الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

خلق الجنين — الجهاز التناسلي والجماع

 بسم الله الرحمن الرحيم 

خلقُّ الجنين بين الطبِّ والدين

المقدمة:

{وقُلْ ربِّ أدخِلني مُدخلَ صِدقٍ وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ واجعل لي من لَّدُنكَ سُلطاناً نصيراً}[الإسراء80]

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضِلَ له ومن يُضلِل فلا هادي له،وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وشفيعنا يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا.

الحمد لله الذي خلقنا من العدم،وعلمنا مالم نكن نعلم. وهبنا الفطرة السليمة والصورة الكريمة. وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة،وكان فضل الله عظيماً.

أما بعد:

لم يتناول أحد مسألة تكوّن الجنين في رحم الأم قبل القرآن وبعد نزوله بفترة طويلة.ولقد تناول القرآن الكريم هذا الموضوع بشكل مفصل وموضوعي يدعو للإعجاز،ابتداءً من عناصر تشكل الجنين الأولى وأعني بها النطفة (أي الحيوان المنوي المذكر) والبويضة عند الأنثى،ومروراً بعناصر التخلق الأخرى وهي النطفة الأمشاج(أي البويضة الملقحة) والعلقة ومن ثم المضغة المُخلّقة وغير المُخلّقة ومن ثم طور الجنين وتشكل الأنسجة الأخرى،ومن ثم تطور الخلق بمراحله المختلفة طوراً بعد طور،ومن ثم خروج الجنين من الرحم ومرحلة الوليد والإرضاع.

آياتٌ قليلةٌ مُحكمة و كلمات بسيطة رائعة،ولكنها ذات معنى كبير وإعجاز أكبر،عبرّت عن خلق الجنين الإنساني بصورة علمية رائعة،وبأسلوب القرآن الكريم المعجز دائماً لغوياً وعلمياً .وإن قصة خلق الإنسان بمراحله وأطواره المختلفة آية من آيات الله الكبرى،ودليل على قدرته الحكيمة العظيمة.

وقد أمرنا الله تعالى وحضّنا على التفكّر والتدبر في قصة هذا الخلق {فلينظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلق}[الطارق5]،كما أمرنا الله عز وجل أن نتفكر في نِعمه علينا ومافي هذا الإنسان وتركيبه وما أودع الله فيه من نِعمه وآياته دليلاً على عظمته وإعجازه{وفي أنفسِكُمْ أفلا تُبصرونَ}[الذاريات 21] .

لقد تطورت العلوم الفيزيائية والبيولوجية والكيميائية وعلوم الفلك والرياضيات وغيرها من العلوم وأخذت تتقدم ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي،ولكن أحداً من العلماء الأوروبيين لم يستطع أن يتطرق إلى موضوع كيف تتشكل الأجنة في الأرحام والتي تكلم عنها القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة قبل مئات السنين من قبل وبشكل يدعو للإعجاز.

وبعد أن تم اختراع المجهر الضوئي من قبل لوفنهوك وأمكن رؤية الحيوانات المنوية وهي تسبح فقد ظن العلماء في ذلك الوقت أنها ليست إلا بقايا أو رواسب لعمليات تعفن في الغدد الجنسية،وقال آخرون أنها قد تكون ميكروبات أو طفيليات،ولم يذكر أحد منهم أنها أصل الحياة وبذور تشكل الجنين.

وكانت النظرية السائدة ولعدة قرون في أوروبا والغرب أن الإنسان يوجد بشكل مُصغّر داخل الحيوان المنوي أي أن النطفة تحوي الجنين بشكل مصغر وأنه داخل الرحم ينمو ويتطور بعد أن يتغذى داخل الرحم.والعجيب أن بعضهم تخيل وقال أنه قد رأى معالم هذا الجنين المصور بأعضائه وأنسجته داخل الحيوان المنوي!!

وأما القرآن الكريم فقد ذكر مراحل تطور الجنين منذ البداية وحتى الولادة بشكل علمي وموضوعي وبشكل يدعو للإعجاز ويُثبت ويدل على أنه كتاب من عند الله،لا هو من صنع بشر ولا من تأليف الإنس والجن، ولا مُشتق من الأساطير وعلم الأقدمين.

إن الكتابة في علم تطور الجنين وخلق الإنسان من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية،هو بحث هام ورائع،و يساعد على إظهار هذا الإعجاز الرباني والذي قد يمكن بعض الناس من معرفة الدين الإسلامي والدخول فيه من خلال الأسلوب العلمي الموضوعي،والذي يتعاون فيه علماء الطب والدين واللغة،والذين تقع عليهم مسؤولية إظهار الإعجاز القرآني من كل جوانبه ونواحيه،وقد سمعنا من خلال المؤتمرات العلمية التي تكلمت عن هذا الموضوع وكيف أثرت في بعض علماء الغرب ودخل بعضهم في دين الله عن قناعة واقتناع مصداقاً لقوله تعالى{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[فصلت53]وقوله تعالى{شهد الله أنه لا إله إلاهو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلاهو العزيزالحكيم}[آل عمران 18].

إنني عندما أكتب في هذا الموضوع فإنني لا أفسر آيات الله ـ معاذ الله ـ وإنما ألقي بعض الأضواء والشروح الطبية المُوثقة العلمية والمتطورة حول موضوع الجنين بين الطب والدين.

إننا نقدم المعلومات الحديثة والمتوفرة ونضعها أمام المُهتمين من العلماء والباحثين الذين نذروا أعمارهم ووقتهم لخدمة علوم القرآن ونترك لهم بعد أن يقرأوا،أن يقبلوا أو يرفضوا ،أن يناقشوا أو أن يُتمموا ،أن يصححوا أو أن ينقدوا.

اللهم اغفر لنا الخطأ وقيّض لنا من يُصححه وأجرنا على عملنا وتقبّل منا الصواب.

اللهم اجعل كتابي هذا خالصاً لوجهك الكريم،وإن كان فيه خطأ أو أخطاء فاغفر لي واهدني وسدّدني،وإن كان فيه شئ مما تُؤجِرعليه فبفضلك ورحمتك ،فأنت الذي أعنتني عليه، ويسّرت لي كتابته،وشرحت صدري له،فسبحانك ما أكرمك،وسبحانك ما أعظمك،ياذا الجلال والإكرام وياذا المنّ والفضل،ويا أرحم الراحمين.

سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اسأل الله تعالى وهو الوهاب الكريم البرّ الرحيم،أن ينفع به وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وله الحمد في الأولى والآخرة.اللهم وفقني..وأوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ. إني لما أنزلت إليّ من خير فقير.

وأختم هذه المقدمة بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اللهم لكَ الحمد أنت ربُّ السّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ،ولك الحمد أنت قيُّومُ السّمواتِ والأرض ومن فيهنَّ،ولكَ الحمدُ أنت نورُ السّموات والأرض ومن فيهنَّ،أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ،ووعدُكَ حقُّ، والجنةُ حقُّ،والنارُ حقُّ،والنبيونَ حقُّ،ومحمدٌ حقُّ،.اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ،وعليكَ توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبكَ خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ماقدَّمت وما آخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ أنت إلهي لا إله إلا أنت“.[أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما].

الجهاز التناسلي عند الذكر

يتألف الجهاز التناسلي عند الذكر من الأعضاء التالية:

1 ـ الخصيتان :Testes

الخصية أحد أعضاء الجهاز التناسلي الظاهر عند الذكر،وتعتبر أيضاً أحد أعضاء جهاز الغدد الصماء.

تزن الخصية عند الذكر البالغ حوالي 20 غراما،وبطول 4سم،وبقطر أمامي خلفي حوالي3سم،وقطر معترض حوالي2سم،وتتشكل الخصية في طور حياة الجنين إلى جانب العمود الفقري والأضلاع السفلى،ثم تنزل تدريجياً أثناء الحمل باتجاه الحوض حيث تبلغه في الاسبوع العاشر بعد تلقيح البيضة،وفي الشهر التاسع من الحمل وقبيل الولادة تُهاجر الخصية إلى كيس الصفن خارج البطن،والسبب في ذلك أن النطاف التي تُولّدها الخصية تتأثر بحرارة الجسم الداخلية،ويكون إفرازها أفضل إذا كانت الحرارة (2 ـ 4 )درجات أقل من حرارة الجسم الداخلية،وهذا يتوفر بشكل جيد ومناسب في كيس الصفن خارج تجويف الجسم حيث تصل درجة الحرارة حوالي 34 ـ 35 درجة مئوية،وإن عدم هجرة الخصية إلى كيس الصفن ـ ويسمى طبياً الخصية الهاجرة ـ له تأثيرات سلبية وقد يُسبب العقم كما سنذكر ذلك بالتفصيل لاحقاً،وتعتبر الخصية الهاجرة أكثر تعرضاً للتشكلات الورمية من الخصية الطبيعية.

وإن هبوط الخصية من جانب العمود الفقري إلى كيس الصفن خارج البطن قد يتوقف أثناء هجرتها وهبوطها في عدة مناطق: البطن،أو القناة الإربية،أو المنطقة الإربية.

ولذا لابد من الانتباه عند الولادة للمواليد الذكور إذا كانت الخصية في كيس الصفن أو غير موجودة فيه.

ومن الناحية الوظيفية:

تعتبر الخصية عند الذكر البالغ من أكثر اعضاء الجسم نشاطاً وإنتاجاً ،وتعتبر الخصية غدة داخلية وغدة خارجية الإفراز وذلك يتم عن طريقين رئيسين:

1ـ تحتوي الخصية على عدد من الفُصيصات،وكل فصيص يحتوي على مجموعة من الأنابيب المنوية، وهي شديدة التعرج والالتواء،ويقدر عددها بحوالي الألف انبوب،والأنبوب أدق من خيط الحرير الرقيق،ويبلغ طول الأنبوب الواحد حوالي30 ـ 60 سم.وتحتوي الأنابيب المنوية على خلايا تسمى خلايا سرتولي تفرز سائلاً يعمل على تغذية الحيوانات المنوية.ويعتقد أيضاً أن لها وظيفة مناعية.كما أن هذه الخلايا تحافظ على البيئة الضرورية للتطور والنضد للنطاف من خلال الحاجز الدموي الخصيوي،وتفرز مواداً تحرض بدء الانقسام الخلوي المنصف،كما أنها تفرز السائل الخصيوي الداعم،وتفرز البروتين الرابط للأندروجين والذي يقوم بتركيز التستوستيرون بالقرب من الأعراس النامية،وتقوم هذه الخلايا المسماة سيرتولي أيضاً بحماية الأرومات النطفية من الجهاز المناعي للذكور من خلال الحاجز الدموي الخصيوي.

ويقال أنه لو مُدت هذه الأنابيب بجانب بعضها لكوّنت طريقاً طوله لايقل عن 500 متر، وتحتوي هذه الأنابيب على الخلايا المولدة للنطاف،ويقدر معدل الإفراز اليومي للنطاف عند الذكر البالغ حوالي 100 مليون نطفة أي بمعدل 1000 نطفة في الثانية،ويقال أن الرجل الواحد يستطيع خلال شهرين أن ينتج مايكفي لإنجاب ذرية تملأ الأرض كلها!!

وهذه الأنابيب المنوية تجتمع في مجموعة من الأقنية المنوية عددها 12 ـ 20 في شبكة تسمى شبكة هيللر،وهذه تصب في غدة البربخ التي تقع في القسم العلوي من الخصية.

يتم تشكيل الحيوانات المنوية في الخصية وذلك في الأنابيب المنوية للخصية.تبدأ هذه العملية بالانقسام الخيطي لخلايا جذعية تقع بالقرب من الغشاء القاعدي للأنابيب المنوية،وتدعى هذه الخلايا بالخلايا الجذعية المولدة للنطاف.وينتج عن الانقسام الخيطي نوعان من الخلايا:الخلايا من النمط  A والخلايا من النمط B وهذه تتحول إلى خلايا نطفية.

وتستغرق كامل عملية تكون النطاف عند الذكور حوالي 74 يوماً،وتنتج الخصية حوالي 200 ـ 300 مليون حيوان منوي يومياً.

تشكل الخصية الخلايا المولدة للنطاف،وهي خلايا سريعة التحسس،وإن انسداد الشريان المنوي يسبب تلفها السريع.وأما خلايا سرتولي فإنها أكثر مقاومة وتقوم حينئذ بدور الخلايا البالعة.وإن عملية تشكل النطاف هي عملية مستمرة سواء كان هناك قذف أم لا،وإن النطف غير المقذوفة تمتص من قبل قناة الأسهر.وعند الجماع فإن هناك قذفاً قدره 2 ـ 4 مل من السائل المنوي الذي يدخل المهبل،وهذا السائل المنويSemenيحتوي على عدة ملايين من النطاف وإن الحد الأدنى للإخصاب يبلغ حوالي 20 مليون نطفة في كل مل من السائل.ويحتوي كل سائل منوي على نسبة محدودة من النطف غير المتحركة أو قليلة الحركة أو مضاعفة الرأس أي مشوهة.

إن النطاف تجتمع عند الفوهة المجلية من قناة الأسهر إلى أن تختلط بالسائل الآتي من الحويصلين المنويين ومن ثم يتم عملية القذف.وإن أقل من 10 % من السائل المنوي يحتوي النطاف والباقي عبارة عن السائل بحد ذاته.

وإن السائل المنوي يتخثر بسرعة بعد القذف ولكنه سرعان ما يكتسب سيولته بعد فترة قصيرة لوجود الخمائر الحالة للبروتين،ومن ثم تستطيع النطاف الناضجة أن تتحرك بسهولة.

إن درجة حموضة السائل المنوي حوالي7،4 ويحتوي على نسب معينة من حمض الليمون والفركتوز والسوربيتول،وخمائر عديدة.

وإن افراز البروستاتة يشكل حوالي 20% من كمية السائل المنوي .وأما الحويصلان المنويان فيشكلان بإفرازهما حوالي 60% من كمية السائل المنوي.وإن الحويصلين المنويين يحتويان على نسبة عالية من البروستاغلاندين.

إن النطاف تستطيع البقاء لمدة شهر أو أكثر داخل البربخ أو الحويصل المنوي،ولكنها تموت بسرعة بعد خروجها من الجسم،ويمكن الحفاظ عليها لعدة سنوات في حالات التبريد لها بدرجة 79 تحت الصفر وهذا ما يسمى زرع النطاف.

وإن من أهم أسباب العقم عند الذكور عدم تشكل النطاف أو وجود تشوهات كبيرة في النطاف من حيث الشكل أو الحركة أو نقص العدد الشديد وهذا ما نبحثه لاحقاً إن شاء الله عند الحديث عن العقم.

2ـ والخصية هي أيضاً غدة صماء،أي أنها تفرز بعض الهرمونات التي تنطلق إلى الدورة الدموية مباشرة، وهذا الإفراز الهرموني يتم بواسطة خلايا تدعى الخلايا الهامشية وتسمى أيضاً خلايا ليديغ،وأهم الهرمونات التي تُفرزها الخصية هرمون التستوستيرون، وهذا الإفراز تشرف عليه الغدة النخامية.

تنمو الخصية بصورة ضئيلة خلال السنين الأولى من الحياة،ولكن بعد سن الحادية عشر تنمو نمواً سريعاً وتصل إلى وزن 15 غراماً في السنة السابعة عشرة من العمر.والموثة وباقي الغدد الجنسية الملحقة تسايرها في النمو.

إن أول العلامات الجنسية الثانوية(الخارجية) ظهوراً عند الطفل البالغ هي سرعة نمو القضيب وهذا يظهر في سن الحادية عشر،ومن ثم تبدأ أشعار العانة بالظهور والانتشار وأخذ اللون الاسود،ومن ثم تظهر أشعار الإبط وظهور الشاربين ومن ثم تنتشر أشعار العانة باتجاه السرة،وتأخذ أشعار الوجه والذقن بالقساوة.

ومن ثم تضخم الحنجرة ويصبح الصوت خشناً،ويترافق النمو الجنسي والنمو الجسدي ويترافق ذلك مع تبدا المزاج والحالة النفسية.

وإذا ما أجري الخصاء قبل سن البلوغ فإن المخصي يمتاز بطول القامة وذلك بسبب عدم الالتحام المبكر لغضاريف النمو  والالتحام في العظام،ويبقى محتفظاً بصوت ناعم غير أجش،ويبقى القضيب صغير الحجم،ولا تظهر أشعار الوجه أو البطن بالنمط الذكوري.ويندر حدوث الصلع عند المخصيين،ويلاحظ نقص في افراز الغدد الدهنية في الجلد،كما لوحظ أن التعرض للشمس لا يسبب تغير لون الجلد أي حدوث السفع،ويكون مصاباً بالعنة والعجز الجنسي والعقم.

