أدواء متفرقة — 1
بسم الله الرحمن الرحيم
أدواء متفرقة
1 ـ بعض أمراض العيون:
فسيولوجيا حاسة البصر:
جاء في مقالة بعنوان „الإعجاز في حاسة البصر“ للأستاذ الدكتور علي فؤاد مخيمر في شبكة الألوكة ومن مراجع أخرى أيضاً:
„تعتبر حاسة البصر في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد حاسة السمع.وهي من أكبر النعم التي أنعمها الله الخالق سبحانه وتعالى على الكائنات كلها،حيث تُعد مرآة الجسم وآلة التمييز،والنافذة التي يطل منها الإنسان على العالم الخارجي،ويكشف عن أسرار الأشكال والأحجام والألوان،فهي وسيلة الإنسان للإبصار والتفكر في خلق السماوات والارضين،والكائنات بشكل عام،وصدق ربّ العزة إذ يقول:{قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله يُنشىء النشأة الأخرى إن الله على كل شىءٍ قدير}[العنكبوت 20].
حاسة البصر:
(يمكن الرجوع إلى الموضوع وبشكل مفصل في „الإعجاز الطبي في القرآن والسنة ـ“ آيات البصر)
نعمة البصر تعتمد على العين،وكما هو معروف لدينا جميعاً أن العين أغلى مايمتلكه الإنسان،فهي الدرة الثمينة التي لاتقدر بثمن،وقد سماها الله تعالى الحبيبة والكريمة،كما جاء في حديث رواه البخاري،أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“إن الله عز وجل قال:“إذا أخذتُ كريمتي عبدي ـ وفي رواية حبيبتي عبدي ـ فصبر واحتسب،لم أرض له ثواباً دون الجنة“.
توجد كرة العين في تجويف عظمي يدعى الحجاجOrbit،وهو جزء من عظم الجمجمة يحيط بالعين ليحميها من الإصابات،ويحتوي الحجاج على عدة فتحات تعبر من خلالها الأوعية الدموية والألياف العصبية،وتحيط بكرة العين والعضلات المرتبطة بها وسادة شحمية تفصلها عن الحجاج،وتسهل حركة مقلة العين داخل تجويف الحجاج.
تتألف العين من ثلاث طبقات:
1 ـ الغلاف الخارجي ويسمى الصلبة Sclera،وهي الطبقة الخارجية للعين،والتي تشكل بياض العين،وتعطي للعين شكلها المحدد،وتحيط الصلبة بمعظم كرة العين حوالي 80% إلا الجزء الأمامي الذي يتشكل من القرنية الشفافة.والصلبة طبقة ليفية معتمة خارجية لحماية العين،وتحتوي على الكولاجين وألياف مرنة.
وتتألف الصلبة من أربع طبقات:
! ـ الطبقة السطحية الخارجية:Episclera
2 ـ الصفيحة السمراء للصلبة Lamina fusca
3 ـ طبقة اللحمة Stroma
4 ـ الطبقة الداخلية:Endo sclera
وللصلبة وظائف عديدة ومنها:الحفاظ على ضغط العين الداخلي،والحفاظ على شكل مقلة العين،وتساهم في حماية العين من الأضرار والأذيات الخارجية،كما أنها توفر ارتباطاً قوياً مع العضلات الخارجية التي تتحكم في حركة العينين.
ويغطي السطح الأمامي للعين ويبطن السطح الداخلي للجفن غشاء الملتحمة،وهو غشاء متصل ليس فيه فراغات وبالتالي يمنع نفوذ الأجسام الغريبة إلى العين.
ويمكن أن نقسم الملتحمة إلى جزئين:
1 ـ الملتحمة البصلية:Bulbar Conjunctiva وهي التي تغطي الجزء الأمامي من الصلبة وتمتد إلى نقطة التقاء الصلبة مع القرنية.
2 ـ الملتحمة الجفنية:وهي التي تبطن الغشاء الداخلي للجفن العلوي أو السفلي.
وأهم وظائف الملتحمة:المحافظة على ترطيب سطح العين الأمامي،والمساعدة على الحفاظ على السطح الداخلي للجفن رطباً عند فتح العين أو إغلاقها،دون أن يسبب ذلك تهيجاً أو احتكاكاً.كما تساعد الملتحمة على حماية العين من الغبار والعوامل الممرضة،وتوفر الملتحمة التغذية الكافية لكل من العين والجفن،بسبب احتوائها على العديد من الأوعية الدموية الصغيرة.وتساعد على ترطيب العين بسبب إفرازاتها.
وأما القرنية:
فهي تقع في مقدمة العين،وهي شفافة تسمح بمرور الأشعة الضوئية إلى الداخل،وتستقر خلفها عدسة العين،وهي شفافة أيضاً لنفس السبب،ووظيفة العدسة هي تجميع الاشعة الضوئية الصادرة من مختلف المرئيات،وإسقاطها على الشبكية،وعن طريق العصب البصري تنتقل إلى المخ حيث يستطيع الإنسان التعرف عليها،فإذا فقدت هذه الشفافية كما في مرض الساد(إعتام العدسة والجسم البلوري) فإن المريض يفقد القدرة على الإبصار كلياً أو جزئياً حسب تقدم المرض.
و القرنية:Cornea هي الطبقة الشفافة التي توجد في مقدمة العين وتغطي البؤبؤ Pupil،وتغطي القزحية Iris،والحجرة الأمامية للعين أو المنطقة المملوءة بالسوائل والواقعة بين القرنية والقزحية،وهي مسؤولة عن قوة تركيز العين التي تكون ثابتة بتغير المسافات.
وتعد القرنية خط الدفاع الأول للعين ضد الإصابات والأجسام الغريبة،وهي من الأجزاء الحساسة التي يكثر فيها وجود النهايات العصبية،كما أنها الجزء الوحيد في الجسم الذي لايحتوي على أوعية دموية،وبذلك تبقى محافظة على شفافيتها،كما أنها تستطيع أن تكسر الضوء.وتأخذ القرنية ماتحتاج إليه من غذاء وأوكسجين من الخلط المائي الذي يفرز من الجسم الهدبي.
وأما القزحية:Iris:
فهي غشاء حلقي الشكل يوجد في مقدمة العين،وتنشأ من المشيمية، ويحيط بفتحة صغيرة تسمى الحدقة أو البؤبؤ،وتحتوي القزحية والجسم الهدبي على ألياف عضلية ملساء،بعضها شعاعي التوضع وبعضها دائري، تنظم كميات الضوء الداخلة للعين من خلال التحكم بحجم البؤبؤ.ففي حال وجود إضاءة ساطعة فإن هذه العضلات تنقبض مؤدية إلى تصغير حجم البؤبؤ،وعلى العكس ففي حال وجود إضاءة خافتة فإن هذه العضلات تسترخي مما يسبب ازدياد حجم البؤبؤ.
كما أن القزحية هي الجزء المسؤول عن تحديد لون العين وذلك اعتماداً على تركيز الصباغ فيها،ففي حال كونه كثيفاً فإنها تعطي لون العين البني،وإذا كان الصبلغ قليلاً فإنها تعطي لون العيون الزرقاء.أو فاتحة اللون.
وأما الجسم الهدبي:فهو يتشكل خلف القزحية ويحيط به زوائد هدبية تفرز الخلط المائي.
وأما العدسة:Lens:
فهي الغشاء المرن الذي يوجد خلف القزحية والبؤبؤ،وتكمن وظيفتها في تركيز الضوء على الشبكية،بحيث تحل في المرتبة الثانية بعد القرنية،ويساعدها في عملها هذا العضلات الهدبيةCiliary Muscles والتي بتقلصها أو استرخائها تمكن من تغيير درجة انحناء سطح العدسة للتمكن من رؤية الأشياء القريبة أو البعيدة،حيث تكون العدسة بيضوية الشكل عند النظر للأجسام البعيدة،بينما تصبح أكثر استدارة عند النظر للأجسام القريبة،ومع مرور الزمن قد تفقد العدسة جزءاً من مرونتها مما يقلل من قدرتها على رؤية الأجسام القريبة وهذا مايشاهد عند المسنين ومع التقدم في العمرPresbyopia.
2 ـ الغلاف الأوسط،ويسمى المشيمية Choroid،وتحتوي على شبكة غنية بالأوعية الدموية التي تغذي العين وتغطي ثلثي كرة العين .يتراوح سماكتها أقل 2،مم،وهي تغذي شبكية العين وتمدها بالأوكسجين.وهي غنية بصباغ الميلانين(القتامين) والذي يمتص الفائض من الأشعة الضوئية التي تجتاز الشبكية،فيمنع انعكاسها،ويسبب وضوح الرؤية.
وتنقسم المشيمية إلى أربع طبقات:
1 ـ طبقة هاللر:وهي الطبقة الخارجية في المشيمية وتضم الأوعية الدموية الكبيرة.
2 ـ طبقة ستالز:وهي الطبقة المتوسطة وتضم الأوعية الدموية المتوسطة.
3 ـ المشيمية الشعرية.
4 ـ غشاء بروخ:وهو أعمق طبقات المشيمية.
3 ـ الغلاف الداخلي ويسمى الشبكية،وهي الجزء الحساس من العين وهي طبقة رقيقة لايتعدى سمكها سمك ورقة كتاب.
وتتألف الشبكية من وريقتين:
1 ـ الوريقة الصباغية الخارجية:وهي تلتصق بالوجه الداخلي للمشيمية،وتحوي خلاياها صباغاً أسوداً له وظيفتان:يجعل جوف كرة العين مظلماً فيحقق وضوح الرؤية،ويختزن كميات كبيرة من الفيتامين A.
2 ـ الوريقة العصبية الداخلية.تتألف من ثلاث طبقات خلوية عصبية تفصل بينها طبقتان من المشابك وهي بالترتيب من الخارج إلى الداخل:
1 ـ طبقة الخلايا البصرية:وهي عصبونات ثنائية القطب يوجد منها نوعان:العصي والمخاريط.
2 ـ الطبقة الوسطى:وتحوي أنماطاً خلوية عديدة وبخاصة عصبونات ثنائية القطب.
3 ـ طبقة المشابك الداخلية
4 ـ الطبقة العقدية:وتحوي عصبونات متعددة الأقطاب تشكل أليافها العصب البصري.
