خلق الجنين — مراحل خلق الجنين في القرآن
بل الأبعد من ذلك أن هذا الإنسان ليحسّ بعجزه الكامل حين يفشل في أن يسترد ماسلبته منه ذبابة:{ يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثلٌ فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذُباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهمُ الذبابُ شيئاً لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب[ الحج 73]
وفي النهاية حول هذه النقطة لابد من ملاحظة بسيطة حول الآية الكريمة{من منيٍّ يُمنى} والآية الأخرى{من نطفة إذا تمنى}،فلقد سُمي المني منياً لأنه يُراق، ومِنى قرب مكة سميت بذلك لكثرة مايُمنى بها من الدماء أي مايُراق منها في الدماء،ولقد ذكر الله تعالى أن خلق الإنسان يتم من هذا المني الذي يُراق،ثم يأتي الإعجاز ويقول من هذا المني الذي يراق فإن نطفة واحدة هي المسؤولة عن ذلك الخلق، فتبارك الله أحسن الخالقين.
مراحل التخلق والأطوار
الآيات الكريمة:
{ولقد خلقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين*ثُمَّ جعلناهُ نُطفةً في قرارٍ مكين*ثُمَّ خلقنا النطفةَ علقةً فخلقنا العلقةَ مُضغةً فخلقنا المضغةَ عظاماً فكسونا العظامَ لحماً ثُمَّ أنشأناهُ خلقاً آخرَ فتباركَ الله أحسنُ الخالقين}[المؤمنون 12 ـ 15]
{مالكُمْ لاترجونَ لله وقاراً*وقد خلقكُمْ أطواراً}[ نوح 13 ـ 14]
{يخلقكم في بطونِ أُمهاتِكُم خَلقاً من بعدِ خلقٍ في ظلماتٍ ثلاث ذلكم الله ربكم لهُ الملك لا إله إلا هو فأنّى تُصرفون}[ الزمر6]
{ثُمَّ كان علقةً فخلقَ فسوَّى}[ القيامة 38 ]
{يا أيُّها الناسُ إن كنتم في ريبٍ من البعثِ فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ثُمَّ من نُطفةٍ ثُمَّ من علقةٍ ثُمَّ من مُضغةٍ مخلقةٍ وغير مخلقةٍ لِنبيّنَ لكم}[ الحج 5]
الأحاديث النبوية الشريفة:
في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً،فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها،ثم قال: يارب أذكر أم أنثى،فيقضي ربك ماشاء،ويكتب الملك.ثم يقول يارب أجله، فيقول ربك ماشاء ويكتب الملك ثم يقول يارب رزقه فيقضي ربك ماشاء ويكتب الملك. ثم يخرج الملك بالصحيفة فلا يزيد على ما أمر ولاينقص“.
وروى عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: جلس إلي عمر وعلي والزبير وسعيد”أو سعد” ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكروا العزل. فقال: لابأس به، فقال رجل منهم يزعمون أنها المؤودة الصغرى، فقال علي رضي الله عنه: لاتكون مؤودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً، ثم تكون لحماً، ثم تكون خلقاً آخر. فقال عمر رضي الله عنه: صدقت أطال الله بقاءك”ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم”
وفي جزء من حديث آخر: “إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح“[ رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]
إنَّ الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة السابقة تلقي الضوء على مجموعة من الأمور الهامة لابد من ذكرها:
1 ـ أنها تبين وبشكل مفصل يدعو للإعجاز أن تَخلُّقَ الجنين يتم على عدة أطوار،بدءاً من النطفة ومروراً بالعلقة فالمضغة ،ثم يحدث تخلقٌ آخر للجنين تبدأ فيه الأجهزة والأعضاء بالتشكل،حيث تنشأ العظام والعضلات ،وأجهزة السمع والبصر والإدراك..بينما كانت النظرية السائدة في أوروبا والغرب وحتى فترة ليست بالبعيدة أن الجنين يكون تام النمو والتخلق ويكون بشكل كائن بشري مُصّغر داخل النطفة،وهذه النطفة تستقر داخل الرحم وهناك تتغذى وتنمو وتكبر باستمرار،وقد ثبت الآن وبدون أدنى شك أن هذه النظرية خاطئة تماماً وأن ليس فيها أي معنى من معاني الدقة أو الصحة أو الحقيقة.
2 ـ إن شريط تطور الإنسان كما تبينه الآيات من سورة المؤمنون يدعو أيضاً إلى الإكبار والإعجاز والتقدير،حيث يبين الله تعالى أن بدء خلق الإنسان الأول وهو أبو البشر آدم عليه السلام كان من سلالة من طين،ثم عقب على ذلك بقوله تعالى{ ثُمَّ جعلناه نُطفةً في قرارٍ مكين}، وحرف “ثم” كما يقول علماء اللغة يدل على التعقيب والتوالي،ويدل أيضاً على التراخي، ومن ذلك قوله تعالى{ أماته فأقبره* ثم إذا شاء أنشره}، وإن مرحلة تشكل سلالة أدم أو البشر من النطاف المؤنثة والمذكرة قد امتدت على عدة سنوات بل هي عشرات السنين بعد خلقه من الطين وخلق حواء من أحد أضلاعه، فهي نقلة ليست قريبة العهد بل هي بعيدة العهد،ثم يقول تعالى”ثم خلقنا النطفة علقة” وهذا الأمر يحتاج أيضاً إلى فترة طويلة فإن عملية تشكل النطاف عند الإنسان تبدأ من فترة البلوغ الجنسي”حيث لايوجد تشكل للنطاف قبل هذه الفترة”، وإن عملية تشكل النطاف المذكرة في الخصية يحتاج حتى تصل إلى النضج والتمام حوالي الشهرين ثم تختزن في الحويصلين المنويين لعدة أيام، وربما أسابيعاً أو عدة شهور حتى يحدث الجماع، ومن ثم الإلقاح والتقاء النطفة المذكرة بالبيضة وتشكل النطفة الأمشاج،ثم يأتي الإعجاز القرآني الرباني بقوله تعالى{فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً} وهنا يأتي الحق تعالى بحرف” الفاء” والذي يقول عنه علماء اللغة أن” الفاء” تدل على الترتيب والتوالي والتعقيب{أماته فأقبره}، فالزمن الحاصل بين هذه الحوادث قصير جداً ومتتابع وسريع، وهذا مايحدث فعلاً فبمجرد أن تتشكل النطفة الأمشاج تصبح العمليات متلاحقة متسارعة متتابعة، ولم يعد يوجد هناك حدود واضحة وصريحة بين مراحل التخلق”العلقة ـ المضغة ـ الجنين”وهذا واأتبثه علم الجنين البشري، حيث لاتوجد حدود وأزمان واضحة تفصل بين هذه المراحل المختلفة، فكان الإعجاز القرآني بالإتيان بحرف” الفاء” مما يدل على تسارع وتتابع وتلاحق الأمور بدون فاصل واضح بين مرحلة وأخرى،ثم بعد أن تبدأ الأعضاء والأجهزة بالتشكل لايبقى هناك إلا عملية النمو على حساب ازدياد الأعضاء حجماً، وأن تأخذ الوظيفة الموكلة بها، أي أن الأمر أصبح له الآن البعد الحجمي والوظيفي، وأما تشكل الأعضاء والأجهزة فقد تمّ وانتهى.
“ثُمَّ أنشأناهُ خلقاً آخر”
الآيات الكريمة:
{ثُمَّ أنشأناهُ خلقاً آخر فتباركَ الله ُأحسنُ الخالقين}[المؤمنون 14]
{الذي أحسن كل شئٍ خلقه}[ السجدة 7 ]
الحديث الشريف:
“إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد”[ رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه] .
من الناحية اللغوية:
جاء في اللسان: “الخلق في كلام العرب: ابتداع الشئ على مثال لم يُسبق إليه.وكل شئ خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه{ ألا لهُ الخلقُ والأمرُ تباركَ الله ربُّ العالمين}[الأعراف 54].
وقال أبو بكر بن الأنباري: “الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه، والأخر التقدير.
وجاء في مراجع أخرى: كلمة الخلق في القرآن الكريم تدل على عدة معان:
1 ـ الإيجاد من العدم: قال تعالى : {أولا يذكُرُ الإنسانُ أنَّا خلقناهُ من قبلُ ولم يَكُ شيئاً}[مريم 67 ]
2 ـ الإيجاد من خلق سابق،كالتراب والصلصال والنطفة..قال تعالى : “{هُو الذي خلقكُم من تُرابٍ ثُمَّ من نُطفةٍ ثُمَّ من علقةٍ ثُمَّ يُخرِجُكُم طفلاً}[ غافر 67 ]
3 ـ التطوير من طور إلى آخر: ” {مالكُم لاترجونَ لله وقاراً* وقد خلقَكُم أطواراً}[ نوح 13 ـ 14 ]
4 ـ التصوير: قال تعالى : {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله}[ آل عمران 49 ]
يقول شوقي:
اذكرِ الآية إذ أنت جنين لك في الظلمة للنور حنين
كان في جنبك شئ من عَلقْ حين مَسّتهُ يدُ الله خفقْ
صار حسّاً وحياة بعدما كان في الأضلاع لحماً ودما
قلْ لمن طبّب أو من نجمّا: صنعة الله ولكن زغتما
آمنا بالله إيمان العجوز أن غير الله عقلاً لايجوز
وقال النابغة الجَعدي(دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم”لايفضضِ الله فاك” فبقي عمره لم تنقضَّ له سنٌ وكان أحد المُعمّرين):
الخالقِ البارئ المصِّورفي ال أرحامِ ماءً حتى يصيرَ دما
من نُطفةٍ قدَّها مقدِّرُها يخلقُ منها الأبشارَ والنَّسما
ثُمَّ عظاماً أقامها عَصَبٌ ثُمَّتَ لحماً كساه فالتأما
والصَّوت واللونَ والمعايش وال أخلاقَ شتى وفرَّق الكلما
(الشعر والشعراء ـ ابن قتيبة ـ ص180، الأبشار: جمع البشر والأجساد، النّسم: الأرواح) .
محمود سامي البارودي:
أوّلُ النفْسِ نُطفةٌ أخلصتها شهوةٌ صاغها مِزاجٌ دفينُ
قذفتها إلى البطونِ ظهورٌ وحوتها بعد الظهورِ بطونُ
ثم أرسى بها هبوطٌ يليه حركاتٌ من بعدهنَّ سكونُ
فهي طوراً تكونُ في عالمِ الغيبِ وطوراً في مثلِ ذاكَ تكونُ
مُبتداها ومُنتهاها سواءٌ وهيّ مابين ذاكَ حَيٌّ مَهين
فعلامَ البكاءُ في إثر دارٍ بالرزايا فناؤها مشحونُ
تتفانى الرجالُ حِرصاً عليها وهو حِرصٌ أدّى إليهِ الجنونُ
التفاسير:
ابن كثير:في تفسير أية سورة المؤمنين:
” أي نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب،” فتبارك الله أحسن الخالقين” عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “ إذا أتت على النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكاً فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث، وذلك قوله : ” ثم أنشأناه خلقاً أخر” يعني نفخنا فيه الروح، وقال ابن عباس: يعني فنفخنا فيه الروح وكذا روي عن أبي سعيد الخدري ومجاهد وعكرمة والشعبي والضحاك والحسن البصري واختاره ابن جرير.وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما “ثم أنشأناه خلقاً أخر“: يعني ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلاً،ثم نشأ صغيراً ثم احتلم ثم صار شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ثم هرماً”.
وجاء في بعض التفاسير: ” الخلق والإجادة والإتقان لكل شئ في هذا الكون وتصوير الإنسان في أقضل صورة نعمة منه سبحانه وفضلا. والإحسان لغة: مصدر فعل احسن أي أتقن وأجاد فعل ماهو خير وزاد فيه.
وجاء في الظلال:
“فجنين الإنسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية،ولكن جنين الإنسان ينشأ خلقاً أخر،ويتحول إلى تلك الخليقة المتميزة المستعدة للإرتقاء،ويبقى جنين الحيوان في مرتبة الحيوان،مجرداً من خصائص الأرتقاء والكمال التي يمتاز بها جنين الإنسان”. ويتابع سيد قطب رحمه الله:
” إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد. وهو ينشأ “خلقاً أخر” في آخر أطواره الجنينية،بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني لأنه غير مزود بتلك الخصائص،ومن ثم فإنه لايمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية، فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطوراً آلياً ـ كما تقول النظريات المادية ـ فهما نوعان مختلفان،اختلفا بتلك النفحة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنساناً، واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفحة والتي ينشأ بها الجنين الإنساني”خلقاً آخر”. إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني ـ ثم يبقى الحيوان حيواناً في مكانه لايتعداه ـ ويتحول الإنسان خلقاً آخر قابلاً لما هو مهيأ له من الكمال، بواسطة خصائص مميزة وهبها الله له عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى الإنسان” ويتابع رحمه الله :
“تقوم نظرية النشوء والارتقاء على اساس متناقض،إذ تفترض أن الإنسان ليس إلا طوراً من أطوار الترقي الحيوانية، وتفترض أن الحيوان يحمل خصائص التطور إلى مرتبة الإنسان، والواقع المشهود يكذب هذا الفرض لتفسير الصلة بين الحيوان والإنسان،ويقرر أن الحيوان لا يحمل هذه الخصائص، فيقف دائماً عند حدود جنسه الحيواني لايتعداه، ولكن يبقى النوع الإنساني متميزاً بأنه يحمل خصائص معينة تجعل منه إنساناً ليست نتيجة تطور آلي، وإنما هي هبة مقصودة من قوة خارجية” .
ومن الناحية العلمية:
إن كلمة يُجمع أحدكم في الحديث الشريف تتمثل علمياً بمجموعة من الحقائق:
1 ـ اجتماع النطفة المذكرة والمؤنثة وانصهارهما معاً”النطفة الأمشاج“.
2 ـ انصهار صبغيات النطفة المذكرة أي الأب ـ وصبغيات البيضة أي الأم ـ عند الإخصاب وتشكيل صيغة صبغية متكاملة جديدة.
3 ـ ظهور الأعضاء فيما بعد وزيادة نموها وتميزها
إن خلق الثدييات العليا يمر بنفس المراحل التي يمر بها خلق الإنسان تقريباً من النطفة الأمشاج إلى التوتة إلى الكيسة المصورة(البلاستولا) إلى التعشيش ووجود الوريقات الثلاثة:الخارجية والوسطى والداخلية… ولا يُميز جنين الإنسان عن أحد من هذه الحيوانات الثديية إلا بعد الاسبوع السادس، وإن المضغة التي عمرها أربعة أسابيع تتشابه في الحيوانات الثديية المختلفة،ولا تأخذ الشكل الإنساني إلا بعد الاسبوع السادس، ويذكر أن عالم الأجنة الشهير فون بيير كان يجمع أجنة حيوانات مختلفة في مرحلة معينة من مراحل تطورها ويحتفظ بها في وعاء زجاجي به مطهر حافظ من التعفن والتحلل ولم يضع على كل جنين مايوضح هويته أو نوعه، وعندما عاد إليها ليدرسها لم يستطع أن يُرجع معظمها إلى أصولها فكتب في مذكراته: ” إنني لا أستطيع أن أحدد إطلاقاً إلى أي فصيلة أو رتبة تنتمي هذه الأجنة،فقد تكون لسحالي أو لطيور صغيرة أو لحيوانات ثديية في مراحل نموها المبكرة، كم هي متشابهة في أشكالها”.