أما إذا حدث الإخصاء بعد سن البلوغ فإنه يسبب الوهن العضلي،وضمور البروستاتة والحويصلين المنويين،وتراجع الرغبة الجنسية.

إن هرمون التستوستيرون مسؤول عن الصفات الجنسية الأولية:

مثل ضخامة وحجم القضيب،وضخامة الموثة(البروستات) والبربخ والحويصلين المنويين، بالإضافة إلى الإشراف على إفرازاتهم ووظائفهم,كما أن هذا الهرمون مسؤول عن الوظائف الجنسية الثانوية:

مثل خشونة الصوت عند البلوغ،ونمو شعر اللحية،وتوزع الأشعار، وظهور شعر العانة كما يلعب دوراً في نمو الهيكل العظمي والعضلات،وله علاقة مع استقلاب البروتينات،ونمو الجسم، ونضج الخلايا المُولدّة للنطاف.

وقد اكتشف التستوستيرون عام 1935م،وقد أمكن استحضاره طبياً ويعطى علاجياً بشكل زرقات عضلية،لأنه إذا أعطي عن طريق الفم وامتص من الأمعاء ودخل الدوران البابي الكبدي يتم استقلابه لشكل أقل فعالية.

الصفن:Scrotum

هو الكيس المحيط بالخصية ويحميها من العوامل الخارجية،ويوجد على الخط المتوسط منه مايسمى الخياطة المتوسطة والتي تشير إلى أن الصفن كان يتألف من قسمين أو نصفين في الحياة الجنينية، وهذا الكيس يحتوي على طبقة من الألياف العضلية المُلس والتي تسمى العضلات المُغضّنة للصفن،وذلك لأنها بتقلصها واسترخائها تسبب انكماش أو استرخاء الصفن،وهذا يلعب دوراً هاماً في بقاء الحرارة داخل الصفن ثابتة مهما كانت تبدلات الحرارة الخارجية،وهذا ذو أهمية كبرى لكي لايتأثر توليد النطاف بالتذبذبات الحرارية الخارجية.ولقد لوحظ أن بعض العوامل والظواهر قد تؤثر سلباً في انتاج النطاف في الخصية ولها علاقة مع التبدلات الحرارية الخارجية،ومنها أن لبس الملابس الضيقة جداً يمكن أن يمنع هبوط الحرارة المطلوبة في الصفن فيؤثر في جودة النطاف،وكذلك اجراء الحمامات الساخنة بانتظام.

2 ـ البربخ: Epididumis

العضو الثاني في الجهاز التناسلي عند الذكور، وهو عبارة عن غدة تحتوي عدة قنوات مُتعرجة بطول 5 ـ 20 متر،وتقع في القطب العلوي من الخصية،تنتقل إليه النطاف عن طريق الأنابيب المنوية،ومنه تنتقل إلى القناة الناقلة للنطاف (والتي تسمى الأسهر)، والحويصلين المنويين.

إن البربخ ذو وظائف هامة جداً بالنسبة للنطاف تتمثل في ثلاثة وظائف هامة:

1 ـ إنه يُكسب النطاف القدرة على الحركة (لأنها عندما تخرج من الخصية تكون غير متحركة بذاتها)

2 ـ يساعد على إتمام عملية إنضاج النطاف،ومنها تغيير السطح الخارجي للنطاف مما يمكنها  أن تخترق البيضة عند حدوث الإلقاح.

3 ـ يعتبر البربخ مستودعاً للنطاف،وذلك في القسم السفلي منه،ويمكن أن تبقى النطاف حية داخل البربخ لعدة أسابيع.ويقال أنها تبقى فيه حوالي ثلاثة شهور وهذا يساعد في عملية إنضاج النطاف.وتساعد الكريات البيضاء على تنظيف البربخ من الحيوانات المنوية الميتة وبقاياها.

3 ـ القناة الناقلة للنطاف(قناة الأسهر):Ductus deferens

وتسمى أيضاً الحبل المنوي، وهي قناة طويلة (حوالي 40 ـ 50 سم)، وذات قطر لايتجاوز 4مم،تمتد من البربخ وحتى عنق الحويصل المنوي، وفي بعض البلدان مثل الهند يتم تعقيم الذكور من خلال ربط الحبل المنوي جراحياً من أجل منع الإنجاب وتحديد النسل.

4 ـ الحويصلان المنويان:

يتركب الحويصل المنوي من أنبوب شديد الالتواء والتعرج بطول 12 ـ 20 سم،وهما يقعان تشريحياً خلف غدة الموثة(البروستات) . والحويصل المنوي ذو وظائف هامة عديدة:

! ـ إفراز سكر الفركتوز: وهذا ذو أهمية خاصة جداً لحركة النطاف

2 ـ إفراز سائل قلوي مُغذي للنطاف،وهذا السائل يقلل لزوجة السائل المنوي

3 ـ يعتبر الحويصل المنوي مدخراً ومستودعاً للنطاف.

4 ـ عند الجماع يحدث تقلص في الحويصلين المنويين وهذا يؤدي لحدوث الدفق والإنزال، ولولا الحويصل المنوي لتقّطر السائل المنوي في الإحليل قطرة قطرة.ويتم مزج سوائل الموثة والبربخ والحويصلان المنويان قبل عملية القذف.

5 ـ الأقنية الدافقة:

هذه الأقنية تمتد بين الحويصلين المنويين والإحليل عبر غدة البروستات،ويبلغ طول القناة 2سم وبقطر حوالي 1ـ 2مم.

6 ـ غدة الموثة(البروستات):

غدة ليفية ـ عضلية، شبيهة بحبة الكستناء، وزنها في الحالات الطبيعية 14 ـ 20 غراماً،تقع خلف المثانة وتحيط بعنق المثانة،،وتحتوي على مجموعة من الغدد الصغيرة التي تصب في الإحليل عبر القناتين الدافقتين.تفرز الموثة سائلاً حليبياً مغذياً للنطاف وهو يشكل القسم الأعظم من تركيب السائل المنوي،وهو سائل قاعدي التفاعل،يحتوي على دهون فوسفورية تكسبه اللون الحليبي،وهو يعمل على تخفيف لزوجة السائل المنوي ليسهل حركة الحيوانات المنوية.

كما أنها تحتوي على ألياف عضلية ملس تتقلص أثناء الجماع، وتفرز محتويات الموثة إلى الإحليل.

إن أمراض الغدة ليست نادرة وخاصة عند المسنين، وتسبب اضطرابات بولية،كما أن سرطان الغدة هو أكثر سرطانات الجهاز التناسلي مشاهدة عند الذكور،واستئصال الغدة يؤثر على القدرة الجنسية(العنانة) كما أنه يؤثر في القدرة على الإنجاب(العقم).

7 ـ القضيب:Penis

عضو التناسل والجماع،يصل طوله تقريباً 6 ـ 10 سم،وعند الانتصاب يبلغ 13 ـ 18 سم.

يتكون القضيب من ثلاثة أجسام اسطوانية الشكل وهما الجسمان الكهفيان في أعلى القضيب،وجسم ثالث أسفل القضيب ويسمى الجسم الإسفنجي،وتسمى هذه الأقسام الثلاثة بمجموعها بإسم أعضاء النعوظ، وهي غنية جداً بالعروق الدموية والتي تكّون مايسمى اشباه الجيوب الوريدية الدموية،ويحصل انتصاب القضيب من جراء امتلاء هذه الجيوب بالدم واحتباسه المؤقت فيها،وذلك بتقلص الألياف العضلية الملس التي تمنع الدم الوريدي من العودة ،ويتم هذا تحت إشراف الجملة العصبية المركزية،والعصب الودي من خلال مايسمى المنعكس البصيلي  ـ الكهفي،والذي تنطلق التنبيهات الحسية من القسم الأمامي من القضيب والمسمى بالحشفة(Prepuce) والذي يغطى عند غير المختونين بقطعة جلدية تسمى القلفة.

كما يحتوي القضيب على قناة الإحليل(مجرى البول) والذي يمر خلال الجسم الإسفنجي، والإحليل هو في نفس الوقت مجرى البول والسائل المنوي معاً،وتوجد داخله غدد صغيرة تسمى الغدد البصلية الإحليلية(غدد كوبر)، وهي تفرز سائلاً وظيفته ترطيب الحشفة عند الجماع والإنتصاب.

وبعد أن تكلمنا عن أعضاء الجهاز التناسلي الذكري، لابأس ان نذكر وباختصار المراحل التي تمر بها العملية الجنسية عند الذكر،لأن أي اضطراب في أي مرحلة من المراحل قد يؤدي لإضطرابات جنسية عند الذكر أي العنانة(الضعف الجنسي).

الجماع:

ويسمى أيضاً المُضاجعة،أو الوطء،أو المواقعة:وهو العملية الجنسية التي تقوم أساساً على ادخال القضيب منتصباً إلى داخل المهبل بهدف الحصول على المتعة الجنسية أو للتكاثر أو كليهما.

تمر العملية الجنسية عند الذكر(الجماع) بخمسة مراحل متتالية:

1 ـ مرحلة التحضير أو الرغبة،أو الإثارة الجنسية أو مايسمى مرحلة الشبق: وهذه العملية تسبق النعوظ وتقع لإشراف المراكز العصبية العليا.,وتحدث الإثارة بسبب بعض المؤثرات السمعية أو البصرية،أو تنبيه وإثارة بعض أعضاء الجهاز التناسلي كالقضيب أو المهبل أو حلمة الثي عند الجنسين،ويمكن أن تحدث بسبب التحفيز العقلي مثل الخيالات والقراءات ذات الفحوى الجنسية.وعند الأنثى تترافق مع زيادة الإفرازات المهبلية والتي تؤدي إلى ترطيب المهبل وهذا يساعد على الإيلاج عند الذكر.

2 ـ مرحلة النعوظ أو الإنتصاب:وهذا يحدث بسبب وجود المنعكس البصيلي ـ الكهفي،وهذا المنعكس يخضع لإشراف الجملة العصبية الذاتية وألياف العصب نظير الودي(الباراسيمباتيكوس)والذي يتلوه الإيلاج.

3 ـ مرحلة الدفق أو الإنزال:وهي تنجم عن تقلص الحويصلين المنويين بشكل خاص وهذا يقع تحت إشراف الجملة العصبية الذاتية،وخاصة ألياف العصب الودي.

4 ـ مرحلة الذروة أو النشوة:وهذه المرحلة كالأولى تخضع لتأثير المراكز القشرية الدماغية العليا.

5 ـ مرحلة الأسترخاء وزوال الاحتقان.

وتمر جميع هذه المراحل بصورة منتظمة ومتتابعة،وتفصل بينها فترات زمنية محددة،قد تطول او تقصر تبعاً لطبيعة الشخص وبنيته وعاداته وسنه.

فإذا ماتم الدفق والإنزال قبل الإيلاج ودخول العضو الجنسي للذكر أو حتى بعد ثوان قليلة من الإيلاج فهذا مايسمى سرعة الدفق أو الدفق السريع، وهي ظاهرة مرضية كثيرة الانتشار،وتشاهد في مختلف الطبقات من المجتمع ولها أسباب عديدة، ولها نتائجها السلبية على الفرد وعائلته في حال لم تعالج.

وإذا تم افراغ النطاف بصورة مستمرة ومتلاحقة كما يحدث عند الإفراط في ممارسة الجنس والعادة السرية عدة مرات في اليوم ولعدة أيام متتالية فإن هذا يحول دون نضج النطاف وبالتالي تكون غير صالحة للإخصاب وهذا يسبب حدوث نضوب كامل في النطاف وقد يحتاج الأمر عدة أسابيع حتى يعود العدد والنضج للشكل الطبيعي.

إن الحيوانات لها مواسم وأوقات معينة يحدث فيها الإلقاح والتناسل والميل الجنسي للجنس الأخر،وهذه المدة قد تكون بضعة شهور كما هو الحال عند القطط والكلاب، وقد تكون بضعة أيام في السنة كما هو الحال عند الضفادع، أما عند الإنسان فإن الميل الجنسي والقدرة على الإخصاب والإنجاب تكون عند الذكر منذ سن البلوغ وحتى الوفاة، وأما عند الأنثى فهي منذ البلوغ وحتى سن الضهي (الإياس)، وتفتر القوة الجنسية عند الجنسين بعد بلوغ سن الشيخوخة.

فوائد الجماع والنشوة الجنسية:

1ـ انخفاض خطر الوفاة المبكرة

2 ـ انخفاض خطر الإصابة بسرطان البروستات

3 ـ الحماية من أمراض القلب والسرطان:وخاصة من خلال الهرمونات التي تصاحب العملية الجنسية

4 ـ تحسن حاسة الشم،والإقلال من التوتر العصبي،وخفض ضغط الدم ويقال أيضاً زيادة المناعة وزيادة انتاج الأجسام المضادة.

فيزلوجية الدفق الطبيعي:

يحدث الدفق بسبب تقلص الحويصلين المنويين،اللذان يتوضعان في الحوض عند جذر العضو بين المثانة والبروستاتة،وبسبب التقلص ينفرغ مايحتويانه من السائل المنوي إلى الإحليل الخلفي فالصماخ البولي .وهذا السائل عبارة عن مفرزات متجمعة في الحويصلين المنويين وآتية من الخصيتين والبروستات.

يحدث الدفق بواسطة عمل عصبي انعكاسي،مركزه في المنطقة الأولى والثانية من القسم القطني للنخاع الشوكي،أي فوق العصعص ببضعة سنتمرات.

يتنبه مركز الدفق بواسطة تأثرات عصبية واردة إليه من رأس العضو الذكري ومن الإحليل الخلفي ومن المراكز العصبية المجاورة لمركز الدفق في النخاع الشوكي،كمركز النعوظ والانتصاب الذي يقع قريباً منه.

وتزداد هذه التأثيرات العصبية الواردة تدريجيا بزيادة الاحتكاك للعضو أثناء ممارسة الجنس، وكذلك بزيادة التأثيرات الواردة إليه من المراكز الدماغية العليا،فيزداد التوتر العصبي في مركز الدفق شيئاً فشيئاً بازدياد السيالات العصبية الواردة إليه حتى يبلغ هذا التوتر درجة معينة من القوة وحينئذ تصدر مراكز عصبية فجائية إلى الحويصلين المنويين فيحدث الدفق والإنزال.

أسباب الدفق السريع أو سرعة الدفق:أو سرعة الإنزال أو القذف المبكر:Premature ejaculation

مشكلة جنسية شائعة عند الرجال تصيب حوالي 30 ـ 40% منهم،وهو يعني انعدام الرقابة الطوعية على عملية القذف.

1 ـ نقص قوة الإرادة: وخاصة عند الذين يمارسون الجنس بصورة مبكرة من الحياة.

2 ـ التنبيهات العصبية الكثيرة المتوالية وذات القوة المنخفضة: وهذا يشاهد في حالات التهيجات المستمرة والإفراط في ممارسة الجنس أو العادة السرية،وبسبب الإحتقان المستمر في المجاري التناسلية الخلفية كما في حالات التهاب البروستات المزمن والتهاب الحويصلين المنويين والتهاب الإحليل الخلفي.

3 ـ الحساسية المفرطة والزائدة في رأس العضو الذكري(القضيب):والذي يشاهد خاصة عند غير المختونين،ولذا ينصح بإجراء الختان.

4 ـ نقص افراز الهرمونات المذكرة،ولوحظ أيضاً نقص في مادة السيرتونين في مراكز القذف في المخيخ أو خلل في المستقبلات العصبية المعتمدة على هذه المادة.

5 ـ العوامل النفسية: وخاصة عند المصابين بسلس البول في الطفولة،وأسباب نفسية أخرى.

6 ـ بعض الأسباب العضوية:وخاصة في أمراض النخاع الشوكي،والتهابات  الأعصاب المحيطية واستخدام المنشطات العصبية وخاصة حبوب تنقيص الوزن والتي تحتوي مادة الأمفيتامين،واستعمال أدوية الإدمان.وكذلك بعض العوامل الوراثية،وضعف الانتصاب.