والشبكية تغطي ثلث العين الخلفي،وهي الطبقة الحساسة للضوء والرؤية،وتضم حوالي 140 مليون خلية عصبية بصرية،كل منها تعمل مثل آلة تصوير تلفزيونية،فتلتقط جزءاً من الصورة المعروضة أمام العين،ثم تنقلها إلى العصب البصري الذي ينقلها إلى مراكز الرؤية في الدماغ ليعيد تجمعيها في صورة واحدة.فهذه الخلايا تلتقط الأشعة الضوئية وتحولها إلى سيالات عصبية تنقلها إلى المراكز البصرية في قشر الدماغ،حيث يتعامل معها.وتحتوي هذه الخلايا على جزيئات من البروتينات الحساسة للضياء تدعى الأوبسينOpsins،ويوجد من هذه الخلايا العصبية في الشبكية نوعان :
1 ـ المخاريط:Cons: أو الخلايا المخروطية وهذه الخلايا موجودة في منتصف الشبكية في منطقة تسمى البقعة الشبكية Macula وهذه البقعة تكون مقابلة لعدسة العين،وتتجمع الاشعة فيها في مركز يسمى النقرةFovea،والخلايا المخروطية الموجودة في النقرة لها أعلى حساسية لتكوين صورة للشىء المرئي وعن طريقها تتم الرؤية الحادة.ويبلغ عدد الخلايا المخروطية حوالي أربعة ملايين ونصف،أما عدد الخلايا العصوية فهو حوالي 91مليون.
أثناء القراءة مثلاً تنصب الأشعة الآتية من كلمة واحدة في النقرة فنرى الكلمة جيداً،ولقراءة سطر تنتقل العين من كلمة إلى كلمة بحيث تقع كل كلمة على حدة في النقرة،وهذا مانفعله لا إرادياً عند القراءة،وأنت عندما تقرأ كلمة تراها بوضوح بينما الكلمة قبلها والتي بعدها تكونان أقل حدة لأنهما خارج النقرة.فالنقرة المركزية لها أعلى حساسية للبصر الدقيق،ورؤية تفاصيل الشىء المنظور.
وتعتبر المخاريط هامة جداً من أجل الرؤية المفصلة بالألوان،حيث تساعد على التفريق بين الألوان المختلفة،بوجود ظروف إضاءة طبيعية،وتقسم المخاريط إلى ثلاثة أشكال:المخاريط الزرقاء أو القصيرة،والمخاريط الخضراء أو المتوسطة،والمخاريط الحمراء أو الطويلة.
وهناك ثلاثة أنواع من المخاريط ذات بروتينات فوتوبسين مختلفة،ويوجد بعض الأشخاص يعانون من عدم وجود مخاريط في الشبكية وهذا مايسمى عمى الألوان،والإنسان يتمتع عادة برؤية ثلاثية الألوان،ولكن هناك قلة من الناس يتمتعون بوجود أربع أنواع أو أكثر من المخاريط مما يعطيهم رؤية رباعية اللون.
2 ـ العصي:Rods أو الخلايا العصويةوسميت كذلك بسبب شكلها الاسطواني الطويل،وهي توجد على جوانب الشبكية ولها دور في الرؤية المحيطية،وهي شديدة الحساسية للضوء بحيث يمكنها التقاط الضوء في ظروف الإضاءة الخافتة،والمساعدة على الرؤية في هذه الحالة.أي أن الخلايا العصبية ذات العصي تساعد على الرؤية الليلية،ولا تميز الألوان.ويوجد حوالي 120 مليون خلية عصوية في الشبكية.
وأما العصب البصري:Optic Nerve فهو يتألف من مجموعة الألياف العصبية التي يقارب عددها المليون والتي تنقل الإشارات من الشبكية إلى الدماغ،وتعرف هذه الألياف بالخلايا العقدية Ganglion Cellsويوجد مجموعات مختلفة من هذه الخلايا العقدية.
كل خلية من الخلايا العقدية متخصص بنقل وتسجيل معلومات محددة،فمنها ماهو مسؤول عن الشكل والتفاصيل وآخر مسؤول عن الحركة والتباين وتعمل هذه المجموعات مع بعضها البعض لإيصال الصورة للدماغ،والذي يُكون صورة ثلاثية الأبعاد من خلال مقارنة الإشارات الواصلة إليه من كلتا العينين،وتسمى المنطقة المسؤولة في الدماغ عن تحويل الإشارات القادمة من شبكية العين بالقشرة البصرية Visual cortex
حركة العين:
توجد 6 عضلات خارجية لكل عين،تربط كرة العين بالجمجمة ببياض العين،وتقوم العضلات بتحريك العين في كل الاتجاهات،وهذه العضلات هي:
1 ـ العضلة المستقيمة العلوية:Superior Rectus وهي تتحكم بعملية تحريك العين للأعلى.
2 ـ العضلة المستقيمة السفلية:Inferior Rectusوهي تحرك العين للأسفل.
3 ـ العضلة المستقيمة الانسية:Medial Rectusوهي تحرك العين باتجاه الأنف.
4 ـ العضلة المستقيمة الوحشيةLateral Rectusوهي تحرك العين باتجاه الأذن.
5 ـ العضلة المائلة العلويةSuperior Oblique وهي تساعد على تحريك العين بمساعدة العضلات الأخرى على الدوران العمودي للعين.
6 ـ العضلة المائلة السفلية:Inferior Obliqueوهي تقوم مع العضلات الأخرى بالمساعدة على الدوران الأفقي للعين.
7 ـ العضلة الرافعة للجفنLevator palpebareوتعمل على رفع الجفن.
وحركة العينين سريعة متوافقة مع بعضها،وإذا اختلفت إحداهما عن الأخرى تحدث الازدواجية في الرؤية،حيث جُعلت الحركة لكل عين بتوازن دقيق يمنع تداخل حركة العينين،وبالتالي يرى الشخص صورة واحدة.
الأوساط الشفافة في العين:
يجتاز الضوء الوارد إلى العين أربعة أوساط شفافة،وهي بالترتيب من الأمام إلى الخلف:القرنية الشفافة،والخلط المائي،والجسم البلوري،والخلط الزجاجي.
الجسم الزجاجي:
يوجد في العين سائلان يوفران الغذاء ويشكلان بنية العين،وهما الجسم الزجاجي،والذي
يملأ كرة العين في القسم الخلفي منها،وهو عبارة عن جسم هلامي شفاف يحافظ على كرويتها،وقد هيأ الله عز وجل للعين ضغطاً يحافظ على شكلها،وهذا الضغط يكون بين 10 ـ 20 مل زئبق،فإذا ارتفع أو انخفض يضر العين.وهو سائل عالي الكثافة.
والجسم الآخر هو الجسم أو السائل المائي والذي يعد أقل كثافة من الجسم الزجاجي وأكثر سيولة،ويوجد في الجزء الأمامي من العين.
وظيفة الرؤية:
إن العين تشاهد المرئيات بأبعادها الثلاثة بشكل مجسم،وهذا ما يساعد في تحديد مواضع الأشياء وأحجامها وأبعادها،عن موقع الناظر،كما أن العين تكيف نفسها بالنسبة لرؤية الأشياء القريبة والبعيدة،فالعضلات تتحرك لتكيف وضع عدسة العين لترى بدقة ووضوح،كما أن حدقة العين تضيق وتتسع وفقاً للضوء الذي تستقبله العين.
وللعين البشرية قدرة باهرة على التمييز بيت الأشكال والألوان والصور،فهي تستطيع التمييز بين 10 ملاييين لون مختلف،علماً [ان أدق آلات التصوير التي اخترعها الإنسان لايمكنها الوصول إلى هذه القدرة،فتبارك الله أحسن الخالقين.
ونحن نرى الأشياء في صورة معتدلة،ولكن في الحقيقة تكون العدسة صورة مصغرة مقلوبة على البقعة الحساسة من الشبكية،وتترجم تلك الصورة بألوانها في الشبكية،إلى إشارات كهرو كيميائية تنتقل عن طريق العصب البصري إلى الدماغ لمعاملتها.ترى كل عين من العينين صورة للشىء ويقوم الدماغ بدمج الصورتين فنرى صورة مجسمة للشىء.
تتم رؤية الألوان بواسطة نوع معين من الخلايا الحساسة لألوان الضوء،تلك هي الخلايا المخروطية،ومنها أنواع فهناك من يرى اللون الأحمر أو الأخضر أو الأزرق،وهذا يكفي العين أن تميز جميع الألوان التي نراها للأشياء.
تتطلب عملية النظر في العين إلى حدوث تفاعلات كيميائية في الشبكية.تعمل القرنية مثل النافذة التي تسمح للضوء بالمرور عبر أنسجة عديدة في العين قبل أن يصل إلى الشبكية.
يتم تجميع بروتينات المستقبلات الضوئية الخارجية في قطاعات داخلية يتم حملها بواسطة جهاز غولجي للقطاعات الخارجية.وفي نهاية المطاف يتم التخلص من أقدم البروتينات عن طريق البلعمة من قبل الخلايا الصباغية المجاورة Retinal pigment epithelial cells،ومن ثم الحفاظ على المنطقة الواقعة بين قسم القطاعات الخارجية نظيفة.وتحدث عملية البلعمة على مدى 24ساعة،وتحدث عملية البلعمة في الخلايا ذات العصي أثناء النهار،وفي الخلايا ذات المخاريط أثناء الليل.
تتكون كل من الخلايا العصوية والمخروطية من جسم الخلية ومن الارتفاق(سينابس) وجزء متخصص للرؤية:الجزئين الداخلي والخارجي.
تحتوي الخلايا العصوية على أحد أنواع أصبغة الرؤية ويسمى الرودوبسين والتي تبلغ حساسيتها مايمكن للضوء عند طول موجة 500 نانومتر،أي للون بين الأخضر والأزرق.والخلايا العصوية هي التي تقوم بالرؤية في الظلام،حيث أنها شديدة الحساسية للنور الضعيف،وهي تساعد الإنسان على الرؤية المحيطية في الظلام،بنسبة أحسن عن بصره في مركز الشبكية.
وظيفة دمع العين:
إن من حكمة الخالق أن جعل العين تدمع طيلة الوقت على مدى 24 ساعة،فالغدد الدمعية Lacrimal glands تقع خلف العينين وتفرز الدمع بواسطة 7 ـ 10 أقنية دمعية صغيرة،فيسيل الدمع على العينين قبل أن ينتقل إلى الجيب الدمعي ومنه إلى القناة الأنفية.
وللدموع فوائد عديدة،فالدمع سائل مالح الطعم،قلوي الخصائص،ينظف الملتحمة ويرطبها،ويساعد على قتل الجراثيم،كما أنه يساهم في تغذية القرنية وحمايتها،حيث يحتوي الدمع على انزيمات مطهرة،ومن عظمة الله أننا لانشعر بها،لأنها تتكون وتنصرف،وعندما نشعر بها إذا زادت الكمية نتيجة لمؤثر خارجي،فلا تستوعبها المصارف،فتنزل على الخدين،وصدق ربّ العالمين“{ترى أعينهم تفيض من الدمع}[المائدة 83].