وهناك ملاحظة أخرى: إن كلاً من جنين الإنسان وجنين الحيوان متشابهان في المراحل الأولى من التكوين داخل الرحم،ولكن فيما بعد فإن كلاً منهما يسير في مسار مغاير ، فالجنين الحيواني يبقى في دائرة النمو الجسدي الصرف وفي حدوده المعينة، بينما فإن الجنين الإنساني يسير مسيراً مغايرأ تماماً فينشأ في ذروة من الكمال في الخَلق والتخلق، وصدق الله العظيم : {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}[ آل عمران 6 ]
وكما ذكرنا فإنه بعد الأسبوع السادس إلى الثامن يحدث التخلق إلى الطور الإنساني وهو يناسب جداً حديث نفخ الروح وقوله تعالى في سورة السجدة: {الذي أحسنَ كُلَّ شئٍ خَلَقَه وبدأَ خَلقَ الإنسانِ من طين* ثُمَّ جعلَ نَسلَهُ من سُلالةٍ من ماءٍ مهين* ثُمَّ سَوَّاهُ ونفخَ فيه من روحهِ وجعلَ لكُمُ السَّمعَ والأبصارَ والأفئدةَ قليلاً ماتشكرون}[السجدة 7 ـ9]وتبدو أيضاً في هذه المرحلة لدى الجنين فعالية حركية فهو يحرك الأطراف ويبلع السائل السلوي ويحزق.. وتظهر فيه حركات القلب ونبضاته.
يقول العالم الكندي كيث مور Keith Moore في كتابه الجامعي في علم الأجنة:”القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي ذكر قبل زمننا المعاصر بدقة متناهية مراحل تطور الجنين”.
“الذي خلقك فسوَّاك فعدَلك”
الآيات الكريمة:
{الذي خلقك فسوَّاكَ فعَدلَك* في أي صورةٍ ماشاء رَكبك}[الانفطار 6 ـ 8 ]
{ثُمَّ كان علقةً فخلقَ فسوّى}[القيامة 38 ]
في هذه الآيات توجد عملية عدل تقع بعد التسوية على الفور بدليل العطف بالفاء، والتي تفيد الترتيب والتعقيب.
من الناحية اللغوية:
جاء في” المفردات في غريب القرآن” للأصبهاني:
عَدَل: العدالة والمعادلة : لفظ يقتضي معنى المساواة.
التسوية: جعل الشئ سواء إما في الرِّفعة إو في الضّعة، وقوله تعالى: ” الذي خلقك فسواك فعدلك” أي : جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة.
التفاسير:
ماهو العَدْل؟
الإمام الطبري رحمه الله : “أي جعلك معتدلاً مُعدّل الخلق مقوّماً.
صفوة البيان لمعاني القرآن: “فسواك: جعل أعضاءك سليمة سوية مهيأة لمنافعها على حسب ماتقتضيه الحكمة وهي في الأصل جعل الأشياء على سواء.
فعدلك: عدل بعضها ببعض بحيث اعتدلت ولم تتفاوت، من عدل فلاناً بفلان: كذا ساوى بينهما. وقرئ بالتشديد فعدّلك: أي صيرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل أحد اليدين أطول ولاإحدى العينين أوسع، ولم يخالف بين الأعضاء في الألوان والهيئات.
ابن كثير رحمه الله :أي جعلك سوياً مستقيماً معتدل القامة، منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.
روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً في كفه فوضع عليها إصبعه، ثم قال: ” قال الله عز وجل: يا ابن آدم !آنّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدّلتك مشيتَ بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعت، حتى إذا بلغت نفسك هذه ـ ,أشار إلى حلقه ـ وفي رواية:حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدّقُ، وآنّى أوانُ التصدّق؟” [أخرجه أحمد وابن ماجه عن بسر بن جحاش القرشي وإسناده حسن كما يقول الألباني].
تفسير الجلالين:جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء، ليست يد أو رجل أطول من الأخرى.
وفي قوله تعالى: {في اي صورةٍ ماشاء ركبك}
قال مجاهد: ” في اي شبه أب أو أم أو خال أو عم.وقال عكرمة: “إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير.. وقال قتادة: ” ومعنى هذا القول عندهم أن الله عز وجل قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.
وجاء في تفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله:
“ألم يك نطفة صغيرة من الماء من مني يُمنى، ثم جعل منه جنيناً معتدلاً متناسق الأعضاء، معتدلاً مؤلفاً من ملايين الخلايا الحية، ويتابع رحمه الله:
“إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق،والأدب الجم، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة، تفضلاً منه ورعاية ومنّة، فقد كان قادراً أن يركبه في أي صورة أخرى يشاءها.فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة. وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سوي الخلقة، معتدل التصميم وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو وأعجب من كل مايراه حوله. وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء.
ويقول صاحب الظلال رحمه الله في آيات سورة الانفطار:
“إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة،الكاملة الشكل والوظيفة،أمر يستحق التدبر الطويل،والشكر العميق،والأدب الجم،والحب لربه الكريم،الذي أكرمه بهذه الخلقة،تفضلاً منه ورعاية ومنة.فقد كان قادراً أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها.فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.
وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين،سوي الخلقة،معتدل التصميم،وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو،وأعجب من كل ما يراه حوله.
وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي،وفي تكوينه العقلي،وفي تكوينه الروحي سواء،وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء!
ويتابع سيد قطب رحمه الله:
“تقول مجلة العلوم الانجليزية:إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة،وإنه من الصعب جداً بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف.فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك،ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة.وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائياً.وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة،وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها،ثم يزول الضغط بقلب الورقة.واليد تمسك القلم وتكتب به.وتستعمل كافة الآلات التي تلزم النسان من ملعقة،إلى سكين،إلى آلة الكتابة.وتفتح النوافذ وتغلقها،وتحمل كل ما يريده الإنسان…واليدان تشتملان على سبع وعشرين عظمة وتسع عشرة مجموعة من العضلات لكل منهما.
وإن جزءاً من الأذن الوسطى للإنسان هو سلسلة من نحو أربعة حنية(قوس)دقيقة معقدة،متدرجة بنظام بالغ،في الحجم والشكل،ويمكن القول بأن هذه الحنيات تشبه آلة موسيقية.ويبدو أنها معدة بحيث تلتقط وتنقل إلى المخ،بشكل ما،كل وقع صوت أو ضجة،من قصف الرعد إلى حفيف الشجر.فضلا عن المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الأركسترا ووحدتها المنسجمة.
ومركز حاسة الإبصار في العين تحتوي على مائة وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء وهي أطراف الأعصاب،ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلاً ونهاراً،والذي تعتبر حركته لا إرادية،الذي يمنع عنها الأتربة والذرات والأجسام الغريبة،كما يكسر حدة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال.وحركة الجفن علاوة على هذه الوقاية تمنع جفاف العين .أما السائل المحيط بالعين والذي يعرف باسم الدموع،فهو أقوى مطهر..
وجهاز الذوق في الإنسان هو اللسان،ويرجع عمله إلى مجموعات من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي،ولتلك الحلمات أشكال مختلفة،فمنها الخيطية والفطرية والعدسية ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني البلعومي،والعصب الذوقي.وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية،فينتقل الأثر إلى المخ.وهذا الجهاز موجود في أول الفم،حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به،وبه يحس المرء المرارة والحلاوة،والبرودة والسخونة،والحامض والملح،واللاذع ونحوه.ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة،يتصل كل نتوء منها بالمخ بأكثر من عصب.فكم عدد الأعصاب؟وما حجمها؟وكيف تعمل منفردة؟وتتجمع بالإحساس عند المخ؟
ويتكون الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرة تامة من شعيرات دقيقة تمر في كافة أنحاء الجسم.وتتصل بغيرها أكبر منها.وهذه بالجهاز المركزي العصبي.فغذا ما تأثر جزء من أجزاء الجسم،ولو كان ذلك لتغير بسيط في درجة الحرارة بالجو المحيط،نقلت الشعيرات العصبية هذا الإحساس إلى المراكز المنتشرة في الجسم.وهذه توصل الإحساس إلى المخ حيث يمكنه أن يتصرف.وتبلغ سرعة سريان الإشارات والتنبيهات في الأعصاب مائة متر في الثانية.
هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة…وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه،وليست أعلى مميزاته.فهنالك ذلك القبس العجيب من روح الله..هنالك الروح الإنساني الخاص،الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود،وجمال خالق الوجود،ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود. بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود.
هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية؟! والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض.ويصله بالملأ الأعلى،ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود.وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد!”.
يقول تعالى :{الّذي أحسنَ كُلَّ شىءٍ خَلَقه}[السجدة 7].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
” سبحانه! هذه صنعتهُ في كلِّ شىء.هذه يده ظاهرةُ الأثار في الخلائق.هذا كل شىء خلقه يتجلى فيه الإحسان والإتقان،فلا تجاوز ولا قصور،ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص،ولا إفراط ولا تفريط في حجم أو شكل أو صنعة أو وظيفة.كل شىء مُقدر لا يزيد عن حد التناسق الجميل الدقيق ولا ينقص.ولا يتقدّم عن موعده ولا يتأخر.ولا يتجاوز مداهُ ولا يقصر.كل شىء من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام.ومن الخلية الساذجة إلى أعقد الأجسام.كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان.وكذلك الأعمال والأطوار والحركات والأحداث.وكلها من خلق الله.مقدرة تقديراً دقيقاً في موعدها وفي مجالها وفي مآلها،وفق الخطة الشاملة لسير هذا الوجود من الأزل إلى الأبد مع تدبير الله.
كل شىء وكل خلق مصنوع ليؤدي دوره المقسوم له في رواية الوجود،معدّ لأداء هذا الدور إعداداً دقيقاً،مزوداً بالاستعدادات والخصائص التي تؤهله لدوره تمام التأهيل.هذه الخلية الواحدة المجهزة بشتى الوظائف.
كل شىء ..كل شىء..حيثما امتد البصر متقن الصنع،بديع التكوين،يتجلى فيه الإحسان والإتقان”.
ومن الناحية العلمية الطبية:
من المعروف علمياً أن أعضاء الجنين وأجهزته تبدأ في التشكل في الأسبوع الرابع من التلقيح وتشكل النطفة الأمشاج “أي في اليوم 42″، ويكتمل شكلاً في الاسبوع الحادي عشر.ويكون الجنين كائناً سوياً مكتمل الأعضاء في الاسبوع الثاني عشر”اليوم 77 ـ 84″،وهذا يوجهنا إلى حديث الاربعينيات” إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك….”وليس في العلم حتى الآن كتاب علمي يقول بالأربعينيات، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى وبنوعٍ من الإعجاز قال ذلك قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.
ومن الصعوبة في علم الجنين تحديد الدور الفاصل مابين مرحلة المضغة والجنين فالأمور متداخلة وإن كان من الناحية العلمية العملية فإن طور الجنين يبدأ اعتباراً من الشهر الرابع،وهنا أود أن أنوّه بما ذكره الأستاذ محمد سلام مدكور في كتابه ” الجنين” عن هذه المرحلة ورأي علماء المسلمين وخاصة الإمام الشافعي رحمه الله يقول:
” وبعد فإننا نعتز في هذا المقام بنقل ساقه الإمام المزني الشافعي المتوفى سنة 264هجري عن الإمام الشافعي المتوفى سنة 204 هجري يفيد أن الاستعمال الحقيقي للجنين فيما يكون بعد مرحلة المضغة، ويبني عليه أن استعماله فيما قبل هذه المرحلة من باب المجاز باعتبار أنه مقدمة للجنين الحقيقي وعبارة الأمام المزني في مختصره بهامش كتاب الأم للشافعي، قال الشافعي في الجنين: “اقل مايكون به جنيناً أن يفارق المضغة والعلقة، حتى تبين منه شئ من خلق آدمي أصبع او ظفر او عين أو ما أشبه ذلك”.
إن حياتنا من البداية وحتى النهاية مبنية وقائمة على العناية الإلهية لحظة فلحظة” يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث،أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”[رواه النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه] فمنذ وجود عوامل الخلق الأولى أي النطفة في الخصية والبويضة في المبيض ومايتلو ذلك من مراحل وأطوار فإنها برعاية الرحمن وتدبيره، ولو أن خللاً بسيطاً طرأ على مستوى الخلايا وما تحتوية من صبغيات وخمائر وهرمونات وعمليات استقلابية وتكاثر على مستوى الخلايا والصبغيات وإشرافها على تشكيل البروتينات والهرمونات وعناصرها الأساسية من الحموض الامينية أو الحموض الدسمة.. إن أي خلل يؤدي إلى حدوث التشوهات أو الإصابة بالأمراض الوراثية والاستقلابية كما سيأتي بحثه فيما بعد فسبحان الله أحسن الخالقين.
“وإذ أنتم أجنةٌ في بطون أُمهاتكم”
ورد لفظ الجنين في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى : {وإذ أنتم أجنةٌ في بطون أُمهاتكم فلا تُزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}[النجم 32]
من الناحية اللغوية:
جاء في الكامل للمبرد(الجزء الأول ص 282):الجنين في اللغة العربية : مالم يظهر بعد. يقال للقَبر: جَننٌ. والجنين الذي في بطن أمه. والمِجَنّ: التُرس لأنه يستر. والمجنون: المغطى العقل. وسُمي الجنُ لاختفائهم، وتسمى الدروع الجُنن لأنها تستر من كان فيها.
ومن الناحية التاريخية:
أذكر وبشكل مختصر هنا البحث الذي ألقاه البروفيسور جورنجي من جامعة جورج تاون في أمريكا في المؤتمر الذي عقد في مدينة إسلام آباد في باكستان اكتوبر عام 1987حيث يقول: ” يمكننا أن نقسم علم الأجنة إلى ثلاث مراحل:
1 ـ المرحلة الوصفية: وهذه المرحلة تعود إلى أكثر من ستة قرون قبل الميلاد، وتستمر حتى القرن التاسع عشر،وتم خلال هذه الفترة وصف الملاحظات الخاصة بظاهرة تطور الجنين، ووجدت بعض السجلات المدونة من فترة السلالات الفرعونية الرابعة والخامسة والسادسة في مصر القديمة،وقد حمل مالايقل عن عشرة أشخاص متعاقبين اللقب الرسمي”فاتح مشيمة الملك” وكانت تعزى إلى خواص المشيمة قوى سحرية خفية، ودام ذلك الاعتقاد حتى عهد اليونانيين القدماء وبعدهم.وقد هيمنت كتابات أرسطو طاليس وجالينوس .وكان المفهوم المتداول هو ماقال به أرسطو من أن الجنين يتطور من كتلة دموية وبذرة، وكان يعتقد أن الجنين يتولد من دم الحيض.
ولقد نشط البحث العلمي في القرن السادس عشر وخاصة في القرنين السابع والثامن عشر، ومهدت أعمال فيساليوس وفابريسيوس وهارفي لبدء عصر الفحص المجهري، واكتشف الحيوان المنوي.وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في بييضة المرأة، كان فريق آخر يقول أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في الحيوان المنوي.ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا عام 1775م حين أثبت سبالانزاني أن البيضة والحيوان المنوي كلاهما يشارك في عملية التخلق البشري. بينما نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية أن هذه القضايا قد حسمت بأن عملية التخلق مشتركة بين الذكر والأنثى.
2 ـ علم الأجنة التجريبي:لم تكتشف بييضة الثدييات إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة علم الأجنة التجريبي بكتابات فون باير وداروين وهيجل اعتباراً من نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأربعينات من القرن العشرين.
3 ـ مرحلة التقنية واستخدام الأجهزة: وتمتد هذه المرحلة الثالثة أو الحديثة من الأربعينات في القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وخاصة مع استعمال المجهر الالكتروني وآلات التصوير المتطورة الآخرى، وقياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف، والحاسوب، ومجموعة الكشف عن البروتينات، والأحماض النووية، والكربوهيدرات المعقدة…وأمكن دراسة دور النواة الخلوية وجبلة(هيولى) الستوبلازما، وإجراء تهجين الخلايا في المنابت خارج الخلية” انتهى كلام البرفيسور جورنجي..
هذا بإيجاز عن تطور الجنين عند علماء وفلاسفة الغرب بينما نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية وفي أوائل القرن السابع الميلادي تتطرقا وبشكل معجز وبأدق التفاصيل في خلق الجنين كما بينا سابقاً وكما سنذكر لاحقاً.
ومن الناحية العلمية:
يُطلق على الكائن المتشكل في الرحم ابتداء من الاسبوع التاسع من الحمل وحتى الولادة اسم الجنين Foetus.فهو يتلو طور المضغة، وابتداء من هذا الطور تكون جميع الأعضاء موجودة.وتأخذ فقط في الازدياد الحجمي ،ومن الناحية الشكلية فإن الجنين في هذا الطور يكون له شكل المولود الصغير ولكن برأس كبير متميز.
يكون طول الجنين الحي في بداية المرحلة حوالي 30مم،ويزن حوالي 8غرام،ويشكل الرأس تقريباً نصف الجسم،ويكون متواجداً لديه القلب واليدان والقدمان والمخوأعضاء أخرى لكنهم فقط في بداية التطور،وهناك حركات لديه مشابهة للتنفس ولكن لاعلاقة لها بوظيفة الرئتين وإنما تساعد على تطور الرئة.
وكما ذكرنا فإن طور الجنين يتميز بازدياد حجم الأعضاء والتي تكون قد تكونت في طور المضغة،مع حدوث التمايز النسيجي والعضوي، وازدياد النشاط الوظيفي لمعظم الأعضاء. وإن معدل النمو في هذا الطور سريع جداً وخاصة مابين الاسبوع التاسع والإثني عشر.
وفي الأسابيع 17 ـ 25 من الحمل تشعر الحامل بحركات الجنين وغالباً في الاسبوع 21 من الحمل،وفي نهاية الشهر الخامس من الحمل يصل طول الجنين حوالي 20سم.
وفي الأسابيع 26 ـ 38 من الحمل تزداد كمية الدهون في الجسم بشكل سريع،وتكون العظام متطورة بشكل كلمل،لكن لاتزال طرية ومرنة،وتصل الأظافر لنهاية أطراف الأصابع.
ويكون الجنين مكتمل النمو وجاهز للولادة بين الاسبوعين 36 ـ 40.ويكون طوله 48 ـ 53سم حين الولادة.
ومن المعروف علمياً أن زيادة وزن الجنين هام جداً لاستمراره في الحياة بعد الولادة، فإذا كان وزنه دون 500 غ عند الولادة فإنه لايبقى على قيد الحياة، وإذا كان الوزن 500 ـ 1000 غ فإنه قد يعيش ولكنه يبقى مهدداً بالأصابة ببعض الأمراض الخطيرة المهددة لحياته ويسمى المولود ناقص الوزن هنا بالخديج، وإذا كان الوزن 1000 ـ 2500 غ فإن استمرار بقائه حياً يكون أفضل بكثير. وإن الخداج هو أهم أسباب الوفيات بعد الولادة.
إذاً من ميزات الطور الجنيني أن التبدلات التي تحدث فيه هي تبدلات مورفولوجية شكلية بازدياد حجم الأعضاء ،وتبدلات فيزلوجية وظيفية حيث تقوم معظم الأعضاء بالقيام بوظائفها بدرجات متفاوتة،كما أن هذا الطور يتميز بأن محصول الحمل أقل عرضة للتشوهات الخلقية بالمقارنة مع طور المضغة وخاصة بسبب الأدوية او الالتهابات أو الأشعة،ولكن تعرضه لبعض العوامل السامة أو المؤذية قد يؤثر في الوظيفة الطبيعية لبعض الأعضاء وخاصة منها الدماغ والعينين.
وأما علم الأجنة” [مجموعة السفير :المجلد الرابع ص 236]”:
” فهو علم يبحث نمو الجنين وتطوره قبل ولادته،وقد بدأت الدراسات الأولى في علم الأجنة في كتابات الفلاسفة اليونانيين أمثال أرسطو وهيبوقراطس في السنة الرابعة والخامسة قبل الميلاد، وجالن في السنة الثانية بعد الميلاد، وكانت دراساتهم بعيدة عن الحقيقة غالباً وكان الرأي السائد أن الجنين يتكون من دم الحيض،ثم جاء القرآن الكريم قبل 14 قرناً بوصف إعجازي ودقيق لما اكتشفه العلماء الآن من وصف للمراحل التطورية للإنسان بدءاً من المراحل المبكرة ومروراً بتكوين الأعضاء. وكان علماء المسلمين منذ العصور الأولى للإسلام يرفضون فكرة أن الجنين يتكون من دم الحيض الذي هو أذى، قال تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} وقال تعالى : {ألم يكُ نطفةً من منيٍ يُمنى}.
وعلى الرغم من التطور السريع لعلم الأجنة في النصف الأخير من القرن العشرين فإننا نجد أن بعض الاكتشافات التي تمت في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت موجودة في القرآن الكريم.وقد وقف كبار علماء الأجنة في العالم مُعجبين أمام الحقائق التي أوردها القرآن والسنة النبوية حول مراحل تطور الجنين ونموه ومنهم كيث مور وبرسود من كندا،ومارشال جونسون من أمريكا، وشارل رومن فرنسا.وقد ألف بعضهم أبحاثاً تؤكد هذه الحقائق القرآنية مثل كتاب الإسلام والعلم للدكتور برسود، وكتاب نشأة الإنسان للدكتور كيث مور.
ولقد اعتمد العالم الدكتور كينيث مور في تصنيف مراحل تطور الجنين الإنساني على القرآن الكريم والسنة النبوية وقسم مراحل تطور الجنين إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1 ـ طور النطفة: ويشمل مرحلة الإخصاب،وتشكل النطفة الأمشاج، والتوتة، والبلاستولا مع التعشيش.
2 ـ طور التشكل: ويبدأ من الاسبوع الثالث وحتى الثامن ،ويشمل طور العلقة،والمضغة، ومرحلة تشكل القطع البدنية”تبدأ بالظهور في الاسبوع الرابع من الإخصاب”، ويكون محصول الحمل في هذه المرحلة بشكل المضغة”قطعة اللحم الممضوغ” ويشمل هذا الطور ايضاً تشكل العظام وكسوها بالعضلات، ويأخذ محصول الحمل في نهاية هذا الدور الشكل الإنساني.
3 ـ طور النمو:وهو طور الجنين بالخاصة،ويبدأ من الاسبوع التاسع وحتى الولادة، وفي هذا الطور يأخذ الجنين الشكل الإنساني،وابتداء من الاسبوع التاسع تظهر الأعضاء التناسلية الظاهرة وتأخذ بالتميز ويمكن معرفة كون الجنين ذكر ام أنثى في نهاية الاسبوع 12 من خلال الأعضاء التناسلية الظاهرة.وفي هذا الطور تكون العظام الغضروفية التي ظهرت في الطور الثاني قد بدأ فيها التكلس فظهرت فيها نويات التعظم،وتظهر بالتدريج العظام الكلسية وتحل محل العظام الغضروفية.
ويقول الدكتور كيث مور(استاذ علم التشريح وأحد خمسة من مشاهير العالم في علم الأجنة ،وله مؤلف مترجم إلى ثماني لغات في علم الأجنة) حيث سئل مايقرب من 80 سؤالاً في علم الاجنة: “لو كنت سئلت هذه الأسئلة منذ 30 عاماً فقط ما استطعت الإجابة من قلة المعلومات العلمية لدينا، ولكن القرآن والأحاديث النبوية أجابت عنها منذ 1400 عام.ويتابع:”إن تقسيمنا وتصنيفنا لأطوار الجنين لم يعرف إلا في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وقد أعطيت مراحل وأطوار الجنين أرقاماً وأحرفاً أبجدية، وبعد ذلك أعطيت أسماء رقمية لاتحمل معنىن وتجعل العلم صعب جداً على الطالب…لكن الدراسات الحديثة المقارنة وعلم الأجنة والقرآن والسنة أسفرت عن مصطلحات جديدة سهلة ونافعة،تجعل علم الأجنة ميسوراً وتقرب لنا هذا العلم، وتعتمد هذه المصطلحات على الشكل والوضع الذي يمر به الجنين..فشكل النطفة والعلقة والمضغة والعظام ثم الاكتساء باللحم ثم طور النشأة خلقاً آخر”.
وحينما وقف البروفسور موريس بوكاي يحاضر في الأكاديمية الطبية الفرنسية يوماً عن الإعجاز الطبي في القرآن الكريم، قال لهم: هذه حقائق العلم التي عرفتموها، وهذا مايقوله القرآن الكريم فإني أوجه لكم السؤال التالي: هل هناك امكانية لأن يكون هذا العلم قد جاء لمحمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي عن طريق البشر؟إن كان لاحدكم تفسير عن ذلك فليبينه لي ،فما أجاب منهم أحد، ثم قال: أما وقد وقفتم هذا الموقف واتضح الأمر فأقول لكم أنه ليس هناك إلا تفسير واحد، إن هذا القرآن هو من عند الله وأن محمداً هو رسول الله حقاً”.
وأقول وصدق الله العظيم حيث يقول: {سَنريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنّهُ الحق}، ويقول تعالى: {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها}[النمل 93]
ويقول تعالى: {ويرى الذين أُوتُوا العلمَ الذي أُنزِلَ إليكَ من ربِّكَ هُوَ الحَقَّ ويهدي إلى صراطِ العزيزِ الحميد}[ سبأ 6 ]
ويقول تعالى: {ولِيعلمَ الذينَ أُوتُواالعلمَ أنّهُ الحَقُّ من رَبِّكَ فَيُؤمنوا بهِ فَتُخبِتَ لهُ قُلوبُهُم وإنَّ اللهَ لهادِ الذين أمنوا إلى صراطٍ مستقيم}[ الحج 54]، وقال تعالى: {بل هُوَ آياتٌ بيّناتٌ في صُدورِ الذين أُوتُوا العلمَ وما يجحدُ بآياتنا إلا الظّالمون}[ العنكبوت 49]
“فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما”
يتم تطور الجنين داخل الرحم وبالحسابات حسب الشكل التالي:
في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين من الإلقاح(تشكل النطفة الأمشاج) تظهر مايُسمى الكتل البدنية(السومايتز) على كل جانب من محور الجنين، ويبلغ عددها عند اكتمالها 42 ـ 45 كتلة على كل جانب من محور الجنين أي من القمة وحتى المؤخرة،وتعرف الكتل الأربع الأولى العليا باسم الكتل القفوية، ثم تليها 8 رقبية، ثم 12 صدرية ثم 5 قطنية ثم 5 عجزية ثم 8 ـ 10 عصعصية. وهذه الكتل هي الأساس الذي يقوم عليه من بعد الجهازين العظمي والعضلي، ويمكن معرفة عمر الجنين بمعرفة عدد الكتل البدنية، ويبدو منظر الجنين عندما تتشكل هذه الكتل البدنية فيه وكأنَّ اسناناً انغرزت فيه ولاكته ثم قذفته، ولعل هذا قد يكون احد التفاسير لمعنى المضغة، وهذا التعبير أي المضغة هو أدقّ وصف لهذه الفترة من تشكل محصول الحمل. ويسبق تشكل العظام العضلات، فالعظام تتشكل في الاسبوع 5 ـ 6 من الإلقاح، وبينما العضلات تتشكل في الاسبوع 6 ـ 7 وهذا إعجاز آخر في القرآن الكريم{فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً}.
وفي حوالي الاسبوع 11 ـ 12 من الحمل يأخذ الوجه المعالم البشرية،والوجه هنا يكون شكلاً كأنه خمسة جزر،يمكن رؤيتها تحت الجلد الرقيق.
الجزيرة الأولى: مابين العينين والأسفل وهذه تشكل فيما بعد الأنف والشفة العليا.
الجزيرة الثانية والثالثة: ويتشكل منها العينان والخدان والأقسام الجانبية من الشفة العليا.
الجزيرة الرابعة والخامسة: وينشأ عنهما الشفة السفلى والذقن.
وعلى هذا الهيكل العظمي تنمو العضلات التي تحرك عظام الوجه وتعطيه معالمه وملامحه، وهذه المعالم وارتسامات الوجه تبين لنا إذا كان الطفل منزعجاً أو مرتاحاً، إن الطفل ابتداء من الاسبوع 23 من الحمل يمكن أن يتألم لأن الجملة العصبية عنده تكون قد تشكلت في هذا الوقت وهذا لابد من مراعاته في كل التدخلات التي تجرى على الأم والجنين في هذه المرحلة.
ومن ثم تتشكل وتتكون الأجهزة الأخرى كالقلب والكبد والأطراف والسمع والبصر والدماغ{وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}
ويبلغ طول الجنين في الاسبوع السادس عشر حوالي 16 سم، ويبدي الجنين في هذه المرحلة شكلاً كاملاً ومتطوراً، وتظهر فيه نويات التعظم الأولى، وتظهر فيه عناصر تشكيل الدم في الكبد.
ـ وفي الاسبوع 17 ـ 20 يتباطى نمو الجنين، ويمكن للأم أن تشعر بحركات الجنين،وفي نهاية هذا الطور تشاهد أشعار الحواجب والرأس.وفي هذا الطور يتشكل لدى الجنين مايسمى النسيج الشحمي البني،وهو المسؤول عن توليد الحرارة لدى الجنين، وتتولد الحرارة عند الوليد فيما بعد من هذا النسيج خاصة من جراء أكسدة الحموض الدهنية، ويوجد هذا النسيج الشحمي البني وبشكل خاص في المثلث الأمامي للعنق وخاصة في أسفله والذي تحيط به الأوعية الدموية وخاصة تحت الترقوة والسباتي،كما يوجد هذا النسيج خلف عظم القص، وحول الكلية.ويعزى اللون البني لهذا النسيج لوجود المتقدرات(الميتوكوندريا) وهذه الجسيمات داخل الخلايا هي المسؤولة بشكل خاص عن توليد القدرة وتوليد الحرارة في العمليات الاستقلابية داخل خلايا الجسم.
ـ وفي الاسبوع 24 يبلغ طول الجنين 30 ـ 32 سم،وفي هذا الاسبوع تبدأ خلايا الأسناخ الرئوية بتشكيل مادة “السرفاكتانت” وهي عبارة عن مادة شحمية فعالة تحافظ على بقاء الأسناخ الرئوية مفتوحة،وغيابها أو نقصها يسبب اضطرابات تنفسية شديدة عند الوليد قد تؤدي بحياته. وإذا حدثت الولادة في هذا الطور فإنه قد لايتمكن الوليد من الحياة لأن جهاز التنفس لديه لم ينضج بعد.
ـ وفي الاسبوع 28 يكون الجنين قابلاً للحياة إذا حدثت الولادة لأن الرئة قادرة على القيام بوظيفة التنفس وبسبب تطور الرئة والأوعية الدموية فإنه يمكن حصول التبادل الغازي عبر الأسناخ الرئوية، وكذلك لنضج الجملة العصبية المركزية والتي تشرف مراكزها على الإشراف على وظائف التنفس الطبيعي والمنتظم، وكذلك الإشراف على مراقبة حرارة البدن.وفي هذا الطور يوجد النسيج الشحمي الأبيض تحت الجلد وتزداد نسبته، كما يتم في هذا الطور تشكل الدم في الطحال ونقي العظم.
ويكون وزن الجنين حوالي1000غ، وطوله 35 ـ 40 سم.
ـ وفي الاسبوع 36 تظهر الأظافر وتصل إلى ذرى الأصابع،ويكون لون الجلد أحمرأ، ومغطى بطبقة من الطلاء الدهني.
ـ وفي الاسبوع الأربعين تظهر عليه كامل علامات النضج والتمام، وطوله 49 ـ 53 سم، ووزنه 3200غ.
والحسابات بالأشهر:
ـ الشهر الأول:تظهر أربعة براعم هي الأطراف العليا والسفلى، وفي نهاية الشهر يبدأ القلب بالنبضان ويكون معدل سرعة نبضان القلب لدى الجنين ضعف نبضان القلب لدى الأم،أي في حوالي اليوم 36 ـ 38 من انقطاع الطمث، ويمكن رؤية نبضان قلب الجنين من خلال الأمواج فوق الصوتية(Sonographie) ابتداء من الاسبوع السابع أي في اليوم 43 ـ 46 ، ولكن لايسمع عبر جدار البطن إلا بعد الاسبوع الحادي عشر
ـ الشهر الثاني: يظهر صيوان الأذن الخارجية، واليدان والأصابع، وتنفصل فتحة الفم عن الأنف، وطول المضغة 2 ـ 4 سم ، والوزن حوالي 13 غ.
في نهاية الشهر الثاني يكون شكل الجنين وبدون أدنى شك إنسانياً بشرياً، فالرأس مدور ولكنه كبير الحجم نسبياً بالمقارنة مع حجم الجسم ككل،ويكون لديه عنق، ويظهر الجفنان ولكنهما ملتحمان،البطن متبارز قليلاً، والعينان موجودتان
ـ في نهاية الشهر الثالث:وزن الجنين 55غ، وطوله 10 سم،الجفنان ملتحمان، وفي الشهر الثالث تظهر نويات التعظم المختلفة في كثير من عظام الجسم ويمكن كشفها بالتشخيص الشعاعي، وتأخذ شكل المضغة هنا الشكل الإنساني.
يبدأ ظهور الأشعار في الشهر الثالث، ويبدأ ظهور مايسمى الأشعار البدئية، وتظهر في جميع أنحاء الجسم ويصبح للجلد شكلاً مميزاً، وذلك لأن جذور الأشعار تكون موجودة بشكل مائل وتكون موازية لألياف النسيج الضام في الجلد وبحيث يبدو الجنين في هذا الطور وكأنه توجد هناك عليه كتابات جلدية غير مفهومة.
ـ نهاية الشهر الرابع:وزن الجنين 170 غ، وطوله 20سم،ويتشكل الجهاز الهضمي، ويبدأ الكبد بالعمل، ويكون الجنين متجعد الجلد، أصلع، قبيح المنظر، وتنضج الأعضاء التناسلية.
وفي هذا الشهر يحدث نمو وتطور سريع وابتداءً من الشهر الرابع يطلق على محصول الحمل اسم الجنين في علم الأجنة.وفي الشهر الرابع وحتى الخامس تكون أشعار الحاجبين والرأس بشكل خشن وتكون ذات لون معين لوجود خلايا صباغية تعطيها اللون، وإن هذا الشعر البدائي يختفي قبل الولادة ولانعرف ماهي أهميته بالتحديد، وربما يكون دور الشعر الناعم الحفاظ على الطلاء الدهني والذي تشكله الغدد الدهنية الموجودة بجانب جذور الأشعار.وإن هذا الطلاء الدهني يقي الجنين من الانتانات كما أنه يساعد أثناء الولادة كعامل “مزلق” يساعد على تسهيل الولادة، وإن جزءاً من هذا الطلاء الدهني ينفصل عن جلد الجنين ويمتزج مع السائل السلوي ولذا يكون بلون عكر في نهاية الحمل.
ـ نهاية الشهر الخامس:وزن الجنين 650غ، وطوله 30سم، يظهر شعر الرأس، وتبدأ غدد الجلد بالعمل، والأظافر تبدأ بالظهور، والجلد متجعد، والخصيتان متوضعتان على جانبي العمود الفقري الظهري، يقوم الجنين بحركات قوية تشعر بها الحامل.
ـ الشهر السابع: مع نمو الجملة العصبية تصبح حركات الجنين هادفة وأكثر انتظاماً.
ـ الشهر الثامن: وزن الجنين 2550غ، وطوله45سم،الجفنان ينفصلان بعد أن كانا ملتحمين،وتختفي تجعدات الجلد لظهور الغدد الدهنية والتي بإفرازها تحمي الجلد من تخريش السائل السلوي،ويصبح لون الجلد جميلاً أحمر اللون لوجود الدم في الأوعية الشعرية، وتهاجر الخصيتان من جانب العمود الفقري إلى الصفن.
ـ الشهر التاسع عند الولادة:الوزن 3250 ت 3400غ، والطول 49ـ 53سم،ويأخذ رأس الجنين داخل الرحم الوضع المسمى بالمجئ الرأسي، وتشعر الحامل عندها بأن البطن قد هبط قليلاً وهذا يعني أن الجنين يتأهب للخروج.
“وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة”
تتطور آلتي حس السمع والبصر في وقت متزامن تقريباً عند الجنين.وذلك ابتداء من الاسبوع الثالث من الحمل.ولكن الصحيفة السمعية تظهر في أواخر الأسبوع الثالث بينما البصرية في أول الشهر الرابع وهذا مما يدل أيضاً على الإعجاز القرآني الذي ذكر السمع ثم البصر.
الأذن والسمع:
إن الأذن تتألف من ثلاثة أقسام ، وكل قسم منها ينشأ من جهة معينة. ومن ناحية التطور فإنه تتشكل الأذن الداخلية(عضو السمع والتوازن) من القسم الخلفي للدماغ،وبعد ذلك أي حوالي الاسبوع الخامس من حياة المضغة تتشكل الأذن الخارجية مع مجرى السمع وغشاء الطبل،وأما الأذن الوسطى التي تتوضع بينهما فإنها مع عظيمات السمع تتشكل بينهما (أي بين الاذن الداخلية والخارجية).
إن الجنين يستطيع وبشكل مبكر وابتداء من الشهر الرابع إلى الخامس أن يسمع ويتفاعل مع الأصوات والتنبيهات، وإن الانتانات التي تصيب الأم في طور المضغة قد تسبب تشوهات وأذيات سمعية.
ومع تقدم الحمل يستطيع الجنين أن يستقبل الأصوات ويعرف اختلافاتها ويدركها بدماغه، فهو لا يعيش أصماً في جو من الصمت المطبق،ويسمع الجنين دقات قلب أمه وهو يرتكس للضجيج والذي يسبب عنده سرعة دقات القلب.ولقد وجد أن الأجنة الذين يتعرضون لاذية الضجيج فوق 85 ديسيبل يكون لديهم خطر كبير من الإصابة بنقص السمع وهذا ماذكرته الكثير من الأبحاث العلمية، حيث تبين إحدى الدراسات الكندية أن الأمهات الذين يتعرضون أثناء عملهن وفي فترة الحمل إلى أذيات الضجيج وخاصة في بعض المعامل فإن هناك خطورة إصابة مواليدهن بنقص السمع.
كما أن المواليد الجدد يتعرفون على أصوات أمهاتهم وأصوات أخرى معينة مجدداً إذا سمعوها أثناء طور الجنين داخل الرحم، ومنها دقات قلب الأم، أو إذا كانت الأم أثناء الحمل تستمع إلى موسيقى معينة،أو أصوات أخرى سواء منها الاليفة أو المزعجة.
تشكل العين والرؤية:
إن تطور العين له من الأهمية والمتعة حيث يعطي فكرة عن العلاقة عن تطور الدماغ عند الجنين.
في البداية يرسل القسم الأمامي من الدماغ استطالة مجوفة إلى كل جانب،وفي نهاية الاستطالة يوجد حويصل صغير،وعندما يصل هذا الحويصل إلى القسم الباطن من جلد الوجه ويلامسه فإن الحويصل يتحدب ويأخذ شكل الكؤيس، وفي قعر هذا الكؤيس يتشكل فيما بعد تجويف العين(مايسمى الحجاج) وما يستره من الجلد فيما بعد يشكل الشبكية، وداخل الكؤيس تتشكل القرنية والعدسة، وفي القسم الأمامي من العدسة تتشكل القزحية، وفي النهاية تتشكل الأجفان.
وكما ذكرنا فإن الإعجاز القرآني في ذكر أسبقية السمع في الخلق والتطور الجنيني قد أكدته الدراسات العلمية:
1 ـ إن الاذن الداخلية للجنين تنضج في الشهر الخامس بينما العين حوالي الشهر السابع.أي أن الجنين يصبح قادراً على السمع ابتداء من الشهر الخامس بينما لا تفتح العين ولا تتطور طبقتها الحساسة للضوء إلا في الشهر السابع،وحتى ذلك الوقت لا يكون العصب البصري تام النمو لينقل الإشارات العصبية الضوئية إلى مراكز الدماغ بكفاءة.ولن تبصر العين لأنها غارقة في الظلمات الثلاثة.ولان انسداد الأجفان يمنع الرؤية أيضاً.
2 ـ ثبت علمياً أن الاذن الداخلية للجنين ترتكس لأصوات ابتداء من الشهر الخامس ويسمع الجنين أصوات وحركات أمعاء وقلب أمه.وتتشكل إشارات عصبية سمعية لديه في الاذن الداخلية وتنتقل عن طريق العصب السمعي إلى مراكز المخ المسؤولة.بينما حاسة البصر لاتكون مكتملة بسبب عدم نضج الشبكية في العين والعصب البصري.
والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يبدأ بسماع الاصوات وهو في رحم أمه.وأما باقي الحيوانات لا تبدأ بالسماع إلا بعد ولادتها بفترة.
ويمكن للجنين بعد بضعة أيام من الولادة أن يسمع الأصوات بشكل ملحوظ بعد أن تمتص السوائل والفضلات من الأذن الوسطى والخارجية،وتصبح حاسة السمع لديه شديدة وحادة خلال أيام قليلة بعد الولادة.أما حاسة البصر فتكون بعد الولادة ضعيفة إن لم نقل معدومة.ويصعب على الوليد تمييز الضوء من العتمة.ولا يرى إلا صوراً مشوشة للمرئيات.وتتحرك عيناه دون القدرة على تثبيتها وتركيز بصره.ويبدأ ابتداء من الشهر الثالث أو الرابع بعد الولادة تمييز شكل أمه أو زجاجة الحليب وتتبع حركاتهما.وفي الشهر السادس يتمكن من تفريق وجوه الاشخاص.
تشكل القلب:
يبدأ تشكل القلب في الاسبوع الثالث ويكون على شكل انبوب بسيط، ويستطيع أن يدفع الدم خلال العروق اليسيطة التي تشكلت في الاسبوع الرابع من عمر المضغة.وبعد ذلك يأخذ القلب شكل حرف السين الأجنبي ،ثم يأخذ الحاجز بين البطينين وبين الأذينتين بالتشكل وبالتالي ينقسم القلب إلى قسم ايسر وقسم أيمن.ويغلق الحاجز بين قسمي القلب في الأسبوع الثامن ولاتبقى إلا مايسمى الثقبة البيضية(Foramen Oval) والتي تبقى مفتوحة وحتى بعد الولادة وتكون بين الأذينتين اليمنى واليسرى والتي قد تستمر في الأنفتاح وتسبب أمراضاً قلبية فيما بعد.وبذلك يكون القلب في نهاية الاسبوع الثامن قد أخذ الشكل الكهلي، وأما التطورات اللاحقة على القلب فتكون بشكل رئيسي مقصورة على تطور عضلة القلب.وهذا يبين أن أي تشوه قلبي ولادي إنما يحدث في حالة إصابة القلب بالعوامل المرضية أو السمية قبل نهاية الأسبوع الثامن.
وقد اخترع جهاز لتسجيل ضربات قلب الجنين وتقلصات الرحم أثناء الحمل ويسمى جهاز مراقبة قلب الجنين Cardiotocography.
“لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”
يقول الأستاذ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في مقال له بعنوان” مظاهر التكريم الإلهي للإنسان” يقول أن أهم هذه المظاهر:
1 ـ استخلافه في الأرض:
لقد أعلن الإسلام كرامة الإنسان،فاعتبره خليفة الله في الأرض، وهي منزلة اشرأبت إليها أعناق الملائكة،وتشوّفت إليها أنفسهم،فلم يُعطوها، ومنحها الله للإنسان:{ وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أتجعَلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بحمدِكَ ونُقَدّسُ لك قال إنِّي أعلمُ مالاتعلمون* وعَلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرضَهُم على الملائكةِ فقال أنبِئوني بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادقين* قالوا سُبحانكَ لا عِلمَ لنا إلا ماعلمتنا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحكيم* قال يا آدمُ أنبِئهم باسمائِهم فلمَّا أنبأهُم باسمائِهم قال ألم أقُلْ لكم إنِّي أعلمُ غيبَ السماواتِ والأرض وأعلمُ ما تُبدونَ وما كنتم تكتمون} [ البقرة 30 ـ 33]، لقد كرّم الله تعالى الإنسان بالخلافة في الأرض،وهيأه لها بالعقل والعلم الذي تفوَّق به على الملائكة.
2 ـ خلقه في أحسن تقويم:
وأعلن الإسلام كذلك أن الله كرّم الإنسان بالصورة الحسنة وبالخلقة الحسنة،كما قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}[التين4] ، “{ وصَوَّرَكُم فاحسنَ صُوَرَكُم وإليه المصير}”[ التغابن 3]
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر هذا الدعاء في سجوده” سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته،”.[أخرجه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وأحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها]
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي أيضاً في تفسير سورة الأعلى:
“إذا كان الخلق يدل على الله، فالتسوية ادل عليه، والتسوية أخصّ من الخلق،إذ من الممكن أن يخلق الشئ غير مُسوّى.فمعنى تسوية الشئ إحسان خلقه،وإكمال صنعته بحيث يكون مهيئاً لأداء وظيفته،وبلوغ كماله المقدر لنوعه، وإمداده بما به صلاحه وبقاؤه، وجعله مستوياً معتدلاً متناسب الأجزاء بحيث لايحصل بينها تفاوت يخل بالمقصود منها.
والقرآن يعبر عن هذه التسوية بعبارات مختلفة الألفاظ، متقاربة الدلالة على المقصود،مثل الإحسان في قوله تعالى{الذي أحسن كل شئٍ خلقه}[السجدة 7]، والإتقان في قوله{صنع الله الذي أتقن كل شئ}[النمل88]، وإعطاء كل شئ خلقه في قوله تعالى على لسان موسى{ربنا الذي أعطى كل شئٍ خلقه ثم هدى}[طه 50]، ومعنى إعطائه خلقه:إعطاؤه من الخلق والتصوير مايصلح به لما خُلق له.كما عبر عن التسوية بنفي التفاوت في خلق الله في قوله تعالى{ماترى في خلق الرحمن من تفاوت}[الملك 3].وهذه التسوية ظاهرة في الكائنات كلها على وجه العموم، وفي الكائنات الحية على وجه الخصوص، وفي الإنسان على وجهٍ أخص.
ويتابع حفظه الله:
“إن الإنسان قد خلق لمهمة جليلة، وهي السيادة على الأرض والخلافة فيها،
ولهذا أعطي من الخصائص والمميزات،والأجهزة المادية والروحية، مايعينه على أداء وظيفته، ويُيسر له سبيل مهمته.ولو نظرنا إلى التكوين البدني للإنسان لرأينا العجب العجاب من عظمة التسوية،ودقة التصميم، وتناسق الأجهزة المختلفة التي لايعد شيئاً بجانبها تصميم اي جهاز يخترعه إنسان منا،فتدهش له العقول،وتنطلق بمدحه الالسنة والأقلام.
3 ـ تمييزه بالعنصر الروحي:
وفوق ذلك كله كرمه بالروح العلوي الذي أودعه الله بين جنبيه، فهو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، استحقَّ به أن تنحني له الملائكة إجلالاً وإكباراً لمقدمه بأمر الله، كما قال تعالى لملائكته: {إذ قال رَبُّكَ للملائكةِ إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ فإذا سوَّيتهُ ونفختُ فيه من روحي فَقعوا لهُ ساجدين}[ ص 72 ]وهذه النفخة الروحية الإلهية ليست خاصَّة بآدم أبي البشر، كما قد يتوهم بعض الناس، فإنّ بنيه ونسله جميعاً قد نالهم حظ منها،كما قال تعالى بعد أن ذكر خلق آدم: {ثُمَّ جعلَ نَسلَهُ من سُلالةٍ من ماءٍ مهين ثُمَّ سَوّاهُ ونفخَ فيهِ من رُوحهِ وجعلَ لكم السّمع والأبصارَ والأفئدة قليلاً ماتشكرون}[ السجدة 9] فلم يكن هذا التكريم والإحتفال لشخص آدم عليه السلام، وإنما كان تكريماً للنوع الإنساني في شخصه،فإنّ الله ميّزهم بما ميّزه من مواهب العقل والعلم والروح واستخلفهم كما استخلفه في الأرض،ولهذا أعلن القرآن كرامة البشر كافة حين قال : {ولقد كرّمنا بني آدمَ وحملناهُم في البَرِّ والبحرِ ورزقناهم من الطّيِّباتِ وفَضَّلناهم على كثيرٍ مِمّن خلقنا تفضيلاً}[ الإسراء 70]وهذا كله يثبت أن الإنسان نوع متفرد متميز عن سائر الحيوانات‘،فإنها وإن شابهته في عناصر تكوينها الطيني تخالفه ويخالفها في التكوين المعنوي، إذ لم يكرمها الله بما كرمه من الروح والعقل،لأنها لم تُكلّف ما كلّفه من عمارة الأرض وخلافة الله فيها.فهي مجرد أداة له في مهمته، ليسخرها في حاجته، ولاريب أن إيحاء هذا المعنى في نفس الإنسان، غير إيحاء الذين ينظرون إليه على أنه ليس إلا حيواناً تطور وترقى حتى صار إلى ماهو عليه الآن”.
هذا هو موقف الإسلام والدين من الإنسان وسبب خلقه،وأما أصحاب المذاهب الوجودية وفلاسفة الحضارة المادية وكهنة الرسالات الوضعية فإن لهم رأي آخر!
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في مقالة أخرى بعنوان “الإنسان في نظر الماديين” منقولاً عن كتاب الإيمان والحياة:
“ما الإنسان؟ إنه في نظر الماديين قبضة من تراب هذه الأرض.من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل وإلى الأرض يعود.هو كتلة من اللحم والدم والعظام والأعصاب والأجهزة والغدد والخلايا وما العقل والتفكير إلا مادة يفرزها المخ،كما تفرز الكبد الصفراء،أو كما تفرز الكلية البول!هو كائن ليس له أهمية ولاامتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة على هذه الأرض، بل أصبح من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره إنه”تطور” بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان!!
وماقيمة هذا الجسم؟ وهذا الهيكل الذي هو الإنسان؟
إن أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان زنته مائة وأربعون رطلاً وغلغلنا النظر في تكوينه وجدنا بدنه يحتوي على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع 7 قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع 7 أقلام رصاص.
قدر من الفوسفور يكفي لصنع 120 عود ثقاب.
قدر من ملح المغنيزيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير(الكلس) يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات.
وتلك هي قيمة الإنسان المادية(من كتاب نظرات في القرآن للأستاذ محمد الغزالي).
ويتابع الشيخ القرضاوي:”لاروح هنالك ولانفخة من السماء يختص بها هذا الكائن الفذ!
وليس ماذهب إليه داروين وفرويد وأمثالهما من الماديين بأفضل من هذه النظرة إلى الإنسان.إنه عندهم أخو الحشرات،وصنو القرود! إنهم لايبصرون فيه إلا القشرة والغلاف، ولايعرفون فيه إلا الطين والحمأ المسنون!فهو مخلوق من طبيعته الإنجذاب إلى أسفل، وليس الرقي إلى أعلى ،من طبيعته الهبوط إلى الأرض، وليس الارتفاع إلى السماء. هوـ بعبارة موجزة ـ حيوان متطور ترقى من طور إلى طور حتى بلغ ماهو عليه.فالحيوانية في الإنسان قشرته ولبه، ولحمته وسداه!
ويتابع الشيخ القرضاوي:
“فأي إيحاء للنفس الإنسانية أسوأ من هذا الإيحاء أثراً؟أن يرى الإنسان مخلوقاً هابطاً ..حيواناً..طيناً وحماَ!إنه لايستغرب من نفسه الانحدار والتلوث والإسفاف ولايستنكف من القذارة والأوحال أن يتمرغ فيها،ويتلطخ بها ،بل المستغرب منه أن يتعفف ويتطهر، وأن يحيا نظيفاً مستعلياً على الشهوات، والمطامع المادية،باذلاً النفس والمال في سبيل الحق، ابتغاء رضوان الله”.
يقول الشهيد سيد قطب في “الظلال”[ ج1 ص49]:
“وهذا التشابه في الشكل والتنوع في المزية،سمة واضحة في صنعة البارئ تعالى،تجعل الوجود اكبر في حقيقته من مظهره، ولنأخذ الإنسان وحده نموذجاً كاشفاً لهذه الحقيقة الكبيرة،الناس كلهم ناس، من ناحية قاعدة التكوين: رأس وجسم وأطراف، لحم ودم وعظام وأعصاب،عينان وأذنان وفم ولسان، خلايا حية ،تركيب متشابه في الشكل والمادة،ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات؟إن فارق مابين إنسان وإنسان ـ على هذا التشابه ـ ليبلغ أحياناً ابعد مما بين الأرض والسماء! وهكذا يبدو التنوع في صنعة البارئ هائلاً يدير الرؤوس: التنوع في الأنواع والأجناس،والتنوع في الأشكال والسمات، والتنوع في المزايا والصفات… وكله .. كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة في التكوين والتركيب” .
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله أيضاً:
“خلق الله الإنسان بقدر فلم يوجد هكذا مصادفة ولاجزافاً،وخلق لغاية فلم يخلق عبثاً ولاسدى.وكرّم الله الإنسان وميّزه خلقة وطبيعة وتكويناً عن سائر الأحياء الأخرى، وأعطاه الخلافة في الأرض ليكون خليفة الله في أرضه، وجعله مخلوقاً غير مكرر، تميّز وتفرّد بالصفات تكريماً منه عزّ وجلّ.
يقول جوليان هكسلي في كتابه “الإنسان في العالم الحديث” وفي فصل ” تفرد الإنسان: “عندما وافق العالم على رأي داروين في نظريته التطورية اعتبر الإنسان حيوان كسائر الأحياء الأخرى،لايوجد بينهما هوّة واسعة، وإن كل الكائنات الحية متساوية القيمة،والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطوري. ولكننا الآن وبعد اتساع المعرفة ونتائج التحليل العلمي نقول” إن الإنسان يتفرّد بصفات خاصة تجعلنا نبتعد كثيراً عن اتباع نظرية داروين ومنها:
1 ـ قدرة الإنسان على التفكير التصوري”التخيل” وهذا كانت له ثمراته الواضحة في تحسين فيما لديه من عُدد والآت،وهذا هيأ له السيادة بين سائر الكائنات الحية،وهكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسائر المخلوقات كما تقول الأديان.
2 ـ الإنسان لامثيل له أيضاً كنوع مسيطر: فكل الأنواع الأخرى انقسمت أجناساً وفصائل ومجموعات،وبقي الإنسان محافظاً على سيادته من غير انقسام ولقد تم تنوع سلالات الإنسان في حدود نوع واحد.
3 ـ ولاننسى ان الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما نظن عادة.
ويقول العالم الأمريكي كريسي موريسون في كتابه” العلم يدعو إلى الإيمان” يقول:
” إن الذين نادوا بنظرية النشوء والارتقاء لم يكونوا على علم بوجود المورثات”الجينات” والتي فتحت تطوراً كبيراً لفهم التطور، والتي تقول أنه ليس من الضروري أن يكون الإنسان قد انحدر من سلالة القرود بسبب التشابه الهيكلي معها،وإن ارتقاء الإنسان الحيواني إلى درجة مفكر شاعر بوجوده هو خطوة اعظم من أن تتم عن طريق التطور المادي ودون قصد ابتداعي والذي لابد ان يقود إلى التفكير بوجود الله الذي منح الإنسان قبساً من نوره.إننا إذا لم نستطع الكشف عن الشئ في مخابرنا فهذا لايعني أن الشئ غير موجود وهذا تفكير خاطئ، خاصة إذا تيقنا أن هذا الشئ هو واقع ولكننا لانستطيع أن نلمسه أو الإحساس به مادياً، وهذه هي روح الإنسان،علينا أن نعترف بأن هناك قوة أكثر من المادية تسيطر على الإنسان لانستطيع أن نتصل بها مباشرة ولكن تفكيرنا يقودنا إلى وجودها،إن الإنسان يبقى متطلعاً إلى معرفة المجهول الذي يدرك أنه موجود من غير أن يحس به أو يلمسه،ويبقى لديه هنا الاشتياق الكامن المتطلع لكشف ماوراء ستار المادة، وهذه هي خلاصة القصد الرباني، أن يبقى الإنسان على محاولة للاتصال بأشياء تعلو عن قدرة حواسه، ولكنه يستطيع أن يتخيلها فكراً وتدبيراً،فإذا ما وصل إلى هذه المرحلة فإنه يكون قد وصل إلى لبّ الدين.
إن هناك امثلة واسعة وواضحة على فردية الإنسان وتفرده بصفات تختلف عن صفات إنسان آخر، فبصمات الأصابع هي التوقيع الحقيقي للإنسان،وعملية نبذ الطعوم هي خاصة فردية، كما أن كل شخص يتفاعل بطريقته الخاصة مع أحداث العالم الخارجي من الضوضاء والخطر والطعام والبرد وهجمات الحمات والمحرضات، فالحقائق واضحة جلية فالإنسان كائن فذ في هذا الكون، معقّد أشدّ التعقيد، وإن الإنسان يشتمل على عوالم متفردة .
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه مقومات التصور الإسلامي:
“إن الإنسان مزوّد بخصائص عدة:
ـ من هذه الخصائص الاستعداد للمعرفة النامية المتجددة، وهو مجهّز لاستقبال المؤثرات الكونية والانفعال بها والاستجابة لها.ومن مجموع انفعالاته واستجاباته يتألف نشاطه الحركي للتعمير والتغيير، والتعديل والتحليل والتركيب، والتطوير في مادة هذا الكون وطاقاته.
ـ وهو كائن كريم على الله. ذو مركز عظيم في تصميم الوجود ـ على الرغم من كل ما في طبيعته من استعداد للضعف والخطأ والقصور والتردّي ـولكن استعداده للمعرفة الصاعدة، لحمل أمانة الاهتداء، وللتبعة، يجعله كائناً فريداً،يستحق تكريم الله له…كما يستحق تلك العناية الإلهية به بإرسال رسله ورسالاته…وهو أكرم من كل ماهو مادي،لأن كل ماهو مادي مخلوق له.
ـ وهو كائن يتعامل مع الكون كله ومن فيه ومافيه..وهو يتعامل مع ربه كما يتعامل مع الملأ الأعلى من الملائكة، ومع الجن والشياطين،ومع نفسه واستعدادته المتنوعة، ومع سائر الأحياء الكونية، ومع طاقات الكون الظاهرة والخفية، ومع مادة هذا الكون وأشيائه… والكون مهيأ للتعامل معه، كما أنه هو مجهز بوسائل التعامل مع الكون، ومع ربّ الكون،بما ركب فيه من روح وعقل وحواسّ وقوى وطاقات تناسب ازدواج عناصر تكوينه.
ـوهو مستعد ـ حسب تكوينه الذاتي ـ لأن يرتفع إلى أرقى من آفاق الملائكة المقربين. كما هو مستعد لأن ينحطّ إلى أدنى من دركات الحيوان البهيم.وذلك حسب مايبذل هو من جهد في تزكية نفسه أو تدسيتها .وحسبما يتلقى من عون من الله وهداية ورعاية، مرجعها مايبذل من جهد ورغبة واتجاه ومحاولة في الارتباط ببارئه ومنهجه وتوجيهه..فهو ـ من ثَم ـ أعجب كائن، وأغرب جهاز،يحتوي هذه الاستعدادات المتباعدة الآماد. ولانعرف أن هناك كائناً آخر له هذه الخصائص! سواء الملائكة، أو الشياطين، أو صنوف الحيوان، أو عناصر المادة وأجهزتها.
ـ وهو مصمّم على قاعدة الزوجية التي هي خاصيّة كونية وحيوية. وعلى قاعدة التكامل بين الزوجين، لا التماثل، وهي كذلك خاصية كونية وحيوية، وقبل ذلك :على أساس التناسق مع الكون والقربى في الماهية المادية،بزيادة ذلك في العنصر الفريد فيه ـ النفخة من روح الله ـ وهي أمر غير مجرد الحياة الحيوانية.
ـ والإنسان مبتلى في هذه الأرض بالحياة والموت،والخير والشر،والسراء والضراء، والعطاء والحرمان،والصحة والمرض،والقوة والضعف،والنصر والهزيمة،والسّعة والضيق،والغنى والفقر..ومُجازىً على استجاباته كلها، ومُطالب بأن تكون هذه الاستجابات وفق مابين الله لهنوذلك بتحكيم شريعة الله ومنهجه في نشاطه كله..وهذا الجزاء قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما معاً. ولكنه لايتخلّف أبداً”.
“فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى”
تحديد جنس الجنين
الآيات الكريمة:
{ألم يكُ نُطفةً من مَنيٍّ يُمنى* ثُمَّ كان علقةً فخلقَ فسوّى* فجعلَ منهُ الزوجينِ الذكر والأنثى}[ القيامة 37 ـ 39]
{من نطفةٍ خلقهُ فقدره}[عبس 19 ]
الأحاديث الشريفة:
عن أنسٍ رضي الله عنه أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيئٍ ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيئٍ ينزع إلى أخواله،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” وأما الشبه في الولد فإنّ الرجل إذا غشيَ المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له،وإذا سبقت كان الشبه لها“. قال عبد الله بن سلام رئيس أحبار اليهود آنئذاك: أشهد أنك رسول الله ،فآمن رضي الله عنه.[ رواه البخاري].
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي الذي سأله عن الولد: “ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعَلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مَني الرجل أنث بإذن الله“. قال اليهودي: صدقت وإنك لنبي.[ رواه الإمام مسلم]
وفي حديث آخر قال ابن عباس رضي الله عنهما: “حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا حدثنا عن خِلالٍ نسألك عنهن ولايعلمهنَّ إلا نبي. قال: سلوا عمّا شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه،لئن أنا حدّثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام، قالوا: فذلك لك، قالوا : أخبرناعن أربع خلال:أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وكيف ماء الرجل وماء المرأة،وكيف يكون الذكر منه والأنثى،وأخبرنا بهذا النبي الأميّ في النوم ومن وليّه من الملائكة؟فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه. فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً،وطال سقمه فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه لَيُحرمنّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لحم الإبل،وأحبَّ الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم،فقال: اللهم اشهد عليهم.وقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأيُّهما علا كان الولد والشبه بإذن الله. إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأميّ تنام عيناه ولاينام قلبه. قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قال وإن وليّ جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه. قالوا: فعند ذلك نفارقك،ولو كان وليك غيره لتابعناك. فعند ذلك قال الله تعالى: {من كان عدواً لجبريل فإنّه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين}[ رواه الإمام احمد].
وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن النطفة تقع في الرحم اربعين ليلة ثمّ يتسوّر عليها الملك الذي يخلقها فيقول يارب أذكر أم أنثى، أسويّ أم غير سويّ،فيجعله الله سويّاً أو غير سويّ،ثم يقول يارب مارزقه وما أجله ثم يجعله الله عزّ وجلّ شقياً أو سعيداً” [أخرجه مسلم].
وفي حديث آخر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال يارب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قيل مخلقة قال أي رب شقي أو سعيد؟ ما الأجل ،ما الأثر وبأي أرض تموت”. [أخرجه ابن أبي حاتم وغيره كما جاء في كتاب الإمام ابن رجب].
وفي حديث آخر:” إذا مرّ بالنطفة ثنتان واربعون ليلة بعث الله ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يارب ذكر أم أنثى، فيقضي ربك مايشاء ويكتب الملك(وفي رواية أخرى:بضع وأربعون وفي أخرى خمس واربعون ليلة)ثم يقول يارب أجله فيقول ربك ماشاء ويكتب الملك ثم يقول يارب رزقه فيقضي ربك ماشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلايزيد على أمر ولاينقص”.
وفي حديث أخر عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وكلّ الله بالرحم ملكاً يقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقاً قال يارب ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب كذلك في بطن أمه“[ رواه الشيخان].
وفي حديث أخر عن زيد بن وهب قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع:برزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح”[ رواه البخاري]. وفي رواية لأحمد ورد أربعين ليلة.
وفي حديث أخر عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم ب 40 أو 45 ليلة( وفي رواية 42 وفي رواية 43) فيقول يارب شقي أم سعيد فيكُتبان، فيقول أي رب أذكر أو أنثى فيُكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف ولايزاد بها ولاينقص“[ رواه مسلم].
من الناحية التاريخية:
منذ عهد الإغريق واليونان ومسألة الذكورة والأنوثة تشغلان أذهان العلماء والفلاسفة،وقد وضعوا فيها عدة فرضيات ونظريات ومنها:
1 ـ زعم أبو قراط(أبو الطب عند اليونان) انه إذا قويّ زرع المرأة والرجل معاً كان الولد ذكراً وإلا أنثى، وإذا غلبت على الزرع الحرارة كان ذكراً، وإذا غلبت عليه البرودة كان أنثى.
2 ـ أما أرسطو(أبو الفلاسفة عند اليونان) فادّعى أن الأمر له علاقة مع هبوب الريح، فريح الجنوب ترخي الأبدان وتذيب الزرع فيخرج رقيقاً غير نضيج،وأما ريح الشمال فتصلب البدن وتمنع الحرارة من الانتشار فيخرج زرعاً ناضجاً، وقال: إن الزرع إذا جرى عن يمين الرجل إلى يمين المرأة كان ذكراً وإلا أنثى، وكذلك إذا حسن لون المرأة كان الجنين ذكراً وإن قبح لونها كان أنثى.
3 ـ وقال العالم اليوناني بارمينيدس ووافقه أبو قراط: إن كان في الجانب الأيمن من الرحم قرحة ثم حملت المرأة كان الولد ذكراً وإن كانت القرحة في الأيسر وحملت كان أنثى. وإن وجدت المرأة ثقلاً في جانب الرحم الأيمن وكانت حركتها وحركة عينها اليمنى اثقل كان ذكراً وإن كان الثقل في الأيسر وثقلت حركة عينها اليسرى كان أنثى.
وهذه الفرضيات والنظريات جميعها ثبت بطلانها وأنها لاتمت إلى الواقع والحقيقة .
التفاسير ورأي علماء المسلمين:
الإمام الطبري في كتاب “فردوس الحكمة” لم يسلم بما قاله أبوقراط وأرسطو طاليس.
الإمام ابن القيم في كتابه ” تحفة المودود بأحكام المولود” حللّ الأمر تحليلاً شرعياً وعلمياً وفنّد هذه الأراء والأفكار المتعلقة برأي علماء وقلاسفة الإغريق، وهو يسند موضوع الإذكار والإيناث إلى مشيئة الله عز وجل وإرادته في اقتضاء السبب لمسببه.
3 ـ الإمام الفخر الرازي في تفسيره يقول: يصير الجنين علقة بعد 15 يوم، ومن ثم يتميز الرأس والقلب والكبد في صورها إثني عشر يوما،ثم تنفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع وفي تمام الأربعين يوما يتم انفصال الأضلاع وهذه هي مرحلة التجميع التي يشير إليها الحديث الشريف” إن أحدكم يُجمع خلقه”.
ومن الناحية العلمية:
إن في جسم الإنسان وفي كل خلية من خلاياه 46 صبغياً، 44 وتسمى الصبغيات الجسمية،وصبغيان تسمى الصبغيات الجنسية وهي عند الذكر تسمى( YX)، وعند الأنثى (XX)، ماعدا النطفة المذكرة أي الحيوان المنوي فإنها تحتوي فقط على 23 صبغياً 22 منها هي الصبغيات الجسمية وأما الصبغي الباقي فإنه قد يكون( اكس أو واي), وأما البيضة عند الأنثى فإنها تحتوي أيضاً 22 صبغياً جسمياً وأما الاخير فهو دائماً الصبغي اكس.
والصبغيات الجسمية تختص بنقل الصفات الجسمية الإرثية والتي تنحدر من الأبوين إلى الجنين حاملة معها صفات إرثية جسمية من مئات الأسلاف التي تتصل بالأبوين فالأجداد حتى بداية الخليقة متمثلة في آدم وحواء،وهذه الصفات الجسمية مسؤولة عن كثير من الصفات ومنها الطول واللون والشعر ولون وشكل العينين والصفات الجسمية الأخرى.. وأما الصبغيات الجنسية فهي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين.
وكما ذكرنا فإن النطاف تكون حاملة 22 صبغياً جسمياً يضاف لها الصبغي اكس أو واي، وأما البيوض فهي تحمل 22 صبغياً جسمياً والصبغي الجنسي اكس دائماً،أي أن النطاف هي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين وبالتالي ذكر أو أنثى.
وذكر العالم ” مورجان” أن الصبغي الجنسي اكس هو أكبر وأوزن قليلاً من الصبغي واي،فهو أبطأ سرعة وأقل حركة، وتبين أن النطاف واي تختلف عن النطاف اكس بالحركة والكتلة والأثر الكهربي (تبين أن النطفة التي تحوي الصبغي اكس تحمل شحنة سلبية بينما التي تحتوي الصبغي واي تحمل شحنة موجبة)، وفي درجة النشاط باختلاف التفاعل الكيميائي للمحيط وفي القدرة على اقتحام وسط لزج واجتازه.
وابتداء من لحظة التلقيح وتشكل النطفة الأمشاج يتحدد جنس الجنين أنثى أو ذكر، والمسؤول عن ذلك النطاف المذكرة وماتحتويه من الصبغيات الجنسية اكس أو واي.وحال التقاء النطفة والبيضة واندماجهما معاًـ النطفة الأمشاج ـ تتحدد الصيغة الكروموزمية للكائن الحي الجديد وبشكل نهائي. وحسب هذه الصيغة يتقرر نهائياً جميع الصفات الجسمية والجنسية،وفي بعض الحالات قد لاتكون هذه الصيغة الكروموزمية تتوافق مع استمرار الحياة فيحدث الإسقاط وموت هذا الكائن الجديد. وإن أكثر أسباب الإجهاضات شيوعاً في أوائل الحمل هو تشوه الجنين لأسباب صبغية مورثية على مستوى الصبغيات”الكروموزمات” وهذا من رحمة الله لأن استمرار الحياة هنا يعني ولادة أجنة مشوهة أو مريضة.
وبعد أن تنقسم البيضة الملقحة وتتابع نموها وتتشكل الأعضاء يحدث أن يحدث تميز الجنس على مستوى تشكل الأعضاء التناسلية أي المناسل بعد أن تحدد في بداية الإلقاح على مستوى الصبغيات أي أن تحديد جنس الجنين يتم منذ تشكل النطفة الأمشاج مباشرة على مستوى الصبغيات،وبعد عدة أيام على مستوى المناسل،أي الغدد الجنسية،وهذه الغدد لايتم تشكلها ولايعلم ماهيتها قبل نهاية الاسبوع السابع وبداية الثامن(49 يوما). ولو شرحت الغدد الجنسية قبل هذا الوقت لما أمكن معرفة جنس الجنين ذكراً أو أنثى، أما إذا تم التشريح بعد الاسبوع الثامن فإنه يمكن تمييز الخصية عن المبيض، فالاسبوع السابع(اليوم 42) هو الحد الفاصل لتحديد جنس الجنين على مستوى المناسل أي الغدد الجنسية،وإن كان هذا محدد سلفاً على مستوى الصبغيات منذ لحظة الإلقاح.
إن الغدة الجنسية الابتدائية تتشكل من البروز التناسلي الذي يظهر في الوجه الباطن من ظهر ماسيكون الجنين في الاسبوع السادس إلى السابع الطمثي،ثم تصلها الخلايا الجنسية الابتدائية،فتتطور حسب جنس الخلايا المذكورة إلى مبيضين أو خصيتين. وفي نفس الوقت تقريباً تظهر قناتان في كل جانب احداهما تسمى قناة موللر والأخرى قناة وولف، فإذا احتلت الغدد الجنسية بالنطاف المؤنثة أخذت قناتا وولف بالضمور وتطورت قناتا موللر إلى الجهاز التناسلي المؤنث،وإذا احتُلت بالنطاف المذكرة ضمرت قناتا موللر وتطورت قناتا وولف إلى الجهاز التناسلي المذكر. وهذا التطور ينتهي في الاسبوع 11 ـ 12، وإن الجهاز التناسلي لكل من الذكر والأنثى يصبح واضحاً للعيان في اليوم الثمانين.
وأما الخلايا الجنسية الابتدائية فهي خلايا تتشكل في جدار الحويصل المحي في مرحلة النطفة الأمشاج،وهذه الخلايا تكون متميزة منذ تشكلها فهي إما بويضات ابتدائية(اوغونيا) أو حيونات منوية ابتدائية(سبيرموغونيا)، وهذه الخلايا تكون طلائع بويضات أو نطاف المستقبل، وهي تشتق من محصول الحمل الجديد وهو مايزال في طور النطفة الأمشاج وقبل تشكل أعضائه،وتتحرك هذه النطف حركة ذاتية تشبه حركة الأميبا وتنتقل عبر مساريق المعي البدائي إلى الغدتين الجنسيتين البدائيتين(Gonada)واللتان تظهران في ناحية البروز التناسلي والذي يظهر على جانبي ماسيشكل فيما بعد العمود الفقري،فإذا وصلت هذه الخلايا الجنسية البدئية واحتلت البروز التناسلي المذكور في الجانبين تتشكل الغدد الجنسية الابتدائية والتي تتطور فيما بعد إلى الخصية أو المبيض،ثم تهاجر هذه الغدد وتصل بعد ذلك إلى المكان المخصص لها في حوض المرأة أو إلى الصفن في أواخر الحمل،وتأخذ الخلايا الجنسية الابتدائية فور وصولها إلى الغدد بالتكاثر السريع ويقدر عدد البويضات المتشكلة بحوالي600 ألف بويضة في الاسبوع العاشر من الحمل ويظن انها تستمر في التكاثر حتى يبلغ عددها عدة ملايين في الاسبوع الثاني والعشرين من الحمل ثم يتخرب منها الكثير وبحيث يصل عددها في مبيضي الأنثى المولودة حوالي نصف مليون تقريباً،ثم تظل كامنة حتى سن البلوغ ثم تحدث الإباضة في كل دورة طمثية وحتى سن الضهي(الإياس) .
إذاً يبين لنا العلم الحديث مجموعة من الحقائق التالية:
1 ـ يتحدد جنس الجنين على مستوى الصبغيات منذ لحظة الإلقاح وفي مرحلة النطفة الأمشاج {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى}، وأن الذكر هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين فإذا كانت النطاف التي تلقح البيضة تحمل الصبغي اكس كان الجنين أنثى وإن كانت تحمل الصبغي واي كان ذكراً
2 ـ يتحدد جنس الجنين على مستوى الغدد الجنسية (المناسل)ويكون ذلك في الاسبوع السابع إلى الثامن من الحمل{ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}،حيث أنه لاتوجد تبدلات مورفولوجية واضحة تحدد جنس الجنين حتى الاسبوع السابع، وحيث يبدأ تشكل الخصية أو المبيض .
أما الأعضاء التناسلية الظاهرة فإنه يبدأ تشكلها بعد تشكل العظام والعضلات{ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}
3 ـ إن الأعضاء التناسلية تكون متماثلة عند الجنسين حتى الاسبوع التاسع وبعده يحدث التمايز الجنسي،وأما ظهور الأعضاء التناسلية الظاهرة فلا يتم وينتهي حتى الاسبوع الثاني عشر.وهنا نعود للحديث الشريف: ” إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ماشاء ويكتب الملك“.
يكون جنس الجنين واضحا تماماً في الاسبوع الثاني عشر(اليوم الثمانين) ويكون الجنين في هذه المرحلة تام الخلقة واضحاً كان ذكر أو أنثى، ويمكن بواسطة “مافوق الصدى” تمييز جنس الجنين اعتباراً من الاسبوع الثاني عشر.
4 ـ يمكن بواسطة الصيغة الكروموزمية(أخذ خلايا تؤخذ من السائل السلوي) تحديد جنس الجنين ابتداءً من الاسبوع الثاني عشر، ويمكن بواسطة الخزعة الكوريونية تحديد جنس الجنين ابتداء من الاسبوع السادس من الحمل.
5 ـ وكما ذكرنا فإنه يتحدد جنس الجنين لحظة الإخصاب وتشكل النطفة الأمشاج ويعتمد تحديد هذا على النطاف المذكرة أي الحيوانات المنوية للرجل كما ذكرنا، وأما ظهور الأعضاء التناسلية والغدد الجنسية أي الخصية أو المبيض فإنه يعتمد على الصيغة الصبغية هل هي( اكس ـ واي)، أو (اكس ـ اكس).
وقبل الاسبوع السابع من الحمل فإن الغدد الجنسية لدى الجنسين تكون متماثلة من حيث المظهر وتسمى المناسل غير المتمايزة، وإن الصبغي “واي” والذي لديه صفات قوية توجه المناسل لتشكيل الخصية، فوجود هذا الصبغي” واي” هو الذي يحدد تشكيل الخصية والتميز الذكري، وغياب هذا الصبغي يؤدي إلى تشكيل المبايض من المناسل ،Hي أن المناسل يتشكل منها المبيض في الحالات الاعتيادية ويكون وجود الصبغي واي هو الذي يوجهها لتشكيل الخصية، وبعد تشكل المناسل أي الخصية أو المبيض فإن هذا هو الذي يحدد تشكيل الأعضاء التناسلية الظاهرة والصفات الجنسية الأخرى.
وفي بعض الأمراض الصبغية قد يكون هناك أعداد زائدة من الصبغي اكس ولكن هذا لاقيمة له بوجود صبغي واحد واي، حيث أن وجوده يؤدي لتوجيه تشكل الجنين نحو الذكورة،كما أن غياب الصبغي واي يؤدي لتوجيه تشكل الجنين باتجاه الأنوثة، وإن وجود صبغي اكس واحد لدى الجنين أي غياب الصبغي واي وكذلك غياب الصبغي اكس الأخر كما يحدث في “متلازمة تورنر” حيث الصيغة الجنسية فقط اكس واحد فإن هذا يؤدي لتشكل جنين أنثى مع عدم تشكل المبيضين لديها مما يدل على اشتراط وجود صبغيين اكس لتشكل المبيضين.
ومن الناحية الدينية:
لقد بينت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت وبشكل يدعو إلى الإعجاز أن تحديد جنس الجنين يكون على مستوى الجينات(المورثات) والصبغيات،أي على مستوى النطاف،وأن النطاف وبالتالي الإنسان الذكر هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين وليس للبيضة أي الأنثى اي دور في هذا ففي قوله تعالى{من نطفة خلقه فقدره} [عبس 19] وكذلك قوله تعالى {ألم يك نطفة من مني….فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} والضمير هنا يعود إلى السائل المنوي،حيث الإمناء عمل خاص بالرجل.وكذلك قوله تعالى” {خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى}
وفي الأحاديث الشريفة التي ذكرت مايؤكد ذلك حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم” إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة..” فهو إعجاز أيضاً:حيث فهم الناس قديماً أن ماء الذكر من الذكر وأن ماء الأنثى من الأنثى، مع أن كلمة سبق هي التي تعطينا الجواب. فكلمة سبق تعني اثنان يتسابقان،وبالتالي لابد أن يكون منطلقهما من مكان واحد،وفي اتجاه واحد، وبالتالي هما من ماء الرجل ولهم منطلق واحد وهدف واحد وهذا مايتطابق مع العلم الحديث، وفي الأحاديث النبوية السابقة تقرير وتأكيد لبعض الحقائق الهامة:
1 ـ إن صفات الكائن تتعلق بعوامل محمولة في ماء الذكر وماء الأنثى،والعلماء لم يتأكدوا من حقيقة اشتراك النطفة والبيضة في تشكيل الخلق إلا منذ حوالي 200 سنة وذلك بعد اكتشاف المجهر والكشف عن الكروموزومات والتي لم تكتشف إلا قبل حوالي 70 سنة.
2 ـ وقد يكون المعنى أن المورثات في صبغيات المرأة قد تسيطر في بعض الصفات التي تحملها مورثات الرجل وهذا مايسمى طبياً بالمورثات القاهرة والمقهورة أو المسيطرة والكامنة.
3 ـ وكما ذكرنا فقد تبين أن النطاف التي تحمل الصبغي اكس ذات شحنة سلبية وأما التي تحتوي الصبغي واي فهي ذات شحنة إيجابية،وقد تبين أن البيضة والتي تحمل دائماً الصبغي اكس فإن الشحنة الكهربائية لديها غير ثابتة وبحيث أنها تتغير من موجبة إلى متعادلة إلى سالبة،فعندما تكون البيضة موجبة الشحنة فإنها تجذب إليها النطاف الحاملة للصبغي اكس ذو الشحنة السالبة، ويتكون بالتالي جنيناً أنثى، وأما عندما تكون البيضة سالبة الشحنة فإنها تجذب إليها النطاف ذات الصبغيات واي لانها ذات شحنة إيجابية وبالتالي يتشكل جنيناً ذكر،أما في الفترة الزمنية التي تكون فيها البيضة متعادلة الشحنة فتكون فرص اندماج النطاف الحاملة للصبغي اكس أو واي متعادلة ومتساوية.وهنا نعود إلى الحديث الشريف والذي يقول” ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة: أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني الرجل أنثا بإذن الله“، وهنا يتم تحديد جنس الجنين أيهما يعلو ماؤه، فعلو ماء أحدهما في الشحنة الكهربائية يكون سبباً في اكتساب الجنين جنس من علا ماؤه، كما سبق وذكرنا.
واخيرأ هناك قصة أوردها الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين“لعل لابأس من ذكرها هنا وكيف أن زوجة أحد الأعراب تنبهت أن مسؤولية تحديد جنس الجنين لها علاقة مع الزوج وليس للزوجة اي دور في هذا الموضوع، والقصة كما ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين:
“قيل أن أبا حمزة الضبي هجر زوجته لأنها لاتنجب له الذكور بل الإناث وتزوج من أخرى،ومرّ يوماً بخبائها وهي تُرّقص إحدى البنات وتقول:
مالأبي حمزة لايأتينا يظلُ في البيت الذي يلينا
غضبانَ ألانلدَ البنينا تاللهِ ماذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أُعطينا
ونحن كالأرض لزارعينا ننبت ماقد زرعوه فينا
فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته وابنتها.
ـ وكان الشاعر المخضرم معن بن أوس مئناثاًـ أي يولد له الإناث ـ وكان يحسن صحبة بناته وتربيتهن،فولد لبعض عشيرته بنت فكرهها وأظهر جزعاً من ذلك فقال معن:
رأيتُ رجالاً يكرهون بناتهم وفيهن ـ لاتُكذَبْ ـ نساءٌ صوالحُ
وفيهنَّ والأيام تعثرُ بالفتى نوادبُ لايمللنه ونوائحُ
„وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم„
الآيات الكريمة:
يقول الله تعالى في كتابه العزيز : {وإذ أخذَ رَبُّكَ من بني آدمَ من ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وأشهَدَهُم على أنفُسِهِم ألستُ بِرَبِّكُم قالوا بلى شَهِدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كُنَّا عن هذا غافلين* أو تقولوا إنّما أشركَ آباؤنا من قبلُ وكنّا ذُريّةً من بعدهم أفتُهلِكنا بما فعلَ المُبطلون}[ الأعراف 172 ـ 173]
{كما أنشأكُم من ذريّة قومٍ آخرين}[الأنعام 133 ]
الأحاديث النبوية:
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ولدت امرأتي غلاماً أسود، وهو حينئذٍ يعرض بأن ينفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال : حمر، قال: هل فيها من أورق”اسمر كالرماد”، قال: إن فيها أورقاً. قال: فأنّى اتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعة عرق، ولم يرخص له في الانتفاء منه” [رواه الشيخان وأصحاب السنن وأحمد والدارقطني].
وفي الحديث النبوي الشريف: ” اللهم متعنا بأسماعنا ،وأبصارنا ،وقوّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا“[ رواه الترمذي والحاكم في المستدرك والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقال الألباني حديث حسن].
إن هذه الآية الكريمة وهذه الاحاديث النبوية تشير إلى مفهوم معلوم في علم الوراثة البشرية ،وهو أن الصفات البشرية التي يحملها الإنسان والموجودة في الجينات”المورثات” والتي توجد في الصبغيات”الكروموزومات” وعددها 44 من الصبغيات الجنسية وهناك أيضاً اثنان من الصبغيات الجنسية( اكس وواي عند الذكور واكس اكس عند الإناث ),ان هذه الصبغيات تحمل الصفات الوراثية من الأسلاف والأجداد من بداية الخليقة أي منذ آدم وحواء ، وهناك صفات وراثية مسيطرة أو راجحة وهناك صفات وراثية مقهورة أو كامنة ولذا قد تظهر بعض الصفات الوراثية في الوليد وتكون موجودة في الأجداد وأجداد الأجداد، أي في الاسلاف وحتى عصور بعيدة جداً.
فمن المورثات أو الجينات القاهرة والمسيطرة نذكر مثلاً المورثة المسؤولة عن لون العين باللون البني، ومن المورثات المقهورة نذكر المسؤولة عن لون العين باللون الأزرق مثلاً. ويقدر العلماء أنه توجد في كل خلية مالا يقل عن مائة ألف من المورثات وهي المسؤولة عن وظائف الخلايا وتكاثرها وانقسامها، وأنه في كل ثانية تتوالد وتتشكل أعداد هائلة من الخلايا الجديدة والتي تماثل الخلايا القديمة تماماً، وبتشكل الجديد وموت القديم يبقى الجسم ولسنوات طويلة محافظاً على حيويته ونشاطه، وإن كان هناك خلايا في الجسم لا تنقسم ولاتتكاثر ومنها خلايا الدماغ.
وإن الحديث الشريف“اللهم متعنا بأسماعنا..” هو هام جداً من هذه الناحية وخاصة قوله صلى الله عليه وسلم“واجعله الوارث منا” ولم يقل الموروث،حيث يبين أن الصفات المذكورة تنتقل بالوراثة .
إن قوله تعالى”من ظهورهم ذريتهم” يدعونا إلى السؤال ماهو عالم الذر؟
هو هذا العالم المتناهي في الصغر،والذرية هي النسل،واشتقاق كلمة الذرية من الذرة يدل على أن النسل يحصل بعناصر صغيرة جداً، والأبعد من هذا أن عالم الذر هو الكروموزومات أي الصبغيات وما تحويه من المورثات أي الجينات والتي تتوزع فيها والتي تختلف من شخص لآخر ولايوجد تماثل بينها بين شخصين إثنين سابقاً أو لاحقاً (باستثناء التوائم الحقيقية التي يوجد فيها بعض التشابه ولكن ليس كله) ولن يتواجد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ورغم أن عدد سكان الأرض عدة مليارات وهو قابل للزيادة الكبيرة.وهذه الصبغيات وماتحمله من مورثات بدأت من آدم عليه السلام وحواء ثم أخذت تتوزع في ذريته المختلفة وتتناقل وتتوارث من شخص لآخر.
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في كتاب”أهوال يوم القيامة” ص12:
“هاتان الآيتان في سورة الأعراف ـ أي الآيتان 172و173 ـ أثارتا جدلاً كبيراً بين الناس..كيف أشهدنا الله جميعاً على أنفسنا؟نقول: أولاً كلنا فينا جزئ من آدم…لماذا؟ لأن حياتي أتت من جزئ حي من أبي… ولو أنني لم آخذ هذا الجزئ الحي ماجئت إلى الحياة…فلو أن أبي مات قبل أن يتم تلقيح بويضة أمي ماجئت إلى الحياة… وأبي أخذ من والده.. ووالده أخذ من جده وهكذا إلى أن نصل لآدم… والسلسلة من آدم إلى يوم القيامة هي سلسلة حياة متصلة…كل يأخذ الحياة من أبيه… ولو أن سلسلة الحياة هذه انقطعت ما استمرت الحياة… فالحياة لاتوجد من موت.. ولكن من حياة قبلها..والميت لايستطيع أن يعطي الحياة لأحد..ولكن الحي فقط هو الذي يستطيع أن يعطي الحياة لذريته وأن تكون له ذرية…والله خلق الحياة كلها دفعة واحدة ووضعها في ظهر آدم..وهي تمضي بعد ذلك بالقدرة التي أوجدت بذرة الحياة الأولى…فتظل هذه القدرة تبدي لنا ألوان الحياة المطمورة فيها حتى يأتي أمر الله وتنتهي الحياة..ولذلك قيل عن الحياة: أمور يبديها الله ولايبتديها… أي أنها تظهر لنا بالتدريج… وتأتي لهذا الكون بالتدريج.. ولكن الله خلقها أزلاً.
ويتابع رحمه الله:
“يأتي بعد ذلك كيف يمكن أن يأتي الله بهذا الخلق كلهم؟.. نقول: أن الجزئ من الحيوانات المنوية الذي يعطي التلقيح دقيق جداً..وهذا الجزئ هو الذي يحمل الحياة من الأب إلى الإبن… أما باقي مايتم إفرازه فلا قيمة له..هذا الجزئ البالغ الدقة الذي يحمل سر الحياة.. ويضعه في رحم الأم ليبدأ الخلق لو جمعناه بالنسبة للبشر جميعاً الموجودين على ظهر الأرض في هذه الأيام..وهو يمثل النطفة التي قال عنها القرآن الكريم{ألم يَكُ نُطفةً من مَنيٍّ يُمنى}[القيامة 37] هذه النطفة التي تحتوي على حياة الإنسان وخصائصه وطباعه…لو جمعناها لملأت نصف كستبان صغير… هذه المساحة الدقيقة فيها بذرة الحياة لهؤلاء الناس كلهم… ولك أن تقيس على ذلك البشرية كلها… فبذرة الحياة فيها من عهد آدم حتى الآن لا تملأ كوب ماء”. انتهى كلام الشعراوي.
في قوله تعالى{من نطفة خلقه فقدره}[ عبس 19] إن كلمة خلقه فقدره تحمل علماً كاملاً هو علم الوراثة مضافاً إليه ماشاء الله تعالى من الأقدار الأخرى.
إن الكثير يتساءلون كيف تعلم خلية ما إلى ماذا ستصبح وتتحول ، والجواب دينياً في قوله تعالى{من نطفة خلقه فقدره} ومن الناحية العلمية فإن خلايا الجسم كلها وماتحويه من الذخيرة الوراثية على مستوى الصبغيات والأدق منها على مستوى الجينات وعلى المستوى الأدق من هذا أي على مستوى الحموض الأمينية ومن بداية الحياة وإلى نهايتها فإن لديها المعلومات والشيفرة الوراثية الكاملة والتي تبين لها عملها ورسالتها وماذا ستؤول إليه.
يقول الشيخ حسنين محمد مخلوف في صفوة البيان في التفسير في الآية الكريمة” خلقه فقدره:” هيأه لما يصلح له ويليق به من الإعضاء والأشكال، أو فقدره أطواراً من حال إلى حال إلى أن تمّ خلقه وتكوينه” فالشيخ رحمه الله أحاط بالمعنى إحاطة جميلة فجعله يشمل نوعين من الأقدار: يتعلق الأول منها بمواصفات الكائن الحي الجديد، والثاني يتعلق بطريقة تخلق وتصور هذا الكائن الحي”.
إن مسألة الصبغيات والتي تم الكشف عنها قبل سنين في القرن العشرين والتي تعتبرمن أعظم إنجازات واكتشافات الإنسان المعاصر قد عبر عنها القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل يدعو للإعجاز فيما قلناه وذكرناه.
ويقول تعالى: {إنا كل شيئٍ خلقناه بقدر} ويقول تعالى: {فقدرنا فنعم القادرون}
ومن الناحية الوراثية فإن زيادة أحد الصبغيات أو نقصه ،بل زيادة جزء من الصبغي أو نقص جزء أو تغير جزء يؤدي إلى تشوهات وأمراض في الجنين أو الوليد وسوف نتطرق إلى هذا الموضوع فيما بعد إن شاء الله.
“من بين الصلب والترائب”
الآيات الكريمة:
{فلينظر الإنسان مم خلق* خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب}[الطارق 5 ـ 7]
{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}[الأعراف 172].
الأحاديث النبوية الشريفة:
في جزء من الحديث النبوي الشريف الذي رواه الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في بدء الخلق” فناداني ملك الجبال وسَلّم عليَّ ثم قال: يامحمد إنّ الله قد سمع قول قومك لك،وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئاً”
(الأخشبان: جبلان في مكة المكرمة)
من الناحية التشريحية:
الصلب: يشمل العمود الفقري القطني وعظم العجز، ويشتمل من الناحية العصبية على المركز التناسلي الآمر بالنعوظ ودفق المني ،كما أن الجهاز التناسلي تعصبه ضفائر عصبية عديدة في هذه الناحية ومنها الضفيرة الشمسية والضفيرة الخثلية والضفيرة الحوضية، وتوجد في هذه الضفائر مجموعة الأعصاب للجملة الودية(السمباتي) ونظير الودية(الباراسمباتي) وهما المسؤولتان عن انقباض الأوعية الدموية واسترخائها وكذلك عن عملية النعوظ وانتصاب القضيب والدفق المنوي ومايرافق الجماع من منعكسات وعلامات.
الترائب: ذكر المفسرون القدامى عدة تفسيرات للترائب ولكن الراجح علمياً أنها الأضلاع الصدرية السفلى وأسفل عظم القص،وهناك بعض التفاسير تقول بأن الترائب هي عظام أصول الأرجل أو العظام الكائنة مابين الرجلين، وعلى هذا يفسرون قوله تعالى“خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب” فيقولون أن الماء الدافق هو ماء الرجل اي المني الذي يخرج من بين صلب الرجل والترائب أي اصول الأرجل، اي أنه خرج من بين صلب الرجل كمركز عصبي تناسلي آمر وترائبه كمناطق للضفائر العصبية المأمورة بالتنفيذ، حيث يتم بهذا التناسق بين الآمر والمأمور خروج المني ودفقه.
من الناحية العلمية:
إنّ الغدة الجنسية الابتدائية تتخلق من البروز التناسلي والذي يظهر في الوجه الباطن مما سيشكل ظهر الجنين فيما بعد وذلك في الاسبوع السادس إلى السابع من التلقيح،وتظهر على جانبي ماسيكون لاحقاً العمود الفقري الغدتان الجنسيتان البدائيتان.
وفي نفس الوقت تتشكل في جدار الحويصل المحي(Yolk Sack)وفي مرحلة النطفة الأمشاج وقبل أن تتشكل أو تتصور الأعضاء، تظهر خلايا تسمى الخلايا الجنسية الابتدائية، وتكون متميزة منذ تشكلها فهي إما بويضات ابتدائية(اوغونيا) أو حيوانات منوية ابتدائية(سبيرموغونيا)، ومن كليهما ينشأ فيما بعد البيضات في مبيض الأنثى أو النطاف في خصية الذكر. وهذه الخلايا الجنسية الابتدائية لها حركة أميبية متحولية كالأميبا وتنتقل عبر مساريق المعي الابتدائي وحتى تصل إلى الغدتين الجنسيتين الابتدائيتين(غوناد)، وعندما تصل هذه الخلايا إلى هذه الغدد تتطور هذه الغدد الجنسية إلى المبيضين أو الخصيتين.
وتظهر في جانبي هاتين الغدتين الجنسيتين وفي نفس الوقت قناتان في كل جانب احداهما تسمى قناة موللر، والأخرى تسمى قناة وولف،فإذا احتُلت الغدة الجنسية بالنطاف المؤنثة أي البويضات أخذت قناتا وللف بالضمور وتطورت قناتا موللر وينشأ عنهما فيما بعد الجهاز التناسلي الانثوي.وأما إذا احتلت الغدد الجنسية بالنطاف المذكرة أي الحيوانات المنوية فإنه تضمر قناتا موللر وتطورت قناتا وللف ونشأ عنهما الجهاز التناسلي الذكري. وهذا التطور ينتهي في مابين الاسبوع الحادي والثاني عشر. وإن الجهاز التناسلي الذكري أو الأنثوي يصبح واضحاً للعيان في اليوم الثمانين من الحمل وبعد أن تتطور المناسل البدئية إلى الخصيتين أو المبيضين في جانبي العمود الفقري،فإنها تهاجر وتصل إلى مكانها المخصص أي في جانبي الحوض بالنسبة للمبيضين عند الأنثى ،أو إلى الصفن بالنسبة للخصيتين عند الذكر.
ولقد وجد ان الخلايا الجنسية الابتدائية تبدأ فور وصولها إلى الغدتين الجنسيتين(المناسل) بالتكاثر السريع، وقد قدر عدد النطاف المؤنثة والتي تتحول إلى بيضات بحوالي 600 ألف في الاسبوع العاشر من الحمل،وتستمر في التكاثر حتى تبلغ عدة ملايين في الاسبوع الثاني والعشرين من الحمل،ومن ثم يتخرب الكثير منها فيما بعد بحيث يصل عددها في مبيضي المولودة الأنثى عند الولادة حوالي نصف مليون فقط، وتظل كامنة حتى سن البلوغ ثم تحدث الإباضة الشهرية في كل دورة طمثية وتستمر في ذلك حتى سن الضهي (اليأس).
أما الخصية فتحتوي على مايناهز ألف انبوب منوي كل منها أدق من خيوط الحرير، وطول الأنبوب حوالي 30 ـ 60 سم ،ويشكل مجموعها حوالي 500 متر، وتلتقي في حوالي 12 ـ 20 قناة تتصل بدورها في البربخ.ويتكون في الخصية كل يوم عند الذكر البالغ حوالي 50 مليون حيوان منوي، وإن الذكر البالغ الواحد يستطيع خلال شهرين أن ينتج مايكفي لإنجاب ذرية تملأ الأرض كلها!!وإذا تم إفراغ النطاف بصورة مستمرة ومتلاحقة فإنه لايتم نضجها بشكل كاف، وبالتالي تصبح غير مؤهبة للإخصاب، وإن الإفراط في ممارسة الجنس يسبب نضوباً كاملاً ويحتاج إلى عدة أسابيع حتى يعود إنتاج النطاف إلى المستوى الطبيعي.
وكما ذكرنا فإن الأنابيب المنوية تتصل مع بعضها وتصب جميعاً وكأنها روافد لنهر عظيم في غدة البربخ وذلك من خلال 10 ـ 12 قناة، ويبلغ طول البربخ إذا أفردت تلافيفه وتعريجاته حوالي 6 أمتار، وهو يمتلئ بالأعداد الضخمة الكبيرة من الحيوانات المنوية،وإن التفاف البربخ وتعرجه يجعل امكانيات استيعابه لهذا العدد الكبير من النطاف أمراً ميسوراً، ثم تصعد النطاف إلى الحويصلين المنويين ويتم ادخارها فيهما، وإن هذا الإدخار عملية مهمة وإلا استمر تدفقها من البربخ إلى الإحليل وبحيث يحصل الإفراز والإفراغ بشكل مستمر، وإنما تدخر حتى الوقت الملائم أي الجماع ثم تحصل عملية القذف والدفق.
إن المبيض الذي يتشكل جانبي العمود الفقري مابين الصلب والترائب عند الأنثى وكذلك الخصية عند الذكر فإن كلاً منهما يهاجر من موضع تشكله مابين الصلب والترائب إلى الموضع النهائي المخصص لهو وهو جانب الحوض بالنسبة للمبيض وناحية الصفن بالنسبة للخصية ،وتصل الخصية إلى ناحية الصفن مابين الشهر الثامن والتاسع من الحمل.
والإعجاز القرآني هو في قوله تعالى”من بين الصلب والترائب“، فالصلب هو العمود الفقري القطني ـ العجزي والحرقفين من الخلف. والترائب هي الأضلاع السفلى وأسفل عظم القص. والآية الكريمة فيها إعجاز كامل لأن الله تعالى يقول”من بين الصلب والترائب“،ولم يقل من الصلب والترائب،وقد أخطأ بعض المفسرون القدامى حيث لم ينتبهوا لهذا اللفظ”من بين“، وقالوا إن المني يخرج من صلب الرجل،وماء المراة يتكون في ترائبها. ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله قد تنبه إلى هذا الخطأ الذي وقع فيه بعض المفسرين فقال رحمه الله في “أعلام الموقعين” الجزء الأول حيث يقول :
” ولاخلاف أن المراد بالصلب: صلب الرجل،واختلف في الترائب،فقيل المراد بها ترائبه أيضاً وهي عظام الصدر مابين الترقوة إلى الثندؤة، وقيل المراد بها ترائب المرأة،والأولى أظهر لأنه سبحانه وتعالى قال يخرج من بين الصلب والترائب،ولم يقل يخرج من الصلب والترائب، فلابد أن يكون ماء الرجل خارجاً من بين هذين الملتقين،كما قال في اللبن يخرج من بين فرث ودم.
وللاستاذ الدكتور مأمون شقفة رحمه الله في كتابه“القرار المكين” تفسير أخر حول هذا الموضوع حيث يقول:
“المسلمون فهموا خطا أن الذي يخرج هو الماء الدافق ولكن الحقيقة أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو الإنسان،فإخراج الإنسان هو الذي يتم من بين الصلب والترائب،إن الإنسان يكون أثناء الحمل في تمامه وحين يخرج أي أثناء الولادة يكون بالضبط من بين الصلب والترائب” .
إن هبوط وهجرة الخصية إلى ناحية الصفن يتم في الحالات العادية مابين الشهر السابع والتاسع من الحياة داخل الرحم،وتستمر هذه الهجرة حوالي أربعة أسابيع،وتتم هجرة الخصية من أعلى الحلقة الإربية الباطنة وعبر القناة الإربية،فالفوهة الإربية الظاهرة ثم إلى الصفن،ثم تتضيّق الفوهة الإربية الظاهرة بحيث تمنع الخصية من العودة إلى القناة الإربية مجدداً،ويشاهد عدم نزول الخصية عند الأطفال الخدج أكثر من الذين يلدون في موعدهم الطبيعي،ونسبة حدوث الخصية الهاجرة عند الخدج حوالي 20 بالمائة،وعند الأطفال العاديين بنسبة 2 بالمائة فقط، ويشاهد عدم نزول الخصية اليسرى أكثر من اليمنى،وفي حالات نادرة قد تهاجر الخصية إلى الصفن بعد الشهر الرابع من الولادة،ولايحدث أبداً بعد السنة الأولى من العمر.ولابد أن تعالج الخصية الهاجرة مبكراً،حيث أنه في حال عدم المعالجة وابتداءً من السنة الثالثة من العمر قد تحدث أذيات دائمة لا عكوسة على مستوى الخلايا المولدة للنطاف،وبالتالي حدوث العقم. ولابد من المعالجة وإعادة الخصية إلى الصفن والحد الأقصى هو نهاية السنة الثانية من العمر.
والإعجاز والروعة في هذا الموضوع أيضاً أنه بعد هجرة المبيض إلى جانب الحوض،والخصية إلى الصفن ،إلا أن تغذية وتعصيب كلاً منهما يبقى متصلاً بالعروق الدموية والأعصاب من حيث أصلها أي من بين الصلب والترائب،فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهرـ من بين الصلب والترائب ـ كما أن وريد الخصية يصب في نفس المنطقة،أي أن التغذية والتروية والتعصيب للخصية وللمبيض تبقى مرتبطة بهذه المنطقة أي من بين الصلب والترائب.