العجز الجنسي أو العنانة أو العنة:

وهو يعني ضعف الإنتصاب لدى الرجل،أو عدم قدرة القضيب على الانتصاب لفترات طويلة،أو عدم الإحساس بالرغبة الجنسية،وهو يختلف عن العجز الجنسي،فالعجز الجنسي هو مرحلة متطورة من الضعف الجنسي والمقصود به عدم القدرة نهائياً على انتصاب العضو الذكري للرجل،وعدم الإحساس بالرغبة الجنسية تجاه الزوجة نهائيا،أو عدم احتمال ممارسة الجنس.

والعنة:أحد الأمراض التي أصبحت شائعة الانتشار،وأهم الأسباب:

1 ـ الأسباب النفسية:وهذه من أهم الأسباب عند الشباب وسببه غالباً الخوف في ليلة الزفاف،أو الإفراط في ممارسة العادة السرية أو البرود الجنسي وعدم الرغبة الجنسية،أو الوهن والتوتر العصبي،أو الجهل الجنسي.. وهذا يعالج عند أطباء علم النفس.

2 ـ الأسباب العضوية: وذلك بسبب وجود بعض الأمراض العضوية وخاصة داء السكري أو تشمع الكبد وسوء التغذية الشديد.. أو بعض الأمراض العصبية العضوية كالشلل والفالج..أو بسبب بعض الأمراض الغدية مثل أمراض الغدة النخامية أو الكظر أو الدرق..،أو بسبب وجود أمراض في الجهاز التناسلي عند الذكر وخاصة القيلة المائية الكبيرة،والفتوق الشديدة، والتشوهات الخلقية،أو بسبب تناول بعض المركبات الدوائية وخاصة خافضات الضغط الشرياني ومنها حاصرات بيتا،أو بسبب الإدمان على الغول والمخدرات والإفراط في التدخين،أو المعالجة بهرمونات الأنوثة مثل الاستروجين كما هو الحال في سرطان البروستات..

الجهاز التناسلي عند الأنثى

ويتألف من الأعضاء الجنسية التالية:

1 ـ المبيضان:Ovar

يقع المبيض داخل الحوض،جانب الرحم،ويشبه حبة اللوز أو الكستناء الصغيرة،طوله 3 ـ5 سم، وعرضه 2 ـ 3 سم،وسماكته 1 ـ 2سم. ويتألف المبيض من الناحية النسيجية من قسمين:

1ـ اللب

2ـ القشر : وهذا هو القسم الهام وظيفياً في المبيض،حيث يحتوي على أجربة مختلفة الحجم والأعمار،وهذه الأجربة عبارة عن تشكلات تنشأ داخل المبيض في طور الحياة الجنينية،وهذه الأجربة تنضج في فترة البلوغ عند الأنثى،وتنضج بشكل خاص في فترة الإباضة وتسمى عندها الأجربة الناضجة أو مايسمى أجربة دوغراف.

يتألف الجراب الإبتدائي من خلية مركزية هي البيضة غير الناضجة،يحيط بها صف واحد من الخلايا الجرابية،وهي توصل الغذاء اللازم لنمو البيضة،ولذا تسمى الخلايا المغذية،ويبلغ قطر البيضة غير الناضجة حوالي 50 ـ 70 مكرون(المكرون 1/1000مم).

وأما الجراب الناضج أو مايسمى جراب دوغراف: فهو الذي يشاهد في سن البلوغ عند الأنثى،ويشاهد مرة واحدة في كل شهر قمري،ويتطور كما يلي:

مع ظهور الدورة الشهرية عند الأنثى يتبارز أحد الأجربة الابتدائية ويقترب من سطح المبيض ويبدو بشكل حبة الكرز،ويكون عبارة عن حويصل مملوء بسائل،وهذا الحويصل تحدّه الخلايا الجرابية،وتسكن فيه البيضة الناضجة التي أصبحت بقطر 200 مكرون(فهي هنا أكبر خلية من خلايا الجسم)،وهي الخلية الوحيدة التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ويحيط بهذه البويضة غشاء شفاف يفصلها عما يجاورها.

وأما الخلايا المحيطة بالبويضة وتسمى الخلايا الجرابية فإنها تُكوّن حول البويضة مايسمى الإكليل المشع،وعند حدوث الإباضة في منتصف الدورة الشهرية عادة،تزداد كمية السائل الجرابي ويتمزق الجراب وتنطلق منه البويضة الناضجة مع قليل من السائل الجرابي الأصفر اللون،وتحيط بهذه البويضة مجموعة من الخلايا الجرابية(الإكليل المشع)،وكأنها أي البيضة أميرة ترافقها الوصيفات اللاتي يوفرن لها الرعاية والحماية اللازمتين.وقلما تعيش البيضة بعد الإباضة أكثر من 36 ساعة .

ويقذف الجراب المتمزق في الأحوال العادية بيضة واحدة،ولكن في بعض الحالات قد تنطلق بيضتان أو أكثر وهذا نادر،وقد تبين أن المبيضين يتناوبان غالباً في كل دورة شهرية بإعطاء الأجربة الناضجة.

ولقد وجد أنه يصل عدد البيوض لدى الأنثى المولودة حوالي 1 ـ 2 مليون بيضة،ولكن مع مرور الزمان فإن قسماً كبيراً منها يتلف ويتعرض للتنكس والاستحالة،وحين تصل الأنثى إلى سن البلوغ فإن العدد الباقي يصل فقط إلى حوالي 40 ألف بيضة،ولما كان سن الخصوبة عند الأنثى محدوداً ـ على عكس الذكر الذي يستمر حتى مراحل الشيخوخة ـ وهذا السن ـ أي سن الخصوبة ـ يبدأ من سن البلوغ وينتهي عند سن اليأس،ولما كانت الإباضة تحدث مرة واحدة في كل شهر ولبيضة واحدة غالباً،فإنه لاينضج بالحساب إلا حوالي 400 بيضة فقط أثناء طور الخصوبة الجنسية.

هذا هو الدور الرئيسي للمبيض اي إنضاج البيوض وعملية الإباضة،ولكن توجد وظيفة أخرى أيضاً للمبيض،وذلك باعتباره غدة صماء تفرز بعض الهرمونات وتطلقها إلى الدوران الدموي، وهذا الإفراز الهرموني يخضع لإشراف الجملة العصبية المركزية وخاصة منطقة تحت المهاد، وكذلك يقع تحت إشراف الغدة النخامية،وهذه الهرمونات المبيضية وتسمى الهرمونات الجنسية المؤنثة وأهمها:الاستروجين والبروجسترون.

أما الاستروجين فإنه يفرز من الخلايا الجرابية والتي تحيط بالبويضة،وأهم وظائف الاستروجين:

1 ـ تكاثر ونمو بشرة المهبل

2 ـ تضخم وتوسع الرحم وخاصة في دور الطمث

3 ـ الحض على إفراز المخاط من غشاء باطن عنق  الرحم

4 ـ تكاثر ونمو بطانة غشاء الرحم

5 بالإضافة لذلك فإن الاستروجينات تساعد في إظهار الصفات الجنسية الثانوية عند الأنثى:

وخاصة شعر الإبط والعانة،وضخامة الشفرين،ونضوج المهبل والرحم ،والتحام نهايات العظام الطويلة،ويتحول تفاعل المهبل من قلوي إلى حامض،وتتوسع هالة الثدي ومن ثم تضخم الغدة الثديية..ولايشاهد الطمث غالباً إلا بعد ظهور أشعار الإبطين وضخامة الثديين أي مابين 11 ـ 15 سنة،وقد يسبقه وجود بعض الافرازات المهبلية الرائقة،وغالباً مايكون الطمث غير منتظم في السنة الأولى من ظهوره ثم ينتظم.

6 ـ كما أن للأستروجين تأثيراً على الاستقلاب والعظام،حيث يزداد الطول عند الإناث في سن البلوغ ويزداد بشكل واضح وتستمر هجمة الطول عاماً أو عامين،ثم تبطؤ بعد ذلك مع زيادة مستمرة في الوزن،وإن النمو العظمي يكون متقدماً إجمالاً في الإناث أكثر منه عند الذكور في نفس العمر عند البلوغ، ويكون هناك صلة بين النمو العظمي والصفات الجنسية الثانوية،فمثلاً يحدث الطمث غالباً بعد ستة أشهر من التحام المشاشة بجسم العظم في السلامة النهائية من الاصبع الثانية في اليد،وإن تأثيرات الاستروجين على العظام  هي تأثيرات مُرمّمة للعظام ،ولذا يشاهد حدوث تثقب العظام عند الإناث بعد سن اليأس وذلك بسبب نقص هذا الهرمون ،ويعتبر إعطائه في هذه الحالات من أفضل الأدوية لمنع تطور المرض نحو الأسوأ وخاصة حدوث الكسور العظمية التي قد ترافق مرض تثقب العظام.

7 ـ كما أن الاستروجين يقلل من حدوث التصلب الشرياني عند الإناث، وازدياد حدوث هذا المرض بعد سن اليأس لنقص تركيز الهرمون في الدم.

8 ـ كما أن الاستروجين يعاكس عمل هرمونات الذكورة(الأندروجينات) ولذا يُعطى علاجياً في معالجة سرطان البروستات.

ويعطى الاستروجين في معالجة منع الحمل كما أنه يعطى لتخفيف عوارض سن اليأس عند الإناث ولكن يجب أن ينتبه أن المعالجة الدائمة به قد يكون لها عواقب خطيرة ومنها زيادة نسبة حدوث الخثرات الوعائية وخاصة في الساقين والتي قد تسبب حدوث الصمامات الرئوية والتي قد تكون أحياناً مهددة للحياة،كما لوحظ زيادة نسبة حدوث سرطان الرحم عند النساء اللاتي يعالجن بالاستروجينات وخاصة لمكافحة أعراض سن اليأس.كما لوحظ أيضاً أن الاستروجينات تزيد من احتمال حدوث فرط التوتر الشرياني،كما لوحظ زيادة ارتفاع نسبة الحصيات المرارية وخاصة عند البدينات اللاتي يعالجن بهذا الهرمون.

وأما البروجسترون: فإنه يفرز من الجسم الأصفر،وهو الجسم الذي يتشكل من الجراب المتمزق والذي انطلقت منه البيضة الناضجة،ولما كانت الأحداث الطارئة على الأجربة المبيضية هي على التوالي، النمو ثم الإباضة ثم تشكل الجسم الأصفر، فإن تأثير الهرمون يأتي متتاليا ويتناسب مع الأحداث ويؤثر في طبيعة التبدلات المتعاقبة والتي تشاهد في الجهاز التناسلي وبشكل خاص في الغشاء المخاطي لجسم وعنق الرحم.

إن البروجسترون يفرز من الجسم الأصفر بعد الإباضة وهو يُهيئ بطانة الرحم لإستقبال البيضة الملقحة،وإن تأثيره يكون مباشرة على بطانة الرحم والتي تكون قد هُيئت مسبقاً بواسطة هرمون الأستروجين،فيحرض هذه البطانة على إفراز المخاط الذي هو ضروري لتعشيش البيضة،فإذا وقع الحمل فإن البروجسترون يستمر إفرازه طيلة فترة الحمل،في البداية من الجسم الأصفر ولاحقاً من المشيمة وقشر الغدة الكظرية.

والبروجسترون يساعد أيضاً على نمو الثديين،وقد لوحظ أن البروجسترون لايؤثر على مخاطية بطانة الرحم إلا إذا هيئت سلفاً بواسطة الاستروجين.ويتم طرح البروجسترون في بول الحامل بشكل غير فعال بعد استقلابه في الكبد ويطرح مع البول باسم البريغنانديول.

وهناك هرمونات أخرى تؤثر على الحالة الجنسية عند الأنثى وهي تفرز من الفص الأمامي للغدة النخامية وتسمى الحاثات الجنسية وتشمل:

ـ الحاثة الجرابية:FSH:وهي حاثة تسبب نمو الأجربة في المبيض مع ازدياد طفيف في توليد هرمون الاستروجين.

ـ الحاثة الأصفرية LH:وهي حاثة تساعد على نضج الأجربة في المبيض وتسهل عملية الإباضة وتشكيل الجسم الأصفر.

2 ـ النفير (نفير فاللوب):أو البوقFallopian tube

نسبة إلى المكتشف الإيطالي غابريللي فاللوبيو (1523 ـ 1562م)، ويمتد النفير مابين المبيض وقرن الرحم المناسب داخل الحوض،وهو انبوب عضلي طوله 12 ـ 15 سم،وقطره سم واحد، ويتألف من ثلاثة أقسام:

القسم الخلالي أو الإنسي: وهو الذي تنفتح نهايته على جوف الرحم.

القسم المتوسط: ويسمى جسم النفير

القسم الوحشي: ويسمى الصيوان،وذلك لإتساعه ولأنه يأخذ شكل القمع،وهذا يكون قريباً من المبيض،ويتلقف البيضة عند انطلاقها،وفي هذا القسم من النفير يحدث إلقاح البيضة مع النطفة.

ويوجد في باطن النفير غشاء مخاطي يُبطّنه ويحتوي على أهداب ذات حركة منتظمة تكون باتجاه الرحم،وهذا يساعد البيضة على الحركة باتجاه الرحم لأن البيضة بحد ذاتها لاتتحرك، وعلى العكس من ذلك فإن النطفة ذات حركة سريعة جداً،ويساعد البيضة على الحركة أيضاً وجود التقلصلات العضلية المنتظمة للعضلات الملس في جدار النفير.ويتم إخصاب البويضة من قبل الحيوانات المنوية في قناة فاللوب عند النهاية المبيضية،ومن ثم تهاجر البيضة الملقحة باتجاه الرحم،فإذا تأخرت عملية النقل أو المرور فإن البيضة تستقر داخل النفير وتعشش في جداره وهذا يؤدي لما يسمى ا“الحمل النفيري“وهذه حالة خطرة جداً تسبب تمزق النفير مع حدوث نزيف شديد داخل البريطوان وهي من الحالات الخطرة التي تهدد حياة الحامل.ويتم هذا غالباً في الشهر الثالث من الحمل وهذا ما يسمى الحمل الهاجر Ectopic gestation

3 ـ الرحم:Uterus

عضو حوضي،عضلي سميك ومجوف،يشبه شكلاً الكمثرى،ويتكون من قسمين رئيسين: جسم الرحم،وعنق الرحم.

يقع الرحم فوق المهبل وخلف المثانة وأمام القسم النهائي من الأمعاء الغليظة المُسمى بالمستقيم.يبلغ طول الرحم حوالي 7 ـ 8 سم.

جسم الرحم:

يتألف من غشاء مخاطي باطن،ونسيج عضلي متوسط، وقميص خارجي مصلي.ويتألف جسم الرحم من القاعFundus,والذي يبلغ عرضه 5سم وبسماكة 2 ـ 3سم،وقسم البرزخ Isthmus والذي يفصل جسم الرحم عن العنق في الأسفل.

إن البرزخ يشاهد فقط عند المرأة الخروس أي قبل الحمل الأول،وبعد الحمل فإنه يختفي .

يتعرض الغشاء الباطن لجسم الرحم ومنذ سن البلوغ وحتى سن اليأس إلى تبدلات نسيجية دورية،وهذا مايعرف بالدورة الشهرية،وتنتهي كل دورة إذا لم يحصل الحمل بنزيف رحمي وظيفي يسمى الطمث.

وأما النسيج العضلي للرحم فإنه يشكل طبقة سميكة بثخانة 15مم،ويتألف من ألياف عضلية طولانية ودائرية،ويزداد هذا النسيج العضلي أثناء الحمل زيادة كبيرة،ولا تكون الزيادة على حساب عدد الألياف العضلية وإنما على حساب ازدياد حجم هذه الألياف بحيث تصل في المراحل الأخيرة من الحمل إلى حجم يزيد 500 ضعف عن الحجم الاصلي.

إن الرحم يستقر في القسم الخلفي من القسم العلوي من قاعدة المثانة.فعندما تكون المثانة فارغة فإن الرحم ينحني نحو الأمام صانعاً زاوية قائمة مع المهبل،والرحم عضو متحرك وعند امتلاء المثانة فإن الرحم يرتفع نحو الاعلى والخلف بحيث يمكن أن يقع مع المهبل على خط واحد.

عنق الرحم:Cervix uteri

يشكل قسماً بسيطاً من تركيب الرحم ككل،وله شكل اسطواني،وهو بقطر وطول حوالي 2 ـ 3 سم،وينغمس نصف العنق في المهبل.وإن المنطقة المهبلية من عنق الرحم أو البشرة الظاهرة لعنق الرحم تحتوي على طبقة مخاطية ذات بشرة رصفية مطبقة مخاطية.أما البشرة الباطنة لعنق الرحم فهي بشرة اسطوانية بسيطة.

و له وظائف هامة جدا.وهو يحتوي على ألياف عضلية قليلة،بحيث يقال أنه عبارة عن نسيج ضام تتخلله ألياف عضلية ملس،والأهمية الكبرى في عنق الرحم تبرز في الغشاء المخاطي الذي يبطنه من الداخل،فلقد تبين ن هذا الغشاء المخاطي يلعب دوراً هاماً في عملية الإخصاب،فلقد وجد أن الغدد المخاطية في عنق الرحم وتحت تأثير هرمون الاستروجين الذي يفرز من المبيض تزيد من إفرازها المخاطي حتى وقت الإباضة حيث يشاهد تشكل شلال مخاطي يسيل ويتدلى من عنق الرحم إلى المهبل”كمخاط الطفل حين يسيل أنفه” وهذا المخاط ذو تفاعل قلوي”وهو الوسط المناسب والمثالي لحياة النطاف” وهو الذي ينقذ النطاف من جو المهبل الحمضي التفاعل والذي يقتلها ويشل حركتها،ويحملها هذا المخاط إلى باطن جوف الرحم لتتوجه إلى النفير حيث تنتظر البيضة،فإذا ما ماتت البيضة أو في حال حدوث الإلقاح يأخذ المبيض بإفراز هرمون البروجسترون وهذا يسبب جفاف وقلة هذا المخاط في عنق الرحم لأنه لم يعد هناك لزوماً للنطاف.وقد تبين أن النطاف المنوية تبقى في ثنايا عنق الرحم والتي تشكل مستودعاً،وتنطلق الحيوانات المنوية على مدى ساعات ليعظم فترة الإخصاب،وتبين الدراسات أن تقلصات الرحم وعنق الرحم أثناء الجماع تدفع السائل المنوي إلى الرحم.

ولقد وجد أنه في حالات غير قليلة يحدث العقم عند النساء لإضطرابات وظيفية في عنق الرحم،وهذا يكون إما بسبب نقص كمية المخاط المتشكل بسبب نقص الغدد المخاطية المفرزة أو بسبب نقص نشاطها وفعاليتها،وهذا قد يكون لأسباب هرمونية أو التهابية أو دوائية،ووجد أيضاً في بعض الحالات وجود اضطرابات مناعية موضعية وذلك بسبب تشكل أضداد ذاتية أو مثلية تفرز من نسيج عنق الرحم وتكون موجهة ضد النطاف.

4 ـ المهبل:Vagina

هو مجرى تناسلي طويل ومتسع،يحتوي في نهايته السفلى على غشاء البكارة عند العذارى،ويتألف من قميص مخاطي وعضلي ومصلي.يقع تشريحياً خلف المثانة والإحليل.وأمام المستقيم.والمهبل هو القناة التي يخرج عن طريقها المولود لدى الولادة،كما أنه مجرى دم الطمث والحيض.يبلغ طول المهبل حوالي 10 سم،

والغشاء المخاطي للمهبل لايحتوي على غدد مفرزة،وإنما يتألف من بشرة رصفية تشبه بشرة الجلد،وتأتي المفرزات للمهبل من عنق الرحم،وهي مفرزات حمضية التفاعل وذلك بسبب تخمير الجراثيم المهبلية لمادة الغليكوجين والموجودة في خلايا بشرة المهبل، وهذه البيئة الحمضية وإن كانت تثبط حركة النطاف ولكنها تحمي الجهاز التناسلي للأنثى من الجراثيم والعوامل الممرضة في الأحوال العادية.وقبل البلوغ وبعد سن اليأس يحدث ضمور في الغشاء المبطن للمهبل وبالتالي تزداد فرص العدوى والالتهابات.

كما توجد طبقة الياف عضلية في جدار المهبل وهي تتقلص أثناء الجماع تقلصاً منتظما بحيث تفيد في تقدم النطاف باتجاه عنق الرحم،وتوجد قرب نهاية المهبل السفلى طبقة من الالياف العضلية المخططة الإرادية والتي تشكل مايشبه المصرّة الإرادية.ً

عند الإثارة الجنسية والجماع تتمدد جدران المهبل،وتقوم غدد بارتولان بإفراز مادة لزجة تسهل الإيلاج.

5 ـ الأعضاء التناسلية الظاهرة:

الفرج:Vulva

الفرج عبارة عن حفرة شبه بيضوية،ويتركب من الأقسام التالية:

1ـ الشفران الكبيران والشفران الصغيران:Labia major

وهي عبارة عن التواءات وثنيات جلدية،اثنان في كل جانب.

2ـ الدهليز: مسافة متوسطية توجد بها فتحة صماخ البول،والفتحة الظاهرة للمهبل والمسدودة عند البكر بغشاء البكارة.

3ـ الأعضاء الناعظة: وهي البظر(Clitoris) والبصلات الدهليزية:

يعتبر البظر عند الأنثى مثالاً مصغراً للقضيب عند الذكر،وهو يتركب من جسمين كهفيين صغيرين،وهو غني جداً بالألياف العصبية الحسية والجسيمات اللمسية،وهو يلعب دوراً هاماً في عملية الإثارة الجنسية عند الجماع.

ويلحق بهذه الأعضاء التناسلية الظاهرة غدداً تسمى الغدد الدهليزية الصغرى والكبرى، وتسمى الأخيرة أيضاً غدة بارتولان،وهذه الغدة تقع جانبي الدهليز في القسم الخلفي من الفرج، وهي تفرز مواداً مرطبّة أثناء الإتصال الجنسي وتساعد على سهولة الإيلاج.

التبدلات الجنسية التي تصيب الأنثى في سن البلوغ:

البلوغ:

هي مجموعة من التغييرات الجسدية ينضج فيها جسم الطفل من الجنسين ليصبح بالغاً قادراً على التكاثر الجنسي.وتبدأ هذه العملية بفعل إشارات هرمونية من الدماغ إلى الغدد التناسلية،وهي الخصيتان عند الذكر، والمبيضان عند الأنثى،مسببة حدوث تغيرات في العظام والعضلات والبشرة والأشعار والأعضاء الجنسية والثديين عند الأنثى.

عند الفتيات فإن النزف المهبلي الدوري يحدث ما بين سن العاشرة وحتى الثامنة عشر من العمر،وهو  مايسمى طور البلوغ Menarche.وهذا النزف ويسمى في البدء الإحاضة وهو العلامة الرئيسية في البلوغ عند الأنثى يقابلها القذف والاحتلام عند الذكر.

ولقد انخفض سن البلوغ عند الجنسين في القرن الحادي والعشرين مقارنة مع القرن التاسع عشر،ويعزى ذلك لعوامل غذائية،والعوامل المناخية…

إن الطمث الأول يحدث عند الفتيات في منصف طور البلوغ حيث أن الأجربة المبيضية تتشكل ويفرز الاستروجين بغزارة ولكن لا تحدث إباضة.

وإن الكميات الكبيرة من الاستروجين تسبب حدوث نزوف طمثية مديدة غير إباضية،أي عدم حدوث الصفحة اللوتينية(تشكل الجسم الأصفر) من الدارة الطمثية.وإن دم الطمث الأول يكون غزيراً جداً كما أن الاستروجين يفرز بكميات كبيرة جداً بحيث يشكل تثبيطاً للغدة النخامية يؤدي بعدها لانقطاع الطمث لعدة شهور ومن ثم يحدث الطمث الطبيعي ذو الصفحتين.ومن العوامل التي تلعب دوراً هاماً في تحديد سن البلوغ التغذية والطقس وخاصة الحار.وينمو الثديان قبل الطمث بحوالي السنتين،كما يشاهد سرعة النمو في الطول،وتسمى هذه المرحلة مرحلة البلوغ الأولي.وبعد حدوث الطمث لا يحدث نمواً سريعاً في الطول،وقد يشاهد ما يسمى “حب الشباب  أو العد أو حب الصبا أو الزيوان) في هذه المرحلة وذلك بسبب افراز الغدد الدهنية الجلدية الذي له علاقة بالهرمونات الجنسية.

إن البلوغ عند الأنثى يترافق مع تبدلات ظاهرة في الأعضاء التناسلية بصورة خاصة وفي الجسم بشكل عام،ويشمل هذا نمو الهيكل العظمي وذلك من أجل التلاؤم في انتقال الفتاة إلى امرأة قادرة على الحمل،كما يتوسع الرحم،وينمو الفرج،وتظهر أشعار الإبط والعانة،ويزداد حجم الثديين بسبب توضع الشحوم بصورة رئيسية،وينمو نسيج الثدي بصورة جزئية.وينمو الحوض بسرعة وخاصة عند منطقة المفاصل الحرقفية ـ العجزية بحيث يزداد قطر الحوض العرضاني ليتناسب مع نمو القطر الأماي الخلفي،وإن تبدل شكل الحوض يتم في خلال سنتين تقريباً.

الدورة الطمثية:

منذ البلوغ عند الأنثى فإن القميص المخاطي لبطانة الرحم يتعرض لتبدلات دورية والتي تنتهي في كل دورة بحدوث النزيف(الإحاضة) أو الطمث.وإن الطمث يستمر عادة 4 ـ 6 أيام،وتستمر الدورات الطمثية عادة 28 يوماً تقريباً.وتمتاز الدورة الطمثية بحدوث طورين:

1 ـ خلال النصف الأول أو الطور الجرابي:Follicular Phase أو طور النمو:

فإن الأجربة المبيضية تتضخم وتصبح قريبة أكثر من سطح المبيض وتحدث الإباضة في اليوم الرابع عشر.

2 ـ خلال النصف الثاني أو الطور اللوتينيLuteine أو الطور الإفرازي:

فإنه يتميز بنمو الجسم الأصفر والذي يستحيل قبل حدوث الطمث.

خلال الأيام الثلاثة عشرة الاولى من الدورة فإن القميص المخاطي لبطانة غشاء الرحم يزداد سماكة وثخناً،فقد كان في البدء حوالي 1 مم ولكنه في نهاية الطور الجرابي يصبح حوالي 2 مم.

وفي الطور اللوتيني فإن سماكة الغشاء المخاطي تزداد،وتبلغ حوالي 4 ـ 5مم،ويعود ذلك لوذمة في النسيج الضام للغشاء المخاطي وضخامة الخلايا الغدية.

وإن دم الطمث يحتوي مزيجاً من الدم مع المخاط.وفي البدء يحتوي عدداً كبيراً من الكريات البيضاء.وإن دم الطمث هو دم غير متخثر،ويعتقد أن هناك بعض المواد المضادة للتخثر تصنعها بطانة غشاء الرحم بحيث تحافظ على سيولة دم الطمث.

تعادل كمية دم الطمث حوالي 6 ـ 50 مل وذلك حسب النساء الطامثات،ويضيع حوالي 3 ـ 24 مغ من الحديد وهذا قد يؤهب عند بعض النساء لحدوث فقر الدم بعوز الحديد.

سن الإياس(الضهي):Menopause

بعد أن أصبح معدل الحياة عالياً،أصبح لزمن أو فترة الإياس أو الضهي دوراً هاماً أيضاً.وعندما نتكلم عن هذه الفترة المجدبة جنسياً في حياة الأنثى،والحافلة بالبوار ألا تناسلي،والمترعة باضطراب التوازن الهرموني ـ العصبي،وما قد يسببه من اختلاطات وأعراض،وانعكاسات قد تؤثر على المرأة جنسياً وجسدياً.

إن سن اليأس يتميز في حياة المرأة باستسلام المبايض عن العمل والكف عن الوظيفة،وبالتالي تنهار الرغبة،وتقع الرهبة.

وكما ذكرنا فإن البلوغ عند الإناث يتظاهر بحدوث دورات طمثية لا إباضية في الفترة الأولى،وكذلك فإن الدورات الطمثية عند النساء في سن الضهي تتميز بحدوث نزوف طمثية لا إباضية أي أنها فقط تقتصر على الدور الجرابي الاستروجيني بدون الطور الإباضي المرافق لتشكل الجسم الأصفر.

وبعد ذلك تتوالى أعراض سن الضهي بنقص الاستروجين أيضاً لنقص تشكل الأجربة الناضجة وضمورها ومن ثم انقطاع الطمث تماماً.

وبالتالي يحدث سن الإياس عند توقف المبيضين عن العمل وافراز الهرمونات الجنسية،فاستئصال الرحم عند امرأة شابة يؤدي لانقطاع الدورة الشهرية ولكن لا تصل لأعراض سن اليأس لأن المبايض تفرز هرموناتها بشكل طبيعي،وبالتالي تبقى لها الرغبة والميل الجنسي ولكنها تصبح عقيمة.وعلى العكس من ذلك لو جرى استئصال المبيضين لأنثى لسبب ما فإنها تصاب بأعراض سن اليأس وهذا ما يسمى طبياً”الإياس الجراحي”.

وبالتالي هناك أربعة أنواع لسن اليأس:

1 ـالطبيعي:وهو يشاهد بصورة طبيعية وتلقائية حيث يتوقف عمل المبيض الوظيفي الهرموني.

2 ـ الإياس المبكر:وهو ما يشير إلى توقف وظيفة المبيض قبل سن الاريعين.ومن أسبابه اضطرابات المناعة الذاتية،وأمراض الغدة الدرقية،وداء السكري،والمعالجة الكيماوية،والمعالجة الشعاعية، والادمان على التدخين…وغالباً لا نعرف السبب.

3 ـ سن اليأس المتأخر:وهو ما يشير إلى توقف الدورة الشهرية بعد سن الخمسين.

4 ـ سن اليأس الاصطناعي:بسبب استئصال المبيضين أو نتيجة المعالجة الشعاعية.

والطمث ينقطع أثناء الحمل وكذلك أثناء فترة الإرضاع،ويتوقف نهائياً في سن اليأس.وهو غالباً عند النساء ما بين سن 45 ـ 55 .

وبعد توقف الدورات الطمثية عند الأنثى في سن اليأس فإنه يحصل الضمور في غدة الثدي وفي الأعضاء التناسلية الظاهرة،والرحم تأخذ في الضمور ومن ثم تتناقص الرغبة الجنسية.

وفي سن الإياس أو الضهي تظهر ظواهر الانقباض الوعائي واحمرار الجلد وسخونته،والدوار،وفرط التعرق،واضطرابات نفسية وعاطفية.وقد يترافق مع حدوث هشاشة العظام وضخامة الغدة الدرقية.

وأهم الأعراض أو الإضطرابات المصاحبة لسن الإياس هي:

1 ـ الاضطرابات الذاتية:

ونذكر منها هبّات الحرارة Flushes،وتشوش الإحساسات،والتعرق الليلي،وخفقان القلب(الوجيب)والميل للإمساك،…وهذه الاضطرابات تنجم عن نقص الأستروجينات،والاستروجين يعتبر من الهرمونات المقلدة في وظيفتها للجملة نظير الوديةParasympathicus،وإن نقص الأستروجينات يؤدي إلى اضطراب في المراكز الذاتية في منطقة تحت المهاد في الجملة العصبية المركزية،وهذا يؤدي إلى ازدياد مقوية الجملة الوديةSympathicus.وهبات الحرارة من أهم الأعراض المشاهدة في سن الإياس،وهي تتجلى بالشعور المفاجىء بضيق النفس أو حس انقباض صدري مع الشعور بالحرارة،وخاصة في منطقة الرأس،ويرافق ذلك التعرق.

الاضطرابات الفيزيائية:

ونذكر منها النرفزة وازدياد قابلية الاستثارة،والقلق،ووهن المزاج والشعور بالاكتئاب،…وهذه الاضطرابات لا تشترك في تحقيقها الاضطرابات الغدية فقط،بل تساهم الحالة العقلية والاجتماعية والعائلية للمرأة الآيس في حدوثها.

3 ـ الاضطرابات العضوية:

وتشاهد في الأعضاء المتحسسة لنقص الهرمونات المبيضية،حيث يشاهد ضمور الرحم،والمهبل،والفرج،والثديين،وهناك اضطرابات أخرى لازالت مجهولة السبب كلياً ومنها اعتلال المفاصل،والميل للبدانة،وحدوث اضطرابات وظيفية في الغدد كالدرق وقشر الكظر ،مع الميل لحدوث تثقب العظام،وارتفاع الإصابة بالتصلب الإكليلي.

