الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

خلق الجنين — النطفة والتخصيب

1 ـ كما جاء في مجلة العلم(العدد 241من عام 1988): “إن النطفة تحتوي على عامل مُفَعِّل يوجد في هيولاها، وهو المسؤول عن انقسام البيضة وتمايز خلاياها.

2 ـ تدل الأبحاث العلمية الحديثة أنه يتم اتصال النطفة مع البيضة عند الثدييات من خلال وجود بروتينات معينة في النطفة من نوع غليكوزيل ترانزفير، ووجود مركبات سكرية في سطح البيضة، ومن خلال الدراسات على الحيوانات أمكن اصطناع أضداد تجاه هذه البروتينات وبالتالي لايحدث تماس للنطفة مع البيضة فلا يحدث الإلقاح،ويقال إن 5 بالمائة من حالات العقم عند الإنسان تنجم عن وجود هذه الأضداد تجاه النطف.

3 ـ ولقد لوحظ أيضاً أنه عندما تقترب النطفة من البيضة يدور كل منهما حركة بعكس دوران عقارب الساعة، وهذه الحركة(أي عكس عقارب الساعة) هي نفسها حركة الالكترونات حول بروتونات النواة،وحركة الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس،وهي حركة الأفلاك في المجموعة الشمسية، وهي حركة الطواف حول الكعبة ابتداء من الحجر الأسود..

رحلة البيضة الأمشاج من النفير إلى الرحم

بعد أن يتم الاقتران وتتشكل النطفة الأمشاج(البيضة الملقحة) بانصهار مكونات النطفة المذكرة مع البيضة، وبشكل خاص انصهار العوامل الصبغية الوراثية،فإنه يتشكل كائن جديد، جديد الصفات وجديد المكونات،وهو البيضة الملقحة،وهذه تسافر في رحلة شهر العسل وذلك بأن تقطع المسافة من نفير الرحم حيث تمّ الإلقاح والتخصيب إلى جدار الرحم حيث يحصل التعشيش.

إذاً فإن النطفة الأمشاج هي البداية الأولى لتشكل الجنين(محصول الحمل)، وكما ذكرنا فإنها خلية كبيرة جداً(وهي الخلية الوحيدة في الجسم الذي يمكن رؤيتها بالعين المجردة وبدون استعمال المجهر)، وأثناء الرحلة من النفير إلى الرحم يحصل على البيضة الملقحة عدة انقسامات داخلية وينجم عن هذه الانقسامات مايسمى البيضة التوتية(موريولا) لأن لها شكل ثمرة التوت، ويقدر أنه يحصل انقسام للبيضة داخلياً كل12 إلى 15 ساعة.ومن بعد التوتة يتم تشكل الكيسة المصورة(البلاستولا) والتي تصل الرحم بعد حوالي أربعة أيام من الإباضة،وتنطمر في الطبقة السطحية لغشاء الرحم في اليوم السابع.

وقد وجد أن عدد خلايا الوليد عند ولادته تقدر بحوالي 200 بليون خلية، فسبحان الله رب العالمين.

ورحلة البيضة الملقحة(الامشاج) من النفير إلى الرحم تعتبر من أكثر الأوقات الحرجة لحياة البيضة ومستقبلها،وذلك لأن البيضة لاتتحرك بذاتها،بل تعتمد على حركة الأهداب السريعة لبطانة الغشاء المخاطي للنفير،وعلى تقلص العضلات الملس في جدار النفير، وإن أي تبدل على مستوى الأهداب أو العضلات يؤثر في هذه الرحلة،وقد يكون له عقابيل وخيمة في هذه المرحلة.

إن هجرة البيضة إلى الرحم تتم ببطء شديد وتقترن بالعديد من المفاجأت،فالغشاء المخاطي للنفير تنساب منه وباستمرار سوائل مغذية للبيضة تساعدها على النمو والتغذية،والأهداب ويقدر عددها بالملايين تساعد على حركة البيضة،ولكن قد تحدث بعض العقبات وأهمها بشكل خاص:

1 ـ لقد وجد أنه توجد مَصَرَّة عضلية مابين القسم الوحشي الواسع للنفير الذي تم فيه الإلقاح والقسم الذي يليه باتجاه الرحم،وأن هذه المصرة العضلية قد تمنع البيضة ورغم صغرها من المرور،ولكن تبين أيضاً أنه بمجرد أن تصل البيضة الملقحة إلى هذه المصرة فإنها ترتخي فجأة وتسمح للبيضة بمتابعة الرحلة والمرور عبرها،ووجد أنه مما يساعد على استرخاء هذه المصرة هرمونات الجسم الأصفر أي البروجسترون.

2 ـ إن القسم الإنسي من النفير وهو الذي يتصل مباشرة مع جسم الرحم ذو لمعة ضيقة جداً بحيث قد تواجه البيضة الملقحة صعوبة كبيرة في المرور من خلاله،وخاصة أيضاً بسبب الثنيات المخاطية للغشاء المخاطي فيه،وتحاول البيضة وبكل جهدها ان تتغلب على هذا العائق الميكانيكي(ضيق لمعة النفير والثنيات المخاطية)وتسعى البيضة ما أمكنها أن لاتعلق في تلافيف وثنيات هذا الغشاء المخاطي،وإذا لاقدر الله لم تستطع الهجرة وعلقت بين ثنيات وتلافيف الغشاء المخاطي للنفير فإنه يحصل التعشيش فيه بدلاً من جدار الرحم ويحصل مايسمى الحمل النفيري، وهذا الحمل يترافق مع أعراض الحمل الطبيعي العادي ومنها الوحام،ويكون فحص الحمل إيجابياً، ولكن الخطورة هنا أن النفير الضيق لايستطيع أن يستوعب المضغة السريعة النمو في الحجم،وهذا يؤدي لحدوث نزف باطني مهدد لحياة الأم ويستدعي العمل الجراحي السريع لإستئصال قسم من النفير والمضغة معاً.

ولقد لوحظ في بلاد الغرب ازدياد عدد حالات ونسبة الحمل النفيري،ويعلل ذلك بكثرة الالتهابات والأنتانات الجنسية وخاصة داء السيلان والالتهابات بالمتدثرات(الكلاميديا) وهذه تسبب التهابات مزمنة في النفير مع حدوث تليفات وتضيقات فيه وهذا يؤدي لإرتفاع حدوث حالات العقم وزيادة نسبة الحمل النفيري،وتقدر نسبة حدوث الحمل النفيري 1 /15 من الحمول الطبيعية.

“وليس الذكر كالأنثى”

إن النطفة المذكرة تختلف عن النطفة المؤنثة(البيضة) اختلافاً كبيراً ومن عدة وجوه:

1 ـ إن البيضة هي أكبر خلية من خلايا الجسم البشري ويمكن رؤيتها بالعين المجردة،حيث يبلغ قطرها عند النضوج 200 مكرون،أما النطفة فهي من أصغر خلايا الجسم ولاترى إلا بالمجهر ولايتجاوز طولها 60 مكرون.

2 ـ إن البيضة تتمتع شكلاً بكل صفات الأنوثة فهي مستديرة،يحيط بها الإكليل المشع وكأنّه التاج تلبسه العروس في ليلة الزفاف،وتحيط بها الوصيفات(الخلايا الجرابية) التي تؤمن لها الرعاية والخدمة والحماية والتغذية،وهي ـ أي البيضة ـ لاتتحرك بذاتها،بل تسير في دلال وتؤدة تحركها الأهداب الموجودة في الغشاء المخاطي للنفير وتقلص عضلاته الملساء،فهي قبل عملية الزفاف والإقتران عروس في أجمل شكل قد هيأت نفسها فأحسنت هيئة وشكلاً.

أما النطفة فعلى النقيض من ذلك، فهي لاتتمتع بأي صفات الجمال،بل هي أقرب إلى الرجولة الفظّة والذكورة البحتة،ففي رأس النطفة توجد مايسمى القلنسوة وكأنها العمامة ولها شكل مدبب ليساعد على اختراق البيضة عند الإلقاح، وهي ذات عنق بسيط وصغير،وذيل طويل يبلغ أضعاف طولها (النطفة تكون بدون الذنب بطول 6مكرون ويبلغ طول الذنب حوالي 50 مكرون)، ورأس النطفة له شكل مخروطي مُدّبب،وتتحرك النطفة بسرعة كبيرة جداً وذلك بسبب طول الذنب والذي يساعد على السباحة السريعة فهو كالمحرك الذي يحرك المركب الصغير ويسير به بسرعة جبارة، وكالفارس الذي يتشوّق إلى مقابلة الحبيب،ويساعدها في تلك الحركة حركة السوط الذي يوجد في تركيب ذيلها،وبالتالي فإن النطفة تحمل صفات الذكورة والرجولة والتي تُمكّنها من اختراق الصعاب وتحمل المشاق من أجل الوصول إلى الهدف الرئيسي وهو الاقتران بالحبيبة كاملة الأنوثة.

3 ـ وهناك تفاوت كبيرٌ في الأعمار، فمعدل عمر النطفة 3 ـ 5 ايام، وأما عمر البيضة فإنه لايتجاوز 24 ساعة،وسبب اختلاف الأعمار مابين الإثنين يتعلق علمياً بناحية هامة، وهي أن الإلقاح يحدث في الثلث الوحشي للنفير المجاور للمبيض، والبيضة بعد الإباضة تصل إلى هذا المكان خلال ساعات،وأما النطفة فعليها أن تقطع مسافة طويلة وبعيدة بعد الدفق من المهبل إلى عنق الرحم ومن ثم جسم الرحم وحوالي ثلثي النفير وما تقابله هذه المسافة الطويلة والشاقة من صعوبات وعوائق.

4 ـ إن البيضة تحتوي في الهيولى(السيتوبلاسما) على مايسمى الحبيبات المُحيّة، وهذه تؤمن التغذية للبيضة خلال الأيام الأولى من التطور،بينما النطفة فهي لاتشابه الخلايا البدنية الأخرى، فهي لاتحتوي إلا على هيولى بسيطة جداً،ولكنها تمتاز بقدرتها الشديدة على الحركة والتي لاتشابهها في ذلك أي من خلايا الجسم الأخرى.

5 ـ تحتوي النطاف بالإضافة إلى الصبغيات الجسمية على نوعين من الصبغيات الجنسية(اكس أو واي) وهذا يحدد جنس الجنين كما سنذكر فيما بعد إن شاء الله، وأما البيوض فإنها تحتوي على نفس العدد من الصبغيات الجسمية وعلى نوع واحد من الصبغيات الجنسية وهو النوع اكس.

نعم إن الذكر ليس كالأنثى فهما مختلفان ولكنهما متكافئان في القيمة ولو أن قيمة كل منهما من نوع مختلف.

ولقد خلق الله الإنسان والحيوان والنبات والجماد وجعل من كلٍ منهما زوجين اثنين وحتى على مستوى الذرة فإن هناك أيضاً البروتونوات والالكترونات.يقول تعالى:{ومن كُلِّ شئٍ خَلقنا زوجينِ لعلكم تذكرون}[الذاريات 49].

يقول الدكتور اليكس كاريل في كتابه”الإنسان ذلك المجهول”:”إن قوانين وظائف الأعضاء في الذكر والأنثى محددة ومنضبطة كقوانين الفلك ـ حيث لايمكن إحداث أدنى تغيير في الأعضاء البشرية ـ وعلينا أن نسلم بها كما هي دون أن نسعى إلى ماهو غير طبيعي.

والذين ينادون بمساواة المرأة بالرجل يجهلون هذه الفوارق الأساسية،وعلى النساء أن يقمن بتنمية مواهبهن بناء على طبيعتهن البشرية وأن يبتعدن عن تقليد الرجال.

ويقول الدكتور البروفسور محمد هيثم الخياط رحمه الله في مقال بعنوان“دور المرأة المسلمة في الصحة والتنمية“:

„أنا أنطلق في مقولتي هذه من منطلقات ثلاثة،أولها:حقيقة لا يُماري فيها من عرف الإسلام حق المعرفة،واستوعب شرع الله عز وجل كما ورد في كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم،ألا وهي أن الإسلام قد سوّى بين الرجل والمرأة مساواة حقيقية.

سوّى بينهما في أصل الخلقة،فقرر أن الله قد خلق الناس:{من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء}(النساء 1)،وقال لهم:{يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى}(الحجرات 13).

وسوّى بينهما في المسؤولية عمّا كان منهما في مرحلة الخلق الأول:{فوسوسَ لهما الشيطانُ ليبُدي لهما ما وُريَ عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكينِ أو تكونا من الخالدين@وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين@فدَلاهما بغرورٍ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفِقا يَخصفان عليهما من ورقِ الجنة وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوٌّ مبين@ قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين}(الأعراف 20 ـ 23).

وسوّى بينهما في المسؤولية الإنسانية فقرر أنه:{من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبة}(النحل 97) وأنه:{من عمل سيئة فلا يُجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلونَ الجنّة يُرزقون فيها بغيرِ حساب}(غافر 40).

وسوّى بينهما في مسؤولية الالتزام بالدستور الإلهي وأوامر الدين:{وما كانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسولُهُ أمراً أن يكون لهمُ الخِيرةُ من أمرهم}(الأحزاب 36).

وسوّى بينهما في ثواب الله عز وجل:{إنَّ المسلمينَ والمسلمات والمؤمنينَ والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقينَ والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتُصدِّقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظينَ فروجهم والحافظات والذاكرينَ الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً}(الأحزاب 35)

وسوّى بينهما في المسؤولية السياسية عن صلاح المجتمع:{والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهم أولياءُ بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(التوبة 71).

وسوّى بينهما في المسؤولية عن عمارة هذه الأرض واستدامة العمران فيها:{أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}(هود61)،بعد أن ذكرهما بتمكينه إياهما في الأرض وتوفير مصادر الرزق والعيش فيها:{ولقد مكَّناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش}(الأعراف 10)

وسوّى بينهما في حقّ التملك لما اكتسبوه،بعمل قاموا به أو بأي شكل مشروع آخر:{للرجالِ نصيبٌ ممّا اكتسبوا وللنساءِ نصيبٌ ممّا اكتسبن}.

وسوّى بينهما في الأحقية بالإرث من الوالدين والأقربين:{للرجالِ نصيبٌ ممّا تركَ الوالدانِ والأقربونَ وللنساء نصيبٌ ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلَّ منهُ أو كَثُر نصيباً مفروضاً}(النساء 7)،ولو أنه تحقيقاً للعدالة الحقّة جعل مقدار ما يرث كل منهما متناسباً مع ما هو مُلزمُ شرعاً بإنفاقه.

وسوّى بينهما في حقّ ممارسة العمل المهني،فكان من النساء على زمن النبي صلى الله عليه وسلم من تعمل في الزراعة،ومن تعمل في الرعي،ومن تعمل في الحياكة والنسيج،ومن تعمل في الصناعات المنزلية،ومن تعمل في إدارة عمل حرفي،ومن تعالج المرضى وتداوي الجرحى وتعمل في التمريض.

وسوّى بينهما في حقّ طلب العلم،بل في وجوب طلب العلم،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم„(رواه ابن ماجة وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه)،أي أنه أوجب أن تنخفض نسبة الأمية في الجنسين إلى صفر بالمائة.

وسوّى بينهما في الحفاظ على السمعة والمكانة الاجتماعية وعدم تعريضهما إلى أي همز أو لمز أو سخرية أو غيبة:{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكُنّ خيراً منهنَّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب@ ولا يغتب بعضكم بعضا}0الحجرات 11 ـ 12).

وسوّى بينهما في المسؤولية القانونية والجنائية فجعل العقوبات تطبق عليهما على حد سواء،وجعل التعويض عمّا يصيبهما يطبق عليهما على حد سواء.

وسوّى بينهما في اختيار كل من الزوجين لزوجه،واتخاذ قرار الزواج،فلا زواج إذا لم توافق المرأة،ولا زواج إذا لم يوافق الرجل.

وسوّى بينهما في المسؤولية عن البيت،فالرجل راعٍ في بيته،والمرأة راعية فيه،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم :“يخصف النّعلَ ويرقعُ الثوب ويخيط…“(رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها)،:“ويكون في مهنة أهله„(رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها).وفي رواية عند أحمد أن عائشة رضي الله عنها سئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟فقالت:“كان بشراً من البشر،يَفلي ثوبه،ويحلبُ شاتهُ ويخدم نفسه“ وفي رواية أخرى لأحمد:“ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم“.وهما في هذا البيت الكريم الذي تظلله السكينة والمودة والرحمة،يأتمران بينهما بمعروف،ويقرران شؤون البيت عن تراضٍ منهما وتشاور.

