشكُّ سودَ الفكر

لقد فلسفتك حياة ألحت                                  عليك بآلامها والغير

حياةٌ تمرُّ على جانبيها                                      فهذا يُسئُّ وهذا يَسُرُّ

طوت عنك وجه بشاشاتها                                وأولتك وجهاً لها مكفهر

فأقفر قلبك وهو الخصيبُ                                  وعاف الرّفاه وعاف الأشَر

عذرتك،ما أنصفتك الحياة                                فكيف يطيب لديها العمر

وكيف يروق،ولا نفسَ تهفو                              فتحنو عليك بقلب أبر ّ  

الوساوس

من الناحية الطبية:

الوسواس المرضي:وله عدة أشكال أبرزها الوسواس القهري وهو اضطراب نفسي يشعر فيه المصاب أن فكرة معينة تلازمه دائماً وتحتل جزءاً من الوعي والشعور لديه وذلك بشكل قهري.أي أنه لا يستطيع التخلص أو الانفكاك منها،

وهو كذلك فكرٌ متسلط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته،رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته.

من الناحية الدينية:

إن الوساوس تصيب الناس كثيراً ومنهم أيضاً المسلمون،وقد اعترت بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألوه قائلين:إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: „وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم،قال: „ذلك صريح الإيمان„[رواه مسلم].وفي بعض الروايات قال النبي صلى الله عليه وسلم:“الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة“.[صحيح ابن حبان].

وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا،حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته“[صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

وهناك فرق كبير بين وساوس الشيطان التي تخطر على قلب العبد وهي غير مؤثرة في إيمانه،وبين الشك والريب الذي يذهب باليقين ويضر بالإيمان.

يقول الشيخ أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه“ذم الوسواس“:ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا بوسوسته،وقبلوا قوله وأطاعوه،ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته“.

والشيطان حريص على الكيد لأهل الإيمان بالوسوسة لهم والتلبيس عليهم،قال الله تعالى:{قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم*ثمَّ لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين}[الأعراف 16 ـ 17].ولكن الله تعالى يقول:{إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}[النساء 76].

إن ذكر الله تعالى يعد من أعظم الأساليب التي يلجأ إليها من يعاني من الوسوسة{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب}[الرعد 28].

وذلك بالأذكار المستحبة والمواظبة عليها في الصباح والمساء وقبل النوم فإن الذكر هو الحصن الحصين الذي يهرب منه الشيطان.

والإكثار من تلاوة  القرآن.وخاصة سورة البقرة وخاصة آيات الكرسي والمعوذات.وخواتيم سورة البقرة وآل عمران.

والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

عن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً،قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني„[صحيح مسلم].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في „إغاثة اللهفان“:لاريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس:فأهله قد أطاعوا الشيطان ولبوا دعوته،واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم“.

والإكثار من عمل الطاعات والعبادات كالصلاة والصيام،والصدقات،والإكثار من الدعاء.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“صنائع المعروف تقي مصارع السوء،وصدقة السر تطفىء غضب الرب،وصلة الرحم تزيد في العمر„[رواه الطبراني وقال الألباني: حسن لغيره].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:“فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله،وليعزم على سلوك طريقته،عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم،وأن ما خالفه هو من تسويل إبليس ووسوسته،ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير:{إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}[فاطر 6].

د . يوسف القرضاوي-الموقع –مقالة العدالة الإلهية والتفاضل في الأرزاق:

„المؤمن ،قد تعرض له وساوس ،وقد تهجس في نفسه هواجس،ولكنه إذا كان صاحب إيمان ويقين وكان موفقاً من الله عز وجل ،سرعان ما تزول تلك الوساوس وتختفي الهواجس  ويعود إليه منطق الإيمان ونور العقيدة القويمة .. والاطمئنان“.

من الناحية الأدبية:

الجوهري صاحب تاج اللغة :

وُسوِسَ أبو نصر الجوهري صاحب تاج اللغة والصحاح في أخر عمره فصعد إلى سطح الجامع في نيسابور وشدَّ إلى ذراعيه مصراعي باب ثم قذف بنفسه من سطح الجامع محاولاً  أن يطير ولكنه سقط فمات سنة 398هجري(1008م) في الأرجح (عمر فروخ ج2 ص616)

شوقي:

لا تثبتُ العين شيئاً أو تحققه                               إذا تحيَّرَ فيها الدمعُ واضطربا

والصبحُ يُظلمُ في عينيك ناصعُهُ                          إذا سدلتَ عليه الشكَّ والرّيبا

خليل مطران يصور عاشقاً توهم انه مصاب بالداء الذي ماتت به حبيبته (الديوان ص100-101):

عَفاءً لهذا العيشِ مالي ومالَهُ                        وقد ساءَ عندي ما يَمُرُّ وما يُحلي

أأخشى لقاءَ الموتِ والموتُ مُنقذٌ               وأحرِصُ في الدنيا على الضَّيمِ والغلِّ؟

عدمتُ إذاً قلبي ولو كانَ وافياً                       تلقى الرّدى كالخِلِّ يأنسُ بالخِلِّ

ولكنَّ بي داءً ألانَ عريكتي                          وأوهنَ من عزمي وأضعفَ من نُبلي

تواصلني الحُمّى وتُو شِكُ نارُها                   تأجَّجُ في وجهي وفي …… تُصلي

ورأسي مصدوعٌ وصدري ضائِقٌ                     وجسمي كشخصٍ قائمِ الرّسمِ

وقلبي مسموعُ الخفوقِ مُعَلّقٌ                      بِمنهدَمِ الأركانِ أجوفَ مُعتّلِّ

ورَقّتْ حواشي مهجتي وتلّطفتْ                       بعيني مألوفاتها حينَ أستجلي

أرى خَللَ الأشياءِ رَسْمَ مُطَّحٍ                           به الغيبُ عني في بعيدٍ من السبلِ

شِهابٌ اُنيرَ العمرَ حتى لقائه                             بآثارهِ الغرّاءِ في القلبِ والعقلِ

حبيبةُ قلبي إن تكوني سَبقتني                    فحزني لم يُسْبَقْ وما للهوى مثلي

فقدتكِ بالداءِ الذي هو قاتلي                         فإن ساءنا بالفصلِ ،أسعدَ بالوصلِ

كأني من قبلٍ بلوتُ عذابهُ                               وأنتِ التي عاينتهُ بكِ من قبلِ

فيا عهدَسعدي حين كنتِ بجانبي                       ويا عُمراً أبقيتِ للحزنِ والثُّكلِ

ويا شمسَ قبرٍ صار مطلعَ نُورِها                        ومغرِبَ صُبْحٍ قد تَحجَّبَ بالرملِ

عليكِ سلامُ العاشقِ المُدنَفِ الذي                    يسيرُ إلى قبرِ الحبيبِ على مهلِ

المجنون :

فقالوا: أمجنون؟ فقلتُ: موسوس              أطوفُ بِظهرِ البيدِ قفراً إلى قفرِ

فلا ملك الموت المريح يريحني                  ولا أنا ذو عيش ولا أنا ذو صبرِ

عبيد بن أيوب :

لقد خفت حتى لو تمر حمامةٌ                      لقلت عدو أو طليعة معشر

وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني                  وقالوا فلانٌ أو فلانة فاحذر

فمن قال خيراً قلتُ هذا خديعةٌ                    ومن قال شراً قلت نصحٌ فشمر

فأصبحتُ كالوحشي يتبع ما خلا                ويترك موطوء البلاد المدعثر

أحدهم :

لقد خفت حتى كل نجوى سمعتها               أرى أنني من ذكرها بسبيل

وحتى لويت السر من كل صاحبٍ                 وأخفيته من دون كل خليل

إيليا أبو ماضي:

أيها المشتكي وما بكَ داءٌ                         كيف تغدو إذا غدوتَ عليلا

إنَّ شرَّ النفوسِ نفسٌ يؤوسٍ                     يتمنى قبلَ الرحيل الرّحيلا

وترى الشوكَ في الورود وتعمى               أن ترى فوقها الندى إكليلا

والذي نفسهُ بغيرِ جَمالٍ                          لا يرى في الوجودِ شيئاً جميلا

وإذا ما أظلَّ رأسكَ هَمٌ                           قَصِّرِ البحث فيه كيلا يطولا

أيها المشتكي وما بك داءٌ                        كُنْ جميلاً ترَ الوجودَ جميلا

عصاب الخوف

من الناحية الطبية:

العصاب:Neurosis هو نوع من أنواع الخوف الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية والتوازن النفسي.وهو اضطراب عصبي وظيفي غير مصحوب بتغير بنيوي في الجهاز العصبي.ترافقه في كثير من الأحيان أعراض هستيريا،وحصر نفسي،وهواجس مختلفة.

ومريض العصاب لا يعاني من الهلوسة أو من فقدان الصلة مع الواقع.وسلوك الأشخاص الذين يعانون من العصاب هو سلوك عادي وطبيعي.