خلق الإنسان من ماء

الآيات الكريمة:

{واللهُ خلقَ كُلِّ دابةٍ من ماء}[ النور45 ]

{وجَعلنَا من الماءِ كُلَّ شئٍ حيّ أفلا يؤمنون}[ الأنبياء30 ]

{وهو الذي خلقَ من الماءِ بَشراً فجعَلَهُ نَسَباً وصِهراً وكان ربُّكَ قديرا} الفرقان 54] .

التفاسير:

جاء في “الظلال” لسيد قطب رحمه الله معقباً على آية سورة النور:

“وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة،حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء،قد تعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً،وهو الماء،وقد تعني مايحاول العلم الحديث أن يثبته من أن الحياة خرجت من البحر ونشأت أصلاً في الماء،ثم تنوعت الأنواع،وتفرّعت الأجناس..ولكننا نحن على طريقنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل لانزيد على هذه الإشارة شيئاً،مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية وهي أن الله خلق الأحياء كلها من الماء،فهي ذات أصل واحد،ثم هي ـ كما ترى العين ـ متنوعة الأشكال: منها الزواحف تمشي على بطنها،ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين،ومنها الحيوان يدب على أربع،كل أولئك وفق سنة الله ومشيئته لا عن فلتة ولا مصادفة {يخلق الله مايشاء}غير مقيد بشكل ولاهيئة.

وجاء في تفسير آية سورة الفرقان:

“فمن هذا الماء يتخّلق الجنين: ذكراً فهو نسب،وأنثى فهو صهر،بما أنها موضع للصهر. وهذه الحياة البشرية الناشئة من هذا الماء أعجب واضخم من تلك الحياة الناشئة من ماء السماء،فمن خلية واحدة “من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل” تتحد ببويضة المرأة في الرحم،ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب..الإنسان.. أعجب الكائنات الحية على الإطلاق”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وأنزل من السّماءِ ماءً فأخرجَ بهِ من الثمراتِ رزقاً لكم}[إبراهيم 32]:

“وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به،ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله،والتذكير بنعمته كذلك،والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعاً.فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها{وجعلنا من الماءِ كلَّ شىءٍ حيِّ}[الأنبياء 30]…سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض،أو كوّن الأنهار والبحيرات العذبة،أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية،التي تتفجر عيوناً أو تحفر آباراً،أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى.وقصة الماء في الأرض،ودوره في حياة الناس،وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها…كل هذا أمر لا يقبل المماحكة،فتكفي الإشارة إليه،والتذكير به،في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب”.

ومن الناحية العلمية:

إن الماء سائل لاطعم له ولا لون ولا رائحة، وهو المادة الوحيدة التي توجد في الطبيعة بحالاتها الثلاث: الصلبة والسائلة والغازية،ينجم عن اتحاد ذرتي هيدروجين مع ذرة أوكسجين.

والماء له من الخصائص الطبيعية والكيميائية ما لايتوفر لغيره من العناصر أو السوائل.فالماء ذو درجة ذوبان مرتفعة،ويبقى سائلاً فترة طويلة من الزمن وله حرارة تصعيد مرتفعة جداً، وهو بذلك يساعد على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الأرض عند معدل ثابت ويصونها من التقلبات الشديدة.

والماء هو أصل وسر الحياة،وهو يدخل في تركيب الكائنات الحية من إنسان أو حيوان أو نبات،والإنسان كائن مخلوق من الماء ابتداء،ويعتمد على الماء لإستمرار حياته،واستخلاص غذائه،وطرح فضلاته،ويشكل الماء القسم الأكبر من وزن الجسم،والماء ضروري من أجل التركيب النسيجي والعمل الوظيفي للأنسجة في جسم الإنسان،وإن الصوم عن الماء يسرع وفاة الإنسان بأكثر من الصوم عن الطعام.وإن معظم الأنسجة تحتوي أكثر من 70% من تركيبها ماء،وحتى النسيج العظمي فإنه يحتوي نسبة 30% من الماء،وكذلك النسيج الشحمي حيث يتوضع الماء بين خلاياه،وإن نصف ماء الجسم يوجد في العضلات والتي تشكل ثلث كتلة الجسم.

ولقد بدأت الحياة في الماء،وظلت فيه مئات من السنين.فقبل خلق السموات والأرض كان عرش الرحمن على الماء، يقول تعالى:{وهو الذي خلقَ السَّمواتِ والأرضَ في ستة أيامٍ وكانَ عَرشهُ على الماء}[هود11].

ويغطي الماء حالياً ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية،والحياة على الأرض مرتبطة بوجود مصادر الماء.تشكل البحار والمحيطات نسبة 97 بالمائة من نسبة المياه على الأرض،غير أنه لايمكن الاستفادة منها لملوحتها،ويوجد الماء بنسبة 2 بالمائة بشكل الجبال الثلجية كمخزون إضافي للأرض،وتشكل المياه العذبة أقل من نصف بالمائة من مجموع المياه على الأرض والتي توجد بشكل مياه جوفية وأنهار،ولكن رحمة المولى اقتضت تعويض ذلك بمايسمى دورة المطر.وفي كل ثانية يهطل من السماء إلى الأرض ستة عشر مليون طن من الماء: {أنا صَببنا الماء صباً} [عبس25],ولو أن هذا الماء سقط دفعة واحدة لأتلف كل شئ على الأرض،ولكنه ينزل بشكل قطرات صغيرة فيها لطف ورحمة وحكمة،فتجلّى الله اللطيف الحكيم الرحيم العليم الخبير.

ويقدر علماء الجيولوجيا كمية الماء الموجودة على الا{ض بستة عشر بليون كيلومتر مكعب،أو مايساوي ستة عشر بليون بليون طن أي أن نسبة كتلته إلى كتلة الا{ض تبلغ خمسة وعشرون بالألف.ويوجد القسم الأكبر من هذه الكمية والتي تقدر بثلاثة عشر بليون كيلومتر مكعب في طبقات الأرض الواقعة تحت القشرة الأرضية وهي موجودة على شكل بخار ماء مضغوط وذلك بسبب الحرارة العالية لباطن الأرض.أما الكمية المتبقية والتي تقدر بثلاثة بلايين كيلومتر مكعب فإن نصفها يدخل في تركيب الصخور والمعادن الموجودة في القشرة الأرضية بينما يوجد النصف الآخر في المحيطات والبحار والأنهار.ويتجمع معظم الماء الموجود على سطح الأرض في محيطات وبحار الارض إلا أن هتاك ما يقرب من مائة كيلومتر مكعب من الماء موجودة على اليابسة في تجاويف القشرة الأرضية وفي البحيرات والأنهار والتربة على شكل سائل وفي المناطق الجبلية والجليدية على شكل جليد.ويعتقد العلماء أن الماء الموجود على سطح الا{ض قد خرج من باطنها فبعد أن تكونت القشرة الارضية الصلبة بدأ الماء يخرج من باطن الارض على شكل بخار مع الحمم التي تقذفها البراكين من باطن الأرض إلى سطحها وذلك مصداقاً لقوله تعالى:{والارض بعد ذلك دحاها *أخرج منها مائها ومرعاها}[النازعات 30 ـ 31].ويقدر علماء الجيولوجيا كمية الماء الذي يخرج من باطن الا{ض في السنة الواحدة بحوالي كيلومتر مكعب واحد أو ما يعادل ألف مليون طن ويعتقدون أن هذه الكمية كافية لتشكيل الإحتياطي الإجمالي للماء على سطح الأرض بمرور بلايين السنين على نشأة الأرض.

يدخل الماء في تركيب خلايا وأنسجة الجسم البشري،حيث تبلغ نسبة الماء في تكوين جسم الجنين 94بالمائة،وعند الكبار تختلف نسبة تركيب الجسم من الماء حسب الجنس والوزن والصحة وتعادل 65 ـ 70 بالمائة من مجمل وزن الجسم.ويستطيع الإنسان أن يعيش عدة أسابيع بدون طعام ولكنه لايستطيع العيش اسبوعاً واحداً بدون الماء.

والماء لا غنى عنه في تركيب خلايا الجسم، فهو المُحِلّ الرئيسي لكثير من المواد، ولا يمكن أن تقوم التفاعلات الخلوية الحيوية بدون وجود الماء.

والماء يدخل بصورة رئيسية في تركيب إفرازات الجسم كالدموع والمخاط والعرق والبول والعصارات المعدية والمعوية والصفراء،كما أنه يدخل في تركيب حليب الأم ودماء الطمث.

كما يدخل الماء في تركيب السوائل الجسمية الهامة كالدم،والسائل الدماغي الشوكي، والسائل المصلي في غشاء الجنب والتأمور والمفاصل،والسائل السلوي(الصائي) عند الجنين،كما يدخل في تركيب السائل في الأذن الداخلية.

وإن معظم ماء الجسم يأتي من الطعام والشراب،ولكن هناك قسماً أيضاً يأتي من التشكل الداخلي للماء في أنسجة الجسم وذلك بفعل أكسدة الهيدروجين.وهذا الماء المتشكل داخل أنسجة الجسم ذو أهمية كبيرة لأنه لايتأثر مع الضغط الحلولي الذي نجده عند تناول كميات كبيرة من السوائل.

وفي خلال 24 ساعة فإن جسم الإنسان يفرغ:

حوالي لتر ونصف من اللعاب،وحوالي 1 ـ 2 لتر من عصارة المعدة،وحوالي نصف إلى لتر من عصارة الصفراء الكبدية،وحوالي نصف لتر من العصارة البنكرياسية،وحوالي 3 لتر من العصارة المعوية.وإن جميع هذه السوائل يعاد امتصاصها في الأمعاء إلا حوالي 100 مل تطرح مع البراز.

وإن الماء في الجسم يوجد بشكلين:

الماء الخلوي:أي داخل خلايا الجسم

ـ الماء الخلالي:الذي يوجد خارج الخلايا ويسمى القسم منه داخل الأوعية بالسائل الوعائي كما هو الحال في الدم والسائل اللمفاوي.

ويلعب الماء دوراً هاماً في كثير من الوظائف الحيوية للجسم وخاصة تنظيم الحرارة،والضغط الحلولي،والتعرق، وتنظيم التفاعل الحمضي ـ القلوي.

ويؤكد العلماء على أن الحياة ظهرت على الأرض بسبب الخصائص الفريدة والعجيبة للماء فبدون هذه الخصائص لا يمكن للحياة أن تظهر أبداً.ومما أثار استغراب العلماء أن جميع خصائص الماء الفيزيائية والكيميائية هي خواص شاذة أي أنها تختلف عن خواص مركبات متشابهة لها في التركيب مما حدا بعالم الكيمياء الفيزيائية الروسي”إيغور بتريانوف” بأن يصفه بأنه أغرب مادة في هذا الكون وذلك في كتابه”الماء تلك المادة العجيبة”.

ومن الناحية الفيزيائية والكيميائية فإن صفات الماء تلعب دوراً هاماً كونه من أهم مصادر الحياة واستمرارها ومن ذلك:

1 ـ إن درجة تجمد الماء مثالية لايمكن ان تصل إليها الحرارة في المحيط غالباً،وهذا يقي أنسجة الجسم من التجمد.

إن درجة تجمد الماء تقل عن الصفر المئوي في حالة وجود مواد ذائبة فيه وهذه خاصية بالغة الأهمية لحياة الكائنات الحية حيث أنها تتعرض في المناطق الباردة إلى درجات حرارة تقل عن الصفر في كثير من الاحيان.ولكن الماء في أجسام هذه الكائنات لا يتجمد بسبب المواد الذائبة فيه ولو كان الحال غير ذلك لماتت الكائنات الحية بمجرد تعرضها لدرجات حرارة تقل عن الصفر لفترة قصيرة من الزمن.

2 ـ إن درجة تبخر الماء أي درجة الغليان هي 100 سنتغراد وهي عالية تقريباً،وعلى ذلك فإن تبخر كمية صغيرة من ماء التعرق تحتاج إلى كميات كبيرة من الحرارة.ولذا فإن الماء يلعب دوراً هاماً في الضياع الحروري.

إن إمكانية تحول الماء إلى بخار الماء عند درجات حرارة أقل بكثير من درجة الغليان وبكميات كبيرة من خلال عملية التبخر المعروفة.وهذه الخاصية تقوم عليها حياة جميع الكائنات الحية التي تعيش على بر الأرض فبخار الماء المتكون على سطوح المحيطات تحمله تيارات الحمل إلى طبقات الجو الباردة فتحوله إلى غيوم تسوقها الرياح إلى اليابسة فتسقط أمطاراً توفر الماء الذي يلزم لحياة الكائنات الحية البرية.

والماء يتمتع بحرارة نوعية عالية،حيث يمتلك أعلى حرارة نوعية من بين جميع العناصر والمركبات الموجودة على الأرض وقد تصل الحرارة النوعية للماء إلى مائة ضعف الحرارة النوعية لكثير من المعادن.

والحرارة النوعية هي كمية الحرارة التي يجب اعطاؤها لغرام واحد الماء لترتفع درجة حرارته درجة مئوية واحدة ،أي أنها مقياس لكمية الطاقة التي تختزنها كمية محددة من المادة عندما ترتفع درجة حرارتها بمقدار درجة مئوية واحدة،فعندما يتم تسخين المواد فإن كمية الطاقة التي تختزنها تتناسب مع كتلتها ومقدار الزيادة في درجة حرارتها وكذلك حرارتها النوعية.وعندما تبرد هذه المواد فإنها تشع جميع الطاقة التي اختزنتها إلى الجو المحيط بها إذا ما هبطت درجة حرارتها إلى نفس الدرجة التي كانت عليها قبل تسخينها.

وبهذه الخاصية يقوم الماء بوظيفة ا المعدل للحرارة بين الليل والنهار.أي أن الحرارة النوعية العالية للماء هي التي وفرت للكائنات الحية درجات الحرارة المناسبة لعيشها على سطح الأرض فلولا وجود الماء بهذه الكميات الكبيرة على سطح الارض لهبطت درجة حرارة سطح الارض إلى درجات متدنية جداً بسبب تدني الحرارة النوعية للمواد المكونة للقشرة الارضية.ولكن مياه المحيطات التي تغطي 70% من مساحة الارض تقوم بامتصاص كميات كبيرة من الطاقة الشمسية خلال النهار ومن ثم تقوم أثناء الليل بإشعاع هذه الحرارة إلى جو الأرض لكي يحافظ على درجة حرارة سطح الأرض ضمن الحدود المسموح بها.

وإن ارتفاع درجة تبخر الماء هو المسؤول عن تلطيف الجو عند تبخره،ويخفف من حرارة اليابسة، ومن هذا التبخر تتشكل الغيوم التي تقوم بنقل الماء إلى الأرض القفر،ولتشكل الأجواف والينابيع، وتشيع الحياة في الأرض الجدباء.

3 ـ ظاهرة الجليد:أو ظاهرة كثافة الماء:

من المعروف أن كل جسم صلب يغوص في سائله المصهور إلا الجليد فإنه يطفو على سطح الماء،والسبب هو أن كثافة جسم ما تزداد كلما انخفضت درجة الحرارة، وهذا ينطبق على الماء حتى درجة 3،92 مئوية، فإذا سُخن الماء من درجة التجمد تزداد كثافته وتصل الكثافة ذروتها عند درجة زائد 4، ومع متابعة التسخين بعد هذه الدرجة تنخفض كثافة الماء، وعند تحويل الماء من الشكل السائل إلى الجامد يحدث بسبب زيادة حجمه نقص في كثافته، ولذا فإن الجليد يطفو على سطح الماء. وإن ازدياد حجم الماء بمقدار9 بالمائة عند تجمده تؤدي إلى تحطم الوعاء الزجاجي الذي يحتوي الماء عند تجمده،وهذه الخاصية الشاذة التي يتمتع بها الماء ولحكمة إلهية شاءت أن لاتتجمد مياه البحار والأنهار إلا سطحها في الشتاء القارس،بينما يظل القاع ماءً سائلاً حتى لاتهلك الحيوانات المائية.كما أن ملوحة مياه الأبحار تؤخر من تجمد الماء،كما أن هذه الملوحة تقي مياه الأبحار والمحيطات من العفن والفساد.

والجليد يتمتع بحرارة انصهار عالية، وتعرف حرارة الانصهار للجليد بأنها كمية الحرارة اللازمة لنقل غرام واحد من الجليد إلى ماء في نفس درجة الحرارة وهي الصفر.وتعادل حرارة انصهار الجليد 80 حريرة وهذا مقدار كبير، وبهذه الخاصية يقوم الجليد الموجود في القطبين بامتصاص الفائض من الحرارة الواردة على الأرض فيلّطف من حرارة الجو، ويوفر الحرارة المعتدلة الملائمة للحياة.

4 ـ ظاهرة الخاصية الشعرية:

وهي أن الماء يرتفع في الأنابيب الضيقة،وكلما ضاق الانبوب ازداد ارتفاع الماء فيه، والخاصية الشعرية هذه لها أهميتها البالغة في تغذية النبات حيث يرتفع الماء من الجذور إلى السيقان والأوراق.

وهذه الخاصية أي الخاصية الشعرية تنجم عن التوتر السطحي العالي للماء وتساعد هذه الخاصية الماء على الارتفاع في الأنابيب الشعرية بدون الحاجة لقوة تضخه إلى أعلى رغم وجود الجاذبية الأرضية وبهذه الخاصية يصل الماء من جذور الأشجار إلى معظم أجزاءها رغم ارتفاعها الكبير عن سطح الارض.بل إن هذه الخاصية هي التي تعمل على حفظ الماء في خلايا جميع الكائنات الحية بنفس النسبة رغم تفاوت مواقعها في جسم الكائن ولولا هذه الخاصية لتجمع الماء في الأجزاء السفلى من جسم الكائن بسبب فعل الجاذبية الأرضية.

5 ـ ظاهرة التوتر السطحي:

وهي أن كلاً من الماء العذب والملح نظراً لاختلاف كثافتهما لايتحد أحدهما مع الأخر ولايختلط به، وإنما تنزع جزيئات الماء في كل منهما إلى الإنكماش والتجاذب محدثة توتراً في سطح كل منهما،ولايبغي أحدهما على الآخر،وفي الخليج العربي تندفع الأنهار والمياه الجوفية العذبة قرب البحرين وقطر في مياه الخليج المالحة دون اختلاط أحدهما بالأخر،وهذا يشاهد أيضاً عند لقاء نهر النيل مع البحر الابيض المتوسط، قال تعالى: {مرجَ البحرينِ يلتقيان* بينهما برزخٌ لايبغيان}”[الرحمن 19 ـ 20]، وقال تعالى{وهوالذي مرجَ البحرينِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا مِلحٌ أُجاجٌ وجعلَ بينهما َبرزخاً وحِجراً محجورا} [ الفرقان53].

لقد جعل الله تعالى في منطقة مصبات الأنهار العذبة في البحار المالحة حاجزاً منيعاً وحجراً محجوراً،مما يمنع امتزاجهما وطغيان أحدهما على الأخر.وإن هناك كائنات حية تعيش في الماء العذب ولكنها لاتستطيع الحياة في الماء المالح وبالعكس,وهذا يدل على أن منطقة البرزخ حيث يلتقي الماءان العذب والمالح هي منطقة محجورة ومحفوظة برعاية الله تعالى وعنايته.

6 ـ والماء يمتص كميات كبيرة من الأوكسجين عند انخفاض درجة حرارته،والأحياء المائية تتنفس الأوكسجين الذائب فيه،وحين يتجمد الماء تنطلق منه كميات كبيرة من الحرارة تساعد الأحياء المائية على البقاء، ومن المعروف أن الأوكسجين أقل توافراً في البيئات المائية بالمقارنة مع اليابسة.والأوكسجين في البيئات المائية له مصدران: الجو الذي يعلو سطح الماء،وعملية التركيب الضوئي التي تقوم بها النباتات المائية،وإن كمية الأوكسجين تتناقص كلما اتجهنا نحو الأعماق،والتركيب الضوئي يقع فقط في المناطق المائية التي تأخذ كفايتها من أشعة الشمس، وهي مناطق صغيرة إذا قيست بحجم الكتلة المائية الضخمة.

7 ـ ظاهرة قطبية الماء:

كما ذكرنا فإن الماء يتكون من اتحاد ذرة أوكسجين(تحتوي على ست الكترونات في مدارها الأخير) مع ذرتين هيدروجين0تمتلك كل منهما الكتروناً واحدا) برابطة تسمى الرابطة التساهمية،وتعتبر هذه الرابطة من أقوى الروابط على الإطلاق، ولذا فليس من السهل كسرها واستعادة الأوكسجين والهيدروجين من الماء.

8 ـ الماء أفضل المذيبات:

أثبت العلماء أن الماء هو السائل الوحيد من بين جميع السوائل الطبيعية الذي يصلح لأن يكون وسطاً مناسباً لحدوث التفاعلات الكيميائية التي تلزم لتصنيع المواد التي تحتاجها أجسام الكائنات الحية.فقد وجد العلماء أن الماء هو أفضل المذيبات على الإطلاق بسبب ارتفاع ثابت عزله الكهربائي وهذه الخاصية بالغة الاهمية للحياة،حيث أن الكائنات الحية تحتاج لآلاف الأنواع من الجزيئات التي يجب أن تصنع في داخل هذا الماء وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت هذه الجزيئات قابلة للذوبان في الماء.ويستطيع الماء إذابة مختلف أنواع العناصر والمركبات العضويثة وغير العضوية وسواء أكانت هذه المواد في حالتها الصلبة أو السائلة أو الغازية.

9 ـ القدرة على التأين:

وهي تعني: أن الماء له القدرة على تأيين أنواع مختلفة من الجزيئات الضرورية للحياة أي أن الجزىء يتفكك إلى أيونات موجبة وأخرى سالبة وهذا شرط ضروري لحدوث التفاعلات الكيميائية بين المواد المختلفة.

بل الاعجب من ذلك أن الماء له القدرة على تأيين بعض جزيئاته وهذه الظاهرة ضرورية لإتمام كثير من التفاعلات الكيميائية التي تجري في داخل الخلايا الحية.فجزىء الماء المتأين ينتج أيون(شاردة) الهيدروجين الموجب والمسؤول عن ظاهرة الحموضة وأيون الهيدروكسايد السالب المسؤول عن ظاهرة القاعدية.وقد وجد العلماء أن بعض الخمائر لا تعمل إلا عند درجات محددة من الحموضة أو القاعدية(القلوية) في الماء.

10 ـ القدرة على الاتصاق بالأشياء التي يلامسها:

وهذه الخاصية تساعد في انتشار الماء بكل سهولة في أجسام الكائنات الحية بحيث يمكنه الوصول لكل خلية من خلايا أجسامها التي لا يمكن أن تعيش بدونه.ـ وبما أن الماء لا يقوم بدوره هذا إلا وهو في الحالة السائلة فهذا يتطلب أن يكون الماء في هذه الحالة السائلة على مدى نطاق واسع من درجات الحرارة.وقد وجد العلماء أن الماء يتميز على جميع المركبات السائلة الاخرى في وجود فرق كبير بين درجة تجمده ودرجة غليانه،فهو يتجمد عند درجة الصفر ويغلي عند درجة مائة درجة مئوية أي بفارق مائة درجة.

وبهذه الخاصية فإن الماء يشذ شذوذاً كبيراً عن بقية العناصر الأخرى،فدرجة تجمده كان يجب أن تكون مائة درجة تحت الصفر ودرجة غليانه كان يجب أن تكون ثمانين درجة تحت الصفر إذا ما قورن مع مركبات مشابهة له في التركيب.

11 ـ شفافيته للضوء:

وهذه خاصية هامة حيث أن الماء يسمح بمرور الضوء المنبعث من الشمس من خلاله بأقل فقد ممكن وهذه خاصية بالغة الأهمية لدوام حياة الكائنات في بحار ومحيطات الأرض ،فحياة جميع الكائنات البحرية تقوم على ما تنتجه الطحالب من مواد عضوية.وهذه الطحالب تقوم بتصنيع المواد العضوية من العناصر والمركبات الذائبة في الماء بوجود الطاقة الشمسية من خلال عملية التركيب الضوئي.ولو لم يكن الماء شفافاً للضوء لما تمكنت أشعة الشمس من الوصول إلى الطحالب التي تعيش في الطبقات العليا من مياه المحيطات ولتوقفت عملية تصنيع المواد العضوية التي تتغذى عليها جميع الكائنات البحرية.

وتساعد شفافية الماء الكائنات الحية البحرية على رؤية الأشياء من حولها من خلال نظام الإبصار التي زودها الله بها وتساعد كذلك الإنسان والحيوان على كشف وجود شوائب ضارة في الماء قبل أن يقوم بشربه.

12 ـ الماء لا لون له ولارائحة:

ولاطعم ولو كان الحال غير هذا لطغى طعمه ورائحته على طعم ورائحة جميه المواد التي يدخل في تركيبها وخاصة تلك الموجودة في أجسام الكائنات الحية كثمار وأزهار النباتات ولحوم وألبان الحيوانات.

هذه بعض الصفات الخاصة والمتميزة للماء والتي تجعله مصدراً هاماً للحياة على الأرض،أضف إلى ذلك أن زيادة الماء كقلته يمكن أن تكون خطراً على الحياة،يقول تعالى: {وأنزلنا من السَّماءِ ماء بقدرٍ فأسكنَّاهُ في الأرضِ وإنّا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون18] ، ويقول تعالى: {ومانُنزِّلُهُ إلا بقدرٍ معلوم} [الحجر21 ]،وإن كلمة ” بقدر” تشير إلى ضبط كمية الماء بما يتفق مع صالح البشر،والله قد أسكن الماء في الأرض بفضل ماجعل فيها من المنخفضات والتعاريج،وبفضل التسرب الجزئي في باطن الارض،فلو تخيلنا الأرض كرة ملساء لاتعاريج فيها ولامنخفضات لغطاها الماء في البحار والمحيطات بنحو 60 متراً،ولغطى البحر مدناً كثيرة آهلة بالسكان.

نعم، لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعل من الماء كل شئٍ حي،وجعل عرشه على الماء {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكانَ عرشُهُ على الماءِ لِيبلُوكُم ايُّكم أحسنُ عملاً}” [هود7]

وجاء في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق”كان الله ولم يكن شئ غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السموات والأرض” ، وفي رواية”ثم خلق السموات والأرض“.يقول الإمام ابن حجر العسقلاني” معناه أن الله خلق الماء سابقاً ثم خلق العرش على الماء.فالماء أول المخلوقات.

حاسة العطش:

هي الشعور الذي ينبه الكائن الحي من إنسان أو حيوان إلى أنه بحاجة إلى الماء.ذلك أن الماء يشكل النسبة العظمى من تكوين الكائن الحي.

ويفقد الجسم الحي الماء باستمرار عن طريق التنفس والتبول والتعرق والتبرز،ويمكن أن يؤدي فقدان الكائن الحي لكميات كبيرة من الماء عبر القيء أو الإسهالات أو التبخر الشديد بسبب الحرارة المرتفعة دون تعويض الكميات المفقودة إلى حدوث التجفاف والوهط الدوراني والسبات والوفاة.

إن نقص الماء أو عدم تناول الماء لفترة وجيزة،يسبب اضطرابات شديدة وسريعة أكثر مما يسببها نقص الغذاء.وإن الشخص المحروم من الماء يشعر بعد فترة قصيرة بجفاف الفم،ويشكو من العطش والرغبة الملحة في تناول الماء أو الشراب.وكلما ازداد جفاف الفم،فإن افراز اللعاب يتناقص ويصبح بلع الطعام عملاً متعذراً.ومن ثم يحدث الهذيان والسبات والموت.

وقد لوحظ أن قلة الماء في الجسم يضعف من نشاط خلايا الدماغ،ويؤثر على مستوى الذكاء عند الإنسان.

في الحالات الطبيعية يحدث توازن مابين تناول السوائل مع الطعام أو الشراب وكمية السوائل التي يخسرها الإنسان عن طريق البول أو الغائط أو اللعاب أو التعرق،أو عن طريق التنفس.

وأما حس العطش فيمكن أن نعبر عنه أنه حاجة الجسم من أجل الحصول على الماء.وإن هذا الحس يحدث بسبب جفاف الفم،لأن الحرمان من الماء يسبب حس العطش قبل فترة طويلة من جفاف الفم،وعلى العكس من ذلك فإن كثيراً من الأمراض التي تترافق مع جفاف الفم بسبب دوائي أو مرضي لا يشكون من العطش.وإن حقن مادة الأتروبين يسبب توقف الافراز اللعابي وبالتالي جفاف الفم ولكن لا يصحبه حس العطش.ومن جهة ثانية فإن الحقن الوريدي لمحاليل مفرطة التوتر وليكن 5% من كلور الصوديوم يسبب الشعور بالعطش،وإن كل المحاليل التي تسبب ازدياد الضغط الحلولي في السائل خارج الخلوي(البراني)وتسبب نزوح الماء من الخلايا إلى خارجها،يؤدي للعطش.

وعلى هذا فإن حس العطش يحدث عن ازدياد الضغط الحلولي في السائل الخلوي،وأنه ينجم عن انزياح السوائل من القطاع الخلوي الجواني إلى القطاع خارج الخلوي البراني.

وإن مراكز العطش في الدماغ تتنبه بارتفاع توتر السوائل الخلالية والوعائية.

خلق الإنسان من سُلالةٍ من ماء

لغوياً:

جاء في لسان العرب لإبن منظور:سلالة الشئ:ما استُلَّ منه، والنطفة سلالة الإنسان، ومنه قول الشماخ:

طَوَتْ أحشاءَ مُرتِجةٍ لوقتٍ                    على مَشَجٍ، سلالتهُ مَهين

وقال حسان بن ثابت:

فجاءت به عَضْبَ الأديمِ غضنفراً             سُلالةُ فَرْجٍ كان غير حصين

وجاء في المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني:سَلّ الشئ من الشئ: نزعه كسلِّ السيف من الغمد، وسلّ الولد من الأب ومنه قيل للولد سليل.

الآيات القرآنية والحديث الشريف:

قال تعالى: {الذي أحسنَ كلَّ شئٍ خَلَقه وبدأ خَلْقَ الإنسانِ من طين * ثُمَّ جعلَ نَسلَهُ من سُلالةٍ من ماءٍ مهين} [السجدة 7 ـ8 ]

وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين} [المؤمنون12]

وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ مامن كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شئ لم يمنعه شئ” .

التفسيرات الدينية:

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“السلالة:هي أجود ما في الشىء،وقد خلق الله الإنسان الأول من أجود عناصر الطين وأنواعه،وهي زُبد الطين،فلو أخذت قبضة من الطين وضغطت عليها بين أصابعك يتفلت منها الزبد،وهو أجود مافي الطين ويبقى في قبضتك بقايا رمال وأشياء خشنة.

ولما أحب سيدنا حسان بن ثابت أن يهجو قريشاً لمعاداتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إئذن لي يا رسول الله أن أهجوهم من على المنبر.فقال صلى الله عليه وسلم:”أتهجوهم وأنا منهم؟ فقال حسان:أسلُكَ منهم كما تُسلُّ الشعرة من العجين.[أخرجه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها].

وتُطلق السلالة على الشىء الجيد فيقولون:فلان من سلالة كذا،وفلان سليل المجد.يعني:في مقام المدح،حتى في الخيل يحتفظون لها بسلالات معروفة أصيلة ويسجلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها،ومن هنا جاءت شهرة الخيول العربية الاصيلة.

وقد أثبت العلم الحديث صدق هذه الآية،فبالتحليل المعملي التجريبي أثبتوا أن العناصر المكونة لللإنسان هي نفسها عناصر الطين،وهي ستة عشر عنصراً،تبدأ بالأوكسجين،وتنتهي بالمننجنيز،والمراد هنا التربة الطينية الخصبة الصالحة للزراعة،لأن الارض عامة بها عناصر كثيرة قالوا: مائة وثلاثة عشر عنصراً.

ومن الناحية العلمية:

يحدث اصطفاء وانتقاء على مستوى الحيوانات المنوية”النطاف” عند الذكر، وعلى مستوى البويضات عند الأنثى،وهذا مايجعلنا نقف امام إعجاز القرآن الكريم حيث اختار الله تعالى كلمة”سلالة”، وهي الخلاصة التي تستخلص بعد الأنتقاء والاصطفاء .

فعلى مستوى النطاف يحدث مايلي:

يبلغ عدد النطاف في كل دفقة من دفقات السائل المنوي عند الجماع حوالي 300 إلى 500 مليون نطفة في كل دفقة،ومن هذه الملايين العديدة يتم اختيار نطفة واحدة فقط تصل إلى البيضة وتلقحها،ويحدث الإخصاب والحمل،وهذا الإختيار والاصطفاء يتم من خلال عدة عمليات واختبارات تتعرض لها هذه النطاف بحيث لايبقى في النهاية إلا نطفة واحدة تتمكن من الوصول إلى هدفها، وأما باقي النطاف فيتعرض للتلف والهلاك.

ولنفصل في هذا الموضوع:

1 ـ إنَّ 20 بالمائة من النطاف التي تخرج أثناء الجماع والدفق يكون غير صالح للتلقيح ويموت في المهبل وعنق الرحم.

2 ـ تسافر هذه النطاف من المهبل إلى عنق الرحم،ومن ثم تذهب مجموعة منها إلى قناة الرحم اليمنى”نفير فاللوب” ومجموعة إلى قناة الرحم اليسرى،وهي لاتدري أين تكون البيضة المُهيئة للإلقاح، هل هي في قناة النفير اليمنى أو اليسرى؟وبالتالي فإن تحركت في الإتجاه الخاطئ حُكم عليها بالهلاك والتلف.

3 ـ وجد العلماء أن الغشاء المخاطي لنفير الرحم قد جُهّز بأهداب تفترش الغشاء المخاطي للنفير من الداخل(مايسمى البطانة الداخلية للنفير)، وهذه الأهداب الدقيقة تتحرك بحركة مُعاكسة لحركة الحيوانات المنوية، وبالتالي فإنها تثبطها وتعيقها عن التقدم والوصول إلى البيضة،وهذا يعني أنها تمنع الحيوانات المنوية الضعيفة من الوصول للبيضة ويسمح للحيوانات القوية ذات الصفات الوراثية الجيدة من الوصول إليها.

4 ـ إن الحيوانات المنوية تشقُّ طريقها من الإحليل (مجرى البول عند الذكر) وهو ذو تفاعل حمضي، ومن ثم تصل إلى المهبل عند الأنثى وهذا ذو تفاعل حمضي شديد أيضاً،بينما تفاعل السائل المنوي قلوي،وكذلك فإن إفراز غدة البروستات هو أيضاً قلوي وهذا يُعرّض الحيوانات المنوية لتبدلات في الحموضة والقلوية، ومن جهة أخرى فإن السفر في الإحليل يتم عن طريق قناة ضيقة وطويلة،ومن ثم قناة المهبل الواسعة العريضة،ومن ثم عنق الرحم وهي قناة ضيقة ،فالرحم وهي قناة واسعة وعريضة،ومن ثم قناة النفير الطويلة والضيقة. إن هذه التبدلات التشريحية المتعددة والتبدلات الحمضية القلوية المختلفة يلعب دوراً هاماً أيضاً في إعاقة حركة الحيوانات المنوية الضعيفة ويمنع سهولة حركتها.

5 ـ ولقد لوحظ أيضا أنه بمجرد وصول الحيوان المنوي إلى البيضة واختراقها وتلقيحها،فإن الحيوانات المنوية الأخرى تبتعد تلقائياً عن هذه البيضة الملقحة، ويظن أن ذلك يتم بإفراز خمائر معينة تؤثر في هذه الحيوانات المنوية وتبعدها عن البيضة بعد إلقاحها،كما تبين أيضاَ أن البيضة تفرز مادة معينة تجذب النطفة الأولى إليها كما بينت ذلك بعض التجارب.

نعم،يالروعة البيان القرآني ويالعظمة إعجازه: ملايين الملايين من النطاف تسافر في رحلة طويلة شاقة وعسيرة، وتعبر أقنية متصلة تضيق تارة وتتسع أخرى،وتتعرض أثناء سفرها للعديد من التيارات بما تحمله معها من إفرازات،ورياح معاكسة وتجديف بعكس الرياح،وبيئات حمضية وقلوية متبدلة تتلف الملايين من النطاف ولاتسمح إلا بالحيوان القوي النشيط من الوصول إلى العروس المكللة بالإكليل المشع وبعد أن يتم الإمتزاج والانصهار تتلف باقي الحيوانات المنوية، فسبحان الله أعظم الخالقين.

وعلى مستوى البيضات يحدث أيضاً الانتقاء والإصطفاء:

من المعروف علمياً أنه يبلغ عدد البيوض في مبيض الأنثى وهي لاتزال جنيناً في رحم أمها حوالي ستة ملايين بيضة،ولكن كثيراً منها يموت قبل أن تلد الأم الجنين الأنثى، ويستمر هذا الاندثار حتى تبلغ الأنثى سن  الطمث والبلوغ، ولايبقى في المبيض عند الأنثى البالغة إلا حوالي 40 ألف بيضة فقط،وفي كل شهر من الدورة الطمثية تنمو مجموعة من هذه البيوض ولكن لايكتمل نمو إلا واحدة فقط، ونادراً اثنتان أو أكثر(إذا تم الإلقاح هنا لأكثر من بيضة حصل مايسمى بالتوائم غير الحقيقية)، أي أنه في كل فترة إباضية شهرية تنمو مجموعة من البيوض ولكن لاتنضج منها غالباً إلا واحدة، وأما الباقي فيتعرض للتلف والهلاك، وفي سن الخصوبة عند المرأة والذي يمتد من سن البلوغ وحتى سن الضهي(الإياس)وهو وسطياً حوالي الثلاثين سنة فإنه لايزيد ماتفرزه الأنثى من هذه البيوض التي تصل لمرحلة النضج في كل دورة شهرية عن 400 بيضة فقط، بينما العدد الكلي في بداية البلوغ وبداية المرحلة الخصبة التناسلية يكون العدد حوالي 30 ألف،وهذا يعني أنه يحدث اصطفاء وانتقاء على مستوى البيضات أيضاً كما هو الحال على مستوى النطاف.

وتبين الأبحاث أيضاً أنه يحدث اصطفاء أيضاً بعد الإلقاح، وأنه تبين أن 78 بالمائة من جميع حالات الحمل تسقط طبيعياً، وأن 50 بالمائة منها يحدث الإسقاط بدون أن تعلم الأم أنها حامل،وذلك لأن الرحم يلفظ العلقة بعد علوقها مباشرة، وخاصة إذا كانت البيضة الملقحة مريضة،فتظن المرأة أن الذي جاءها النزيف الطمثي في موعد الإحاضة أو بعدها بقليل ولاتعلم أنه دم إسقاط،وهذا من رحمة رب العالمين لمنع تخلق أجنة مشوهة أو مريضة.

الإباضة Ovulation

كما ذكرنا عندما تكلمنا عن المبيض فإن الإباضة تحدث بعد تمزق الجراب الناضج وانطلاق البويضة منه حيث يتلقفها النفير وتتحرك فيه بإتجاه الرحم.وتتم هذه العملية في منتصف الدورة الشهرية .ويتحكم تحت المهاد في الدماغ في عملية الإباضة وذلك عن طريق التأثير في إفراز كل من الهرمون الملوتن(LH)Luteinzing Hormone،والهرمون  المنبه للجراب FSH واللذان يفرزا من الفص الأمامي للغدة النخامية.

ومن أهم أعراض الإباضة التي تشاهد لدى الأنثى:حدوث تبدلاتى في مخاط عنق الرحم،وارتفاع في درجة حرارة الجسم الأساسية(حوالي نصف درجة)،وكثير من الإناث يشكون من ألم الإباضة وهو مايسمى ألم منتصف الدورة،وهو ألم في أسفل البطن والحوض،وهو ألم مفاجىء ويستمر لعدة ساعات وقد يستمر من 2 ـ 3 أيام.

وهناك بعض الملاحظات حول موضوع الإباضة:

1 ـ كما ذكرنا فإن الأباضة تحدث بالتناوب فيما بين المبيضين كل شهر، ولكن وجد أنه إذا استئصل أحد المبيضين، فإن المبيض الأخر تحدث فيه الأباضة شهرياً وبشكل مستمر.

2 ـ تُعطى التعليمات والإشارات اللازمة لنفير فاللوب الموافق للمبيض الذي ستحدث فيه الإباضة قبيل عدة ساعات ،بحيث يتهئ ويستعد لتلقف البيضة،فيحيط بقسمه الصيواني القمعي الشكل حول المبيض وكأنه الشبكة التي ترمي بشباكها ويتلقف البيضة مباشرة بعد انقذافها من المبيض وحتى لاتسقط في تجويف البطن.

3 ـ في حالات نادرة وجد أن النفير الثاني المعاكس وليس الموافق للمبيض الذي تحصل فيه الإباضة إذا كان طويلاً ومتحركاً فإنه قد يصل للمبيض الذي انطلقت منه البيضة ويمكن أن يتلقفها،وهذا نادر الحدوث ولكنه قد يحصل،ولقد وجد عند بعض النساء حدوث الحمل مع بقاء مبيض في جهة ونفير في جهة أخرى.

4 ـ تنطلق البيضة وحولها مجموعة من الخلايا الجرابية التي تحيط بها وتدعى بالإكليل المشع وهذه الخلايا كأنها ” الوصيفات” للأميرة تؤمن لها الرعاية والحماية اللازمتين،كما تتعهد بتغذيتها.

5 ـ الأصل أن تنطلق بيضة واحدة في كل دورة شهرية، ولكن في بعض الحالات النادرة قد تنطلق أكثر من بويضة من نفس المبيض،وذلك لوجود أكثر من جراب ناضج وهذا مايؤدي للحمل التوأم أو الثلاثي أو أكثر، وهي أجنة غير متشابهة لأنها تشكلت من عدة بيوض كل منها قد لُقحت بنطفة مستقلة،أما التوأم الحقيقي فإنه يحصل من بويضة واحدة قد لُقحت من نطفة واحدة وهذه البيضة انقسمت أثناء التطور الجنيني إلى اثنين وينجم عن هذا الحمل التوأم حقيقي لأجنة متشابهة تماماً.

6 ـ تعاني العديد من الإناث بالرغبة الجنسية المتزايدة قبيل الإباضة.وقد يشاهد أحياناً ازدياد قوة الحواس في الشم والتذوق.

النطفة الأمشاجGamete

قال الله تعالى: {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً* إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه فجعلناهُ سميعاً بصيراً} [ الإنسان 1 ــ 2 ]

وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن يهودياً مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُحدّث أصحابه. فقالت قريش يايهودي إن هذا يزعم أنه نبي.فقال لأسألنه عن شئ لايعلمه إلا نبي. فقال يامحمد: مِمَ يُخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يايهودي من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة. فقال اليهودي: هكذا كان يقول من كان قبلك(أي من الأنبياء).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده: حدثنا حسين بن الحسن حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال مرَّ يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُحدّث أصحابه فقالت قريشٌ: يايهوديُّ إن هذا يزعم أنه نبيٌّ فقال: لأسالنّه عن شئٍ لايعلمه إلا نبيّ قال: فجاء حتى جلس ثم قال :يامحمد مِمّ يُخلقُ الإنسان قال: ” يايهودي من كُلٍّ يُخلقُ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم” فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك”(رواه عبد الله بن مسعود وقال المحدث أحمد شاكر والألباني: إسناده ضعيف).

يقول العلماء ومع ضعف سند الحديث فإن في متنه إشكالاً،حيث ذكر فيه أن لحم الجنين يكون من نطفة الام،وعظمه من نطفة الأب،وظاهر النصوص أن اللحم والعظم من مجموع النطفتين.

وجاء في الحديث النبوي الشريف عن أم سلمة رضي الله عنها: جاءت أم سليم امرأة ابي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:يارسول الله ، إن الله لايستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إذا رأت الماء، فغطت أم سلمة ـ تعني وجهها ـ وقالت يارسول الله أو تحتلم المرأة؟ فقال: نعم، تَربت عينك ـ فبم يشبهها ولدها“[رواه البخاري  في كتاب العلم ـ باب الحياء في العلم]

وروى الطبراني بسنده عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”ماخلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعاً”

التفاسير:

يقول الإمام المناوي صاحب فيض القدير عند شرح حديث الله صلى الله عليه وسلم: ” إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل له الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد“[ رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود] وهذه رواية مسلم.

يقول الإمام المناوي: “ويُجمع من الإجماع لا من الجمع، يقال: أجمعت الشئ أو جعلته جميعاً، فإذا لاحظت التقاء الماءين الضرورين للتكوين ظهرت بكل وضوح معنى قوله صلى الله عليه وسلم” يُجمع خلقه“، والمراد ببطن أمه، رحم أمه وهو من قبيل ذكر الكل وإرادة البعض”.

ويقول الإمام ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” معلقاً حول هذا الحديث الشريف” إن أحدكم يُجمع خلقه…”يقول رحمه الله : “وزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده، وإنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك، وهكذا استطاع هذا العالم الحافظ ابن حجر رحمه الله أن يرفض نظرية أرسطو التي كانت سائدة في عصره والعصور التالية له والتي نسبت خلق الجنين إلى دم الحيض فقط.

وجاء في تفسير ابن كثير حول الأية الكريمة من سورة الإنسان: {من نطفة أمشاج}: أي أخلاط ، والمشج والمشيج: الشئ المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل من طور إلى طور،وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.

وجاء في تفسير الإمام الطبري حول قوله تعالى{ يا أيُّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شُعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكُم} [الحجرات13] يقول الطبري رحمه الله”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ماء ذكر الرجل وماء أنثى من النساء”، وروى بسنده عن مجاهد قال: ” ماخلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعاً”.وجاء في نفس التفسير أيضأ: “إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة يعني: من ماء الرجل وماء المرأة، والنطفة كل ماء قليل في وعاء، وقوله أمشاج: يعني أخلاط واحدها مشج ومشيج يقال منه إذا مشجت هذا بهذا خلطته، وهو مشوجٌ بهن ومشيج أي مخلوط، وهو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة”.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “نطفة أمشاج: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن البصري والربيع”

وقال مجاهد: “خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال تعالى: {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات 13]

ويقول الإمام ابن القيّم رحمه الله في كتابه “التبيان في علوم القرآن“: “ومَني الرجل وحده لايتوّلد منه الولد مالم يمازجه مادة أخرى من الأنثى” .وقال أيضاً: ” إن الأعضاء والأجزاء والصورة تكوّنت من مجموع المائين، وهذا هو الصواب”

وجاء في تفسير الظلال: “الأمشاج: الأخلاط، وربما كانت هذه إشارة إلى تكون المضغة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح، وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة والتي يمثلها مايسمونه علمياً “الجينات”وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولاً ولصفات الجنين العائلية أخيراً،وإليها يُعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان لاجنين أي حيوان آخر كما تُعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة، ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى”.

وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” ـ كتاب القدر ـ: “والمراد بالنطفة المنيّ وأصله الماء الصافي القليل،والأصل في ذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله أن يخلق من ذلك جنيناً هيأ أسباب ذلك”.

من الناحية اللغوية:

جاء في مختار الصحاح:مَشجَ بينهما: خلط، والشئ مشيج.

وجاء في لسان العرب لإبن منظور:المَشج والمشيج: كل لونين اختلطا، وقيل : هو كل شيئين مختلطين والجمع أمشاج، والمشيج: اختلاط ماء الرجل والمرأة.

وقال ابن السكيت: الأمشاج: ألاخلاط، يريد الأخلاط النطفة لأنها ممتزجة من أنواع، ولذا يولد الإنسان ذا طبائع مختلفة، وقال الشماخ:

طَوتْ أحشاءَ مُرْتجةٍ لوقتٍ                         على مَشَجٍ، سُلالتهُ مَهينُ

وقال أخر:

فَهُنَّ يقذِفنَ من الأمشاجِ                             مثل بُزولِ اليَمنةِ الحِجاجُ

وفي حديث علي رضي الله عنه: ” ومَحطَ الأمشاجِ من مساربِ الأصلاب، يريد المني الذي يتولّد منه الجنين”

ومن الناحية العلمية:

لم تكن البشرية تعرف شيئاً عن النطفة الأمشاج،وكانت هناك فرضيات ونظريات مأخوذة عن الفلاسفة وبعض الأطباء في موضوع خلق الجنين، وكانت أبرز هذه النظريات أن الإنسان يتكون من ماء الرجل وإن رحم المرأة ليس إلا مزرعة لذلك الجنين،أي شبهوا ذلك بالبذرة التي ترمى في الأرض فتأخذ منها غذائها وتخرج شجرة كاملة،أي أن الرحم ليس إلا تربة تحتضن ماء الرجل وتتعهده بالرعاية والتغذية وأن الأم لاتشارك في هذا التشكل أبداً.

وكانت أهم النظريات السائدة في أوروبا في القرن السابع عشرهي النظرية القائلة أن الجنين موجود بصورة مصغرة في الحيوان المنوي وأنه ليس لرحم المرأة دور إلا في التغذية والرعاية حتى يكبر بالتدريج.

وفي عام 1677م تمكن العالم الهولندي فان لوفيهنوك Leeuwen Hoek(1632 ـ 1723) من اختراع المجهر وأمكن بواسطته الكشف عن كثير من الأشياء كالجراثيم والكريات الحمراء وايضاً اكتشاف الحيوان المنوي عند الإنسان.

وفي عام 1672م اكتشف العالم الهولندي غراف Graaf(1641 ـ 1673م) مايسمى جريب غراف في مبيض الأنثى وهو عبارة عن الجريب الذي توجد فيه إحدى البيوض المهيئة للنضج والذي تنطلق منه بعد انفجاره إلى الرحم عبر قناة النفير أي مايسمى عملية الإباضة،ولكن حتى ذلك الوقت لم يُدرك اي منهما دور الحيوان المنوي أو البيضة في الإنجاب،ولم يعرفا أن هذه الحيوانات المنوية والبيضات من خلايا الجسم العديدة.

وفي عام 1859م استطاع العلماء التأكيد على أن الحيوان المنوي والبيضة هما من خلايا الجسم.واستطاع العالم الإيطالي سبالانزانيSpallanzani(1729 ـ 1799م) أن يطور علم الحياة التجريبي وهو أحد مؤسسيه،واستطاع أن ينقض النظريات القديمة في تشكل الأحياء، واستطاع تجريبياً أن يحدث إلقاحاً اصطناعياً مابين البويضات والحيوانات المنوية عند بعض الحيوانات ومنها الكلاب.

وفي عام 1875م استطاع العالم الالماني هيرتفيغ Hertwig(1849 ـ 1922م ) أن يصف عملية الإلقاح بين النطفة والبيضة عند علق البحر،وكان بذلك أول إنسان يشاهد ويكتشف عملية التلقيح ويصفها، وهو الذي كشف عام 1890م أن النواة الخلوية تحمل عوامل الوراثة.

وفي عام 1883 تمكن العالم فان بيندن Van Beneden من إثبات أن كلا من البويضة والحيوان المنوي يساهمان بشكل متساوي في تكوين البيضة الملقحة.

وقال العالم بوفري Boveri مابين أعوام 1888 ـ 1909 أن الصبغيات تنقسم وتحمل خصائص وراثية.

وفي عام 1912 بين العالم مورجان Morgan دور الجينات الوراثية الموجودة في الصبغيات ودورها الوراثي.

إذاَ وحتى نهاية القرن السابع عشر كما تقول الموسوعة الألمانية “بروكهاوس” لم تكن عملية الإخصاب والإلقاح واضحة المعالم بل كانت مجهولة تماما،وكانت النظرية السائدة هي نظرية التشكل المسبق والتي تعني أن النطفة تحتوي على الكائن الحي ولكن بشكل مُصغّر وتام التكوين وأنه ينمو في الرحم ويكبر. ولم تُنتقض هذه النظرية إلا في مطالع القرن التاسع عشر من خلال أبحاث بريغزهايم ومن ثم هيرتيغ وشتراسبورغر،بينما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ذكرا وبشكل يدعو للإعجاز وبوضوح وبنوع من التفصيل بأن النطفة عند الرجل والبيضة عند الأنثى يساهمان معاً في تشكيل الجنين، وجاء الإعجاز القرآني بكلمة”أمشاج” والإعجاز النبوي بكلمة “يُجمع” فكلاهما يظهران  أنه يحدث اختلاط وانصهار لمكونات النطفتين”النطفةوالبيضة” معاً،وهذا مايحدث، وهذا ماأثبته العلم الحديث،وسوف نتطرق إليه بشكل من التفصيل لاحقاً،حيث تخترق النطفة البيضة وتنصهر مكوناتهما معاً وتختلطان كامل الإختلاط، وينشأ عنهما خلية جديدة ثالثة هي النطفة الأمشاج،تختلف بوظائفها وصفاتها وأبعادها وبقدراتها كل الإختلاف عن المُكوّنين الأساسيين لها،فسبحان الله رب العالمين.

وهناك ملاحظة:يشير القرآن الكريم إلى النطفة الأمشاج بقوله تعالى{إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}،وهناك نقطة هامة هنا وهي أن القرآن الكريم ذكر كلمة نطفة وهو اسم مفرد وأما كلمة أمشاج فهي صيغة جمع، وقواعد اللغة تجعل الصفة تابعة للموصوف في الإفراد والتثنية والجمع.ويمكن من الناحية العلمية أن نقول:إن كلمة أمشاج من الناحية العلمية دقيقة تماماً وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة، والتي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين. وتواصل هذه المرحلة نموها وتحتفظ بشكل النطفة ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر وتشكل فيما بعد التوتة والبلاستولا.فالنطفة الأمشاج هي من الناحية الشكلية الظاهرية بشكل النطفة التي يحيط بها غشاءً سميكاً يحفظها ويحميها ولكنها من الناحية الداخلية أصبحت مجموعة كبيرة من الخلايا التي تنقسم وتتكاثر وينشأ عنها فيما بعد أنسجة وأعضاء الجنين .

وهناك ملاحظة أخرى: إن التفاوت كبير بين عمر النطفة (3 ـ 5 أيام) وعمر البيضة(لايتجاوز 24 ساعة) من حيث الزمن،وكذلك فإنه لايتم الإلقاح إلا في النفير(لايحدث الحمل إذا التقت النطفة والبيضة في الرحم) هذا من حيثالمكان، وضرورة التقاء كل منهما ليحصل التلقيح في الزمان والمكان المناسبين، وإن من يقرأ ويسمع بهذا يؤمن وبدون أي تردد أن ذلك يستحيل إلا بقدرة الخلاق العليم،فهو يستلزم امتداد حياة النطفة إلى أن تلتقي بالبيضة واستمرار حركة النطفة وتوجهها من المهبل إلى عنق ثم جسم الرحم ومن ثم إلى النفير حيث يحدث هناك التلقيح والإخصاب وتشكل النطفة الأمشاج، فسبحان الله رب العالمين{أفرأيتم ماتمنون اأنتم تخلقون أم نحن الخالقون}

الإخصاب وتشكل النطفة الأمشاج

بعد الإباضة، ومرور البيضة إلى النفير، فإنها تكون قابلة للإلقاح خلال وقت لايتجاوز 24ساعة، وهناك دراسات تقول أن الحد الاقصى لتبقى البيضة قابلة للإخصاب بعد الإباضة لايتجاوز 8 ساعات ،ولقد لوحظ أثناء زمن الإباضة ازدياد الرغبة الجنسية عند الأنثى.

هناك بعض الحقائق العلمية الحديثة تؤكد أن بعض النطاف يمكن أن تُخصب البيضة حتى بعد ثلاثة أيام من الجماع،ولقد تبين أن هذه النطاف تبقى في تجاويف أو ثنيات الغدد المخاطية لعنق الرحم،وتحصل هناك على الأوكسجين اللازم لها من البلاسما في عنق الرحم،ويمكن لهذه النطاف أن تنطلق بالتدريج خلال1 ـ 3 أيام إلى داخل جسم الرحم ثم النفير،ويمكن أن تخصب البيضة إذا التقت بها.وإن كانت هناك دراسات أخرى تقول أن الزمن الذي تبقى فيه النطاف قادرة على الإخصاب في الجهاز التناسلي للأنثى لايتجاوز 24 ساعة، وخاصة إذا ماقارنا ارتفاع درجة حرارة المهبل والرحم بالمقارنة مع تلك الموجودة في الصفن.

وأما النطاف فإنها بعد الجماع تحتاج إلى عدة ساعات حتى تصل من المهبل إلى النفير،وعليها أن تقطع مسافة طولها 15 ـ 18 سم، ومن النطاف من تكون سريعة الحركة بحيث تقطع المسافة خلال نصف ساعة،بينما بعض النطاف قد يحتاج إلى عدة ساعات، ومنها ما يقطع المسافة بلا راحة ولافاصل، والآخر منها قد يحتاج إلى عدة فواصل ومحطات في طريق الهجرة حتى الوصول إلى النفير.

ويمكن للنطاف أن تعيش عدة أيام داخل الرحم ،فإذا لم تجد البيضة في انتظارها في النفير فإنها تتحرك هنا وهناك بانتظار وفود البيضة، وقد يستمر هذا عدة أيام،ومنها مايسقط من النفير إلى تجويف البطن ويلقى حتفه هناك.

وقد تبين أن هرمون “الأوكسيتوسين” والذي يفرز من الغدة النخامية العصبية يساعد على حركة النطاف وذلك من خلال زيادة تقلصات عضلات النفير وزيادة حركة الأهداب في الغشاء المخاطي له (حيث أن النفير مجهز بنوعين من الأهداب،بعضها يتحرك بالاتجاه الإنسي أي باتجاه عضلة الرحم وهذه الأهداب تساعد على حركة البيضة باتجاه الرحم  وهناك أهداب تتحرك بالإتجاه المعاكس وهي تساعد على حركة النطاف باتجاه البيضة )،ومما يؤيد هذه النظريةـ أي زيادة افراز الأوكسيتوسين ـ هو افراز اللبن أثناء الجماع من الثديين عند المرأة.

ويقال أيضاً أن البروجسترون يسهل هجرة النطاف وأن الاستروجين يُعيقها.

يتم الإلقاح بين أكبر خلية من خلايا الجسم البشري وأعني بها البيضة والتي يمكن رؤيتها بالعين المجردة والتي تنطلق من إحدى مَبيضي الأنثى،وبين خلية من أصغر خلايا الجسم البشري وأعني بها النطفة أو الحيوان المنوي والذي يتم تشكيله في خصيتي الذكر،وهذه النطفة(6 مكرون بدون الذنب) أصغر بكثير من البيضة(200مكرون) ولاترى إلا بالمجهر.

وعندما تصل النطاف إلى البيضة فإنها تحاول اختراق الخطوط الدفاعية الكثيرة والتحصينات الكثيفة التي تحيط بالبيضة والتي تشكلها العشرات بل المئات من الخلايا الجرابية المغذية التي تحيط بها وتقيها من كل شر يُراد بها. وتحاول النطاف المهاجمة أن تجد لها ثغرة في صفوف هذه الدفاعات المتعددة،وقد وجد انها تهاجم أحياناً كما يفعل لاعبي رياضة ” الركبي”، أي تهاجم جماعياً،مجموعة تلو أخرى،وكلما سقطت مجموعة،تبعتها أخرى،ويستمر هذا الهجوم من جهة والدفاع من جهة أخرى عدة ساعات،حتى تتمكن مجموعات العمل الجماعي من النطاف من اختراق الحاجز الخلوي الكثيف الذي يحيط بالبيضة وتصل إلى جدار البيضة الخارجي وتلامسه.وهنا تواجه النطاف المهاجمة مقاومة أخرى تتمثل في غشاء البيضة الصلب الصعب المقاومة والاختراق.ولقد وجد أنه من بين مئات الملايين من النطاف التي تدخل المهبل بعد الجماع فإنه لايتمكن إلا حوالي عشرة نطاف فقط من الوصول إلى قشرة البيضة،وتحاول هذه النطاف ما أمكن اختراق هذا الحاجز الدفاعي الصلب المقاومة،وعندما تتمكن إحداها من اختراق هذا الحاجز والوصول إلى هيولى البيضة(السيتوبلاسما) تحدث في هذه اللحظة مايشبه المعجزة، ففي خلال دقائق تتغير الطبيعة الكيماوية للبيضة وبحيث أنها تفرز إفرازات تشل النطاف الأخرى وتمنعها من ملامستها وحتى لو كان البعض منها قد تمكن من النفوذ قليلاً عبر غشاء البيضة،وماهي إلا لحظات وتهرب هذه النطاف الأخرى ولاتتمكن من اختراق البيضة، وهذه النطاف لاتموت مباشرة بل إنها تبقى محيطة بالبيضة عدة أيام ثم تموت وتتلاشى.

ياالله من هذه اللحظة الرائعة الرهيبة،عدة نطاف تصل إلى البيضة وتلامسها، وبمجرد أن تدخل إحداها إلى داخل البيضة ويحصل الأقتران،يُحكم على النطاف الأخرى بالطرد ثم الموت،نعم إنها إرادة الله،فالزنا ممنوع أيضاً وعلى أدنى المستويات ومنذ بدء تشكل الحياة.

وقد تبين علمياً أنه قبل أن تنفذ البيضة إلى داخل البيضة وتخترق الحاجز الخلوي المحيط بها من الخلايا الجرابية، لابد أن يطرأ على النطفة عملية “إنضاج”  وهي عملية تفعيلCapacitation تحتاج عدة ساعات غالباً،ويحدث في هذه العملية تبدلات خمائرية تطرأ على قلنسوة النطفة(وهي تبدلات وظيفية وليست شكلية) وهذه العملية تتم في الرحم أو النفير، وينبه حدوثها مفرزات الجهاز التناسلي للأنثى،ويقال إن السائل الجرابي له خاصية إنضاج هذه النطاف.ومعنى هذا أن النطاف التي تتدفق إلى المهبل بعد الجماع والقذف لاتستطيع أن تخترق البيضة،وإنما تكتسب هذه الخاصية بعد بقائها عدة ساعات في الجهاز التناسلي الأنثوي، وبحيث يتم إنضاج النطاف بعدة وسائط وعوامل داخل الجهاز التناسلي للأنثى.وقد تبين أنه بعد هذا التفعيل للنطاف تزداد حركتها ونشاطها.

ولقد وجد أن “الإخصاب “يتم على عدة مراحل:

1 ـ بواسطة خمائر معينة تفرز من القلنسوة لدى النطفة،وخاصة منها خمائر الهيالورونيداز، وبواسطتها يتم اختراق الإكليل المشع الذي يحيط بالبيضة،وهذه الخمائر تساعد على حلّ وتفكيك هذا الحاجز الخلوي الذي تشكله الخلايا الجرابية المحيطة بالبيضة”خط الدفاع الأول”.وقد تبين أنه يوجد في غطاء البويضة الشفاف مستقبلات من نوع البروتينات السكرية تعمل كمستقبلات للحيوانات المنوية.وتعتبر القلنسوة وهي الجزء الهام من رأس الحيوان المنوي من أهم العناصر بمركباتها وخمائرها على الولوج لداخل البيضة،وإن الحيوانات المونية التي لاتحتوي على القلنسوة لاتتمكن من إخصاب البضة،وبشكل عام يتم تقييم سلامة القلنسوة في الحيوان الموني عند إجراء تحليل السائل المنوي.

2 ـ ثم يتم اختراق حاجز الغشاء الشفاف والذي يحيط مباشرة بالبيضة”خط الدفاع الثاني”، ومن أهم الخمائر التي تساهم هنا خمائر اكروسين.وهنا تلعب حركات النطاف من جهة(وهنا يلعب ذيل النطفة دوراً هاماً في هذه الحركة) والخمائر التي تفرزها في الولوج لداخل البيضة وتلقيحها.

3 ـ ثم تخترق النطفة غشاء البيضة القاسي”خط الدفاع الثالث” وتدخل إلى داخل البيضة ويحصل الإنصهار الكامل لمحتويات النطفة مع محتويات البيضة”النطفة الأمشاج” وخاصة أنه يتم اتحاد المادة الصبغية لكليهما معاً لتعطي صيغة صبغية وراثية جديدة ذات طبيعة خاصة متميزة، وتحمل هذه الصيغة الصبغية معلومات وراثية مأخوذة من الأم والأب معاً،ولذا كانت الوراثة متعددة الصفات والأشكال وعلى مدى الأجيال.وابتداء من هذا الإنصهار والامتزاج لمكونات النطفتين المذكرة والمؤنثة تتحدد طبيعة جنس محصول الحمل هل هو ذكر أو أنثى، وتبدأ الحياة ابتداءً من النطفة الأمشاج، هذه الخلية الواحدة التي ينشأ عنها بعد عدة شهور طفل يحتوي على البلايين من الخلايا.

وهناك ملاحظات أخرى حول عملية الإلقاح والإخصاب: