خلق الجنين — الرضاعة والأدب والشعر
وما ضربات قلبك غير درس لتلقين الخصال الفاضلات
فأول درس تهذيب السجايا يكون عليك ياصدر الفتاة
فكيف نظن بالأبناء خيراً إذا نشأوا بحضن الجاهلات
وهل يرجى لأطفال كمالٌ إذا ارتضعوا ثدي الناقصات
فما للأمهات جهلن حتى أتين بكل طياش الحصاة
حنون على الرضيع بغير علم فضاع حنوّ تلك المرضعات
ويقول المعري:
العيش ماضٍ فأكرم والديك به والأم أولى بإكرام وإحسان
وحسبها الحملُ والإرضاع تُدمنه أمران بالفضل نالا كل إنسان
وقال أحدهم:
كمُرضعةٍ أولاد أخرى وضيّعت بنيها ولم ترقع بذلك مرقعاً
وقال أحدهم:
تمدُّ إلى الأقصى بِنديِكَ كلّه وأنتَ على الأدنى صرورٌ مجددُ
(صرور: حلمة الثدي،مجدد: مقطوع اللبن)
الجنين في ميزان الفقه
قضايا وفتاوى:
الإجهاض
نميز في هذا البحث مابين نوعين من الإجهاض أو الإسقاط:
الإجهاض أو الإسقاط العفوي أو التلقائي
الإجهاض الجنائي أو المحرض وهذا بدوره ينقسم إلى عدة أقسام”
1 ـ الإجهاض الجنائي
2 ـ الإجهاض لإستطباب شرعي أو طبي وهذا يشمل:
الإجهاض التال لحمل سفاح
الإجهاض التال للحمل عديد الأجنة
الإجهاض الذي قد يشكل الحمل خطورة على الأم الحامل
الإجهاض لأجنة بأمراض صبغية أو خلقية لاعلاج لها
الإجهاض أو الإسقاط العفوي
الإجهاض في اللغة:
مصدر أجهض،وهو نزول الجنين من بطن امه قبل تمامه،ويقال للمرأة التي يحدث لها هذا “مُجْهِضاً”وللجنين الذي ينزل”مُجْهَضاً”وذلك إذا لم تكن معالم خَلقه قد تحددت بعد،أما إذا تم خلقه، ونفخ فيه الروح لكنه لايستطيع الحياة خارج رحم الأم، فيقال له ” جهيضاً”.
وللإجهاض مرادفات كثيرة وردت في السنة المطهرة، واستعملها الفقهاء، ومنها: ” الإسقاط”، و”الطرح”، و”الإلقاء”…الخ(نقلاً عن موسوعة السفير العدد4 ص 242).
يطلق الإسقاط العفوي التلقائي على كل حالة يسقط فيها محصول الحمل تلقائياً وبدون إرادة المرأة ،سواء كان السبب خطأ ارتكبته الأم (مثل تناول مادة دوائية) أو حالة جسمية تعاني منها( انتان أو قصور هرموني…) ، ومعظم حالات هذا الإسقاط تحدث خلال الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل.
وهذا المرض هو ظاهرة شائعة ونسبة حدوثه كبيرة وقد لاتشعر الام الحامل أنها قد أسقطت بل تظن أن الدورة الطمثية تأخرت لديها مع أن النزف الذي تشاهده هو نزف إسقاط وليس دم طمث.
وتكون نسبة الإسقاط العفوي عالية جداً في الأسابيع الأربعة الأولى من الحمل وتصل إلى نسبة 40 بالمائة.وفي حالات نادرة قد يموت محصول الحمل داخل الرحم ولايحدث الإسقاط مباشرة وهذا مايسمى الإسقاط المنسي أو الخفي والعادة أن يحدث النزيف والإسقاط بعد فترة معينة وفي حالات نادرة يبقى محصول الحمل الميت داخل الرحم وتحصل عليه تكلسات يمكن الكشف عنها فيما بعد.
وهذه الإسقاطات العفوية تحدث غالباً بسبب إصابة المضغة بأذيات وغالباً ماتكون صبغية ولاتتوافق مع البقاء على الحياة أو يمكن أن تترافق مع تشوهات شديدة غير قابلة للعلاج وهذا من رحمة رب العالمين .
جاء في الحديث المرفوع الذي رواه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه(الإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر وهو موقوف لفظاً على ابن مسعود) قال: “إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً فقال: يارب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً،وإن قال مخلقة، قال: يارب فما صفة هذه النطفة أذكراً أم أنثى؟مارزقها، وما أجلها؟ أشقي ام سعيد؟ قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها، فلاتزال معه حتى يأتي على آخر صفتها”.
وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله ووصف أسباب الإجهاض التلقائي في كتابه “التبيان في أقسام القرآن” فقال:
“الجنين في البطن بمنزلة الثمرة من الشجرة،وكل منهما له اتصال قوي بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة،وتحتاج إلى قوة، فإذا بلغت الثمرة نهايتها سهل قطعها وربما سقطت بنفسها،وذلك لأن تلك الرباطات والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء،فلما رجع ذلك إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل أخذها.وكذلك الأمر في الجنين فإنه مادام في البطن قبل استحكامه وكماله فإن رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فإذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات وانتهكت تلك الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين.هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها. وأما السقوط قبل ذلك:فلفساد في الجنين، أو لفساد في طبيعة الأم، أو ضعف الطبيعة.كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج،كإسقاط الجنين من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار”.
الإجهاض العلاجي
بناء على تشخيص مرض الجنين أو تعرض الحامل للخطورة:
وهو ماتم تحت إشراف الطبيب للمحافظة على حياة الأم ضد خطر أحدق بها من جراء الحمل.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله حول هذا الموضوع(موقع القرضاوي):
“من واجب الفقيه المسلم أن يقف أمام هذه القضايا المعروضة ليقرر عدة حقائق أهمها:
أن حياة الجنين في نظر الشريعة الإسلامية حياة محترمة،باعتباره كائناً حياً يجب المحافظة عليه،حتى إن الشريعة تجيز للحامل أن تفطر في رمضان، وقد توجب ذلك عليها،إذا خافت على حملها من الصيام..ومن هنا حرمت الشريعة الاعتداء عليه، ولو كان الاعتداء من أبويه، بل ولو جاء ذلك من أمه التي حملته وهنا على وهن. حتى في حالة الحمل الحرام ماجاء عن طريق الزنا لايجوز لها أن تسقطه، لأنه كائن إنساني حي لاذنب له، {ولاتزر وازرة وزر أخرى} [ الإسراء 15]،وقد رأينا الشرع يوجب تأخير القصاص من المرأة الحامل المحكوم عليها بالقصاص،ومثلها المحكوم عليها بالرجم حفاظاً على جنينها، كما في قصة الغامدية المروية في الصحيح،لأن الشرع جعل لولي الأمر سبيلا عليها ولم يجعل له سبيلا على ما في بطنها.
ويتابع:
“كما رأينا الشريعة توجب دية كاملة على من ضرب بطن امرأة حامل،فألقت جنيناً حياً، ثم مات من الضربة، نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك.وإن نزل ميتاً ففيه غرة، وتقدر بنصف عشر الدية.كما رأيناها تفرض على الضارب مع الدية أو الغرة كفارة، وهي: تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،بل تفرضها هنا سواء كان الجنين حياً أو ميتاً.قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم، ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه.واستدلوا بقوله تعالى : {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً} [النساء 92].
ويتابع حفظه الله:
“قالوا: وإذا شربت الحامل دواء، فألقت به جنيناً، فعليها غرة، لاترث منها شيئاً، وعليها عتق رقبة. وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانة بالغرة، ولاترث منها شيئاً، لأن القاتل لايرث المقتول،وتكون الغرة لسائر ورثته. واما عتق الرقبة فهو كفارة لجنايتها.وكذلك لو كان المسقط للجنين أباه، فعليه غرة لايرث منها شيئاً، ويعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين توبة من الله.وأكثر من ذلك ماقاله ابن حزم في “المحلى” في قتل الجنين بعد نفخ الروح فيه أي بعد مائة وعشرين ليلة، كما صح بذلك الحديث، فهو يعتبره جناية قتل عمد كاملة موجبة لكل آثارها من القصاص وغيره قال:فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها فقتله، فمن قولنا:”أن القود يعني القصاص واجب في ذلك ولابد، ولاغرة في ذلك حينئذ، إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط، لأنها دية، ولاكفارة في ذلك، لأنه عمد، وإنما وجب القود،لأنه قاتل نفس مؤمنة عمداً، فهو نفس بنفس، وأهله بين خيرتين: إما القود، وإما الدية، أو المفاداة، كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل مؤمناً وبالله تعالى التوفيق”.
ويتابع الشيخ القرضاوي :
“وقال ابن حزم فيمن شربت دواء فأسقطت حملها: “إن كان لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها، وإن كان قد نفخ فيه الروح فإن كانت لم تعمد قتله فالغرة أيضاً على عاقلتها،والكفارة عليها، وإن كانت عمدت قتله فالقود عليها أو المفاداة في مالها” .وابن حزم يعتبر الجنين إذا نفخت فيه الروح شخصاً من الناس، حتى إنه يوجب إخراج زكاة الفطر عنه، أما الحنابلة فيرون ذلك مُستحباً لا واجباً.
ويتابع الشيخ القرضاوي:
” وهذا كله يرينا أي حد تهتم الشريعة بالجنين، وتأكيد حرمته، وخصوصاً بعد المرحلة التي جاء الحديث بتسميتها مرحلة”النفخ في الروح” وهذا من أمور الغيب، التي نسلم بها إذ صح بها النص، ولانطيل الحديث في كنهها(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [الإسراء 85] ، ويتابع:
” واحسب أن ذلك شئ غير مجرد الحياة الحيوانية المعهودة، وإن فهم ذلك الشراح والفقهاء، فالحقيقة التي أثبتها العلم الآن بيقين: أن الحياة أسبق من ذلك. ولكن لعلها “دون الحياة الإنسانية التي عبر عنها الحديث ب ” النفخ في الروح” وإليها الإشارة بقوله تعالى {ثم سواه ونفخ فيه من روحه}” [السجدة 59]، ويتابع:
” على أن من الأحاديث الصحاح ماخالف حديث ابن مسعود الذي ذكر إرسال الملك لنفخ الروح بعد ثلاث أربعينات. فقد روى مسلم في صحيحه حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ماشاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يارب، أجله؟ فيقول ربك ماشاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يارب، رزقه؟ فيقضي ربك ماشاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة، فلايزيد على ما أمر ولاينقص“[ رواه مسلم].
فهذا الحديث جعل بعث الملك وتصويره للنطفة بعد ستة اسابيع اثنتين وأربعين ليلة(العجيب أن علم الاجنة والتشريح بعد تقدمهما اليوم يثبتان أن الجنين بعد هذه المدة42 ليلة يدخل مرحلة جديدة ونشأة أخرى).. لابعد مائة وعشرين ليلة،كما في حديث ابن مسعود المعروف، وجمع بعض العلماء بين الحديثين باحتمال تعدد إرسال الملك فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح.
ويتابع الشيخ القرضاوي:
“ومن هنا أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه، لم يخالف في ذلك أحد من السلف أو الخلف.
أما مرحلة ماقبل نفخ الروح، فمن الفقهاء من أجاز الإجهاض حينئذ إذا دعت إليه حاجة، على اعتبار أن الحياة لم تدب فيه بعد،فهو في نظرهم مجرد سائل، أو علقة من دم، أو مضغة من لحم.
ويتابع الشيخ القرضاوي:
“ويقول بعض إخواننا من علماء الطب والتشريح تعليقاً على أقوال من أجازوا من الفقهاء إسقاط الجنين قبل نفخ الروح: إن هذا الحكم من هؤلاء العلماء الأجلاء مبني على معارف زمنهم، ولو عرف هؤلاء ماعرفنا من حقائق علم الأجنة اليوم عن هذا الكائن الحي المتميز، الذي يحمل خصائص أبويه واسرته وفصيلته ونوعه، لغيروا أحكامهم وفتواهم، تبعاً لتغير العلة، فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.ويتابع:
” ومن لطف الله بعباده أن علماء الأجنة والتشريح أنفسهم اختلفوا كما اختلف الفقهاء في تقييم حياة الجنين في مراحله الأولى: قبل ال 42 يوماً وقبل 120 يوماً.وكان اختلافهم هذا مؤيداً قوياً لاختلاف الفقهاء في جنين ماقبل الأربعين وماقبل الاربعينات الثلاثة.ولعل هذا من رحمة الله بالناس ليظل للأعذار والضرورات الحقيقية موضعها.ولابأس أن نذكر هنا بعض ماقاله الفقهاء في هذا المجال:
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري” بعد كلام طويل عن العزل” واختلف العلماء في جوازه ومنعه، ومال في نهايته إلى ترجيح الجواز، وعدم نهوض أدلة المانعين: قال:”وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هنا، ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا. ويمكن أن يفرق بأنه أشد، لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب” ويتابع القرضاوي” ومن الفقهاء من فرق بين الحمل قبل الأربعين والحمل بعد الأربعين،فأجاز الإسقاط قبل الأربعين لابعدها. ولعل محور هذه التفرقة هو حديث مسلم الذي ذكرناه، ففي “نهاية المحتاج” من كتب الشافعية، ذكر اختلاف أهل العلم في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين:
قيل: لايثبت لها حكم السقط والوأد.
وقيل: لها حرمة، ولايباح إفسادها، ولاالتسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم.ومنهم من فرق بين مرحلة تخلق الجنين ومرحلة ماقبل تخلقه، فرخص في الإجهاض قبل التخلق دون مابعده.
ويتابع الشيخ القرضاوي: “ولهذا نقول: إن الأصل في الإجهاض هو الحرمة. وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلما استقرت حياة الجنين. فهو في الأربعين الأولى أخف حرمة، فقد يجوز لبعض الأعذار المعتبرة، وبعد الأربعين تكون الحرمة أقوى، فلا يجوز إلا لأعذار أقوى يقدرها اهل الفقه، وتتأكد الحرمة وتتضاعف بعد مائة وعشرين يوماً، حيث يدخل في المرحلة التي سماها الحديث” النفخ في الروح” وفي هذه الحالة لايجوز الإجهاض إلا في حالة الضرورة القصوى، بشرط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهم، وإذا ثبتت فما ابيح للضرورة يقدر بقدرها.