ويعاني الشخص المصاب بالعصاب غالباً من الاكتئاب والخوف وغياب الشعور بالعواطف والأحاسيس،والقلق والوساوس.

وعصاب الخوف:هو خوف مرضي شاذ ودائم ومتكرر ومتضخم مما لا يخيف عادة،ولا يعرف المريض له سبباً.

وعصاب الخوف قد يكون عاماً غير محدد،وهمياً أو غير حسي،كالخوف من الأماكن المفتوحة،ويبدو في خوف المريض من البقاء في أماكن مفتوحة،فإذا ما دخل منزلاً فإنه لا يستريح إلا إذا أغلق الباب،وإذا جلس في غرفة فإنه يظل قلقاً حتى تغلق منافذها،وهناك ناس آخرين على العكس يخافون من الأماكن المغلقة،وهناك من يخاف من الأماكن المرتفعة،أو الخوف المرضي من رؤية الدم،أو الخوف من بعض أنواع الحيوانات المنزلية كالقطط،أو الخوف من الطيران أو ركوب البحر…

من الناحية الأدبية:

جاء في كتاب فيض الخاطر للأستاذ أحمد أمين رحمه الله (الجزء العاشرـ تحت عنوان:التعب العصبي والخوف):

„من الكلمات التي دخلت اللغة العامية حديثاً“النرفزة“،و“تنرفز“ بمعنى هاجت أعصابه،وهي مأخوذة من الكلمة الإفرنجية(نيرفيز)بمعنى أعصاب،وليس معنى هذا أن النرفزة لم تكن موجودة ثم وجدت،بل هي موجودة منذ وجود الإنسان،ولكن كنا نسميها سورة الغضب،أو نحو ذلك من الأسماء.

وإنما الجديد هو التسمية فقط بالنرفزة،والجديد أيضاً أن حياتنا المعقدة المركبة التي خلّفتها المدنية الحديثة ،وزادت من أعبائها ومسئولياتها،زادت أيضاً في هياج أعصابنا ،بدليل أن الفلاحين في القرى ومن عاشوا عيشة بسيطة أقل نرفزة من سكان المدن،وأن الطبقة الفقيرة من سكان المدن أقل من الطبقة الوسطى والعليا لقلة مسئولياتها.والنرفزة أو هياج الأعصاب تنشأ من المجموع العصبي عند الإنسان،والمجموع العصبي يتكون من المخ ومن النخاع الشوكي،وهو المادة الهلامية الموجودة في سلسلة العمود الفقري،ومن ملايين من الخيوط الدقيقة التي تتفرع من المخ ومن النخاع الشوكي،وتصل إلى كل خلية من خلايا الجسم،وهذه الأسلاك أو الخيوط من أهم وظائفها أنها ترسل الإشارات إلى المخ،وتتلقى منه الإشارات،فهي أكبر وأعقد من أي محطة للأسلاك التلغرافية.فمثلاً:إذا لمس إصبعك شيئاً ساخناً جداً فجذبت يدك فمعنى هذا أن خلاياك التي في الإصبع لمست هذا الشىء الساخن،وأرسلت خيوط أعصابك إشارة إلى المخ بما وجدت وما أحسّت،وتلقت إشارة من المخ بالإنسحاب فانسحبت،وكل هذا يحدث في سرعة البرق،وهكذا إذا أردت المشي،أو تحريك يدك،أو الراحة،أو نحو ذلك.

والأعصاب من مخ ونخاع وأسلاك،شىء مادي يُرى بالعين أو بالميكروسكوب،ولكن التيار الذي يجري فيها كالتيار الكهربائي لا يُرى ولكن يُعرف بآثاره.

وتختلف هذه المجموعة العصبية عند كل إنسان عن الآخر،فكما أن كل فرد يختلف في ملامح وجهه،وقوة حواسه،وعضلاته،وبناء جسمه،عن الشخص الآخرقوة وضعفاً،وجمالاً وقبحاً،فكذلك المجموعة العصبية يختلف الناس فيها قوة وضعفاً،وهذا ما نشاهده ،فنرى أشخاصاً قويت أعصابهم،فهم يتحملون المسئوليات وأحداث الزمان والشدائد في صبر وثبات،وهناك على العكس منى ذلك من تهزّهم هزاً عنيفاً الأحداث الخفيفة والمسئوليات الطفيفة،بل هناك من تهزّهم هزاً عنيفاً أيضاً الأوهام المختلفة والخيالات المصطنعة،بل نرى أن الشخص الواحد يكون في حالة من الحالات قوي الأعصاب فيواجه الأحداث العِظام في صبر وثبات،ثم تتعب أعصابه لسبب من الاسباب فيواجهها في قلق وجزع وثبات،ثم تتعب أعصابه لسبب من الأسباب فيواجهها في قلق وجزع واضطراب!

بل خذ مثلاً الطفل إذا مشى طويلاً وتعب من الحركات،عاد إلى بيته هائجاً مضطرباً كثير الصراخ كثير البكاء،يتلمس أي سبب للغضب،حتى إذا نام وهدأ قام كالمعتاد هادئاً مطمئناً،وكذلك الرجل أو المراة تتعب أعصابه فيغضب مما لا يغضب منه،ويثور من أجل التافه من الأمور،يثور من أجل كسر طبق،ومن أجل قرش ضاع في غير محله،ومن فعلة صغيرة فعلها الموظف الذي معه،ومن زوجته إذا كلمته كلمة في غير محلها،ومن ابنه إذا طلب منه مصاريف المدرسة،مع أن هذه الأحداث نفسها وأكبر منها إذا حدثت وأعصابه غير متعبة قابلها مقابلة عادية ولم يعبأ بها ولم يهج منها.

ومن أعجب مالاحظه الأطباء في الأعصاب أن هناك سدوداً للتيارات التي تمرُ في الأعصاب،وظيفتها أن تقلّل من قوة التيار حتى يصل إلى المخ هادئاً،فإذا ضعفت هذه السدود وصل الانتباه إلى المخ في قوة تسبب اضطراباً،ومثله في ذلك مثل الأسلاك من الرصاص التي تركب في „الكوبس“،ينتقل فيهاالتيار من الخارج ،وإذا زاد التيار احترق الرصاص ليمنع احتراق المنزل بالتيار القوي.

وتضعف هذه الأعصاب بالتعب المضني،وبالكوارث المتتالية،وبالهزات العنيفة المتتابعة،وهذا الضعف على درجات،فهو يبدأ بقلق وأرق،ويتدرج إلى عجز عن تركيز الفكر وإظلام نفس،ويزيد إلى يأس شديد وهيجان لأقل الأسباب،وعجز عن الراحة والهدوء،ونحو ذلك.

ومما يلاحظ أيضاً أن هذا التعب العصبي يتبعه دائماً الخوف،وهذا الخوف يتخذ أشكالاً مختلفة حسب ظروف كل شخص،فمن نما عنده الشعور الديني تمثّل خوفه في الموت،فهو يخاف الموت ويخاف العقاب بعد الموت،ويخاف الخطايا التي ارتكبها والمعاصي التي وقع فيها في شبابه،وتتجشم هذه المعاني في نفسه،وتكبر حتى تقلق باله وتعكر صفو حياته.

ومن كان شديد الشعور بالمال خاف الفقر،إن كان غنياً فألجأه ذلك إلى شدة الحرص والهياج عند كل قرش يصرف،والغضب الشديد عند كل ما يعرض من مطالب مالية،ومن كان رحيماً شديد العطف على أولاده ظهر خوفه من هذه الناحية،فهو يخاف على أولاده من الترام والسيارات،ويقلق أشد القلق إذا تغيبوا عن البيت ساعة،وكلما قرأوا أو سمعوا عن حمى أصابت ولداً أو شاباً أو شابة مات في ريعان شبابه زاد خوفهم واضطرب حالهم،ومن بلغت سن الزواج ولم تتزوج خافت أن يمر موسم زواجها،وإذا خُطبت خافت أن تفشل في زواجها،وهكذا وهكذا الخوف فنون.

وقد يزيد الخوف حتى يكون خوفاً من أوهام،فهو يتخيل أن دسائس تحاك حوله،وأن له أعداءيتربصون به،وأن بعض أقربائه يكيد له،وأن له في المصلحة من يُفسد الأمر بينه وبين رؤسائه،وهكذا،فيخلق أوهاماً ويخاف منها،وفي الناس ألوان شتى من هذه المخاوف،وعددهم ليس بالقليل،وكلما عظمت المدنية زادت ضحايا ضعف الأعصاب،وخاصة أيام الحروب،فيقول طبيب أمريكي إنه في أوائل الحرب العالمية الثانية كان عدد سكان أمريكا 130 مليونا،وكان عدد ضحايا الأمراض العصبية يقرب من 13 مليوناً بين مجنون ومضطرب ومختل التوازن،وقد كان كثيراً جداً عدد الشبان الذين يتقدمون للجندية،فيُردون عنها بعد الكشف الطبي عليهم،لاختلال توازنهم العصبي.

