خلق الجنين — تطور الجنين والأجهزة
وقد يتساءل المرء لماذا هجرة الخصية من هذه الناحية المستورة المحمية إلى منطقة الصفن وهي خارج البطن والجسم؟ والسبب أن النطاف لايمكن أن تعيش في حرارة البدن الطبيعية بل لابد لها من حرارة دون حرارة الجسم حوالي 3 ـ 4 درجات،ولذا كان أنسب مكان للخصية هي ناحية الصفن خارج الجسم،وفي بعض الحالات قد لاتتمكن الخصية من الوصول إلى الصفن وهذا يسمى طبياً بالخصية الهاجرة،وهنا لاتتشكل النطاف في هذه الخصية الهاجرة لأن حرارة جوف البطن عالية،ولذا لابد عند الولادة للمولود الذكر التأكد من هبوط الخصية ووجودها في تجويف الصفن ،فإن لم تكن موجودة فإنه لابد من معالجة الأمر دوائياً أو جراحياً وإلا تعرضت النطاف للتلف ويصاب الشخص بالعقم.
وقد جهز الصفن بعضلة تسمى العضلة المغضنة للصفن وهذه العضلة بتقلصها أثناء البرد أو استرخائها أثناء الجو الحار فإنها تنظم الحرارة داخل الصفن وبحيث تبقى درجة الحارة أقل كما ذكرنا 2 ـ 4 درجات أقل من الحرارة في جوف البطن.
“في ظلمات ثلاث”
يقول تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلماتٍ ثلاث}[الزمر 6 ]
من الناحية اللغوية:
الظلمة: لغة هي ذهاب النور.
يقول الشاعر أسامة بن منقذ:
إن اصطبار الجنين في ظلم الأح شاءِ أفضى به إلى النور
ويقول الشاعر ابن فرج الإلبيري في ذم غرناطة:
قالوا أتسكنُ بلدةً نفسُ العزيزِ بها تهونْ
فأجبتُهمْ بتأوّهٍ كيف الخلاصُ بما يكونْ
غرناطةٌ مثوى الجني نِ يلذُّ ظُلمتَهُ الجنينْ
ويقول شوقي:
اذكر الآية إذ أنت جنين لك في الظلمة للنور حنين
التفاسير:
الإمام الطبري وتفسير الجلالين وابن كثير وتفسير الظلال: كلها ذكرت أن المعنى: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة الأغشية.
ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله :”أي قدركم في بطون أمهاتكم”خلقاً من بعد خلق” يكون أحدكم أولاً نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصبا وعروقاً وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر”فتبارك الله أحسن الخالقين”، وقوله جل وعلا”في ظلمات ثلاث” يعني ظلمة الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن كما قال ابن عباس ومجاهد” انتهى كلام ابن كثير.
ويقول صاحب الظلال رحمه الله: ” “في ظلمات ثلاث:” ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس،وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم”
والنص القرآني يفيد المنّة: اي أن الله تعالى يذكر أن نمو الجنين يتم داخل ثلاث ظلمات فنفهم من هذا أنه لولا هذه الظلمات لأصابنا أذى كبير.
وتفيد الدراسات أن الضوء يعيق مراحل نمو الجنين والظلمة هامة لهذا النمو.
من الناحية العلمية:
إن الجنين داخل الرحم يُحاط بثلاثة أغشية: 1 ـ الغشاء الساقط وهو الغشاء المكون لمخاطية الرحم السطحية في بداية الحمل ونمو الجنين،وسمي بالساقط لأنه يسقط مع الجنين عند الولادة.
2 ـ والغشاء المشيمي(الكوريوني)وهو الغشاء الذي تصدر عنه الزغابات الكوريونية التي تنغرس في مخاطية وجدار الرحم.
3 ـ والغشاء السلوي(الأمنيوسي).وهو الغشاء الذي يحيط بالسائل الذي يسبح فيه الجنين ويتغذى من خلاله وهو السائل الأمنيوسي.
والجنين موجود في الرحم تحيط به ثلاثة ظلمات: ظلمة تجويف البطن (جدار البطن الأمامي للأم)، وظلمة جدار الرحم،وظلمة الأغشية المذكورة. ولكن الآية الكريمة تشير أن هذا التخلق يحدث في “البطن” يقول تعالى” يخلقكم في بطون أمهاتكم” أي أن الظلمات موجودة في البطن فهل هي هذه الأغشية الثلاثة المعنية هنا؟ الله أعلم. وكما ذكرنا فإن هذه الأغشية هي:
الغشاء الساقط القاعدي: ويقع مابين النطفة والجدار العضلي للرحم
الغشاء الساقط المحفظي: وهو يحيط بالنطفة في جوف الرحم
الغشاء الساقط الجداري: وهذا الغشاء يبطن جوف الرحم في المسافات التي لم ترتكز عليها النطفة.
إن الغشاء الساقط هو غشاء ينشأ من الغشاء المخاطي للرحم وهو يحيط بالنطفة ومن المضغة من الخارج وهو يسقط بعد الولادة أو الإجهاض. ثم يليه الغشاء الكوريوني أو المشيمي، وهناك الغشاء أو السائل الذي يحيط بالجنين إحاطة تامة وكاملة ومن وراء وسط مائي هو السائل السلوي أو الصائي ويسمى أيضاً الأمنيوسي.
ويقول الدكتور الكندي كيث مور في كتابه تطور الجنين الإنساني:”ينتقل الجنين من مرحلة تطور إلى أخرى داخل ثلاثة أغطية التي كانت قد ذكرت في القرآن الكريم بالظلمات الثلاث،هذه الظلمات هي مرادفة للمعاني التالية:جدار البطن،وجدار الرحم،والمشيمة بأغشيتها الكوريو ـ أمينوسية.
وهناك ملاحظة: إن الجنين يعيش في عالم مظلم،فالجفنان لديه ملتحمان والعينان مغمضتان حتى الشهر السابع من الحمل.ولكن مع ذلك فإن العين لدى الجنين حساسة للضوء، ففي الشهر الخامس من الحمل وإذا حاول الطبيب استعمال مايسمى منظار الجنين(الفيتوسكوب) مع منبع ضيائي وحاول النظر داخل الرحم فإن الجنين يحاول بواسطة يديه وحركتها أن يحجب عن العين هذا الضوء.
النفخ بالروح والحركة
الآيات الكريمة:
{الذي أحسنَ كُلَّ شئٍ خَلقهُ وبدأ خَلقَ الإنسانِ من طين* ثُمَّ جعلَ نسلَهُ من سُلالةٍ من ماءٍ مهين* ثُمَّ سَوَّاهُ ونفخَ فيهِ من رُّوحهِ وجعلَ لكمُ السَّمعَ والأبصارَ والأفئدةَ قليلاً ماتشكرون}[ السجدة 6 ـ 9]
{فإذا سَوَّيتهُ ونفختُ فيه من رُّوحي فقَعُوا لهُ ساجدين}[ الحجر29 ]
الأحاديث النبوية الشريفة:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد” [رواه الشيخان وأبو داود والترمذي وهذه رواية مسلم].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا خلقت النفس قال ملك الأرحام: أي ربّ! أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي الله إليه أمره ثم يقول: أي ربِّ أشقيٌ أم سعيدٌ؟ فيقضي الله تعالى إليه أمره فيكتب ماهو لاقٍ حتى النّكبةِ يُنكَبها}[أخرجه البزار وابن أبي عاصموقال الألباني حديث صحيح]
وعن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال يا ابن عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: “من صَوّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً” فربا الرجل ربوةً شديدة واصفر وجهه فقال ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شئٍ ليس فيه روح” أخرجه البخاري].
من الناحية العلمية الطبية:
يقول الدكتور خالص جلبي في إحدى مقالاته: ”
إن الكائن البشري فيه روح حيوانية وروح بشرية. أما الروح الحيوانية فهي كالتي يتمتع بها الحيوان بل تشبه النامية النباتية في النبات،ويتم بكل من الروح الحيوانية والنامية النباتية توالد الخلايا وتكاثرها والأعمال الغريزية ووظائف الحواس دون أن تهب النبات أو الحيوان الإدراك الشامل أو البصيرة النافذة او العقل المدبر. أما الروح البشرية التي تميز بها الإنسان عن النبات والحيوان فهي التي يشرق منها نور البصيرة فيتم الإدراك ويسيطر العقل وتتصرف الإرادة ويستقيم المنطق الذي حُرم منه الحيوان.
إن هناك فرقاً بين الحياة الخلوية والحياة الإنسانية،فالحياة موجودة في البيضة أو النطفة حتى ماقبل التلقيح،ولكن الروح التي أشار إليها حديث ابن مسعود بعد 120 يوماً هي تلك الروح العاقلة عند الإنسان والتي تشكل البعد الجديد التي لايعرفها أحد،والعلم ليس لديه أدنى فكرة عن ماهيتها{ويسألونك عن الرُّوحِ قل الرُّوحُ من أمر ربّي وما أوتيتُم من العلم إلا قليلا}.[الإسراء 85].
إن عملية جمع الخلق والتقاء البيضة مع النطفة أي حساب الاربعينات يبدأ اعتباراً من أول الدورة الشهرية أي من أول يوم من أخر طمث رأته المرأة لأنه اليوم الذي يبدأ فيه تشكل الجريب حول البيضة،أو بكلمة أخرى هو اليوم الذي يبدأ فيه التطور الذي سيؤدي للإلقاح، وهو أيضاً مايسمى حساب عمر الحمل الذي يبدا من أول يوم من أخر طمث، والحمل اربعون اسبوعاً اعتباراً من هذا التاريخ وليس عبثاً اختيار هذا التقويم لان اليوم الأول من أخر طمث هو الموعد الحقيقي لبدء حوادث الحمل،وهو اليوم الوحيد الذي تذكره المرأة ويمكن سؤالها عنه.
أما علماء الجنين فيأخذون تقويماً أخر يسمى تقويم الحمل وذلك منذ الإلقاح أي لحظة التقاء النطفة مع البيضة،وهو أمر خفي يحصل في أعماق جسم المرأة ولا سبيل لمعرفته وتوقيته بالضبط.
إن حديث الأربعينات يقول بهذا الجمع:
فالمرحلة الأولى: النطفة:
ومدتها أربعون يوماً من أول يوم من أخر طمث
المرحلة الثانية: العلقة:
ويكون فيها محصول الحمل معلقاً بجدار الرحم،ويتخلق فيها معظم الأعضاء وحين تنتهي هذه المرحلة يكون الجنين خلقاً سوياً يشبه البشر في كل شئ ما خلا عظامه التي لم تتعظم وعضلاته التي لم تتكون بعد. وفي نهاية هذه المرحلة أي بعد 40 يوماً أخرى يكون محصول الحمل قد ملأ جوف الرحم بالكامل ولم يعد معتمداً على خاصية تعليقه في جدار الرحم.
المرحلة الثالثة:المضغة:
يكون فيها محصول الحمل اصبح كقطعة لحم مؤلفة من مضغة مخلقة هي الجنين،وغير مخلقة هي الأغشية والمشيمة،وهاتان المضغتان وحدة لاتنفصم ولاتستغني إحداهما عن الأخرى،وتستمر هذه المرحلة أيضاً 40 يوما، وهنا يحدث التعظم وتشكل العضلات وتنتهي هذه المرحلة بنفخ الروح.
إذاً فإن هناك حياة في البيضة والنطفة قبل الإلقاح،وهناك أيضاً حركة، فالنطفة تتحرك وكذلك البيضة،ولكن الحركة ليست دليلاً على الروح،فالحركة موجودة أيضاً في الجوامد كحركة الالكترونات حول النواة،وحركة النجوم والأرض، وحركة الأميبا، وكما ذكرنا حركة النطفة والبيضة.
والروح التي في أجسامنا نحن البشر من روح الله تعالى، ونسبت إليه للتشريف غاية التشريف لبني آدم{ثم سواه ونفخ فيه من روحه}.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب”التبيان في أقسام القرآن” : ”
فإن قيل : الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟ قيل: كان فيه حركة النمو والأغتذاء كالنبات،ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة،فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه”.
ويقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله:
“يتم نفخ الروح في الجسم بعد تسويتها،والمفهوم من نفخها تحصيل آثارها في الجسم والذي ترشد إليه الأثار الدينية أنها تخرج من بدن الإنسان فيكون الموت،وإنما تبقى ذات ادراك تسمع السلام عليها، وتعرف من يزور قبر صاحبها،وتدرك لذة النعيم وألم الجحيم، وإن مقرها يختلف بعد مفارقة البدن بتفاوت درجاتها عند الله” .
ولاتحدث حركة الجنين إلا بعد أن يتكون الهيكل العظمي والنسيج العضلي وهذا ماذكرناه في مرحلة المضغة ثم يحدث نفخ الروح،وحدوث الحركة بعد تشكل العظام والعضلات.ويمكن ملاحظة حركات الجنين باستعمال واسطة مافوق الصدى،ووجد أنه يحدث في البداية حركات بدائية للجنين وتسمى حركات البينغ ـ بونغ ثم تتطور إلى حركات متناسقة وذات هدف في نهاية الشهر الثالث حيث تبدأ لديه حركات إرادية ومنها:
يمص أصابعه،يهز رأسه،يمسك بالحبل السري،يصبح كثير الحركة، يتقلب في الرحم،وتظهر منعكسات القبض..وهذه الحركات لها علاقة مع تميز ونضج الكتلة العضلية ونمو الجملة العصبية المركزية والمحيطية،وحتى الآن لانعرف لماذا يتحرك الجنين بهذا الشكل.
كما لوحظ أن الجنين ينام ويصحو،ويسمع الأصوات،كما أن الكبد والقلب والدماغ والأطراف والسمع والبصر يكتمل بناؤها في نهاية الشهر الثالث،وفي نهاية هذا الشهر تتميز الأعضاء التناسلية الباطنة والظاهرة، ويمكن التفريق بين الذكر والأنثى. وفي هذه الفترة يتخذ الجنين وجهه الشكل الإنساني المميز، أما قبل ذلك فشكله يشبه جنين السمك أو الطائر أو الأرنب أو القرد. وفي هذا الشهر تظهر السمات الإنسانية ويكتمل نمو الوجه تقريباً وتبدأ العضلات الإرادية بالحركة،بل إن عضلات الوجه تعبر عن حالة الجنين وما يعانيه.
ويقول الدكتور محمد علي البار:
“لدى الجنين توجد كتابة دقيقة ورسم بارع يبدأ في نهاية الشهر الثالث من العمر،والغريب أنه لايوجد اثنان على الأرض تتشابه فيهم هذه الكتابة حتى ولو كانا توأمين،ثم تختفي هذه الكتابة تحت الطبقة الدهنية الكثيفة والتي تحمي جلد الجنين من عبث أصابعه وأظافره، ومن المعلوم اليوم أن إحدى علامات التفرد الذاتية هي بصمات الأصابع وخاصة الإبهام، وأكمل منها الكتابة على الجبين،ومن الثابت علمياً ان هذه الخطوط الدقيقة البارعة قد خطت ورسمت بعناية فائقة عندما كان الإنسان في رحم أمه وهذه الكتابة تبدأ في الشهر الثالث وتكتمل في نهايته.
وهناك ملاحظة: من حديث الأربعينات يتبين أن مستقبل الجنين يتم بعد أن تنفخ فيه الروح، ويقدر أجله ورزقه وأقداره الأخرى،وهذا يتم في تمام الأربعين الثالثة، والسؤال:إذاً لاعلاقة لهذه الكروموزومات والجينات التي تكون موجودة ابتداءً من النطفة والبيضة؟ فهناك أشياء نحن بها مسيرون لامخيرون كالطول والقصر وشكل الوجه ولون الجلد… والله تعالى لايحاسبنا على اختلافنا فيها فالكل عباد الله ولافضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى.أما الرزق والأجل والشقاء والسعادة فهي معلومات يسجلها الملك على الجنين بعد اكتماله فهي ليست مركبة في كيانه فالله رزاق ولكن الإنسان مطالب بالسعي وراء الرزق، والله تعالى يحدد الأجل ولكن الإنسان مطالب برعاية صحته،والسعادة والشقاء متعلقان بالإيمان والعمل الصالح أو عدمهما.