ويتابع الشيخ القرضاوي: ” ورأيى أن الضرورة هنا تتجلى في صورة واحدة وهي: ما إذا كان في بقاء الجنين خطر على حياة الام، لأن الأم هي الأصل في حياة الجنين، والجنين فرع، فلايضحى بالأصل من أجل الفرع، وهذا منطق يوافق عليه مع الشرع الخلق والطب والقانون. على أن من الفقهاء من رفض ذلك، ولم يقبل الجناية على الحي بحال.انتهى كلام الشيخ القرضاوي.
وعلى ذلك يمكن القول أن الإجهاض العلاجي من وجهة نظر الشرع ومن ثم القانون ماتتوفر فيه الشروط التالية ( نقلاً عن أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام):
1 ـ أن يكون الحمل مهدداً لحياة الأم بالخطر
2 ـأن يكون الحمل مسؤولاً في حال استمراره عن عاهة شديدة دائمة قد تصيب الأم ولاسبيل لتجنبها إلا بالإجهاض.
3 ـ أن تكون الأسباب الداعية إلى الخوف من إصابة الأم ووجود خطر عليها من جراء الحمل هي أسباب قائمة لامتوقعة، تستند إلى اليقين لا الظن.وأن تكون نتائج هذه الدلائل القائمة بالفعل نتائج يقينية أو غالبة على الظن بموجب أدلة علمية لا اعتماداً على التخمين أو الشك أو الظن.
4 ـ أن تكون المصلحة المستفادة من إباحة المحظور بسبب هذه الضرورة أعظم أهمية في ميزان الشرع من المصلحة المستفادة من تجنب المحظور وإهمال أسباب الضرورة. أي أن تكون المفسدة المترتبة على تجنب المحظور اعظم خطراً من المفسدة المترتبة على ارتكابه
اسقاط الجنين المشوه خلقيا:
جاء في كتاب أحكام الجنين في الفقه الإسلامي لعمر بن محمد بن ابراهيم غانم، هل يجوز إسقاط الجنين بعدما تبين بالفحوصات الطبية أنه مشوه خلقياً؟
والجواب: هناك أسباب عديدة لتشوه الجنين، وإن كثيراً من هذه الأسباب يمكن تلافيه، والتوقي منه، أو التخفيف من آثاره، وقد حث الإسلام والطب على منع أسباب المرض، والتوقي منه ما أمكن ذلك، وتعاليم الإسلام تحث على حفظ الصحة، وعلى حماية الجنين ووقايته من كثير من الامراض التي سببها البعد عن الإسلام.والوقوع في المعاصي كالزنى، وشرب الخمر، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وكذلك جاء الطب الحديث ليحذر الامهات من الخطر المحدق من تعاطي بعض العقاقير، أو التعرض للأشعة السينية، أو أشعة جاما وخاصة في الأيام الأولى من الحمل.فإذا ثبت تشوه الجنين بصورة دقيقة قاطعة لاتقبل الشك، من خلال لجنة طبية موثوقة، وكان هذا التشوه غير قابل للعلاج ضمن الإمكانيات البشرية المتاحة لأهل الاختصاص، فالراجح عندي هو إباحة إسقاطه، نظراً لما قد يلحقه من مشاق وصعوبات في حياته، ومايسببه لذويه من حرج، وللمجتمع من أعباء ومسؤوليات وتكاليف في رعايته والاعتناء به، ولعل هذه الاعتبارات وغيرها هي ماحدت بمجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 15 رجب سنة 1410 هجري والموافق العاشر من شباط عام 1990 م أن يصدر قراره: بإباحة إسقاط الجنين المشوه بالصورة المذكورة أعلاه، وبعد موافقة الوالدين في الفترة الواقعة قبل مرور مائة وعشرين يوما من بدء الحمل، أما إذا كان الجنين المشوه قد نفخت فيه الروح وبلغ مائة وعشرين يوماً، فإنه لايجوز إسقاطه مهما كان التشوه، إلا إذا كان في بقاء الحمل خطر على حياة الأم، وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها، سواء كانت سليمة من الآفات والامراض، أو كانت مصابة بشئ من ذلك، وسواء رُجي شفاؤها مما بها، أم لم يرج، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى له في كل ماخلق حكم لايعلمها كثير من الناس، وهو أعلم بما يصلح خلقه، مصداق قوله تعالى {ألايعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}[ الملك 14]، وفي ولادة هؤلاء المشوهين عظة للمعافين،وفيه معرقة لقدرة الله عز وجل حيث يرى خلقه مظاهر قدرته، وعجائب صنعه سبحانه،كما أن قتلهم وإجهاضهم نظرة مادية صرفة لم تعر الأمور الدينية والمعنوية أية نظرة، ولعل في وجود هذا التشويه مايجعل الإنسان اكثر ذلة ومسكنة لربه، وصبره عليها احتسابا منه للأجر الكبير”.
الإجهاض الإجتماعي أو اللاقانوني
وهو الذي يراد به عدم الحفاظ على الجنين لأسباب اجتماعية ومنها عدم الرغبة في الإنجاب،أو المحافظة على رشاقة الجسم ومظهره، أو التستر على فاحشة، وهذا الأخير أو مايسمى الإجهاض من حمل سفاح هو أكثر مايواجه المجتمع والأطباء حالياً فما هو رأي الشرع في هذا الموضوع.
الإجهاض من حمل سفاح:
إذا كان الشارع قد أجاز ورخصَّ الإجهاض في بعض الحالات من الحمل الذي تم من نكاح صحيح وذلك قبل الأربعين يوماً من حياة المضغة في شروط معينة وأنه قد نهى عن قتل النفس المتكونة بعد نفخ الروح إلا إذا حدث تعارض بين الحياتين وكان هناك تهديدا لحياة الأم الحامل فأجاز الإجهاض ضمن شروط ذكرناها فيما سبق، وأما في حال الحمل الذي تم من سفاح(الزنا) فالشارع الحكيم لايقر أبداً الإجهاض الذي تم من سفاح قبل نفخ الروح في المضغة أو بعد نفخ الروح في الجنين والأدلة على ذلك (نقلاً عن أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام):
1 ـ القرآن الكريم:
قوله تعالى: {ولاتزر وازرة وزر أخرى} فكل نفس مسؤولة عن ما اقترفته، ولاتحمل نفس مسؤولية ما عملت نفس أخرى، إن لم يكن لها يد في ذلك أو التسبب به. والجنين من حمل سفاح،ليس له ذنب ولايمكن أن نوقف حياته من جراء ذنب لم يكن له يد في ارتكابه من أجل شهوة عارضة أو رغبة من الزانية في التخلص منه حتى لاتؤخذ بجريرتها ويشتهر أمرها بين الناس.
2 ـ السنة النبوية:
والدليل عليه حديث الغامدية حيث يمكن أن نأخذ منه الدلائل التالية:
ـ لايجوز الإسقاط من حمل سفاح سواء في أوائل الحمل أو في أواخره، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل الغامدية الزانية عن مدة حبلها بل قال لها اذهبي حتى تلدي.
ـ حق الجنين في الحياة،: فلم ترجم المرأة لئلا يقتل جنينها مع أنه يجب وضع الحد عليها، كما لايجوز شرعاً جلد الحامل خوفاً من إصابة جنينها
ـ أصول الشريعة:
تقول القاعدة الأصولية الأولى:” يجب أن لاتناط الرخص بالمعاصي”
فإذا رخصّ الشارع الإسقاط في الأربعين يوماً من الحمل الذي تم من نكاح صحيح، فهذه رخصة كرخصة الفطر وتقصير الصلاة، شرعت لعذر هو استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، بحيث إذا زال العذر عاد المنع.فالقاعدة في الإسلام هي النكاح لاستمرار النسل،وأما تحديد النسل فهو الاستثناء ضمن بعض الشروط والظروف الشخصية والوقتية،ولاتأخذ طابع الاستمرارية أو التعميم فلا يجوز شرعاً الاستفادة من الرخص في حالة المعاصي،فالزنا وهو معصية لايرخص معه الإسقاط وإن كان رخص الإسقاط للحمل من نكاح صحيح.
ـ تقول القاعدة الأصولية الثانية:”تصرف الحاكم منوط بالمصلحة”
فالوليد من نكاح الزنا لايُعرف والده، وبما أن الحاكم هو ولي من لاولي له،فوالي المسلمين هو ولي الطفل،وبما أن مصلحة الطفل والمجتمع لاتجيز موت الطفل بإسقاط حمل الزنا، فبالتالي لايجوز الإجهاض من حمل الزنا وإن كان قد رُخصّ للاب أن تسقط زوجته من حمل نكاح صحيح، ولكن لايرخص للوالي أن يسمح بالإسقاط من حمل الزنا، لأن من قد حرّم على العامة قد يرخص للخاصة.
ـ قاعدة “سد الذرائع”:
لعل أهم مايعيق عن الزنا نشوء الحمل وأثاره المترتبة عليه،فلأن لم تردع الزانية خشية الله، ومخافته،صدّتها عن الزنا عاقبة هذه الفضيحة بين الناس، فإذا سمح لها بالإسقاط، فإننا نسمح للزنا أن ينتشر مع أن الشارع الحكيم قد نهانا في محكم كتابه عن مقاربة الزنا” ولاتقربوا الزنا” وهذا يدل على مجال ابعد، ويختلف عن مقارفة الزنا، لأن مقاربة الزنا تشمل كل الوسائل التي قد تسوق إلى مقارفة الزنا كالاختلاط وإبداء الزينة والنظر إلى العورات والدخول بدون استئذان والخلوة مع الأجنبية، ولقد نهى الله عن كل هذا.
حالات خاصة:
ـ إذا أحاق الهلاك من جراء الحمل بالزانية المحصنة غير المستكرهة على هذه الفاحشة وكان السبيل الوحيد لإنقاذها هو الإجهاض، فهل يتم هذا؟
والجواب: لايتم، إذ هي مستوجبة للقتل حداً، فليس ثمة أي قيمة لما قد يهددها بالهلاك إن بقي حملها،واستمر حملها، مثلها كمثل الرجل الذي وقع عليه حد القتل ثم تهدده الهلاك بسبب الجوع فلا يرخص له أكل الميتة أو غصب مال الغير. هذا بالإضافة أن حياة الجنين تفضل عن حياتها هنا.
ـ إذا تم حمل من زنا، ولكن كانت الزانية غير محصنة، واستكرهت على الزنا، أو لم يثبت للقضاء استحقاقها للحد، فما الحكم هنا إذا تهددها الهلاك من جراء الحمل؟
والجواب: يطبق عليها هنا مايطبق على الحامل من نكاح صحيح من أحكام:
ـ فإن زنت ولم يثبت للقضاء ذلك فحكمها حكم من لم يزن
ـ وإن زنت، وكانت غير محصنة فالحد هنا الجلد وليس الرجم فحياتها ليست مهدورة
وإن أكرهت على الفاحشة فلاذنب لها “إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ، والنسيانَ ،وما استكرهوا عليه” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.(حديث صحيح أخرجه ابن ماجه واللفظ له والطبراني والبيهقي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وصححه الألباني).
وأخيراً انقل هنا قرارات المجامع الفقهية وكبار العلماء رقم 140 بتاريخ 20 حزيران عام 1407 هجري بشأن الإجهاض:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد”
فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر مايلي:
1 ـ لايجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جدا.
2 ـ إذا كان الحمل في الطور الأول وفي مدة الأربعين وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر متوقع جاز إسقاطه،أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفاً من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.
3 ـ لايجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمه بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره جاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.
4 ـ بعد الطور الثالث وبعد إكمال أربعة أشهر لايحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين وجلباً لعظمى المصلحتين.
ويوصي المجلس بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر.
وجاء في مقال للأستاذ الدكتور محمد الهواري رحمه الله في مجلة الرائد التي كانت تصدر في ألمانيا (العدد303) عن موضوع الإجهاض:
“ينظر الإسلام إلى الإجهاض نظرة مختلفة عن نظرته لموانع الحمل. فالإجهاض اعتداء على الحياة الإنسانية. والسؤال المطروح هنا: هل يمكن أن يشتمل تعبير الحياة الإنسانية، الحياة داخل الرحم؟!
الفقهاء المسلمون يجيبون بنعم على هذا السؤال،والإسلام يعطي للجنين حالة قانونية خاصة تدعى”بالذمة أو المسؤولية الناقصة”. وذلك أن المسؤولية تفرض حقوقاً وواجبات، ومسؤولية الجنين تتمتع بحقوق وليس عليها واجبات. ومن هذه الحقوق نذكر مايلي:
1 ـ إذا مات زوج لأمرأة حامل،فقواعد المواريث الشرعية تعتبر الجنين وارثاً إذا ولد حياً،وينال بقية الورثة نصيبهم الشرعي المقرر،على أن يحفظ نصيب الجنين بانتظار موعد ولادته.
2 ـ إذا أجهضت امرأة حامل في أي مرحلة من مراحل الحمل،وظهر على الجنين أي علامة من علامات الحياة كالحركة والسعال وماشابه،ثم مات الجنين، فيعتبر وارثاً وينتقل نصيبه إلى ورثته الشرعيين.
(ملاحظة: الحديث الشريف: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا استهلّ الصبي صُلِّي عليه وُوُرث“[ سنن ابن ماجه والنسائي والدارمي وصححه الألباني].
( استهل الصبي بالبكاء: أي ارتفع به صوته، واستهلال المولود: يعني إصداره صوتاً يُعرف منه أنه ولد حياً، ومن ثم يستحق به أن يرث)”.
(وجاء في مجموعة السفير عدد 37 ـ 38 ص52: ” إذا بكى المولود عند ولادته،فإن ذلك يدل على تحقيق حياته، ويأخذ حكم الأحياء، فَيُسمى ويرث،ويُقتص من قاتله المتعمد، فإن مات فعند ذلك يُغسل ويُصلى عليه ويُورث”)
3 ـ إذا اقترفت امرأة حامل جريمة تستحق عليها عقوبة الموت،فيجب أن يؤجل موعد تنفيذ العقوبة حتى تضع المرأة حملها وتنتهي من فترة إرضاعه،وذلك مهما كانت فترة الحمل، حتى ولو كانت حديثة العهد،وذلك حفاظاً على حق الحياة التي يتمتع به الجنين منذ لحظة الإخصاب.وتنطبق هذه القاعدة حتى ولو كان الحمل سفاحاً،وهذا يعني أن الجنين من السفاح يتمتع بحق الحياة الذي يتمتع به الجنين الشرعي. ولاخلاف في ذلك بين جميع الفقهاء.