وبعد، فما علاج هذا؟ الواقع أن علاجه في يد الإنسان أكثر من أن يكون في يد الطبيب،وأهم علاج له شيئان،يستنتجان مما وصفنا قبلاً:

أولهما:الراحة الجسمية،فقد رأينا أن الخوف يتبع التعب الذي ينال المجموع العصبي،كما ينال الشخص عقب مجهود كبير بذله،أو تفكير طويل فكّره،أو حادذة جليلة هزّته.

فهذه الاشياء وأمثالها تُضعف المجموع العصبي،وتضعف السدود التي تحجز بعض التيار عن المخ،فغذا استرد الإنسان راحته قويت هذه السدود ،كالشأن في الإنسان يتعب ثم ينام نوماً عميقاً،فيسترد مافقده من خلايا،ومن وسائل هذه الراحة تغيير البيئة والمكان،والرياضة المعتدلة،والرحلات الخفيفة اللطيفة،ونحو ذلك،فغنها تفعل في النفوس ما لا تفعله الأدوية،ومن ذلك أيضاً عدم التعرض لما يهيج الأعصاب،فمن عرف أن شيئاً معيناً يهيجه فليبتعد عنه،وليبتعد عن الأوساط التي تخلقه،وليرأف به أهله فلا يسببون له متاعب  في النواحي التي يعرفون أنها تقلقه وتزيد اضطرابه،فغذا تمت راحته رأينا أنه قد زال خوفه،وتلك نتيجة طبيعية لما رأينا من أن التعب يتبعه الخوف.

والامر الثاني:الإيحاء الذاتي،فهو يفعل في النفوس فعل السحر،فليكرر المريض على نفسه الإيحاء بأن جسمه سليم،وأنه يستطيع التغلب على هذا الخوف،وأن يومه خير من أمسه،وأن غده سيكون خيراً من يومه،وأن ما هو فيه أوهام تزول بقوة  إرادته،وليعرف منتحى خوفه فليعالجه من الناحية التي تؤلمه،فمن كان يخاف الموت،ويخاف ما ارتكب من المعاصي، فليكرر على نفسه أن الله غفور رحيم،وأنه يغفر الذنوب جميعاً،وأن ماورد في القرآن من آيات الرحمة أكثر مما ورد من آيات العذاب،وأن الله أحنى على العبد من الوالد على ولده،فإذا ردّد هذه المعاني كلها،وكررها كل يوم،انتعشت نفسه،وأحسّ أنه يتقدم تقدماً عظيماً.

ومن كان يخاف الفقر فليكرر على نفسه فلسفة المال،وأن المال عرض من أعراض الحياة،وأنه ليس هو السعادة،وإنما هو وسيلة السعادة،وأنه لا يحق على نفسه الخوف من الفقر قبل حدوثه،وهكذا الشأن في الخوف على الأةلاد وكل نوع من أنواع الخوفـفكل إنسان بقليل من التفكير يستطيع أن يكون له فلسفة تشجعه ضد خوفه،وتملأه غبطة وطمأنينة.

هذان في نظري هما العلاجان الطبيعيان للأعصاب،وهما في يد كل إنسان إذا صحت عزيمته وقويت إرادته“.

وجاء في كتاب فيض الخاطر للأستاذ أحمد أمين رحمه الله(الجزء الرابع ص205):

„الخوف من المرض:وهذا النوع من الخوف متصل بنوعين آخرين هما الخوف من الهرم والخوف من الموت.والإنسان يخاف من المرض لأنه يستحضر في ذهنه احتمال الموت منه،كما يستحضر صورة العجز عن كسب العيش.

وقد استغل هذا الخوف من المرض تجار الأدوية فصنعوا منها ما أغرق الأسواق،وكثير منها ليس علاجاً حقيقياَ.وإنما هو علاج وهمي لأمراض  وهمية ناشئة من مرض الخوف من المرض.

وهذا الخوف قد ينتهي عند بعض الناس إلى مرض حقيقي لأن الإيعاز المستمر بالمرض قد يسبب المرض،وكثيراً ما تحدث صاحبك بسوء صحته أو تغير لونه،فيشعر عقب ذلك مباشرة بالضعف والتخاذل والمرض.

ويكاد هذا المرض يكون عاماً عند الناس،وكثيراً ما يبعث عليه الفشل في الحياة،أو الفشل في الحب،أو اليأس من شىء مرجو،أو التعب الجسمي،فسرعان ماتظهر إذ ذاك أعراضه.

ومن أعراضه كثرة الكلام في المرض واستفسار الأطباء عن المرض،وقراءة الإعلان عن الأدوية،وكثرة وزن الجسم في الموازين العامة في الطرق،وتوهم المريض عندما يسمع وصف مرض أنه مصاب به،وكثرة استعمال المسكنات وهكذا.

وهناك الخوف من فقد حب من يحب وهو خوف يلازم الحب غالباً،فيخاف المحب أن ينصرف عنه محبوبه إلى غيره وهذا غالباً هو علة الألم من الصد والهجران.

وهذا الخوف كان مظهره في الزمن القديم الاستيلاء على المرأة بالقوة وحبسها ومراقبتها مراقبة شديدة ونحوذلك،ثم حولته المدنية إلى محاولة كسب قلبها من طريق الإغراء بالتحبب إليها والتظاهر بمظاهر العظمة والجاه ونحو ذلك.

وهذا النوع من الخوف يحدث للمرأة كما يحدث للرجل،بل هو عند المرأة أشد،لأن المرأة أقل ثقة بالرجل من الرجل بالمرأة،وخاصة عندما تسمح شرائع البلاد بالطلاق أو تعدد الزوجات.

ومن أعراضه شدة الغيرة حتى يصل بالإنسان إلى درجة الهوس.فيكون الاتهام من غير أن تكون له أسباب معقولة.

كما أن من أعراضه كثرة مؤاخذة المحب حبيبته حتى على الأمور التافهة والأمور الوهمية،وكثرة العتاب،وما إلى ذلك.

ثم الخوف من الهرم أو الشيخوخة،ويرجع سبب هذا الخوف إلى عاملين:الأول الخوف أن الشيخوخة قد تعجز المرء عن الكسب فيكون عالة على غيره،وأكثر ما يكون هذا عند العمال والصناع ومن يعيشون على كسبهم اليومي فهم يعيشون على حساب صحتهم،فإذا عجزوا عن العمل حرموا وسائل العيش.والسبب الثاني هو أن الشيخوخة نذير الموت،والموت بغيض مخيف.

وقد يكون من أسبابه أيضاً شعور المرء أنه إذا شاخ وهرم فقد جانباً كبيراً من استمتاعه بنعيم الحياة،إذ لا يعود يستطيع أن يجذب المرأة إليه،ولا المرأة أن تؤثر في الرجل،وربما كان هذا السبب الأخير عند المرأة أقوىمنه عند الرجل،لأن جمال المرأة رأس مالها في الحياة،فهي تخشى الشيخوخة التي تضيع لها رأس مالها.

وأعراض هذا المرض تختلف اختلافاً متناقضاً.فأحياناً يظهر في شكل كثرة حديث المسنين عن الشيخوخة،وانتهاز كل مناسبة للتحدث عن شيخوختهم،وأنهم انتهوا من دور الشباب،واعتذارهم من حين لآخر عن كسلهم أو بأسهم أوفشلهم بشيخوختهم،وأحياناً يكون من أعراضه التظاهر بمظهر الشباب كصبغ الشعر،والتأنق في الملبس،ومحاربة تجاعيد الوجه،وتكلف اعتدال القامة،والكذب في السن الحقيقية.

وقل أن يعزيه عن شيخوخته كبر عقله،ونضوج تفكيره،وهو في أغلب الأحيان يألم عند الاحتفال بعيد ميلاده أكثر مما يحمد الله على بلوغه هذه السن.

وأخيراً الخوف من الموت،وهو عند أكثر الناس أشدّ أنواع الخوف،وسببه في الأغلب يرجع إلى أمرين:الخوف مما بعد الموت لأنهم يرون أن حياتهم لم يرضوا الله بكثير من أعمالهم،والله حاكم عادل يثيب المحسن،ويعاقب المسىء فهم يستحضرون في أذهانهم إساءتهم،ويستحضرون ما للإساءة من عقوبة،فهم لذلك يخشون  الموت كما يخشى المجرم المحكمة،والسبب الثاني ما يشعرون به من لذعة إذا تصوروا فراق الأهل والخلّان.

وهذا النوع من الخوف عند الشيوخ أكثر منه عند الشباب،وعند الفارغين من العمل أكثر منه عند العاملين،وعند ضعاف الأعصاب أكثر منه عند أقوياء الأعصاب.

وقد يبالغ فيه بعض الناس، فيظهر بمظاهر مختلفة:فمنهم من يزهد في الحياة وينقطع للعبادة،ومنهم من ينغص عليه الحياة فيصبح مهوش الفكر مضطرب العقل،لا يصلح لعمل دنيا،ولا عمل آخرة،إلى غير ذلك.