والدموع لها ثلاث طبقات:
1 ـ طبقة مخاطية رقيقة متصلة بالقرنية وتغطيها،تسمح بثبات الطبقة الدمعية رأسياً ضد الجاذبية،وتفرز المخاط هذا خلايا من غشاء الملتحمة تسمى خلايا جوبلت،ويساعد المخاط الدموع على الالتصاق بسطح العين.
2 ـ طبقة مائية،وهي تسمح بذوبان الأوكسجين فيها لتغذية القرنية.وهذا السائل تكونه الغدد والقنوات الدمعية،ويحتوي على بروتينات مثل لاكتوفيرين ولاكريتين.وهذه الطبقة المائية تساعد على الحماية من الجراثيم.
3 ـ طبقة دهنية تمنع تبخر الدموع،وتحافظ على ثباتها.وهذه الدهون تفرز من الغدد الميبوميوسية وهي توجد في جفون العين.وهذه الطبقة الغنية بالزيوت تغطي الطبقة المائية وتشكل حاجزاً طارداً للماء يعيق التبخر،ويمنع الدموع من السيلان على الخدين.وتوجد الغدد المفرزة لها في الصفائح الجفنية،ولذا فإن السائل الدمعي ينحبس بين جسم العين والحواجز الدهنية للجفون.
وقد وجد أنه توجد أنواع للدموع وهي:
1 ـ الدموع الأساسية:Basal Tearsوهي الدموع التي تفرزها العين بشكل منتظم،بهدف ترطيب العين وتغذيتها وحمايتها.
2 ـ الدموع الانعكاسية:Reflex Tearsوهي الدموع التي تفرزها العين للتخلص من المواد المهيجة،مثل الغبار والأجسام الغريبة،وغيرها،وتحتوي هذه الدموع على أضداد مناعية بكميات أكبر من الدموع الأساسية وذلك للمساعدة على مواجهة العوامل الممرضة وخاصة الجرائيم.
3 ـ الدموع العاطفية:وهي التي تفرز بسبب مؤثرات عاطفية أو انفعالية وخاصة بسبب الحزن أو الفرح أو الخوف ،ويظن أنها تحتوي على هرمونات وبروتينات أكثر من الدموع السابقة الذكر.
جفون العين:
من عظمة الله تعالى أن العين تقع في تجويف عظمي لحمايتها وتثبيتها من الخلف،أما من الأمام حيث لاتوجد حماية عظمية،فقد زود الله سبحانه وتعالى العين بالجفون،العلوية والسفلية،وهي غطاء جلدي للعين يعمل مثل الستائر المتحركة،تظل مفتوحة لتسمح للعين بالرؤية،ولكنها تغلق عند وجود أي خطر حماية للعين،وقد زود رب العالمين الجفون بعضلات تسمح لها بأن تظل مفتوحة طيلة الوقت دون إرهاق،وفي الوقت نفسه تُغلق على فترات منتظمة،وذلك لتنظيف القرنية،ولإعادة توزيع الدموع على سطحها لتمنع جفاف العين.والجفون تحمي العين من الضوء الساطع ومن دخول الأجسام الغريبة وخاصة الرمال المتطايرة والريح والأشياء البارزة،.وعندما ترمش العين فإن الجفن يتحرك ويساعد على نشر الدمع على سطح العين مما يساعد على ترطيبها.
وقد زودت الجفون بالرموش أي الأهداب،وهي تعمل أيضاً على حماية العين،وكذلك تعمل كمصفاة لمنع دخول الأتربة والغبار والأوساخ،وإذا كان شعر رأس الإنسان ينمو بدون توقف أو حدود،فإن الرموش أو الأهداب إذا نتفت فإنها تعاود النمو وتصل إلى طول معين بدون زيادة.
صحة العين:
من أهم الاشياء للمحافظة على صحة العين وخاصة مع التقدم في السن مايلي:
1 ـ معالجة داء السكري لأنه من أهم الاسباب لاعتلال الشبكية وحدوث مضاعفات خطيرة ومنها ضعف أو انعدام الرؤية في الحالات المتقدمة،كما أنه يسبب حدوث الساد أي إعتام الجسم البلوري،كما أنه يرفع الضغط داخل العين ويساعد على حدوث الزرق،…وكذلك أيضاً معالجة ارتفاع التوتر الشرياني وارتفاع شحوم الدم وخاصة الكولسترول لأنها تسبب آفات وعائية عامة وتصلب الشرايين في الجسم بشكل عام والعين بشكل خاص.
2 ـ التغذية الجيدة وخاصة بالمركبات الحاوية على الفيتامينA حيث أن نقصه يسبب العشى الليلي.
3 ـ الامتناع عن التدخين:حيث أنه يؤثر في نقص التروية الدموية كما أنه قد يسبب التهاب العصب البصري.كما أن تناول الغول يسبب التهابات في العصب البصري .
4 ـ ارتداء النظارات الشمسية في حال التعرض للضياء وأشعة الشمس والتي تقي من الأشعة فوق البنفسجية بنوعيهاAوB.
5 ـ تجنب النظر لساعات طويلة في شاشات الهواتف النقالة والحواسيب.
6 ـ زيارة طبيب العيون بشكل دوري ومنتظم.
بصمة العين:
بصمة قزحية العين التي هي في الوقت الحاضر من أفضل الطرق الأمنية للتأكد من هوية الأشخاص حيث أنها تعتبر الأسهل تطبيقاً على الأشخاص من بين نوع البصمات الأخرى،وذلك لعدم علم أو حتى شعور الشخص أنه يتم قراءة بصمة عينه بواسطة كاميرات الفيديو ذات الدقة العالية التي تستخدم لقراءة البصمة.
اكتشف العلماء في البدء بصمة الاصابع،ومن بعدها بصمة الصوت،وثبت أيضاً أنها لاتتكرر،من شخص لآخر،وأحدث بصمة توصل إليها العلماء هي بصمة العين.فهي تختلف من شخص لآخر،كما أن بصمة العين اليمنى تختلف عن بصمة العين اليسرى للشخص الواحد.
وقد أمكن تكبير بصمة العين بأجهزة خاصة 300 مرة،ووجد أن لكل عين بصمة أمامية وبصمة خلفية،وبهما تحدد هوية الشخص، ويستحيل التزوير في شخصيته،وبصمة العين موجودة في شبكية العين،وقد وجد العلماء أن مسار الأوعية الدموية يختلف من شخص لآخر،في شكلها ومكانها وتفرعاتها.حتى يوجد الاختلاف بين العين اليمنى واليسرى للشخص الواحد.وكذلك فإن القزحية وهي الجزء الملون في العين وتتحكم في كمية الضوء النافذة من خلال إنسان العين(البؤبؤ) تتركب من نسيجين عضليين،وتجمعات من ألياف مرنة،وتتكون هذه الالياف بشكلها النهائي في الجنين وهو في بطن أمه،ولاتتغير أبداً بعد الولادة،فبهذا أصبحت بصمة العين دليلاً قاطعاً لتحديد صاحبها.
اللهم إني أعوذ بك من شرِّ بصري:
إن العين من أعظم نعم الله على الإنسان فيجب عليه أن يستعملها فيما يرضي الله،وعدم استخدامها في معصية الله،يقول تعالى:{إنّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولا}[الإسراء36]،وفي الحديث الشريف الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو:“اللهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي، ومن شرِّ بصري،ومن شرِّ لساني،ومن شرِّ قلبي،ومن شرِّ منيى„[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن شكل بن حميد العبسي وقال الألباني حديث صحيح]..فالتحديق بالبصر في معصية الله وما يجلبه على النفس من إثم الشهوات يتنافى مع الفطرة والعقيدة،ومن عصم بصره عما يغضب الله تعالى كان له جزيل الثواب.
العمى
من الناحية الطبية:
العمى:Blindness
هو حالة من فقد الإدراك البصري لعوامل فيزلوجية أو عصبية.ويسمى المصاب بالعمى كفيفاً.والعمى قد يكون جزئياً أو تاماً.وتقول منظمة الصحة العالمية إنه يوجد ما لايقل عن ملياري شخص في العالم يعانون من ضعف البصر أو العمى.
وتبين الدراسات أن العمى يؤثر إيجابياً في القدرة السمعية،بحيث تصبح حاسة السمع عند الكفيف أكثر دقة.
ومن الأسباب التي تسبب العمى نذكر:
1 ـ إعتام عدسة العين أو داء الساد Cataracts:وهو من أهم أسباب فقدان البصر ويشاهد خاصة عند المسنين وخاصة المصابين بداء السكري.ومن الأسباب الأخرى للساد تناول مركبات الكورتيزون لفترة طويلة.
2 ـ ارتفاع ضغط العين أو مايسمى داء الزرق(الجلوكوما)Glaucomaوهو ذو نوعين داء الزرق مفتوح الزاوية وداء الزرق مغلق الزاوية.
3 ـ إصابة وتكثف قرنية العين:وهذا يشاهد غالباً بعد الالتهابات وخاصة الفيروسية ومنها الجدري.
4 ـ اعتلال الشبكية لأسباب عديدة ومنها الداء السكري وارتفاع الضغط الدموي الوخيم…وما يسمى التنكس البقعيMacular Degeneration،وهذا يشاهد لدى المسنين غالباً.وقد وجد أنه يشاهد خاصة عند المدخنين.
وهناك العمى التال لانفصال الشبكية Retinal Detachment وله عدة أسباب وأهمها الرضوض والداء السكري.
وهناك التهاب الشبكية الصباغي وهو مرض وراثي ويشاهد في الأعمار المبكرة ويبدأ بالعمى الليلي
5 ـ التهاب العصب البصري:Optic Neurotisوله عدة أسباب وأهمها التصلب اللويحي،وبعض الفيروسات،وبعض التسممات والأمراض الجهازية.
6 ـ الرمد الحبيبي ومرض التراخوما عند الأطفال.
7 ـ العمى التال للرضوض والحوادث وبسبب الخثرات الوعائية وخاصة في شرايين الشبكية.وكذلك الحوادث الوعائية الدماغية.
8 ـ عمى الألوان:أو داء دالتون:وهو مرض وراثي يتميز بعدم القدرة على الألوان،وسمي نسبة للعالم الكيميائي دالتون الذي نشر موضوعاً عن الداء وكان مصاباً به.ويتميز بعد القدرة على التمييز بين اللون الأخضر والأحمر،ويصيب بشكل خاص الذكور.
9 ـ العشى الليلي: وهو عدم قدرة العين على رؤية الأشياء بسرعة عند الانتقال من مكان مضىء إلى مكان مظلم.ومن أهم أسبابه عوز الفيتامين A
10 ـ العمى النفسي:ويشاهد في بعض الأمراض النفسية.
ومن الناحية الدينية:
إن نعمة البصر هي من أجلّ نعم الله على عباده،والعين هي النافذة التي يطل منها الإنسان على ماحوله،ومن خلالها تتحصل لديه المعارف،والتعامل مع الاشخاص وما يحيط به.
ولأهمية العين سماها الله تعالى الحبيبة والكريمة،ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“ قال الله عز وجل: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه، فصبر،عوضته منهما الجنة.يريد عينيه“،وفي رواية الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم“إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة“.
نبي الله يعقوب عليه السلام فقد بصره بعد حزن شديد على غياب ابنه يوسف عليه السلام {وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضَّت عيناه من الحزن فهو كظيم}[يوسف 84] .
ومن الناحية الطبية فانه غالباً ما يكون المرض الذي يترافق مع ضياع البصر والبياض المصاحب له هو داء الزَرَق(الغلوكوما)والناجم عن ارتفاع الضغط داخل العين .
ومن الصحابة المشهورين وكانوا من المكفوفين نذكر عبد الله بن مكتوم الذي نزلت فيه الآيات الكريمة{ عبس وتولى….} وهناك شعراء فقدوا البصر على تقدم السن ونذكر منهم: شاعر النبي حسان بن ثابت وكعب بن مالك،والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن العباس،وأبو سفيان بن حرب،وعقيل بن أبي طالب،وأبو قحافة والد أبي بكر الصديق،والحكم بن أبي العاص،والحارث بن العباي بن عبد المطلب،وعرابة الأوسي،والبراء بن عازب،وقتادة بن النعمان،وعبد الله بن الارقم،وأبو أمامة الباهلي….ومن الصحابيات نذكر أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين..
من الناحية الأدبية:
بشار بن برد ولد أعمى وهذا يسمى في الطب الأكمه.
وجاء في القرآن الكريم أن المسيح عليه السلام كان يبرىء الأكمه قال تعالى:{وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني}[المائدة 110]،وهذا من معجزاته الكبيرة وخاصة أنه كان في قوم مشهور عندهم الطبابة.
والإمام الشاطبي صاحب كتاب الاعتصام ولد أعمى.
أبو العلاء المعري(363ـ449 هجري) أصيب بالجدري فغشّى يُمنى عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة.
الشاعر اليمني عبد الله البردوني وهو من أكبر شعراء اليمن في العصر الحديث،أصيب بالجدري ونشا عن ذلك اصابته بالعمى في سن الرابعة من العمر.
الشيخ محمد رفعت والعمى : كان مبصراً حتى سن سنتين ،ويقال انه قد قابلته امرأة ،وقالت من الطفل انه ابن ملوك،عيناه تقولان ذلك ،وفي اليوم التالي استيقظ الإبن وهو يصرخ من شدّة الألم في عينه،ولم يلبث أن فقد بصره.
ومن العلماء والشيوخ المعاصرين نذكر الشيخ عبد الحميد كشك والشيخ عبد العزيز بن باز.
والأديب الكبير الدكتور طه حسين أصيب في سن الرابعة من عمره بالرمد،ولجأ أهله جهلاً إلى حلاق القرية الذي وصف له علاجاً أدى إلى اصابته بالعمى.
والمصابون بالعمى تجاهه يكونون إما من المتذمرين أو الشاكرين المُحتسبين:
1 _ التذمر والشكوى
أبو يعقوب الخُريمي وقد فقد بصره حين طعن في السن :
أصغي إلى قائدي ليخبرني إذا التقينا عَمَّنْ يُحييِّني
أُريدُ أن أعدِلَ السلامَ وأن أفصلَ بينَ الشريفِ والدُّونِ
أسمعُ ما لا أرى فأكرهُ أن أُخطئَ والسمعُ غيُر مأمونِ
للهِ عيني التي فُجعت بها لو أنّ دهراً بها يُواتيني
لو كنتُ خُيّرتُ ما أخذتُ بها تعميرَ نوحِ في ملكِ قارونِ
حقّ أخلائي أن يعودوني وأن يعزّوا عني ويبكوني
وقال أيضاً:
كفى حزناً أن لا أزورَ أحبتّي من القُربِ إلا بالتكلف والجَهدِ
وأني إذا حُييّتُ ناجيتُ قائدي ليعدلني قبل الإجابة في الرَّدِ
ابن الرومي:
شُغِلتُ عنك بِعُوارٍ اُكابِدُهُ لا بالملاهي ولا ماءِ العناقيدِ
قاسيتُ بعدك ـ لا قاسيتَ مِثلهما ـ نهارَ شكوى يُباري ليلَ تسهيدِ
اُمسي وأُصبِحُ في ظلماء َ من بصري فما نهاريَ من ليلي بمحدودِ
لا يطمئنَّ بجنبي لينُ مُضطجَع وما فراشُ أخي شكوى بممهودِ
أرعى النجومَ وأنّى لي بِرْعَيتِها وطرفُ عيني في أسرٍ وتقييدِ؟
المعري:
أرني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث
أبو الشيّص بعد ان عميّ في أخرحياته:
يا نفسُ بكىِّ بأدْمُعٍ هُتُنِ وواكفٍ كالجُمانِ في سَنَنِ
\(هتن: غزيرة. واكف: لاينقطع)
على دليلي وقائدي ويدي ونور وجهي وسائسِ البدنِ
أبكي عليها مخافة أن تقرنني والظلامَ في قَرَنِ
صالح بن عبد القدوس وقد عمي في أخرعمره:
عزَاءُكِ أيها العَينُ السَّكوبُ ودَمْعُكِ ! انها نُوَبٌ تنوبُ
وكنت كريمتي وسراج وجهي وكانت لي بك الدنيا تطيبُ
فإن أكُ قد ثكلتُكِ في حياتي وفارقني بك الإلفُ الحبيبِ
فكلُّ قرينةٍ لابدَّ يوماً سيشعبُ إلفها عنها شَعوبُ
على الدنيا السلامُ فما لشيخٍ ضريرِ العينِ في الدنيا نصيبُ
يموتُ المرءُ وهو يُعدُّ حياً ويُخلِفُ ظَنَّهُ الأملُ الكذوبُ
يمنيني الطبيبُ شفاءَ عيني وما غير الإلهِ لها طبيبُ
إذا ما مات بعضُكَ فابكِ بعضاً فإنَّ البعضَ من بعضٍ قريبُ
ابن التعاويذي يندب بصره:
لقد رمتني رُمِيَتْ بالأذى بنكبةٍ قاصمةِ الظَّهرِ
و أوتَرَتْ في مُقلَةٍ قلَّما عَلِمتها باتت على وِترِ
جوهرةٌ كنتُ ضنيناً بها نفيسة القيمةِ والقَدْرِ
إن أنا لم ابكِ عليها دماً فضلاً عن الدمعِ فما عُذري
مالي لا أبكي على فَقْدِها بُكاءَ خنساءَ على صَخرِ
وقال ايضاً:
واُصبتُ في عيني التي كانت هي الدنيا بعينِ
عينٌ جنيتُ بنورها نور العلومِ وأي عين
حالان مسَّتني الحوا دثُ منهما بفجيعتين
إظلامُ عينٍ في ضيا ءٍ مِنْ مَشيبٍ سَرمَدينِ
صُبْحٌ وإمساءٌ معاً لا خِلْفَة فأعجبْ لِذَينِ
قد رُحتُ في الدنيا من الس راءِ صِفْرَ الراحتينِ
أسوانَ لا حَيٌ ولا ميتٌ كهمزة بَينَ بينِ
وقال ايضاً(معجم الأدباء ياقوت الحموي ج5 ص371):
فها أنا كالمقُبورِ في كِسْرِ منزلي سَواءٌ صَباحي عِندهُ ومسائي
يَرِقُّ ويبكي حاسدي لي رحمةً وبُعداً لها من رِقَّةٍ وبكاءِ
وقال ايضا يذكر توجعه لذهاب بصره ويشير الى زوجته:
وباكية لم تشكُ فقداً ولا رمى بجيرتها الأدنين نأيٌّ مطوِّح
رمتها يد الأيام في ليث غابها بفادحٍ خطبِ والحوادث تفدح
رأت جَللاً لا الصبر يجملُ بالفتى على مثله يوماً ،ولا الحزن يقبح
فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسب لها كان يسعى في البلاد ويكدح
عزيز عليهما أن تراني جاثما وما لي في الأرض البسيطة مسرح
أظل حبيساً في قرارة منزل رهين أسى أمسي عليه وأصبح
أبو المُخَشى(أبو يحيي عاصم بن زيد) :
خضعت أُمُّ بناتي للعِدى أن قضى الله قضاءً فمضى
ورأت أعمى ضريراً إنمَّا مشيُهُ في الأرضِ لمسٌ بالعصا
فاستكانت ثم قالت قولةً وهي حَرَّى بلغت مني المدى
ففؤادي قرحٌ من قولها : ما من الأدواءِ داءٌ كالعمى
وإذا نالَ العمى ذو بصرٍ كان حياً مثلَ ميتٍ قد ثوى
وكأنَّ الناعمَ المسرورَ لم يكُ مسروراً إذا لاحَ الردى
أبو راشد الضبي: كان أعرج ثم عمي ،ثم اقعد من رجليه فقال حين عمي وقد كان ابن حبيب وهب له عصا(مجلة الفيصل العدد 53):
وهبت عصا العرجان عوناً ومرفقاً فأين عصا العميان يابن حبيب
فقد صرت أعمى بعد أن كنت أعرجاً أنوء على عود أصم صليب
2 ـ الصبر والاحتساب:
أبو العلاء المعري اُصيب بالعمى وكان في السنة الثالثة من عمره بعد اصابته بمرض الجدري وكان يقول:أنا أحمد الله على العمى،كما يحمده غيري على البصر.
المعري:
تلفُ البصائرِ،والزمانُ مفجِّعٌ أدهى وأفجعُ من توى الأبصارِ
(خمول الذهن أشد بليّة من فقد البصر. توى:ضياع)
المعري:
سواد العين زار سواد قلبي ليتفقا على فهم الأمور
يشير إلى أن الأعمى عوضّ عن البصر الذكاء وسرعة الحفظ)
بشار بن برد:
إذا وُلِدَ المولودُ أعمى وجدتهُ وجدكَ أهدى من بصيرٍ وأحولا
عَمِيتُ جنيناً والذكاءُ من العَمى فجئتُ عجيبَ الظّنِ للعلمِ مَعقلا
(رواية:موئلا)
وغاضَ ِضياءُ العينِ للقلبِ فاغتدى بقلبٍ إذا ما ضيّعَ الناسُ حصّلا
وفي رواية اخرى
وغاض ضِياءُ العينِ للعلم رافدا لقلبٍ إذا ما ضَيعَّ الناسُ حَصلا
وحماد عجرد يهجو بشاراً بأنه ولد أكمه ويهجو اخويه المشوهين الذين ولدوا لثلاثة أباء ولأم واحدة :
لقد ولدت اُم الاكيمه أعرجاً وأخر مقطوع القفا ناقص العضد
وقال حماد بن عجرد يهجوه أيضاً:
ويا أقبح من قرد إذا ما عمي القرد
ويقال ان بشار لم يجزع من شئ قط جزعه من هذا البيت
وقال أحدهم يهجو بشارأ واخوته وأمهم :
ولدت خلداً وذيخا في تشتمه وبعده خزراً يشتد في الصعد
ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقاً فاعرف بذلك عرق الخال في الولد
(الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى ، الذيخ: ذكر الضباع ، الخرز: ذكر الأرانب وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصُعد)
بشار بن برد :
وعَيرَّني الأعداءُ، والعيبُ فيهمُ وليسَ بعارٍ أن يُقالَ ضريرُ
(رواية فليس)
إذا أبصرَ المرءُ المروءة والتقّى فإنّ عمى العينينِ ليسَ يَضيرُ
رأيتُ العمى أجراً وذُخْراً وعِصمةً وإنّي إلى تلك الثلاثِ فقيرُ
بشار بن برد:
قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ قلنا بفقدي لكم يهون
تالله ما في البلاد شئٌ تأسى على فقدهِ العيون
ابو علي البصير(الفضل بن جعفر) وكان ضريراً ولقب بالبصير على العادة في التفاؤل أو لذكائه وفطنته فهو القائل:
لئن كان يهديني لوجهتي ويقتادني في السير إذ أنا راكب
لقد يستضئ القوم بي في أمورهم ويخبو ضياء العين والرأي ثاقب
حافظ ابراهيم:
إنَّ حقَّ الضّريرِ عند ذوي الأ بصارِ حقٌّ مُستوجبُ التقديسِ
لم يَضِرهُ فقدانهُ نورَ عي نيهِ إذا اعتاضَ عنهما بأنيسِ
آنسوا نفسَهُ إذا أظلمَ الع يشُ بعلمٍ فالعلمُ أُنسُ النفوسِ
وَجهّوهُ إلى الفَلاحِ يُفِدكُمْ فوقَ ما يستفيدهُ من دروسِ
أكملوا نَقْصَهُ يَكُنْ عبقرياً مثلَ (طهَ) مُبَرِزَّاً في الطُرُوسِ
كم رأينا من أكمهٍ لا يُجارى وضَريرٍ يُرجى ليومٍ عَبوسِ
لم تقفْ آفةُ العيونِ حِجازاً بين وثباتهِ وبينَ الشُمُوسِ
عَدِمَ الحِسَّ قائداً فحداهُ هَدىُ وِجدانهِ إلى المحُسوسِ
مثلُ هذا إذا تعلمَ أغنى عن كثيرٍ وجاءنا بالنفيسِ
ذاكَ أنَّ الذكاءَ والحفظَ حلاّ في جوارِ النهى بتلكَ الرؤوسِ
فعلى كُلِّ أكمهٍ وبصيرٍ شكرُ أعضائِكم وشكُر الرئيسِ
عباس محمود العقاد وقصيدة“الشاعر الأعمى“:
شكا الشاعرُ الباكي عمىً قد أصابهُ وأظلمُ ما نالَ العمى جفنُ شاعرِ
لِمن تَجمُلُ الأكوان إن كان لا يرى بدائَعها عينٌ ترى كلَّ باهرِ
فما كانت الدنيا سوى حُسن مظهرٍ وما جادَ فيها الحظُّ إلا لِناظري
وهل كنتُ أخشى الموتَ إلا لأنهُ سيحجبُ عنّي حسنَ تلكَ المناظرِ
جمعتُ شقاءَ العيشِ في ظُلمةِ الرّدى فيا لي من ميتٍ شقيّ الخواطرِ
أرى الصبحَ وهّاجاً بمقلةِ نائمٍ ويلحظهُ قلبي بحسرةِ ساهرِ
فمنْ لي إلى هذا الوجودِ بنظرةٍ أراهُ ولمْ يُعْمِ الترابُ بصائري
فيا قلبُ انفِقْ من ضيائكَ واحتسِبْ لدى الشّمس لألاءَ الوجوهِ النّواضرِ
حسان بن ثابت وقيل غيره:
إن يأخذِ الله من عينيَّ نورهما ففي لساني وقلبي منهما نورُ
قلبٌ ذكي وعقلٌ غير ذي عِوَج وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مأثور
أبو يعقوب الخريمي:
فإن تكُ عيني خبا نورها فكم قبلها نورُ عين خبا
فلم يعتم قلبي ،ولكنّما أرى نور عيني إليه سرى
فأسرجَ فيه إلى نورهِ سراجاً من العلمِ يشفي العمى
ـ الإحسان إلى الأعمى
شوقي:
نظراً وإحساناً إلى عميانهِ وكُنِ المسيحَ مداوياً ومُجَبّرا
والله ما تردي لعلَّ كفيِفَهُمْ يوماً يكونُ أبا العلاءِ المُبصرا
علي الجارم:
من مُجيري من حالكاتِ الليالي؟ نُوَبَ الدهرِ مالكُنَّ ومالي!
قد طواني الظلامُ حتى كأنّي في دياجي الوجود طيفُ خَيالِ
كُلُّ ليلٍ له زوالٌ وليلي دَقَّ أطنابَهُ لغيرِ زوالِ
كُلُّ ليلٍ له نجومٌ ولكن أين أمثالهُنَّ من أمثالي
تَثِبُ الشمسُ في السماءِ وشمسي عُقِلَتْ دُنها بألفِ عِقالِ
لا أرى حينما أرى غيرُ حَظّي حالكَ اللونِ عابسَ الآمالِ
هو جُبٌّ أعيشُ فيه حزيناً كاسِفَ النفسِ دائمَ البَلبالِ
(الهم والهواجس)
ما رأتْ بسمةَ الشموسِ زوايا هُ ، ولا داعبتْ شُعاعَ الهلالِ
فإذا نمتُ فالظلامُ امامي أو تيقَّظتُ فالسَّوادُ حِيالي
أتقّرى الطريقَ فيهِ بكفيِّ بينَ شكٍ وحيرةٍ وضلالِ
وأُحِسُّ الهواءَ فهوَ دليلي عن يميني أسيرُ أو عن شمالي
كُلّما رُمْتُ منهُ يوماً خلاصاً عَجَزَتْ حيلتي وَرّثتْ حِبالي
رُبَّ أعمى له بصيرةُ كَشْفٍ نفذتْ من غياهبِ الأسدالِ
أخذَ الله منهُ شيئاً وأعطى وأعاضَ المكِيالَ بالمكيالِ
يلمحُ الخطرةَ الخفيّة للنف سِ لها في الصدورِ دَبُّ النمالِ
ويرى الحقَّ في جلالةِ معنا هُ فيحيا في ضوءِ هذا الجلالِ
ولي الدين يكن في قصيدة الفتاة العمياء-أنشدتها فتاة عمياء في مدرسة للبنات الكفيفات:
سادتي،إن في الوجود نفوساً ظلمتها الاقدار ظلماً شديداً
هي تشقى من غير ذنب جنتهُ ولكم مذنب يعيش سعيدا
رحم الله أعيناً لم تشاهد منذ كانت إلا ليالي سودا
تتمنى لو فُتِّحت فتملّت من جمال الوجود هذا الشهودا
تتناجى حمائم الروض صُبحاً لا نراها ،ونسمع التغريدا
ويكون الربيع منّا قريباً فنظن الربيع منا بعيدا
حين ترنو إلى الورود عيون ليت شعري كم تستطيب الورودا
أبويّ اللذين أوجدتماني أتريدان شقوتي ،لن تريدا
عشتما في ظلال شمل جميع أنا وحدي وجدتُ شملي بديدا
وإذا كنتُ قد وُلدتُ فقيداً ليتني كنت قد فُقدتُ وليدا
سادتي،إننا صبرنا امتثالا ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا
فانظروا نظرة الكرام إلينا وارحموا أدمعاً تخدُّ الخدودا
جميل صدقي الزهاوي:
أُمّاه إنّي ضريرُ والقلبُ من كسيرُ
أعمى فلستُ أرى يو ماً ما يراهُ البصيرُ
إني إلى حاجة لي بلا عصا لا أسير
أُمّاه ما في حياة ال طفل الضرير سرور
يا أُم إن شقائي لو تعلمين كبير
يومي وليلي سواء كلاهما لا ينير
أُمّاه أني إلى أن أراك يوماً فقير
وإن طرفاً يرى وج هَ من أحب قرير
يا أم إن لم يضرني ال عمى فماذا يضير
أماه هل هذه الدن يا رحبة تستنير
وهل بها لالئ يب صرون شئ كثير
صِفي النهارَ فإني ما بالنهار خبير
هل النهار بأن يح مدَ النهار جدير
هل الضياء جميل كما يقول البصير
وهل إذا الشمس ذرت فضؤوها مستطير
وهل إذا الشمس غابت لا يلمس الأرض نور
وهل هناك خفاء وهل هناك ظهور
وهل هناك سماء فيها النجوم تدور
فدوى طوقان في مهرجان المعري(الرسالة العدد 579):
سلام عليك حبيس الظلام حليف العذاب ،طريد القدرْ
على قلبك المبتلى بالشقاء على روحك المضطرب المستعرْ
سلام عليك سلام الندى إذا صافح الزهر غبَّ السحرْ
أمنطلقاً من قيود التراب على حين يرسف فيها البشرْ
ومتخذاً عزلة المحبسين صفياً يقيه أذاة وشر
ويامن حييت بروح تأبى على ربقة الجسد المنتصر
عذرتك ،ما أنصفتك الحياة فكيف يطيب لديها العمر
وكيف يروق،ولا نفسَ تهفو فتحنو عليك بقلب أبرْ
ويا باعث النور يهدي البصائر ماذاق نعمة نور البصر
تَملَّ من السرمدي البقاء ضياء الألوهية المنتشر
ضياء يفيض الرضى والأمان على من يحط رحال السفر
هنالك لا محنة تبتليك ولا أنت تشقى بخط عثر
ويا سيرة تملأ الخافقين فتعنو لديها كبار السير
حياة الفتى حلم ينقضي وما العمر إلا خلود الأثر
ابراهيم المنذر في قصيدة حديث ضرير (شعراء معاصرون –نجيب البعيني –ص67):
يا أمُّ ما شكل السَّما ءِ وما الضياءُ وما القمرْ؟
بجمالها تتحدثي ن، ولا أرى منها الأثرْ
هل هذه الدنيا ظلا مٌ، وفي ظلام مستّمرْ؟
يا أمُّ ،مُدّي لي يدي كِ، عسى يُزايلني الضجرْ
أمشي اخافُ تعثراً وسطَ النهارِ أو السَّحَرْ
لا أهتدي في السَّيرِ ،إن طالَ الطريقُ أو قَصُرْ
أمشي أحاذرُ أن يُصا دفني ،إذا أخطو ،خطرْ
والأرضُ عندي يستوي منها البسائط والحُفَرْ
عكازتي هي ناظري هل في جمادٍ من بَصَرْ؟
يجري الصغارُ يلعبون ويرتعون ولا ضررْ
وأنا ضريرٌ قاعِدٌ في عِقْرِ بيتي مستقرْ
اللهُ يلطفُ بي ويعرِفُ ما أقاسي من كَدَرْ
هجاء العميان:
ابن الرومي:
مجالسة العُمْي تُعدي العمى فلا تشهدنْ لهمُ مشهدا
فإن أنت شاهدتهم مرةً فكن منهمُ الأبعدَ الأبعدا
بحيثُ تفوتُ إشاراتهم وإلا فإنك منهم غدا
لأن إشاراتهم لا تزا ل قد نفضت نحو عَينٍ يدا
فَيعُمونَ من شئت في ساعةٍ ولم يحتسب قطُّ أن يرمدا
ألا رُبَّ عين دنت منهمُ فمدّوا لها ليلها سرمدا
وأصبحت ترى كل ما حولها -لظلمتها- جبلاً أسودا
المعري حين عُيّرَ بالعمى:
قالوا: العمى منظر قبيح قلت: بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شئ تأسى على فقده العيون
حماد عجرد يهجو بشار بن برد وكان أعمى:
إنَّ ابنَ بُردٍ رأى رؤيا فأوَّلهَا بلا مَشورةِ إنسانٍ ولا أثرِ
رأى العمى نعمةً للهِ سابغةً عليه إذ كان مكفوفاً عن النظرِ
وقال لو لم أكن أعمى لكنت كما قد كان بُردٌ أبي، في الضيقِ والعسر
أكدُّ نفسي بالتطيينِ مجتهداً إما أجيراً وإما غير مؤتجر
أو كنتُ إن أنا لم أقنع بفعل أبي قصّاب شاءٍ شقيِّ الجَدِّ أو بَقر
فقد كفاني العمى عن كلِّ مكسبةٍ والرزقُ يأتي بأسبابٍ من القدر
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال له عن المعري(الرسالة العدد 560):
„في اليوم السابع والعشرين من شهر ربيع الأول عام 363هجري،والشمس في الغروب،والقمر في المحاق،والمعرّة في همود الكلال،والطبيعة في فتور الكرى،ولد الطفل النبيل الضئيل أحمد أبو العلاء.
كان في ظلام الرحم،وولد في ظلام العشية،ثم عاش في ظلام البصر،وانتهى إلى ظلام القبر!ومن هذا الظلام المتصل نسج القدر حياة أبي العلاء وأنشأ عواطفه،وسود فلسفته،وأبهم عقيدته،وأوحش نفسه!
ومن هذا الظلام أيضاً تفجر النور كله على قلبه وعقله،فكان آية من آيات ربه الكبرى في ذكاء الفهم ولطافة الحس وقوة الحفظ ودقة التخيل.وهو القائل:
سواد العين زار سواد قلبي ليتفقا على فهم الأمور
وإذا كان لكل عاهة من عاهات الحس تعويض من قوى الروح،فإن لها كذلك أثراً شديداً في حياة المعُري،ترسم له الطريق وتعين له الغاية.فعاهة أبي العلاء فرضت عليه أن يجعل العلم شغل حياته،واختارت له من العلم أنواعه النقلية والنظرية مما تغنى فيه الحافظة وتعين عليه الكحيلة،كاللغة والدين والشعر،ووسائلها من الرواية والنحو والصرف والعروض،فقضى عمره الأول بين أيدي الشيوخ فيالشام وبغداد،أو على مقاعد المكتبات في المساجد والأديرة،يسمع ويعي،ويجمع ويستوعب،حتى لم يدع كلمة في معاجم اللغة وكلام العرب إلا علقها،ولا مسألة من مسائل العلوم الأدبية إلا حذقها“.
الرمد(التهاب الملتحمة) وقذى العين
من الناحية الطبية:
الرمد Conjunctivitis :وهو التهاب الملتحمة،مرض شائع الحدوث يترافق مع احمرار العين،والحكة،والإفرازات المائية والتي قد تتحول إلى مخاطية أو قيحية بسبب المشاركة الجرثومية،والدماع،وضبابية الرؤية،وانتفاخ الجفون،وحس الحرقة في العين.
وله أسباب مختلفة وعديدة،نذكر منها:
1 ـ الرمد بسبب الفيروسات(الحمات الراشحة):وخاصة فيروس العقبول البسيط Herpesوهو أكثر الأنواع مشاهدة،وهو شديد العدوى،ويشاهد غالباً مرافقاً لإلتهاب المجاري التنفسية العليا.ويبدأ غالباً في إحدى العينين ثم ينتشر إلى الأخرى.
2 ـ الرمد الجرثومي:أو التراخوما أو الرمد الحبيبي: ويشاهد غالباً منذ البدء في العينين معاً،وهناك العديد من الجراثيم التي تسببه،ويترافق مع إفرازات قيحية ومخاطية،بالإضافة إلى احمرار الملتحمة والحكة.وفي حالات نادرة قد يصاحب بعض الأمراض المنقولة بالجنس مثل السيلان.
والرمد الحبيبي يعد السبب الرئيسي للعمى في جميع أنحاء العالم.على الرغم من إمكانية الوقاية منه.وخاصة في بلدان أفريقيا والمناطق الفقيرة،ويمكن أن تصل نسبة الإصابات في هذه البلدان عند الأطفال دون سن الخامسة إلى حوالي 60%.
3 ـ الرمد التحسسي:ويشاهد غالباً في فصلي الربيع والصيف بسبب التحسس لغبار الطلع.وكذلك يشاهد بشكل لا موسمي في حالة التحسس لأشعار الحيوانات المنزلية وخاصة القطط أو الكلاب،ويكون غالباً مترافقاً مع أعراض عينية وربما قصبية،أو قد يكون بسبب التحسس الموضعي وخاصة بسبب مستحضرات التجميل،أو قد يكون بسبب التحسس لغبار المنزل الذي يحتوي على أنواع معينة من القرادHaus Mite وهذا يشاهد غالباً في فصل الشتاء ويترافق غالباً مع الزكام الصباحي وربما أيضاً الربو القصبي…وهناك الرمد التحسسي المهني وخاصة بسبب أغبرة الدقيق والطحين عند العاملين بالصناعات الغذائية،…
4 ـ الرمد الوليدي:ويشاهد عند الوليد في الأسابيع الأولى من الولادة،وتسببه غالباً المتدثرت(الكلاميديا)وينتقل غالباً للوليد أثناء الولادة من قناة المهبل عند الام.
5 ـ الرمد من منشأ تخريشي:ويشاهد عند التعرض للأبخرة أو الغازات المخرشة،أو بعض السوائل الكيميائية.أو التراخوما
من الناحية الدينية:
جاء في الصحيح : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر: لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه،يحب الله ورسوله،ويحبه الله ورسوله،قال: فبات الناس يَدوكون ليلتهم :أيهم يُعطاها؟.فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلعم يرجو أن يُعطاها،فقال: أين علي بن أبي طالب؟ ،فقيل:هو ـ يا رسول الله ـ يا رسول الله يشتكي عينيه، قال : فأرسلوا إليه. فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له،فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع،فأعطاه الراية „[أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه].
وجاء في سنن ابن ماجة عن صهيب رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر ، فقال: ادن فكل ،قال: فأخذت آكل من التمر. ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تأكل تمراً وبك رمد ؟ فقلت: يارسول الله أمضغ من الناحية الأخرى ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم (يريد أنه يمضغ بناحية العين التي لا رمد فيها)[صححه الألباني]
ذو العينين : هو قَتادة بن النعمان الأنصاري ، شهد بدراً والعقبة ، وأصيبت عينه يومَ أحد ،فوقعت عينه على خده، فردَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت أحسن وأصّح من عينه الأخرى،وكان لا يشتكيها إذا اشتكى أختها .
من الناحية الأدبية:
ابو بكر الخوارزمي – يتيمة الدهر للثعالبي ج4 ص232 يتكلم عن الرمد:
„صادف ورود الكتاب رمداً في عيني حتى حصرني في الظلمة ،وحبسني بين الغم والغمة،وتركني أدرك بيدي ما كنت أدرك بعيني،كليل سلاح البصر قصير خطو النظر،قد ثكلت مصباح وجهي،وعدمت بعضي الذي هو آثر عندي من كلي،فالأبيض عندي أسود،والقريب مني مبعد . قد خاط الوجع أجفاني،وقبض عن التصرف بناني . ففراغي شغل،ونهاري ليل،وطول ألحاظي قصار وأنا ضرير وإن عددت في البصراء . واُمِّي وإن كنت من جملة الكتاب والقراء . قصرت العلة خطوتي قلمي وبناني،وقامت بين يدي ولساني . وقد كانت العرب تزاوج بين كلمات تتجانس مبانيها ،وتتكافأ مقاطعها ومعانيها ،فيقولون :القلة ذلة،والوحدة وحشة ،واللحظة أفظة ،والهوى هوان،والأقارب عقارب، والمرض حرض(هلاك)،والرمد كمد ، والعلة قلة، والقاعد مقعد .“
جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة ـ كتاب الطعام ـ ص274 :
„قال أبو اليقظان : كان عبد العزى بن عبد المطلب(أبو لهب) يشتكي عينه وهو مُطرقٌ أبداً وكان يقول: ما بعيني بأس ولكن كان أخي الحارث إذا اشتكت عينه يقول: أكحلوا عين عبد العزى معي،فيأمر من يكحلني معه ليرضيه بذلك فأمرض عيني“.
النابغة الشيباني:
ترمي بعيني أقنى على شَرَفٍ لم يؤذهِ عائرٌ ولا لَحَجُ
(أقنى :صقر، العائر: الرمد،اللحج: التصاق الأجفان بالرمص)
امرؤ القيس:
تطاولَ لَيلُكَ بالأثمدِ ونامَ الخليُّ ولم تَرقُدِ
وباتَ وباتت لهُ ليلةٌ كليلةِ ذي العائرِ الأرمدِ
عنترة :
ما بالُ عينكَ لاتملُّ من البكا رمدٌ بعينكَ أم جفاك كراها
الخنساء:
إنّي أرِقتُ فبتُّ الليلَ ساهرةً كأنّما كُحِلَتْ عيني بِعُوّارِ
(الرمد أو الرمص)
البوصيري:
قد تُنكِرُ العينُ ضوء الشمسِ من رَمدٍ ويُنكِرُ الفمُّ طعمَ الماءِ من سَقَمِ
ابن الرومي في مليح أصابه الرمد:
قالوا اشتكت عينهُ فقلتُ لهم: من كثرةِ القتلِ مَسَّها الوَصَب
حُمرتها من دماء من قتلت والدم في النصل شاهد عجب
المتنبي :
فتىً فاتت العدوى من الناسِ عَينهُ فما أرمدتْ أجفاَنهُ كثرةُ الرُّمْدِ (المفاسد كثرت حوله الا انها لاتعديه وهو منزه عنها )
وخَالَفُهمْ خَلْقَاً وخُلْقاً وموضِعا فقد جَلَّ أن يُعدى بشئٍ وأن يُعدي
الشريف الرضي:
حَملتُكَ حَمْلَ العينِ لَجَّ بها القذى ولا تنجلي يوماً ولا تبلغُ العمى
كثير:
وأنتِ لعيني قُرّةٌ حين نلتقي وذكركِ في نفسي إذا خدرت رجلي
وإن رمدتْ عيناي يوماً كحلتّها بعينيكِ ،لم أبغ الذرورَ من الكُحلِ
العباس بن الأحنف:
من جاورتهُ جرى بالسعدِ طالِعهُ ومن رآها فلن يخشى من الرّمدِ
ابن زيدون:
هُمُ النّفَرُ البيضُ الذين وجوهُهمُ تروقُ، فتستشفي بها الأعينُ الرُّمدُ
علي بن جبلة العكوك:
بفتورِ عَينٍ مابها رَمَدٌ وبها تُداوى الأعينُ الرُمْدُ
أبو الفرج الببغاء في محبوب له أصابه الرمد-(يتيمة الدهر –الثعالبي ج1 ص319):
بنفسيَ ما يشكوه من راح طرفه ونرجسه مما دهى حسنه وردُ
أراقت دمي ظلماً محاسن وجههِ فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو
غدت عينه كالخدِّ حتى كأنمّا سقى عينه من ماء توريده الخدُّ
لئن أصبحت رمداء مقلةُ مالكي لقد طالما استشفت بها مقلٌ رمدُ
عبد الرحمن شكري:
ويك إن النسيم قد يُرْمِدُ الطر ف بسافي التراب والأقذار
محمد مهدي الجواهري:
يحلو به التأريقُ والسهدُ وتصحّ فيه الأعينُ الرّمدُ
احدهم:
كونوا دواءً لعيني كُلّما رمدتْ وإن مسحتم عليها ترجعوا البصرا
أحدهم:
ورُبَّ جَهولٍ عَابني بمحاسني ويَقْبَحُ ضَوءُ الشمسِ في الأعينِ الرُّمْدِ
انفصال الشبكية Retinal detachment
من الناحية الطبية:
هو انفكاك شبكية العين عن الأنسجة الداعمة لها،وقد يكون الأنفصال جزئي،وقد يكون تاماً،وإذا لم تعالج بسرعة تسبب العمى.فالمرض حالة إسعافية وطبية طارئة.
يشاهد المرض غالباً في الأشخاص متوسطي الأعمار،أو المسنين.وهو غالباً وحيد الجانب وفي 15 % من الحالات ثنائي الجانب.
ومن الأعراض المشاهدة:الظهور المفاجىء للعوائم والومضات(ومضات ضوء قصيرة مفاجئة)،ونقص الرؤية الحاد.والذي يسبقه تغيم الرؤية ونقصان الرؤية الجانبية المحيطية،مع وجود ظل ساتر يغطي مجال الرؤية(وجود مفاجىء لنقاط سوداء،أو بقع،أو خطوط ضمن مجال الرؤية).وانفصال الشبكية في حد ذاته غير مؤلم.
والشبكية هي أحد أجزاء العين وهي طبقة رقيقة وحساسة للضياء،تسقط أشعة الضوء والمرائي عليها وتنتقل من خلال ألياف العصب البصري إلى مراكز الدماغ العليا.
وأهم أسباب انفصال الشبكية:
1 ـ اعتلال الشبكية السكري.
2 ـ الرضوض.
3 ـ داء الإيدز.
4 ـ التال لجراحة مرض الساد.وتبلغ النسبة بعد العملية حوالي16/1000 5 ـ .ويكون الخطر أكبر إذا ترافق ذلك مع قصر النظر الشديد.
5 ـ ارتفاع ضغط الدم الوخيم غير المراقب.
6 ـ قصر النظر الشديد(أعلى من 5 ـ 6 ديوبتر).
7 ـ أورام العين.
8 ـ التدخين.
من الناحية الأدبية:
أحمد أمين (حياتي – ص322-):
ويوماً من الأيام،وكل شئ يسير على طبيعته والحياة تجري على سننها ،والآمال مفتحة كعادتها ،والعمل يتبع نهجه المألوف ،فأنا عاكف على القراءة والكتابة والدرس والتحصيل والإنتاج ،وإذا بي فجأة أرى كأن نقطة سوداء على منظاري ،فأظنها أول الأمر نقطة ماء سقطت عليه فأمسحها ،ثم أضعه على عيني فأراها كما كانت . وإذا العيب في العين وليس العيب في المنظار . واليوم يوم وقفة عيد الأضحى والناس حتى الأطباء في شغل بأمر العيد ،فأبحث عن طبيب فلا أجده ثم أعثر عليه بعد لأي .هذا هو الطبيب يكشف على عيني وأنا واجف من النتيجة خائف أترقب ،والطبيب يفحص ويطيل الفحص بأدواته ،ثم تظهر في وجهه ملامح الكآبة وما يلبث أن يقول:
-خير لي أن أصارحك أن المرض انفصال الشبكية.
-هل لها من دواء يادكتور؟
-لا دواء إلا عمل عملية.
-هل هي قاسية؟
– نعم ،إنها تحتاج إلى شهر ونصف أو شهرين مغمّى العينين ،متخذاً وضعاً واحداً.
اضطربت لهذا النبأ وأحسست خطورة الموقف . وأكبر ما جال في نفسي شعوري بحرماني من القراءة والكتابة مدى طويلاً، وأنا الذي اعتاد أن تكون قراءته وكتابته مسلاته الوحيدة .
ولكن كثيراً ما يخطئ الطبيب فيشخص المرض على غير حقيقته ،فلعله واهم ،ولعله أخطأ التشخيص ،وكثيراً ما يحدث ،وكثيراً ما نسمع الأحاديث عن أطباء شخصوا فأخطأوا التشخيص ،وعالجوا فأسأوا العلاج ،فلأذهب إلى طبيب ثان وثالث من كبار الأطباء حتى استيقن المرض ،وهكذا فعلت ،ولكن –مع الأسف- كلهم أجمعوا على التشخيص وطريق العلاج.
بدأ الطبيب المعالج يباشر علاجه،فها أنا في المستشفى والطبيب يعصب عينيّ قبل العملية بأسبوع ،وها أنا ذا في ظلام حالك ليل نهار ،دنياي كلها ليل،بل أكثر من ليل ، فالجلسة محرمة ،والتقلب على الجوانب محرم،كأني قد شددت على السرير شداً ،بل أصعب من الشدّ ،لأن إرادتي هي التي تشدني ،فاحتملت في صبر،وبدأت أفكر في الدنيا وهوانها وسخافة الناس الذين يشغلون أنفسهم بالتافه من أمورها ،ويتحاربون ويتشاجرون على الحقير من متعها ،وهي عرضة في كل وقت للزوال،ولو عقلوا لما تخاصموا،ولا تحاربوا وكانوا إخواناً متحابين متعاونين ،يأخذون الأمور بهوادة وحكمة وحسن تقدير وتفكير في العواقب .
حاولت أن يكون ظلامي مضيئاً ،فلئن حرمت النور من العينين فليستتر قلبي،ولئن حرمت نور البصر فلتضئ بصيرتي ،ولكن كنت أنجح في هذا حيناً وأخفق أحياناً، فقد اختلف الإلف والعادة وكنت أشعر دائماً أن العينين هما الكوتان اللتان تطل منهما نفس الإنسان على الدنيا ،فإذا عدم النظر فقد أغلقت الكوتان،وحبست نفس الإنسان ،وأحياناً كنت أتردد بين الأمل في عودتي إلى ما كنت عليه وأن تجري الأمور في المستقبل القريب كما جرت في الماضي ،فأشعر بالطمأنينة والراحة ، وبين اليأس والخوف من الظلام الدائم ،فيستولي علي الفزع والهلع ،وأرهب ما يكون إذا تقدم الليل وانقطع الزوار وانصرف الأهل،ونام الناس ، واعتراني القلق ،وشعرت بالوحدة ،واستولت علي الأفكار المظلمة ،فاجتمع عليّ ظلام الليل وظلام النفس.
أستجدي النوم فلا يجدي،وأفزع إلى الأفكار المطمئنة فلا تسعف،وأعدّ ساعة الجامعة بالقرب مني ربعاً فربعاً، وتغفو عيني غفوة فأظن أن الليل انقضى ببؤسه وشقائه ،ثم أتسمّع إلى حركة الشارع لعلي أتبين منها قرب النهار ،فأسمع حركة عربات وسيارات ومارة فأتسأءل: هل الناس عائدون من آخر سهراتهم أو هم مستقبلون لبدء نهارهم ؟وهل هذه الحركة حركة متأخرة ،أو حركة مبكرة ؟ وأظل في هذا الشك زمناً بين رجاء أن يكون الصبح وخوف أن يكون الليل ،وإذا بالساعة تدق الحادية عشرة أو الثانية عشرة ،فأجزع من أني مقبل على ليل ليس له آخر ،وأنشد مع الشاعر :
ياليل بل يا أبدُ أغائب عنك غدُ؟
وأعزي النفس بأن حولي في الحجر المجاورة في المستشفى مرضى يتألمون ولا أتألم ، ويستغيثون ولا أستغيث،وأن بهم جروحاً و لاجروح بي ،ولكن سرعان ما تذهب هذه التعزية لأن الآلام متنوعة،وقد يكون ألم النفس أشد وقعاً من ألم الجسم .
لم يكن لي من العزاء أحسن من الإيمان ،فهو الركن الذي يستند إليه المرء في هذا الوقت الرهيب ،وبدونه يشعر كأن الهاوية تحت قدميه.
لو أدرك الناس هذا ما ألحدوا ،فالإلحاد جفاف مؤلم ،وفراغ مفزع ،ومحاربة للطبيعة الإنسانية التي فطرت على الشعور بإله ،والإرتكان عليه والأمل فيه،وإلا كانت الحياة جافة فارغة مفزعة منافية للطبيعة . وكان من المصادفة الحسنة أن حضر إلي أحد أبنائي الأوفياء وأحب أن يسليني بالقراءة لي بعض الوقت ،فكان مما اختاره لي كتاب „اعترافات تولستوي“ ، فوقع في نفسي موقعاً جميلاً ،إذ رأيته يصور حياته وقد ركن أول الأمر إلى العقل وحده . وإلى العقل الواقعي لا غير،فأسلمه الإعتماد على المقدمات المنطقية المادية وحدها إلى الإلحاد ،وعدّ الدين خرافة من الخرافات ،ولكنه شعر بعد حين بأن الحياة لا قيمة لها وأنها فارغة من المعاني .
إن هذه الحياة المادية التي تركن إلى العقل الجاف وحده لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الآتية : ما قيمة الحياة؟ مالذي يربط بين الحياة المادية المحدودة وبين ألابدية ؟ ومالذي يربط بين حياة الإنسان الجزئية والإنسانية الكلية؟ إلى مثل هذه الأسئلة … فكان لايجد في قضايا العقل وحدها جواباً ،وساءت نفسه وأظلم تفكيره ،وأدرك أن الحياة على هذا الوضع نكتة سخيفة ،وأنها لاتستحق البقاء،وحاول الإنتحار مراراً،وفي كل ذلك كان يهزأ بالدين ،ولا يريد أن يتجه إلى التفكير فيه ،واخيراً بعد الشقاء الطويل والعذاب الأليم اتجه إلى الدين لينظر كيف يحل هذه الأسئلة ،فرأى أنه وحده يفسر معنى الحياة ،ويربط الحياة الجزئية بالكلية،والنفس الفردية بالإنسانية ،فاطمأنت نفسه وانقلب متديناً.
فكان في هذا الكتاب عزاء لنفسي ومجال لبعض تفكيري ،وقارنت بين موقف تولستوي وموقف الغزالي ،فقد كنت قرأت له كتاب „المنقذ من الضلال“وكان مما حكى عن نفسه أنه مرّ بمثل هذا الدور ،شكّ في كل التقاليد الدينية ،واستعرض المذاهب المختلفة في الدين ، وأحب أن يركن إلى الفلسفة وحدها فلم تسعفه ،وإلى تعاليم الباطنية فلم يطمئن إليها، واستولى عليه الشك حتى غمره ،ووقع في ازمة نفسية حادة ،واحتقر سخافات الناس في التخاصم على المال والجاه والمنصب فنفر من كل ذلك .
وأخيراً بعد أن استحكمت أزمته النفسية وأخذت منه كل مأخذ مرض مرضاً شديداً ،ولا أشك أن مرضه الجسمي كان نتيجة لمرضه النفسي،ثم أفاق قليلاً قليلاً وإذا هو يخرج من هذه الأزمة كما خرج منها تولستوي متديناً بالقلب لا بالمنطق،وبالشعور النفسي الغريزي لا بالمقدمات الفلسفية،وإن كان الفرق بينهما أن تولستوي آمن بعد إلحاد، والغزالي آمن إيمان كشف بعد إيمان تقليد بينهما فترة شك.
ويأتي الطبيب بعد خمسة عشر يوماً من العملية فيذكر لي أنه سيكشف عن قاع العين غداً، فاسأله:ماهي الإحتمالات المنتظرة؟ فيقول: هناك احتمالان،إما أن تكون اعصاب العين لم تقو على الالتحام ،وإذ ذاك تكون العملية قد أخفقت ،وإما أن تبدأ في الالتحام فيكون هناك الأمل في النجاح.
أربع وعشرون ساعة تساوي اربعة وعشرين شهراً أو تزيد . انتظار للخيبة أو الرجاء ،وتردد بين اليأس والأمل،ثم لا ينفع بعد ذلك إلا الإيمان .
أحياناً أقول للنفس : ما هذا الجزع ؟ وما أنت والعالم وما عينك في الدنيا؟ هلا قلت :
هل أنت إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله مالقيتِ
إن الذي يوقعك في هذا التفكير المحزن هو انطواؤك على نفسك وتقويمك لها قيمة أكبر مما تستحق ،وهل أنت إلا ذرة صغيرة على هذه الأرض ماضيها وحاضرها ومستقبلها ؟ وهل الأرض كلها إلا هَنة من هنات العالم،فلتتسع نفسك وليتسع تفكيرك ولتقدر نفسك قدرها ولتفكر في خارجك أكثر مما تفكر في داخلك،فإذا أنا استغرقت في مثل هذا التفكير هدأت واطمأننت،ولكن سرعان ما تذهب هذه الصورة كما يذهب المنظر في فيلم السينما ، وتحل محلها صورة كئيبة حزينة جزعة،ولا تزال الصور تتعاقب،وكل صورة تطرد أختها ، والصورة مختلفة الألوان مختلفة الأشكال،بين هادئة وعنيفة ،وباسمة وباكية .
ونمت عندي حاسة السمع لتعوض ما أصاب أختها حاسة البصر،فكنت أعرف كل إنسان من صوته ومن أول كلمة ينطق بها ،فلا أحتاج إلى تعريف،حتى لأذكر أن صديقاً قديماً انقطعت بيني وبينه الأسباب منذ نحو خمسة عشر عاماً ،لم اره ولم يرني،زارني فما نطق بالسلام حتى عرفت من هو وهتفت باسمه .
وتكاثر الزوار وكانوا موضع الملاحظة والنقد والتقدير : هذا زائر يحدثك الحديث فهو بلسم هموم ،وموضع الماء من ذي الغلة الصادي،فيؤنسك ويسليك ،ويقول ما يحسن أن يقال . وهذا زائر قد عدم الذوق،فهو يراني في هذه الحال ويطلب إليّ إذا زارني صديقي فلان أن أرجوه في أن يمنحه الدرجة الرابعة،ويشكو إليّ تأخره عن زملائه ووقوع الظلم عليه ،ثم هذا زائر كريم قد انساه ما أنا فيه مابيننا من خصومات عارضة فداس هذه الخصومات بقدميه،وكان وفياً كريماً ،قد نسي الحديث التافه في الخصومة،وذكر القديم القويم من الصداقة،وزائر يحز المنظر في نفسه فتكاد دموعه تسيل على خديه لولا أن يجاهدهما ، وآخر يتجلد ويتصنع الثبات فإذا خرج سمعت نشيجه ،إلى ما لايحصى من مسموعات،وكل هذا يُخَزّنُ في النفس طول النهار وتستعيده الذاكرة طول الليل .
وأستعرض أحياناً أحوال من فقد بصره فأتأسى بها ،وأقول إن المسالة ليست مسألة بصر ، بمقدار ما هي مسألة نفس تتلقى الحادث . هذان مثلان بارزان : بشار بن برد وأبو العلاء المعري، فأما بشار فقد واجه فقد بصره في ثبات،وعاش كما يعيش ذوو الإبصار ،يمزح ويضحك ويقول إنه عدم العشق بالنظر فيعشق بالاذن ،ويستمتع بالحياة المادية ويستغرق في الشهوات كأقصى ما يفعله بصير،وهو قوي جبار لا يمسه أحد بسوء إلا نكل به وانتقم منه ،وهو عنيد فاجر ،لا يأنف أن يصف في شعره كل الصور التي لا يستطيع وصفها إلا البصير،من غبار النقع وجمال العين ولطف القوام ،فلا تكاد ترى في شعره أثراً من حزن على عين ،أو بكاء على حرمان منظر .
وأما أبو العلاء فأصابته نفس الكارثة فحزن واسترسل في الحزن،فأعرض عن لذات الحياة الدنيا . وبكى نفسه وبكى الناس وبكى كلُّ ما حوله وتحوّل هذا الحزن إلى سخط على الناس من الأصناف والألوان،من أمراء وقادة ورجال دين ونساء ووعاظ ومنجمين،فلم يسره شئ في الدنيا لأنه فقد السرور بالعين ،وحبس نفسه في البيت إذ لم ير نفسه صالحاً لأن يظهر أمام الناس وهو فاقد العينين ،بل أضاف إليه محبساً آخر وسمى نفسه رهين المحبسين : محبسه بفقد نظره ومحبسه في بيته،مع ذلك كله ملأ الدنيا بأثره،فقد انطوى على نفسه يستخرج منها كنوزاً من معارفه وتأملاته وتفكيراته،فا ستضاءت بصيرته بأكثر مما كان يضئ نظره،وتألم هو فلذّ الناس ،وفقد البصر فبصَّر الناس ،وكانت حياته نفعاً جماً في الإملاء والتأليف والتعليم والتفكير الحر الطليق لها لم يستطعه بصير .
وأنا لو أصبت في عيني – لاقدر الله -لكانت طبيعتي أشبه بطبيعة أبي العلاء لا بطبيعة بشار على بعد الفرق بيني وبينه في أنه خصب النفس غزير التفكير متعدد النواحي قوي النقد ،ولعل فقد البصر في الصبا أخف وقعاً من فقده في الكبر . فالصبي مرن ،نفسه كأعضائه ،سرعان ما تتشكل حسب الوظيفة وحسب الظروف،والكبير نفسه كعظام الهرم إذا صدعت صعب أن يجبر صدعها ،وما أبعد الفرق بين فقير عاش فقيراً طول حياته وفقير أصابه الفقر بعد أن عاش عيشة طويلة في الغنى .
أحاطوني بأنواع من المتع:فهذا الراديو بجانبي ولكني لا أستسيغ الغناء كما كنت أستسيغه قبلاً،ولا تهتم نفسي بالمحاضرات كما كانت تهتم بها ،إنما هو شئ واحد كنت أستمتع به في الراديو وهو دلالته على الصباح في اول إذاعته وسماع القرآن يهدئ الأعصاب فيبعث الطمأنينة .
هذا هو الطبيب بعد طول انتظار يفحص عيني ليرى نتيجة العملية وما يخبئه الغد وليقول كلمته الحاسمة،ثم يقول بعد طول الفحص : إن العين قد بدأ التحامها والحمد لله ،ولكن الأيام التالية أيام دقيقة تحتاج إلى شدة عناية وقلة حركة والتزام للنوم على جانب واحد ، إذ أقل مخالفة تفسد ما تمّ. فأهوى على الطبيب أقبله ،ثم لا ألبث أن استصعب الأوامر الجديدة وافتتاح درس في الصبر جديد بعد طول الصبر القديم ،فإلى الله أشكو وأضرع.