وكان يقال سابقاً أن الجنين داخل الرحم يعيش في عالم مستقل عن الأم، وهذه نظرية قديمة تبين خطأها وعدم مصداقيتها،حيث تبين أن الجنين يشارك ويتأثر بالحالة الإنفعالية والبيولوجية للأم.فالجنين قد يرتكس ويتفاعل لمنبهات عديدة آلية أو فيزيائية تقع في محيطه،فمثلاً إن الضغط الذي يمكن إحداثه على الرحم في الشهر الأول من الحمل قد يترافق مع حركة للجنين،وكذلك فإن بعض الأصوات يمكن أن تستدعي حركة الجنين وخاصة حركة أطرافه وتسبب تسرع القلب لديه، وتبين أن الجنين داخل الرحم يعيش في طور نوم يماثل طور النوم عند الكهل المسمى بطور ” الريم”.
“ويعلم ما في الأرحام”
الآيات الكريمة:
{إنَّ اللهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعةِ ويُنَزِّلُ الغيثَ ويعلمُ مافي الأرحام وماتدري نفسٌ ماذا تكسِبُ غداً وماتدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ إنَّ الله عليمٌ خبير}[ لقمان 34]
الأحاديث الشريفة:
عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: ” مفاتيح الغيب خمس لايعلمهنّ إلا الله وذكر الآية “إن الله عنده علم الساعة….”[ أخرجه البخاري وأحمد].
وفي الرواية الثانية للحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مفاتيح الغيب خمس لايعلمها إلا الله: لايعلم ماتغيض الأرحام إلا الله، ولايعلم مافي غد إلا الله، ولايعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولاتدري نفس باي أرض تموت إلا الله، ولايعلم متى تقوم الساعة إلا الله”[ رواه البخاري]
التفاسير:
ابن كثير:” هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلايعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها،فعلم وقت الساعة لايعلمه نبي مرسل ولاملك مقرّب{لايجليها لوقتها إلا هو}[الأعراف 187]،وكذلك إنزال الغيث لايعلمه إلا الله ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه،وكذلك لايعلم مافي الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى،شقياً أو سعيداً أعلم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه” .
وجاء في تفسير ابن جرير الطبري: “أخبر الله تعالى أن عنده علم كل شئ كان ويكون وماهو كائن ومما لم يكن بعد وذلك هو علم الغيب.
وقال صاحب تفسير المنار الشيخ محمد رشيد رضا: “الغيب هو ماحجب الله علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به،لكونه مما لاتدركه مشاعرهم الظاهرة ولاالباطنة، كعالم الآخرة.
وبشكل مشابه لذلك جاءت التفاسير الأخرى وخاصة ابن عاشور والخازن والنسفي والزمخشري..
الناحية العلمية:
كثير من الناس يتساءلون ويقولون: إن العلم استطاع أن يصل إلى نوع الجنين،هل هو ذكر أو أنثى،وأنه أمكن وباستعمال بعض أجهزة التصوير الدقيقة وهو في بطن أمه وباستعمال بعض الفحوص النوعية أن يكتشفوا بعض التشوهات الجنينية داخل الرحم،ويزيدون على ذلك أن العلم استطاع أن “يخلق” مايطلقون عليه “أطفال الأنابيب”، وعلى زعمهم أن هذا يتناقض مع احد الغيبيات الخمس التي ذكرت في سورة لقمان.
ونجيبهم على ذلك:
1 ـ إن الله عنده علم الغيب ولايعلم الغيب إلا الله،ولكنه قد يُعلم من خلقه ماشاء ولمن شاء، يقول تعالى: {عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً *إلا من ارتضى من رسول}[الجن 26 ـ 27]، أما علم الساعة فإنه علم اقتصر على الله تعالى ولم يُعلمه ولن يُعلمه أحداً من خلقه في الأزل وإلى أن تقوم الساعة يقول تعالى: {يَسألُونكَ عن السَّاعةِ أيَّانَ مُرسَاها قُل إنّما عِلمُها عندَ رَبّي لايُجَلّيها لوقتِها إلا هُو ثَقُلت في السَّمواتِ والأرض لاتأتيكُم إلا بغتةً يسألُونكَ كأنّكَ حَفيٌّ عنها قُل إنّما عِلمُها عند الله ولكنَّ أكثرَ الناسِ لايعلمون}[ الأعراف 187]
ويقول تعالى{يسألُكَ النَّاسُ عن السَّاعةِ قُل إنّما عِلمُها عندَ الله ومايُدريكَ لَعلَّ السَّاعةَ تكونُ قريباً}[ الأحزاب 63 ]
ويقول تعالى{يَسألُونكَ عنِ السّاعةِ أيَّانَ مُرساها *فِيمَ أنتَ من ذكراها* إلى رَبّكَ مُنتهاها* إنّما أنتَ مُنذرُ من يَخشاها* كأنَّهُم يومَ يَرونها لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضُحاها} [النازعات 42 ـ 46 ]
2 ـوفي قوله تعالى”ويعلم مافي الأرحام“: فحرف ما هنا يشير ويشتمل على أشياء ومضامين ودلالات واسعة،ولايقتصر كما يظن البعض على تحديد جنس الجنين داخل الرحم هل هو ذكر أو أنثى، ولكنه يعني بالإضافة إلى هذا جنس الجنينن وهل هو شقي أو سعيد،هل هو ذكي أو غبي، هل هو سليم أو مريض، هل هو أبيض أو أسود،عمره، أجله، اسمه واشياء أخرى.. {وماتَحمِلُ من أنثى ولاتَضعُ إلا بعلمه}[فاطر11]
فهذه المعاني وغيرها لايمكن للبشر ولا لعلم البشر الإحاطة بها كلها وإنما هو علم الله الذي أحاط بكل شئ،بل الأبعد من ذلك أن الله تعالى أخبر النبي زكريا عليه السلام بإبنه يحيى قبل أن يولد،وأخبره بإسم هذا الإبن، وهو اسم لم يكن البشر يسُمون به من قبل، ونبأه أنه سيكون نبياً سيداً وحصوراً ومن الصالحين،وكل هذا تم قبل أن يوجد هذا الطفل في رحم زوجة زكريا،وقبل أن يتم الخلق تماماً، فهذا البلاغ كان لنبي الله زكريا وهو قائمٌ يصلي في المحراب يدعو الله أن يرزقه الذرية الصالحة يقول تعالى: {هُنالِكَ دعا زَكريا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَب لي من لَدُّنكَ ذُريّةً طَيِّبةً إنّكَ سميعُ الدُّعاء*فنادَتهُ الملائكةُ وهوَ قائِمٌ يُصلي في المِحرابِ أنّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيحيى مُصَدِّقاً بِكَلمةٍ من الله وسَيّداً وحَصوراً ونبيّاً من الصالحين}[ آل عمران 38ـ 39]
وبشكل مشابه عندما بشرت الملائكة أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام وزوجته سارة بقدوم سيدنا اسحق،وسيرزق اسحق أيضاً في حياتهما ولداً اسمه يعقوب ـ وذلك استجابة لدعاء أبي الأنبياء إبراهيم وهو شيخ كبير:{ربِّ هب ليمن الصالحين}[الصافات100] ـ ولقد تعجبت سارة من هذه البشارة لأنها كانت عقيماً لاتلد ولأنها طعنت في السن إذ تقول بعض الروايات أنها بلغت من العمر تسعين عاما،أو تسعة وتسعين كما قيل أيضاً، وكان أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام قد جاوز المائة سنة وقيل مائة وعشرين سنة. قال تعالى :{ وامرأتُهُ قائمةٌ فضحكت فبَشَّرناها بإسحقَ ومن وراءِ إسحقَ يعقوب* قالت ياويلتى أألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشئٌ عجيب* قالوا أتعجبينَ من أمرِ الله رَحمتُ الله وبركَاتُهُ عليكُم أهلَ البيتِ إنَّهُ حميدٌ مَجيد}[ هود 71 ـ 73] وقال تعالى : {قال أبَشَّرتُموني على أن مَسَّنيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرون* قالوا بَشَّرناكَ بالحَقِّ فلا تَكُن من القانطين}[ الحجر 54 ـ 55]، فماذا كان جواب إبراهيم عليه السلام:{قال ومن يقنط من رحمة ربّه إلا الضالون}[الحجر 56]، وقد أثنى إبراهيم الخليل على ربه فقال:{ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إنّ ربي لسميع الدعاء}[إبراهيم39].
3 ـ إن معرفة جنس الجنين هل هو ذكر أو أنثى لايمكن أن يتم إلا بعد اللجوء إلى بعض الوسائط الطبية التشخيصية ومنها فحص الخزعة الكوريونية أو الفحص الخلوي للسائل السلوي أو اللجوء إلى مافوق الصدى أو من خلال التنظير… وهذا كله يعتمد على اللجوء إلى هذه الوسائل الحسية لمعرفة جنس الجنين وهذا أمر ليس بالمعجز وليس له علاقة مع عالم الغيب ولايمكن مقارنته مع علم الله الذي يعلم كل شئ بدون أن يستعين بأي من هذه الواسطات التشخيصية.
4 ـ إن علم الله تبارك وتعالى لايتعرض للخطأ أو السهو ،بينما علم المخلوقات فهو معرض للخطأ والسهو وسوء التقدير وماذكر سابقاً من استعمال الوسائط المذكورة كله قابل للخطأ والنتائج الخاطئة أحياناً.
5 ـ إن علم الله:
ـ هو علم غيبي منذ الإلقاح وتكون الجنين وماقبل ذلك وهو علم أزلي أبدي يسبق خلق المخلوقات.
ـ وهو علم لايحتاج إلى واسطة أو سبب فالله خالق الأسباب ومسبب المسببات.
ـ وهو علم مطلق غير معرض لأدنى الخطأ أو سوء التقدير ولايرقى إليه الشك.
ـ وهو علم شامل لايقتصر على تحديد جنس الجنين فقط بل يشمل كما ذكرنا أبعد من كل هذا من الأجل والرزق والشقاء والسعادة ..
ـ وهو علم محيط بكل الخلق وبكل الأرحام وماهو كائن وما سيكون.
“وما تغيض الأرحام وما تزداد”
الآية الكريمة : {الله يعلمُ ما تحمٍلُ كُلُّ أنثى وما تَغيضُ الأرحامُ وما تَزدادُ وكلُّ شئٍ عندهُ بمقدار}[الرعد 8]
من الناحية اللغوية:
يقال: غاض الماء : إذا غار أو نقص. وغاض الماء أو الثمن : أنقصه، والغيض: القليل، ويقال: غيض من فيض أي قليل من كثير.
وجاء في المفردات في غريب القرآن للأصفهاني: “وغيض الماء،وماتغيض الأرحام: أي تفسده الأرحام فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض ،والغيضة: المكان الذي يقف فيه الماء فيبتلعه”
التفاسير:
وردت كلمة غاض في القرآن الكريم في موضعين:
{ وغِيضَ الماءُ وقُضيَ الأمرُ واستوت على الجودي}[ هود44]
{وماتغيضُ الأرحام وماتزداد} [الرعد 8]
وكما قال المفسرون لم يقل تعالى وماتغيض الارحام و”ماتفيض” وإنما قال ” وماتزداد”، لأن الزيادة هنا أدق ولأن كل زيادة تحصل في الأرحام زيادة محسوبة ومقدرة” وكل شئٍ عنده بمقدار“وذلك حسب الحاجة والمصلحة،أما الفيض فهو يعني الزيادة غير المقدرة،والفائض هو مازاد عن الحاجة.
وفهم السلف الصالح والمفسرون هذه الآية الكريمة على أنها ماينقص أو يزيد عن مدة الحمل، وعدد الأجنة وبنية الجنين ورزقه..ومنهم من قال:يعني الدم الذي ينزل على المرأة الحامل،أو هو السقط أو السقط الناقص،أو ماتفسده الأرحام فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض.
قال ابن عباس وقتادة:”وماتغيض الأرحام: السقط، وماتزداد: مازادت الرحم في الحمل على ماغاضت حتى ولدته تماما.
وبعض المفسرون قالوا غيض الرحم:الدم على الحمل، قال مجاهد: “وماتغيض الأرحام:” الدم الذي تراه المرأة في حمله ، وقد عزا نقصان الأرحام وزيادتها إلى هذا الدم.
إذاً فإن هؤلاء المفسرين يعزون “الغيض” إلى “السقط” أو نزول الدم على الحامل.
ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله:
“أي:ما تُنقص وما تُذهب من السَّقط في أي إجهاض،أو ماينقص من المواليد بالموت،فغاضت الأرحام،أي:نزلت المواليد قبل أن تكتمل خلقتها،كأن ينقص المولود عيناً أو اصبعاً،أو تحمل الخِلقة زيادة تختلف عما نألفه من الخلق الطلبيعي،كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين.أو أن تكون الزيادة في العدد،أي: أن تلد المرأة توأماً أو أكثر،أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحمل.وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام،أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده،أو يكون النظر إلى الزمن،كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم رأو شهر أو شهران،ثم إلى ستة أشهر،وعند ذلك لا يقال إجهاض،بل يقال ولادة.
ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
“فلما أن صور العلم بالغيض والزيادة في مكنونات الأرحام،عقب بأن كل شىء عنده بمقدار.والتناسق واضح بين كلمة مقدار وبين النقص والزيادة”.
من الناحية العلمية:
إن الرحم هو العضو الوحيد الذي لايستقر على حالٍ منذ بلوغ الأنثى وحتى سن الإياس(الضهي)، وأثناء الحمل وخارج أوقات الحمل،حيث تجري فيه عمليات غيض”نقصان”، وازدياد،حسب مقتضى الحاجة والمصلحة.
مالذي يحدث مثلاً أثناء الحمل من “زيادات”:
1 ـ السائل السلوي:
يبلغ حجمه 50 سم3 في الاسبوع الثاني عشر من الحمل،ويبلغ حوالي 400سم3 في أواسط الحمل، وحوالي اللتر في الاسبوع 36 من الحمل. ثم ينقص تدريجياً فإذا ماتأخرت الولادة قد يكون هناك شحٌ شديد في كميته.وهذا السائل يتجدد بكامله يومياً حوالي 8 ـ 12 مرة،ويتم هذا التجديد عبر اغشية السائل السلوي ومن خلال عملية البلع والتبول التي يقوم بها الجنين.
2 ـ الدوران الرحمي ـ المشيمي:
في خارج أوقات الحمل يبلغ معدل الدوران الرحمي حوالي 1،5من نتاج القلب،وفي أواخر الحمل يبلغ حوالي17 بالمائة من نتاج القلب، ويتضاعف الدوران الرحمي عند الحامل حوالي15 مرة في غير الحمل.
3 ـ الرحم:
يزداد الرحم وزناً وحجماً،
فسعته قبل الحمل لاتجاوز 10 سم،وتتضاعف أكثر من ألف إلى ألفين مرة أثناء الحمل، ووزن الرحم قبل الحمل 50 ـ 70 غ، ويصبح بعد الوضع مباشرة حوالي1200غ،ثم يبدأ الغيض في فترة النفاس، ويعود لوزنه وحجمه وسعته السابقة خلال أيام بعد الولادة وكأن شيئاً لم يكن!
4 ـ الجنين:
فهو ينمو ويتطور باستمرار كما ذكرنا،ويمكن معرفة عمر الحمل بقياس القطر بين الجدارين بواسطة مافوق الصدى،أو طول عظم الفخذ .. وكما ذكرنا فإن النطفة الأمشاج تكون بحجم حوالي 200 مكرون،ويبلغ وزن الجنين عند الولادة حوالي 3200غ.
وماذا يحدث خارج أوقات الحمل:
أثناء الطمث ومابين الدورات الطمثية تحدث تبدلات في الغشاء المخاطي للرحم والتي لها علاقة مع الإفرازات الهرمونية،كما تحدث تبدلات في مخاطية عنق الرحم،وكذلك في طور الإباضة.
فالرحم هو العضو الوحيد في الجسم والذي لايستقر على حال سواء في أثناء الحمل وخارج أوقات الحمل،وتجري فيه عمليات غيض وزيادة حسب مقتضى المصلحة والحاجة والتي يقدرها الله تعالى ،وحسب الطور والسن والمرحلة:حمل، ولادة، نفاس، طمث، إباضة..
“حملته كُرهاً ووضعته كُرها”
الآيات الكريمة:
{وَوصينا الإنسانَ بوالديهِ إحساناً حملتهُ أمُّهُ كُرهاً ووضَعتهُ كُرهاً وحَملُهُ وفِصالُهُ ثلاثونَ شهراً [ الأحقاف 15]
{ووَصَّينا الإنسانَ بوالديهِ حَملتهُ أمُّهُ وهناً على وهنٍ وفِصالُهُ في عامينِ أن أشكُر لي ولوالديكَ إليّ المصير]“[ لقمان 14]
آثار السلف الصالح:
شهد عبد الله بن عمر رجلاً يمانياً يطوف بالبيت قد حمل أمه على ظهره يقول:
إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر
الله ربي ذو الجلال الأكبر
حملتها أكثر مما حملت فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟
فقال ابن عمر:لا،ولا بزفرة واحدة.
( أي من زفرات الطلق والوضع ونحوها)
التفاسير:
جاء في تفسير التحرير والتنوير لإبن عاشور:
“الكّره: بفتح الكاف وبضمها مصدر أكره: إذا امتعض شئ أي كان حمله مكروهاً لها،أي حالة حمله وولادته لذلك، والمعنى أنها حملته في بطنها متعبة من حمله تعباً يجعلها كارهة لأحوال ذلك الحمل، ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
“وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال”حملته أمه كرهاً “ولكـنأها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد ويلهث بالأنفاس!إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه،وصورة الوضع وآلامه.ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة.
إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم،وهي مزودة بخاصية آكالة.تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله،فيتوارد دم الأم إلى موضعها،حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائماً في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات،وتمتصه لتحيا به وتنمو،وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم.دائمة الامتصاص لمادة الحياة.والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص،لتصب هذا كله دماً نقياً غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول!وفي فترة امتصاصه للكلس من دم الأم فتفتقر إلى الكلس ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير!وهذا كله قليل من كثير.
ثم الوضع،وهو عملية شاقة،ممزقة،ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة.ثمرة التلبية للفطرة،ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش،وتمتد…بينما هي تذوي وتموت!
ثم الرضاع والرعاية.حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن،وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية.وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود. لا تمل أبداً ولا تكره تعب هذا الوليد.وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد.فأنى يبلغ الإنسان في جزاء هذه التضحية،مهما يفعل،وهو لا يفعل إلا القليل الزهيد”.
ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى”وهناً على وهن”:
“أي: ضعفاً على ضعف،والمرأة بذاتها ضعيفة،فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها،ويكبر في أحشائها يوماً بعد يوم،لذلك قلنا:إن من حكمة الله تعالى في خلق الرحم أنه جعله قابلاً للتمدد والاتساع ليحتوي الجنين في مراحل الحمل المختلفة إلى أن يزيد الجنين زيادة لا يتحملها اتساع الرحم فينفجر إيذاناً بولادة إنسان جديد وخلق آخر .ومن العجيب أن الرحم بقدرة الله يتسع لعدة توائم كما نرى ونسمع.
فالجنين كان خلقاً تابعاً لأمه في غذائه وتنفسه وحركته،لكن حينما جاء أمر الله وأذن بميلاده أنشأه خلقاً آخر له مقومات حياة مستقلة غير متصل بأمه.{ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}[المؤمنون 14].
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله (موقع القرضاوي ـ مقال:للأم في الغرب يوم ونحن كل أيام أمهاتنا أعياد):
“لا يعرف التاريخ ديناً ولا نظاماً كرّم المرأة باعتبارها أماً،وأعلى من مكانتها مثل الإسلام.
لقد أكد الوصية بها وجعلها تالية للوصية بتوحيد الله وعبادته،وجعل برها من أصول الفضائل،كما جعل حقّها أوكد من حقّ الأب،لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية.وهذا ما يقرره القرآن ويكرره في أكثر من سورة ليثبته في أذهان الأبناء ونفوسهم،مثل الآيات 14 من سورة لقمان،و15 من سورة الأحقاف.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله:من أحق الناس بصحابتي؟قال: أمك.قال:ثم من؟قال: أمك.قال: ثم من؟ قال: أمك.قال: ثم من؟ قال: أبوك”[متفق عليه]
ومن رعاية الإسلام للأمومة وحقها وعواطفها:أنه جعل الأم المطلقة احق بحضانة أولادها،وأولى بهم من الأب..
قالت امرأة:يا رسول الله إن ابني هذا،كان:بطني له وعاء،وثدي له سقاء،وحَجري له حِواء،وإن أباه طلقني،وأراد أن ينتزعه مني! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:أنت أحقّ به ما لم تنكحي“[رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وجاء في مجمع الزوائد للهيثمي رجاله ثقات].
ومن الناحية الطبية:
أشار الطبيب والعالم والفيلسوف ابن سينا إلى الحمل والحامل في كتابه المشهور “القانون” وجاء في مقال فيه بعنوان”تدبير كلي للحوامل”:
“يجب أن يعتنى بتليين طبيعتهن بما يليّن باعتدال…وأن يكلفن الرياضة المعتدلة والمشي الرفيق من غير إفراط…ويجب أن لا يُد}منَّ الحمام،بل الحمام كالحرام عليهن إلا عند الإقراب(اقتراب وقت الولادة).ويجب أن تدهن رؤوسهن،فربما عرض من ذلك نزلة فيعرض السعال،فيزعزع الجنين ويعده للإسقاط.ويجب أن يجتنبن الحركة المفرطة والوثبة والضربة والسقطة والجماع خاصة والامتلاء من الغذاء والغضب،ولا يورد عليهن ما يغمُّهن ويحزنهن،ويبعد عنهن جميع أسباب الإسقاط وخصوصاً في الشهر الأول”.
إن الحمل Pregnancyعملية فيزلوجية طبيعية، ومع ذلك فإنه ينصح طبياً وعملياً بإجراء مالايقل عن عشرة فحوص أثناء الحمل للحامل ومحصول الحمل.ومن خلال هذه الفحوص ومن خلال القصة السريرية والعائلية يتم السؤال عن الحمول السابقة وكيف كان سيرها(ولادة طبيعية أم قيصرية؟)والسؤال عن بعض العادات وخاصة التدخين، وفي الغرب السؤال عن تناول الخمر والمخدرات(وإن كان وللأسف قد ابتلي مجتمعنا بهذه البلاوى في السنوات الأخيرة)، والسؤال عن بعض الأمراض الذاتية أو العائلية وخاصة أمراض القلب والكلية وارتفاع الضغط الشرياني، وفقر الدم وداء السكري والأمراض النزفية(مثل داء الناعور) وأمراض الروماتزم، والالتهابات المزمنة وخاصة أمراض الكبد الفيروسية، والسؤال عن الإصابة قديماً ببعض الأمراض الفيروسية أو تناول اللقاحات وخاصة فيما يتعلق بداء الحصبة الألمانية وداء التوكسوبلاسما..وتجرى بشكل دوري الفحوصات على الأم وخاصة الوزن والضغط وفحص البول والدم وفحص الرحم والحوض العظمي..كما يتم فحص محصول الحمل وخاصة بواسطة فوق الصدى ومعرفة نموه، ووضعه داخل الرحم ودقات القلب وحجم الرأس والتطور المستمر لنموه..
إن الحمل يترافق بتغيرات في كيمياء الجسد تؤثر في كل أعضائه وأجهزته، ويستدعي تبدلات جذرية ويؤثر على الحامل نفسياً وجسدياً، وحتى بعد اسبوع من الإباضة تشعر المرأة بأنه قد تغير شيئاً ما في كيانها، وأنه قد حدث شئ في تركيبها وعضويتها،ويأتي فحص البول والدم ليؤكدا ظنونها ويُلغى الشك باليقين.
ومن هذه التبدلات احتقان الثديين مع شدة حساسيتها، وتكون شديدة الحساسية لبعض الروائح ، وحدوث التعب والذي قد يكون شديداً، وتصاب بقلة التركيز وعدم القدرة أحياناً على إتمام العمل،مع أن محصول الحمل في الفترة الأولى لايتجاوز الملمتر الواحد،وتصاب الحامل بسبب الكثير من التبدلات الهرمونية والوظيفية بكثير من الأعراض المزعجة ومنها الإصابة بالغثيان وخاصة الصباحي والذي قد يكون شديداً يترافق مع الإقياء والتي قد تكون شديدة وتسبب نقص الشهية وعدم تناول الطعام مع نقص الوزن والوهن العام،كما يشاهد لاحقاً الآم معدية مع حموضة شديدة والسبب في ذلك أن ضخامة الرحم تدفع المعدة للأعلى وهذا يسبب قصوراً على مستوى المصرة الفؤادية وهذا يسبب قلساً معدياً ـ مريئياً قد يتطلب المعالجة بتناول مضادات الحموضة الدوائية،كما يترافق الحمل أحياناً مع الإمساك وقد يكون شديداً وقد يترافق مع زيادة عدد مرات التبول وخاصة عند ازدياد حجم الرحم والضغط على المجاورات وخاصة المثانة،وقد تكثر مشاهدة الالتهابات في المجاري البولية ، وقد يترافق الحمل مع آلام في العمود الفقري وقد تكون شديدة أحياناً،كما يشاهد اضطرابات دورانية وعائية ومنها حدوث الدوالي والبواسير والناجمة عن ضغط الرحم على أوردة الحوض وخاصة في أشهر الحمل الأخيرة.وقد تحدث اضطرابات في الضغط الدموي وخاصة هبوط الضغط الشرياني ومايسببه من دوار ودوخة وصداع وفي حالات نادرة قد يشاهد ارتفاع التوتر الشرياني وهذا قد يكون له انعكاسات سلبية وأحياناً خطرة على الأم والجنين،وتحدث لدى الحامل تغيرات طبيعية في جهاز الدوران وهدفها توفير الأوكسجين والغذاء اللازم للجنين، وإن عودة القلب إلى وظيفته الطبيعية لايحدث إلا بعد اسبوعين من الولادة، وإذا كان قلب الحامل طبيعياً فإنه يتمكن من تحمل هذا العبء الدوراني طيلة فترة الحمل، أما إذا كانت هناك إصابة قلبية ومنها مثلاً أدواء القلب الدسامية وخاصة الولادية أو الرثوية”الروماتزم” فإن هذا قد يسبب اضطرابات دورانية على الحامل قد تكون شديدة.
كما قد يشاهد أحياناً بعض الاضطرابات الغدية ومنها الإصابة بتضخم الغدة الدرقية(السلعة)والناجمة عن ارتفاع في تركيز استروجينات الدم والتي تثبط من كمية التيروكسين الحر في المصل الدموي،ومنها ارتفاع سكر الدم والإصابة بما يسمى السكري الحملي وهذا له مضاعفاته على الأم والجنين،كما قد يشاهد الوذمات الحملية والناجمة عن ازدياد تركيز الألدوستيرون في الدم، كما يشاهد نقص في بعض الفيتامينات الضرورية والمعادن الهامة وخاصة نقص الحديد وحمض الورق وما قد ينجم عن ذلك من حدوث فقر الدم ومضاعفاته..إن معظم الأمهات الحوامل يُصبن بفقر الدم وذلك بسبب زيادة حجم الدم عند الحامل وانتقاله من خلال المشيمة إلى الجنين،وإن فقر الدم الشديد إن لم يعالج فله تأثيراته السلبية على الأم والجنين معاً، ولذا لابد من الفحوص المخبرية الدورية للحامل وتعويض الفيتامينات والمعادن اللازمة وحتى نهاية الحمل وربما بعده أيضاً.
إن العناية بتغذية الحامل أمر هام وضروري وفي كل مراحل الحمل.ففي الثلث الأول من الحمل تبدأ أجهزة محصول الحمل بالتشكل وخاصة الجهاز العصبي وهذا يتطلب من الحامل الغذاء الجيد وخاصة مع الفيتامينات الضرورية وخاصة الفيتامين AوB والتركيز على عنصر البروتينات في الغذاء.
وفي الثلث الثاني يزداد حجم الجنين بشكل ملحوظ ويبدأ الجهاز العظمي بالتشكل ولذا لابد من تناول الكلسيوم (منتجات الألبان) مع الفيتامينDوالذي يكثر في الأسماك والتعرض للشمس، والحديد(الخضر الخضراء واللحوم).وكذلك تناول الفلوريد.
ومن الأمراض الخطيرة التي قد تصيب الحامل مايسمى “الانسمام الحملي Eclampsia وهو يترافق مع ارتفاع التوتر الشرياني لدى الحامل مع وجود وذمات شديدة في الجسم واضطرابات عصبية مركزية قد تسبب الاختلاجات،واضطرابات هضمية وقد تكون ذات نتائج خطيرة ومهددة للحياة بالنسبة للحامل أو الجنين.
الحامل والتدخين:
إن التدخين يسبب اضطرابات شديدة وخاصة للجنين، حيث تبين أن التدخين يترافق مع نقص وزن الوليد وربما حدوث الخداج والولادة المبكرة، وإن النيكوتين يسبب اضطرابات دموية وتشنجات وعائية في الدوران الوالدي الجهازي والرحمي،كما أنه قد يسبب بعض الاضطرابات التنفسية بالنسبة للوليد.
ومن الناحية الدينية:
يقول الإمام علي رضي الله عنه: “إن للمرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها من الأجر كالمرابط في سبيل الله، فإن هلكت فيما بين ذلك فلها أجر الشهيد”.
من الناحية الأدبية:
يعجبني قول شاعر المعرة حيث يقول:
العيشُ ماضٍ فأكرِمْ والديكَ بهِ والأمُ أولّى بإكرامٍ وإحسانِ
وحَسبُها الحملُ والإرضاعُ تُدْمنهُ أمران بالفضلِ نالا كُلَّ إنسانِ
وقال أيضاً:
وأعطِ أباكَ النصفَ حيّاً وميتاً وفضل عليه من كرامتها الأما
أقلك خفاً إذا اقلتك مثقلاً وأرضعت الحولين، واحتملت تما
وألقتك عن جهدٍ وألقاك لذةً وضمّت وشمّت مثلما ضم أو شما
“ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى”
الآيات الكريمة:
{ونُقِرُّ في الأرحامِ مانشاءُ إلى أجلٍ مُسَمّى ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلاً} [ الحج5 ]
{فجعلناه في قرار مكين* إلى قدرٍ معلوم *فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات 21 ـ 23 ]
الأجل المسمى، والقدر المعلوم:
هو الموعد المتوقع للولادة،وبالتالي فإن مدة الحمل هي مدة معينة،قد حسبت بعناية ودقة،والزيادة عليها أو النقص فيها ليس من مصلحة الأم أو الجنين.
يحدث الوضع والمخاض عند 55 بالمائة من النساء حوالي اليوم 280 من الحمل،مع زيادة أو نقص بمعدل سبعة أيام وذلك ابتداءً من اليوم الأول التالي للطمث الأخير.أما عند 25 بالمائة من النساء فإنه يحدث قبل اليوم 273،وعند 20 بالمائة منهن بعد اليوم 287.فإذا زادت مدة الحمل عن الأربعين اسبوعاً ازدادت نسبة الخطورة،وإذا نقصت عن المدة الطبيعية فإنه تحدث خطورة الولادة المبكرة أي مايسمى الخداج، ففي الحالتين أي الزيادة أو النقصان هناك خطورة على الأم والوليد وصدق الله العظيم” فقدرنا فنعم القادرون“.
وتحدث الولادة بعد أن يهيئ الله سبحانه وتعالى الظروف المناسبة وخاصة اكتمال نضج الجنين وتشكل أجهزته وأعضائه وبحيث يستطيع أن يتلائم مع الظروف الجديدة خارج الرحم.وكذلك يكون الرحم قد تهيأ من الناحية الوظيفية لمرور الطفل من خلاله وعبر مضايق الحوض على مراحل متتابعة بيسر وسهولة.
ولئن كانت الآلية التي يبدأ فيها المخاض عجيبة فإن الطريقة التي ينجز بها الوضع والمخاض أكثر غرابة ،وذلك لأن الرحم يبقى طيلة فترة المخاض يقوم بعمله بتدبير رباني معجز ويتصرف كأنه الكمبيوتر يحسب لكل حالة حسابها ولايكون دور الطبيب أو القابلات إلا الانتظار مع المراقبة،وكم من حالة قرر فيها الأطباء تحريض المخاض او إجراء بعض التدخلات، ويأبى الرحم بمشيئة ربانية إلا أن يبدأ المخاض بنفسه ويتغلب على الصعوبات وتلد الأم والأطباء حائرون كيف تم هذا فيكون جواب المؤمنين منهم “إن الله قد حرضها” أي حرّض المخاض.
إن أقل مدة للحمل يمكن أن يعيش معها الوليد هي 6 أشهر( ابتداء من الاسبوع 24 يكون قابلاً للحياة) وأكثرها 9 ـ 10 أشهر،يقول تعالى{وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}[الأحقاف 15]
واما القول باستمرار الحمل عدة سنوات كما ذكر من قبل بعض الفقهاء فهذا كلام غير مقبول علمياً ولايوجد دليل شرعي يؤيده.
يقول الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :
“بعض الفقهاء يقول إن الحمل أقصى مدته سنتان وبعض المذاهب تقول حتى أربع سنوات وهذا كلام مرفوض،فالله قد وضع لهذا الكون قانوناً ثابتاً وحدد لكل أنثى حتى من الدواب والحيوان مدة معلومة لحملها،وماسمعنا بشأن ناقة زادت مدة حملها عن حدها، فكيف يستمر حمل المرأة سنتين أو أربع سنوات،وهذا الشيئ لادليل عليه، بل هو استقراءات استقرءها بعض الفقهاء وبعض الأطباء وقالوا بأنهم سمعوها ووثقوا بها وهذا ليس له دليل شرعاً ولا طباً”.
وهناك ملاحظة رائعة وجميلة في تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور في قوله تعالى”وحمله وفصاله ثلاثون شهراً” يقول رحمه الله :
“الفصال: الفطام، ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل والفصال في ثلاثين شهراً لتطابق مختلف مدد الحمل إذ قد يكون الحمل ستة أشهر أو سبعة أو ثمانية أو تسعة وهو الغالب.قيل: كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعت المولود أحد وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهراً،وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربع وعشرين شهراً،وذلك أقصى أمد الارضاع فعوضوا عن نقص كل شهر من مدة الحمل شهراً زائداً في الإرضاع لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالا.
ويتابع الشيخ:
“ومن بديع هذه الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر، ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر لأن الغرض إظهار حق الأم في البر مما تحملته من مشقة الحمل فإن مشقة الحمل أشد من مشقة الإرضاع،فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة اشهر أجدر بالمقام،وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع آية سورة البقرة”والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين” دليلاً على أن الوضع قد يكون لستة أشهر،ونسب مثله إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فذكر له فبعث إليها عثمان فلما أتي بها أمر برجمها فبلغ ذلك علياً فأتاه فقال أما تقرأ القرآن ؟ قال: بلى، قال أما سمعت قوله” وحمله وفصاله ثلاثون شهراً“، وقال” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين” فرجع عثمان إلى ذلك.
“ووضعته كُرهاً”
المخاض أو الولادة:هي عملية خروج الجنين الناضج القابل للحياة خارج رحم الأنثى.
ولايعرف العلم حتى الآن ماهو العامل الذي يحرض عملية الولادة،وإن كان يظن أن الهرمونات التي تفرزها المشيمة لها علاقة بهذا الموضوع.
والآن كيف يتم المخاض والوضع:
تشاهد تقلصات رحم بسيطة وغير منتظمة عند النساء غير الحوامل، وهي تظهر أحياناً في بداية الحمل،وهي تقلصات صغيرة وغير منتظمة ومفصولة عن بعضها بأزمنة متباعدة،وبعد الاسبوع العشرين من الحمل فإن التقلصات تصبح ذات سعة أكبر وبتواتر أعلى،ولكنها تبقى تقلصات غير منتظمة ومتباعدة حتى الأسابيع الأخيرة قبيل الحمل،وحيث تبدأ التقلصات المنتظمة الوصفية بالحدوث، وحيث يكون عندها الفاصل الزمني بين موجتي التقلص مابين 5 ـ 10 دقائق، وإن تقلصات الوضع والتي يخرج معها الجنين تكون ناجمة عن هذه التقلصات مع ازدياد قوتها ونقص الفاصل الزمني بينها.
إن التقلصات البسيطة والطفيفة والتي تحدث في عضلة الرحم أثناء الحمل تزيد من الضغط في الأوردة الدموية الرحمية وهذا يساعد بالتالي على نشاط الحركة الدموية في الرحم والمشيمة والدوران الرحمي ـ المشيمي وهذا يساعد بالتالي على تزويد الجنين بالغذاء والأوكسجين اللازمين له.
وهناك ثلاثة علامات رئيسية تدل على اقتراب الوضع والمخاض:
التقلصات المنتظمة، وانبثاق جيب المياه ، وحدوث النزيف الرحمي.
يمر الوضع بثلاثة أطوار:
الطور الأول:أو طور اتساع عنق الرحم:
حيث يرتفع الضغط داخل الرحم ويصل ذروته وهو حوالي30 ـ 50 مم زئبق، وتحدث التقلصات الرحمية بفاصل 2 ـ 5 دقائق،ويمكن الشعور بهذه التقلصات بوضع اليد على بطن الأم. وتبدأ الأم بالشعور بآلام الوضع إذا وصل الضغط داخل الرحم 25 ـ 35 مم زئبق،وتبدأ الآلام في الناحية العجزية ـ القطنية وتنتشر حتى مقدم وأسفل الفخذين.وإن هذه التقلصات تسبب توسع قناة عنق الرحم.وتبدأ المرحلة النشطة من الطور الأول عند اتساع قطر عنق الرحم أكثر من حوالي 4 سم.وبعدها تزداد التقلصات تواتراً وقوة وبحيث يضغط رأس الجنين أو الأرداف في المجىء المقعدي على عنق الرحم وتزيد من توسعه بحيث يصل إلى 10 سم،ومن ثم تنفجر الأغشية السلوية ويتسرب السائل السلوي(انبثاق جيب المياه).
إن التقلصات الرحمية شديدة ومؤلمة ولكن مع ذلك تنصح المرأة أثناء المخاض بتجنب الصراخ،ولكن يشجع الأنين والشخير ليساعد في التخفيف من ألم المخاض.
الطور الثاني:نزول وولادة الطفل:
يصل الضغط داخل الرحم حتى 110 مم زئبق، وإن الضغط المسجل بين فاصلي التقلص الرحمي يساوي ضعف ذلك المسجل في الطور الاول،ويأخذ رأس الوليد(في حالات المجئ القمي) بالإندفاع ببطء تجاه عنق الرحم، وفي هذا الطور فإن عضلات البطن الإرادية تشارك عضلة الرحم في التقلص مما يضاعف من الضغط داخل الرحم، وقد يصل إلى 260 مم زئبق. ولقد أحصيت تلك القوة التي تسبب اندفاع راس الوليد والتي تسببها تقلصات عضلة الرحم المتتالية والمنتظمة وبلغت حوالي 4 ـ 8 كغ، وبمساعدة عضلات البطن الإرادية قد تصل هذه القوة إلى 18 كغ أو أكثر.ومن ثم يتم دفع الجنين إلى قناة المهبل.
ووجد أن الناظم (الباسماكر) الذي يوجه تقلصات عضلة الرحم يبدا في حال التقلص في إحدى نهايتي النفير الأيمن أو الأيسر وتنتشر باتجاه عنق الرحم وبسرعة تعادل 1 ـ 2 سم في الثانية.وإن الضغط الشديد المرافق للتقلصات قد يسبب ارتفاع الضغط الوريدي لدى الحامل وهذا قد يكون له مضاعفات خطيرة إذا كانت الأم مصابة بأمراض قلبية ـ دورانية.أما الضغط الشرياني لدى الأم فإنه يرتفع قليلاً أثناء الوضع،وخاصة مع مشاركة عضلات البطن في التقلصات.
3 ـ الطور الثالث:خروج المشيمة:
بعد الولادة تتوقف التقلصات لمدة 5 ـ 15 دقيقة، ومن ثم يحدث الطور الثالث من الوضع حين يعود التقلص من جديد وذلك لطرد المشيمة والأغشية.. وإذا مارضع الوليد مباشرة بعد الولادة فإن هذا يساعد على تقلص الرحم بشكل منتظم وهذا يمنع النزف التال للمخاض.وينصح الآن بأن يتم الاتصال مباشرة بعد الولادة مابين الأم والوليد حيث تبين أن الاتصال الحميم من الجلد إلى الجلد يؤدي إلى تحسن الحالة النفسية واستقرارها عند الام وينشط منعكس الرضاع،ويؤدي إلى التقليل من بكاء الطفل،واستقرار القلب والجهاز التنفسي لديه.ومنظمة الصحة العالمية تقول”عملية ولادة الطفل لاتنتهي حتى يتم نقله الآمن من المشيمة إلى تغذية الثدي”.
إن استهلاك الأوكسجين عند الأم في الساعة الأخيرة من الوضع يصل إلى 285 ـ 700 مل/بالدقيقة، فالوضع إذاً عملٌ مجهد جبار ومضن للأم، ويرتفع تركيز اللاكتات في الدم إلى 13 مغ بالمائة وأحياناً إلى 24 أو أكثر”ووضعته كُرهاً“. وتبلغ كمية النزف الوالدي المرافق للوضع حوالي 400 مل.
ومن الضروري جداً مراعاة الحالة النفسية للمرأة الحامل عند المخاض والولادة وخاصة إذا كان الحمل الأول،فإن الكثير من النساء يعيشون وخاصة في أواخر الحمل وأثناء المخاض حالة نفسية تترافق مع القلق والتوتر،وهذا يتطلب من أهل الحامل أن يبذلوا مالديهم من رعاية ومحبة وعطف حتى يتم تجاوز المرحلة بسلام.حتى أن بعض النساء قد يتشكل لديهم من شدة الخوف من المخاض مايسمى فوبيا الحمل.
ولقد وجد أنه أثناء المخاض وخاصة مع توسع عنق الرحم ودخول الجنين في قناة المهبل يزداد تركيز هرمون الأوكسيتوسين،والذي تبين أنه يلعب دوراً هاماً في تخفيف الحالة النفسية ويعطي نوعاً من الهدوء والاستقرار النفسي ،والتقليل من الخوف عند المخاض.
ولكن تبقى نسبة تصل إلى حوالي 10% من النساء يصبن بمايسمى الأكتئاب ما بعد الولادة،والذي يحتاج للرعاية والمعالجة والمتابعة.
أما طور النفاس أو طور مابعد الولادة فهو الذي يتلو الوضع مباشرة معلناً نهاية أطوار الوضع.ويستغرق هذا الطور حوالي ستة أسابيع.وهو الوقت الذي يعود فيه جسم الأم،وحجم الرحم،إلى الوضع الطبيعي وخاصة من الناحية الهرمونية.وتقول منظمة الصحة العالمية أن طور مابعد الولادة من أهم الأطوار وإن كان للأسف لايلقى الاهتمام المطلوب.وذلك لأن معظم وفيات الأطفال المواليد تقع في هذه الفترة،وخاصة إذا لم يكن هناك رعاية تامة.
وهناك ملاحظة:إن العديد من الأمهات والذين ينتظرون مواليدهم قد يعشن أيام من القلق والحيرة قبيل الولادة،ولذلك تم في كثير من البلدان إقامة دورات تهيئة لذلك الأمر بحيث تشارك أمهات المستقبل وربما برفقة أزواجهن، ويتم إعطائهن المعلومات الضرورية عن الوضع والمخاض وتدريب العضلات والمفاصل وتهيئتها للولادة،وكذلك التحضير والتهيئة النفسية، وإعطاء المعلومات عن الوليد وسير الحمل،وتهيئة الأم لآلام الوضع المرتقبة …
والمخاض قد لاينتهي بشكل طبيعي وإنما قد يحتاج إلى التدخل الجراحي وإجراء مايسمى العملية القيصرية،وهي إخراج الطفل عن طريق شق جراحي في البطن وعضلة الرحم.ولاينصح بإجراء هذه العملية قبل الاسبوع 39 من الحمل،ومن استطبابات العملية القيصرية نذكر:
ارتفاع ضغط الدم الشديد أثناء الحمل،التسمم الحملي،مرض السكري غير المضبوط والمراقب جيداً،تمزق الأغشية الباكر،تطاول مدة الحمل،بعض المجيئات المعيبة،الحمل المتعدد،….
ومن الناحية الأدبية:
كان أبو الأسود الدؤلي مزواجاً،وأراد أن يأخذ ابناً له من إحدى تسائه،فاختصما إلى القاضي في البصرة.قالت الزوجة:أصلح الله القاضي!هذا ابني،كان بطني وعاءه،وحجري فناءه،وثديي سقاءه،أكلؤه إذا نام،وأحفظه إذا قام،فلم يزل كذلك سبعة أعوام…حتى إذا استوفى فصاله،وكملت خصاله،واستوت أوصاله،وأملت نفعه،ورجوت دفعه،أراد أن يأخذه مني كرهاً،فأقدني أيها القاضي،فقد رام قهري،وأراد قسري.
فقال أبو الأسود الدؤلي:أصلحك الله! هذا ابني،حملته قبل أن تحمله،ووضعته قبل أن تضعه،وأنا أقوم على أدبه،وأنظر في أوده،وأمنحه علمي،وألهمه حلمي،حتى يكمل عقله،ويستحكم فتله.فقالت الزوجة:صدق أصلحك الله حمله خفاً،وحملته ثقلاً،ووضعه شهوة ووضعته كرهاً.فقال القاضي:اردد على المرأة ولدها،فهي أحق به منك ودعني من سجعك”.
“ثم السبيل يسره”
الآية الكريمة: {من نطفةٍ خلقه فقدره* ثم السبيل يسره} [عبس 19ـ 20 ]
الناحية الطبية العلمية:
إن تيسير خروج الجنين من الرحم أثناء الوضع والولادة والذي تُظهره هذه الآية الكريمة من سورة عبس فإنها تدل على الرعاية الربانية والرحمة الإلهية التي أولاها الله للأم الحامل وجنينها،حيث يسّر خروجه من رحم أمه بعد اكتمال نضجه وتمام تشكله.
وإن تيسير الولادة أمر حار فيه القدماء والمعاصرون، إذ كيف يمر هذا الجنين والذي يبلغ وزنه عند الولادة حوالي 3،5 كغ ويخرج من هذا الممر الضيق والذي هو عبارة عن عنق الرحم والذي من الصعوبة بمكان أن تدخل فيه إبرة خارج أوقات الحمل والولادة وذلك لكونه ممراً ضيقاً جداً.
ومازال القدماء والمعاصرون في حيرة كيف تبدأ التقلصات الرحمية في أثناء الوضع ؟ ومن اين تأتي الأوامر لها بالانطلاق في رحلة الولادة؟ وبعد أن بدأت كيف تنتهي؟ أسئلة لازال العلم الحديث كما هو الحال بالنسبة للعلم القديم غير قادر على الإجابة عليها!
إن المخاض يمر بثلاثة مراحل:
1 ـ طور الانفتاح:
يتسع عنق الرحم بالتدريج مع ازدياد تقلصات عضلة الرحم ومن ثم انبثاق جيب المياه(السائل السلوي)،وتقدم الجنين وحسب المجئ برأسه”المجيئ الرأسي” أو بمقعده”المجيئ المقعدي” أو بقدميه..وهذا الطور هو أطول أطوار المخاض ويدوم أحياناً 15 ـ 20 ساعة عند المرأة البكر(الحامل الخروس).
والسائل السلوي يلعب دوراً هاماً في المخاض وتيسير الوضع، فهو يسمح بحركة الجنين بسهولة وبالتالي أخذ الوضع المناسب وخاصة أثناء الولادة،كما أنه يوسع فوهة عنق الرحم حيث أنه يضغط على الأغشية للجنين مما يشكل مايسمى جيب المياه وانبثاق هذا الجيب”ماء الرأس انفجر” هو الذي يحرض المخاض وينبه تقلص عضلة الرحم.
وإن وضعية الجنين قبل الوضع مهم جداً، هل هو المجئ الرأسي والذي يشاهد في حوالي97 بالمائة من الحالات، أم المجئ المقعدي أم القدمي.وقد تبين أنه بعد الاسبوع 35 من الحمل فإنه يصعب على الجنين أن يحرك نفسه داخل الرحم وبالتالي تكون وضعية الجنين بعد هذا الاسبوع هي التي تحدد وضعية المجئ عند الولادة وهل يمكن أن تحدث الولادة بشكل طبيعي أم أنه لابد من إجراء بعض المداخلات ومنها مايسمى “تدوير الجنين داخل الرحم”ويطلق عليه التدخل الخارجي، وقد ينصح أحياناً بالعمل الجراحي”القيصرية”.
وهنا في هذا الطور يترافق انفتاح وتوسع عنق الرحم بشكل متوازي، ويمكن معرفة هذا بالفحص السريري حيث يقاس هذا الانفتاح بالقول أن العنق قد انفتح اصبعاً أو اصبعين أو أكثر من قبل الطبيب الفاحص أو القابلة(المولدة)،وحينما يصل الإتساع إلى قدر خمس أصابع أمكن للجنين الخروج، وإن تلين عنق الرحم ثم اتساعه وانمحائه تماماً هو أمرٌ هامٌ جداً ،إذ أنه لايمكن بالآلات والوسائط التشخيصية من توسيع عنق الرحم بسهولة وهذا ما يلاحظه الأطباء في محاولة إجراء عمليات التجريف”الكورتاج”إذ أنهم يلاقون صعوبة في توسيع عنق الرحم والدخول من خلاله إذا لم يكن ليناً ومتسعاً ومفتوحاً قبل ذلك، وإن وجود عضلة دائرية وقوية في ناحية عنق الرحم هو الذي يساعد على تحمل عبء وزن الجنين والضغط الذي ينشأ عن السائل السلوي،وفي نهاية الحمل وفي الأسابيع الأخيرة تبدأ هذه العضلة في عنق الرحم بالتخلخل وكذلك النسيج الضام حولها،ومن ثم هيئ رب العالمين توسيع العنق وانفتاحه وانمحائه و ذلك من خلال تقلصات الرحم وهجوم رأس الجنين نحو العنق وتوسيعه،ولو أتينا بجنين فوضعناه في بطن امرأة غير حامل وحاولنا إخراجه بنفس الطريقة لما أمكن ذلك،فعنق الرحم غير المتلين يستحيل أن يتوسع، والمهبل غير المتلين يتعرض للتمزق،فسبحان الله رب العالمين.
2 ـ تنفرج الزاوية مابين الرحم وعنق الرحم،بحيث يصبح السبيل واحداً مستقيماً ليس فيه انفراج ولا اعوجاج كما هو الحال في الحالات الطبيعية بحيث أن الرحم يكون مائلاً للأمام بزاوية درجتها تسعين تقريباً، وفي حالة الحمل يكون الرحم مع العنق على استواء واحد بدون زوايا بينهما.
3 ـ تلعب الإفرازات الهرمونية دوراً هاماً في تسهيل الولادة،وتجعل مفاصل عظام الحوض وعضلاته والانسجة الضامة ترتخي وخاصة بتأثير هرمون الريلاكسين والذي يفرز من المشيمة والمبيضين.كما أنها تؤثر في عنق الرحم وحول المهبل بنفس الوقت، وعند الولادة يصبح الحوض مؤلفاً من عظام تربطها مفاصل لينة تسمح لها بالابتعاد عن بعضها وتعطي الحوض سعة إضافية، وكل ذلك من تيسير وتسهيل ورحمة رب العالمين.
ومن المعلوم في علم التوليد والتشريح أن حوض الأم عبارة عن قناة مفصلة تفصيلاً دقيقاً على قياس رأس الجنين بتمام الحمل والذي يتقدم باتجاه الحوض بأوضاع ومجيئات معينة، ثم يحصل مايسمى التدخل:وهو اجتياز رأس الجنين لمدخل الحوض من الأعلى ـ ويسمى المضيق العلوي ـ وأقطار المضيق العلوي الطويلة هي العرضانية، بينما اقطار المضيق السفلي الطويلة هي الطولانية، ولذا لابد من أن يتدخل الجنين بالمجئ الرأسي ومن ثم لابد أن يدور ضمن الحوض بحيث يتناسب أقطار رأس الجنين مع أقطار المضيق العلوي ثم السفلي،وعملية الدوران هذه محسوبة بدقة وقد جعل الله من أجلها القناة الحوضية شبه الأسطوانة الملساء المتساوية الأقطار وجعل في أدناها شوكين عظميين بارزين للداخل نسميهما بالشوكين الوركيين،فإذا استمرت تقلصات الرحم تدفع رأس الجنين شيئاً فشيئاً للأسفل حتى يصطدم بالشوكين الوركين اللذين يوجهان الرأس بحيث يدور وتتطابق أقطاره مع أقطار المضيق السفلي ثم يتخلص.
4 ـ يزداد أثناء الوضع والمخاض افراز هرمون الأوكسي توسين ويسمى الهرمون المحرض للمخاض،وتبين أنه يحدث تنبيه لمنطقة تحت المهاد ـ النخامى،وأن هذا التنبيه يستدعي إفراز وتحرير هذا الهرمون والذي يسبب تقلص عضلة الرحم،كما أنه يساعد على انقباض الرحم بعد الولادة مما يقلل من حدوث النزف التال للولادة،ويساعد على طرد العلائق والبقايا الدموية،وتبين أن يزداد افرازه إذا مارضع الوليد مباشرة بعد الولادة،كما أن هذا الهرمون يساعد على إفراغ اللبن من ثدي الأم ليتغذى الوليد الرضيع.
5 ـ يبدأ المخاض خفيفاً ومتباعداً،ثم يشتد ويتقارب بالتدريج، ولو بدأ شديداً وسريعاً لتمزق عنق الرحم الذي لايجد وقتاً بعد للإتساع والانفتاح،أو لحدث تمزق في عضلة الرحم أمام وجود عائق عنق الرحم الذي يستوجب مقاومته،إذاً مايحدث في البداية هو اتساع عنق الرحم،ثم تأتي المرحلة التالية وهي إعطاء الأوامر لعضلات البطن لتساعد الرحم ويتم هذا بما يسمى فعل الحزق”الكبس” وهذا يحدث عندما يصل رأس الجنين إلى قاع الحوض، والماخض تفعل ذلك دون إرادتها فهي تشعر أنها مضطرة للكبس أثناء حدوث التقلصات الرحمية وبسبب ضغط رأس الجنين على القاع الحوضي ـ العجاني،ومع ذلك فإن الطبيب أو القابلة يطلبان من الأم بالكبس أثناء وجود التقلصات الرحمية من أجل تسهيل خروج الجنين، ويطلبان منها الراحة في حال غياب التقلصات الرحمية، وفي العادة فإنه يتوقف الحزق تلقائياً لعدم جدواه.
وكما ذكرنا يبدأ المخاض بتقلصات خفيفة تستمر حوالي 30 ثانية وتحصل في البداية بفاصل 10 ـ 15 دقيقة،ثم تشتد وتتقارب بحيث أن التقلصة تستمر دقيقة أو أكثر،والفواصل تكون حوالي 1 ـ 2 دقيقة.
ولابد أن يتبع كل تقلص ارتخاء،ولو استمر التقلص بدون ارتخاء لمات الجنين على الفور وذلك بسبب انقطاع الوارد إليه من الأوكسجين،لأن التقلص يغلق العروق الدموية التي تأتي بدم الحامل إلى الجنين وتعود به منها،والجنين لايمكنه تحمل نقص الأوكسجين إلا بضع دقائق وخاصة دماغ الجنين فهو شديد الحساسية لنقص الأوكسجين،لذا تعتبر الولادة بحد ذاتها “شدة” ليس على الأم فقط بل أيضاً على الجنين،ومع حدوث تقلصات الرحم وانخفاض الأوكسجين الوارد إلى الجنين يحصل انخفاضاً في نبض الجنين ويرتفع في الفواصل بين التقلصات،وقد يسر الله للجنين وسائل تقيه من هذه الشدة بنقص الأوكسجين وتبعاته حيث لوحظ أن غدة قشر الكظر لدى الجنين تفرز هرمونات وخاصة الأدرينالين والنور أدرينالين وهذه تحمي الجنين من عواقب نقص التروية الدموية لديه ونقص الأوكسجين،خاصة أنها تزيد من قوة تقلص القلب لديه وتزيد من معدل نبضات القلب وتوفر للدماغ حاجته من الدم والاوكسجين كما أنها ترفع سكر الدم والهام لإستقلاب الخلايا وطاقتها.كما تبين أن هذه الهرمونات وخاصة الأدرنالين ضرورية جداً من أجل تأهيل الرئة للعمل والوظيفة خارج الرحم وتبين أن هذا الهرمون يقلل من تشكل السوائل الرئوية والتي كانت ضرورية أثناء الحياة الرحمية للجنين من أجل توسيع المجاري الهوائية، ولكن بعد الولادة لايكون هناك حاجة إليها.
وقبل خروج رأس الجنين ولمنع تمزق عضلات العجان يجرى مايسمى خزع الفرج الواقي، وهذا الخزع يشفى بسرعة وليس له مضاعفات،أما إذا حدث تمزق في ناحية العجان بسبب الولادة فإن هذا قد يكون له مضاعفات بالنسبة للأم وخاصة حدوث مايسمى هبوط الرحم ومن ثم حدوث السلس البولي.
وبعد الولادة فإن الرحم يحصل فيه عملية انقباض تام ولايرتخي،وهذا الإنقباض الفوري والمستمر للرحم ضروري جداً حتى لايحصل النزيف الشديد بعد الولادة، حيث أن الرحم يكون أشبه بالاسفنجة الممتلئة بالدم ولابد من الضغط الشديد على العروق الدموية المنفتحة من أجل إغلاقها،واحياناً لايحدث هذا النقباض الشديد فيحدث نزيف شديد والذي قد يجبر على التدخل الدوائي بإعطاء مقبضات عضلة الرحم، وربما التدخل الجراحي باستئصال الرحم ولكنها والحمد لله حالات نادرة جداً.
وبعد الولادة بدقائق تحدث تقلصات رحمية مجدداً وهدفها خروج المشيمة والملحقات، ويحدث هذا عادة بعد حوالي عشرة دقائق من خروج الوليد،والمشيمة تخرج مع الملحقات ومنها الحبل السري والغشاء الأمنيوسي والكوريون، ولابد من التأكد من خروج المشيمة بشكل كامل (قرص بقطر 15 ـ 20 سمن وسماكة 2 ـ 3 سمن ووزن حوالي 500 ـ 600 غ، وتكون حواف المشيمة منتظمة متمادية بغير انقطاع) وإلا حدثت نزوف رحمية مستمرة بعد الولادة ويمكن أن يترافق انحباس المشيمة أو أجزاء منها مع الأنتانات الرحمية. وبعد خروج المشيمة يحصل انقباض تام في الرحم يمنع من حدوث النزوف ويسهل انقباض الأوعية الدموية كما ذكرنا.
ولايقف الأمر عند هذا فقط، بل يستمر التيسير لما بعد الولادة، حيث يسرّ الله للوليد لبن أمه كغذاء، وحنانها وعطفها بحيث تنسى آلام الحمل والوضع والولادة ويكون همها الأول والأكبر أن تضع وليدها على صدرها ناسية الألم شاكرة الرب المنعم وتغدق عليه الغذاء والحنان، وإن وجود الزوج له دور هام جداً في تقليل آلام الوضع وتحسين الحالة النفسية للمرأة أثناء المخاض،ثم يسر الله للأم والوليد حب الأهالي والأقارب والأصحاب الذين يقفون معهم مصحوبة وقفتهم بالدعاء وتيسير الأمور وتذليل الصعاب، ومن ثم يسر الله للجميع سبل المعاش من لحظة الولادة وحتى الممات.
ولا ننسى اتباع السنة النبوية الكريمة وذلك بأن يؤذن في أذن الوليد اليمنى أذان الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ولد الحسن ابن ابنته فاطمة الزهراء وليكون اول مايطرق سمع الوليد في هذه الدنيا كلمة التكبير والتوحيد.وهو أمر مستحب وردت به الأحاديث الصحيحة .
ومن السنة أيضاً تحنيك المولود:
أخرج البخاري في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة.قالت خرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت قباء فولدت بقباء ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شىء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بالتمر ثم دعا له فبرك عليه،فكان أول مولود يولد في الإسلام ففرحوا به فرحاً شديداً،لأنهم قد قيل لهم أن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم”.[وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه وأحمد في مسنده).
ومن الناحية الطبية:إن قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بتحنيك الأطفال المواليد بالتمر بعد أن يأخذ التمرة في فيه ثم يحنكه بما ذاب من هذه التمرة بريقه الشريف فيه حكمة بالغة.فالتمر يحتوي على سكر”الجلوكوز”بكميات وافرة وخاصة بعد إذابته بالريق الذي يحتوي على خمائر خاصة تحول السكر الثنائي سكاروز إلى سكر أحادي كما أن الريق ييسر إذابة هذه السكريات وبالتالي يمكن للمولود أن يستقيد منها.وبما أن معظم أو كل المواليد يحتاجون لسكر”الجلوكوز” بعد ولادتهم مباشرة فإن إعطاء الطفل التمر المذاب يقي من مضاعفات نقص السكر الخطيرة والتي قد تحدث عند المواليد وخاصة الخدج منهم”(د . محمد علي البار).
ومن الهام جداً إعطاء الثدي للوليد بعد الوضع مباشرة لأن هذا يساعد على إطلاق وإفراز هرمون الاوكسيتوسين والذي يساعد على إفراغ اللبن من ثدي الأم،كما أنه يساعد على انقباض الرحم وتقلص العروق الدموية مما يقلل من حدوث النزوف بعد الولادة كما أنه يساعد على طرد وطرح العلائق والبقايا الدموية من الرحم وعودة الرحم إلى الحجم الطبيعي، وإن عدم إرضاع الأم للوليد بعد الولادة قد يسبب عدم افراز هذا الهرمون وحدوث مايسمى عطالة الرحم وعدم انطمار الرحم وحدوث أنزفة وآلام قطنية.
كما ينصح أن تضع الأم الوليد مباشرة بعد الولادة على صدرها الأيسر،حيث تبين المعلومات أن الجنين يستطيع داخل الرحم الاستماع ابتداء من الشهر الخامس،وتبين أنه يستطيع أن يميز بعض الأصوات الحانية الخافتة التي يسمعها بانتظام وخاصة دقات قلب أمه المنتظمة، فهو يسمعها أثناء فترة الحمل،وحين يوضع بعد الولادة وقد اشتد به البكاء فإنه بمجرد أن يوضع على صدر أمه ويسمع دقات قلبها حتى يعود إلى الهدوء ويرضع من ثديها وينام على صدرها.
أما الحبل السري فيربط ثم يقطع،ويقطر في عيني المولود بعض القطرات العينية للوقاية من إصابة العينين ببعض الأنتانات الجرثومية،كما ينظف جلده من الطلاء الدهني الذي يغطيه.
كما أن الله تعالى قد هيأ الوليد لمواجهة الجو الجديد الذي يحاط به بعد الولادة وخاصة مايتعلق بالحرارة في المحيط الجديد،فقد تبين علمياً أن الوليد قادر وبشكل سريع على توليد حرارة ذاتية عندما يواجه لأول مرة الضوء وأنوار المحيط الجديد،وبعد أن يقطع الحبل السري لديه،ويلعب هنا وبشكل خاص النسيج الشحمي البني تحت الجلد في توليد الطاقة لديه ومع ذلك لابد من الانتباه الشديد فإن البرد الشديد والجو الحار جدأ لهما تأثيراتهما السلبية على الوليد لأن مراكز تنظيم الحرارة عنده لم تنضج بشكل كافٍ بعد.
وقبل أن يلبس الوليد ثيابه الجديدة والتي قد حضرتها الأم من عدة أسابيع يجرى له مايسمى “اختبار أبغار“: وهذا الاختبار يجرى لمعرفة العلامات الحيوية للوليد وهي: التنفس، دقات القلب،لون الجلد، والحركات والمنعكسات، كما يقاس طوله ووزنه.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يستقبل الوليد دنياه الجديدة بالبكاء؟
هناك فرضيات حول هذا الموضوع وأشهرها أنه بعد انقطاع الحبل السري والذي كان يؤمن للجنين الغذاء والأوكسجين فإنه ينخفض لديه الأوكسجين في الدم بشكل حاد ويترافق هذا بنفس الوقت مع ارتفاع غاز ثاني أوكسيد الكربون وهذا ينبه منعكسات عصبية مركزية وعلى إثرها يحدث البكاء، لأن البكاء عبارة عن حركة شهيقية تستهدف طرد الزائد من غاز ثاني أوكسيد الكربون،وبنفس الوقت تنشط مركز التنفس عند الوليد بحيث تأخذ الرئة وضعها الوظيفي من أجل تبادل الغازات عند الوليد بعد أن كان يقوم بهذا طيلة فترة الحمل الحبل السري، كما أن الأسناخ الرئوية عند الوليد والتي يقدر عددها بحوالي 25 مليون تكون أثناء الحمل مملوءة بالسوائل(السلوي)، ولابد من الصرخة الأولى بعد الولادة وخاصة إذا حمل الوليد بحيث يكون راسه إلى الأسفل وقدماه إلى الأعلى وهذا مايحدث دوماً وبشكل عفوي فإن هذا يسمح بتفريغ المجاري التنفسية والأسناخ الرئوية من هذه السوائل والاستعاضة عنها بالهواء.
أضف إلى ذلك فإن الوليد يخرج إلى الدنيا وكان داخل الرحم يعيش في جو معتدل الحرارة ومتجانسها إلى حرارة غرفة دار التوليد،ويأتي من ظلمة البطن والرحم إلى الضوء،ومن السكون الداخلي داخل الرحم إلى حيث الضجيج والأصوات التي يسمعها حوله.وهذا البكاء والصراخ من قبل الوليد قد يحدث مباشرة بعد الولادة، وعند بعض المواليد قد يتأخر قليلاً وخاصة لوجود المخاط والسائل السلوي في الحلق والفم وبعد مص هذه المفرزات وتنظيف الحلق والفم يأخذ الوليد بالبكاء والصراخ.
وأما من الناحية الدينية: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مامن بني آدم مولود يولد إلا مسّه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مسّه إياه إلا مريم وابنها“[ أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه].وفي سورة آل عمران: { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}[ الآية 36]، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى عليه السلام.
وفي رواية معمر عن الزهري في صحيح مسلم” إلا نخسه الشيطان” اي سبب صراخ الصبي أول مايولد من مسّ الشيطان إياه. والاستهلال: الصياح.
وفي صحيح البخاري حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن أبي الزّناد عن ألاعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كل بني آدم يطعنُ الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب، أي في المشيمة التي فيها الولد” . قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”صياح المولودين يقع نزعة من الشيطان”.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن سبب بكاء المولود حين خروجه إلى الدنيا (التبيان في أقسام القرآن):
“هناك سببان: سبب أخبر به الصادق المصدوق،لايعرفه الأطباء، وسبب ظاهر.
أما السبب الباطن فإن الله اقتضت حكمته أنه وَكَل بكل واحد من ولد آدم شيطاناً فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به. فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته،تحرقاً عليه وتغيظاً واستقبالاً له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديماً.فيبكي المولود من تلك الطعنة.
والسبب الظاهر: الذي لاتخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس، ومعرفتهم له من غيرهم، هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب،فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد،ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقته وطنه،ومالفه، وهند ارباب الإشارات أن بكاءه إرهاص بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد الشاعر:
ويبكي بها المولود حتى كأنه بكل الذي يلقاه فيها يهدد
وإلا،فما يبكيه فيها، وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا،وفي فتحها عند خروجه منها، وهو الإشارة إلى أنه خرج مركباً على الحرص والطمع، وفارقها صفر اليدين. وأنشد في ذلك:
وفي قبض كف المرء عند ولادته دليل على الحرص الذي هو مالكه
وفي فتحها عند الممات إشارة إلى فرقة المال الذي هو تاركه
ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ في كتابه التصوير الفني في الحديث النبوي ص248 حول الحديث النبوي المذكور أعلاه:
“هذا الوليد العاجز الذي لايدرك بعد من الدنيا شيئاً لايتركه الشيطان بل يسارع وينخسه نخسة مؤلمة تجعله يبكي..ولنا أن نفهم أنّ بدء الإغواء مبكر.وأنّ أمل الشيطان في أن يحرز كسباً أمل واسع..إنّه إن لم يستطع الوسوسة والمخادعة والتّدجيل فلا ينبغي أن يفوته الإيذاء..وهو هنا نخس يبلغ بالمولود درجة البكاء”.
واما من الناحية الأدبية فإن الشاعر ابن الرومي والمعروف بنظرته التشاؤمية للحياة وما يحدث فيها فيقول:
لِما تؤذنُ الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعةَ يُولدُ
وإلا فما يبكيه منها وإنّها لأوسع مما كان فيه وأرغد؟
إذا نظر الدنيا استهلَّ كأنّهُ بما سوف يلقى من أذاها يُهدّدُ
ويقول أحدهم:
ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناسُ حولك يضحكون سرورا
فاحرص على يوم تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
وبعد الولادة والسرور بمقدم الوليد صحيحاً معافىً في جسمه وبدنه تأتي المرحلة الأهم وهي أن يُنشئ هذا الوليد على دين الفطرة لكي يكون معافىً في دينه أيضاً وهي مسؤولية من أكبر المسؤوليات التي يتحمل عبئها الوالدان عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”كُلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرة، فأبواهُ يُهوِّدَانهِ، أو يُنَصِّرانهِ، أو يُمَجِّسانهِ، كَما تُنتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جمعاءَ،هل تُحسّونَ فيها من جدعاء؟” ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:” واقرأوا إن شئتم :{فِطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها لاتبديلَ لخلقِ الله ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاس لايعلمون“[أخرجه البخاري].
يقول الشيخ محمد علي الصابوني رحمه الله في كتاب “من كنوز السنة ص15:
“في هذا الحديث الشريف نفحة من نفحات الجمال، وإشراقة من إشراقات النبوة،فقد وضّح عليه الصلاة والسلام ببيانه العذب،وأسلوبه اللطيف الرصين،ناحية علمية هامة، يُعنى بها علماء الاجتماع،ويهتم بها الفلاسفة والمفكرون وهي: هل الدين فطرة في الإنسان؟ وهل الخير أصل فيه أم الشر؟وهل يكون الطفل عند ولادته مزوداً بطاقة روحية تلهمه السداد والرشاد؟ فالنبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه وضع أصلاً من أصول التربية الخُلقية الكريمة،يعتبر نبراساً مضيئاً لكل مُربّ ينشد السعادة،ولكل باحث ومفكر يطلب المعرفة والحقيقة…وهذا الاصل الذي أرشد إليه الرسول الكريم هو: أن الخير في الإنسان أصيل، وأن الشر فيه عارض،وأنه يخلق على الفطرة السليمة،والصفاء والنقاء،وأن استعداده للخير كامل،ولكنّ المجتمع هو الذي يفسده،والبيئة التي يعيش فيها هي التي تلوّث فطرته، وتفسد خلقه ودينه، ولاسيِّما أبواه فهما سبب هلاكه ودماره، وسبب فساده أو صلاحه، وسبب استقامته أو اعوجاجه. فالطفل حين يولد يكون عضواً صالحاً في المجتمع،ولو خلي بين هذا الطفل وفطرته،لنشأ على الإيمان،وعاش على الخير والصلاح،ولكن المجتمع الفاسد،والبيئة المنحرفة ـ وأقرب الناس فيها الابوان ـ هي التي تفسد نفسية الطفل،وتخرّب عقليته وفطرته،فتقلبه من الهدى إلى الضلال،ومن السعادة إلى الشقاوة، ومن الإيمان إلى الكفر،ولولا الأسرة الفاسدة، ولولا المجتمع المنحرف،ولولا الأبوان الضالان، لبقي الإنسان على فطرته، طيب النفس،سليم العقيدة، مندفعاً نحو حياة الفضيلة والكمال.ويتابع رحمه الله:
“فانظر ـ هداك الله ـ إلى التمثيل الرائع الذي مثّله عليه الصلاة والسلام حيث صوّر الطفل (بالشاة) التي يخلقها الله تعالى كاملة الخلق،جميلة الشكل والصورة، ولكنّ الناس هم الذين يشوّهون جمالها،فيقطعون أنفها أو أذنها، ويعبثون بها حتى تصبح ناقصة الخلق مشوهة التصوير”.
لطيفة:
يقول ابن الأثير الجزري في كتابه”المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” تعقيباً على قوله تعالى:{قُتل الإنسان ما أكفره*من أيِّ شئٍ خلقه* من نطفةٍ خلقه فقدَّره* ثمَّ السبيل يسّره* ثم أماته فأقبره* ثم إذا شاء أنشره}[عبس17 ـ 22] يقول:
“ألا ترى أنه لما قال:{من نطفة خلقه} كيف قال (فقدره) ولم يقل ثم قدره، لأن التقدير لما كان تابعاً للخلقة وملازماً لها عطفه عليها بالفاء؟وذلك بخلاف قوله{ثم السبيل يسره} لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مُهلة وزماناً،فلذلك عطفه بثمّ.وعلى هذا جاء قوله تعالى:{ثم أماته فأقبره* ثم إذا شاء أنشره}، لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخياً وفسحة،وكذلك بين موته ونشُوره أيضاً،ولذلك عطفهما بثمّ،ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخٍ ولا مهلة عطفه بالفاء”.
لطيفة ثانية:
يقول العالم الطبيب ابن سينا في كتابه “القانون”:
“أما المولود المعتدل المزاج إذا ولد،فقد قال جماعة من الفضلاء:إنه يجب أن يبدأ أول شىء بقطع سرته فوق أربع أصابع،وتربط بصوف نقيّ فتل فتلاً لطيفاً كي لا يؤلم،وتوضع عليه خرقة مغموسة في الزيت.ومما أمر به في قطع السرة أن يؤخذ العروق الصفر ودم الأخوين والأنزروت والكمون والأشنة والمرّ أجزاء سواء تسحق وتذرُّ على سرته.ويبادر إلى تمليح بدنه بماء الملح الرقيق لتصلب بشرته وتقوى جلدته.ولا يملح أنفه ولا فمه…ثم نغسله بماء فاتر،وننقي منخريه دائماً بأصابع مقلمة الأظفار،ونقطر في عينيه شيئاً من الزيت ،ويُدغدغ دبره بالخنصر لينفتح.ويتوقى أن يصيبه برد.وإذا سقطت سرته وذلك بعد ثلاثة أيام أو أربعة،فالصواب أن يذرّ عليه رماد الصوف أو رماد عرقوب العجل أو الرصاص المحرّق مسحوقاً أيها كان بالشراب…وإذا أردنا أن نقمطه فيجب أن تبدأ القابلة وتمس أعضاءه بالرفق فتُعرّض ما يستعرض،وتدق ما يستدق،وتشكل كل عضو على أحسن شكله،كل ذلك بغمز لطيف بأطراف الأصابع…وتنومه في بيت معتدل الهواء ليس ببارد ولا حار،ويجب أن يكون البيت إلى الظلّ والظلمة ما هو،لا يسطع فيه شعاع غالب،ويجب أن يكون رأسه في مرقده أعلى من سائر جسده،ويحذر أن يلوي مرقده شيئاً من عنقه وأطرافه وصلبه…ويجب أن يكون إحمامه بالماء المعتدل صيفاً،وبالمائل إلى الحرارة الغير اللاذعة شتاء،وأصلح وقت يغسل ويستحم به هو بعد نومه الأطول ،وقد يجوز أن يغسل في اليوم مرتين أو ثلاثاً…”
التطور الروحي ـ الحركي للوليد
بعد الولادة تحدث تبدلات مستمرة ومتعاقبة بالنسبة للوليد وهذه يجب أن تدرس بعناية لأن وجود بعض العوامل وخاصة المرضية قد يؤخر من ظهورها أو يمنع حدوثها.
إن الطفل لايستطيع بعد الولادة من القيام بحركات ذات هدف معين،ولايستطيع أن يقلب جسمه من جهة إلى أخرى،ولايستطيع أن يرفع رأسه عند الولادة عن الوسادة،..وهذه التطورات التي تسمى التطور الروحي الحركي لها علاقة وثيقة مع تطوره الروحي وسلامة الجهاز العصبي لديه، وإن وجود بعض الأذيات في الجملة العصبية المركزية يؤدي إلى تأخر هذه التطورات لديه وتعاقب حصولها.ولذا لابد عند الولادة من إجراء بعض الفحوصات الهامة ومراقبة التطور هذا خلال الأشهر التالية بعد الولادة،ولذا تجرى هذه الفحوص الدورية عند أطباء الأطفال وبشكل مستمر.ويمكن التذكير بأهم هذه التطورات عند الوليد :
الشهر الأول:
ـ إذا وضع الطفل مستلقياً على ظهره ينحرف رأسه إلى جهة،وإذا وضع مستلقياً على بطنه وركبته ملامسة لجدار البطن تقوّس ظهره.
ـ إذا وضع الطفل مستلقياً على بطنه والطرفين السفليين ممتدين ورأسه جانباً نظر بعينه جانباً.
ـ إذا أمسك من ناحية الكتفين ورفع رأسه ألقى رأسه إلى الخلف. وإذا أجلس ألقى رأسه إلى الأمام.
ـ يتأثر بالنور الخارجي والضجيج فيقطب وجهه ويبكي.
ـ المنعكسات: مورو. الإطباق . التسلق. المشي الذاتي :موجودة.
ـ منعكس مورو:يسند الرأس براحة اليد ويرفع حوالي5سم عن سطح الطاولة ثم يترك الرأس فجأة أو يرفع الطفل من يديه قليلاً ولمسافة قصيرة ثم يترك فجأة،أو رفع القدمين إلى الأعلى وتركها فجأة، وهذا يترافق مع حدوث حركات في الأطراف عند الجنين وإن عدم تناظر الأجوبة في جانبي الجسم يدل على شلل دماغي أو شلل في الضفيرة العضدية أو كسر في العضد أو الترقوة.هذا المنعكس يغيب في أوائل الشهر الخامس.
منعكس الإطباق أو التسلق:حين وضع أي شئ بتماس الأصابع وراحة اليد نجد أن الوليد يطبق أصابعه على هذا الشئ إطباقاً شديدا، يصعب علينا نزعه، ويغيب هذا المنعكس في نهاية الشهر الرابع.
ـ منعكس المشي الذاتي:يمسك الطفل بشكل منتصب مع جعل القدمين تلامسان سطح الطاولة، ثم جعل الطفل بلطف يتجه إلى الأمام، عندئذ يلاحظ أن الطفل ينقل قدميه الواحدة تلو الأخرى،وكأنه يمشي، ويغيب المنعكس في الشهر الرابع.
الشهر الثاني:
ـ يستطيع أن يرفع رأسه وأن يثبته برهة قصيرة.
ـ يثبت نظره قليلا، ويقطب وجهه عند الضجيج.وهذا يعني نمو حاسة السمع لديه.يصرخ بشدة، يترغل، يقول بعض الحروف مثلآ آه،
الشهر الثالث:
ـ بالاستلقاء الظهري يرفع راسه على الخط المتوسط ويلقيه جانباً، وبالاستلقاء البطني يستند على الساعدين ويرفع رأسه،يضحك بصوت عال، يتأمل الأشخاص، يبدأ بالتعرف على أمه.يبتسم ويثبت النظر.
الشهر الرابع:
يجري حركات في الطرفين السفليين،وبوضعية الوقوف يستند بقدم ويرفع القدم الأخرى.ويحاول مسك الأشياء باليد،وينظر إلى يديه، وينظر إلى الألعاب حوله ويمسكها بيده ويوجهها إلى فمه،يضحك بشدة، ويتجاوب مع اللعب معه،وتتطور المكاغاة عنده (الترغل)ويستطيع تثبيت الرأس.
الشهر الخامس:
ـ يستطيع أن يقلب نفسه من جهة إلى أخرى عند الاستلقاء الظهري،ويضع قدمه في فمه،وعند رفع الطفل يكون الرأس ثابت بين الكتفين،وينقل الألعاب من يد لأخرى،ويتبع بنظره الأشياء التي تتحرك من حوله.ويصرخ عندما يترك وحده،يثرثر لوحده، يمسك الزجاجة، يبدأ بتمييز الأغراب.
الشهر السادس:
ـ يرفع ساقيه عند الاستلقاء الظهري ويلعب بقدميه، يجلس مع قليل من المساعدة.يتفوه ببعض الحروف:لا، فا، با. الإثغار(أي ظهور الأسنان) .تمييز الغرباء.
الشهر السابع والثامن:
ـ الجلوس بدون مساعدة حوالي دقيقة،محاولة الإمساك بالألعاب التي تحيط به،يلفظ أحرفاً مركبة:دا، دا، با، با.يخاف الغرباء، يرتكس لكلمة لا، وعند ذكر اسمه.مسك الاشياء مع التثبت.
الشهر التاسع والعاشر:
ـ يجلس لوحده ولمدة طويلة،يحفظ توازنه، يزحف إلى الأمام أو على محوره،يحاول مسك الكأس باليدين حين الشرب،يقول بابا، ماما،يودع بيديه.يستطيع الوقوف بالمساعدة.
الشهر الحادي عشر والثاني عشر:
يزحف بسرعة على يديه وركبتيه،يسير حول أثاث البيت،يأكل قطعة خبز وحده، يطرب لسماع الموسيقى والأغاني.وفي نهاية الثاني عشر تبدأ الصغيرات بالمشي بينما يتأخر الأمر عند الصبيان بعد شهرين من ذلك.
وأما ضبط المصرات فإنه يبدأ غالباً في نهاية الشهر الثامن عشر وحتى السنتين والنصف من عمر الوليد.
ويقسم التطور الروحي ـ الحركي حسب سن الوليد إلى:
1 ـ مرحلة الوليد:
الشهر الأول من العمر(أي منذ الولادة وحتى نهاية الاسبوع الرابع).في هذه المرحلة ينتقل الوليد من حياة ذات شروط معينة داخل الرحم إلى حياة جديدة وشروط أخرى خارج الرحم، فقد انفصل عن والدته وأصبح يعيش في محيط له شروط مختلفة من ناحية الحرارة والرطوبة، كما أنه عليه أن يؤمن استقلاب وتمثل المواد الغذائية التي تأتي عن طريق الحليب سواء حليب الأم أو الحليب الصناعي،وكذلك طرح الفضلات الناشئة عن ذلك سواء عن طريق جهاز الهضم والكبد من جهة او عن طريق الكلية والجهاز البولي، وكذلك تأمين التبادل الغازي بواسطة الرئنين،وتبادل الدورة الدموية، وبذلك يتعرض الوليد إلى أخطار وأمراض تختلف عن الرضيع، وتكون نسبة الوفيات في مرحلة الوليد أعلى منها عند الرضيع، وتكون هذه النسبة أعلى مايمكن في الأيام الثلاثة التالية للولادة، وخاصة عند المواليد الخدج.
تكون الحركة عند الوايد في هذه المرحلة مسيطر عليها من قبل المنعكسات النخاعية المنشأ،وتتداخل المراكز الحركية الدماغية العليا في مراحل متأخرة.
2 ـ مرحلة الطفولة الباكرة:
وتمتد من الشهر الأول وحتى الشهر السادس، ويكون اعتماد الطفل فيها على التغذية بالحليب.
3 ـ مرحلة الطفولة المتأخرة:
من الشهر السادس وحتى نهاية السنة الثانية من عمر الطفل: وتتميز بوجود الإثغار، والمشي ةالكلام.
4 ـ مرحلة ماقبل المدرسة:
من السنة الثانية وحتى السنة السادسة من العمر: وتبدأ فيها مرحلة الإثغار الثاني.
5 ـ مرحلة المدرسة الأولى:
من السابعة وحتى سن البلوغ.
6 ـ سن البلوغ.
تبدلات الوزن عند الوليد والطفل الصغير:
يتناقص الوزن بعد الولادة وكحد أقصى حوالي عشرة بالمائة من الوزن عند الولادة والذي يقدر وسطياً بحوالي 3500غرام، والسبب في ذلك يعود إلى عدم تناول الوليد كمية كافية من الغذاء، وبسبب فقدان الوليد للعقي وفقدان السوائل عن طريق جهاز البول ومن خلال الأعمال التنفسية التي تكون سريعة عند الوليد.وإذا ماهبط الوزن أكثر من 10 بالمائة فيجب الاهتمام الشديد ومحاولة تعويض ماخسر الوليد إما بالتغذية المحكمة أو بإعطاء السوائل عن طريق الوريد وخاصة إذا ظهر عليه علامات التجفاف.
ويعود وزن الولادة بين اليومين العاشر والرابع عشر.ويتضاعف وزن الطفل في الشهر الخامس من العمر بحيث يصل إلى حوالي7كغ.ويصبح ثلاثة أضعاف في نهاية السنة الأولى من العمر بحيث يصل إلى حوالي 10 كغ.ويزداد وزن الطفل خلال السنة الثانية من العمر بقدر 2 ـ 3 كغ أي يصل في نهاية السنة الثانية إلى حوالي 12 ـ 13 كغ.ثم يزداد وزنه بمعدل 2كغ سنوياً خلال مرحلة ماقبل المدرسة،وبحيث يصل وزنه في نهاية السنة السادسة من العمر حوالي عشرين كغ.ثم يزداد وزنه بمعدل 2 ـ 3 كغ خلال مرحلة المدرسة الأولى، ويزداد وزنه بمعدل 6كغ سنوياً في طور البلوغ(14 ـ 15 عاما).
إن وزن الوليد والطفل تتأثر بعدة عوامل، فتعدد وتكرار الحمول يزيد في وزن الوليد، وكذلك فإن العامل الوراثي والغذائي والعرقي يلعب دوراً هاماً، فوزن المواليد في الهند والصين هو أقل بالمقارنة مما هو عليه في أمريكا وأوروبا مثلاً.وإذا كان وزن الوليد عند الولادة دون 2500 غرام سمي بالوليد ناقص الوزن، ولم يعد يطلق عليه اسم الخديج.
وتبين ان الحمل المديد يمكن أن يترافق مع نقص وزن الوليد وذلك بسبب نقص التغذية عبر المشيمة بسبب نقص تروية المشيمة ونقص حجم السائل الامنيوسي.
تبدلات الطول عند الوليد والطفل الصغير:
ـ يكون معدل طول الوليد عند الولادة حوالي 50 سم.وفي نهاية السنة الأولى من العمر يصبح وسطياً 75سم،أي يزداد خلال هذه السنة حوالي25 سم.ويزداد طوله في السنة الثانية من العمر حوالي 12 سم بحيث يصبح في نهايتها حوالي 87سم.ويزداد طوله في السنة الثالثة والرابعة من العمر بحيث يصل إلى 100 ـ 104 سم في نهاية السنة الرابعة.وبعدها يزداد طوله 5سم ثانوياً عدا السنتين 14 و15 عند الذكور، و12 و13 عند الإناث حيث يزداد في كل سنة حوالي7سم.
محيط الجمجمة:
يكون محيط الجمجمة عند الولادة حوالي35سم، وفي نهاية الشهر الثالث41سم، وفي نهاية الشهر السادس44سم،وفي نهاية الشهر التاسع45سم،وفي نهاية السنة الأولى47سم، وفي نهاية السنة الثانية 49سم.
ويكون محيط الرأس أكبر من محيط القوصرة الصدرية عند الولادة ويتعادلان في نهاية السنة الأولى من العمر.
تتلاقى عظام الجمجمة التي هي عظام مسطحة بالدروز(الدرز: مايفصل بين العظام)، وتشكل منطقة تقاطع الدروز مايسمى اليوافيخ.ويشعر عند جس الجمجمة عند الولادة بيافوخ في الناحية القحفية ويسمى اليافوخ الخلفي او الصغير،ويكون بمساحة راس الأصبع، وينغلق خلال الشهر الثاني من العمر ولكن غالباً مايكون مغلقاً عند الولادة.أما اليافوخ الأمامي أو الكبير، فيكون أكبر من الأول، ويغلق غالباً مابين الشهر15 ـ 18 من العمر، ويمكن أن يتأخر انغلاقه في بعض أمراض الاستقلاب كالخرع أو قصور الغدة الدرقية..
وإن فحص اليوافيخ قد يفيد في بعض الأمراض فيحدث تقبب في اليوافيخ في أورام ونزوف الدماغ، ويحدث تقعر فيها في حالات التجفاف.
تناسب أعضاء الجسم:
ـ يشكل الراس عند الوليد حوالي ربع الجسم (أي أنه يكون كبيراً بالنسبة إلى الجسم ككل) ، ويبلغ في نهاية السنة السادسة من العمر حوالي سدس الجسم، وعند البلوغ يشكل الرأس حوالي ثمن الجسم.ويقع منصف الجسم عند الوليد أعلى السرة، وفي نهاية السنة السادسة بين العانة والسرة، وعند البلوغ عند العانة.
الإثغار:ظهور الأسنان:
ـ يبدأ تكلس الأسنان اللبنية في الحياة داخل الرحم في الشهرين 5 ـ 6.ويبدأ تكلس الأسنان الدائمة بعد الولادة في الشهرين 3 ـ 4.
وإن تطور الاسنان أقل تأثراً من النويات العظمية في أمراض الغدد الصم والتغذية وسوء الاستقلاب، ولكن الإثغار له علاقة مع الوراثة والغدد الصم.
وأما مراحل الإثغار الأول(الأسنان اللبنية):
ـ ظهور القاطعتان المتوسطتان السفليتان(الثنيتان): الشهر السادس
ـ الثنيتان العلويتان: الشهر الثامن.
القاطعتان الجانبيتان العلويتان(الرباعيات): الشهر العاشر
الرباعيتان السفليتان:الشهر 12
الضواحك الأولى :الشهر16
الأنياب:الشهر20
الضواحك الثانية:الشهر 24 ـ 30
وهكذا يتم بزوغ الأسنان اللبنية خلال السنوات الثلاث من العمر وعددها 20 سناً.
وإن المهم في الإثغار هو توالي ظهور الاسنان بالترتيب السابق.
الإثغار الدائم:
ـ الرحى الأولى(رحى السنة السادسة): تظهر في السنة السادسة من عمر الطفل، ولابدأ الإثغار قبل ظهور هذه الرحى، وهي تظهر قبل أن يسقط أي واحد من الأسنان اللبنية.
ـ الرحى الثانية(رحى السنة 12): وتظهر في سن الثانية عشرة من عمر الطفل.
ـ القواطع المتوسطة: وتظهر في السنة السابعة من عمر الطفل.
ـ القواطع الجانبية:في السنة الثامنة
ـ الأنياب:في السنة الحادية عشرة
الضواحك الأولى: السنة العاشرة
الضواحك الثانية: السنة 12
النواجز:سن 16 ـ 40 سنة.
نويات التعظم:وعددها 800.وهي لها أهمية كبرى في تحديد السن عند الوليد والطفل والبالغ.
ـ العظم السمسماني: في اليد، ويظهر نوية التعظم فيه في سن11 عند الإناث و13 عند الذكور.ولاتبدأ ظهور الأشعار في الصفات الجنسية الثانوية إلا بعد ظهور تعظم العظم السمسماني.
ـ نواة مشاشة الفخذ السفلى، ونواة الظنبوب العليا: تظهر عند الولادة.
ـنواة العظم الكبير والكلابي:الشهر السادس من العمر.
ـ نواة النهاية السفلى للكعبرة:6 ـ 12 شهر
ـ نواة العظم الهرمي:السنة الثانية من العمر
ـ نواة العظم الهلالي:3 ـ 4 سنوات
ـ نواة العظم الزورقي والمربع:4 ـ 6 سنوات
ـ نواة العظم المربعي:6 ـ 8 سنوات
ـ نواة العظم الحمصي:9 ـ 10 سنوات
ـ الحدبة الظنبوبية:11 ـ 14 سنة.
ملاحظة: العظام المذكورة ومنها السمسماني والمربع والحمصي… هي عظام تشكل رسغ اليد عند الإنسان.
نمو النشاط الفمي عند الرضيع والطفل الصغير
إن أول نشاط يمارسه الطفل هو عملية المص والبلع الغريزتان،ومن ثم يضاف إلى النشاط السالف الذكر وبعد ظهور الأسنان العض والمضغ.وعادة تتركز مشاعر اللذة والمسرة داخل الفم وحوله خلال مرحلة الطفولة المبكرة وبصورة أقوى من أية مرحلة من مراحل العمر التالية.وما أن يتمكن الطفل من القبض على الأشياء والسيطرة على عضلات أصابعه، ونمو توافقه العضلي،فإن أول سلوك يقوم به هو وضع كل شئ تقع عليه يده في فمه ليختبره ويتذوقه وتكوين الإدراك على ماهيته.وهو بهذا السلوك يدرك الأشياء المنافية والمقبولة على مستوى التذوق الفمي، ونراه من خلال عملية الاقتراب الحسي الذوقي والفمي يعبر عن استجابته إزاء هذه الأشياء بلغة يفهمها الأشخاص الذين حوله(كخ..طيبة).
وكلما كبر الطفل ازدادت حساسيته الفمية نحو الأطعمة، فزجاجة الحليب التي تبدو ساخنة، وثقب حلمة الحليب الضيقة التي لاتسمح إلا بمرور كمية قليلة من الحليب عبر الحلمة، هذه الخبرات تنغص مسرة الطفل أثناء إطعامه.وهذا الانزعاج المقترن بالطعام المزعج يخلق نفوراً وسلبية نحو الطعام وعزوفه عن تناوله. وإن كثيراً من مشكلات التغذية عند الطفل سببها هذا الترابط السلبي والخبرة المزعجة بدون أن تدري الأمهات.
عملية المص:
هناك مقدار معين من عملية المص ضروري للطفل، وجزء من إشباع النشاط الفمي الغريزي.فالطفل بحاجة إلى تنمية عضلا فمه وفي الوقت نفسه إشباع الميل الفمي والحصول على اللذة الانفعالية التي تصاحب هذا الاشباع.وعادة نرى معظم الأطفال الصغار لايحصلون على المقدار الكافي من لذة المص سواء حين إرضاعهم من الثدي أو بواسطة الإرضاع الصناعي.وعلى سبيل الذكر اعتاد القرويون الأوربيون أن يعطوا اطفالهم الصغار قطعة مبللة بمحلول سكري، أو قطعة خبز مبللة بالحليب المحلى لإشباع هذا الميل الفمي ـ أي المص ـ وهذا وعلى الرغم من أن الشروط الصحية غير متوفرة عادة بهذه الأشياء إلا أنها مع هذا لها قيمة على المستوى الانفعالي والصحة النفسية عند الطفل.
وفي كثير من الأحيان وبعد محاولات مقلقة جداً، تصل الأمهات إلى مايمكنهن من منع الطفل من وضع أي شئ في فمه خارج أوقات الطعام ظناً أنهم أحسن صنيعاً بذلك الإجراء، وهذا بالطبع خطأ.والصواب هو أن نترك الطفل يظهر لنا بعفويته الأشياء التي يرغب في مصها ووضعها في فمه.وهنا يترتب علينا فقط أن نحقق ما أمكن الشروط الصحية في الأشياء التي اختارها لإشباع ميله إلى المص.فمثلاً أن نسمح له أن يرضع ثدي أمه لفترة أطول شريطة عدم إزعاجها بعضّه.وقد نتركه يتلهى بحلمة زجاجة الحليب إلى أن يشعر بالملل ويداهمه النوم.وأحياناً نرى أن الأطفال يهتمون بالزجاجة المليئة بمحلول السكر فلا مانع من ان نتركهم يتلهون بمص محتوياتها.
وعادة عندما تضطرب لذة الطفل في الطعام والمص فمعنى هذا أننا أحدثنا لديه الإحباط النفسي بسبب حرمانه من هذه اللذة الحيوية عنده.وإن تأثيرات هذا الإحباط تؤثر في نفسيته لمدة طويلة وقد يكون لها عقابيل مزعجة ومقلقلة على مستوى صحته وتغذيته.
مص الإصبع:
للطفل طريقته الخاصة في إرضاء حاجته إلى المص. وهناك إبهامه الجاهز لإشباع هذه الرغبة، وهي الطريقة السوية التي من خلالها يتمكن من أخذ المقدار الكافي من لذة المص.وهناك بعض الصغار يفضلون مص الإبهام أو إحدى الأصابع أو حكها،أو أي شئ آخر يقدم لهم. ففي هذه الحالة ليس في مقدورنا أن نتدخل في إعاقة اشباع لذة المص أي علينا أن نتركهم وشأنهم.
إن المشكلات التي تترتب على مص الإبهام بإلحاح كبير، لا لتحول هذا السلوك إلى عادة، بل لإنزعاجنا نحن، ومن الخطأ اللجوء إلى إجبار الطفل على التخلي عن هذه العادة باستعمال المواد ذات المذاق الكريه ووضعها في إصبع الطفل أو بمعاقبته على إدخال إصبعه في فمه.نقول من الخطأ اللجوء إلى هذه الطرق لأنه في أغلب الأحيان يصاحب هذا المنع امتناع الطفل عن تناول طعامه وفقدان اللذة التي تصاحب الطعام، فالأمهات في أغلب الأحيان لايدركن أن نجاحهن في كسر عادة مص الإبهام هو المسؤول عن سلبية الطفل نحو تغذيته،وذلك أن الخبرات الراضعة المزعجة للفم تتعمم لتشمل جميع نشاطات الفم وخاصة التغذية والإقبال على الطعام.
إن الأطفال الذين يمتنعون ظاهراً عن مص إبهامهم بدون عناد يعوضون عن ذلك بمص شفاههم أو ألسنتهم، إلا أن الطعام يصبح عندهم مصدر ازعاج غالباً ماتظهر عندهم اضطرابات وظيفية في الكلام.
ولابد من الإشارة إلى أن أي تدخل قسري في هذا الميل إلى مص الإبهام هو إجراء خطر. فالطفل في كل الأحوال سيرد على هذا التدخل بالعناد وسيستمر في مص إبهامه، وأن هذا التدخل سيسئ إلى صحته النفسية ويجعله قلقاً منزعجاً. وكلما كانت عملية مص الإبهام مرضية للطفل كلما كان من الأسهل إيقاف هذا السلوك من خلال إبداله باهتمامات أخرى.فمثلاً إعطاء الطفل”اللهاية”قد نتمكن من إشباع رغبته بدلاً من مص إصبعه كسلوك أو وسيلة بديلة عن الإصبع.والملاحظ أننا إذا قسرناه على إيقاف هذا النشاط بدون وسيلة بديلة تعويضية فإنه سيلجأ إلى إيجاد وسيلة بديلة كمص طرف الغطاء، أو زاوية الوسادة، أو أذن لعبته.
إن الطريقة في منع الطفل عن مص إبهامه وذلك بربط يديه، أو إلباس يديه بالقفاز بصورة لايستطيع معها وضع أصابعه في فمه، هذه الطريقة ليست فقط وحشية بل لها عقابيل على درجة كبيرة من السوء.فالطفل الذي يمنع عن مص أصابعه بالإكراه وبالطريقة التي ذكرناها، فإننا نهيئه لمنع استخدام يده منعاً باتاً في وقت هو بحاجة فيه إلى تنمية قوته على لمس الأشياء والتقاطها وتكوين خبرات حسية ـ حركية في أصابعه، وإن مثل هؤلاء الأطفال إما أن يصبحوا على درجة كبيرة من السلبية، أو أنهم يحتجون على صنع من يشرف عليهم ومعاملتهم بهذه الصورة بعنف كبير وبالتالي يتولد عندهم عدوان شديد.وإن إحدى هاتين الاستجابتين إذا ما استمرت فيما بعد، فإنها تكون الأساس لحدوث الاضطراب في شخصية الطفل.
لطيفة:
يؤكد ابن سينا في تعاليمه على أهمية التربية،ولا سيما في الميدان النفساني.وتبتدىء تلك التربية منذ الشهور الأولى لتأثيرها في نمو الطفل واعتداله الجسمي والنفسي فيقول:”من الواجب أن يلزم الطفل شيئين نافعين أيضاً لتقوية مزاجه:أحدهما التحريك اللطيف،والآخر الموسيقى والتلحين الذي جرت به العادة لتنويم الأطفال.وبمقدار قبوله لذلك يوقف على تهيئته للرياضة والموسيقى أحدهما ببدنه والآخر بنفسه”.
ويتابع:”يجب أن يكون وكد العناية مصروفاً إلى مراعاة أخلاق الصبي فيعدلنوذلك بأن يحفظ كي لا يعرض له غضب شديد أو خوف شديد أو غمّ أو سهر.وذلك بأن يُتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه ويحن إليه فيقرّب إليهنوما الذي يكرهه فينحّى عن وجهه،وفي ذلك منفعتان:إحاهما في نفسه،بأن ينشا من الطفولة حسن الأخلاق،ويصير له ذلك مَلكة لازمة،والثانية لبدنه،فإنه كما أن الأخلاق الرديئة تابعة لأنواع سوء المزاج،فكذلك إذا حدثت عن العادة استتبعت سوء المزاج المناسب لها”.
البلوغ:
جاء في دائرة المعارف الإسلامية السفير(العدد 37 ـ 38):
البلوغ في اللغة:الوصول،وهو مصدر للفعل“بلغ“،أي :وصل.يقال: بلغ الصبي وبلغت الجارية:لإذا أدركا،أيب:إذا وصل كل منهما إلى مرحلة نضج الأعضاء التناسلية.ويقال: هو بالغ،وهي بالغة.ونُقل عن العرب: جارية بالغ.
وقد وردت بعض مشتقات الكلمة في القرآن الكريم في مواضع عديدة،تدور كلها ـ تقريباً ـ حول معنى الوصول، منها قوله تعالى:(لهُ دعوةُ الحقِّ والذين يدعونَ من دونهِ لا يستجيبون لهم بشىءٍ إلا كباسطِ كفّيهِ إلى الماءِ ليبلغَ فاهُ وما هوَ ببالغه وما دعاءُ الكافرينَ إلا في ضلال)(الرعد 14).
وقد وردت الكلمة وبعض مشتقاتهت أيضاً في السنة النبوية في مواضع كثيرة،منها مارواه الحسن عن علي رضي الله عنه قال:„سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رُفعَ القلم عن ثلاثة:عن الصغير حتى يبلغ،وعن النائم حتى يستيقظ،وعن المصاب حتى يُكشف عنه“(مسند أحمد).
والبلوغ في الدراسات الطبية:هو الفترة الزمنية التي تصبح فيها الغدد التناسلية الأساسية(الخصيتان في الذكر،والمبيضان في الأنثى)قادرة على تأدية وظيفتها،وهي إنتاج الحيوانات المنوية في الذكر،والبويضات في الأنثى،وبذلك يصبح الفرد قادراً على الإنجاب والتكاثر.
وعند فترة البلوغ تنشط هذه الغدد التناسلية بوساطة الهرمونات المنشطة لها التي تفرز من الغدة النخامية بقاع المخ،تحت تأثير الهرمون المفرز للهرمونات المنشطة للغدد التناسلية بوساطة ما تحت المهاد،وهذا هو السبب الرئيسي في البلوغ.
ومن أعراض البلوغ عند الذكر:
ـ نمو أعضاء التناسل الذكرية الثانوية:مثل:البروستاتا والحويصلات المنوية وأعضاء التناسل الخارجية.
ـ وظهور صفات الذكورة،وهي: ظهور الشعر في الوجه(اللحية والشارب)،وظهور شعر العانة الذي يصل إلى منطقة السّرة،وغلظة الصوت،ونمو العظام والعضلات.
ومن أعراض البلوغ عند الأنثى:
ـ نمو أعضاء التناسل الثانوية،مثل:الرحم وقناة فاللوب والمهبل،وأعضاء التناسل الخارجية.
ـ وظهور صفات الأنوثة،وهي: عدم ظهور الشعر في الوجه،وظهور شعر العانة وهو لا يصل إلى منطقة السرة،وحدة الصوت،وترسيب الدهون في منطقة الألية والصر،ونمو الثدي،وظهور الدورة الشهرية(الطمث).
والبلوغ في علم النفس:يقتصر على الجانب الجسمي الفسيولوجي،ودراسة مايترتب عليه من آثار نفسية.ويؤدي البلوغ الجنسي وظيفة مهمة في حياة الإنسان والحيوان،حيث ينجذب كل من الذكر والأنثى نحو الآخر،فتتكون الأسرة،ويحدث التناسل،وتتعاقب الأجيال ويبقى النوع.وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال الله تعالى:(واللهُ جعلَ لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنينَ وحفدة)(النحل 72).
البلوغ في الفقه:هو بداية التكليف الشرعي الكامل إذا بلغ الإنسان عاقلاً،وقبل ذلك لا يكون الإنسان(الصبي)مكلفاً تكليفاً كاملاً،وإن كان منتبهاً إلى كثير مما ينتبه إليه البالغ،وعارفاً بكثير مما يعرفه،ويقال له:ناقص الأهلية.
فمرحلة التمييز قبل البلوغ لا يُكلف فيها الصبي بأيّ من الاحكام المتعلقة بحقوق الله تعالى كالصلاة والصيام وسائر العبادات،وإنما يُطلب منه تعلمها،والتدريب عليها حتى يعتادها.
وقد اتفق الفقهاء على أن „الاحتلام“وهو خروج المني من قبل الغلام كيفما كان خروجه يحصل به البلوغ بالنسبة إليه،واتفقوا كذلك على أن الحيض أو الحمل من العلامات الدالة على بلوغ الأنثى.
أمراض المواليد والرضع:
تعتبر مرحلة الرضاعة من أخطر المراحل التي يمر بها الكائن الحي،وإن الانتقال الفجائي من الحياة داخل الرحم إلى الحياة خارج الرحم وماتعنيه من الاستعدادات للإصابة بالأمراض واختلاف أجواء الحياة قد يشكل تهديداً لحياة الرضيع.ومنذ انقطاع الحبل السري فإن الحركات التنفسية الذاتية عند الرضيع تأخذ وظيفتها،كما أن باقي أجهزة الرضيع من القلب والدورن وجهاز الهضم تبدأ بالعمل،وانبوب الهضم الذي كان خامل الوظيفة في مرحلة الجنين يترك خموله جانباً ويأخذ في هضم الطعام الوارد إليه،كما أن مراكز الحرارة تترك عنها الخمول وتبدأ في عملها بالتنظيم الحروري.
كما أن المخاض والولادة بما قد تسببه من أذيات،والأمراض الخلقية الولادية،قد تترك بصماتها آجلاً أو عاجلاً على المولود الجديد.
إن من أهم المشاكل التي تواجه الرضيع الولادة المبكرة(الخداج )،والتشوهات الخلقية، والاختناق التال للوضع،وكلها ذات عتبة حدية خطيرة بعد ولادته بفترة قصيرة.
1 ـ الخداج:Prematurity
يعرف الطفل الخديج بأنه الذي يولد قبل الأوان أي في عمر حملي أقل من 37 اسبوعاً،،وهو الوليد الذي يلد ووزنه عند الولادة أقل من 2500غرام،وإن معظم المواليد الذين يزن أحدهم عند الولادة دون 1000غرام يموتون عند الولادة.ويمكن اعتبار حوالي 6 ـ 10% من المواليد هم من الخدج.وتشكل نسبة الوفيات عند الخدج في الأسبوع الأول من الحياة أعلى معدل لها وتبلغ نسبة 50%.ويكون هؤلاء الأطفال المبتسرين أو الخدج عرضة بشكل أكبر للإصابة بالشلل الدماغي،واعتلال الدماغ بنقص الأوكسجين، والتأخر في النمو،ومشاكل في السمع والبصر ومنها اعتلال الشبكية الخداجي،وكذلك مشاكل في القلب والدوران ومنها بقاء القناة الشريانية المفتوحة.
وتزداد هذه المخاطر كلما كانت الولادة أكثر تبكيراً.
وتعتبر الولادة المبكرة أي الخداج سبب الوفاة الأكثر شيوعاً عند الرضع وهناك حوالي 15 مليون طفل خديج كل عام أي ما نسبته 5 ـ 18 % من مجمل عدد الولادات،وما يقرب من 5،% من الولادات تكون ولادات مبكرة للغاية،وهي السبب في معظم وفيات المواليد.
وغالباً ما يكون سبب الولادة المبكرة غير معروف.إلا أن عوامل الخطر تشمل إصابة الأم بمرض السكري وارتفاع الضغط الدموي والسمنة والنحافة الشديدة،والحمل بأكثر من طفل،ووجود التهابات مهبلية،والتدخين،والتوتر النفسي.
ومن المستحسن طبياً عدم تحريض المخاض قبل الاسبوع 39 من الحمل إلا في حالات تستدعي ذلك،ونفس الأمر ينطبق على إجراء العمليات القيصرية قبل هذا الوقت إلا في حالات نادرة تستدعي ذلك ومنها التسمم الحملي.
وأكثر الأعضاء إصابة هي الرئتان وذلك بسبب عدم تطورهما الكامل وعدم قدرتهما على أداء وظيفتهما بشكل تام.ولذا فإن أهم أسباب الوفاة عند الخدج هو الأنوكسيا Anoxia.
وبما أن الأنوكسيا هي العامل الرئيسي المسبب للوفاة عند الخدج فمن الضروري أن نعود إلى تكوين وعمل الرئتين أثناء الحمل وبعد الولادة.