هذه الأنواع من الخوف تملأ الحياة،وتلونها وتصبغها أصباغاً مختلفة،حتى لو قلنا إن أكثر أعمال الإنسان هي نتيجة للخوف لم نبعد،بل هو كذلك أهم سبب للاتجاهات التي يتجهها الإنسان في حياته من فعل وترك.وفعل هذا دون فعل ذاك.والسير في هذه السبيل دون ذلك.

والآن وقد فرغنا من وصف المرض وأعراضه ومضاعفاته يحقّ لنا أن نتساءل:إذا كان هذا هو المرض فما علاجه؟

لقد أبنا أن الخوف حالة نفسية تستولى على الفكر فتشله،فإذا نحن آمنا بأن للإنسان قوة على تفكيره كما أراد،كان هذا هو مفتاح العلاج.

أحم نفسك من مؤثرات الخوف سواء في ذلك ما تثيره نفسك،وما يثيره من حولك،وكن شديد الإيمان بأن لإرادتك قوة تستطيع بها أن تزيل هذه المخاوف،وأن تبني حاجزاً يحول بين نفسك وبين مؤثرات الخوف.

اقرأ ما يبعث فيك القوة والشجاعة،ويملؤك أملاً وطموحاً،ويقوى إرادتك على نفسك.

آمن بأن توقع الشرَ شرّ من الشرّ نفسه،فلا معنى أن يجمع الإنسان على نفسه شرّ الشرّ وشرّ توقعه.

حلل نفسك وتبين سبب مخاوفها:هل أنت تكره عملك الذي تعمله،ولماذا؟هل أنت خاضع لمؤثرات تستجوب خوفك،فكيف الخلاص منها؟هل فقدت الثقة بنفسك،ولماذا؟هل أنت فارغ من العمل فتستسلم من أجل ذلك للمخاوف،إذن فكيف تملأ وقتك بالعمل؟هل أنت تضعف أعصابك بالمسكرات أو كثرة التدخين،فتقع تحت تأثير الخوف من أجل ذلك،إذن فكيف تتغلب على ذلك؟أي أنواع من الخوف أكثر تأثيراً فيك ولماذا؟هل لديك الوسائل الروحية والعقلية التي تستطيع أن تتغلب بها على الخوف،فإذا لم تكن، فكيف تحصل عليها؟هل أنت واقع تحت تأثير أصحاب يسببون لك الخوف،فكيف تتخلص منهم؟هل تصادق من هم أضعف منك عقلاً وقلباً وروحاً؟إذن فكيف تغيرهم بمن هم خير منهم؟

ما أهم سبب متاعبك؟كيف تعالجه؟كيف تقسم زمنك،كم منه للنوم؟وكم للعمل العقلي أو القراءة؟وكم لعملك المعتاد؟وكم للعبك وراحتك؟

فهذه الأسئلة ونحوها إذا أجبت عنها في أمانة وإخلاص تعرفت نفسك وتعرفت مخاوفك،وتعرفت كيف تسلط إرادتك على أسباب الخوف فتمحوها.

وأخيراً ردد على نفسم“لا تخف“ وردد قوله تعالى:{قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}.(انتهى كلام الأستاذ أحمد أمين)

وجاء في ثمار القلوب  للثعالبي ص160:“ عبد الله بن حازم السُّلَمي كان والي خُراسان  لعبد الله بن الزبير ،ومن عجيب أمره  أنه كان نهايةً  في الشجاعة والنجدة ،وكان يخاف الفار أشدّ مخافة ،فبينما هو ذات يوم عند عبد الله بن زياد  إذ أَدخلَ عليه جُرذاً أبيض، فتعجب منه ،فقال لعبد الله : يا أبا صالح ،هل رأيت أعجب من هذا؟ وإذا عبد الله قد تضاءل كأنه فرخ، واصفّر كأنه جرادة ،فقال عبيد الله : أبو صالح يرضي الرحمن ويتهاون بالسلطان ،ويقبض على الثعبان ،ويمشي إلى الأسد الوَرد، ويلقى الرماح بوجهه ،والسيوف بيده ،وقد اعتراه من جرذٍ ماترون ! أشهد أن الله على كل شئٍ قدير“.

ابن الرومي ورهاب ركوب البحر :

ومن يلقَ ما لاقيتُ في كُلِّ مجتنىً               من الشوكِ يزهد في الثمارِ الاطايبِ

فأصبحتُ في الإثراءِ أزهد زاهدٍ                      وإن كنتُ في الإثراءِ أرغبُ راغبِ

حريصاً جباناً أشتهي ثم أنتدي                         بلحظي جناب الرزق لحظ المراقبِ

تنازعني رغب ورهب كلاهما                         قوي وأعياني اطّلاع المغايبِ

فقدّمتُ رجلاً رغبة في رغيبةٍ                            وأخرتُ رجلاً رهبة للمعاطبِ

أخافُ على نفسي وأرجو مفازها                      وأستأن غيب الله دون العواقبِ

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي                   ومن أين والغايات بعد المذاهبِ

ومن نكبةٍ لا قيتها بعد نكبةٍ                           رهبتُ اعتسافَ الارضِ ذات المناكبِ

وصبري على الإقتار أيسرُ محملاً                       عليَّ من التغريرِ بعد التجاربِ

لقيتُ من البرّ التباريحَ بعدما                       لقيتُ من البحرِ ابيضاضَ الذوائبِ

سُقيتُ على ريٍّ به ألفَ مَطرةٍ                          شفعتُ لبغضيها بحُبِّ المجاوبِ

وأبعدُ أدواءِ الرجالِ ذوي الضنى                      من البرءِ داءُ المستطبِّ المكاذبِ

وأما بلاء البحر عندي فإنَّهُ                         طواني على روع من الروح واقبِ

فلو ثابَ عقلي لم أدع ذكر بغضه                  ولكنّهُ من هوله غير ثائبِ

وكيفَ ولو ألقيت فيه وصخرة                     لوافيت منه القعر أول راسبِ

ولم أتعلم قطّ من ذي سباحة                        سوى الغوص والمغلوبِ غير مغالبِ

وأيسرُ إشفاقي من الماء أنني                         أمرُّ به في الكوزِ مرَّ المجانبِ

وأخشى الردى منه على نفس شاربِ             فكيفَ بأمنيه على نفس راكبِ؟

وهناك عصاب الخوف من مواجهة الناس ومخاطبتهم يقول أحدهم يعيب خطيباً:

ملئٌ ببُهرٍ والتفاتٍ وسُعلةٍ                                ومَسحةِ  عُثنونٍ وفتلِ الأصابعِ

لحيم بن حفص :

نعوذ بالله من الإهمال                                   ومن خطيب دائم السعال

الأخطل:

وإذا تَبوَّعَ للحِمالةِ لم يكنْ                                   عنها بِمنبَهرٍ ولا سَعالِ

بشار يهجو خطيباً:

ومن عجب الأيام أن قمت ناطقاً                      وأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر (الأوداج)

الحطيئة يصف بخيلاً:

تشاغل لما جئت في وجه حاجتي                وأطرقَ حتى قلت: قد مات أو عسى

فقلت له: لا بأس ،لست بعائد                             فأفرخ تعلوه السمادير ملبسا

(افرخ:ذهب روعه . السمادير : ما يتراءى للمرء من رؤى حين يشتد به السُكر او المرض)

ابن دريد في المقصورة وهذا من الغلو في القول:

مارستُ مَنْ لو هوت الأفلاكُ مِنْ                         جوانب الجوَّ عليه ما شكا

(يقول الكرمي صاحب قول على قول ج6 ص112 „قيل إن الله ابتلاه بسبب هذا البيت بمرض كان فيه يخاف الذئب ان يقع عليه)

الانعزالية والميل للوحدة

من الناحية الطبية:

العزلة هي حالة من الإنعزال بمعنى عدم التواصل مع الناس،ولها أسباب عديدة:

فقدان الأحباء،العلاقات السيئة مع الناس،بعض الأمراض،اضطرابات نفسية،أو بسبب ظروف العمل.

فكثير من الاشخاص يميلون إلى العزلة والانطواء ويعود ذلك إلى مراحل الطفولة المبكرة،وهناك من يميلون للعزلة لأنهم لايجدون الصاحب المناسب أو الصديق الذي يتواصلون معه،وهناك من يميل للعزلة بسبب وجود مشاكل عائلية وخاصة على مستوى الآباء والأمهات،والبعض بسبب بعض المشاكل العاطفية،….

وهناك فرق بين العزلة والوحدة،حيث أن العزلة قد يشعر معها الشخص بالسعادة لكونه بمفرده،والوحدة تترافق مع الألم كون الشخص لوحده.

وهناك أشخاص يميلون للعزلة وغالباً المؤقتة من أجل التأمل أو التفكير ببعض الأمور والمسائل .

والعزلة التامة غالباً ماتترافق مع القلق،وإذا كانت لفترة طويلة فإنها تسبب إلى الاكتئاب.

ولذا كان من شروط السجن القاسية الحبس الإنفرادي،لما فيه من أثرمؤلم على الشخص المعاقب.

وقد تكون العزلة أحد أشكال بعض الأمراض النفسية.