وسوّى بينهما في حرمة تعريض أولادهما لما يهدد حياتهم،فقرر أنه:{قد خسرَ الذين قتلوا أولادهم سَفهاً بغير علم}(الأنهام 140)،بل شدّد في الإناث:{وإذا المؤودة سئلت@ بأيِّ ذنبٍ قُتلت}0التكوير 8 ـ 9)،وقال النبي صلى الله عليه وسلم:“إن الله حرّمَ عليكم عُقوق الأمهات ووأدَ البنات“(رواه البخاري عن شعبة).

وسوّى بينهما فيحضور العبادات والاحتفالات ومجامع الخير.

ويتابع الدكتور الخياط رحمه الله:“ومع هذه التسوية الكاملة،راعى الإسلام المرأة مراعاة خاصة في عدد من الأمور،ولاسيما ما تعلّق بصحتها الجسمية والنفسية.فالمرأة التي ستتعرض في مقبل حياتها إلى الاضطلاع بوظيفتها البيولوجية التي خصها الله بها،وهي كما وصفها الله عز وجل وهنٌ على وهن،في حاجة إلى رعاية صحية كاملة منذ طفولتها بل منذ أن تكون جنيتاً في رحم أمها.وهذه الرعاية الصحية تعني أن يُضمن لها أن تتلقى منذ طفولتها تغذية جيدة،وأن لا تضطر في أي مرحلة من مراحل حياتها ولاسيما في مراحل نضجها،إلى عمل يُضعف صحتها أو يُشوه جسمها.فلذلك ولغيره ـ والله أعلم ـ شاء الله أن يجعل الرجال قوّامين على النساء،والقوامة على إنسان تعني رعايته والقيام بشؤونه.فهي تكليف وتشريف لا رياسة وسيادة كما يظن كثير من الناس.ويوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه“لاتزال طائفة من أمتي قوّامة على أمر الله لايضرها من خالفها“.قال الإمام ابن حزم في المحلى:“وأما قول الله تعالى{الرجال قوّامون على النساء}(النساء 34)…فإن الله لم يَخصَّ هذا الكلام زوجاً من أب ولا من أخ…وصحّ أن المراد بقوله{الرجال قوامون على النساء} ما لا خلاف فيه من وجوب نفقتهن وكسوتهن عليهم،فذات الزوج على الزوج،وغير ذات الزوج إن احتاجت على أهلها فقط،وبالله التوفيق“.

فالعمل بالنسبة إلى المرأة إذن حقّ لا واجب،تضطلع به كلما كانت ظروفها تسمح بذلك،وعلى الرجل القوامة،أي أنه مسؤول عن رعايتها والقيام بشؤونها وكفايتها مؤونة العيش.ويقوم الرجل عند عقد الزواج بتقديم بادرة رمزية إلى المرأة تسمى“المهر“،تعبيراً عن تعهده بهذه القوامة.وهي بادرة قد تُناقضها الزوجة ببادرة رمزية معاكسة إذا كرهت زوجها في ما بعد،فترد عليه ماله بما يسمى“الخُلع“ تعبيراً عن إعفائها إياه مسؤولية القيامة وعزوفها عن قبول رعايته وقوامته.

“من نُطفةٍ خلقهُ فقدره”

الآيات الكريمة:

{ أيَحْسَبُ الإنسانُ أن يُتركَ سُدى* ألم يَكُ نُطفةً من مَنيٍ يُمنى}[ القيامة 36 ـ 37]

{ ولقد خلقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين* ثم جعلناهُ نُطفةً في قرارٍ مكين} المؤمنون12 ]

{أولم يرَ الإنسانُ أنا خلقناهُ من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين}[ يس77 ]

“{قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره* من أيِّ شئٍ خلقه* من نطفةٍ خلقهُ فقدره* ثمَّ السبيلَ يَسَّره}[ عبس 17 ـ 21 ]

{واللهُ خلقكم من تُرابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ جعلكم أزواجاً}[ فاطر11 ]

{وأنّهُ خلقَ الزوجين الذَّكرَ والأنثى* من نُطفةٍ إذا تُمنى}[ النجم 45 ـ 46]

{خلقَ الإنسان من نُطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين}[ النحل4 ]

{أكفرتَ بالذي خلقكَ من تُرابٍ ثمَّ من نطفةٍ ثمَّ سوَّاكَ رجلاً}[ الكهف37 ]

{فإنّا خلقناكم من تُرابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ من علقة}[ الحج5 ]

{هو الذي خلقكم من تُرابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ من علقة}[غافر67 ]

ولقد تكرر ذكر النطفة في القرآن الكريم في اثني عشر موضعاً.

الأحاديث النبوية الشريفة:

أخرج الإمام أحمد في مسنده أن يهودياً مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُحدث أصحابه. فقالت قريش يايهودي إن هذا يزعم أنه نبي.فقال لأسألنّه شئ لايعلمه إلا نبي.فقال: يامحمد مِمَ يُخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يايهودي من كُلٍ يُخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فقال اليهودي هكذا كان يقول من كان قبلك(أي من الأنبياء).

من الناحية اللغوية:

النطفة: في اللغة العربية تطلق على عدة معان منها: القليل من الماء والذي يعدل القطرة.

جاء في “المفردات في غريب القرآن” للأصفهاني:

النطفة: الماء الصافي ويُعبّر بها عن ماء الرجل، ويُكنّى عن اللؤلؤة بالنطفة ومنه صبيٌ منطفٌ: إذا كان في أذنه لؤلؤة، وليلة نَطوف: يجئ فيها المطر حتى الصباح، والناطف: السائل من المائعات.

وجاء في “لسان العرب” لإبن منظور:

النطفة: الماء الصافي والجمع النطاف، والنطفة ماء الرجل والجمع نُطف،وجاء في الحديث الشريف” فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج إلينا ،وقد اغتسل ينطفُ رأسُه ُماء“،فكبّرَ فصلى بنا.[جزء من حديث شريف أخرجه مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

قال ابو منصور: والعرب تقول للمُويهة القليلة: نُطفة، وللماء الكثير نطفة وهو بالقليل أخص.

من الناحية العلمية:

وكما ذكرنا سابقاً فإنه من بين ملايين الحيوانات المنوية تستطيع واحدة منها فقط أن تصل إلى البيضة وتُلقّحها،وأما الباقي فإنه يتلف ويهلك ويضيع،كما أن الإخصاب يتم أيضاً من نطفة مؤنثة أي بيضة واحدة،وفي حالات نادرة كما في الحمل التوأم أو الثلاثي أو أكثر وهو مايسمى التوائم غير المتماثلة فإنه تنضج عدة بيضات لدى الأنثى أثناء الإباضة وكل من هذه البيوض يُلّقح بنطفة مذكرة واحدة، أي عدة بيوض مع عدة نطاف،ولكن لكل بيضة نطفة واحدة، وتعشش هذه البيوض المخصبة في جدار الرحم وينشأ عن كل منها جنيناً مستقلاً بذاته،أما في الحمل بالتوأم الحقيقي فإن البيضة الملقحة ذاتها تنقسم إلى قسمين أثناء الانقسام الخلوي بعد الإخصاب من نطفة واحدة وينشأ عنها الحمل بالتوأم الحقيقي المتشابه وهما جنينان متماثلان في كل شئ.

العلقة ومرحلة التعشيش

الآيات القرآنية الكريمة:

{ أيحسبُ الإنسانُ أن يُتركَ سُدى* الم يكُ نُطفةً من مَنيٍ يُمنى* ثُمَّ كان علقةً فخلقَ فسوى* فجعل منه الزوجين الذكرَ والأنثى* أليسَ ذلك بقادرٍ على أن يُحيَ الموتى}[القيامة 36 ـ 40 ]

{اقرأ باسمِ ربِّكَ الذي خلق* خلقَ الإنسانَ من عَلَق}[العلق 1 ـ ـ2 ]

{يا أيُّها الناس إن كُنتم في ريبٍ من البعث فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ثُمَّ من نطفةٍ ثمَّ من علقةٍ ثمَّ من مضغةٍ مُخلقةٍ وغير مخلقة}[الحج 5]

{ ثُمَّ خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مُضغة}[ المؤمنون 14]

{هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة}[ غافر 67 ]

التفاسير:

جاء في تفسير القرطبي رحمه الله:

من علق: أي من دك،والعلقة الدم الجامد،وإذا جرى فهو المسفوح.وقال :من علق فذكره بلفظ الجمع،لأنه أراد بالإنسان الجمع،وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة.

والعلقة: قطعة من دم رطب،سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه،فإذا جفت لم تكن علقة.

من الناحية اللغوية:

العَلَق:اسم جمع عَلَقة: وهي قطعة قيد الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطباً لم يجف، وسمي ذلك تشبيهاً بدودة صغيرة تسمى العلقة،وهي حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة وتمتص الدم من الحيوان أو الإنسان إذا علق خرطومها بجلده.

جاء  في “المفردات في غريب القرآن” للأصفهاني:

العَلَق: التشبث بالشئ، يقال عَلِقَ الصيدُ في الحُبالة وأعلق الصائد إذا علق الصيد في حبالته،والعلق: دود يتعلق بالحلق، والعلق: الدم الجامد ومنه العلقة التي يكون منها الولد.

وجاء في” لسان العرب” لإبن منظور:

عَلِقَ بالشئ عَلقاً وعَلِقه: نشب فيه، قال جرير:

إذا عَلِقت مخالبُهُ بِقَرْنٍ                     أصابَ القلبَ أو هتكَ الحجابا  

والعلق: الدم، وقيل: الدم الجامد الغليظ، وقيل الجامد قبل أن ييبس، وقيل : هو مااشتدّت حمرته، والقطعة منه علقة.

التعشيش والعلوق

من الناحية العلمية:

عند وصول البيضة الملقحة(الأمشاج) المنقسمة على نفسها عدة انقسامات أثناء رحلتها من النفير إلى الرحم(حيث تبدأ عملية انقسام داخل البيضة الملقحة بطريقة الإنقسام المتساوي كي تعطي أربع خلايا،والتي تنقسم بدورها إلى ثمان وهكذا وهذه العملية بطيئة وتستغرق من 12 ـ 24 ساعة لكل انقسام) فإنها تسمىالكيسة المصورة“Blastola”،,وعندما يصل عدد الخلايا المنقسمة داخل البيضة الملقحة إلى 16 ـ 32 خلية تسمى بالتوتة Morula لأنها تشبح حبة التوت،وهذه مهمتها الآن أن تحاول التعشيش داخل الغشاء المخاطي لجسم الرحم، ويبدأ التعشيش بإفراز” البلاستولا” لمركبات هرمونية موضعية تؤثر على الجهاز المناعي الموضعي للأم،وذلك لأن البيضة الملقحة باحتوائها على النطفة المذكرة وانصهارهما معاً تعتبر جسماً غريباً على بدن الأم،ومن الناحية المناعية لابد للجهاز المناعي عند الأم أن يطرد هذا الجسم الغريب ولكن إفرازات “البلاستولا” تمنع هذه التفاعلات المناعية المثبطة للبيضة.

وقد وجد في السنوات الأخيرة أن من الأسباب الهامة لحدوث الإسقاطات المتكررة عند بعض النساء هو وجود هذه التفاعلات المناعية من جانب الأم تجاه البيضة الملقحة.وقد وجد في بعض الدراسات أن إعطاء الاستروجين بجرعات كبيرة ولمدة عدة أيام بعد الجماع أنه يسبب منع حدوث الحمل لأن هذه الكمية الكبيرة من الاستروجين تمنع حدوث التعشيش. وهذه الواسطة نادراً ماتستعمل لمنع الحمل لأن إعطاء هذه الكميات الكبيرة من الأستروجين قد تسبب أعراضاً عامة شديدة غير محتملة ومنها الغثيان والإقياء،كما أنها واسطة لاتمنع الإخصاب ولكن تمنع النطفة الأمشاج من التعشيش،وتستعمل هذه الواسطة في بعض الحالات وخاصة عند النساء بعد الأغتصاب،أو لمنع حدوث الحمل عند بعض النساء فوق سن الأربعين.

وعند وصول “البلاستولا “إلى غشاء جسم الرحم المخاطي فإن هذا الغشاء يكون على أتمّ الاستعداد لإستقبال البيضة الملقحة وذلك بسبب افراز بعض الهرمونات التي تهيئ بطانة وغشاء وجسم الرحم لاستقبال هذا الضيف الوافد،ومنها هرمون البروجسترون الذي يفرز في البداية من الجسم الأصفر في المبيض وهو عبارة عن جريب دوغراف الذي انطلقت منه البيضة بعملية الإباضة، وهذا الهرمون يهيئ غشاء الرحم المخاطي ليكون فراشاً مريحاً مع مستلزماته لتعشيش البيضة الملقحة، وفي النصف الثاني من الحمل يتم افراز هذا الهرمون من المشيمة وغدة الكظر.

أما إذا لم تحدث عملية الإلقاح للبيضة فإن الجسم الأصفر يذبل ويضمر ولايتشكل هرمون البروجسترون،وبالتالي لايتهيأ غشاء الرحم المخاطي،ويظهر “حزن الرحم” على موت البيضة وعدم حدوث الإلقاح حزناً يصاحبه بكاءً دموياً وهو مايعرف بالدم الطمثي.

وبعد أن تعشش البلاستولا في الغشاء المخاطي لجسم الرحم فإنها تحدث تأثيرات موضعية وعامة في الغشاء المخاطي للرحم،وبجميع أقسام هذا الغشاء،فهو أي الغشاء يصبح أكثر سماكة، وعنق الرحم تزداد إفرازاته المخاطية،وعضلة الرحم ترتخي وتصبح أكثر مرونة،والأوعية الدموية الموجودة تحت الغشاء المخاطي للرحم تتبارز وتزداد حجماً وتنمو باتجاه لمعة الرحم من أجل زيادة التبادل الغذائي مابين الأم وجنين المستقبل.

ولقد وجد أن البيضة الملقحة المنقسمة في طور الخلية ذات ال8 خلايا(أي توجد 8 انقسامات داخل البيضة الملقحة) تكون الخلايا فيها متشابهة تماماً،ولكن بعد هذا الطور يحدث تمايز خلوي واضح حيث توجد اشكال عديدة للخلايا،وذات وظائف مختلفة، وهذا يسمى في علم الجنين طور التمايز الخلوي،وهذا الطور يحدد كل خلية، وكيف تتطور، وأي نسيج يتكون منها أو عضو، وهذا يعتبر سر من الأسرار الكبيرة للحياة التي مازال العلماء يحاولون كشف وفك بعض رموزها.

وفي اليوم الثاني عشر بعد إلقاح البيضة تتشكل استطالات من البلاستولا،وهذه الاستطالات ينشأ عنها فيما بعد الكيس السلوي والحبل السري والمشيمة.

مواضع التعشيش:Implantation

يحدث التعشيش غالباً في القسم المتوسط من جسم الرحم وخاصة في الجدار الخلفي، وذلك لكون التروية الدموية الشعرية في الرحم غزيرة جداً، وبحيث يكون هناك نوعاً من الإنجذاب من جانب العلقة المتشكلة تجاه الدوران الوالدي.

ويلاحظ أن بطانة الرحم تستعد بعد التلقيح والتخصيب وتشكيل النطفة الأمشاج أي البيضة الملقحة،فتنتفخ بطانة الرحم بسبب استطالة غددها خارجية الإفراز،وتزداد أوعيتها الدموية.ويعرف غشاء باطن الرحم بعد التعشيش باسم الغشاء الساقط.

وثبت أن الأرومة المغذية للبيضة الملقحة تفرز هرموناً هو الهرمون الغدي التناسلي المشيميHCGوهذا الهرمون يحفز إطلاق هرمون البروجسترون من الجسم الاصفر في المبيض والذي يساعد على تثبيت محصول الحمل في بطانة الرحم.

ولقد لوحظ أنه إذا كانت هناك أذيات في الرحم أو بعض التشوهات فإنه قد يحدث أن تعشش البيضة الملقحة في غير المكان الطبيعي المألوف(وهو في القسم العلوي من جسم الرحم أي مايسمى قاع الرحم،أو في القسم الجانبي) ، وإن حدوث التعشيش في أماكن غير مألوفة قد يؤدي إلى حدوث مشاكل كبيرة في تطور الحمل،ومن أهم هذه المشاكل أن يحدث التعشيش أما  في عنق الرحم وهذا مايسمى طبياً ارتكاز المشيمة المعيب، وهنا لايمكن أن تحدث الولادة بالشكل الطبيعي بل لابد من إخراج الجنين بالعملية القيصرية،ومن المواضع الشاذة للتعشيش أيضاً كما ذكرنا سابقاً في منطقة النفير وهذا مايسمى الحمل النفيري، ولقد وجد أيضاً أن 90 بالمائة من حالات الحملالهاجر(أي خارج الرحم) يشاهد في نفير الرحم، وفي 60 بالمائة من حالات الحمل النفيري يشاهد في الجزء من النفير المسمى الصيوان أو القمع، ونسبة مشاهدة الحمل النفيري حوالي1/25 ـ 1/80 من حالات الحمل ككل،وإن الحمل النفيري يسبب تمزق النفير وحدوث أنزفة شديدة مهددة للحياة خلال الأسابيع الثمانية الأولى للحمل،وهو قد يهدد حياة الأم الحامل بسبب النزوف الباطنية الخطرة،وهو لايترافق مع استمرار وبقاء محصول الحمل.

وقد يشاهد الحمل الهاجر وفي حالات نادرة في المبيض أو في تجويف البطن(وكلاهما نادر جداً)، ولقد لوحظ في بعض حالات الحمل الهاجر في تجويف البطن أنه قد يستمر فيه الحمل، وأنه قد يلد الجنين بعد جراحة قيصرية، وقد تستمر حياة الوليد ويتابع النمو،ولكن العادة أن الحمل البطني لايترافق مع استمرار الحمل ويشكل خطراً كبيراً وشديداً على الأم لأن المشيمة تلتصق بأعضاء حيوية وتسبب نزوفاً شديدة،وفي حالات نادرة أخرى قد يموت الجنين في الحمل البطني وتحدث موضع وجوده تكلسات وتسمى التكلسات الجنينية.

لماذا لايلفظ الجنين؟:

والسؤال الذي يحير العلماء حتى اليوم ولم يجدوا له جواباً شافياً أن الجسم الإنساني ومن خلال الجهاز المناعي يمنع الانسجة والأجسام الغريبة من البقاء فيه وهذا مايلاحظ في حالات زرع الأعضاء المعروفة وخاصة زرع الكلية أو القلب أو الكبد..ولايمكن احتفاظ الجسم بالعضو المزروع فيه إلا من بعد إعطاء مثبطات المناعة وأحياناً بتراكيز عالية ،فلماذا يبقى محصول الحمل الذي يبتدأ بالنطفة الأمشاج ثم العلقة ثم المضغة ثم الجنين في داخل الرحم ولعدة شهور وبدون أن يحصل نبذ أو طرد له وهو يعتبر جسماً غريباً بالنسبة للأم الحامل؟

هذا اللغز المناعي لم يصل الطب بعد إلى جواب شافي له،فكيف لايلفظ الجسم عند الأم هذا الجنين بأنسجته وأعضائه المختلفة بينما يلفظ كلية مزروعة أو قلباً صغيراً.. وإلى الآن لاتوجد نظرية مقبولة تماماً لتفسير هذه الظاهرة المحيرة، وآخر النظريات أو الفرضيات حول هذا الموضوع أن الخلايا اللمفية للوالدة الأم الحامل والجنين تتعايش مع بعضها البعض وكأنها تشعر بروابط القربى!وهناك دراسات نشرت في المجلة الطبية نيو انغلاند جورنال عام 1986 العدد 315 وحسب دراسات أجريت في جامعة ماك ماستر في مدينة هاملتون في كندا تقول بأن المضغة ـ في الزجاج ـ تفرز عاملاً مثبطاً مناعياً وربما اثنين وهذا العامل المناعي يمنع تفاعلات الرفض لدى الأم الحامل.

وهناك دراسات أخرى أجريت في أمريكا والسويد ذكرت بأن الدم الذي يجري في الحبل السري يحتوي نوعاً من الكريات البيض أسموها الكريات القامعة لأنها تقمع وتثبط عمل وفعالية الكريات البيض لدى الأم والتي تقوم بلفظ الأجسام الغريبة، وهذه الكريات القامعة يقال أنها من انتاج الجنين الذي يناضل من أجل البقاء في الرحم.

ونعود لموضوع العلقة من جديد:

إن الإعجاز العلمي في كلمة العلقة يتجلى فيما يلي:

إن اختيار الله عز وجل لفظ العلقة في هذه المرحلة من مراحل تخلق الجنين فيه من الناحية اللغوية والعلمية مظاهر عديدة من الإعجاز:

1 ـ أنه لايزيد طولها أي العلقة عن جزء ضئيل من الملمتر، وهي غير مخلقة وخالية من الأطراف والأجهزة.

2 ـ أن العلقة تشبه دودة العلق من حيث أنها من خلال خمائرها واستطالاتها التي ترسلها في الغشاء المخاطي للرحم تعمل على مص الدم من هذا الغشاء،وينجم عن تمزق الأوعية الدموية بسبب هذا الفعل تشكل مايسمى البرك الدموية والتي تحصل منها العلقة ومن ثم الجنين على الغذاء والأوكسجين اللازمين لاستمرار حياته،ولقد وصف العالم “هيرتيغ” عام 1968م طبقة السديم الخلوي والتي تنشأ عنها الزغابات المشيمية ووصف طريقة عملها فقال:إنها طبقة غازية، هاضمة، وقارضة ، فهل هناك وصف علمي أدق وأجمل من هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها هذا العالم.

3 ـ أن العلقة تكون شديدة العلوق في الغشاء المخاطي للرحم ولايمكن أن تسقط منه عفوياً،وأنها تنطمر فيه انطماراً تاماً بعد اختراقها له وكأنها البذرة قد وُريت بالتراب.وبعد أن تكبر البيضة الملقحة ويتشكل الجنين فإن محصول الحمل يأخذ بالتدلي في جوف الرحم ويكون مرتكزاً في أحد أطرافه على جدار الرحم ويكون ارتكازاً متيناً يحمل هذا الثقل ولاينفك عن جدار الرحم ولايسقط في تجويفه، ويستمر محصول الحمل أي الجنين في الكبر وزيادة الحجم حتى يملأ قسماً كبيرأ من تجويف الرحم ورغم ثقله الذي يصل إلى أكثر من 3 كغ في نهاية الحمل فإنه يبقى شديد العلوق في جدار الرحم

4 ـ اتفاق المعنى اللغوي والطبي معاً بشكل يدعو إلى قمة الإعجاز.

فالذي يحدث فعلاً أن العلقة شديدة العلوق بجدار الرحم،وأنها تسلك مسلك دودة العلق في أنها تمتص الدم والغذاء من هذا الغشاء المخاطي، وأن هذا العلوق يكون شديداً رغم كبر هذه العلقة ونموها السريع المتتالي، وبالتالي حصل الإتفاق في المعنى اللغوي والعلمي، وتبارك الله أحسن الخالقين.

المضغة

الآيات الكريمة:

{يا أيُّها النَّاسُ إن كُنتم في ريبٍ من البعثِ فإنَّا خلقناكُم من ترابٍ ثُمَّ من نطفةٍ ثُمَّ من علقةٍ ثُمَّ من مضغةٍ مُخَلَّقةٍ وغيرِ مُخَلَّقةٍ لنُبيّنَ لكم}[ الحج 5]

{ثُمَّ خلقنا النُطفةَ علقةً فخلقنا العلقةَ مُضغةً فخلقنا المضغةَ عظاماً فكسونا العظامَ لحماً ثُمَّ أنشأناهُ خلقاً آخرَ فتباركَ الله أحسنُ الخالقين}[المؤمنون 14 ]

الأحاديث النبوية الشريفة:

“إنَّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد“[ رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

“ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” [جزء من حديث شريف متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]

من الناحية اللغوية:

جاء في” المفردات في غريب القرآن” للأصبهاني:

المضغة: القطعة من اللحم قدر مايُمضغ ولم ينضج، وجعل اسماً للحالة التي ينتهي إليها الجنين بعد العلقة.

وجاء في” لسان العرب“:

المضغة: من اللحم قدر مايُلقي الإنسان في فيه ومنه قيل: في الإنسان مضغتان إذا صلحتا صلح البدن: القلب واللسان، والجمع مُضغ، وقلب الإنسان مضغة من جسده.

التفاسير:

وجاء في تفسير “الظلال” لسيد قطب رحمه الله في تفسير آيات سورة الحج:

” ثم يبقى بعد ذلك تحول سر تلك النطفة إلى علقة،وتحول العلقة إلى مضغة، وتحول المضغة إلى إنسان! فما تلك النطفة؟ إنها ماء الرجل، والنقطة الواحدة من هذا الماء تحمل ألوف الحيوانات المنوية،وحيوان منها هو الذي يلقح البويضة من ماء المرأة في الرحم، ويتحد بها فتعلق في جدار الرحم. وفي هذه البويضة الملقحة بالحيوان المنوي.. في هذه النقطة الصغيرة العالقة بجدار الرحم  ـ بقدرة القادر وبالقوة المودعة بها من لدنه ـ في هذه النقطة تكمن جميع خصائص الإنسان المقبل: صفاته الجسدية وسماته من طول وقصر وضخامة وضآلة، وقبح ووسامة، وآفة وصحة…كما تكمن صفاته العصبية والعقلية والنفسية.. من ميول ونزعات، وطباع واتجاهات، وانحرافات واستعدادات. فمن يتصور أن يصدق أن ذلك كله كان في تلك النقطة العالقة؟ وأن هذه النقطة الصغيرة الضئيلة هي هذا الإنسان المعقد المركب،الذي يختلف كل فرد من جنسه عن الآخر، فلا يتماثل اثنان في هذه الأرض في جميع الأزمان؟ ومن العلقة إلى المضغة، وهي قطعة من دم غليظ لاتحمل سمة ولاشكلاً،ثم تخلق فتتخذ شكلها بتحولها إلى هيكل عظمي يُكسى باللحم، أو يلفظها الرحم قبل ذلك إن لم يكن مقدراً لها التمام”.

ومن الناحية العلمية:

يحدث تطور المضغة كما يلي:

حوالي اليوم الرابع من الإخصاب تظهر في الكتلة الخلوية للتوتة(الماريولا) عدة تجاويف، ويتشكل بعد ذلك سائل يمر عبر هذه التجاويف، وبازدياد كمية هذا السائل والذي يأتي غالباً من تجويف الرحم فإنه يفصل هذه الخلايا إلى طبقتين:

1 ـ الطبقة الخلوية الخارجية(Trophoblast) : وهذه ينشأ عنها فيما بعد المشيمة.

2 ـ الطبقة الخلوية الداخلية(Embryoblast) وهذه ينشأ عنها فيما بعد المضغة بالذات.أي الجنين والسلى والكيس المحي فيما بعد.

وابتداءً من هذه المرحلة يسمى محصول الحمل الكيسةالمصورة(Blastocyst).

وفي اليوم الخامس وحتى السادس تصل البلاستولا إلى غشاء باطن الرحم وعندما تلامس هذا الغشاء فإن الطبقة الخلوية المغذية الخارجية ترسل استطالات سريعة النمو، وتنقسم هذه الطبقة بحد ذاتها إلى قسمين أو طبقتين:

1 ـ الطبقة الداخلية وتسمى الطبقة الخلوية المغذية(Cytotrophoblast)

2 ـ الطبقة الخارجية وتسمى الطبقة الخلوية السديمية(Syncytiotrophoblast)

وهذه الطبقة الخارجية الأخيرة عبارة عن تجمع خلوي يحتوي العديد من النوى بشكل السديم،حيث لاتوجد أغشية خلوية تفصل بين هذه الخلايا،ومن هذا السديم الخلوي ينشأ فيما بعد الاستطالات التي تنغرس في بطانة غشاء الرحم وتغزو لحمته(Stroma) وتسمى فيما بعد بالزغابات المشيمية.

ويطلق العلماء اسم المضغة على محصول الحمل ابتداء من الاسبوع الثاني من التلقيح وذلك بعد أن يكون قد تشكل اللوح المضغي، وتمتد فترة المضغة حتى نهاية الاسبوع الثامن من الإخصاب وتلقيح البيضة.

وإن طور المضغة له أهمية خاصة في علم الطب حيث أنه في هذا الطور قد تحدث أذيات خاصة قد ينشأ عنها مايسمى طبياً اعتلال المضغة.

واعتلال المضغة يُعرّف بأنه الأذيات غير الوراثية التي تصيب المضغة أثناء تطورها(18 ـ 85 يوم بعد الإلقاح) وهذا يُفرّق ويُميّز عن اعتلال الجنين.

وهذه الأذيات التي تصيب المضغة قد تكون بسبب فيروسات وخاصة الحصبة الألمانية، أو بسبب نقص الأوكسجين وخاصة بسبب إصابة الأم ببعض الأمراض القلبية أو الصدرية، أو بسبب بعض أذيات المشيمة، أو قد يكون بسبب بعض السموم أو الأذيات الفيزيائية أو بسبب بعض الأدوية أو المخدرات أو تناول الغول والمسكرات أو بسبب التعرض للأشعة السينية.. أو بسبب بعض الأمراض الإستقلابية عند الأم ومنها داء السكري.. وينجم عن هذه الأذيات تشوهات قد تصيب الأطراف أو العينين أو الأذنين إو حدوث اصابات قلبية عند المضغة، وقد ينجم عنها حصول الإسقاط.

وزمن حدوث هذه الأذيات أثناء طور المضغة ذو أهمية خاصة في أشكال التشوهات وشدتها التي تصيب أعضاء المضغة، لأن كل عضو من أعضاء المضغة له زمن تطور معين وبالتالي نوع الأذية حسب العضو المصاب وزمن إصابته ومدى تطور هذا العضو.

ويتميز دور المضغة أيضاً بالصفات التالية:

1 ـ انتهاء الاعتماد على العلوق:

يصبح محصول الحمل ذو ثقل واضح أكبر من تحمل منطقة ارتكازه في جدار الرحم،وبالتالي فإن متانة الرحم وخاصة الانغلاق في عنق الرحم يلعب دوراً هاماً في تثبيت محصول الحمل، وفي بعض الأمراض التي تترافق مع قصور عنق الرحم تحدث اسقاطات وخاصة في النصف الثاني من طور الحمل.

2 ـ تشكل المشيمة:

والتي توفر للمضغة ثم للجنين فيما بعد الغذاء والأوكسجين ابتداءً من الاسبوع الثاني عشر من الحمل،والمشيمة عبارة عن قرص لحمي دموي وظيفته التغذية فقط، ولا علاقة للمشيمة بتطور أعضاء المضغة أو الجنين.

3 ـ الصعود إلى البطن:

بعد الاسبوع الثاني عشر من الحمل يصعد الرحم باتجاه البطن بعد أن كان حوضياً محاطاً بالعظام من كل جانب.

وهناك ملاحظة: حسب مااستعرضنا من مراحل تطور المضغة فإنها تصل في نهاية الشهر الثالث إلى حجم يتجاوز مقدار مايُمضغ كما ذهب إليه الكثير من المفسرين، وهنا لابدّ أن أُنوّه وأُذكر بالحديث النبوي الصحيح والمتفق عليه والذي رواه المحدثون عن الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه“إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب“.

فالمضغة تكون في بداية تشكلها فعلاً ذات حجم صغير قد لايتجاوز مقدار مايُمضغ من قطعة اللحم كما جاء في التعريف اللغوي، ولكنها في نهاية طور تشكلها تكون ذات حجم يبلغ أضعاف مضاعفة من بداية تشكلها، وهنا يفيد الرجوع إلى حديث النبوي المروى عن النعمان بن البشير للأخذ بالتعريف النبوي للمضغة.

المضغة المُخلَّقة وغير المُخلّقة

الآيات الكريمة:

{يا أيُّها الناسُ إن كنتم في ريبٍ من البعثِ فإنّا خلقناكُم من ترابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثُمَّ من علقةٍ ثُمَّ من مُضغةٍ مُخلَّقةٍ وغيرُ مُخلَّقة لِنُبيّنَ لكم ونُقِرٌّ في الأرحام ما نشاء إلى أجلٍ مسمى ثُمَّ نخرجكم طفلاً}[ الحج 5 ]

التفاسير:

تباينت التفاسير في موضوع المُضغة المُخلّقة وغير المخلقّة، فالإمام الحسن البصري وهو أحد سادة التابعين قال: المخلقة: المصورة، وغير المخلقة: هي غير المصورة.

والصحابي الجليل عبد الله بن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما قال:المخلقة: تامة الخلق، وغير المخلقة : غير تامة الخلق.

وقال آخرون:المخلقة:تامة الخلقة لاعيب فيها ولانقص، وغير المخلقة:أي بها عيب ونقص.

وقال آخرون: المخلقة: هي الجنين والمضغة، وغير المخلقة: السقط الذي لم تكتب له الحياة(الطبري والخازن والنسفي والألوسي والزمخشري..)

ومن الناحية العلمية:

بعد أن تُلقح البيضة فإنها تبدأ مباشرة بالإنقسام وبشكل سريع1 ـ 2 ـ 4 ـ 8 ـ 16 وهكذا..إلى أن تأخذ البيضة الملقحة المنقسمة عدة مرات شكل ثمرة التوت(Morula) ومن هذه التوتة تأخذ خلايا الطبقة السطحية بتشكيل ما يسمى طبقة الخلايا المغذية(Trophoblast) ومن هذه الطبقة بالذات تتميز طبقتان:

الطبقة الباطنة الخلوية Cytotrophoblast: وهذه ينشأ عنها فيما بعد خلايا وأنسجة وأعضاء الجنين، والطبقة الخارجية الظاهرة وتسمى Synyctiotrophoblast، وهذه الطبقة هي المسؤولة عن حفر غشاء باطن الرحم المخاطي والذي أصبح يسمى الآن الغشاء الساقط”لأنه يسقط عند الولادة”، وتحفر النطفة الأمشاج مسكناً لها في الغشاء الساقط.

وفي هذا السياق يظهر تجويف في التوتة ملئ بسائل فتصبح التوتة بشكل كيسة وتدعة الكيسة المصورة(Blastocele) وتكون محاطة بالطبقة المغذية المذكورة في القسم الظاهر الخارجي، وتحتوي على كتلة خلوية في الداخل يتشكل منها المخلوق الجديد.

أي أنه يوجد نوعان من الخلايا: خلايا مغذية غير مميزة، وخلايا مميزة وهي الخلايا الداخلية للتوتة ومن هذه ينشأ ويتمايز ويتخلق عنها الجنين ويتصور أنسجة وأعضاء.

ومن هذه الخلايا المُصورة للمضغة وأعني بها الخلايا الداخلية للتوتة فإنه ينشأ عنها أيضاً مجموعتان من الخلايا:

1 ـ  الخلايا الخارجية وتسمى الوريقة الخارجية(Ectoderm) وهذه تشكل عند الجنين فيما بعد الجلد والاشعار والأظافر والحواس والجملة العصبية.والأغشية المخاطية في الفم والأنف ..

2 ـ أما الخلايا الداخلية وتسمى الوريقة الداخلية(Endoderm فإنه ينشأ عنها فيما بعد عند الجنين جهاز الهضم والغدد الملحقة به كالكبد والبنكرياس، وكذلك المجاري التنفسية وبعض الغدد الصماء كالغدة الدرقية وجار الدرقية.

3 ـ  ثم تنشأ مابين الورقتين الخارجية والداخلية، طبقة متوسطة وتسمى الوريقة المتوسطة(Mesoderm) وهذه ينشأ عنها فيما بعد القلب والأوعية الدموية والعضلات الملس والمخططة والعظام ونقي العظم والغضاريف وغشاء الجنب والتأمور والصفاق(البريتوان) والكليتين ,ادمة الجلد الداخلية وقسم من الغدد الصماء.

إذاً مايحدث هنا أنه يتشكل لدى المضغة نوعان من الأنسجة:

1ـ جزء مُخلّق ومُصوّر: وهو الذي يتشكل منه الجنين بأنسجته وأعضاءه المختلفة

2 ـ جزء غير مُخلّق: وهو عبارة عن المشيمة والحبل السري وهما لاعلاقة لهما بتشكل أنسجة الجنين وأعضاءه وإنما وظيفتهما فقط تغذية الجنين وتأمين الاستقلاب والأوكسجين والحماية وهذان الجزءان المُخلّق وغير المُخلّق يرتبطان معاً من خلال الحبل السري.

فالإعجاز يتجلى هنا في عدة نواحي: 

1 ـ من المعروف في علم الجنين أن هناك خلايا من النشأة الأولى تكون مهيأة للنمو وتشكيل أنسجة وأجهزة وأعضاء الجسم المختلفة، وهناك خلايا أخرى لاعلاقة لها بهذا التمايز الشكلي المورفولوجي أو الوظيفي وإنما مهمتها فقط بتوفير الغذاء والحفظ والوقاية، فالأولى ذات اختصاص وتميز(مخلقة)، والثانية ليس لها هذا التميز(غير مخلقة).

2 ـ أن هناك خلايا يتشكل منها المضغة والجنين فهي خلايا متميزة،وخلايا ينشأ عنها المشيمة والحبل السري والسائل السلوي ووظيفتها التغذية والوقاية والحماية وهي خلايا غير متميزة .

3 ـ ويمكن القول أيضاً أن طور المضغة يمر بمرحلتين: المرحلة الأولى والتي لم يتشكل فيها بعد أي عضو أو جهاز”المضغة غير المخلقة”،والمرحلة الثانية حيث يتشكل فيها الأنسجة والأعضاء وتتميز وظيفياً وشكلياً “المضغة المخلقة”،وفي طور المضغة المتخلقة يبدأ تخلق الجهاز التناسلي ويبدأ التمايز الجنسي للجنين.

4 ـ في كتاب التشريح التطوري يقول العالم الدكتور ليزلي: “في الجنين تتمايز الخلايا على حسب برامج زمنية مختلفة،فمنها مايتمايز بسرعة ويسير في طريقه إلى نهايته المرسومة له، ومنها مايسير ببطء في هذا التمايز، ومنها مايتوقف بعد السير ثم يواصل سير التمايز. وتبقى مجموعة من الخلايا غير متمايزة إلى أخر العمر وتشكل الأحتياطي الذي يمكن أن يحتاج إليه في كل لحظة.

أي أن هناك نوعان من الخلايا:خلايا ذات وظيفة خاصة بالتغذية والوقاية والحماية وهي خلايا غير متميزة وينشأ عنها المشيمة والحبل السري والسائل السلوي أو الصائي(الامنيوسي) وهذه تتشابه في صفاتها مابين الحيونات العديدة من الثدييات والإنسان،وهناك خلايا متمايزة خاصة ينشأ عنها خلايا وأنسجة وأعضاء الجنين والتي يختلف من جنس لآخر.

ومن الخلايا في الطبقة المغذية يتم افراز بعض الهرمونات ومنها هرمون النمو والذي يساعد على بقاء ونمو الجسم الأصفر والهام لاستمرار الحمل، ومن هذه الطبقة المغذية أيضاً تنشأ وتتكون الاستطالات والزغابات المشيمية والتي تنشأ عنها فيما بعد المشيمة،وكذلك فإنه من الطبقة الخارجية للكيسة المصورة(البلاستولا) يتكون الحبل السري والذي يصل مابين المضغة والمشيمة.

ملاحظة:(تقول العرب:قد انقطع السِّلى في البطن: فالسلى من المرأة والشاة مايلتف فيه الولد في البطن كما جاء في الكامل للمبرد ج1 ص27)

المشيمة Placenta

المشيمة  أو السُحذ:

عبارة عن عضو دائري مسطح استقلابي يتصل بالجنين هن طريق الحبل السري،غني بالأوعية الدموية،وتُشكّل صلة الوصل مابين المضغة ولاحقاً الجنين من جهة،والأم من جهة أخرى،ولها شكل القرص،ويصل وزنها عند الولادة حوالي نصف كغ ،أي حوالي سدس وزن الوليد، ويوجد في كل سم2 مربع من المشيمة أكثر من مائة زغابة مشيمية،وهذا يهيئ سطحاً استقلابياً وتبادلياً واسعاً مابين الأم والجنين.

يبلغ طول المشيمة لدى الأنثى الحامل حوالي 22سم،ويبلغ سمكها 2 ـ 2,5 سم.ووزن المشيمة حوالي 500 غرام،وتكون بلون أحمر تشوبه الزرقة أو بلون كستنائي.

تلتصق المشيمة بجدار الرحم،وعادة في أعلى الرحم أو بجانبه أو بالجزء الامامي أو الخلفي منه(الجدار الخلفي العلوي هو المكان الانسب لوجود المشيمة).وفي حالات نادرة قد تلتصق المشيمة بالمنطقة السفلية من الرحم وهذا ما يعرف باسم ارتكاز المشيمة المعيب وهذا له نتائجه الضارة وخاصة عند الولادة.ولوحظ أن هذا الارتكاز المعيب قد يكون له علاقة مع سن الحامل حيث يشاهد غالباً عند من تجاوزت الأربعين من العمر.

إن المشيمة تبقى محافظة على وظائفها وبشكل جيد لمدة 40 اسبوعاً فقط،فإذا ماتأخر الوضع فإن الإحتياجات الغازية(الاوكسجين) والغذائية التي يحتاجها الجنين قد لاتكون كافية، وإن الجنين الذي يولد بعد الحمل المديد الطويل قد يصاب بآفات (قد تكون دائمة وشديدة)أو ذو فرصة ضئيلة في استمرار الحياة.

وكما ذكرنا فإنه لايحدث اتصال مباشر والتحام مابين الدوران الوالدي والجنيني،وإنما هناك حاجز ويسمى بالحاجز المشيمي والذي يتألف من طبقات ثلاثة رقيقة:

البطانة الوعائية المضغية

نسيج الزغابات المشيمية الضام

وطبقة الخلايا المغذية

ومن خلال هذا الحاجز المشيمي تمر الأغذية والمُستقلبات،وهذا الحاجز المشيمي يلعب دوراً هاماً في التصفية والرشح،ويحول دون الجراثيم وغيرها من العضويات والكائنات الدقيقة من الوصول إلى الجنين،كما يمنع بعض المواد الكيماوية وسواها من الوصول إلى دم الجنين،وهو لهذا من أمنع الحواجز الراشحة.

أهم وظائف المشيمة:

1 ـ هي بمثابة جهاز الهضم للجنين:

حيث تؤمن له حاجياته الغذائية الضرورية، وما يحتاج إليه من الفيتامينات، ويتم ذلك عن طريق اختيار المواد الجائلة في الدم الوالدي ويسمح لها بالحلول.

يقول ابن الرومي:

جرى قلم القضاء بما يكونُ                    فسيان التحرك والسكونُ

جُنونُ مِنكَ أن تسعى لِرزقٍ                  ويُرزقُ في غشاوتهِ الجنينُ

إن المواد تعبر عن طريق المشيمة بإحدى الوسائط التالية:

أولاً: التفشي البسيط:

وهو عبور المواد من التراكيز الأعلى إلى التراكيز الأخفض، وهذا يعتمد على الحجم الجزيئي للمادة والقدرة الشاردية والقدرة على الإنحلال بالدسم.

إن سكر الدم الوالدي أعلى منه عند الجنين،وإن ارتفاع سكر الدم لدى الأم يليه ارتفاع سكر الدم لدى الجنين،ولكن بما أن الأخير يعود بسرعة إلى تركيزه الطبيعي فإن سكر الدم عند الجنين إما أن يُحرق أو يختزن في أنسجة الجنين.

ثانياً:التفشي المُسهَّل:

يعتمد على تركيز المادة وممال التركيز،ولكنه يسرع ببعض العوامل كما هو الحال بالنسبة لسكر العنب والسكريات الأخرى التي تعبر المشيمة بهذه الواسطة.

ثالثاً:النقل الفاعل:

ويحدث عكس الممال الكيماوي ـ الكهربي،وهو بحاجة إلى طاقة لتسهيل العبور،وهذا ينطبق خاصة على عبور ونقل الفيتامينات والحموض الأمينية عبر المشيمة.

رابعاً:البلعمة.

ويمكن للمشيمة أن تدخر بعض الفيتامينات وخاصة:A وC وD ،وتعطيها للجنين عند الضرورة.

كما أن المشيمة وخاصة في أوائل الحمل تصنع الغليكوجين والكولسترول،والحموض الدسمة،فهي تعتبر مصدراً للتغذية وتوليد القدرة بالنسبة لمحصوا الحمل.

والمشيمة تلعب دوراً مماثلاً لإنبوب الهضم حيث يتم عبرها امتصاص الكثير من المواد الغذائية والسوائل،فلقد تبين أن الماء يمر بسرعة وبشكل حر مابين الأم والجنين ويزداد هذا التبادل مع تقدم الحمل،وتمر الفيتامينات وبسرعة أيضاً عبر المشيمة وهي هامة لنمو الجنين،والفيتامينات المنحلة بالماء مثل الفيتامين C وB المركب تمر بسرعة أكبر من الفيتامينات المنحلة بالدسم وهي A،،E،وK.

إن الفيتامين A يمر من المشيمة ويختزن في كبد الجنين،وإن عوز هذا الفيتامين الحاد قد يسبب تشوهات عند الجنين.

وأما الفيتامين C فإنه يمر من الأم إلى الجنين بشكل مستقلبه المسمى دي هيدرواسكوربيك أسيد وهذا بعد عبوره المشيمة تصطاده الكريات الحمراء لدى الجنين بسرعة.

أما الفيتامين K فإنه يمنع حدوث النزيف الدموي عند الجنين،وإن عوز هذا الفيتامين يعتبر من أهم أسباب تناذر النزيف الوليدي بعد الوضع.

كما أن سكر العنب(الغلوكوز) يمر بسرعة عبرالمشيمة، ويعتبرسكر العنب المصدر الرئيسي للقدرة وتوليد الطاقة في العمليات الاستقلابية في خلايا الجنين،وهو هام جداً من أجل تطور ونمو الجنين.

وإن هرمون الإنسولين الضروري جداً في عمليات الإستقلاب لايصل إلى الجنين عن طريق الدم الوالدي(أي أنه لايعبر المشيمة) وإنما يتم إفرازه من خلايا بنكرياس الجنين.

2ـ وهي بمثابة الجهاز التنفسي للجنين:

حيث يتم عن طريق المشيمة تبادل الغازات مابين الدورانين: الوالدي والجنيني،وخاصة فيما يتعلق بغازي الأوكسجين وثاني أوكسيد الفحم.

وإن تبادل الغازات عبر المشيمة مابين الأم والجنين يتم بواسطة التفشي البسيط، وإن انقطاع مناقلة وتبادل الأوكسجين عبر المشيمة ولعدة دقائق فقط يسبب خطراً شديداً على الجنين ويسبب وفاته أو الحاق أذيات شديدة فيه.

ولقد تبين علمياً أنه يمر إلى الدوران الرحمي حوالي 20 ـ 35 مل من الأوكسجين في الدقيقة في أواخر الحمل،وأن نصف هذه الكمية يمر إلى الجنين،وبالتالي يمكن أن تعتبر المشيمة بمثابة الرئة بالنسبة إلى الجنين.وإن نقص الاوكسجين(الهيبوكسميا) عند الجنين ينجم بصورة رئيسية عن العوامل التي تسبب نقصاً في الدوران الرحمي ومنها هبوط الضغط الشرياني الحاد والنزوف الشديدة والتشنج الوعائي الشديد،أو بسبب نقص الدوران الجنيني.

إن الضغط القسمي للأوكسجين عند الجنين منخفض جداً إذا ماقورن مع الإنسان الكهل، وبحيث يمكن أن يقال أن الجنين في رحم أمه وكأنه يعيش على قمة “جبل إيفرست”،وإن انقطاع الحبل السري بعد الولادة والوضع يؤدي إلى ارتفاع تركيز غاز ثاني أوكسيد الفحم وهذا يسبب عند الولادة لبكاء الطفل لأن البكاء ليس إلا حركات شهيقية تستهدف طرد الفائض من هذا الغاز وتنشيط الدوران والتنفس.

3 ـ وهي بمثابة الجهاز البولي(الكلية) للجنين:

حيث تقوم المشيمة بطرح السموم التي تنجم عن استقلاب خلايا الجنين وتوصلها إلى دوران الأم،كما أن المشيمة تحافظ على مستوى التوازن الحمضي ـ القلوي في دم الجنين.

إن المفرغات وحواصل الاستقلاب مثل حمض ثاني أوكسيد الفحم فإنه يعبر المشيمة وبشكل أسرع من الأوكسجين،وكذلك فإن البولة الدموية وحمض البول يعبران المشيمة إلى الدوران الوالدي بطريقة التفشي البسيط وتفرغان مع بول الأم.

4 ـ وهي بمثابة الجهاز المناعي:

حيث تمثل المشيمة مايُسمى الحاجز المناعي الدفاعي الذي يمنع وصول الكثير من الجراثيم والفيروسات والطفيليات إلى دم الجنين،كما أن المشيمة تنقل الأجسام المناعية(الأضداد) من الأم للجنين.

إن الأضداد الوالدية تمر إلى الجنين عبر المشيمة وتحدث لدى الجنين مناعة منفعلة وخاصة منها الأضداد من نوع الغلوبولينات المناعية كاما والتي تمر بكمية كافية إلى الجنين، وهذه المناعة المنفعلة المكتسبة والتي يكتسبها الجنين من الأضداد الوالدية تعطيه الوقاية تجاه العديد من الأمراض وخاصة الخانوق(الدفتريا) والجُدري والحصبة ،ولكن الجنين لايكتسب مناعة مكتسبة منفعلة تجاه أمراض أخرى ومنها السعال الديكي أو الحماق،ولذا فإنه لايندر إصابة الوليد بعد الولادة بالسعال الديكي وقد تكون الإصابة لديه شديدة،بينما من النادر إصابة الوليد في الأشهر الستة الأولى بعد الولادة بالحصبة أو الخانوق.

5 ـ وهي بمثابة الغدة الصماء:

حيث تقوم المشيمة بإفراز بعض الهرمونات،وخاصة ابتداء من الشهر الرابع من الحمل،ومن أهم هذه الهرمونات نذكر الأستروجين، والبروجسترون وهرمون الغونادوتروبين.وهذه الهرمونات من أهم وظائفها : تثبيت الحمل، ومتابعة نمو الرحم،والتحضير لإفراز الحليب من غدة الثدي،والتحضير لعملية الولادة والوضع.

وتقسم الهرمونات التي تفرزها المشيمة إلى:

1ـ الهرمونات البروتينية: وأهمها الغونادوتروبينHCG(وهو المؤشر الذي تبث عنه اختبارات الحمل وهو المسؤول عن تثبيت الحمل وذلك لأنه يحافظ على بقاء الجسم الاصفر في المبيض خلال الأشهر الثلاثة الاولى من الحمل)، وإن هذا الهرمون  أي الغونادوتروبين تفرزه خلايا السديم الخلوي ابتداء من الإسبوع الثالث أي بعد عدة أيام من التعشيش للنطفة الأمشاج في جدارالرحم ويصل تركيز هذا الهرمون إلى ذروته في دم وبول الأم في الاسبوع الثامن من الحمل ثم ينخفض تدريجياً.وإن ارتفاعه الشديد يشاهد في الحمل التوأمي وفي مرض الرحى العداريةHydatiform mole،ويرتفع بنسبة عالية جداً في الورم الكوريوني البشريChoriocarcinoma.

ومن الهرمونات التي تفرزها المشيمة نذكر الهرمون المحرض على إفراز اللبنHuman Placentag Lactogen ويسمى أيضاً هرمون السوماتوتروبين المشيمي وهذا الهرمون مسؤول عن توفير أكبر قدر من الجلوكوز إلى الجنين،وحيث يزيد من مقاومة الأم لللإنسولين،وبالتالي ترتفع نسبته في دم الجنين.كما أن هذا الهرمون يحرض انحلال الشحوم وارتفاع مقدار الحموض الدسمة الحرة في الدوران الدموي عند الجنين.

كما تفرز المشيمة هرمون النمو والذي يساعد على نمو المشيمة وتطورها.

2 ـ الهرمونات الستيروئيدية:وخاصة منها البروجسترون والأستروجين،وإن البروجسترون يتم افرازه من المشيمة في جميع مراحل الحمل مما يدل على أهميته في تثبيت الحمل. وتحل المشيمة محل المبيض والجسم الأصفر في إفراز البروجسترون وخاصة بعد الثلث الأول من الحمل،ولذا فإن استئصال المبيض بعد الثلث الأول من الحمل لايسبب خطراً على الحمل ولايحدث الإسقاط.والبروجسترون يمنع تقلص عضلة الرحم وبالتالي يساعد على تثبيت الحمل.وأما مستقلب البروجسترون في المصورة فهو البريغنانديول

والاستروجين يساعد على بناء بطانة الرحم.وتزداد كمية الاستروجين في دوران المرأة الحامل باطراد من بداية الحمل وحتى نهايته ثم تتراجع بعد الولادة.وأكثر من نصف كمية الهرمون في دم الحامل منذ الاسبوع السابع من الحمل يأتي من المشيمة.

وبالإضافة إلى تشكيل الهرمونات من قبل المشيمة فإنه قد يعبر عن طريقها بعض الهرمونات من الدوران الوالدي،ولقد وجد أن الهرمونات البروتينية لاتصل إلى الجنين بكميات تذكر ماعدا هرمون الغدة الدرقية أي الثيروكسين والتري يود ثيروكسين،أما الهرمونات الستيروئيدية فإنها تمر وبشكل أسرع من الدوران الوالدي إلى الجنين،والخطورة هنا أنه إذا استعملت الحامل بعض الهرمونات المذكرة وخاصة التي تطبق في معالجة بعض الأورام والسرطانات وخاصة منها هرمون التستيرون فإنها تعبر المشيمة إلى الجنين وتسبب اضطرابات جنسية عند الجنين الأنثى.

المشيمة والأدوية:

وأما بالنسبة للأدوية فإن معظم الأدوية تعبر المشيمة ولكن سرعة عبورها تعتمد على عدة عوامل :

1 ـ الوزن الجزيئي للدواء: فإن المواد التي يقل وزنها الجزيئي عن 600 تعبر المشيمة بسهولة وأما التي تتجاوز 1000 فإن الإجتياز والعبور عبر المشيمة يتم بصعوبة، والقسم الأكبر من الأدوية يقع وزنه الجزيئي مابين 200 ـ 400

2 ـ طبيعة المادة الدوائية:إن الأدوية المنحلة بالدسم تمر عبر المشيمة بسهولة، وأما الأدوية الأخرى غير المنحلة بالدسم فيصعب عليها المرور إلا إذا أعطيت بتراكيز عالية.

3 ـ ارتباط الدواء ببروتينات البلاسما الدموية:إن الأدوية التي لاترتبط ببروتينات البلاسما الدموية أسهل عبوراً من التي ترتبط ببروتينات البلاسما.

ولنتكلم بالتفصيل عن أهم الأدوية وعبورها للمشيمة:

1 ـ المميعات الدموية:

إن كل المميعات الدموية تعبر المشيمة ماعدا مادة الهيبارين( وبالتالي يمكن إعطائه للحامل عند اللزوم),وإن إعطاء هذه المميعات ـ ماعدا الهيبارين ـ قد يسبب نزوفاً خطيرة عند الجنين،كما تبين أيضاً أن مادة “الوارفرين” قد تسبب تشوهات عند الجنين ومنها نقص تصنع الأنف، وتشوهات غضروفية، والتأخر العقلي، وضمور العصب البصري، والصعل(صغر الرأس والدماغ).

2 ـ المسكنات:

إن الأسبرين وبكميات كبيرة يمكن أن يشكل ضرراً على المضغة،كما أن مادة التاليدومايد قد تسبب تشوهات شديدة وخاصة نقص أو انعدام الأطراف،وتشوهات أذنية وفي القلب وجهاز الهضم.

3 ـ الصادات الحيوية:

يحذر خاصة من إعطاء مركبات التتراسيكلين  لأنها تعبر المشيمة وتسبب ترسبات في العظام والأسنان مع حدوث تصبغات،كما لاينصح بإعطائها للأطفال ماقبل سن البلوغ للأسباب ذاتها.

كذلك لايعطى مركبات الستربتومايسين(يعطى لعلاج السل) لأنه قد يسبب تشوهات وخاصة نقص السمع عند الجنين.

أما البنسلين فهو غير ضار إذا أعطي للحامل ويمكن إعطائه عند اللزوم.

4 ـ المهدئات ومضادات الصرع:

إن مركبات الليثيوم تسبب تشوهات مختلفة وخاصة على مستوى القلب والأوعية الكبيرة، ومادة الفنتوئين قد تسبب الصعل والتأخر العقلي.

5 ـ قاتلات الخلايا:

تسبب معظمها تشوهات عظمية واسعة،وتشوهات عصبية وانعدام الدماغ وخاصة منها مادة الأمينوبترين،وأما مادة البوسولفون فهي تسبب اضطرابات النمو وتشوهات عظمية وكثافات قرنية،وحدوث الشراع المشقوق في سقف الحلق، وأما مادة الميثوتريكسات فإنها تسبب تشوهات عديدة في الأطراف والوجه والعمود الفقري.

6 ـ الهرمونات المذكرة(الاندروجينات):

تسبب متلازمة التذكير عند الجنين الأنثى، وظهور اعضاء تناسلية خارجية مضاعفة(مذكرة ومؤنثة) وفرط نمو البظر.

7ـ الأدوية الأخرى:

إن بعض المركبات الدوائية قد يكون لها تأثيراً مشوهاً وضاراً للجنين ونذكر منها الأدوية التي تستعمل في معالجة بعض الأمراض ومنها بعض العقاقير والتي تستعمل كمضادة للقيئ، وبعض الأدوية التي تعطى لمعالجة الداء السكري ومنها عقار التولبوتاميد، وبعض الأدوية في علاج بعض أمراض الغدة الدرقية(المسلعات)، وبعض الهرمونات وخاصة التستوستيرون والكورتيزون،وبعض مضادات الضغط ومنها مركب الرزربين.

كما أن بعض المسكنات والمخدرات التي تستعمل أثناء الولادة وخاصة المورفين والبه تيدين والتي تعطى قبيل ساعات من الولادة قد يكون لها تأثيرأ سلبياً على الوليد وخاصة الجهاز التنفسي والتنفس عند الولادة”تأثير مثبط للتنفس”.كما أن بعض المخدرات (الأم المدمنة) ومنها الهيروئين يمكن أن تعبر المشيمة إلى الجنين وتسبب لديه الإعتياد.كما أن النيكوتين والغول يعبران المشيمة إلى الجنين ويسببان لديه اضطرابات ومنها نقص حجم الجنين والوليد عند الولادة بسبب النيكوتين واعتلال المضغة الغولي.

ويمكن القول أنه ينصح ما أمكن بعدم إعطاء الأدوية للحامل إلا عند الضرورة القصوى، وخاصة في الثلث الأول من الحمل وذلك لأن معظم الأجهزة والاعضاء يتم تشكلها في هذا الوقت،وأما بعد النصف الثاني من الحمل فإن التأثيرات الجانبية الدوائية تتركز بشكل خاص على الجملة العصبية والجهاز العصبي الذي يتأخر تشكله .

وكما ذكرنا فإن عملية التبادل مابين الجنين والأم عن طريق المشيمة يتم من خلال دورانين منفصلين تماماً لايتداخلان مع بعضهما، فكل دوران مستقل بذاته ولاتتداخل الأوعية الدموية مع بعضها وإنما يفصل مابين الدورانين نسيج ضام وخلايا عديدة.وتزداد درجة التروية الدموية في المشيمة أثناء الحمل،حيث يقدر أن جريان الدم عند المرأة غير الحامل يقدر ب 20مل بالدقيقة، ويرتفع عند الحامل ليبلغ حتى 1000 مل بالدقيقة ويذهب بمعظمه إلى المشيمة.

ومن الناحية العلمية فإن الرحم يختلف عن باقي الأعضاء في الجسم من ناحيتين:

1 ـ أنه قليل التروية الدموية: وبالتالي لايتأثر وظيفياً كثيراً في حالات نقص الأوكسجين، ولكن الأمر يختلف في حالة الحمل لإن الجنين يتأثر وبشدة من نقص أكسجة الدم.

2 ـ إن تروية الرحم لاتتعلق فقط بالحركة الدنمية للجريان الدموي بل إن لها علاقة مع مقوية عضلة الرحم،وعلى هذا فإن المركبات التي تؤثر في هذه المقوية يمكن أن تسبب زيادة أو نقص التروية حسب آلية تأثيرها.

وفي بعض الأمراض يشاهد مايُسمى قصور المشيمة، ونعني به نقص نفوذية المشيمة للأوكسجين والمواد الغذائية والمستقلبات،وهذا يسبب بطء نمو الجنين وتطوره، وفي بعض الحالات وخاصة في حالات عوز الأوكسجين الشديد قد يموت الجنين. ومن أهم أسباب قصور المشيمة ارتفاع التوتر الشرياني عند الحامل والداء السكري والتدخين.

ومن أمراض المشيمة الخطيرة ما يسمى انفكاك المشيمة الباكرPlacenta Abruption،حيث يتم انفصال المشيمة جزئياً أو كلياً من جدار الرحم قبل الولادة وهذه حالة خطيرة قد تسبب وفاة الجنين، أو الولادة المبكرة للجنين.ويشاهد هذا الانفكاك في الثلث الثالث من الحمل عادة،ولكنه قد يشاهد في أي وقت بعد الاسبوع العشرين من الحمل.ويترافق هذا مع النزيف المهبلي،مع شعور الحامل بآلام في ناحية البطن أو الظهر،وهنا لابد من الفحص السريع للحامل والمعالجة السريعة.

وبعد الوضع والولادة يلفظ الرحم المشيمة والتي تُسمى الساقط(الخلاص) وذلك خلال 15 ـ 30 دقيقة من الولادة، وإن بقاء أجزاء ولو بسيطة من المشيمة داخل الرحم بعد الولادة قد يسبب نزوفاً شديدة ومضاعفات خطيرة ومنها حدوث الالتهابات والإنتانات النفاسية، ولذا لابد من فحص المشيمة جيداً بعد الولادة والتأكد من كونها تامة وغير ناقصة.

الحبل السري Umbilical Cord

هو حبل أو قناة يصل مابين الأم والجنين، ويسمى أيضاً هلام وارتون،وهو عبارة عن نسيج ضام مخاطي يحتوي على خلايا مصورة لليف،ويتألف من مادة أساسية غزيرة هلامية.

ووظيفته نقل الفضلات التي تتكون في جسم الجنين إلى دورة الأم الدموية،وخاصة مواد البول وغاز ثاني أوكسيد الكربون.

وهو يتألف تشريحياً من شريانين ووريد”عكس القاعدة المعروفة في الجهاز الدوراني عند الإنسان إذ أن كل شريان يرافقه وريدان،أما هنا فيوجد شريانان يرافقهما وريد واحد”، ولكن هذا الشريان والذي يكون شرياناً من الناحية التشريحية إلا أنه من الناحية الوظيفية فله وظيفة الوريد،أي أن الدم الشرياني في الحبل السري يكون فقيراً بالأوكسجين وغنياً بالفضلات وغاز ثاني أوكسيد الفحم،بينما القاعدة أن الدم الشرياني على عكس الوريدي غني بالأوكسجين قليل الفضلات”.

إن تدفق الدم عن طريق الحبل السري يقارب 35مل بالدقيقة عند الاسبوع العشرين من الحمل،ويرتفع إلى 240 مل بالدقيقة عند الاسبوع الأربعين.

ويبلغ طول الحبل السري عند الولادة 50 ـ 60 سم وبسماكة 2سم ،وعند الولادة يقوم الطبيب بقطع الحبل السري مع مراعاة أن يكون القطع على مسافة لا تقل عن 5 سم من بطن المولود.

وفي بعض الحالات يكون الحبل السري طويلاً جداً وهذا يشاهد في حوالي 7% من الحالات وفي هذه الحالة يخشى من التفاف الحبل السري حول عنق الجنين والذي قد تكون له بعض العواقب وخاصة عند الولادة.

ويتساقط الجزء المتبقي من الحبل السري  بعد 7 ـ 10 أيام من الولادة ولايبقى منه عند الوليد إلا ندبة في البطن تسمى السرة.

وفي السبعينيات من القرن الماضي تم استحداث وسيلة تخزين دم الحبل السري وهذا يعتبر “شيفرة” في علاج بعض الأمراض المستعصية، حيث أن الخلايا الجذعية Stem Cells المستخلصة من الحبل السري  وهي خلايا شبيهة بخلايا نقي العظم، وهي يمكن أن تساعد على انتاج خلايا العظام والغضاريف والعضلات بالإضافة إلى خلايا الكبد والخلايا التي تشكل بطانة الأوعية الدموية،يمكن الاستفادة منها في معالجة بعض الأمراض وخاصة بعض أمراض الدم وأمراض المناعة وبعض السرطانات.ومن أجل ذلك أنشئت بنوك لجمع وتخزين دم الحبل السري.

ومن الناحية الفقهية فإن دار الإفتاء في مصر أباحت تخزين الحبل السري للمولود لاستخدامه في علاج بعض الأمراض بشرط أن يكون هذا بعيداً عن البيع والشراء والتجارة.

السائل السلوي أو الصائي(الامنيوسي):Amniotic Fluid

ينشأ ويتكون في الشهر الثالث من الحمل ويوجد داخل الكيس الأمنيوسي, ويتكون  بمعظمه من الدوران الوالدي الذي يرشح عندما يتجاوز الغشاء السلوي،وقسم بسيط منه يتشكل من مفرغات الجنين وخاصة البول،وبحيث أن الجنين يتبول في الجوف الأمنيوسي المحيط به فيشكل بوله أهم مصادر السائل السلوي وبحيث يقال” إن الجنين يسبح في بوله الممدد “.وهذا السائل يحتوي أيضاً على البروتينات والكربوهيدراـوالدهون،والدهون الفسفاتية،والشوارد.

وابتداء من الاسبوع 8 ـ 11 يقوم الجنين بابتلاع السائل والتبول فيه.

وفي نهاية الحمل فإن حوالي نصف لتر من بول الجنين يضاف للسائل السلوي.ويزداد حجم هذا السائل بالتدريج،حيث يصل إلى حوالي 30 مل في الاسبوع العاشر، و350 مل في الاسبوع العشرين،وحوالي اللتر في الاسبوع السابع والثلاثين من الحمل،ثم ينقص الحجم وبسرعة.

يتركب السائل السلوي بنسبة تصل 98 ـ 99 بالمائة من الماء والخلايا الوسفية من الجنين وبعض المركبات العضوية والأملاح،وإن قلة السائل السلوي(دون 400 مل) في الثلث الثالث من الحمل يحدث غالباً بسبب قصور المشيمة وبالتالي نقص التروية المشيمية، وكذلك في حالات غياب الكلية عند الجنين(لنقص افراغ البول عند الجنين)، وأما فرط السائل السلوي(أكثر من 2 لتر) فإنه يدل غالباً عن وجود تشوهات في الجملة العصبية المركزية للجنين،وخاصة انعدام الدماغ،أو بسبب وجود تشوهات أخرى وخاصة انسداد المري عند الجنين،ويتراكم السائل السلوي هنا لأنه لايمر إلى معدة الجنين وأمعائه ولايمتص هناك. كما أن الحمل العديد(عدة أجنة) قد يترافق مع فرط السائل السلوي.

وتدل الدراسات على أن ماء السائل السلوي يتغير ويتبدل كل 3 ساعات وذلك مابين الدورانين الوالدي والجنيني عبر غشاء المشيمة،وأن ابتلاع الجنين للسائل السلوي يعتبر عملية فيزلوجية طبيعية، وهذا الماء يمر إلى المعدة والأمعاء ويمتص هناك،وأما الماء الممتص فإنه يفرغ من قبل الكلية إلى الجوف السلوي، ويمتص مرة ثانية من قبل الجنين وهكذا…وبحيث ينظم حجم السائل السلوي باستمرار.

كما أن قسماً من السائل السلوي يصل إلى القصبات والرئتين.

يوجد هرمون الرينين بتركيز عال في السائل السلوي وأكبر منه في الدوران الوالدي ويعتقد بأن هذا الهرمون يفرز من قبل كلية الجنين.

كما أن السائل السلوي يحتوي على عدد من الخلايا المضغية،ويمكن بواسطة بزل السائل والحصول على هذه الخلايا معرفة جنس الجنين بدراسة الكروماتين الجنسي”جسيم بار” وكذلك الكشف عن بعض أمراض وتشوهات الجنين.

كما أن السائل السلوي يحتوي على الخلايا الجذعية وهي قادرة على التمييز إلى الأنسجة المختلفة.والتي يكون لها دور علاجي كما ذكرنا سابقاً.

وفي نهاية الحمل تبلغ كمية السائل السلوي التي يبلع الجنين حوالي 400 مل يومياً.

وظيفة السائل السلوي:

1 ـ يُمكِّن الجنين من النمو الخارجي المتناظر.

2 ـ يقي من حدوث التصاقات مابين محصول الحمل أي الجنين والأغشية المجاورة.

3 ـ يقي الجنين من الصدمات والرضوض التي قد تتعرض لها الحامل،حيث أن هذا السائل يوزع الضغط وبشكل متساوي على الجنين في حالات الرض أو الصدمات التي يتعرض لها البطن والرحم،وهذا يبدو بشكل جلي وخاصة أثناء الوضع والمخاض وحدوث تقلصات الرحم وهذا يتبع تماماً لمبدأ باسكال المشهور في ضغط السوائل.

4 ـ يحافظ على حرارة جسم الجنين بشكل ثابت.

5 ـ يُمكِّن  الجنين من الحركة بسهولة داخل الرحم، وهذا يفيد في النمو العصبي والعضلي للجنين.كما أنه مهم من أجل أن يتخذ الجنين الوضعية النهائية له قبل الولادة‘ فإذا لم تكن الوضعية نظامية اي مايسمى المجئ القمي، كانت الولادة عسيرة، وقد تعرض حياة الأم والجنين للخطر‘ فالسائل السلوي يسهل حركة الجنين وأخذ الوضع المناسب وخاصة قبيل الولادة.

6 ـ يساعد السائل السلوي أثناء الولادة حيث أنه يوسع فوهة عنق الرحم”مايسمى بجيب المياه” وهو جيب يتكون اسفل الرحم عند فوهة العنق وينشأ من ضغط السائل على أغشية الجنين وعندما ينفجر هذا الجيب”يقال بالعامية ماء الرأس انفجر” فإن هذا يحرض المخاض وينبه تقلصات عضلة الرحم.

7ـ يمكن إجراء بعض الفحوص الهرمونية أو الخلوية على السائل السلوي، وهذا يفيد في معرفة جنس الجنين والتحري عن بعض الأمراض الصبغية(الكروموزمات) والتشوهات مثل متلازمة داون(داء المنغولية).

صفات السائل المنوي

أولاً: ماء دافق

ـ {فَلينظر الإنسانُ مِمَ خُلِقْ* خُلِقَ من ماءٍ دافق}[الطارق 5 ـ 6]

إن عملية الدفق للسائل المنوي تحدث من الناحية الطبية أثناء النشوة الجنسية،فعند ممارسة الجنس وبسبب حدوث التنبيهات الجنسية الواردة من الحشفة(رأس عضو الذكر) والإحليل الخلفي والمراكز العصبية المجاورة،يتم تنشيط المنعكس البصلي الكهفي في قضيب الإنسان،وبسبب نشاط هذا المنعكس فإنه تحدث تقلصات منتظمة في قناة الأسهر(القناة الناقلة للنطاف)، وكذلك في الحويصلين المنويين”مخزنا النطاف واللذان يتوضعان في الحوض عند جذر القضيب بين المثانة والبروستات”، وغدة البروستات،،وهذا يؤدي لحدوث الدفق للسائل المنوي في جوف المهبل للأنثى عند الجماع.

وتُوجّه  عملية الدفق الجملة العصبية المركزية،ويوجد مركز الدفق المنوي في النخاع الشوكي القطني “في المنطقة الأولى او الثانية من النخاع القطني” والذي تسيطر عليه مراكز دماغية علوية،وفي حال وجود بعض أذيات العمود الفقري والنخاع الشوكي وخاصة على مستوى العمود القطني”الصلب” فإنه قد يحدث دفق منوي بدون وجود تنبيه جنسي،وفي بعض أذيات العمود الفقري الظهري قد يحدث دفق بدون وجود وصول للذروة أي النشوة الجنسية،وقد يحدث في بعض الحالات دفق منوي عفوي وخاصة ليلي.

إن عملية الدفق المنوي الطبيعي لها علاقة مع العوامل النفسية،ولها علاقة ايضاً مع العصب الودي(السمباتي)، ولذا يترافق الدفق والإنزال المنوي مع تبدلات في الدوران والتنفس والقلب فيحدث تسرع في القلب وتزداد حركات التنفس.

وقد يحدث أحياناً مايسمى الإنزال أو الدفق المبكر(سرعة الإنزال)، أو على العكس قد يشاهد الإنزال أو الدفق المتأخر، والسبب في الحالتين غالباً وجود اضطرابات نفسية المنشأ.أما عدم حدوث الدفق أو حدوث مايسمى الدفق أو الإنزال الراجع(أي اندفاع السائل المنوي باتجاه المثانة بدلاً من الإحليل) فهذا غالباً يدل على اضطرابات جنسية عضوية المنشأ أو بسبب تناول بعض الأدوية.

وهنا لابد من التذكير بالفرق مابين السائل المنوي الذي يدفق ويخرج عقيب الجماع أو الاحتلام ومابين المذي والذي هو عبارة عن سائل رقيق أبيض يخرج عند الشهوة والملاعبة وهو لا يحتوي على الحيوانات المنوية وإنما ينجم عن إفرازات البروستات والغدتين البصلتين الأحليلية”غدد كوبر”، وهذا السائل لاصلة له بالتخلق أو تلقيح البويضة.

وكذلك لابد من التفريق مابين السائل المنوي الذي يخرج عقب الجماع ومايسمى الودي، وهو سائل كدر ثخين يخرج عقيب التبول ومنشأه أيضاً غدة البروستات ويشترك معه بقايا بعض الرواسب التي تنطلق أخر البول، وهو أيضاً سائل لايحتوي على الحيوانات المنوية.

مما ذكر يتبين أن عملية الدفق والإنزال للسائل المنوي هي عملية تحدث وليس للإنسان الخيار في حدوثها إذا وصل إلى مرحلة النشوة والذروة الجنسية أثناء الجماع أو أحياناً بسبب الاحتلام ورؤيا المنام، وهنا نعود للآية الكريمة حيث تصف هذا الماء بأنه “ دافق“، أي اسناد الدفق للماء،مما يدل على أنه ليس مدفوقاً بإرادة الشخص، فقال “دافق” ولم يقل” مدفوق” أي أن الخصوصية في هذا الماء، وبحيث لو أراد الإنسان أن يوقف هذا الماء عن الدفق عند حدوثه لما استطاع،ولأنه كما ذكرنا يحدث أيضاً بسبب بعض الأمراض التي تصيب العمود الفقري والنخاع الشوكي، ولأنه كما ذكرنا أيضاً يحدث بدون إرادة الإنسان بسبب الاحتلام الليلي وبدون أن يكون للعقل الواعي أي دور هنا.

وهناك ملاحظة أخرى: إن الماء الذي يخرج من جراب دوغراف حاملاً معه البيضة من المبيض إلى النفير”الإباضة” يكون أيضاً بشكل دافق وانفجاري، ولذا تسمى عملية الإباضة، أي قذف البيضة واندفاقها مع السائل الأصفر المحيط بها واندلاقها في نفير الرحم الذي يحيط بها وخاصة بقسمه الصيواني القمعي الشكل بعد انفجار جراب دوغراف وهنا يتجلى أيضاً الإعجاز النبوي حين يأتي في الحديث الصحيح “ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيقٌ أصفر،فأيهما سبق أشبهه الولد“.[أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الألباني حديث صحيح]

ثانياً : سائل مهين

{ألم نخلقكم من ماءٍ مهين}[ المرسلات 20 ]

{ثُمَّ جعل نَسلَهُ من سُلالةٍ من ماءٍ مهين}[ السجدة 8]

من الناحية اللغوية:

يقول الشاعر أبو نواس:

سُبحانَ من خَلق الخل               ق من ضعيفٍ مهينِ

يَسوقهُ من قرارٍ                         إلى قرارٍ مكينِ

يَحولُ شيئاً فشيئاً                    في الحُجبِ دُونَ العيونِ

حتى استوت حركاتٌ                 مخلوقةٌ من سُكونِ 

ويقول صفي الدين الحلي:

أتطلبُ من أخٍ خلقاً جليلاً             وخَلْقُ الناس من ماءٍ مهين

فسامح إن تكدّرَ ودخلٍ               فإنّ المرء من ماءٍ وطين 

من الناحية الشرعية:

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في تفسير سورة عبس:

“فالمرتبة أو المحطة الأولى تتمثل في قوله تعالى{من أيِّ شئٍ خلقه}وهو استفهام، وغرضه زيادة التقرير في التحقير،كما قال الإمام الرازي، ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله{من نطفةٍ خلقهُ فقدَّره}، ولاشك أن النطفة ـ وهي ماء الرجل الذي يلقح بويضة المرأة ـ شئ حقير مهين، في حجمه الذي لايرى إلا بالمجهر،وفي مظهره الخارج من مجرى البول،ولذا قال تعالى{ألم نخلقكم من ماءٍ مهين}[المرسلات20].وليس الغرض من هذا تحقير الإنسان،فما بهذا جاء القرآن الذي كرم الإنسان غاية التكريم،ولكن الغرض منه أن يذكر الإنسان ان من كان أصله من مثل هذا الماء المهين، فإن التكبر والتجبر لايكون لائقاً به.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“وصفه الله بأنه”مهين” لأنه يجري في مجرى البول،ويذهب مذهبه إذا لم يصل إلى الرحم،وفي هذا الماء المهين عجائب،ويرحم الله العقاد حين قال:إن أصول ذرات العالم كله يمكن أن توضع في نصف كستبان الخياطة،وتأمل كم يقذف الرجل في المرة الواحدة من هذا المقدار؟إذن:المسألة دقة تكوين وعظمة خالق،ففي هذه الذرة البسيطة خصائص إنسان كامل،فهي تحمل:لونه،وجنسه، وصفاته،ألخ..”.

ويقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

“من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين:من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كمال التكوين الجنيني،في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين.وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التي تمر بها تلك النقطة الضائعة من ذلك الماء المهين. حتى تصل إلى الإنسان المعقد البديع التكوين،وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير”.

قال الحسن البصري:”كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين” يعني مرة حين كان نطفة، ومرة عند الولادة”.

من الناحية العلمية:

يحتوي السائل المنوي على ما يلي:

1 ـ النطاف

2 ـ خلايا من الغدد التناسلية ومن المجاري المنوية.

3 ـ حبيبات من الدسم والبروتين.

4 ـ نوعان من الأمينات الحيوية وهما مادة سبيرمين، ومادة سبيرميدين، وهما اللتان تعطيان السائل المنوي رائحته المميزة والخاصة.

5 ـ سكر الفركتوز:ويشكل منبع الطاقة والقدرة من أجل حركة النطاف.

6 ـ البروستاغلاندينات:وهذه المواد يمكن أن تنبه الرحم وتساعد على تقلصه،وهذا يساعد أثناء الجماع على رشف النطاف وامتصاصها إلى داخل الرحم والنفير.

ويعتبر تفاعل السائل المنوي قلوياً بسيطاً، وهذه الطبيعة القلوية تُمكّن النطاف من مقاومة بيئة المهبل الشديدة الحموضة، لأن البيئة الحمضية تُعطل حركة النطاف.

والسائل المنوي سائل مخاطي لزج يتم إفرازه من البربخ والحويصلين المنويين والبروستات،بينما يتم تشكيل النطاف في الخصيتين.

أثناء الدفق والإنزال فإن كمية 3مل من السائل المنوي تحتوي على حوالي 200 ـ 300 مليون نطفة،أي أن النطاف لاتشكل أكثر من 1 بالمائة من حجم السائل المنوي.

إن الحويصل المنوي يُكوِّن حوالي 60 بالمائة من تركيب السائل المنوي،والبروستات 30 بالمائة، والبربخ 5 ـ 10 بالمائة. أما تركيز النطاف في هذا السائل فإنه في الحالات العادية الطبيعية يكون 40 مليون/مل، وإذا كان العدد دون 20 مليون/ مل فإنه لايحدث الإخصاب.وإن كل دفقة من السائل المنوي تحوي أكثر من 80 مليون نطفة، ولابد عند الفحص المجهري أن يكون أكثر من 80 بالمائة من هذه النطاف في وضعية الحركة أثناء الساعة الأولى من الفحص المجهري، و50 بالمائة يجب أن تكون بوضعية الحركة أثناء 2 ـ 4 ساعات عند الفحص.ومن الناحية الشكلية لابد أن يكون 60 بالمائة من النطاف على الأقل تحوي رؤوساً بيضاوية الشكل، فإذا كان العدد أقل من 30 بالمائة دل على وجود أذيات صبغية(كروموزمية)

إذاً فإن عدد النطاف وتركيزها في السائل المنوي، وكذلك حركتها،وشكلها،  يلعب كل ذلك دوراً هاماً جداً في عملية الإلقاح والإخصاب، وإلا فإن وجود اضطرابات على أي مستوى من المستويات المذكورة”العدد، الحركة، الشكل” يمكن أن يؤدي لحدوث العقم.

وإن كمية السائل المنوي لها علاقة مع الدفق وتواتره، فإذا حصل الدفق والإنزال بعد فترة راحة جنسية 3 ـ 5 أيام فإن كميته في الحالة العادية 2 ـ 6 مل، وإذا كانت الكمية أقل من 6مل فقد يوجه الشك نحو وجود التهاب البروستات والحويصل المنوي،وكذلك إذا كان تفاعل السائل المنوي شديد القلوية “أكثر من 8″، وإذا كان لون السائل بعيداً عن اللون الحليبي فإنه قد يوجه أيضاً لوجود التهاب في البروستات والحويصل المنوي، وإذا كان لون السائل المنوي محمراً فإنه قد يوجه لوجود نزيف في المجاري البولية التناسلية،وإذا كان مصفراً مخاطياً قد يشير لوجود التهاب قيحي، وإذا كان تفاعل السائل المنوي حمضياً”أقل من 7″ قد يوجه نحو وجود اختلاط السائل المنوي مع البول، وكذلك إلى انسداد القناة الواقعة مابين الحويصل المنوي والبروستات.

كما أنه يمكن أن تُجمد النطاف في مادة النتروجين السائل وبدون أن تحصل عليها أذيات ولعشرات السنين”بنك النطاف” حيث تُجمد النطاف بدرجة 79 تحت الصفر،وبنك النطاف يوجد منذ عام 1996، ومن أهم فوائده ادخار النطاف  لدى بعض المرضى مثل أورام الخصية الذين يعالجون بقاتلات الخلايا أو يتعرضون للعمل الجراحي، أو لدى بعض المرضى أو العاملين المعرضين للأخطار بعض المواد الكيماوية في مكان العمل.ويمكن الاحتفاظ بهذه النطاف في تلك البنوك لعشرات السنين.

بينما يمكن الأحتفاظ بها أي النطاف بضعة أيام في مزارع خاصة بدرجة 4ْ”أطفال الأنابيب”.

هذه بعض المعلومات التي تتعلق بصفات السائل المنوي، والآن نعود إلى الآيات الكريمة التي تصف هذا السائل بالماء المهين، فهو مهين حقا:

1 ـ لأن هذا السائل بصفاته وتركيبه ليس فيه عناصر القدرة والإرادة، وليس فيه إمكانية التشكل والتطور بحد ذاته، ومع ذلك يتكون منه الإنسان، وإذا نظرنا إلى الجنس الذي هو أدنى منا أي الحيوانات الثديية فإنه أيضاً تتشكل من ماء دافق، ومع ذلك وعلى عكس الإنسان يخرج حيواناً لا فكر له ويظل في المرتبة الأدنى، وهنا يخرج إنساناً بكل الخصائص المتميزة العالية، فالمسألة ليست مسألة الماء الدافق وإنما هي الإرادة الإلهية التي تقف خلق هذا الكائن العظيم المسمى بالإنسان.

2 ـ وهو مهين : لأنه إذا لم تلتق البيضة مع النطفة خلال ساعات قليلة،أي إذا لم تلقح البيضة خلال 8 ـ 12 ساعة من انطلاقها من المبيض فإنها تموت،وكذلك الأمر بالنسبة للحيوانات المنوية فإنها تواجه الموت والفناء بملايينها العديدة وخلال 3 ـ 5 أيام على أبعد حد، سواء تم التلقيح لإحدى النطاف منها أو لم يحدث التلقيح.

3 ـ وهو مهين:لأنها ملايين من النطاف تتحرك وتسرع إلى هدفها، ولكن واحدة منها فقط هي التي تلقح البيضة وينشأ عن ذلك النطفة الأمشاج، وأما الباقي فلا فائدة منه ويلاقي الهلاك المحتوم.

4 ـ وهو مهين:لأن هذه الملايين من النطاف لاتشكل أكثر من 1 بالمائة من مجموع حجم السائل المنوي، فهي أشبه بنقطة في بحر.

5 ـ وهو مهين: لأن عناصر الحياة فيه أي النطاف لاتقوم بدورها إلا بمساعدة غيرها لها،فلولا سكر الفركتوز لما استطاعت هذه النطاف على الحركة،ولولا بيئة السائل القلوية لأصابها الهلاك ولما استطاعت مقاومة بيئة المهبل شديدة الحموضة،ولولا عناصر التغذية التي تصل إليها من الأعضاء التناسلية وخاصة البربخ والموثة”البروستات” لما استطاعت الاستمرار في الحياة.

6 ـ والأهم من كل هذا أن النطفة أي الحيوان المنوي هي الخلية الوحيدة في الجسم مع البيضة والتي تحتوي على نصف عدد الصبغيات”23 صبغياً” بدلاً من 46 في باقي خلايا الجسم الإنساني،وإن اتحادها مع البيضة وتكوين النطفة الأمشاج”46 صبغياً” هو الذي يمكنها من التكاثر والانقسام الخلوي والاستمرار في الحياة كباقي خلايا الجسم الأخرى.. فهي إرادة الله ومشيئته أن تعيش النطفة بهذا الشكل المؤقت “المشوه” ولعدة ساعات وأيام حتى تلاقي البيضة فإذا لم يحدث هذا كتب على هذا الشكل ” المشوه المهين” الفناء وعدم البقاء.

ثالثا: ” وخُلِقَ الإنسان ضعيفاً”

يقول تعالى:{وخلق الإنسان ضعيفاً}[النساء28]،ويقول تعالى:{اللهٌُ الَّذي خلقكم من ضَعفٍ ثمَّ جعلَ من بعدِ ضعفٍ قوَّةً ثم جعلَ من بعد قوّةٍ ضَعفاً وشَيبة يخلق ما يشاءُ وهو العليمُ القديرُ}[الروم 54].

إذا رجعنا إلى عناصر تشكيل الإنسان: أي النطفة والبيضة، وجدنا أن هذا الإنسان العظيم الكريم الذي كرّمه الله وجعل له الخلافة في الأرض وسخر له كل شئ، واصطفاه على كل مخلوقاته التي تعيش معه، إن هذا الإنسان يتم تكوينه بفضل الله ومشيئته من عنصرين هما من أضعف مخلوقات الله وبدون مبالغة: النطفة والبيضة.

وكما ذكرنا سابقاً فإن النطفة المذكرة لايبلغ طولها أكثر من 60 مكرون (7 مكرون بدون الذنب)، ووزنها يعادل واحد من مليار من الغرام، وسرعتها 18 سم في الساعة، ومنها مع البيضة يتكون الجنين ثم الوليد والذي يصل وزنه عند ولادته حوالي 3250 غرام أي أن الوزن قد ازداد بين المرحلتين حوالي 3000 مليار مرة، ومن هذه النطفة الأمشاج التي تنقسم وتتكاثر تتكون أنسجة الجنين وأعضاءه المختلفة، والتي يحتوي كل نسيج منها على مئات الألوف بل ملايين الخلايا، ومن هذه النطفة ومن هذه البيضة اللتين لاتستطيعان الإعتماد على الذات، ومن هذين المخلوقين الضعيفين يتكوّن هذا الإنسان، هذا المخلوق العظيم الذي سُخرت له السموات والأرض ومَن عليها بإذن الله، ومن هذين المخلوقين الضعيفين تكوّن هذا الإنسان الذي يعتبر كل نسيج في جسمه وكل عضو من أعضائه آية من آيات الإعجاز والإكبار، والحديث عن هذا المخلوق العظيم الذي اسمه الإنسان والذي نشأ من هذين المخلوقين الضعيفين أعني النطفة والبيضة هو حديث لاينتهي ولعلي فقط استرجع بعض الكلمات التي ذكرها الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في قوله تعالى{ اللهُ الذي خَلقكُم من ضَعفٍ ثُمَّ جعلَ من بعد ضعفٍ قُوَّةً ثُمَّ جعلَ من بعد قُوَّةٍ ضَعفاً وشَيبة يخلقُ مايشاءُ وهو العليمُ القدير}[ الروم 54 ].

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

“الله الذي خلقكم من ضعف،ولم يقل خلقكم ضعافاً أو في حالة ضعف،إنما قال:”خلقكم من ضعف” كأن الضعف مادتهم الأولى التي صيغ منها كيانهم.والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتّى في تكوين الإنسان.

إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين.ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف.ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة .

ثم هو ضعف المادة التي ذرأ منها الإنسان:الطين.الذي لولا نفخة من روح الله لظل في صورته المادية أو في صورته الحيوانية،وهي بالقياس إلى الخلقة الإنسانية ضعيفة ضعيفة.

ثم هو ضعف الكيان النفسي أمام النوازع والدفعات والميول والشهوات التي لولا النفخة العلوية وما خلقت في تلك البنية من عزائم واستعدادات لكان هذا الكائن أضعف من الحيوان “.

ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“وما هو ضعف الإنسان؟

الضعف هو أن تستميله المغريات ولا يملك القدرة على استصحاب المكافأة على الطاعة أو الجزاء على المعصية،لأن الذي تتفتح نفسه إلى شهوة ما يستبعد غالباً خاطر العقوبة،وعلى سبيل المثال لو أن السارق وضع في ذهنه أن يده ستقطع إن سرق،فسيتردد في السرقة،لكنه يقدر لنفسه السلامة فيقول: أنا أحتال وأفعل كذا وكذا كي أخرج.

إذن فضعف الإنسان من ناحية أن الله جعله مختاراً تستهويه الشهوات العاجلة،لكنه لو جمع الشهوات أو صعد الشهوات فلن يجد شهوة أحظى بالهتمام من أن يفوز برضاء ولقاء الله في الآخرة”.

ويقول الأستاذ الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة في كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص370:

“وصف الله الإنسان بأنّهُ خُلق ضعيفاً، وبأنه خُلق من ضعف.ومن أجل ذلك كلّفه الله مراعياً ضعفه،ووضعه موضع المسؤولية والمؤاخذة مع مراعاة الواقع فيه،وفتح له أبواب الغفران والعفو والتوبة مراعاة لهذا الواقع فيه،وخّفف عنه التكاليف لذلك.وضعف الإنسان يشمل الضعف الجسدي، والضعف النفسي، وضعف العزيمة والإرادة، وضعف القدرة على الضبط الدائم تجاه دوافع نفسه وغرائزه وشهواته وأهوائه.

ويقول معقباً على الآية 54 من سورة الروم{الله الذي خلقكم من ضعف..} :

“فهذه الآية تدل على أن خلق الإنسان قد كان من ضعف،أي من عنصر الضعف لا من عنصر القوة،وما خُلق من ضعف فلابد أن تستمر فيه جذور الضعف،ولو مُنح شيئاً من القوة بعد ذلك.فأصلهُ الضعف والشئ يرجع إلى أصله،وتنزع فيه باستمرار عوامل أصله.والقوة القليلة المحدودة التي يملكها حينما يبلغ مرحلة النضج في تكوينه لاتزيل جذور الضعف في أعماق نفسه،فعناصر الضعف الكثيرة فيه لاتفارقه.

ويتابع:”وعناصر ضعف الإنسان تظهر في جسده، فَرُبّ جرثومة لايدركها الطرف قتلته أو جعلته طريح الفراش،يصرخ ويصيح، ويتلّوى من شدة الألم، ولربما أسرع لنجدته أمهر الأطباء، وجلبوا له ماملكوا من دواء،فما استطاعوا أن يشفوه مما نزل به من داء،أو يصرفوا عنه ماحلَّ به من بلاء.ورُبّ جرعة سمّ قتلته وهو في أوج قوته،ورُبّ إبرة اصابت منه مقتلاً فسقط صريعاً، ورُبّ ريح باردة أقعدته أو قتلته،ورب لفحة سموم فعلت فيه مثل ذلك.

وعناصر ضعف الإنسان تظهر في نفسه وسلوكه الإرادي،فرب نظرة حلوة ملكت قلبه وهواه، وأسرته وهو في عنفوان قواه،ورب شهوة أخضعته وأذلته، وفي دار معرة وهوانٍ أحلته.إذا عضّ عليه الجوع أو العطش تضجرن وإذا مرت الساعات على غير مايهوى تذمر.إذا مسه الشر كان من ضعف صبره جزوعا،وإذا مسه الخير كان من ضعف إرادته عن مقاومة شحه منوعا،فهو ضعيف هلوع.

ويتابع:”وتظهر في الإنسان حالات ضعفه إذا نقص عنه الغذاء ففقد قوة الحركة وقوة العمل وقوة التفكير،وإذا شعر أنه بحاجة إلى رغيف الخبز وشربة الماء.وإذا علم أنه ربما انسد من مسالك جسمه مسلك فهلك أو كادن وربما تخثرت نقطة دم فيه فقتلته،أو انفجرت نقطة دم في دماغه فأهلكته،أو سدت ذرة تراب عرقاً أو مجرى من مجاري عروقه فأقضت مضجعه،أو جاءته سكتة قلب فصرعته.وتظهر في الإنسان حالات ضعفه إذا نزل به المرض،أو حلّ به البلاء،أو فاجأته المصيبة،أو استبد به الهوى،أو استولت عليه الشهوة،أو تمكن منه سلطان الحب الآسر،والشغف القاهر،أو داهمته المزعجات، أو حلت به المؤلمات،أو هزه الخوف، أو اشتد به الطمع،أو تعرض لأحوال النسيان والخطأ،أو عجز عن الصمود تجاه الإكراه بقوة فوق قدرته.وحسب الإنسان ضعفاً أنه عرضة لأن ينسى بعد العلم،ويجن بعد العقل،ويمرض بعد كمال الصحة،ويشيخ ويهرم بعد الشباب، وأنه لابد أن يموت بعد الحياة، فليعرف قدره،وليقف عند حده،وليعبد ربهن حتى يأتيه اليقين الذي هو الموت”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله في كتابه”الإنسان في القرآن الكريم” حول الآية 28 من سورة النساء{يريدُ اللهُ أن يُخَفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً} يقول:

“الإنسان ضعيف…إي والله!!

إنها حقيقة يقرّرها ربنا عزّ وجلَ، يجب أن نذكرها دائماً،حتى لاتطغينا الحالة التي نحن فيها من صحة أو غنىً أو قوة،فنجاوز الحدود التي ينبغي ان نلتزمها،وحتى لانركن إليها فنقع فيما لاتحمد عقباه.

الإنسان ضعيف. هذه حقيقة لاينكرها عاقل،ولكن أكثر الناس ينسونها وهم في خضّم الحياة سابحون.

مسكين ذاك الإنسان، ينسى أولئك المخدوعين المغرورين من أمثال فرعون وهامان وقارون والنمرود. أين هؤلاء؟ بل أين الطغاة المتأخرون الذين كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها من أمثال هتلر وموسوليني وستالين وأضرابهم؟

لقد طواهم الردى،ولفّهم النسيان، وصاروا إلى ماقدموا، ولم يبقوا إلاّ ذكرى محفوفة باللعنة محاطة بالازدراء.

ما أضعف الإنسان إذا قيس بالمخلوقات الأخرى.إن معظم الحيوانات العجماوات تولد فتمشي على الأرض فوراً أو بعد وقت يسير،وتقضي ضروراتها من طعام ورضاعة وشراب بنفسها. أما الإنسان فإنه يولد عاجزاً لا يقوى على الحركة، ولولا أن يقيض الله له من يرعاه لمات جوعاً وعطشاً.

نعم ابتدأ خلقك يا ابن آدم بالضعف، وتنتهي حياتك بالضعف، وبين هذين الضعفين قوة محدودة موقوتة،هذا إن تيسرت لك الصحة والعافية من الأمراض.

والضعف أنواع: منها ضعف القوة الجسمية وهذا الذي يتبادر الذهن إليه عند قراءة الآيات.

ومنها الضعف النفسي فما أكثر مانرى من الأشداء قوماً ضعفت نفوسهم ومرضت،لايستطيعون السيطرة على هذه النفوس،فهم إذا تراءت شهوة لهم اتبعوا أنفسهم هذه الشهوة حتى يحققوها،وقد تجني عليهم تلك الشهوة جناية عظمى في الدنيا والآخرة،لايسرون ولايفرحون بل هم في اكتئاب وقلق وعذاب.

ومن أنواع الضعف ضعف القلب،يفقد المصاب به القوة التي يواجه بها الخوف والإرهاب،وإنه لينهار أمام تلك المخاوف والاخطار ويستسلم ويكون أضعف من ضعيف.

وهناك ضعف في التفكير والتدبير،لاسيما ومجال الرؤية والنظر محدود بعوامل زمنية، وحدود مكانية، وضرورات اقليمية.فلا يستطيع المرء أن يتجاوز كل تلك العقبات.فأنت تراه يقدر ويخطط وقد يكون هلاكه في ذاك التخطيط والتقدير.

الإنسان مخلوق من ضعف وصائر إلى الضعف، وليتذكر الإنسان مم خلق…قال تعالى:{خَلقَ الإنسانَ من نطفةٍ فإذا هوَ خَصيمٌ مبين}[النحل4]، وقال سبحانه:{أو لم يرَ الإنسانُ أنّا خلقناهُ من نُطفةٍ فإذا هوَ خصيمٌ مبين*وضربَ لنا مثلاً ونَسيَ خلقه قال من يُحيي العظام وهي رميم}[يس 77 ـ 78].

لننظر إلى هذه النقلة البعيدة من “نطفة” إلى”خصيم مبين”.

إن هذا الإنسان الضعيف يجب أن يذكر حقيقته الضعيفة أمام قوة الله،فلايجاوز حدّه ولايطغى ولايبغي ولايعتدي، ولايستخدم ما آتاه الله من قوة وسلطة ليؤذي أحداً من عباد الله…لأنه ربما تعرض إلى مثل مايتعرض الناس له من قبله.

إن الإنسان ضعيف، وضعفه صفة لازمة له، فإذا مرّ في حالة من القوة فعليه ألاّ يغترّ بذلك لكيلا يندم في الدنيا والآخرة”.

“أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون”

{أفرأيتم ماتُمنون* أأنتم تخلقونهُ أم نحن الخالقون}[ الواقعة 58 ـ  59]

{ألم يَكُ نُطفةً من مَنيٍّ يُمنى}[القيامة  37]

{من نطفةٍ إذا تُمنى}[ النجم 46].

التفاسير:

يقول سيد قطب رحمه الله في الآيات من سورة الواقعة{أفرأيتم ما تمنون}:

“إن دور البشر في أمر هذا الخلق لا يزيد على أن يُودع الرجل ما يُمني رحم امرأة.ثم ينقطع عمله وعملها.وتأخذ يد القدرة في العمل وحدها في هذا الماء المهين.تعمل وحدها في خلقه وتنميته،وبناء هيكله ونفخ الروح فيه.ومنذ اللحظة الأولى وفي كل لحظة تالية تتم المعجزة،وتقع الخارقة التي لا يصنعها إلى الله والتي لا يدري البشر كنهها وطبيعتها،كما لا يعرفون كيف تقع،بله أن يشاركوا فيها”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في الآية من سورة النجم{من نطفة إذا تمنى}:

“نطفة تمنى…تراق…إفراز من إفرازات هذا الجسد الإنساني الكثيرة كالعرق والدمع والمخاط!فإذا هي بعد فترة مقدورة في تدبير الله.إذا هي ماذا؟إذا هي إنسان!وإذا هذا الإنسان ذكر وأنثى!كيف؟كيف تمت هذه العجيبة التي لم تكن لولا وقوعها تخطر على الخيال؟وأين كان هذا الإنسان المركب الشديد التركيب،المعقد الشديد التعقيد؟أين كان كامناً في النقطة المُراقة من تلك النطفة.بل في واحد من ملايين من أجزائها الكثيرة؟أين كان كامناً بعظمه ولحمه وجلده،وعروقه وشعره وأظافره.وسماته وشياته وملامحه وخلائقه وطباعه واستعدادته؟أين كان في هذه الخلية الميكروسكوبية السابحة هي وملايين من أمثالها في النقطة الواحدة من تلك النطفة التي تُمنى؟وأين على وجه التخصيص كانت خصائص الذكر وخصائص الأنثى في تلك الخلية.تلك التي انبثقت وأعلنت عن نفسها في الجنين في نهاية المطاف؟

وأي قلب بشري يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة العجيبة ثم يتمالك أو يتماسك.فضلاً عن أن يجحد ويتبجح،ويقول:لإنها وقعت هكذا والسلام!واهتدت إلى خطها المرسوم هكذا والسلام!أو يتعالم فيقول:إنها سارت هذه السيرة بحكم ما ركب فيها من استعداد لإعادة نوعها،شأنها شأن سائر الأحياء المزودة بهذا الاستعداد!من ذا أودعها الرغبة الكامنة في حفظ نوعها بإعادته مرة أخرى؟ومن ذا أودعها القدرة على إعادته وهي ضعيفة ضئيلة؟ومن ذا رسم لها الطريق لتسير فيه على هدى،وتحقق هذه الرغبة الكامنة؟ومن ذا أودع فيها خصائص نوعها لتعيدها؟لولا أن هنالك إرادة مدبرة من ورائها تريد أمراًنوتقدر عليه،وترسم له الطريق!”.

من الناحية الأدبية:

يقول السموأل( الأصمعيات ص85):

نُطفةً مامُنيِتُ يومَ مُنيِتُ                   اُمِرَتْ امرها وفيها وُبيتُ(أي هيئت)

كَنَّها اللهُ في مكانٍ خفيٍّ                    وخفيٌّ مكانها لو خفيتُ

أنا مَيتٌ إذ ذاك ثُمتَّ حيٌّ                   ثم بعدَ الحياة للبعثِ ميتُ

ينسب للشيخ ابن سينا:

واحفظ منيك مااستطعت فإنه               ماءُ الحياةِ يُراقُ في الأرحامِ

من الناحية العلمية:

يتم تشكيل النطاف في الخصيتين،حيث تحتوي كل خصية على مجموعة من الأنابيب المنوية، وهي انابيب شديدة التعرج والالتواء،يبلغ طول كل أنبوب حوالي 20 ـ 70 سم، وقطره 50 ـ 200 مكرون. ويتألف كل أنبوب منوي من بشرة باطنية تحتوي على خلايا تدعى الخلايا المنوية الإبتدائية،وهذه الخلايا تكف عن التكاثر والإنقسام وتخلد إلى الراحة منذ طور الجنين وحتى فترة البلوغ، وعند حصول طور البلوغ الجنسي عند الذكر تأخذ هذه الخلايا بالنشاط والإنقسام والتكاثر،فيتشكل عنها الخلايا المنوية الأولية”أو من الدرجة الأولى”، وهذه تنقسم بدورها لتعطي الخلايا المنوية الثانوية” أو من الدرجة الثانية”،وهذه تنقسم بدورها لتعطي النطف المتكاملة،وهذه لاتنقسم بل يطرأ عليها تحولات وتنضج لتصبح نطافاً كاملة ناضجة أو كهلة، وتستمر فترة تشكيل النطاف منذ المرحلة الأولى وحتى نضجها وتمامها حوالي 64 يوماً، وإن عملية تشكل النطاف عند الذكر تحدث وبشكل مستمر منذ البلوغ وحتى أيضاً في طور الشيخوخة،وهي تحدث بشكل دورات متتابعة ومتتالية وعلى مراحل مختلفة في الأنابيب المنوية، وبحيث يكون تشكيل النطاف مستمراً ومتتابعاً،وإن كانت ليست جميع الأنابيب المنوية في الخصية على نفس الدرجة من النشاط والقوة،كما أن الأمر يختلف من إنسان إلى آخر وحسب عوامل عديدة.

ويعتبر الحويصل المنوي المدخر الرئيسي للنطاف المتكاملة والناضجة،ويفرز هذا الحويصل المنوي سائلاً مغذياً للنطف،ويقلل أيضاً من درجة لزوجة السائل المنوي، وينفع هذا الحويصل في إدخار السائل المنوي وقذفه مرة واحدة عند الجماع.

هذه مراحل تشكل النطاف والسائل المنوي،كائنات دقيقة تنشأ عنها بقدرة الله ومشيئته كائنات عظيمة،كائنات أبعادها دون المم وتُقاس بالمكرونات وينتج عنها أناسٌ يتفاوتون طولاً ووزناً وصفاتاً، كائنات عمرها إذا لم يحصل التلقيح ساعات إلى أيام، وينجم عنها إذا تمَّ التلقيح والإخصاب كائنات بشرية تعيش عشرات السنين،كائنات هي عاجزة بحد ذاتها، ولكنها بقدرة خالقها تنشأ عنها مخلوقات بديعة قادرة متمكنة.

وهنا يُبيّن الله عزّ وجلّ لمن حاولت نفسه أن توهمه بأن اباه هو الذي خلقه،بأنَّ أبيه لم يصنع المني، ولم يخلق النطفة،ولم يُدبر أمر التلقيح والتعشيش،وتطور المضغة، وتشكل الجنين، وإنّما هذه الأمور كلها بيد الله عزّ وجلّ.

إنَّ علماء الحقّ الذين يخشون ربهم والذين التزموا الإنصاف والعدل في أحكامهم من علماء المسلمين وغيرهم لايستطيعون إلا أن يُسجلوا مراحل الخلق هذه مرحلة مرحلة،بنظرة من الإعجاب والتقدير لهذا الخالق البارئ العظيم،وأما علماء السوء والمنحازون إلى الهوى وضلالات الرأي والذين يتباهون بما يُسمى “أطفال الأنابيب”، فنقول لهم وبنظرة من السخرية والاستهزاء والاستخفاف،ماذا فعلتم؟ لقد أتيتم بالنطفة من السائل المنوي والتي لاقدرة لكم ولن يكون لكم قدرة على خلقها وإنشائها،وأتيتم بالبيضة من المبيض عند الأنثى،والذين لاقدرة لكم ولن يكون لكم قدرة على خلقها وإنشائها، وجمعتم بينهما في مزرعة خاصة لعدة أيام حتى يتم التلقيح والإخصاب،ثم أخذتم هذه النطفة الأمشاج وزرعتموها في جسم رحم الأم حيث لايوجد بيئة ولا مكان أصلح وأفضل للنمو والتعشيش من هذا المكان، ومن ثم يتابع الجنين رحلة نموه وتطوره وحياته بإذن الله ومشيئته وإرادته، وأنتم تنظرون إلى هذا النمو والتطور نظرة العاجز المنتظر للنتيجة، وأنتم لاتستطيعون أن تتحكموا في النهاية هل يستمر الحمل؟ أم لايستمر؟

وما أجمل قول الإمام العظيم ابن القيم في كتابه “مفتاح السعادة” وهو يتحدى هؤلاء المكابرين المعاندين، يقول رحمه الله :

“فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولاً وماصارت إليه ثانياً،وأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها سمعاً أو بصراً أو عقلاً أو قدرة أو علماً أو روحاً بل عظماً واحداً من أصغر عظامها بل عرقاً من أدق عروقها، بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك”.

نعم، هذا ماقاله هذا الإمام العظيم قبل مئات السنين،يتحدى علماء زمانه، ونحن نشاركه ايضاً في هذا الزمان والذي يليه وإلى أن يرث الله الارض ومن عليها، ونتحدى من وصل إلى القمر والكواكب الأخرى، ومن صنع الحاسوب وأجهزة الكمبيوتر المعقدة،ومن فجّر الذرة، وطاول ببنيانه عنان السماء،ووصل إلى أعمق المحيطات… نتحداهم جميعاً أن يخلقوا عظمة من أصغر عظام الجسم،أو شعرة من شعرات جسمه، أو حتى أنملة من أنامله وماتحمله من بصمات لايتماثل فيها إثنان على وجه هذه البسيطة والتي يتجاوز عدد سكانها عدة مليارات من البشر.ومع ذلك فإنه بالإضافة إلى علماء الحق الذين أذعنوا لذلك وأقروا بعظمة الخالق، فإنه يوجد علماء الضلال والهوى والذين يحملهم عنادهم وتكبرهم وسخف عقولهم على التحدي والمكابرة، وصدق الله العظيم: {خلقَ الإنسانَ من نطفةٍ فإذا هوَ خصيمٌ مبين}[النحل4].وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن أمثال هؤلاء المكابرين الذين ينكرون الحق وهو أوضح من أشعة الشمس في ضاحية الهاجرة، وأوضح من البدر في ليل التمام.

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله[أهوال يوم القيامة ص78 ـ 79]:

يقول تعالى:{ما أشهدتُهُم خلقَ السمواتِ والأرضِ ولا خلقَ أنفسهِم وما كُنت مُتخذَ المُضلينَ عَضُداً}[الكهف51]

” إذا جاء هؤلاء المضلون ليحدثونا بنظريات تتعارض مع كلام الله عن خلق السموات والأرض وخلق الإنسان…نقول لو لم يأت هؤلاء لقلنا أخبرنا الله عن المُضلين الذين سيجادلون في الخلق فأين هم…ولكن كونهم أتوا.. وأضلوا بما قالوه عن أن الإنسان أصله قرد،وأن السموات والأرض أصلها كذا وكذا…محاولين بذلك التشكيك في منهج الله…نقول لهم: لقد ثبتم المنهج في قلوبنا لأن الله قد أخبرنا بما ستفعلونه، وجئتم أنتم تصديقاً لمنهج الله وفعلتموه…فشكراً لكم أنكم كنتم دليلاً على صدق المنهج”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي (مشاهد يوم القيامة ص76 ـ 79):

“فإذا بدأنا بالقضية الكبرى، وهي قضية خلق الحياة والكون. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق..وهو الذي أخبرنا بأنه خلق..ولم يخبرنا أحد، ولايجرؤ أحد أن يدعي أنه خلق الكون…ومع ذلك يأتي بعض الناس ليقولوا: إن الكون خلق بالصدفة..وأن هناك تفاعلات كذا وكذا هي التي فعلت كذا..ونجد نظرية التطور تقول: إن الإنسان أصله قرد…مع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان،وأخبرنا كيف خلقه.ولكن في هذه القضية الكونية الكبرى ينسب الشئ لغير أهله..ويفتري الناس على الله ويغرهم ماكشف الله لهم من قوانين وأسرار في الكون..فيظنون أنهم قد أوجدوا هذه القوانين، وأنهم قد صنعوها بقدرتهم،وإنها تتصرف وفقاً لإرادتهم، فتختل الموازين،ويعبد الإنسان نفسه… فتأتي إرادة الله سبحانه وتعالى لتزيل هذا الزيف كله، ويدعى الناس للحساب أمام الله…فيرون أنهم كانوا عجزة لايقدرون على شئ، وكانوا خاضعين لايملكون شيئاً، ولكن الله هو الذي أعطاهم من قدرته، ومنحهم من ملكه، فإذا بهم يقابلون ذلك بالكفر بدلاً من الشكر”.

إنّ غرور الإنسان هو الذي أوصله إلى الهاوية والهلاك،وإن مشكلة هذا الإنسان هو غروره مع نفسه، فهو حين يكتشف شيئاً في هذا الكون المحيط به مما سخرّه الله له،تجده يتعالى ويتكبر،ويطغى ويتجبر،ويظن أن بإمكانه أن يستغنى ويسيطر{أن رآه استغنى}، متناسياً أو متغافلاً أنه على الرغم من كل اكتشافاته وإمكانياته يعجز ولم يتمكن ولن يتمكن أن يخلق خلية واحدة من مليارات الخلايا في الجسم البشري،بل إنه غير قادر على أن يخلق مكونات إحدى الخلايا مثل النواة أوما تحتويه هذه النواة من مكونات مثل الصبغيات..وصدق الله العظيم: {أفمن يَخلقُ كمن لايَخلقُ أفلا تذكرون}[ النحل17 ]