4 ـ كل فعل ولو كان بغير قصد،يؤدي إلى الإجهاض، يستوجب دفع غرامة مالية تدعى” بالغُرّة” أما إذا كان الفعل المجهض قد تم باعتداء مقصود،فيستوجب الأمر إضافة إلى ذلك عقوبة قضائية.
بداية الحياة كانت موضع جدال منذ القديم في الأوساط الإسلامية. وقامت ندوات معاصرة ببحث المشكلة على ضوء المعطيات التقنية الحديثة، وتقرر أن طور حياة الفرد والذي يمكن أن ندعوه ببداية الحياة يجب أن يستجيب للأسس الآتية:
1 ـ الطور الحياتي ظاهرة واضحة ومحددة تماماً
2 ـ يجب أن يترافق مع جميع المميزات الأساسية للحياة كالنمو مثلاً
3 ـوإذا لم يتوقف هذا النمو، فيجب أن يتابع التطور أدواره المتعاقبة المعروفة
4 ـ يجب أن يحمل الحقيبة الوراثية المميزة للنوع البشري إلى جانب الهيئة الظاهرة المميزة للإنسان
ولاشك أن هذه الأسس ترتبط جميعها بالمرحلة ما بعد الإخصاب.
يرى كثيراً من العلماء جواز الإجهاض إذا كان استمرار الحمل يهدد حياة الأم، وذلك أن الشريعة الإسلامية تعتبر الأم أصلاً والجنين فرعاً منه،ولهذا يمكن أن يضحى بالفرع في سبيل المحافظة على الأصل عند الضرورة.ويرى البعض أنه يمكن التوسع في هذه القاعدة وتطبيقاتها على حالات تشوه الجنين والآفات الجنينية التي لاتتفق مع الحياة الطبيعية، على أن يتم الإجهاض قبل الشهر الرابع من الحمل”. انتهى كلام الدكتور الهواري رحمه الله.
ومن الناحية الأدبية :
هناك قصيدة لشاعر القطرين خليل مطران بعنوان”الجنين الشهيد”وملخصها كما جاء في كتاب أعلام الجيل الأول لأنيس مقدسي ص121:”ملخصها أن فتاة حسناء فلاحية الأصل جاءت مصر مع والديها للارتزاق. وكان والداها من سفلة القوم فدفعاها متنكرة باسم ليلى إلى التسول، ثم إلى العمل في بعض الحانات التي يرتادها عادة خلعاء الشبان. ولم تلبث أن فقدت خَفرها إذ تعودت هناك مباسطة الشاربين وإغراءهم على التمادي في الشراب والإنفاق.وكان بينهم شابّ أخذ يتودّد إليها. فقابلته بالمثل آملةً أن يتزوجها فتترك عيشة الحانات، وفعلاً وعدها بذلك. ثم أغراها مخادعاً فباتت ليلة معه.وإذا هي بعد حين حامل منه. فطالبته بالوعد لكنه أخذ يماطلها. قال الشاعر:
وظلّ(جميلٌ) لايفي دَين وعدِهِ وليلى ثَبوتٌ في صيانة عهده
وتهواه حتى في إساءةِ قصدهِ وتحمل منه المطلَ خشيةَ بعده
وتقبل منه مايُمرّ ومايُحلي
وأخيراً تجلّت لها الحقيقة المؤلمة أن جميلاً مخادع كذاب.فلم ترَ بداً من أن تتخلص من جنينها. فقتلته مرغمة وأجهضته، ولكنها وقفت بعد ذلك متحسرّة عليه وأخذت تندبه بلسان أم حنون كانت تودّ لو بقي ابنها لها حيّاً ورجع غليها أبوه فيعيشا معاً عيشة عائلية كما كانت ترجو. وهي تقول من قلب كسير:
فيا ولدي المسكينَ فِلذَةَ مُهجتي ويانِعمةً عُوقبتُ فيها بِنقمةِ
ومن كنتُ أرجوهُ لِسعدي وبهجتي وكانَ يُناجيهِ ضميري بِمُنيتي
وآملُ أن يحيّا ويرجعُ لي بعلي
تموتُ ولمّا تستهلَّ مبشِّرا تموتُ ولم أنظر محيّاكَ مُسفرا
وتبرح قلباً فيه عُذّبتَ أشهراً إلى جَدَثٍ منه أبرَّ وأطهرا
وتحيا صغار الطير دونك والنحلِ
تموتُ وماسلّمتَ حتى تُودّعا وأمّك تسقيك السُّموم لتصرعا
وتنفيك من جوف به كنت مُودعا لتخلصَ من عيشٍ ثقيلِ بما وعى
من الحزن والآلام والفقرِ والذّل
فإن تَلقَ وجهَ الله في عالمِ السَّنى فقل ربّي اغفر ذنبَ أمِّي مُحسنا
فما اقترفت شيئاً ولكن أبي جَنى علينا فعاقبهُ بتعذيبهِ لنا
وأمطرهُ ناراً تبتليهِ ولاتُبلي
وهكذا يُقضى على ذلك الجنين لكي تستطيع أمه أن تعود إلى العمل والارتزاق في الحانات. وينسى المجرمان مع مرور الزمان ماكان.يقول الشاعر إنها حادثة جرت في مصر وقد حضر وقائعها فوصفها بحقيقتها لتكون تذكرة وعِبرة.
الاستنساخ البشري
أنقل هنا قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم 100/2/ د10 حول هذا الموضوع:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة خلال الفترة من 23 إلى 28 صفر 1418 هجري الموافق 28 حزيران إلى 3 تموز 1997م. بعد إطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع الاستنساخ البشري، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من 9 ـ 12 صفر 1418 هجري الموافق 14 ـ 17 حزيران 1997م، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، انتهى إلى مايلي:
مقدمة:
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه غاية التكريم فقال عزّ من قائل:{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}[ الإسراء 70 ] ،زينه بالعقل، وشرفه بالتكليف،وجعله خليفة في الأرض واستعمره فيها، وأكرمه بحمل رسالته التي تنسجم مع فطرته بل هي الفطرة بعينها لقوله سبحانه:{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [ الروم30]، وقد حرص الإسلام على الحفاظ على فطرة الإنسان سوية من خلال المحافظة على المقاصد الكلية الخمسة:الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، وصونها من كل تغيير يفسدها، سواء من حيث السبب أم النتيجة، يدل على ذلك الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه: “ إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم… إلى قوله: وأمرتهم أن يغيروا خلقي“.
وقد علم الله الإنسان مالم يكن يعلم،وأمره بالبحث والنظر والتفكر والتدبر مخاطباً إياه في آيات عديدة: ” أفلا يرون” “أفلا ينظرون” {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} {اقرأ باسم ربك الذي خلق}..
والإسلام لايضع حجراً ولا قيداً على حرية البحث العلمي ،إذ هو من باب استكناه سنة الله في خلقه.لكن الإسلام يقضي كذلك بأن لايترك الباب مفتوحاً بدون ضوابط أمام تطبيقات نتائج البحث العلمي على الساحة العامة بغير أن تمر على مصفاة الشريعة، لتمرر المباح وتحجز الحرام، فلايسمح بتنفيذ شئ لمجرد أنه قابل للتنفيذ، بل لابد أن يكون علماً نافعاً جالباً لمصالح العباد ودارئاً لمفاسدهم.ولابد أن يحافظ هذا العلم على كرامة الإنسان ومكانته والغاية التي خلقه الله من أجلها،فلايتخذ حقلاً للتجريب، ولايعتدى على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه، ولايؤدي إلى خلخلة الهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني في ظلال شرع الله وعلى أساس وطيد من أحكامه.
وقد كان مما استجد للناس من علم في هذا العصر، ماضجت به وسائل الإعلام في العالم كله باسم الاستنساخ. وكان لابد من بيان حكم الشرع فيه، بعد عرض تفاصيله من قبل نخبة من خبراء المسلمين وعلمائهم في هذا المجال.
تعريف الاستنساخ:
من المعلوم أن سنة الله في الخلق أن ينشأ المخلوق البشري من اجتماع نطفتين اثنتين تشتمل نواة كل منهما على عدد من الصبغيات(الكروموسومات) يبلغ نصف عدد الصبغيات التي في الخلايا الجسدية للإنسان.فإذا اتحدت نطفة الأب(الزوج) التي تسمى الحيوان المنوي بنطفة الأم(الزوجة) التي تسمى البويضة، تحولتا معاً إلى نطفة أمشاج أو لقيحة، تشتمل على حقيبة وراثية كاملة، وتمتلك طاقة التكاثر. فإذا انغرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقاً متكاملاً بإذن الله.وهي في مسيرتها تلك تتضاعف فتصير خليتين متماثلتين فأربعاً فثمانياً، ثم تواصل تضاعفها حتى تبلغ مرحلة تبدا عندها بالتمايز والتخصص. فإذا انشطرت إحدى خلايا اللقيحة في مرحلة ماقبل التمايز إلى شطرين متماثلين تولد منهما توأمان متماثلان.وقد أمكن في الحيوان إجراء فصل اصطناعي لأمثال هذه اللقائح، فتولدت منها توائم متماثلة.ولم يبلغ بعد عن حدوث مثل ذلك في الإنسان. وقد عد ذلك نوعاً من الاستنساخ أو التنسيل، لأنه نسخاً أو نسائل متماثلة، وأطلق عليه اسم الاستنساخ بالتشطير.
وثمة طريقة أخرى لاستنساخ مخلوق كامل، تقوم على أخذ الحقيبة الوراثية الكاملة على شكل نواة من خلية من الخلايا الجسدية، وإيداعها في خلية بويضة منزوعة النواة، فتتألف بذلك لقيحة تشتمل على حقيبة وراثية كاملة، وهي في الوقت نفسه تمتلك طاقة التكاثر. فإذا غرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقاً مكتملاً بإذن الله.وهذا النمط من الاستنساخ الذي يعرف باسم “النقل النووي”أو “الإحلال النووي للخلية البويضة” هو الذي يفهم من كلمة الاستنساخ إذا أطلقت وهو الذي حدث في النعجة”دوللي” على أن هذا المخلوق الجديد ليس نسخة طبق الأصل، لأن بويضة الأم المنزوعة النواة تظل مشتملة على بقايا نووية في الجزء الذي يحيط بالنواة المنزوعة.ولهذه البقايا أثر ملحوظ في تحوير الصفات التي ورثت من الخلية الجسدية، ولم يبلغ أيضاً عن حصول ذلك في الإنسان.
فالاستنساخ إذن هو توليد كائن حي أو أكثر إما بنقل النواة من خلية جسدية إلى بويضة منزوعة النواة، وإما بتشطير بويضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء.
ولايخفى أن هذه العمليات وأمثالها لاتمثل خَلقاً أو بعض خَلق، قال الله عز وجل: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار}[الرعد 16 ]، وقوله تعالى: {أ فرأيتم ماتمنون*اأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون* نحن قدرنا بينكم الموت ومانحن بمسبوقين* على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالاتعلمون* ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون}[ الواقعة 58 ـ 62] ، وقوله سبحانه: { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين*وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم* قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم* الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون*أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم* إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}[ يس 77 ـ 82]، وقوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [ المؤمنون 12 ـ 14].
وبناءً على ماسبق من البحوث والمناقشات والمبادئ الشرعية التي طرحت على مجلس المجمع قرر مايلي:
أولاً: تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري.
ثانياً: إذا حصل تجاوز للحكم الشرعي المبين في الفقرة(أولا) فإن آثار تلك الحالات تعرض لبيان أحكامها الشرعية
ثالثاً : تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحماً أم بويضة أم حيواناً منوياً أم خلية جسدية للاستنساخ.
رابعاً : يجوز شرعاً الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.
خامساً : مناشدة الدول الإسلامية إصدار القوانين والأنظمة اللازمة لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات المحلية أو الأجنبية والمؤسسات البحثية والخبراء الأحانب للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميداناً لتجارب الاستنساخ البشري والترويج لها.
سادساً : المتابعة المشتركة من قبل كل من مجمع الفقه الإسلامي والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لموضوع الاستنساخ ومستجداته العلمية، وضبط مصطلحاته، وعقد الندوات واللقاءات اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به.
سابعاً : الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة تضم الخبراء وعلماء الشريعة لوضع الضوابط الخلقية في مجال بحوث علوم الأحياء(البيولوجيا) لاعتمادها في الدول الإسلامية.
ثامناً : الدعوة إلى إنشاء ودعم المعاهد والمؤسسات العلمية التي تقوم بإجراء البحوث في مجال علوم الأحياء والهندسة الوراثية في غير مجال الاستنساخ البشري، ووفق الضوابط الشرعية، حتى لايظل العالم الإسلامي عالة على غيره، وتبعاً في هذا المجال.
تاسعاً : تأصيل التعامل مع المستجدات العلمية بنظرة إسلامية، ودعوة أجهزة الإعلام لاعتماد النظرة الإيمانية في التعامل مع هذه القضايا، وتجنب توظيفها بما يناقض الإسلام، وتوعية الرأي العام للتثبت قبل اتخاذ أي موقف، استجابة لقول الله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن او الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [ النساء 83]، والله أعلم.
رأي الاستاذ الدكتور القرضاوي في الاستنساخ البشري:
يقول الدكتور القرضاوي حول هذا الموضوع(نقلاً من موقع القرضاوي):
الإسلام يرحب عموماً بالعلم والبحث العلمي، ويرى من فروض الكفاية على الأمة المسلمة أن تتفوق في كل مجال من مجالات العلم الذي تحتاج إليها الأمة في دينها أو دنياها، بحيث تتكامل فيما بينها، وتكتفي اكتفاءً ذاتياً في كل فرع من فروع العلم وتطبيقاته، وفي كل تخصص من التخصصات، حتى لاتكون الأمة عالة على غيرها.ولكن العلم في الإسلام مثله مثل العمل والاقتصاد والسياسة والحرب كلها يجب أن تتقيد بقيم الدين والأخلاق، ولايقبل الإسلام فكرة الفصل بين هذه الأمور وبين الدين والأخلاق، كأن يقول قائلون:دعوا العلم حراً، ودعوا الاقتصاد حراً، ودعوا السياسة حرة، ودعوا الحرب حرة،ولاتدخلوا الدين أو الأخلاق في هذه الأمور، فتضيقوا عليها، وتمنعوها من النمو والأنطلاق وسرعة الحركة.
إن الإسلام يرفض هذه النظرة التي أفسدت العلم والاقتصاد والسياسة، ويرى أن كل شئ في الحياة يجب أن يخضع لتوجيه الدين.. وأضاف الشيخ: إن منطق الشرع الإسلامي بنصوصه المطلقة وقواعده الكلية ومقاصده العامة يمنع دخول هذا الاستنساخ في عالم البشر، لما يترتب عليه من المفاسد التالية:
ـ الاستنساخ ينافي التنوع:
أولاً: الله خلق هذا الكون على قاعدة التنوع ولهذا نجد هذه العبارة ترد في القرآن كثيراً بعد خلق الأشياء والامتنان بها على العباد وحسبنا أن نقرأ قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانهاومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء} فاطر 27 ـ 28 ].
والاستنساخ يناقض التنوع،لأنه يقوم على تخليق نسخة مكررة من الشخص الواحد، وهذا يترتب عليه مفاسد كثيرة في الحياة البشرية والاجتماعية، بعضها ندركه وبعضها قد لاندركه إلا بعد حين.
ـ الاستنساخ ينافي سنة الزوجية:
إن الاستنساخ بالصورة التي قرأناها وشرحها المختصون، ينافي ظاهرة الازدواج، أو سنة الزوجية في هذا الكون الذي نعيش فيه. فالناس خلقهم الله أزواجاً من ذكر وأنثى، وكذلك الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، بل كذلك النباتات كلها.بل كشف لنا العلم الحديث أن الأزدواج قائم في عالم الجمادات، كما نرى في الكهرباء ظاهرة الموجب والسالب، بل إن الذرة وهي وحدة البناء الكوني كله تقوم على الكترون وبروتون، أي شحنة كهربائية موجبة وأخرى سالبة.والقرآن الكريم يشير إلى هذه الظاهرة حين يقول: ” {وخلقناكم أزواجاً}[ النبأ 8]، { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى* من نطفة إذا تمنى} [ النجم 45 ـ 46 ] ،ويقول تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن انفسهم ومما لايعلمون} [يس 36]، ويقول: {ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [ الذاريات 49]، ولكن الاستنساخ يقوم على الاستغناء عن أحد الجنسين، والاكتفاء بجنس واحد.وهذا ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وليس هذا في مصلحة الإنسان بحالة من الأحوال.
فالإنسان بفطرته يحتاج إلى الجنس الآخر، ليس لمجرد النسل، بل ليكمل كل منهما الآخر، كما قال تعالى:{ بعضكم من بعض} [ آل عمران 195]،وليستمتع كل منهما بالآخر كما قال تعالى في تصوير العلاقة الزوجية {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}[ البقرة 187] ،ولهذا حينما خلق الله آدم وأسكنه الجنة، لم يبقه وحده، ولو كان في الجنة، بل خلق له من نفسه زوجاً ليسكن إليها، كما تسكن إليه وقال له:{أسكن أنت وزوجك الجنة}” [البقرة 35]،وإذا كان كل من الرجل والمرأة في حاجة إلى صاحبه ليسكن إليه، وتقوم بينهما المودة والرحمة، فإن ذريتهما أشد ماتكون حاجة إليهما، اي إلى جو الأسرة، إلى الأمومة الحانية، وإلى الأبوة الراعية إلى تعلم الفضائل من الاسرة، فضائل المعاشرة بالمعروف، والتفاهم والتناصح والتباذل والتعاون على البر.
والاستنساخ لايحقق سكن كل من الزوجين إلى الآخر، كما لايحقق الأسرة الني يحتاج الطفل البشري إلى العيش في ظلالها وحماها، واكتمال نموه تحت رعايتها. انتهى كلام الشيخ القرضاوي.
أطفال الأنابيب ـ In Vitro Fertilisation
من الناحية الطبية:
أول ماتم هذا الأمر في انكلترا عام 1978 من قبل الأطباء الانكليز “روبرت ادوارز(حصل على جائزة نوبل في الطب عام 2010)، “و” باتريك ستيبتو،عندما ولدت الطفلة لويس براون،وهي أول طفلة أنابيب في العالم.
وإن كانت الفكرة قديمة جداً ففي عام 1890 كتب “اوغست شتريندينبرغ كيف يكون مثلاً أخذ بيضة الأنثى ودراستها بالمجهر ومن ثم وضعها في محضنة بحرارة 36 ـ 41 غراد ومن ثم إضافة النطاف إليها، وكيف تتفاعل النطاف مع البيضة وتخصبها، وكيف تنقسم البيضة .
كيف تتم العملية؟
في زمن الإباضة عند الأنثى يؤخذ من المبيض عدة بيوض، وتوضع في مزرعة بدرجة حرارة 37 وبعد عدة ساعات يضاف إلى المزرعة كمية بسيطة من النطاف، ويلتحم الإثنان ويتم الإخصاب خلال 24 ساعة، ومن ثم توضع البيضة الملقحة في مزرعة جديدة وتفحص بالمجهر ومن ثم تحضن في محضنة خاصة جديدة لمدة 24 ساعة أخرى وتشابه المحضنة وسط النفير، وبعد أن تنقسم البيضة الملقحة 2 ـ 6 خلايا توضع في رحم الأنثى عن طريق المهبل وعنق الرحم ونسبة نجاح طفل الأنابيب 20 بالمائة فقط.
أما من الناحية الشرعية:
هذه المسألة قد تم بحثها في مجمع الفقه الإسلامي واصدر بشأنها مايلي:
أولاً: الطرق الخمس التالية محرمة شرعاً، وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.
الأولى: أن يجري التلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة ماخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم زوجته.
الثانية: ان يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.
الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.
الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
الخامسة: أن يجري تلقيح بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.
ثانياً: الطريقتان السادسة والسابعة لاحرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة وهما:
السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
السابعة:أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً.
وأهم الحالات التي يلجأ فيها إلى أطفال الأنابيب:
1 ـانسداد النفير وحيد أو ثنائي الجانب عند المرأة
2 ـ أسباب متعلقة بالرجل وخاصة العقم بسبب قلة النطاف مثلاً.
3 ـ اضطرابات في عملية الإباضة
4 ـ انخفاض احتياطي المبيض مثل انقطاع الطمث الباكر أو الإصابة بالسرطان
5 ـ العقم لأسباب مجهولة
6 ـ إصابة الزوجة بمرض بطانة الرحم الهاجرة
7 ـ وجود أجسام في عنق الرحم مضادة للحيوانات المنوية
تحديد النسل ـ وقاية وعلاجاً
أنقل هنا رأي الاستاذ الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حول هذا الموضوع حيث يقول:
إن الحديث عن تحديد النسل بمختلف أسبابه الوقائية والعلاجية حديث خطير وهام،وموضوع أخذ دوره بين السائل والمجيب،وخاصة فيما يتعلق بدور الشريعة الإسلامية وموقفها من تحديد النسل. ويساءلنا الجاهلون أو الغافلون أو الذين في قلوبهم مرض بلغة الجهالة أو الخبث، ترى أتكون الشريعة الإسلامية اقل اهتماماً بالإنسانية من القانونيين ورجال الطب والاجتماع في موضوع تحديد النسل؟!
ونجيب عليهم أن الإسلام نظر في هذا الموضوع شأنه شأن مواضيع أخرى، وعالجه، ولكن لامن نوع المعالجة الفوقية أو الملطفة، ولكن معالجة الجذور والدعائم، فإذا ماصلحت الجذور صلحت الفروع.
ولقد كان رأي الإسلام في هذا الموضوع أنه يشمل ثلاث شعب: الصحة الجسمية، والأخلاق الإنسانية،والمصلحة الإجتماعية، وإن معالجة موضوع تحديد النسل يتم من خلال النظرة إلى الموضوع باتخاذ سبل الوقاية التي تمنع المجتمع من الوصول إلى ماوصل إليه، بحيث تساوى عدد حالات الإجهاض مع عدد حالات الولادة في فرنسا،وحيث انتشر مايسمى الإجهاض الاجتماعي أو اللاقانوني، وبحيث وصلت عدد حالات الإجهاض سنوياً في أوروبا كما تقدر مجلة بولونيا إلى مليون و900أ لف، وحيث يشكل الإجهاض الإجتماعي 95 بالمائة من الحالات، ويقدر عدد حالات الإجهاض في كل عام في العالم 30 مليون.
لقد انطلق الإسلام في موضوع تحديد النسل من مبدأ الوقاية واتخاذ سبل الوقاية بالدرجة الأولى،ولكن إذا وقعت المشكلة على الرغم من اتخاذ كل أسباب الوقاية كان يضع العلاج، فإذا عالج بعد ذلك مشكلة امرأة طرقت باب طبيب لتستعين به في إسقاط حملها، فإنما ذلك استدراك لشطحة، أو سد لثغرة، أو إعانة على ضرورة.
والإسلام ينطلق في موضوع تحديد النسل من مبدأ التنسيق والتآلف بين حق الجنين، وحق الأبوين، وحق المجتمع، ومن خلال تآلف هذه الحقوق الثلاثة انطلقت أسس مبدأ تحديد النسل في الإسلام وهذا مالم يتحقق في القوانين الفرعية البشرية التي تحكم العالم دون حكم الإسلام. والكتاب يضم الأقسام التالية:
أولاً: القسم الأول: تحديد النسل بالأسباب الوقائية، وهذا يقسم إلى ثلاثة أبواب:
1 ـ رأي الفقه والشريعة
2 ـ رأي القوانين الاجتماعية
3 ـ المقارنة مابين رأي الفقه والحاجة الاجتماعية
ثانياً : القسم الثاني: ويضم تحديد النسل بالأسباب العلاجية ومايسمى الإجهاض العلاجي ويقسم إلى:
1 ـ رأي الفقه
2 ـ رأي القوانين الاجتماعية
ثالثاً: رأي الدين في حكم الإجهاض لحمل تكون من السفاح ورأي القوانين الوضعية والاجتماعية
رابعاً : حكم الإجهاض في القضاء الدنيوي.
القسم الأول: تحديد النسل بالأسباب الوقائية:
رأي الفقه والشريعة الإسلامية:
التعريف:هو جميع الوسائل التي قد يلجأ لها الزوج أو الزوجة من أجل أن تحول دون نشوء الحمل، كالعلاجات المختلفة والعزل.
والعزل تعريفاً : هو ان يعزل الرجل ماءه عن المرأة عند الجماع كي لايتم العلوق.
رأي الفقه:
عند علماء الفقه، فالمباح في الشرع مباحان:
1 ـ نوع يتفق مع حكم الأصل مما ينطوي على فائدة ومصلحة عامة كالتمتع بما أحل الله فحكم الإباحة هنا سارٍ في حق الفرد والجماعة.
2 ـ نوع لايتفق مع حكم الأصل من الإباحة الأصلية العامة، وإنما دخله حكم العفو،أو الإباحة من أجل عارض يتعلق بأشخاص بأعيانهم، فحكم العفو أو الإباحة يبقى خاصاً في نطاق هؤلاء دون أن يتجاوزهم إلى غيرهم.
فالأصل أن الزواج هو من أجل إقامة النسل،وإقامة مطلق الألفة والعشرة،ولكن عندما يكون الشقاق وعدم إقامة حدود الله هو الأقوى يصبح أبغض الحلال عند الله مباحاً، والقاعدة الفقهية تقول ليس كل ماهو مشروع للفرد مشروعاً للجماعة، وهي قاعدة فرعية مخرجة على القاعدة المعروفة الكبرى”تصرف الحاكم منوط بالمصلحة”، فليس من حق الحاكم الذي هو وكيل على الأمة أن يغامر بمصالحها، ولكن يجوز لأفراد من الأمة أن يغامروا بمصالحهم وحقوقهم،ويجوز لفرد من الناس أن يقتدي في صلاته بفاسق إذا شاء ذلك، غير أن الحاكم لايجوز له أن ينصب إماماً فاسقاً،كما يجوز لولي المقتول أن يعفو عن القصاص ولكن الحاكم لايملك أن يلزم ولي المقتول به.
من كل هذا نستخرج الأسس والقواعد التي نظر فيها الفقه والإسلام لموضوع تحديد النسل وهي أن النكاح شرع أصلاً من أجل النسل، ولحكمة بقاء النوع كما قال صلى الله عليه وسلم” تناكحوا، تناسلوا،أباهي بكم الأمم يوم القيامة ” [حديث صحيح عن مختصر المقاصد للزرقاني]
(ملاحظة: وهناك الحديث النبوي الشريف:”تزوجوا الودود الولود، فإني مُكاثرٌ بكم الأنبياء يوم القيامة“)[أخرجه أحمد والطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن)
(ملاحظة أخرى: الحديث الشريف: ” عليكم بالأبكار، فإنهنّ أنتقُ أرحاماً،وأعذبُ أفواهاً،وأقلُّ خَبّاً، وأرضى باليسير“.[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله وصححه الألباني]
( أنتق أرحاما: أي أكثر أولادا)
فالحكم العام هو عدم جواز منع تحديد النسل ولكن الشارع الحكيم جلّ جلاله رخصّ للزوجين في محاولة جزئية وفردية الحد من التناسل في ظروف أو شروط معينة،ولكن لايجوز للحاكم أن يصدر قانوناً يمنع به التناسل أو التكاثر،لأنه لاحق له في ذلك.
الأحاديث الواردة في العزل:
روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في غزوة “بني المصطلق” أنهم أصابوا سبايا،فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولايحملن،فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال:” ماعليكم أن لاتفعلوا، فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة“[ أخرجه البخاري].
لعلّ أهم مانستنبطه من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العزل مجاز، مكروه كراهة تنزيهية.
والدليل على كونه مجاز: أن الصحابة كانت تعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله” كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل:وقال:كنا نعزل على عهد رسول الله فبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا”[أخرجه الشيخان].” ،وفي حديث آخر: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنّ لي جاريةً،وهي خادمنا،وسانيتنا أطوف عليها،وأنا أكره أن تحمل؟فقال:اعزل عنها إن شئت،فإنه سيأتيها ما قُدر لها” [أخرجه مسلم وأبوداود والنسائي]
وقد ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في”جامع العلوم والحكم” من أن قوماً كانوا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: إن قوماً زعموا أن العزل هو المؤودة الصغرى فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:”لاتكون مؤودة حتى تمر على التارات السبع تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاماً ثم تكون لحماً ثم تكون خلقاً آخر” فقال عمر:”صدقت أطال الله بقاءك”.
والدليل على كونه مكروه حديث جذامة الأسدية بنت وهب أخت عكاشة:حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول:لقد هممت أن أنهى عن الغيلة،فنظرت في الروم وفارس،فإذا هم يُغيلون أولادهم،فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً.ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ذلك الوأد الخفي“]أخرجه مسلم]
حكم العزل عند الفقهاء:
العزل: مجاز مكروه كراهة تنزيهية، مشروط برضى الزوجة، وأن لايكون فيه ضرر أحد الزوجين أو كليهما.
فالأئمة الأربعة متفقون على كون العزل مجاز وإن كان مكروهاً، والأئمة الثلاثة(مالك، أحمد، أبو حنيفة) اشترطوا إباحته برضى الزوجة.
فالإمام الكاساني وهو من الحنفية يقول: ” ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد،ولها في الولد حق، وبالعزل يموت الولد، فكان سبباً لفوات حقها، وإن كان العزل برضاها لايكره لأنها رضيت بفوات حقها”.
ثم إن العزل من شأنه أن يفوت عليها لذة الجماع، فإن عزل عنها بدون رضى منها فقد أضرَّ بها. فالعزل لايجوز إذا لم توافق الزوجة، وقد قال عمر رضي الله عنه” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها“.[رواه الإمام أحمد وابن ماجة]
كما أن العزل لايجوز إذا كان فيه ضرر أحد الزوجين أو كليهما، فلو نشأ عنه ضرر بهما أو بأحدهما وعلم ذلك بشهادة طبيب موثوق حرم العزل، سواء توفر رضى الزوجة ام لا، إذ الشرع لايملك الإنسان اختياراً بصدد الإقدام على ماقد يضره.
الوسائل الأخرى المانعة للحمل:
بالقياس على العزل يمكن جواز الوسائل الأخرى التي يتقي بها الزوجان أو أحدهما الحمل كالحبوب المانعة للحمل عند النساء، أو اللجوء للجماع في الأوقات التي لايتوقع فيها العلوق… بشرط:
1 ـ اتفاق الزوجان
2 ـ عدم تضرر الجسم والنفس: بناء على مشورة طبيب موثوق.
أما الوسائل التي من شأنها القضاء على النسل قضاءً مبرماً عند الرجل أو المرأة باتفاق منهما أو بدونه، بدافع ديني أو غيره كأن يستعمل الرجل علاجاً من شأنه أن يستأصل الشهوة أو الطاقة على الجماع، أو عملية استئصال رحم لمنع النسل بدون وجود أسباب أخرى فهو محرم باتفاق جمهور العلماء.
العزل والتناسق بينه وبين حق الجنين ـ وحق الأبويين ـ وحق المجتمع:
كما ذكرنا فإن الأحكام الشرعية يقع فيها التناسق مع حق الثلاثة المذكورين أعلاه. فهل نجد هذا التناسق في العزل؟
1 ـ حق الجنين:
الجنين هنا ليس له وجود أصلا، حتى يترتب له حقوق،وكل مافي الأمر هنا هو الماء المهين الذي يضم ملايين الحيوانات المنوية، والحيوان المنوي لاتتعلق به أهلية وجوب، ولاأهلية أداء،فلا يرث ولايورث، ولايناط به أي حق عيني أو معنوي.
2 ـ حق المجتمع:
إن إهدار الماء المهين لايفوت على المجتمع حقاً نص عليه الشارع، ولايهدده بضرر قد يحيق به، خاصة أن الإباحة هنا فردية وليست عامة، أما إذا كانت عامة فهي مرفوضة لأنها عدوان على حق المجتمع.
3 ـ حق الأبوين:
العزل مجاز مكروه والإسلام يستحب ترك الأمور على سجيتها والتسليم لأمر الله، ولكن إذا حكمت الظروف والشروط أجاز العزل وأجاز تحديد النسل ضمن الشروط المذكورة أعلاه، وكإباحة فردية فيحق للزوجين ان يمارسا حقهما مع التذكير والتذكر بأنه عمل مكروه فلايتماديا.
تحديد النسل بالأسباب الوقائية:في الميزان الاجتماعي:
ذكرنا أن الشريعة نظرت إلى موضوع تحديد النسل وقائياً وأباحت به ولكن في حالات فردية خاصة، وضمن ظروف خاصة، وتحت شروط خاصة. اما مايتعلق بالدعوة العامة إلى تحديد النسل والتي تناولت بها القوانين الاجتماعية الفرعية البشرية التي قامت على التجربة وعلى حصاد نتائج الربح والخسران فهي دعوة باطلة آثمة لامسوغ شرعي لها.
ظهور الدعوة إلى تحديد النسل:
أول ماظهرت على يد القسيس والباحث الاقتصادي البريطاني “مالتوس” الذي نشر عام 1798 مقالً تحت عنوان”تزايد السكان وتأثيره في تقدم المجتمع في المستقبل” والذي حث فيه على تحديد النسل والإنجاب، لأن تزايد عدد السكان يفوق نمو وسائل الانتاج، ودعا إلى عدم الزواج إلا بعد التقدم بالسن، والإقلال من الإنجاب عند الأزواج، وأيد فرضيته هذه الباحث الفرنسي فرنسيس بلاس، ثم الطبيب الأمريكي تشارلز نورتون، وهكذا بدأت فكرة الدعوة التي سرعان ماتلقفها الباحثون عن الشهرة، والغرب المقبل على بحر من التحلل الذي لاشاطئ له ولاقرار.
أما الرد على مالتوس وأعوانه:
1 ـ ان فرضية مالتوس تقوم على العلاقة الجامدة مابين مكنونات الأرض ومدخراتها ومابين حاجيات الإنسان المتزايدة، وهي تغفل أن هذه العلاقة ما كانت في يوم من الأيام جامدة، بل هي علاقة تفاعل وتأثير،فبقدر مايستفيد الإنسان من عقله،بقدر مايزيد من وسائل الأنتاج وتطويرها، وبقدر ماتزداد الحيل والطاقات الانسانية حول مكنونات الله لعباده في الأرض تزداد شحنة النفع والخير في هذه المكنونات.
2 ـ أنه كلما كثر عدد الأفراد ازدادت نسبة المبدعين والعباقرة فيهم، وهم الأشخاص الذين يلعبون الدور الأكبر في التقدم والتطور، وعلى افتراض ان البلاد ذات الأعداد الصغيرة ذات أفراد ذوي مواهب كثيرة، ولكن كثرة العمل على قلة العدد تجعل العسير على هؤلاء الأفراد أن يجدوا الوقت للابتكار والإبداع، وإنما يضطرون لحل المشاكل بحلول سطحية وفوقية لأنهم ليس لديهم الوقت الكافي، وهذا مانلاحظه من كثرة أصحاب الاختصاصات العميقة في الأمم الكثيرة العدد، ومن قلة الرجال هؤلاء في الأمم القليلة العدد.
3 ـ إن وقائع التاريخ وتجارب الأمم تفند نظرية مالتوس، وإذا سوغنا لأنفسنا وقبلنا مبدأ تحديد النسل في سائر أطراف العالم ـ وإن يكن العالم كله قد لفظ هذا المبدأ ـ فإننا عندما ننظر إلى عالمنا العربي نجد أن تطبيق هذا المبدأ لن يجلب له إلا المزيد من الكوارث والمزيد من العقبات.
فالعالم العربي وهو جزء من الأمة الإسلامية، من حيث المساحة تتجاوز مساحته 12 مليون كم2، فمساحته إذاً تقارب عشر مساحة المعمورة، ويزيد كثيراً على ضعف مساحة أوروبا،ويعادل المرة وربع المرة من بلاد الصين، ويزيد المرة ونصف المرة على مساحة أمريكا.وهو يقع في أهم المناطق ومفاتيح المحيطات والبحار كلها تقع تحت يده،فهو يشرف على مضيق جبل طارق حيث الاتصال مابين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وعلى قناة السويس حيث الوصل مابين البحر الأبيض والبحر الأحمر،وعلى مضيق باب المندب حيث الاتصال مابين المحيط الهندي والبحر الأحمر. ومن حيث الكثافة السكانية فإنها تعادل 8 ـ 9 أشخاص/كم2، بينما هي في أوروبا تزيد على 87، ومن حيث الثروات فحدث ولاحرج. وإن أي دعوة لتحديد النسل فيه تعني الدعوة إلى خرابه، لأن التقدم يرتبط بالإنسان، وبعدد النفوس القادرة على العطاء، ولن تتحقق المشاريع الاقتصادية الكبرى إلا بالإنسان، لأن عوامل الانتاج ثلاثة: الأرض ورأس المال والإنسان.والإنسان أهمها لأنه هو الذي يطيع الأرض والمال.
وعجب العجاب أن مالتوس وشيعته قد دفنوا أراؤهم في بلاد الغرب وعندنا ترفع الرايات من أجل إحياء مبادئهم، هناك في الغرب يلحون على زيادة عدد السكان وعندنا في الشرق يلحون على الدعوة إلى تحديد عدد السكان، ورجل الغرب ينظر إلى عالمه عالم الغرب ويهدد بالثبور والهلاك إن لم يزدد عدد السكان، وعندما ينظر إلى شرقنا وعالمنا يهدد بالثبور والهلاك إن لم تحدد الزيادة في عدد السكان، وهَمهم ومهمتهم ان يبيد الشرق وأن لايستكثر أبناءه، من أجل أن يبقى الشرق كما أراده الغرب أرضاً وسوقاً وقطيعاً.
ولكن على الرغم من ذلك نجد أن الشرق مازال والحمد لله وخاصة بأهله المسلمين، لازالوا في خير ونعمة ويرفضون هذه الأفكار الخبيثة على الرغم من ترويج المروجين لأهل الغرب بينهم، وعلى النقيض نجد أن أهل الغرب أنفسهم يحددون عدد سكانهم ويحفرون قبورهم بأيديهم على الرغم من المغريات والدعوات إلى عدم تحديد النسل بينهم، والسبب أن حياة الغرب وسلطان الحضارة الحديث حوَّل إنسان الغرب إلى حيوان أناني شرس، يؤثر بالأثرة بدل الإيثار، متقوقع على نفسه يرفض التعاون والأخوة، ومن أهم مظاهر حياة إنسان الغرب هذه التي تفسر لنا ذلك:
1 ـ إن حياة الغرب المادية جعلت الإنسان الغربي يفكر فقط قي ذاته ونفسه، ويفكر أن يوفر لنفسه أعلى درجات اللذة وأكمل أسباب المتعة، فأنت لاتكاد تجد اباً يسأل عن ابنه أو ابنته، أو زوجاً يتكفل بنفقات زوجته، أو أخاً يعين أخاه، الكل في سباق على المتعة والترف بأتم أشكالهما، فلا الأب لديه الوقت أو المال لأبنائه، فهو لاحاجة له بهم، والأم أيضاً متسابقة في معركة السباق لتحقيق لذات النفس، أما الأمومة فلا محل لها هنا وإن كان لها محل عند بعضهن فيكمن في إرواء ظمئها بأقل قدر ممكن من الأطفال، أو لعلّ الكلاب تغني!
2 ـ حياة الغرب وقشوره زرعت في نفوس أبنائه فكرة الحصول على كل شئ من أجل إرواء لذة التملك، فالبيت لابد أن يتوفر فيه كل أسباب الراحة والمتعة، وهذا وذاك يتطلب المال فلابأس من شراء آلة تسجيل أو تلفزيون أو براد جديد، في مقابل التخلي عن طفل أو اثنين، أو قل إن الحياة بلا أطفال نعيم لايحتاج غلى بكاء أو عويل، وإن اشتد حنين الأم واشتاقت إلى أمومتها في الليل البهيم فلعل معانقة الكلب تغني عن معانقة الطفل!!،
3 ـ كما أن حياة اللذة وإرواء الشهوات في سبيل الحرام متوفر وبأسهل السبل والوسائل في الغرب،فلماذا الزواج طالما طريق اللذة الرخيص مرصوف مفروش بالورود، ولماذا الأولاد طالما حبوب منع الحمل تغني عن الذرية والنسل ومشاكلهما، ويكفي أن هناك إعلانات في الباصات في أمريكا تقول: هل تريدين أن تجهضي، اطلبي ذلك حالا!
وإذا مافكر إنسانهم بالغرب فعندما تقترب الشيخوخة حيث لامثوى له ولامعين، فلا الشباب يبقى، ولا الرجولة تبقى والكل مشغول بنفسه.
4 ـ والمرأة هناك لم تعد امرأة،بل إن ظروف الحياة والعمل قد جعلت منها آلة كالآلات، وأصبحت تجد اللذة هناك في الحانوت أو السوق أو المتجر بجانب الرجل، تبيع وتشتري. أما الأمومة وتربية الطفل، والعناية بالمنزل فهذا أمر شرقي رجعي، وأما الحمل والرضاع فهذا أمر شرقي رجعي، وكيف لا، فبالحمل والرضاع تخسر رشاقتها وطراوة عودها، وكيف لا وبالعناية بالمنزل والطفل إشغالاً لها عن فرص اللهو والمتعة هنا وهناك.
وهكذا أرادوا للشرق والمسلمين أن يقلوا عدداً فيُستغلوا أمداً،ولكن لعل جذوة الإيمان التي مازالت في الصدور تقف لهم بالمرصاد، فالشرق يبقى والإسلام يبقى، بل هو الأبقى،وأرادوا للغرب النماء، ولأبنائهم الزيادة، ولكن شريعة الإنسان في صدورهم حالت دونهم ودون بغيتهم، فهم في اندحار واندثار، وهاهم يرتشفون اللذة ـ حسب تعبيرهم ومفهومهم ـ على قارعة الطريق مابين كأس خمر، ومابين كلب يعاشر، ومابين عصفور في إحدى الحدائق يطعم، أو سرير في إحدى المشافي حيث لايراهم إلا السقف والطبيب، إن كان الطبيب غير أوروبي!!!انتهى كلام الشيخ البوطي.
وقد صدرت قرارات هيئة كبار العلماء والمجمع الفقهي فيما يتعلق بتحديد النسل ومنها:
قرار هيئة كبار العلماء رقم 42 وتاريخ 13/4م 1396 بشأن تحديد النسل:
“نظراً لأن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنّة عظيمة منّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثه المعد للهيئة والمقدم إليها ونظراً إلى أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب لعباده، ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعمار أهلها. وحيث أن في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله وإضعافاً للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وأربطها. لذلك كله فإن المجلس قرر بأنه لايجوز تحديد النسل مطلقاً ولايجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية إملاق لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ومامن دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة ككون المرأة لاتلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان فإنه لامانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة وماروي عن جمع الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل وتمشياً مع ماصرح به بعض الفقهاء من جواز شرب دواء لإلغاء النطفة قبل الأربعين بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 1 بشأن تنظيم النسل:
“إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 ـ 6 جمادى أولى 1409 هجري والموافق 10 ـ 15 كانون الأول 1988م ، بعد إطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع “تنظيم النسل” واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناء على أن مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها. قرر مايلي:
أولاً: لايجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب
ثانياً : يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو مايعرف ب”الإعقام” أو ” التعقيم”، مالم تدعو إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثالثاً :يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً،بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط أن لايترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لايكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم.
وجاء في أحد أعداد مجلة الرائد التي كانت تصدر في ألمانيا(العدد 303) مقالاً للأستاذ الدكتور محمد الهواري رحمه الله تحت عنوان الأخلاق الحياتية:
تنظيم النسل والإخصاب:
1 ـ استعمال موانع الحمل:
يجيز الإسلام استعمال موانع الحمل إذا كانت لاتؤدي إلى فصل أساسي بين الزواج ووظيفته الإنجابية. ولقد استعمل العزل منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أكد على ضرورة اتفاق الزوجين الرجل والمرأة على ذلك. وقد أجاز كثير من الفقهاء على مدار التاريخ الإسلامي التنظيم العائلي لأسباب عدّة، تبدأ من الأسباب الصحية، إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، وحتى ما يتعلق منها باهتمام المرأة بجمال بدنها. ويشترط في استعمال موانع الحمل الاصطناعية أو الطبيعية عل حدٍ سواء، ألا تكون مؤذية ضارة، وألا يكون لها فعل إجهاضي. ويجب ان يكون استعمال موانع الحمل من الزوجين من غير ان يكون وراء ذلك إجبار أو ضغط من أي جهة أخرى، كالسلطة أو المؤسسات المختلفة. والدول التي تتبنى سياسة تنظيم النسل عليها أن تقوم بحملة توعية وتربية خاصة بعيدة كل البعد عن الإكراه، وأن يبقى القرار النهائي في ذلك للأسرة وحدها.
2 ـ تنظيم الرضاع الطبيعي:
يشجع الإسلام بشدة على الإرضاع الطبيعي من الأم مباشرة، مع الإشارة إلى انه لايمكن اعتبارها كوسيلة موثوقة لتنظيم النسل في مستوى العائلة الفردية.بيد أنه من الناحية الجماعية لوحظ أنها وسيلة ناجعة أكثر من غيرها لتنظيم النسل، وذلك بسبب انخفاض درجة الخصوبة لدى النساء اللواتي يقمن بإرضاع الوليد من الثدي. وليس عبثاً أن يذكر القرآن الكريم بأن الإرضاع الكامل هو الذي يستمر حولين كاملين.يقول الله تعالى{ والوالدات يُرضعن أولادَهنّ حولين كاملين لمن أرادَ أن يُتمّ الرضاعة}[البقرة 233].
والرضاع الطبيعي من وجهة النظر الإسلامية ليس مجرد وسيلة تغذوية، أو وسيلة لتنظيم النسل، بل هو فوق ذلك كله” قيمة معنوية” تسهم في إيجاد علاقة ورابطة خاصة بين المرضع والرضيع. ولهذا أعطى الإسلام أهمية بالغة لعملية الإرضاع الطبيعي ومالها من أثر على الصفة الشرعية التي يكتسبها الرضيع وانتسابه إلى قرابة الرضاعة وتسمية المرأة التي أرضعته بالأم المرضع، وهي مماثلة تماماً للأم التي حملته، وأن الأولاد الذين أرضعتهم الام المرضع هم إخوته وأخواته من الرضاعة، ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية المعروفة” يحرمُ بالرضاع مايحرم من النسب”. وهذا يعني أن المرء لايجوز له أن يتزوج من الفتاة التي رضعت معه من الأم المرضع لأنها أخته.
3 ـ موانع الحمل المهبلية:
إذا كانت الوسيلة المهبلية المستعملة لمنع الحمل تؤدي إلى الإجهاض فإنها تعتبر وسيلة مرفوضة، لأنها لا تقوم بوظيفة منع علوق البيضة الملقحة. بيد أن الأجيال الحديثة من هذه الموانع تحوي سلكاً من النحاس الذي يقوم بتحرير شوارد النحاس المبيدة للنطف، والبعض الأخر يحوي هرمون البروجسترون الذي يؤدي إلى زيادة كثافة مفرزات عنق الرحم فتصبح كتيمة وتمنع عبور النطف وفي الحالتين يمكن اعتبار الوسيلتين من وسائل منع الحمل وليس من الوسائل المسببة للإجهاض، وهذا ما أكدته منظمة الصحة العالمية.
4 ـ التعقيم:
التعقيم عملية مرفوضة شرعاً إلا إذا استدعت إليه ضرورة طبية.ويرى بعض الفقهاء جواز التعقيم بالنسبة للمرأة التي أنجبت عدداً من الأطفال وهي في مراحلها الأخيرة من سن الخصوبة.ولابد في هذا من أخذ موافقة الأطراف المعنية(الزوجين)، وأن يوضح أنه لو غيّر الأطراف رأيهم، فليس هناك أية ضمانة لأن تكون العملية معكوسة.
هذا ولايجوز للسلطات الحكومية أن تتبنى سياسة تكره فيها الأفراد على التعقيم، كما لايجوز للطبيب أن يمارس هذه العملية إذا لم يكن مقتنعاً أنها في مصلحة المريض.
الجنين في ميزان علم الوراثة
الوراثة الحيوية في الإسلام
يقول النابغة الذبياني:
فتىً، لم تلدهُ بنتُ أُمٍّ قريبةٍ فيضوى، وقد يضوى رديدُ الأقاربِ
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في كتيب”منهج التربية في الإسلام” يقول:
“قالت النظرية الإسلامية بالتكافؤ بين النوعين وليس معنى التكافؤ في النظرة الحمقى كما يريدها كثير من الماديين أن يكون التكافؤ في ” الغنى” وإنما التكافؤ في ” جواهر الأشياء” لا في أعراضها.. تكافؤ نفسي، تكافؤ صحي، تكافؤ خلقي وتكافؤ قيمي. والإسلام يضع هذه المسألة نصب عينيه قبل أن يبدأ في تربية الوليد لأنه يريد أن يضمن للوليد وعاءاً صالحاً ينتج منه ذلك الولد، هذا الوعاء الصالح سيحمل بقانون الوراثة في نوعيه… أي في أبويه صفات وهذه الصفات هي التي ستكون محور التربية.ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس“.(حديث ضعيف)
ويتابع رحمه الله :
“وبعد ذلك تعظنا السنة النبوية في أن نتجنب القريبات حين نتزوج لأن القريبات حين يتزوج منهن الإنسان يؤل أمر النسل إلى ضعف ، أما إذا اغترب فإنه يؤل أمر النسل إلى قوة. ويتابع رحمه الله: “إن القرآن الكريم حينما حرم زواج الأمهات وزواج البنات وزواج القريبات من الأدنى، إنما حرص على أن يوجد النسل القوي. وإذا ماابتعد الإنسان بهذه القرابة كان ذلك معناه إيجاد نسل قوي.حين يوجهنا القرآن وتوجهنا السنة إلى هذا يكون قد لاحظ أول شئ في التربية أن يكون الوليد الذي يؤمل عطاؤه من الله أن يكون وليداً قوياً في خصائصه لأنه لن يجمع خاصية جنس واحد ولانوع واحد”.
يقول الدكتور شوكت الشطي( أستاذ سابق في كلية الطب بجامعة دمشق) في أحد أعداد مجلة “حضارة الإسلام” التي كان يشرف عليها الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمهما الله يقول:
“الوراثة الشرعية هي انتقال مايملكه السلف المورث بعد موته إلى الخلف الوارث، والوراثة الحيوية هي انتقال الصفات الخَلقية والخثلقية من الأصول إلى الفروع، فالتعبيران متماثلان مع أن الفرق المقصود في كل من التعبيرين عظيم جداً .
ففي الوراثة الشرعية: الوارث شخص والميراث مال منقول أو عقار أو أرض.
والوراثة الحيوية: فالميراث صفة أو أحد المظاهر الحيوية المختلفة، ففي قولنا أن الإبن قد ورث أنف أبيه وخلق خاله ورزانة عمه معناه انه يشبه هذا أو ذاك النسيب في إحدى ملامحه أو سجاياه.
ويتابع رحمه الله :”ولقد اشار القرآن الكريم في سورة مريم إلى وراثة الصفات في معرض تبرئتها عليها السلام حين قالوا لها يامريم لقد جئت شيئاً فرياً وذلك بالآية الكريمة: { يا أخت هارون ماكان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً}[ مريم 28].ويبدو لنا أن المقصود من ذلك هو مخاطبة مريم والتخفيف عنها من أساءة الناس إلى سمعتها بالافتراء عليها وذلك ببيان مايفيد انها من جبلة أولئك الصالحين أمثال النبي هارون الذي اشتهر بتقواه وصلاحه فناداها القرآن الكريم تأكيداً لطهارتها وبلاغة في التعبير عن ذلك بقوله يا أخت هارون في الصلاح والكمال وأكد ذلك المعنى بأن أباها كان صاحب خلق كريم ليس بالرجل السوء كما أن أمها عفيفة طاهرة”.
ويقول الأستاذ الدكتور أحمد شوكت الشطي رحمه الله(حضارة الإسلام عدد تموز 1973م):”
“يقصد بالنزوع إلى الأصل مشابهة الحفدة للأصول البعيدة من الأجداد.بينما يقصد بالوراثة الحيوية مشابهة الأصول المباشرة من أباء وأجداد.ويرادف كلمة النزوع إلى الأصل كل من كلمتي التأسن والتأسل، فيقال تأسل جده: نزع إليه في الشبه، ومثلها تأسنه.
ولقد كان القضاة المسلمون يعرفون ذلك تمام المعرفة ، وكانوا يحيلون قضايا الشك بالنسب إلى خبراء سموهم”أهل القافة” أو ” المقيفين”مفردها القائف: وهو الذي يعرف الأثار ويعرف شبه الرجل أو الولد بأخيه وأبيه وأمه ويقال هو أقوف الناس). وقد اشتهر في علم القيافة بنو مدلج وقد قيل عن خبرتهم أنه إذا عرض على أحدهم مولود بين عشرين امرأة أو رجلا فيهم امه أو أبوه ألحقه بأحدهما أو بهما جميعا.
(وفي عهد عمر الفاروق رضي الله عنه جاء رجل واتهم امرأته بأنها حبلى من الزنا، وأنه غاب عنها مدة طويلة فوجدها حاملاً، فهّم عمر بأن يرجمها فقال له معاذ ابن جبل : يا أمير المؤمنين: إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على ما في بطنها، دعها حتى تلد، فلما ولدت كان الولد أشبه الناس بأبيه، فقال أبوه هذا ابني فقال عمر: لولا معاذ لهلك عمر، عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ).
وقد استوحى قضاة الإسلام أحكامهم العادلة في هذا الشأن مما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود اسود من امرأة من بني عجل فأوجس لذلك فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، ولاشك أن الرجل كان في حالة هيجان عظيم لايقنعه رأي مالم يكن منبعثا من ضميره ووجدانه لذلك كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنطق يألفه واضطره إلى ذكر الجواب من عنده فقال له: هل عندك إبل ؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: سود. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى له ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: وهذا ـ ويعني ولده ـ عسى أن يكون نزعة عرق. قال: فتقدم عجائز من بني عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدة بعيدة سوداء.وهكذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم حادث النزوع إلى الأصل وإمكان شبه المولود بالجد البعيد من أصوله لأن ذلك الشبه ينتقل في الأصلاب على رأي العلماء العرب حينها ويستقر اخيراً في صورة أحد الأولاد وبه يحصل الشبه.
وجاء على لسان رجل من بني عامر بن صعصعة أنه تزوج امرأة من قوم ثم غاب في أسفاره بضعة شهور ولدت له امرأته خلالها ولداً أحمر ـ أشقر ـ فدعاها وشهر سيفه في وجهها وقال:
لاتمشطي رأسي ولاتفليني وحاذري الحسام في يميني
واقتربي دونك أخبريني ما شأنه أسود كالهجيني
خالف ألوان بني الجون
فأجابته:
إن له من قبلي أجدادأ بيض الوجوه كرماً أنجاداً
ماضرهم أن حضروا أمجادا أو كافحوا يوم الوغى أندادا
أن لايكون لونهم السوادا
وهكذا ردت هذه الزوجة العربية بأدبها الرفيع تهمة زوجها فأرشدته إلى ماهو حق وهو أن الإبن قد يرث لون أجداده.
ولقد فسر ابن القيم في زمانه هذا الحادث تفسيراً علمياً وذلك بقوله: ” إن هنالك أجزاء تنتقل من السلف البعيد إلى الخلف فتظهر صفة ظن أنها غابت”. وهو تفسير يحاكي مع فارق النسبة بالزمن والوسائل تفسيرنا اليوم لانتقال الصفات بالوراثة عن طريق الصبغيات الموجودة في النواة بواسطة الجينات.
وأما بالنسبة إلى الزواج من الأقارب فقد جاء في المثل العربي:”اغتربوا ولاتضووا”.أي تزوجوا من الأجنبيات ولاتتزوجوا من القريبات لئلا تسببوا ضوى نسلكم أي هزاله.
الضوى: في اللغة دقة العظم، والهزال وقلة الجسم خلقة بسبب التزاوج بين الأقارب وقد عبر العرب عن ذلك بتداخل النسب.
وقد حرّم الله تعالى الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى كالامهات والبنات والأخوات والعمات والخالات…قال تعالى{حُرِّمت عليكُم أُمهاتُكُم وبناتُكُم وأخواتُكُم وعمّاتُكُم وخالاتُكُم وبناتُ الأخِ وبناتُ الاختِ وأُمهاتُكُمُ اللاتي أرضَعنكُم وأخواتُكُم من الرّضاعة وأُمهاتُ نِسائِكُم ورَبائِبًكُم اللاتي في حُجورِكُم من نسِائِكُم اللاتي دخلتم بهنّ فإن لم تكونوا دخلتُم بهِنَّ فلا جُناحَ عليكم وحلائِلُ أبنائِكُم الذينَ من أصلابِكُم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سَلَف إنّ اللهَ كانَ غفوراً رحيماً}[النساء 23].
وقد جاء هذا التحريم أيضاً في الديانات السماوية الأخرى كاليهودية والمسيحية ولكن بسبب التحريفات والافتراءات التي دخلت عليها من بعض الأحبار والرهبان،فقد وجدنا فيها مايخالف ذلك كما ذكر في التوراة المحرفة أن ابراهيم عليه السلام قد تزوج من أخته لأبيه سارة، وكذلك الافتراء على سيدنا لوط بأنه قد ضاجع ابنتيه بعد ان سقتاه الخمر ،لعنهم الله على مايقولون ويفترون.
وأما في الديانات الوضعية فإن الفراعنة كانوا يسمحون بزواج الأخ من أخته، وهذا ينطبق مثلاً على الملكة نفرتيتي التي تزوجت من أخيها،وكذلك فإن الفرس كانوا يسمحون بزواج الأخ من أخته،وكان المجوس يسمحون أيضاً الاتصال الجنسي بين العم وابنة أخيه،والخال وابنة أخته والعكس…
وفي عصرنا الحالي فإنه وإن كان الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى ممنوعاً قانونياً، ولكن انتشار زنا المحارم في ديار الغرب أصبح من الأمور المعروفة، ويقال أن حوالي نصف مليون من الأطفال القاصرين في ألمانيا يتعرضون سنوياً للأعتداء الجنسي وخاصة من أقاربهم كالأب أو زوج الأم أو العم أو الجد أو الخال أو الاخ..وإن قصة النمساوي الذي احتجز ابنته عشرات السنين واعتدى عليها جنسياً وأنجب منها عدة أطفال ليست منا ببعيد.
ومن الناحية الطبية:
فإن الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى أو الاتصالات الجنسية معها تؤدي إلى انتقال خمسين بالمائة من العوامل الوراثية والمورثات بينها، وبالتالي احتمال حدوث التشوهات الوراثية بنسبة خمسين بالمائة،ويشارك كل إنسان أخاه أو أخته في نصف عدد المورثات التي يحملها، ويشارك أخواله وأعمامه في الربع ويشارك أبناء وبنات عمه أو خاله في الثمن. وبالتالي ازدياد الأمراض الوراثية بينهم جميعاً حسب هذه النسب.
ومع ذلك فإن الزواج من الأقارب قد يجلب الذرية الصحيحة المعافاة،ولاننسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج ابنة عمته أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها.
ولكن لابد من التأكد من عدم وجود بعض الأمراض الخلقية أو الوراثية عندما يتم الشروع بذلك بين العائلات ذوات القربى، وهذا أصبح من السهل الكشف عليه بواسطة إجراء بعض الفحوص السريرية والمخبرية في وقتنا الحالي.
ونذكر من الأمراض الوراثية العائلية:
داء الرقص الوراثي الإرثي،وفرط كولسترول الدم العائلي،والتهاب الشبكية الصباغي،الصمم والبكم الأسري،وهناك أيضاً داء الناعور والذي يترافق مع النزوف المعاودة والخطيرة أحياناً وهو مرض يصاب به الذكور دون الإناث وإن كانت الإناث ينقلون المرض دون أن يصابوا به،وهناك ايضاً داء عمى الألوان، وخلع الورك الولادي…
الهندسة الوراثية وتطبيقاتها العلمية
جاء في مقال للبروفسور الدكتور محمد الهواري رحمه الله في أحد أعداد مجلة الرائد الألمانية(العدد 206):
“يعيش العالم اليوم ثورة بيولوجية هائلة، وإن ماتم إنجازه في الخمسين عاماً الماضية يفوق اضعاف الإنجازات البشرية منذ خليقة الإنسان.والخطوات التي تمت في علم الوراثة ـ رغم حداثته ـ كانت عملاقة.وساعدت المكتشفات العلمية في سائر العلوم على سبر اغوار الخلية والكشف ن مكنوناتها وأسرارها وكانت الدراسات والأبحاث الأولى تتم على الكائنات الحية ثم تجاوزتها إلى النوع البشري.ونتجت عن هذه الدراسات مشكلات تتعلق بالكرامة الإنسانية والموقف الشرعي من الأبحاث التي قد تؤدي إلى سلالات جديدة ذات صفات وراثية جديدة معدّلة، كإنتاج سلالات نباتية أو حيوانية ذات مقاومة خاصة للآفات، أو ذات إنتاجية عالية، وظهر مؤخراً محاولة التغلب على ندرة الأعضاء البشرية لاستخدامها في زراعة الأعضاء لمن يحتاجونها، فتم مثلاً استخدام ” جين” بشري لإنتاج قلوب في الخنازير تتوافق مع القلوب البشرية ولايطردها الجسم الإنساني.
ومن أخطر مواضيع الهندسة الوراثية هو مشروع”الجينوم البشري” أو باختصار مشروع تحديد الخريطة الجينية للإنسان وهو مشروع توزعته دول مختلفة منها أمريكا وألمانيا واليابان وانكلترا وفرنسا وغيرها، ويتوقع أن يتم إنجازه في عام 2005م.
ولبيان الرؤية الإسلامية من هذه الأبحاث والأخلاقيات المتعلقة بها، فقد عقدت بتاريخ 13 ـ 15 تشرين أول 1998م ندوة فقهية طبية في الكويت دعت إليها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتعاون مع منظمة الإيسيسكو ومجمع الفقه الإسلامي بجدة ومنظمة الصحة العالمية. وقد أسهم في أعمال الندوة جمع من كبار الفقهاء والأطباء والصيادلة واختصاصي العلوم البيولوجية وغيرها.وتميزت الندوة بمشاركة عدد من مسؤولي وممثلي المؤسسات الإسلامية في أوروبا وأمريكا.
وكانت محاور الموضوع تشتمل على:
1 ـ الجوانب الطبية والجوانب الفقهية والعلمية للهندسة الوراثية.
2 ـ الجوانب الطبية والفقهية للجينوم البشري.
3 ـ الجوانب الطبية والفقهية للبصمة الوراثية
4 ـ الجوانب الطبية للإرث الجنيني،أهميته وآثاره ومحاذيره
وتوصلت الندوة في ختام عملها إلى التوصيات التالية:
أولاًـ مبادئ عامة:
1 ـ خلق الله الإنسان في أحسن تقويم،وكرمه على سائر المخلوقات، وإن العبث بمكونات الإنسان وإخضاعه لتجارب الهندسة الوراثية بلاهدف أمر يتنافى مع الكرامة التي أسبغها الله على الإنسان مصداقاً لقوله تعالى{ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء70]
2 ـ الإسلام دين العلم والمعرفة كما جاء في قوله تعالى {هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون}[الزمر9]، وهو لايحجر على العقل الإنساني في مجال البحث العلمي النافع،ولكن حصيلة هذا البحث ونتائجه، لايجوز أن تنتقل تلقائياً إلى مجال التطبيقات العملية حتى تعرض على الضوابط الشرعية، فما وافق الشريعة منه أجيز،وما خالفها لم يجز.وإن علم الوراثة بجوانبه المختلفة هو ـ ككل إضافة إلى المعرفة ـ مما يحض عليه الإسلام، وكان اولى بعلماء المسلمين أن يكونوا فيه على رأس الركب.
3 ـ إن الحرص على الصحة والتوقي من المرض مما يوصي به الإسلام ويحض عليه{ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة}[البقرة195]، “ومن يتق الشر يُوقّه” والتداوي في أصله مطلوب شرعاً لافرق في ذلك بين مرض مكتسب ومرض وراثي.ولايتعارض ذلك مع فضيلة الصبر واحتساب الأجر والتوكل على الله.
4 ـ لكل إنسان الحق في أن تحترم كرامته وحقوقه أياً كانت سماته الوراثية.
5 ـ لايجوز إجراء أي بحث أو القيام بأي معالجة أو تشخيص يتعلق ب”جين”(جينوم) شخص ما، إلا بعد إجراء تقييم صارم ومسبق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة،مع الالتزام باحكام الشريعة في هذا الشأن، والحصول على القبول المسبق والحر والواعي من الشخص المعني،وفي حالة عدم أهليته للإعراب عن هذا القبول، وجب الحصول على القبول أو الإذن من وليه،مع الحرص على المصلحة العليا للشخص المعني.وفي حالة عدم قدرة الشخص المعني على التعبير عن قبوله لايجوز إجراء أي بحوث تتعلق ب”جينومه” ما لم يكن ذلك مفيداً لصحته فائدة مباشرة.
6 ـ ينبغي احترام حق كل شخص في أن يقرر ما إذا كان يريد أو لايريد أن يحاط علماً بنتائج أي فحص وراثي أو بعواقبه.
7 ـ تحاط بالسرية الكاملة كافة التشخيصات الجينية المحفوظة أو المعدة لأغراض البحث أو أي غرض آخر،ولا تفشى إلا في الحالات المبينة في الندوة الثالثة من ندوات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بتاريخ 18 نيسان 1987م حول سر المهنة.
8 ـ لايجوز أن يعرض أي شخص لأي شكل من أشكال التمييز القائم على صفاته الوراثية والذي يكون غرضه أو نتيجته النيل من حقوقه وحرياته الأساسية والمساس بكرامته.
9 ـ لايجوز لأي بحوث تتعلق بالجينوم البشري أو لأي من تطبيقات هذه البحوث،ولاسيما في مجال البيولوجيا وعلم الوراثة والطب،أن يعلو على الالتزام باحكام الشريعة الإسلامية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية لأي فرد أو مجموعة أفراد.
10 ـ ينبغي ان تدخل الدول الإسلامية مضمار الهندسة الوراثية بإنشاء مراكز للأبحاث في هذا المجال،تتطابق منطلقاتها مع الشريعة الإسلامية، وتتكامل في مابينها بقدر الإمكان، وتأهيل الأطر البشرية للعمل في هذا المجال.
11 ـ ينبغي أن تهتم المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بتشكيل لجان تهتم بالجوانب الأخلاقية للمارسات الطبية داخل كل دولة من الدول الإسلامية،تمهيداً لتشكيل الإتحاد الإسلامي للأخلاقيات الطبية في مجال التكنولوجيا الحيوية.
12 ـ ينبغي أن يقوم علماء الأمة الإسلامية بنشر مؤلفات لتبسيط المعلومات العلمية عن الوراثة والهندسة الوراثية، لنشر الوعي وتدعيمه في هذا الموضوع.
13 ـ ينبغي أن تُدخل الدول الإسلامية الهندسة الوراثية ضمن برامج العليم في مراحله المختلفة،مع زيادة الاهتمام بهذه المواضيع بالدراسات الجامعية والدراسات العليا.
14 ـ ينبغي أن تهتم الدول الإسلامية بزيادة الوعي بموضوع الوراثة والهندسة الوراثية عن طريق وسائل الإعلام المحلية، مع تبيان الرأي الإسلامي في كل موضوع من هذه المواضيع.
15 ـ تكليف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بمتابعة التطورات العلمية لهذا الموضوع، وعقد ندوات مشابهة لاتخاذ التوصيات اللازمة إن جد جديد.
ثانيا ـ الجينوم(المجين) البشري:
إن مشروع قراءة الجينوم البشري، وهو رسم خريطة الجينات الكاملة للإنسان،وهو جزء من تعرف الإنسان على نفسه واستكناه سنة الله في خلقه وإعمال للآية الكريمة{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}[فصلت 53] ومثيلاتها من الآيات، ولما كانت قراءة الجينوم وسيلة للتعرف على بعض الأمراض الوراثية أو القابلية لها، فهي إضافة قيّمة إلى العلوم الصحية والطبية في مسعاها لمنع الأمراض أو علاجها،مما يدخل في باب الفروض الكفائية في المجتمع.
ثالثاً ـ الهندسة الوراثية:
تدارست الندوة موضوع الهندسة الوراثية وما اكتنفها منذ ميلادها في السبعينات من القرن الماضي من مخاوف مرتقبة إن دخلت حيز التنفيذ بلا ضوابط، فإنها سلاح ذو حدين قابل للاستعمال في الخير أو في الشر.
ورأت الندوة جواز استعمالها في منع المرض أو علاجه أو تخفيف أذاه، سواء بالجراحة الجينية التي تبدل جيناً بجين،أو تولج جيناً في خلايا مريض،وكذلك إيداع جين في كائن آخر للحصول على كميات كبيرة من إفراز هذا الجين لاستعماله دواء لبعض الأمراض،مع منع استخدام الهندسة الوراثية على الخلايا الجنسية لما فيه من محاذير شرعية.
وتؤكد الندوة على ضرورة ان تتولى الدول توفير مثل هذه الخدمات لرعاياها المحتاجين لها من ذوي الدخول المتواضعة نظراً لارتفاع تكاليف انتاجها.
وترى الندوة أنه لايجوز استعمال الهندسة الوراثية في الأغراض الشريرة والعدوانية،أو في تخطي الحاجز الجيني بين أجناس مختلفة من المخلوقات،قصد تخليق كائنات حية مختلطة الخلقة، بدافع التسلية أو حب الاستطلاع العلمي.
كذلك ترى الندوة أنه لايجوز استخدام الهندسة الوراثية كسياسة لتبديل البنية الجينية في مايسمى بتحسين السلالة البشرية،وأي محاولة للعبث الجيني بشخصية الإنسان أو التدخل في أهليته للمسئولية الفردية أمر محظور شرعاً.
وتحذر الندوة من أن يكون التقدم العلمي مجالاً للاحتكار والحصول على الربح هو الهدف الأكبر، مما يحول بين الفقراء وبين الاستفادة من هذه الإنجازات، وتؤيد توجه الأمم المتحدة في هذا المجال في إنشاء مراكز الأبحاث للهندسة الوراثية في الدول النامية وتأهيل الأطر البشرية اللازمة وتوفير الإمكانيات اللازمة لمثل هذه المراكز.
ولاترى الندوة حرجاً شرعياً باستخدام الهندسة الوراثية في حقل الزراعة وتربية الحيوان، ولكن الندوة لاتمل الأصوات التي حذرت مؤخراً من احتمالات حدوث اضرار على المدى البعيد تضر بالإنسان أو الحيوان أو الزرع أو البيئة.وترى ان على الشركات والمصانع المنتجة للمواد الغذائية ذات المصدر الحيواني أو النباتي أن تبين للجمهور مايعرض للبيع مما هو محضر بالهندسة الوراثية ليتم الشراء عن بينة.كما توصي الندوة الدول باليقظة العلمية التامة في رصد تلك النتائج، والأخذ بتوصيات وقرارات منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية في هذا الخصوص.
توصي الندوة بضرورة إنشاء مؤسسات لحماية المستهلك وتوعيته في الدول الإسلامية.
رابعاً ـ البصمة الوراثية:
تدارست الندوة موضوع البصمة الوراثية، وهي البنية الجينية التفصيلية التي تدل على هوية كل فرد بعينه.
والبصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لاتكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية،والتحقق من الشخصية ولاسيما في مجال الطب الشرعي.وهي ترقى إلى مستوى القرائن القطعية التي يأخذ بها جمهور الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية.وتمثل تطوراً عصرياً ضخماً في مجال القيافة التي تعتد به جمهرة المذاهب الفقهية، على أن تأخذ هذه القرينة من عدة مختبرات.
خامساً ـ الإرشاد الوراثي(الإرشاد الجيني):
وهذا يتوخى تزويد طالبه بالمعرفة الصحيحة والتوقعات المحتملة ونسبتها الإحصائية تاركاً اتخاذ القرار لذوي العلاقة في ما بينهم وبين الطبيب المعالج، دون أي محاولة للتأثير في اتجاه معين.وقد تدارست الندوة هذا الموضوع وأوصت بما يلي:
ـ ينبغي تهيئة خدمات الإرشاد للأسر أو المقبلين على الزواج على نطاق واسع وتزويدها بالأكفاء من المختصين مع نشر الوعي وتثقيف الجمهور بشتى الوسائل لتعم الفائدة.
ـ لايكون الإرشاد الجيني إجبارياً، ولاينبغي أن تفضي نتائجه إلى إجراء إجباري.
ـ ينبغي حياطة نتائج الإرشاد الجيني بالسرية التامة.
ـ ينبغي توسيع مساحة المعرفة بالإرشاد الجيني في المعاهد الطبية والصحية والمدارس وفي وسائل الإعلام والمساجد بعد التحضير الكافي لمن يقومون بذلك.
ـ لما كانت الإحصائيات تدل على أن زواج الأقارب(رغم أنه مباح شرعاً) مصحوب بمعدل أعلى من العيوب الخلقية، فيجب تثقيف الجمهور في ذلك حتى يكون الإختيار على بصيرة، ولاسيما الأسر التي تشكو تاريخياً لمرض وراثي.
سادساً ـ الأمراض التي يجب أن يكون الاختبار الوراثي فيها إجبارياً أو اختيارياً:
1 ـ السعي إلى التوعية بالأمراض الوراثية والعمل على تقليل انتشارها.
2 ـ تشجيع إجراء الاختبار الوراثي قبل الزواج وذلك من خلال نشر الوعي عم طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والندوات والمساجد.
3 ـ تناشد الندوة السلطات الصحية بزيادة أعداد وحدات الوراثة البشرية لتوفير الطبيب المتخصص في تقديم الإرشاد الجيني وتعميم نطاق الخدمات الصحية المقدمة للحامل في مجال الوراثة التشخيصية والعلاجية بهدف تحسين الصحة الإنجابية.
4 ـ لايجوز إجبار أي شخص لإجراء الإختبار الوراثي.
البصمة الوراثية
يقول الدكتور سفيان العسولي في العدد الخامس من مجلة الإعجاز بعنوان البصمة الوراثية:
“في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من ستة مليارات شخص في هذا العالم فإنه من النادر أن تجد اثنين متماثلين في نمطهم الجيني وبالتالي النمط الظاهري إلا في حالة التوأم الحقيقي، وبسرعة يتنامى إلى الذهن كيف يحصل هذا الكم الهائل من الصفات الظاهرية والمختلفة في البشر؟ وسيصبح واضحاً بعد قليل أن خلف هذا الكم الهائل من الصفات عدد كبير من الجينات التي تتحكم في هذه الصفات، ويقدر عدد الجينات في الإنسان بمائة ألف جين ولايقتصر عمل هذه الجينات على التحكم في الصفات الظاهرية كلون العين والشعر والجلد والطول بل هي مسؤولة أيضاً عن تخليق البروتينات المكونة لجسم الإنسان والتي تتحكم أيضاً في عملياته الحيوية.
والجينات محمولة على 46 صبغياً(كروموسوم) وهي موجودة في نواة كل خلية من خلايا الجسم ماعدا كريات الدم الحمراء.وكذلك فإن الخلايا الجنسية: أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى فإنها تحتوي نصف هذا العدد من الصبغيات، فالحيوان المنوي يحتوي على 22 صبغياً جسديا وصبغياً واحداً جنسيا وهو إما صبغي اكس أو واي،وأما البويضة فإنها تحتوي أيضاً على 22 صبغياً جسدياً ودائماً على صبغي جنسي واحد من نوع اكس، ويتكون من اتحاد الحيوان المنوي بالبويضة البيضة الملقحة(الأمشاج)والتي تحتوي على 46 صبغياً منها 44 من الصبغيات الجسدية المتماثلة وصبغي اكس في الأنثى أو واي في الذكر، وكل زوج من الصبغيات الجسدية متماثل في شكله وكذلك في نوع الجينات التي يحملها. أي أن كل خلية تحوي نسختين من كل جين، نسخة على كل صبغي من الصبغيين المتماثلين وكل نسخة تسمى أليل، ويمكن أن يكون الأليلان لجين معين متشابهين أي يعملان بصورة متماثلة فتكون الخلايا متماثلة الأليل(هوموسيغوز) لهذا الجين أو متباينة الأليل(هيتيروسيغوز) إذا كانا مختلفين في عملهما كأن يكون أحدهما سليماً والآخر أصيب بطفرة نتج عنه نتاج مختلف أو معطوب، وتعريف الأليل هام جداً لأنه سوف تبنى عليه فيما بعد أسس تحديد البصمة الوراثية.
وتتكون الصبغيات من خيطين لولبيين من الحمض النووي د. ن . ا، وكل خيط من الخيطين يتكون من سلسلة من الوحدات الأساسية وهي النوويدات(نيوكليوتيدات) مرتبطة ببعضها وكل نوويد يتكون من قاعدة نيتروجينية إما أدينين أو جوانين أو ثايمين أو سايتوزين متحدة مع سكر ريبوزي لا اكسجيني(دياوكسي ريبوز) ومجموعة فوسفات، وخيطا الدنا مرتبطان مع بعضهما بروابط هيدروجينية، وفي الخيطين يرتبط الأدينين مع الثايمين والسايتوزين مع الجوانين ليعطيا زوج نوويدان.
ويحوي الجينوم البشري مامجموعه 10×6 أس 9 زوجا من النوويدات بطول حوالي مترين، ولابد لنا هنا من وقفة مع عظمة الخالق في تصور وجود خيط طوله متران من الدنا وهو طول الصبغيات ال46 داخل نواة خلية ، وتقوم هذه الخيوط بالتكثف أثناء انقسام الخلية وتظهر كصبغيات متميزة يمكن رؤيتها بالمجهر الضوئي .
إن الجين هو جزء من خيط الدنا في الصبغي أو سلسلة نوويدات، وبالتالي فإن الصبغي يحوي آلاف الجينات،ويختلف عدد الجينات على كل صبغي حسب طول الصبغي ويقدر عدد الجينات في الإنسان بمائة ألف جين.ويمكن لبعض الصفات الجسمية أن يتحكم فيها مجموعة من الجينات، فالطول يتحكم فيه 10 جينات أو أكثر ولون الجلد 4 جينات .انتهى كلام د العسولي
كان موضوع البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها من أهم الموضوعات التي ناقشها أعضاء المجمع الفقهي في دورته السادسة عشرة التي انعقدت في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من 21 ـ 26 شوال 1422 هجري، وقد خرج المجلس في جلسته الختامية بالقرارات الآتية في مجال البصمة الوراثية:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21 ـ 26 شوال عام 1422هجري والموافق 5 ت 10 من كانون الثاني عام 2002م، وبعد النظر إلى التعريف الذي سبق للمجتمع اعتماده في دورته الخامسة عشرة، ونصه :(البصمة الوراثية هي البُنية الجينية التي تدل على هوية كل إنسان بعينه،وافدت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية بشرية من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره، وبعد الإطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية،والإطلاع على البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء والأطباء والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله.
تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين أو نفيهم عنهما،وفي إسناد العينة(من الدم أو المني أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية(التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع)، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس وارداً من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك، وبناء على ماسبق قرر ما يأتي:
أولاً:لامانع شرعاً من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولاقصاص، لخبر:(ادرأوا الحدود بالشبهات)، وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانياً:إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثاً:لايجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولايجوز تقديمها على اللعان.
رابعاً:لايجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً،ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصوناً لأنسابهم.
خامساً: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:
1 ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء،سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها،أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
2 ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
3 ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب،وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها،أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.
سادساً:لايجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لاتجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد.
سابعاً: يوصي المجمع بما يأتي:
1 ـ أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء،وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.
2 ـ تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها.
3 ـ أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع،وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات(الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضرورياً دفعاً للشك.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد.
الخلايا الجذعية والموقف الفقهي
يتألف الجسم من مجموعة من الأنسجة والأعضاء المكون الرئيسي فيها مجموعة من الخلايا والتي تتجاوز مليارات الخلايا،وهناك خلايا نبيلة إذا ماتت لاتعوّض ومنها خلايا الدماغ والتي تسمى الخلايا الرمادية تمييزاً لها عن خلايا النسيج الضام،وخلايا عضلة القلب وهذه تسمى الخلايا النبيلة لأنه في حال موتها وفنائها لايستطيع الجسم تعويضها. وهناك خلايا بأعمار متفاوتة فإذا انقضى أجلها يمكن للجسم تعويضها ومنها خلايا الجلد، وخلايا المعدة والامعاء وكريات الدم الحمراء والبيضاء.. ويتم تعويض هذه الخلايا من خلال عملية انقسام وتكاثر تقوم بها مايسمى الخلايا الجذعية والتي تعمل كمصانع لإنتاج وتوليد خلايا الجسم وتجديد أنسجته .وهذه الخلايا الجذعية هي خلايا غير متخصصة ولكنها قادرة على التميز وتشكيل خلايا متخصصة ومتجددة.
ويوجد هناك نوعان من الخلايا الجذعية:الخلايا الجذعية الجنينية وتم اكتشافها عام 1999 من قبل العالم جيمس طومسون، والخلايا الجذعية البالغة وهذه تساعد على الترمم الخلوي والنسيجي لبعض أجهزة الجسم.
وقد عرف العلماء هذه الخلايا الجذعية منذ أكثر من نصف قرن وخاصة منها الخلايا الجذعية المنشئة لعناصر الدم من الكريات الحمراء والبيضاء والصفيحات الدموية، وكذلك تبين لهم أن هذه الخلايا الجذعية المنشئة لعناصر الدم يمكن لها أن تغادر نقي العظم وتتجول في الدوران الدموي والعكس.وقد تبين أنه لكل حوالي عشرة ألاف خلية من خلايا نقي العظم توجد خلية جذعية منشئة للدم.وتوجد خلية جذعية واحدة لكل ألف خلية في الدوران الدموي.ولقد تبين للباحثين أيضاً أن المشيمة والحبل السري يحتويان على الخلايا الجذعية المنشئة للدم.
ويمكن بواسطة الخلايا الجذعية الجنينية علاج بعض الأمراض وخاصة العصبية ومنها داء باركنسون(الشلل الرعاشي) وداء الزهايمر وغيرها.ويمكن القول أنها قد تفيد في علاج الداء السكري المعتمد على الانسولين(أي النموذج الأول).
الخلايا الجذعية هي اللبنات الأولى التي يتكون منها الجنين وبالتالي كافة أنواع خلاياه وأنسجته المختلفة(أكثر من 220 نوعا من الخلايا والأنسجة). وهي في منتهى الأهمية لمعرفة كيفية تكوين الجنين الإنساني، ومعرفة كثير من أسرار ذلك التكوين.وبالتالي فهم نشأة هذا الخلق وتطوره، ومداواة مايعرض له من شذوذات وأمراض، مثل أنواع الشذوذات الخلقية، والبول السكري، وأمراض القلب، وأنواع السرطان، وأنواع من أمراض الجهاز العصبي الخطيرة التي لادواء ناجع لها حتى اليوم، ومثالها مرض الزهايمر ومرض باركنسون وأنواع من الشلل.وهناك العديد من الاستعمالات الطبية المستقبلية للخلايا الجذعية.وقد بدأت التجارب في كثير من هذه الميادين وحققت نجاحا جيداً.
والخلايا الجذعية تتكون في الجنين الباكر الذي يبلغ من العمر أربعة أيام إلى ستة أيام منذ التلقيح عند تكون الكرة الجرثومية(البلاستولا). والبلاستولا لها:
1 ـ كتلة خلايا خارجية: تتكون منها بإذن الله المشيمة والأغشية التي يرتبط بها الجنين بالرحم.
2 ـ كتلة الخلايا الداخلية:وهي التي يخلق الله منها سبحانه وتعالى جميع خلايا الجنين. وهي التي تعرف باسم الخلايا الجذعية.