من الناحية الدينية:

إن العزلة المقبولة في الإسلام هي التي يعيش صاحبها مرحلة من التأمل والتفكير،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء قبل البعثة بثلاث سنوات،وكان تحنثه صلى الله عليه وسلم شهراً من كل سنة،وهو شهر رمضان.فكان يقيم في الغار ويقضي وقته في العبادة والتفكير والتأمل.

وهناك كثير من الأشخاص يلجؤون إلى العزلة المؤقتة من أجل التفكير والتأمل،ويتخذونها فترة للعبادة،يقول سعيد بن المسيب:“العزلة عبادة“ فالعزلة خير من جليس السوء،ولكن الجليس الصالح خير من العزلة.

ولكن الإسلام يحض على معاشرة الناس وتحمل أخطائهم وأن لايتخلى الإنسان عنهم إلا بشروط معينة.

من الناحية الادبية:

أبو القاسم الشابي:

ليتَ لي أن اعيش في هذه الدنيا                           سعيداً بوحدتي وانفرادي

أصرف العمر في الجبال،وفي الغابات                    بين الصنوبر الميَّادِ

ليس لي من شواغل العيش ما يصرف                   نفسي عن استماع فؤادي

ارقبُ الموتَ،والحياةَ واُصغي                                  لحديث الآزال والآبادِ

واُغني مع البلابل في الغاب                                 واُصغي إلى خرير الوادي

واُناجي النجومَ والفجرَ والاطيارَ                             والنهرَ والضياء الهادي

عيشةٌ للجمالِ ،والفن ،أبغيها                             بعيداً عن اُمتي وبلادي

لا اُعنّي نفسي بأحزان شعبي                           فهو حيٌّ يعيش عيشَ الجمادِ

وبحسبي من الآسى ما بنفسي                           من طريفٍ مستحدَثٍ وتلادِ

وبعيداً عن المدينة والناسِ                                     بعيداً عن لغو تلك النوادي

فهو من معدن السخافة والإفكِ                              ومن ذلك الهراء العادي

اين هو من خرير ِ ساقية الوادي                        وخفقِ الصدى وشدو الشادي

وحفيف الغصون  نمقّها الطّلُّ                                     وهمسُ النسيم للأورادِ

هذه عيشةٌ تقدسها نفسي                                            وأدعو لمجدها واُنادي

ابراهيم ناجي:

يا وحدتي جئت كي أنسى وهائنذا                     مازلت أسمعُ أصداءً وأصواتا

مهما تصاممت عنها فهي هاتفةٌ                        يا أيها الهاربُ المسكينُ هيهاتا

جَرَّتْ عليّ الأماني من مجاهلها                        وجَمعَّتْ ذِكراً قد كنَّ أشتاتا

ما أسخفً الوحدة الكبرى وأضيعها                     إذا الهواتف قد أرجعن ما فاتا

بَعثن ما كان مطوياً بمرقدهِ                                ولم يزلنً إلى أن هبَّ ما ماتا

تلفّتَ القلبُ مطعوناً لوحدته                             وأين وجدتهُ؟ باتت كما باتا

حتى إذا لم يجد رَيّاً ولا شبعا                            أفضى إلى الأملِ المعطوب فاقتاتا

محمود حسن اسماعيل:

اتركوني وعزلتي يابني الطي                                نِ فإني في حماكم غريبُ

أنا صمتها صلاةٌ .. فخفوا                                           واهجروا أرضها ، فأنتم ذنوبُ

واتركوني بظلها أتغنى                                           فغنائي لما جرحتمُ طبيبُ

أنتم الهَمُّ في دمى، وهي الفر                           حة ، والصفو ، والمنى والحبيبُ

الصرع

من الناحية الطبية:

هو مجموعة من الاضطرابات العصبية التي تنتج عن اضطراب الإشارات الكهربائية في خلايا المخ وتتميز بحدوث نوبات متكررة.

وتعريف الصرع:هو وجود نوبات تتصف بما يلي:

1 ـ فقدان الوعي:أو على الأقل اضطراب الوعي وذلك حسب نوع النوبات الصرعية وشكل الصرع.

2 ـ نوبات اشتدادية:Paroxysmal:أي تحدث بشكل فواصل،ليست متساوية الفترات مابين النوب،وهذه النوب تحدث فجأة ،وتسبب سقوط المريض.

3 ـ اختلاجية:Convulsion:ولكن الاختلاج ليس عرضاً واسماً في كل أشكال الصرع.

4 ـ فجائية الحدوث:تصيب المريض فجأة وبدون سابق إنذار.

وأهم أشكال وأنواع الصرع:

1 ـ الصرع الكبير:Grand mal:

تبدأ النوبة هنا عادة بحدوث مايسمى النسمة Auraفي البدء،ونعني بها إحساس المريض بأنه سوف يصاب بالنوبة،وهي تشاهد عند بعض المرضى وليس كل المرضى.وتبدأ النسمة عادة برؤية السمادير(الذباب الطائر أمام العين)أو رؤية مايشبه اللهب،أو قد يحس المريض بوجود ثقل في الشرسوف،أو شم رائحة خاصة أو خدر ،ثم يسقط فجأة.

وتمر النوبة الصرعية هنا بثلاثة مراحل:

1 ـ الدور المقوي:Tonic Phase:حيث يسقط المريض على الأرض بحالة تشنج(يبوسة في الجسم)ويدوم هذا الدور حوالي 30 ـ 60 ثانية،ويترافق مع ازرقاق سحنة المريض،ويمكن للمريض في هذا الدور أن يعض لسانه.

2 ـ الدور الارتجاجي:Clonic:ويدوم 30 ـ 60 ثانية،ويترافق مع اختلاجات معممة،يتوقف فيها التنفس وتستمر زرقة الجسم،ويمكن للمريض أن يصاب في هذا الدور بفلتان المصرتين.

3 ـ دور السبات:Coma:حيث تتوقف الاختلاجات ويأخذ المريض نوماً عميقاً،ويبدو التنفس الثقيل الجهدي،بالإضافة إلى الإزباد وذلك بسبب تراكم اللعاب في البلعوم في الدور المقوي.

ومن ثم يعود المريض إلى حالته الطبيعية،ولايذكر المريض شيئاً مما حدث له أثناء النوبة ولكنه قد يتذكر أعراض النسمة.

2 ـ الصرع الصغير:Petit mal:وهذا يصيب في معظم الحالات الأطفال الصغار وله عدة أشكال:

ـ الغيبوبة:Abscence:وهذا الشكل الأكثر شيوعاً ويتصف سريرياً بتوقف فجائي في الوعي وفي الحركة،فإذا كان الطفل يلعب أو يتكلم توقف فجأة عن اللعب أو الكلام،ويبدو عليه الشحوب،وجحوظ العينين(يحدق بنظرة شاخصة)وينعزل عن المحيط تماماً وقد يسقط،ولاتستمر النوبة إلا عدة ثوانٍ وغالباً لاتتجاوز الثلاثين ثانية،ويمكن للطفل أن يبدي أثناء النوبة بعض حركات البلع،أو حركات في الفم والشفتين(يتلمظ)

ـ الاختلاج العضلي الوحيد:في هذه الحالة يصاب المريض باختلاج لمرة واحدة فقط(كأنه أصابته النقزة)ولايسقط الطفل ولكن يسقط مافي يديه.

ـ الاختلاج الكتلي أو نوب السلام:حيث يبدي الطفل حركات تشبه التي يقوم بها النبلاء(حركة التشريفات)وهذا الشكل من أسوأ أنواع الصرع الصغير.

ـ والشكل الرابع:يسقط الطفل فجأة ولكنه سرعام ماينهض بسرعة(كأنه طبّ)وهؤلاء الأطفال غالباً ماتشاهد لديهم كدمات في الرأس.

3 ـ النوب النفسية الحركية:Psychomotor:وتشاهد عند الكبار والصغار،حيث يصاب المريض بالشرود ويتيه في الارض،ويمتاز المرضى أثناء النوب أنهم سريعو الغضب ويمكن أن يرتكب بعض الجرائم.

والسبب غالباً غير معروف،وفي بعض الحالات بسبب أورام الدماغ،أو التهابات المخ ونقص التروية الدموية،أو بسبب بعض الأمراض الخلقية والوراثية.

ومن المشاهير الذين أصيبوا بالصرع نذكر:الاسكندر الأكبر،وهانيبال،ويوليوس قيصر،والملك لويس الثالث عشر،و القيصر بطرس الأول ونابليون بونابرت،والملك شارل الخامس،والرئيس تيودور روزفلت،والفيلسوف سقراط،وأرسطو،والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه،والرياضي فيثاغورث،والمكتشف اسحق نيوتن،والمخترع ألفريد نوبل،والكاتب إدجار الان بو،والكاتب تشارلز ديكنز،والكاتب الروسي دوستوفسكي،والرسام فنسنت فان جوخ…

من الناحية الدينية:

عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما:ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟فقلت:بلى،قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع،وإني أتكشف،فادع الله تعالى لي،قال:„إن شئتِ صبرت ولك الجنة،وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك“ فقالت:أصبر،فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف،فدعا لها„[متفق عليه]

أبان بن عثمان : أصيب بالصرع وهو ابن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه،ومات أبان بن عثمان بالمدينة المنورة عام 105هجري (دائرة المعارف الإسلامية)

صالح بن عبد القدوس وقيل صالح بن جناح اللخمي:

المرءُ يُصْرَعُ ثم يُشفى داؤُه                          والحمقُ داءٌ ليسَ منه شفاء

الفالج والشلل

من الناحية الطبية:

الفالج أو الشلل الشقي أو النصفيHemiplegia:هو حدوث خذل أو شلل في الجانب الأيمن أو الأيسر من الجسم.وله أسباب عديدة وأهمها الحوادث الوعائية الدماغية:مثل النزوف الدماغية،أو حالات نقص التروية الشديدة الدماغية،وخاصة في حالات التصلب الشرياني الدماغي ،أو بسبب الخثرات أو الصمامات الوعائية الدماغية،وفي حالات أخرى لأسباب رضية،أو بسبب التهابات السحايا أو خراجات الدماغ أو أورام الدماغ….

والفالج والشلل يدخل تحت نطاق مايسمى الحوادث الوعائية الدماغية،وهي من النادر أن تشاهد في النخاع الشوكي،وإنما تشاهد في الدماغ.وتقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الخثرة الشريانية: Thrombosis

ونعني بها من الناحية التشريحية المرضية وجود تصلب شرياني عصيدي داخل أحد الشرايين،وهذه تتميز بوجود كثافة تزداد تدريجياً ومع تقدم العمر.وأكثر ماتشاهد هذه الخثرات في الشريان السباتي،والشريان المخي المتوسط،والشريان المخي الأمامي،والشريان الفقري.ولا يمكن أن تشاهد الخثرة إلا بوجود شريان مصاب بالتصلب العصيدي مسبقاً.

وقد تكون العصيدة الوعائية بسبب مرض كالداء السكري،أو داء الافرنجي،وهنا قد تشاهد الإصابات في المراحل الشبابية من العمر،وبأقل عشر سنوات من العصيدة الشريانية لأسباب أخرى.

وتشكل الخثرات الشريانية حوالي 80% من الحوادث الوعائية الدماغية.

ويمكن أن تقسم الخثرة من حيث الأدواء التي تمر بها إلى:

1 ـ الخثرة بدون وجود أعراض واضحة.

2 ـ الخثرة في طريق التكون:حيث لاتشاهد الأعراض أثناء الراحة ولكنها تشاهد أثناء الجهد وهو مايسمى العرج المتقطع.

3 ـ الخثرة الكاملة:وتسبب الأعراض حسب توضع الانسداد الشرياني.

2 ـ الصمامة الوعائية:Embolus

وهي تشاهد في أكثر من 90% من الحالات بسبب أمراض قلبية وأهمها ثلاثة أمراض:

!1 ـ الرجفان الأذيني:

2 ـ التضيق التاجي.

3 ـ الاحتشاء القلبي الحديث.(خلال أسبوعين)

ومن الاسباب الأخرى النادرة:التهاب الشغاف الانتاني الحاد أو المزمن.

3 ـ النزوف الدماغية:يتميز النزف الدماغي إجمالاً بشكلين:

1 ـ نزف تال لتصلب الشرايين مضافاً إليه ارتفاع التوتر الشرياني،ولايمكن البتة أن يحدث نزيف ضمن بارانشيم الدماغ إلا بوجود عصيدة شريانية مضافاً إليها فرط التوتر الشرياني.

2ـ أسواء تشكل خلقية:وهذه تشاهد غالباً عند الشباب وأهم أسواء التشكل نذكرمنها:

1 ـ أمهات الدم: وهي إما كيسية توتية الشكل وتصادف غالباً في مسبع فيلليس ،أو مغزلية وهي دوماً انتانية وتتوضع خاصة في الشريان المخي المتوسط وفروعه.

2 ـ الناسور الشرياني الوريدي،أو الورم الوعائيAngioma

وأعراض النزيف الشرياني الدماغي:

إذا حصل مايسمى النزيف تحت العنكبوتي:فإن المريض إذا عاش بعد الإصابة يذكر أنه أحس بصداع شديد يترافق مع فقدان الوعي،ولايدوم فقدان الوعي إلا عدة دقائق إذا كان النزيف في منطقة غير هامة من الدماغ.ويتلو الصحو صداع شديد جداً ومميز،ومن ثم تبدو علامات التهاب السحايا العقيم بصلابة النقرة وارتفاع الحرارة.

إن النزيف ضمن بارانشيم الدماغ هو مميت غالباً،وذلك بسبب انضغاط مضيق الدماغ وهو لايحدث باكراً ولكن غالباً بعد 48 ـ 72 ساعة،ولاتكون الوفاة آنية إلا إذا انفتح النزيف على البطين الجانبي أو المسافة تحت العنكبوتية ويحدث مايسمى الطوفان البطيني.

أما النزيف تحت العنكبوتي فتكون الوفاة بنسبة 35% بعد الإصابة مباشرة،وتصل إلى 66% في نهاية الشهر الأول لإمكان معاودة النزيف.

أعراض التوضع وأهم التناذرات الشريانية:

1 ـ تناذر الشريان السباتي الباطن:

ومن تفرعاته الشريان المخي الأمامي والمتوسط والشريان العيني.ونسبة حدوثه حوالي 20% من الحوادث الوعائية الدماغية.

وفي حال كون الانسداد مزمناً قد لاتبدو أعراض الإصابة وخاصة إذا لم يكن هناك أسواء تشكل في مسبع فيلليس،وذلك بسبب وجود الدوران الجانبي المعاوض،لأنه يمكن أن يشاهد الدوران الجانبي المعاوض عن طريق الشريان الاشتراكي الخلفي لنفس الجانب.وأما الفوالج التي لاتتحسن بها الأعراض فهي التي يوجد بها أسواء تشكل وعائي في الشريان الاشتراكي الأمامي في هذه الحالة.

وفي بعض الحالات يترافق الانسداد المزمن مع وجود أعراض نوبية مثل الفالج الوجهي العضدي أو الفالج الوجهي الفخذي العارض،وقد تحدث نوبات من العمى العارض في عين واحدة.

وأما في الانسداد الحاد فإن الأعراض تبقى دائمة وهي غالباً:فالج شقي كامل(نصف وجه والطرف السفلي والعلوي)،مع فالج حسي كامل،ووجود حبسة حسية وحركية كاملة(إصابة منطقة بروكا والتلفيف الصدغي)،مع عمى بعين واحدة كامل لإصبة الشريان العيني،ونصف العين المقابل لإصابة التشعبات البصرية في الفص الصدغي.

2 ـ تناذر الشريان المخي الأمامي:Anterior cerebral A:

يسير هذا الشريان على الوجه الإنسي لنصف كرة المخ ولايغذي إلا قسماً صغيراً من نصف كرة المخ وهو يتوافق مع تروية المنطقة الحركية لمراكز حركة الطرف السفلي.وعلى هذا فإن انسداد الشريان يسبب فالجاً شقياً تكون إصابة الرجل فيه أكثر من الطرف العلوي،وعلى العكس فإن انسداد الشريان المخي المتوسط تكون إصابة الطرف العلوي أشد من الطرف السفلي.ويمكن أن تشاهد اضطرابات حسية وبصورة خاصة في الطرف السفلي المقابل،وليس هذا الاحتشاء شائعاً لأن الدوران الجانبي عبر الشريان الاشتراكي الأمامي كاف لتوعية الجانبين.

3 ـ تناذر الشريان المخي المتوسط:Middle cerebral A:

إن المنطقة التي يغذيها هذا الشريان أكثر المناطق عرضة للاحتشاء.

وكقاعدة عامة:إن وجود فالج شقي مقابل إصابة الطرف العلوي فيه أكثر من السفلي حسياً وحركياً يدل غالباً على إصابة الشريان المخي المتوسط.وإصابة تلفيف بروكا يؤدي للحبسة الحركية في النصف المسيطر،وإصابة الناحية الصدغية أو الجدارية يسبب الحبسة الحسية أيضاً،فوجود الحبسة الحركية والحسية معاً يدل على إصابة الشريان المخي المتوسط،مع فقدان نصف الساحة البصرية الموافق في الجهة المقابلة.

4 ـ تناذر انسداد الشريان المخي الخلفي:

يغذي هذا الشريان الفص القفوي والنوى القاعدية والقسم الأكبر من المهاد والنواة الحمراء،وإصابته تسبب عمى نصفي متوافق في الجهة المقابلة للآفة،ووجود حركات لا إرادية،ووجود تناذر المهاد بفقد الحس والحرور الموافق مع الألم الشديد المهادي.(أهم صفات العمى القشري أن المريض لايدرك أنه أعمى وينفي بشدة أنه أعمى).

5 ـ احتشاء مصيق الدماغ:

وهو لايشاهد بنفس الكثرة التي يشاهد فيها احتشاء نصف كرة المخ.ووجود الفوالج المتصالبة يدل على احتشاء مضيق الدماغ.وله عدة أشكال:

ـ احتشاء السويقة:ومن أهم تناذراته تناذر ويبر:إصابة العصب الثالث الموافق للآفة مع فالج شقي مقابل.

ـ احتشاء الحدبة:وخاصة بإصابة الشرايين الجانبية المتوسطة للشريان القاعدي ومن أهم تناذراته:تناذر ميلار ـ كوبلر:شلل العصب السادس والسابع الموافق مع فالج شقي مقابل.

ـ احتشاء البصلة:ويترافق مع 1 ـ تناذر ويليس:انحراف اللسان وإصابة شراع الحنك وعسرة البلع مع فالج مقابل.

2 ـ انحراف اللسان لإصابة العصب الثاني عشر القحفي،وإصابة شراع الحنك لإصابة نواة العصب العاشر،وإصابة نواة العصب الخامس مع حدوث فقد حس نصف الوجه،ومع إصابة النواة الدهليزية ويحدث هنا الرأرأة والدوار واضطراب التوازن،وإصابة العصب السمعي وحدوث الطنين،وهذا كله ينجم عن إصابة الشريان المخيخي الخلفي السفلي.أو مايسمى تناذر والدنبرغ،بالإضافة لتناذر كلود برنارد هورنر.

3 ـ تناذر الشريان المخيخي الخلفي العلوي:وتحدث فيه إصابة نواة العصب السابع والخامس مع تناذر كلود برنارد هورنر مع فقدان الحس المقابل.

الإنذار في الحوادث الوعائية الدماغية:

1 ـ نزوف بارانشيم الدماغ مميتة غالباً.

2 ـ نزوف تحت العنكبوتية:تشاهد الوفاة الآنية في ثلث الحالات،وفي الثلث الثاني تحدث الوفاة خلال شهر،والثلث الثالث يعيشون.

3 ـ أما بالنسبة للخثرات والصمامات:

ـ حوالي الربع إلى الخمس من الحالات تحدث الوفاة بسبب إصابة أحد الأوعية الكبيرة عند منشئه كالسباتي أو المخي المتوسط أو الأمامي،وذلك لإصابة قسم كبير من الدماغ بنقص التروية وحدوث وذمة شديدة،وهذه الوذمة الشديدة تتصرف كتصرف الكتلة في الدماغ فتسبب فتقاً أو انضغاط الجذع المخي وحدوث الوفاة بسبب توقف التنفس،وتحدث الوفاة غالباً خلال بضعة أيام.

أما ماتبقى من المرضى فيحدث لهم بعض التحسن الوظيفي ولكن هذا التحسن لايشاهد في حال وجود أسواء تشكل في الدوران الدماغي وبالتالي عدم وجود دوران جانبي معاوض.

من الناحية الأدبية:

الجاحظ والفالج : قول على قول –(الكرمي- ج2 ص40 )، والأمالي –(القالي- ج1 ص50 ):

كان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج ،فكان يَطلي نصفه الأيمن بالصَّندل والكافور لشدّة حرارته وكان النصف الآخر لو قُرِضَ بالمقاريض لمّا أحسَ به من خَدَره وشدّة برده،وكان يقول في مرضه : قد اصطلحت على جَسدي الأضداد ،إن أكلت بارداً أخذ بِرِجلي ،وإن أكلتُ حاراً أخذ برأسي،وكان يقول : جانبي الأيسر مفلوج ،فلو قُرِضَ بالمقاريض ما عَلمتُ به ،وجانبي الأيمنُ مُنْقَرِس،فلو مَرَّ به الذباب لألمت ،وأشدُّ ما عليَّ ست وتسعون سنة ، وكان ينشد البيتين :

أترجو  أن تكون وأنت شيخٌ                       كما قد كُنتَ أيام الشّباب

لقد كَذَبتكَ نفسك ليس ثوبٌ                   خليقٌ كالجديد من الثيابِ

وجاء في كتاب اُمراء البيان _(محمد كرد علي- ص294):

„دخل على الجاحظ جماعة يوماً بسرَّ من رأى يعودونه وقد فلج،فلما أخذوا مجالسهم أتاه رسول المتوكل فقال:وما يصنع أمير المؤمنين بشقّ مائل ولعاب سائل ؟ ثم أقبل عليهم فقال: ما تقولون في رجل له شقان ،أحدهما لو غرز بالمسال ما أحسّ، والشقّ ال’خر يمر به الذباب فيغوث(يقول واغوثاه) وأكثر ما يشكوه الثمانون“ .

فالج ابن أبي دُواد: -(ثمار القلوب الثعالبي –ص205-206):

„وهو أحمد بن أبي دُواد الإيادي ،قاضي قضاة المعتصم والواثق ،وكان من الشرف والكرم بالمنزلة العالية المشهورة ،وكان مصروف الهمة إلى استعباد الأحرار،وغَرضاً لمدائح الشعراء ،ولما أصابته عينُ الكمال فُلِجَ فصار فالجهُ مثلاً في ادواء الأشراف وعاهاتهم ،كما قيل: لقوة معاوية،وفالج ابان بن عثمان ،وبَخَر عبد الملك بن مروان ،وبَرَص أنس بن مالك ، وجُذام أبي قُلابة ،وعمى حسان ،وصمم ابن سيرين . وكان أهل المدينة يقولون  لمن يدعون عليه : أصابه الله بفالج أبان . قال أبو هِفّان وقد نظر إلى رجل يضرب غلاماً مليحاً:

ألا يا ضارباً قمرَ العباد                          قصدتَ الحسنَ ويحكَ بالفسادِ

أتضربُ مثلهُ بالسوط عشراً                      ضُربتَ بفالج ابن ابي دُوادِ

ومن كلام الجاحظ فصل في أدواء الأشراف ، وهو رسالة إلى محمد بن عبد الملك في الشكر :نَعّمتني بتوطئة المطهّمات حتى أصابني النِقرس،وأتخمتني بأكل الطيبات حتى ضربني الفالج،ولولاك لكنتُ أبعد عن النقرس من فَيجْ (رسول الملك)، وأبعد عن الفالج من مُكارٍ، فأين شرف أدوائي من جَرَب الحسن بن وهب ،وداء أحمد بن أبي خالد ، وأين أدواء الملوك والأنبياء من أدواء السفلة والاغبياء ،من كان داؤه أفضل من صحة غيره ،وعيبه أجمل من براءة ضدّه، وما ظنك بغير ذلك من أمره „.

ابن دريد الأزدي: أصيب بالفالج في أخر عمره وشُفي ،ثم عاوده الفالج فأبطل نصفه الأسفل ،وطال عليه ذلك سنتين حتى توفي 18 شعبان سنة 321هجري(933م).

سيف الدولة الحمداني:أصيب بفالج نصفي خفيف ثم أصيب بقولنج(امساك مزمن)وباحتباس البول،وكانت وفاته باحتباس البول في حلب في 24 صفر 356هجري ودفن في ميا فارقين (تاريخ الادب العربي عمر فروخ ج2).

ابن شهيد الأندلسي:مرض في آخر أيامه وأصيب بالفالج في سنة 425هجري،فمنعه عن الحركة والتقلب،وكان يمشي على عصا،واعتماداً على إنسان  إلى ما قبل وفاته بعشرين يوماً، فإنه صار حجراً لا يبرح ولا يتقلّب،ولا يحتمل أن يُحرّك(ظهر الإسلام ـ أحمد أمين ـ المجلد 3 ـ 4).ومن أشعاره يصف فالجه:

أنوحُ على نفسي وأندبُ نُبلها        إذا أنا في الضرّاء أزمعتُ قتلها

رضيتُ قضاءَ الله في كلِّ حالةٍ         عليَّ،وأحكاماً تيقنتُ عدلها

أظلُّ قعيدَ الدارِ تجنبني العصا         على ضعفِ ساقٍ أوهنَ السّقمُ رجلها

ألا رُبَّ خصمٍ قد كفيتُ وكُربةٍ         كشفتُ،ودارٍ كنتُ في المحل وبلها

ورُبَّ قريضٍ كالجريضِ بعثُهُ            إلى خطبةٍ لا يُنكرُ الجمعُ فضلها

فمن مُبلغ الفتيانِ أنَّ أخاهمُ            أخو فتكةٍ شنعاءَ ما كان شكلها

عليكم سلامٌ من فتىً عضّهُ الرّدى   ولم ينسَ عيناً أثبتت فيه نبلها

يبينُ وكفُّ الموتِ يخلعُ نفسَهُ            وداخلها حبٌّ يُهوِّنُ ثُكلها

وجاء في كتاب“المغُرب في حلى المغرب للدكتور شوقي ضيف“:

ابن شهيد الأندلسي أبو عامر أحمد بن عبد الملك مات بالفالج ورام أن يقتل نفسه لشدة ألمه وقال في تلك العلة:

تأملتُ ما أفنيتُ من طولِ مُدّتي             فلم أرَهُ إلا كلمحة ناظرِ

وحصلّتُ ما أدركتُ من طول لذّتي           فلم أُلفهِ إلا كصفقةِ خاسرِ

وما أنا إلا رهنُ ما قدّمت يدي                  إذا غادروني بين أهلِ المقابرِ

سقى الله فتياناً كأنّ وجوههم                  وجوهُ مصالبيح النجوم الزواهرِ

يقولون: قد أودى أبو عامر العلا                  أقلّوا فقدِماً مات آباءُ عامرِ

هو الموت لم يُصرف بأجراسِ خاطبٍ           بليغٍ ولم يُعطف بأنفاسِ شاعرِ

مصطفى السباعي رحمه الله في مرض الشلل الذي أصابه:

„قال ذلك وهو يبتسم ابتسامة هادئة سكينة ،فبدت الدهشة على وجهي فقال:“ قد تجد قولي غريباً لكني أقول الحق وسأفسر ذلك ،إني مريض أتألم ليس في ذلك ريب،وإنكَ لتشاهد الألم على وجهي وعلى يدي وفي حركتي،لكن انظرإلى حكمة الله في . إن الله قدير على أن يشلّ حركتي ،وقد شلّ بعضَ حركتي،فانظر ماذا شلّ ؟ لقد شلّ طرفي الأيسر وأبقى لي الطرف الأيمن،فما أعظم النعمة التي أبقاها لي . أكنتُ أستطيعُ أن أخطّ بالقلم لو شلّ اليمين مني ؟ إن الله قدير على أن يخمد قريحتي،ولكنه أبقى لي قدرة الفكر والعقل فما ألطفه بي . إن الله قدير على أن يشلّ لساني فيمنعني عن الكلام ،لكنه أكرمني ببقاء قدرتي على الكلام . أفليس ذلك منه منّةً وعفواً؟ لقد قضى الله عليّ بأن تشل حركتي في السياسة ،فشلّها لكنه ابدلها بنعمةٍ خيرٍ منها : أنه فتح لي سبيل العلم والعمل للعلم ،أكنت تراني كتبت وألفت ما كتبت لو أن صحتي بقيت على ما كانت عليه قوية شديدة ؟ فما أكثر لطف الله وكرمه ومننه ونعمته . افيحقّ لي بعد ذلك أن أشكو وأن أتذمر ؟ أولا يجب عليّ أن أشكر الله على نعمائه؟

وفي مرجع أخر:

„ذهب السباعي الى الحج للمرة الرابعة وهي الأخيرة عام 1964 حيث كان يعاني من المرض العضال والآلام المبرحة ؛ التي لم تكن تبارحه؛ ولكن فضل الله عليه في هذه المرحلة المباركة كان عظيما ،حيث يقول بنفسه:“لأول مرة منذ سبع سنوات يهدأ الألم في دماغي وأقوى على الصلاة واقفاً عل قدمين وأجلس للتشهد فيها،ولقد قدمت مكة المكرمة فطفت طواف العمرة محمولاً على المحفة ،ثم غادرتها وطفت طواف الوداع على قدمي،وأكرمني الله بزوال أثار مرض السكر منذ وصلت المدينة المنورة ،فكنت أتصّبح بسبع تمرات من تمرها إيماناً مني بالحديث لبصحيح الوارد في التمر وهو من الطب النبوي . واستمر المرض ثماني سنوات ضرب السباعي فيها أروع آيات الصبر على البلاء والتسليم لقضاء الله والرضا بحكم الله وكان كثير الحمد لله والتسبيح له والاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ولم يمنعه هذا المرض العضال من النهوض بواجباته كصاحب دعوة حق وداعية مسلم.

وجاء في مرجع أخر:“لقد عاش مريضاٍ سبع سنوات،سنوياً  ينخر المرض في جسمه نخراً،آلام مبرحة تزهق منها النفس وتسقط معها الهمة ويذهب العزم ،وكانت تشنجات أعصابه وعضلاته من النوب التي تصيبه ،فما أن تزول  النوبة حتى يعود ضاحكاً  لا يشكو ولا يتحسر يقول أحدهم : ولقد زرته مرة في مستشفى المواساة فأردت أن اُواسيه  فالتفت إلي  بوجه مصفر من ليلة قضاها  في الآلام  المُضنية  وقال : أشكرك  على حسن مواساتك ،لكنك لو تعلم  كم أنا  راضٍ بحالي لما أشفقت علي  شفقتك التي تبدو عليك، إني بخير نعمة من الله.

وكان من مناجاة السباعي رحمه الله لربه : „يا حبيبي ! وحقك لولا يقيني بحبك لعتبت عليك، ولولا علمي برحمتك لشكوتك إليك،ولولا ثقتي بعدلك  لاستعديتك عليك ،ولولا رؤيتي نعمك لأستبطأت كريم إحسانك ،ولكني ألجمت الشك باليقين،والتسخط بالرضى والتبرم بالصبر،فلك مني يا حبيبي رضا قلبي وإن شكا لساني ،وهدوء نفسي وإن بكت عيوني، وإشراق روحي وإن تجّهم وجهي ،وأمل يقيني وإن يئس جسمي“ .

يا إلهي:أليس من عظيم إحسانك أن تبتلينا بالألم،وتمنحنا معه الأمل،وإن تقدر علينا المرض وتهبنا معه اليقين،وأن تحرمنا من المسرات وتعطينا الرضى،وأن تصرف عنا الناس وتؤنس قلوبنا بك،وأن تؤدبنا بالفقر إليك وتكرمنا بالترامي عليك،وأن تفتنا بالدنيا وتحبب إلينا طلب الجنة،أليس من عظيم إحسانك أن تعطي أكثر مما تأخذ وتمنح خيراً مما تسلب،وتُسر بأكثر مما تؤلم،وترضي بأحسن مما تحرم،وإنك لا تأخذ شيئاً ليس لك ولا تعطي شيئاً هو لنا . سبحانك إنك بالمؤمنين رحيم „.

أحمد أمين يصف اصابته بالفالج –(كتاب حياتي –ص341-344):

„وفي 5 يوليو سنة 1950 ذهبت إلى الاسكندرية لأصطاف ونزلت ببيتي في سيدي بشر وأخذت أستريح  ونمت نوماً هادئاً لم أشعر فيه بشئ وقمت من نومي صباحاً كالعادة وأفطرت على عادتي بكوب من اللبن وقطعة من الجبن وفنجان من  القهوة وذهبت أغسل يدي فوقعت فظننت أن رجلي عثرت بشئ فعاودت المشي ثانية فسقطت . ثم أحسست ان الجانب الشمالي كله من يد ورجل قد فقد حركته تماما  واستدعيت الطبيب فقال إنها جلطة خفيفة وأنه يلزم السكون تماما ،فسألته عن السبب،فقال إن الجلطة تحدث في المخ فإذا تحرك الجسم تحركت فعاثت الجلطة في المخ وسببت مضاعفات –لاقدر الله- فوجب أن تبقى في مكانها حتى تصير كالاسفنج. وكان ذلك على أثر غلطات عملتها فقد أخذت حقنة من الانسولين من سنتين والجسم لا يحتمل إلا سنتياً واحداً  وقمت بعد ساعتين من النوم وقد احترق السكر من دمي وطلبت ما عندهم من أكل فأكلت أكلا جما وكان يكفي لهذه الحالة كوب من ماء بسكر،وغلطت غلطة ثالثة فنمت فوراً بعد هذا الأكل  فتحولت حركة الدم الى المعدة لتهضم فمضت بضع ثوان  لم تتغذ فيها بعض خلايا المخ فماتت وقام مقامها خلايا اخرى لتحل محلها  وهي تحتاج إلى ستة أسابيع  أو ثلاثة أشهر على الأقل  ليتم نموها . وهكذا مكثت أربعة أيام أشعر بنصفي الأيسر كانه وعاء فارغ ثم شعرت بأنه ممتلئ رملاً ثم شعرت بالقوة تدبّ فيه وكانت رجلي أسبق إلى الحركة من يدي . ولما تقدمت في الصحة وزال من المرض نحو 95 بالمائة في نحو ستة اسابيع بطؤ الشفاء في الأيام الأخيرة حتى احتاج إلى شهر أخر،لأن العمل  على بناء الخلايا كان من عمل الشرايين ثم صار من عمل الشعيرات وهي بطبيعة الحال أبطأ عملاً وهكذا شاء القدر وعلى كل حال فقد استفدت من هذا المرض تجارب كثيرة إذ علمت أن حركة اليد والرجل عبارة عن عملية ميكانيكية مركبة لا يمكن أن تحسن إلا بسلامة أعضاء كثيرة،ولم أكن أستطيع إمساك علبة السجاير ولا علبة الكبريت ولا أن اشعل عوداً من الكبريت وهكذا „.

كثير :

وكنتُ كذي رجلين :رِجلٍ صحيحةٍ                       ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فَشَّلتِ

وكنت كذات الظلع لما تحاملت                          على ظلعها بعد العثار استقلت

الشاعر القروي:

تبدي الكساح وأنت إن يدع الغنى                    تطو الدُنى عشرًا على الأقدام

جميل صدقي الزهاوي: