الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الطغاة وحرية القلم (4/4)

ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 299):

„القوة الحقيقية للرجل هي أن يستطيع أن:(يقول مايريد وقتما يريد أن يقول).والرجولة الحقيقية هي أن يبذل المرء دمه وماله وراحته وهناءه ودعته وطمانينته وأهله وعياله وكل أثير عنده وعزيز عليه في سبيل شيء واحد:(الكرامة).

والكرامة الحقيقية هي أن يضع الإنسان نَفَسه الأخير في كفة وفكرته ورأيه في كفة،حتى إذا ما أرادت الظروف وزن مافي الكفتين رجحت في الحال كفة رأيه وفكره.

كل عظماء التاريخ كانوا كذلك.رجال لم يترددوا في تضحية كل شيء من أجل فكرة،والنزول عن كل متاع من أجل رأي.بل إني لا أبالغ إذا قلت إن الأمم لا تبنى ولا تقوم إلا على أكتاف هؤلاء.وإن الخطر المخيف هو يوم تخلو أمة من أمثال هؤلاء.وإنه ليخالجني الآن شيء من القلق إذ أنظر حولي فلا أكاد أرى أثراً لهذه الفئة العظيمة.فناموس اليوم هو وطيء الفكرة بالأقدام راكضاً خلف الجاه الزائف والمال الزائف،وإنكار الرأي والجبن عن إعلانه حرصاً على الراحة وإيثاراً للطمأنينة.وحق لنا جميعاً أن نسأل هذا السؤال:ما هي المعجزة التي تنهض هذا البلد وهو على هذا الخلق؟وهل يطول غضب الله علينا فلا يظفرنا بعظيم من هؤلاء العظماء الذين يستطيعون أن يردوا الاعتبار إلى قيمة الرأي،ويطهروا النفوس من درن المادة،ويعيدوا المثل العليا النبيلة إلى مجدها القديم،ويرتفعوا بالأمة كلها في لحظة إلى سماء الخلق العظيم!إذا حدث ذلك فقد نجونا.وإذا لم يحدث ذلك فلاشيء ينتظرنا غير انحلال أكيد،وهبوط إلى مرتبة العبيد“.

ويقول توفيق الحكيم أيضاً(الرسالة العدد301):

„ليس على الأرض أخطر ولا أقوى من آدمي يعيش من أجل فكرة.هذا الآدمي يركز كل وجوده في فكرة كما تتركز أشعة الشمس في عدسة ليستطيع أن يحدث مثلها حريقاً مخيفاً أو نوراً وهاجاً ساطعاً.إن أغلب الأنبياء والرسل وقادة الفكر وعظماء التاريخ الذين قلبوا العالم أو ملئوه ضوءاً وجمالاً كانوا كذلك:أشعة متجمعة في عدسة فكرة.إنهم لم يعيشوا للحب والحياة،إنما عاشوا من أجل فكرة“.

ويقول توفيق الحكيم في موضع آخر(الرسالة العدد 468):

„إن الأدب الرفيع هو الذي يثير المشاعر الرفيعة،بما فيها من حق وحب وخير وجمال…وإن الأدب الوضيع هو الذي يهيِّج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك والبطش والعدوان…ولابد من توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى،حتى ينشأ جيل سليم فاضل يرى الأدب على حقيقته:جنة سامية طاهرة،لا مكان فيها لمن يبطش بالقلم،ولكنها مكان من يعلّم بالقلم ،يعلم الإنسان مالم يعلم“.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد150):
„الأدب صورة النفس فلابد أن ترتسم فيه مشاعر الفرد،والأدب مرآة الحياة فلابد أن تنعكس فيه ألوان المجتمع.ومادام في الناس الحساس والبليد،والخوار والجليد،وفي الدنيا التفاوت الذي يوجد التمايز،والألم الذي يفجر الدموع،واللذة التي تبعث المسرة،والمدنية التي تخلق التنوع،فلابد أن يكون الأدب الصحيح صدى لكل ذلك“.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد47):
„الأدب عبير الروح،وشعاع النفس،ونضح العواطف.يتأثر حتما بما ينال أولئك من تطور الحياة،وتغير الناس،وتقلب الزمن،فهو يطيب أو يخبث،ويضطرم أو يخبو،ويمرّ أو يحلو،تبعاً لما يعرض للروح والنفس والعاطفة من أحوال الضعف أو القوة،والفساد أو الصلاح،والانحطاط أو السمو.
فالأدب العربي كان صادقاً حين فاض بالبطولة،وزخر بالحماسة،وجاش بالعزّة،في عهوده الأولى أيام كان يمده العرب من قوتهم بالروح،ومن سلطانهم بالنبل،ومن حريتهم بالكرامة.
والأدب العربي كان صادقاً حين لجّ في الضراعة،وضجّ بالشكوى،وأنّ من الألم،وتحدث عن فسوق الخُلق المنحل،وإيمان القلب المستذل،وضلال النفس المريضة في مذاهب القِحة،في عهوده الأخيرة أيام وهنت عزائم الملوك ،ووهت دعائم الملك،وتخلت يد العرب عن زمام الدنيا،فوقعت الفوضى،وحدث الخلل،ولجأ الناس بعضهم إلى الله وراء شيوخ الطرق،وبعضهم إلى الشيطان وراء قطاع الطريق!
والأدب العربي الصادق اليوم في الإبانة عن هذا الشك المخامر في قدرتنا على التفكير الأصيل،واضطلاعنا بالأمر الجليل،واستقلالنا بتبعات الرأي وتكاليف الحياة.فإن اعتقادنا الإيحائي المزمن بتفوق الأوربي وامتيازه سلب من نفوسنا الثقة،ومن قلوبنا الإيمان،ومن عقولنا الأصالة،ومن شعورنا السمو،وتركنا كالعبد المملوك لايقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاهنينقل فيما يقول عن لسانه،ويصدر فيما يعتقد عن قلبه.
فأديبنا يجهل اللغة العربية كل الجهل،ويعلم اللغة الأوربية كل العلم،لأنه إذا تكلم بها أو كتب فيها شعر بذلك الامتياز الذي يلازم أهلها في بلاد الشرق.وأديبنا يقرأ الأدب الأجنبي ويغفل الأدب العربي،لأن هذا أدب قوم كانوا يلبسون العمائم،ويأكلون بالأيدي،ويجلسون على الوسائد،ويقولون له نحن أجدادك!وذلك أدب قوم يلبسون البرانيط،ويأكلون بالشوك،ويجلسون على الكراسي ،ويقولون له نحن أسيادك.
فمتى يعلم الكاتب أن له مجداً يجب أن يعود،ووطناً ينبغي أن يسود،وصوتاً يحق أن يسمع،وأدباً يصح أن يحتذى،وتاريخاً يليق أن ينشر،وحقاً على أرضه تؤيده الطبيعة ويقره القانون ولاينكره عليه إلا جبنه وذله؟!“.
ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد427):

„فمن أنت أيها الكاتب وماذا تريد؟

لن يصحّ انتسابك إلينا إلا يوم تؤمن بأن للقلم رسالة يطيب في سبيلها الاستشهاد.ونحن قد رحبنا بجميع الآلام في سبيل القلم البليغ.

قد ينوشك أقوام لا يعرفون كيف توحدت توحد الليث،وقد يسخر منك أقوام يرون الزهد في التودد إلى المقامات العالية ضرباً من الجمود،وقد يوافيك أجلك و ليس في جيبك  مايشيعك به أهلك إلى مثواك الأخير،فما رأيك فيمن يدعوك إلى الاعتصام بالوحدانية الأدبية لتلقى الله وأنت رجل لم يعرف الخضوع لصاحب العزة والجبروت إلا تأدباً مع ذاته العالية؟

هل تعرف لأي سبب لا ينبغ من أرباب القلم غير آحاد،ولو كانوا في أمة تبلغ المئات من الملايين؟إنما  كان ذلك لأن رسالة القلم تشبه الأمانة التي تهيبت حملها السماوات والجبال.ويتابع رحمه الله:

„يجب أن يخرج الكاتب الأجير من الميدان،الكاتب الذي يرضى بأن يكون أجير الوطن أو أجير المجتمع،فما يكون الرجل كاتباً إلا إذا شعر بأنه مؤيد بقوة روحانية تعصمه من أحلاف الزور والبهتان.وذلك هو الكاتب المنشود، الكاتب الذي يرغم الدهر الاعتراف بأنه طاف على أهل زمانه بكأس لم يذوقوها من قبل،ولم يعرفوا في أي كرمة نبغ رحيقها النفيس!!

فمن هؤلاء الذين يحملون الأقلام وليسوا لحملها بأهل،لأنهم عبيد تلاميذهم من القراء،ولأنهم يتوهمون أن القلم وسيلة من وسائل النفع الرخيص؟من هؤلاء؟من هؤلاء؟

لن تكون كاتباً إلا يوم يستطيع قلمك أن يصنع بقرائك ما يصنع الدواء بالمريض،والدواء قد يزلزل الجسد فيمثل له شبح الموت، ثم تكون العافية، وكذلك يصنع القلم الصادق، فهو يزلزل الفكر والعقل والروح،ثم تكون العافية الفكرية والعقلية والروحية لمن يصلحون البقاء،ولا بقاء لغير من يستمعون صوت الصراحة والصدق والإخلاص“.

ويقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة الشيخ في المؤتمر الثالث للأدباء العرب في القاهرة عام1957

„والأدب أيها السادة هو الوشيجة القوية والوثيقة الباقية التي لم تنقطع طوال القرون وعبر الأزمان…فهذه هي الايام تطوي الدول،وتقرب البعيد أو تبعد القريب،وتقطع هذا السبب أو ذاك من علاقات الأفراد أو روابط الجماعات،ويبقى اللسان العربي والبيان العربي والشعر العربي رسلاً صادقين وروابط قوية بين أبناء العروبة كلهم.

نعم، يبقى الأدب العربي رباطاً يجمع العرب مهما اختلفوا أو تفرّقوا في ميادين أخرى بطارئ من طوارئ الهم ،أو لون من ألوان الاختلاف في الهمم..

يبقى الأدب يصور الخواطر،ويأسو الجراح،ويؤلف الألسنة والقلوب حتى تتصافح الأيدي، ويعود البناء كما كان،أبيّاً لاينال، قويّاً لايلين.

ولرُبّ خاطرة لكاتب أو همسة لشاعر،أحيت رمماً، وبعثت دارساً،وردّت ذاهباً وفجّرت الينابيع في صم الصخور.

ويتابع رحمه الله:

„والأديب إنما يكون أديباً بحق حين يكون أمين القلم صادق البيان ينقل إحساسه إلى قارئه في عمق وصدق ،فلغة الأدب وحدها  هي الترجمان الأمين لعواطف هذه الشعوب، واللسان المبين الذي يعرض خلجاتها، ويفصح عن آمالها وآلامها. إن الأديب كالنسيم يحمل العبير أينما سار،يصعد في ذروة الجبل وينثال إلى عمق الغور، وينساب على صفحات الوادي..

إنه ينطلق أبداً،ويسعد الناس بشذاه،ولايبالون من أي روض نشر ولا أي سبيل عبر،ماداموا يعرفون في عطره أشذاء روضهم ويحسون في تياره فوران إحساسهم ويرون فيه أنفسهم جادين أو هازلين، ضاحكين أو واجمين.

ويتابع رحمه الله:

„وأول مايجب أن نحمي منه الأديب والأدب هو تلك العواصف التي تطفئ جذوته وتمسخ نوره ورونقه، وتمسّه بالعوز والكدية والصعلكة،فلابدّ أن نبذل للأديب من رحابة الحياة ويسر العيش مايجعله معتدل الحس رضيّ النفس،صادق التعبير، غير ضجر بضيقه وعسره“.

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد22 ص31):

„أنا أطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة، وأعتبر الأدب والثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الإجتماعية،بل بين أرفع المقامات الإنسانية بغير استثناء.

أفي ذلك عار؟ أفي ذلك موجب للحقد والضغينة؟

كلا! بل فيه مأثرة وفيه فضل جديد على عالم الأدب في هذا الشرق المسكين الذي كان أدباؤه لايرتفعون عن منزلة المضحكين والندماء المهرجين على موائد الأغنياء والرؤساء،فإذا ارتفعوا عن هذه المنزلة قليلاً أو كثيراً، فهم لايرتفعون بفضل الأدب والفن، بل بفضل وظيفة يعتصمون بها أو شهادة علمية ينتحلون سمعتها،أو ثروة يحسبون من أهلها،ثم يحترمون لأجلها على الرغم من كونهم كتاباً وشعراء.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال بعنوان الأدب القومي ـ نشر عام 1930):

„الأديب في الأمة هو لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها،وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها،فهو ذخر لها لا يعدله ذخر،وقصيدةٌ أو مقالةٌ تحرّرها أنملة أديب بليغ ـ مؤمن بما يقول مخلص لما يدعو إليه ـ أنفع للأمة المظلومة وأَعوَن على نيلها حقّها من مئة جندي مدجّج بالسلاح! فهل عندنا من أمثال هذا الأديب أحد؟

هل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها،وبحث فيما يسرها وما يسيئها،ثم انتدب نفسه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟هل عندنا الأديب الذي قتل التاريخ علماًنوغاص على خفاياه ومعضلاته فأحاط بها فهماً،ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء،تكون كل قطرة من المداد أريقت على صفحتها بمثابة قطرة من الدم أُهرقت على مذبح الحرية والاستقلال؟هل عندنا الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن وفائدته ،ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها؟هل عندنا الأديب“الأديب“ الذي ترفّع بنفسه عن أقوال الناس،فلا يثيره مدح ولاذم ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ،مادام سالكاً الصراط المستقيم ومتبعاً الطريق القويم؟

ويتابع رحمه الله:“ألا إن الأدب لا يجدي إذا لم يكن أدب الحياة،ولا يكون أدب الحياة حتى يتصل بها ويداخلها،فيعرف أمكنة ضعفها ومحالّ فسادها ويسعى لإصلاحها وتقويتها.ألا إن الأديب الذي يلهو بنفسه ويقنع بأحلامه ـ واأمة أحوج إلى أدبه في حياتها ونمائها ـ لَهو خائن بعهد الأمة كافر بدينها.ألا إن هذا الأدب المجرد،أدب الألهية الشريفة،ضرر علينا،وفي دعوتنا إليه عقوق وطننا،بل طعنة في صدره.فلنتركه غير مأسوف عليه،ولننفض عن أنفسنا غبار الكسل ولندخل في دَور العمل.

إن الأدب المنتج هو الأدب الذي يخدم القضية الوطنية الكبرى،ويربط ماضي الأمة بحاضرها ويعينها على النجاح في مستقبلها.فإن كان هذا،وإلا فسلام على أدب لا يُقصد منه إلا التلهّي واللذة،وسلام على أصحابه المخلصين العاملين“.

ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(رسالة الأديب ص 29 ـ 30):

„ولكم بعد هذا أن تراجعوا حظوظ من عرفتم من الأدباء،فسترون أن ابلغهم أثراً في أنفس الجماهير،وأقدرهم على أسر القلوب وغزو العقول،وامتلاك النفوس،هم الأدباء الذين ابتلتهم الحياة بصنوف الأرزاء،وعرفوا كيف تقسو الدنيا وكيف تلين،أولئك هم الذين يكتبون وفي كل حرف سر ظاهر أو غرض دفين.أما الأدباء المدللون الذين حبتهم الدنيا بألوان من الترف والنعيم  فهم ينظمون ويكتبون وكأنهم يلعبون،وليس للألاعيب في عالم الأدب بقاء.

الحياة هي كتاب الأديب، ومن حظه أن يعرف البؤس والشقاء وأن يدرك كيف يكون الضجر والاكتئاب،وأن يشهد بعينيه كيف يرتفع السفلة والاغبياء،وكيف يطيش الحظ الأهوج فيظلل بجناحيه رؤوس الممرورين من أهل الجاه المزيف والمجد المكذوب.

إن أراجيف المرجفين،وأكاذيب المضللين، وتنسك الماجنين وتعالم الجاهلين،واستنسار البغاث، واستذآب الكلاب،واستبسال الجبناء،كل أولئك مما يؤرث نيران الحقد في صدر الأديب الموهوب ويحوله إلى طاغية غشوم يبطش بأهل الكذب والرياء والنفاق.

والأديب الذي يتهيب الحياة ويخاف مجاهلها هو اديب رخو ضعيف ليس أهلاً لمجد القلم ولا شرف البيان.

الأدب الصادق ليس إلا حومة قتال،ولكن أي قتال؟قتال في سبيل الحق والخير والجمال.والحياة لم تكن يوماً دار سلام،إنما السلام في المقابر،فمن شاء أن يستريح فليمت،أما الأحياء فقد كتب عليهم أن يناضلوا ويقاتلوا ويصاولوا ما بقي فيهم عرق ينبض وقلب يثور،فإن جنحوا للسلم فقد استسلموا إلى سكرات الموت، وبئس المصير!

ويتابع الدكتور زكي مبارك رحمه الله:“الأدب الصادق هو الذي يحمي صاحبه من بريق الزيف والبهرج،ويصونه من الخضوع لأرباب الألقاب،ويقنعه بأن المجد الحق لا يكون إلا في ظلال الشهامة والصدق،وشرف القول والفعل،وطهارة القلب والوجدان،وأديب واحد بهذه الخلال أنفع لأمته ووطنه من ألوف العبيد الذين يلبسون ثياب السادة وهم أذلاء،ويتشدقون بأخبار الفضائل وهم في أنفسهم من أهل البغي والفسوق“.

ويقول الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد366):

„الأدب هو الترجمان الصادق للغرائز الإنسانية،ولا يجوز أن نطالب الأديب بأن يكون عبداً لزمانه وأهل زمانه،وإنما يجب أن يُسيطر الأديب على الزمان وأهل الزمان ليؤدي رسالته في قوة وصراحة وإخلاص.

الأديب أقوى من الناس ومن الزمان،وإنه لا يصور غاية زمنية أو محلية،وإنما يتسامى إلى غايات تُشرف على طوائف الإنسانية ومراحل التاريخ.

ليس الأديب مِزماراً مأجوراً يترنم بما توحي أحوالكم من إطراب وأشجان،وإنما هو قيثارة سماوية يحق لها أن تصدح بغير ماتشتهون في أيام الفرح وما تبتغون في أيام البكاء،وإن كانت أُخوته لكم تفرض عليه أن يكون سناداً لآمالكم في جميع الآحايين.

الأديب يُسيطر على الحوادث،ويرفض الاستعباد للحوادث.والأديب أشجع منكم جميعاً لأنه لا يبالي متى يموت.وهل نسيتم أن الأديب هو الذي صنع بقلبه ولسانه وقلمه حوادث التاريخ؟“.

وجاء في مجلة المنار(العدد301):

„يا أصحاب الأقلام:إن في أيديكم قوة تعمل مالا تعمل السيوف والمدافعنإن من تعظمونه بالحق يكون قدوة وإماماً في الخير لأهل عصره،ولمن يأتي من بعده،وإن من تحقرونه ولو بالباطل يكون محتقراً في زمانه ومحتقراً في التاريه حتى تستحي ذريته أن تنتسب إليه فاعرفوا قيمة أنفسكم كما عرفها بشار إذ قال:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم                إني أخاف عليكم أن أغضبا

أبني حنيفة إنني إن أهجكم                   أدع اليمامة لا تساوي أرنبا

ويقول الأستاذ الأديب أحمد مظهر العظمة(الرسالة العدد 755):

„لا مشاحة أن للأديب تأثيراً قوياً على النفوس والافكار والعواطف والأخيلة، وأن له أثراً جلياً في حياة الأفراد والجماعات،  وأن النهضة الأدبية كثيراً ماتمهد للنهضة السياسية والاجتماعية والدينية.ولا بدع فالأديب إذا بكا بقلبه مثلا بكا يراعه، وإذا ثارت نفسه ثار اسلوبهنفكأنما هو يكتب بمداد من الدماء يكفي أن يبصره الناس حتى يهيج دماءهم ويخف بها إلى مايريد منهانوكأنما هو يخطب بأصوات من روحه لا من لسانه حسب الناس أن يسمعوها حتى تتصل بأرواحهم فتعمل فيها عمل العاصفة حينا ثم تقذف بها حيث تريد.

ويتابع رحمه الله:“إن المعركة الخلقية الاجتماعية اليوم من الخطورة بمكان،فهي عند مفترق الطرق،وهي معركة مبادئ تتضاءل ليذهب زبدها جفاء، ويمكث حقها في الأرض بعد ثبات أهله وصبرهم وجلدهم وحكمة قيادتهم.

فمن غير الأديب العربي الحمى الأنف يطارحنا بلحنه الأخاذ فيهز القلوب والمشاعر والأفكار،بل يهز الأرواح هزاً منها إلى السبيل السوي الذي يجد أهله بعده عزهم وهداهم ونعماهم فلا يضلون في مهامه المذاهب الاجتماعية الكثيرة التي لا يكاد يتبين فيها الساري وضح الطريق“.

ويقول الأستاذ الأديب العالم العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(في سبيل الإصلاح، ومجلة الرسالة العدد666 ):

„أين تلك الأقلام التي تعرّف هذا الشعب بنفسه،وتتلو عليه أمجاد أمسه،وتذكره أنه لم يخلق ليذل ويخنع،وإنما خلق ليعز ويحكم،وأن الله مابرأه من طينة العبيد،بل سوّاه من جِذم الصيد الأماجيد،وأنه أثبت من هؤلاء المستعمرين أصلاً في الارض،وأعلى فرعاً في السماء،وأكرم نفساً،وأشرف عنصرا،وأنقى جوهراً،وأنها إذا أفقرت الأيام الغني ،وأذلت العزيز،فإن الفلك دوار،والدهر دولاب،فلايغتر الفقير بالغنى الحادث،ولايأسَ الغني على اليسار الذاهب،فإن كل شئ يعود إلى أصله، وإن كل حال إلى زوال.

وأين تلك الأقلام تفهم الشعب أن المستعمرين مازهدوه في قرآنه،وصرفوه عن دينه ،وشغلوه عن تاريخه،إلا ليسلبوه أحد اسلحته، ويجردوه من أمتن أدراعه،حتى إذا قابلوه أعزل عارياً، هان عليهم اصطياده،وسهل استعباده ،فكان إليهم قياده،وأنه آن لنا أن ننتبه لمكرهم بنا،وأن نفيق من غفلتنا،ولانمشي إلى الهوان بأرجلنا، ونمكن عدونا منا بِملكنا.

أين تلك الأقلام تقول للناس:إن الإسلام جاء يكسر الأصنام وانتم رجعتم تعبدون أصناماً من لحم ودم،تأكل الخبز والحلوى والذهب وورق النقد، وتأكل كل شئ وتهضمه معدها،أصناماً تسمونها زعماء الأحزاب تجدّون وتتعبون ليستريحوا هم،وتَشقون لينعموا، وتنخفضون ليرتفعوا، وتدفعون إليهم ماكسبتموه بأيديكم الخشنة من العمل،وأنتم تقبّلون أيديهم الناعمة من الكسل،وتمنحونهم كل نعمة، ولايمنحونكم شيئاً.

أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وتردد أفظع كذبة جازت علينا،وهي دعواهم أن من الخير لنا أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ماجاء من أوريا فهو خير ورشاد، وكل مابقي لدينا من الشرق فهو شر وفساد!

فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، وتقيم لهم الميزان العادل،وتحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين،يعرفون ما يأخذون ومايدعون!

ياخجلتاه غدا من كتاب التاريخ إذا جاؤوا يترجمون لأديب فيقولون:لقد رأى أعظم بطولة بدت من بشر،وشاهد أجلّ الأحداث التي رآها الناس،ثم لم يكتب فيها حرفاً.لقد شغلته عنها شواغل الأيام، ومباهج الأحلام،وملذات الغرام“.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

„خير لي الا أكتب وخير لهذا القلم أن يموت من أن أفقد به ذاتي وأتحول به إلى مجرد مرآة لاشخصية لها تعكس أهواء الحكام ومايندفعون فيه من الباطل بدل أن تكون كتابتي صورة نقية لذاتي وتعبيراً صادقاً عن شخصيتي وعما أؤمن به من الحق والعدل والخير“.

يقول محي الدين عطية:

مازلت أحلم بالسطور الخضر تجتاح الجليد

بعصارة القلم الذي يقتات أنسجة الوريد

ترضعه آلاف العقول خلاصة الرأي السديد

تسقيه آلاف العيون رحيقها،أنّى يريد

بجواهر الكلمات صادقة الحروف بلا مزيد

تنساب في الآفاق طائرة كعصفور غريد

تجتاز آلاف الحدود ،كراية النصر المجيد

إننا لانعدم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومِصر، أجيالاً من الكتاب والأدباء والفنانين، لاتخضع رغبة أو رهبة ،بما يمليه عليها أصحاب النفوذ،فاقدوا الضمير من الحكام وأصحاب المال والسلطة،من إملاءات وتعاليم ، ولاتخضع لسلطان الأهواء والشهوات ، والأباطيل

والأضاليل،ولاتخنع لما حُكم عليها من القوارين والفراعين والهامانيين من ضروب الفاقة والمرض والوحشة والتشرد والنفي والإبعاد والتعذيب والتشويه والافتراء وربما وصل الأمر إلى التهديد بالقتل بل وارتكابه، وتتابع طريقها في نشر الحقائق،وتحقيق الوثائق، فحددوا باليها وأنعشوا ذاويها،ورفعوا راية الحق والهدى ترفرف على شأو مرتفع لاتنال ذراه ولا يرتقى مرتقاه.تقول الحق وتنشده وتطالب به  ولا ترى في الدنيا وزخارفها ومتاعها إلا وهماً وسراباً.

يقول الأستاذ عصام العطار:

„لئن استطاع أعداء الإسلام ومستغلوه أن يكبلوني في غربتي بالقيود والأغلال، وان يمنعوني في كل مكان أستطيع أن أنشر فيه ما أعتقده من الحق، فإن أعداء الإسلام ومستغليه لن يستطيعوا أن يقوّلوني الباطل مهما مارسوه من الضغوط،ومهما كرروه من الوعيد،ومهما حاولوه من القتل،ومهما أمضوا فيه من الحرب ،ومهما لوّحوا به من المغريات….فدنياهم هذه وألف دنيا مثلها ليست أكثر في عيني من التراب“.

الشعر ليس حمامات نطيّرها

نحو السماء، ولا ناياً وريح صبا

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا!

وهي أقلام كلماتها مستمدة من دمائها،وسطورها تظهر فيها آثار جروحها وكلومها،  عانقت الكلمات و المدلولات  إرادة النصر ومشاعر الإنسانية وجراحات البشرية،فامتزج مداد القلم الأسود بدم الكاتب الأحمر، وما أجمل أن يمتزج المدادان فامتزاجهما“اكسير الحياة“الذي تعيش فيه الكرامة والحرية،ولأن امتزاج اللونين يعطي الحياة مستقبلاً اخضراً زاهياً للإنسان والكون.

شرابك ظلام ونتاجك ضياء            فبورك من يُسيرك ايها القلم

إن الكاتب الحر الأبيّ هو الذي يقتات قلمه من نسيج إرادته ولحمه وأعصابه، فيكون مداده من دم قلبه وتكون كلمات يراعه مشحونة بإنفعالات أعصابه، فتظهر آثار دمه في سطوره، وتظهر آثار معاناته في كلماته.

يقول الأساذ عصام العطار:

„إننا لانكتب بالمداد، ولكن بدم القلب، فمعذرة إذا ظهر في سطورنا أثر الجراح“.

يقول نسيب عريضة

أوه! ألم يكتب لهذا القلم                إلا بأن يشكو الأسى والألم

يا قلمي الشارب خمر الشجا           والمسمع الطرس صرير النقم

من أي غصن قصك المبترى؟        من أي غيم قد سقتك الديم؟

أفي حمى الغربان ثُقفت أم             بين خوافيها ألفت الظلم؟

نشأت نعّاباً فلا غرو أن                تحس أن النعب كل النغم

أم كنت عوداً عند مستنقع               في نبتةٍ تمتص ماء الرِّمم

أم عشت في ظل من الغاب لم         تشرق عليه الشمس منذ القدم

فاسكب على الأبيض من أسود          يلذع من الأوراق لذع الحمم

ما الحبر ماتنفثه ناقماً                    ذاك سويداء الحشا يا قلم

إن سرّ قوة الكلمة ليست في اختيار الألفاظ وانتقاء العبارات،وإنما هو في مدلول قوة الإيمان الذي تعبر عنه الكلمات ومدى التزام صاحب القلم بما يقول واستعداده للتضحية بماله وذاته من أجل الحق الذي يدافع عنه.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(دراسات إسلامية  مقال بعنوان:قوة الكلمة ص134):

„في بعض اللحظات، لحظات الكفاح المرير الذي كانت الأمة تزاوله في العهد الذي مات…كانت تراودني فكرة يائسة،وتلح عليّ إلحاحاً عنيفاً. أسأل نفسي في هذه اللحظات:ماجدوى أن تكتب؟ماقيمة هذه المقالات التي تزحم بها الصحف؟أليس خيراً من هذا كله أن تحصل لك على مسدس وبضع طلقات، ثم تنطلق تسوي بهذه الطلقات حسابك مع الرؤوس الباغية الطاغية؟ما جدوى أن تجلس إلى مكتب، فتفرغ حنقك كله في كلمات،وتصرف طاقتك كلها في شئ لايبلغ إلى تلك الرؤوس التي يجب أن تطاح؟

ولا أنكر أن هذه اللحظات كانت تعذبني. كانت تملأ نفسي ظلاماً ويأساً.كانت تشعرني بالخجل أمام نفسي.خجل العجز عن عمل شئ ذي قيمة.

ولكن هذه اللحظات لحسن الحظ لم تكن تطول.كان يعاودني الأمل في قوة الكلمة.كنت ألقى بعض من قرأوا لي مقالاً،أو اتلقى رسائل من بعضهم،فأسترد ثقتي في جدوى هذه الأداة.كنت أحس أنهم يتواعدون معي على شئ ما:شئ غامض في نفوسهم،ولكنهم ينتظرونه،ويستعدون له،ويثقون به!

كنت أحس أن كتابات المكافحين الأحرار لاتذهب كلها سدى،لأنها توقظ النائمين، وتثير الهامدين،وتؤلف تياراً شعبياً يتجه إلى جهة معينة،وإن لم تكن بعد متبلورة ولا واضحة.ولكن شيئاً ما كان يتم تحت تأثير هذه الأقلام.

ولكنني مع هذا كنت أعود ـ في لحظات اليأس والظلام ـ لأتهم نفسي. كنت أقول: أليس هذا الإيمان بقوة الكلمة تعلة العجز عن عمل شئ آخر؟ألا يكون هذا ضحكاً من الإنسان على نفسه ليطمئن إلى أنه يعمل شيئاً، وليهرب من تبعة التقصير والجبن؟

ويتابع رحمه الله:

„إن قوة الكلمة شئ عجيب. إن أحلاماً كاملة قد أصبحت حقيقة واقعة، وإن نبوءات قد صحت برمتها،لكأنما كانت أبواب السماء مفتوحة،والمكافحون الأحرار يكتبون ويتوجهون بكل قلوبهم مع هذه الكلمات.

ثم عدت أسأل من جديد: ماسر قوة الكلمة؟

إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات،إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلولات! إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حيّة والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس.

في هذا يكمن سر الكلمة وفي شئ آخر:في استمداد الكلمات من ضمائر الشعوب،ومن مشاعر الإنسان،ومن صرخات البشرية،ومن دماء المكافحين الأحرار.

إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركّها،وتجمعها وتدفعها.إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي.كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان.أما الكلمات التي ولدت في الأفواه ،وقذفت بها الألسنة،ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبراً واحداً إلى الأمام.إن أحداً لن يتبناها، لأنها ولدت ميتة. والناس لايتبنون الأموات.

إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئاً كثيراً.ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم. أن يُطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.أن يقولوا مايعتقدون أنه حق،ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق.إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثاً هامدة،حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء،انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء.

فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم،يكدون قرائحهم،لينتقوا اللفظ الأنيق،وينمقوا العبارة الرنانة،ويلفقوا الأخيلة البراقة.

إلى هؤلاء أتوجه بالنصيحة:وفِّروا عليكم كل هذا العناء،فإن ومضة الروح ،وإشراق القلب ،بالنار المقدسة،نار الإيمان بالفكرة…هو وحده سبب الحياة. حياة الكلمات وحياة العبارات.

ثم ماذا؟

ثم لايقعدن القادر على العمل، وهو يطمع أن يؤدي واجبه بالكلام.ذلك خاطر أحب أن أحذر منه بعدما أسلفت من الإيمان بقوة الكلمة، وإلى آثارها الملموسة في الحياة.إنه في كثير من الأحيان، يكون القول الفصل للشاعر الذي يقول:

السيف أصدق أنباء من الكتب         في حدِّه الحدّ بين الجِدِّ واللعب

وفي كثير من الأحيان، يصبح من العبث أن نظل نتكلم ونتكلم، ثم لانفعل شيئاً.إن الكلمات في هذه الحالة تكون استهلاكاً للطاقة الكامنة وليست توليداً للطاقة.

والكلمة ذاتها ـ مهما تكن مخلصة وخالقة ـ فإنها لاتستطيع أن تفعل شيئاً، قبل أن تستحيل حركة، وان تتقمص إنساناً.الناس هم الكلمات الحياة التي تؤدي معانيها أبلغ أداء.

إن الفارق الأساسي بين العقائد والفلسفات، أن العقيدة كلمة حية تعمل في كيان إنسان، ويعمل على تحقيقها إنسان.أما الفلسفة فهي كلمة ميتة، مجردة من اللحم والدم، تعيش في ذهن ،وتبقى باردة ساكنة هناك.

ومن هنا كانت العقائد هي الحادي، الذي سارت البشرية على حدائه،في درب الحياة المتعرج الطويل.تصعد الروابي وتهبط السفوح،وتردد حداءه في المتاهة المهلكة،فتنجو وتحيا،وترتقي وتثق في رسالتها، لأنها رسالة تنبع من أعماق الضمير،ويشتعل بها الوجدان ،ويتلالأ بها الشعور“.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

„إذا كانت الكلمة لاتعني موقفاً والإيمان لايعني التزاماً، فقد بطل مدلول الكلمات، واستحالت ألفاظنا إلى ضرب من الخداع أو العبث او الهذيان“.

ويقول أيضاً:

„ما أعظم مسؤولية الكلمة عند من يحسون بمسؤوليتهم عنها أمام الله وأمام الضمير ولا أقول أمام التاريخ،فقد تحررنا من زمن بعيد ـ والحمد لله ـ من العبودية للتاريخ، وما يمكن ان يقوله عنا أو يحكم به علينا في مقبلات الأيام والعصور“.

ويقول أيضاً:

„إنني لا أخط كلمة واحدة إلا وأحس بتبعاتها وتبعات ما ينتج عنها في حياة من يتقبلونها ويعملون بها وحياة أمتنا وبلادنا من الصواب أو الخطا، والخير أو الشر في الحاضر والمستقبل“.

وقد يكون من نتائج الكلمة أن يلقى صاحبها الشهادة في سبيل الله أو العذاب والتشريد والنفي والإبعاد والبعد عن الأهل والأحباب.

ماذا سأقرا من شعري ومن أدبي

حوافر الليل داست عندنا الأدبا

وحاصرتنا وآذتنا…. فلا قلمٌ

قال الحقيقة إلا اغتيل أو صُلبا

وقال آخر:

شَردّوا أخيارها بحراً وبراً            واقتلوا أحرارها حراً فحراً

إنما الصالح يبقى صالحاً              آخر الدهر ويبقى الشر شرا

كسروا الأقلام هل تكسيرها           يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

قطعوا الأيدي هل تقطيعها            يمنع الأعين أن تنظر شزرا

أطفئوا الأعين هل إطفاؤها           يمنع الانفاس أن تصعد زفراً

أخمدوا الأنفاس، هذا جهدكم        وبه منجاتنا منكم، وشكراً

ولكن كلمات شهيد الكلمة والحق تبقى بعد شهادته كالنور يضئ الطريق وينير المسالك للقادمين من بعده،وتصبح كلماته طلقات صائبة،وسيول جارفة تطيح بالظالمين وتجرف الباغين وتقتلع جذور المجرمين.

تظل جثثاً هامدة حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء“.

ولعلّ سيد قطب ومن قبله الإمام الشهيد حسن البنا رحمهما الله وأدخلهما فسيح جنانه المثال الحي لامتزاج الكلمة بالمداد والدم، وامتزاج المدلولات بالسلوك العملي ، وامتزاج الحروف والكَلِم بالجروح والكلوم

ولقد صدقت حياة  كل منهما كلماته، فعاشا لقول الحق وماتا من أجل الحق،عاشا للمبدأ والفكرة، وماتا للقدوة والعبرة، ونسأل الله عز وجل أن يجعل روحهما الطاهرة في جنات النعيم.

عرضوا الحياة عليه وهي غباوة        فأبى وآثر أن يموت نبيلا

إن الشجاعة في القلوب كثيرة           ووجدت شجعان العقول قليلا

ربَّ البيان وسيّد القلم                      وفّيت قسطك للعلى فَنم

والصراع مستمر أبدي أزلي مابين القلم والحر ومابين الطاغوت الظالم المستعر،وإذا كان الظلام فلا بد أن يتبعه دوماً النهار، وإذا كانت الشمس لاتبزغ في كل الأيام ،والفجر وإن بدا خيوطاً في بداياته إلا أنه نذير بطلوع شمس تزيح الظلام مهما اشتدّت حلكته وطالت مدته،وإن أول الغيث قطر ثم ينهمر.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل:

„على أن الظُلَم وإن تكاثفت،والمظالم وإن اشتدّت،والطاغية وإن استبد،كل ذلك كان من أثره دائماً  أن أثارَ شرارة الحرية فهتكت ظلمته وبددت غياهبه،وكما تتراكم السحب وتحجب الشمس،وتبعث على الأرض من الظلمة ماتنقبض له النفس ،ثم إذا بالمطر يستنفد السحب ويجعل للنور من جديد منافذه، كذلك ما تلبث هذه الظلم المتكاثفة في جو الطغيان أن تنبعث إلى نفس ملهمة كلمة الحق ترتفع في صيحة قوية خالصة،فإذا الظلم تضطرب قوائمه ،وإذا بالطاغية يكفهر وجهه وإذا المظلومون تأخذهم رعدة الخوف إشفاقاً على صاحب الصوت وعلى أنفسهم ثم إذا بالصوت يعلو ويعلو،ويرتفع ويرتفع،وإذا القلوب التي وجلت من قبل رعبا وخشية تتفتح لهذا الصوت وتستقبله فرحة مستبشرة،ثم إذا هي تتبعه مؤمنة،ثم إذا النور، نور الحرية والحق يعمّ الأرجاء، وإذا الظلم والظالمون والطغيان والطغاة قد انقلبوا صاغرين عانية وجوههم للحي القيوم“.

والصرخة الأخيرة والنداء الأخير:

هذه الأحداث تتوالى،والنكبات تتعاقب،والمصائب تتسارع وتتقارب،والأمة الإسلامية فوق كل أرض وتحت كل سماء وكوكب،تعيش أصعب مراحل حياتها،وتواجه مخاضاً إما أن يأتي بمولود جديد سليم معافىً،أو تأتي بمسخ بليد لاتقدر له الحياة أو إن كتب له البقاء فسيكون أمرّ واقسى مما كتب عليه الفناء.

إنها أيام وأيام تعصف بهذه الأمة العظيمة،تخرج من بحر من اللهيب، لتقع في محيط من النيران، هذه الأمة التي كتب لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس لو استمرت على منهج الإله واتبعت سنة نبيه العظيم الكريم.فأين الأقلام الواعية المخلصة الشريفة المؤمنة التي تهتز قرائحها،وتتحرك مشاعرها، وأين الأدب السامي الذي يشحذ الهمم ويستثير العزائم، ويضع النقاط على الحروف، يبين مواضع العلل، ويضع لها البلسم الشافي، وينهض بالأمة من كبوتها، ويبعث فيها ماضيها المجيد لينقلها من حاضرها الوبئ الحقير إلى المستقبل الزاهي الرفيع .

نعم ياصاحبي،إن أمانة القلم أن تضرب به في كل ميدان إصلاح،وأن تقرع به كل معالم ومظاهر الفساد،لا تمنعك رهبة عدو ظاهرأو متخفي في ثياب صديق،ولا رغبة في مودّة صديق أو قريبنوأن لا يسكت قلمك عن إنكار المنكر،وكذلك لسانك،وربما الاثنين معاً،وأن تتحمل تبعة ذلك البيان قلماً ولساناً مؤدياً زكاة البيان في الدفاع عن الحق والفضائل والأعراض،والهجوم على المنكر والفجور والغباحية والشهوات،وأن تشهر القلم الشريف المحصّن بالأخلاق والدين ضد زنا الأقلام المأجورة والتي كثرت ونمت وتكاثرت في أمتنا تحت طائفة كبيرة ممن يسمون الرواد والصحفيين والكتاب والذين صارت لهم كتب تُقرا،ومقالات تُدرس ،ومجلات تُوزع،ورسائل دكتوراه في أبحاثهم وافتراءاتهم على المستوى المحلي والعالمي،وما محتواها إلا الترجمة الفنية لحديث المراقص والمواخير،وبيوت الخنا والزنا،مفسدة للعقول،هادمة للفضائل والأخلاق،وخاصة للشباب والشابات الذين يكونون في سن تصرخ بها الغرائز،وتغلي الدماء في العروق.

يجب يا صاحبي:أن تُجرد الأقلام من أغمادها،وتشرع حتى تصدع على هؤلاء الفاسدين حجارة القصور التي يعتصمون بها،ومن ورائهم السلطان السياسي والمادي والأخلاقي.

إن حملّة الأقلام الشريفة العفيفة هم أطباء وأساة هذه الأمة التي تعيش مراحل انهيار وتصدع وسفاف على كل المستويات،وعند هذه الأقلام الشريفة دواء الأمة،الذي يرجع لها صحتها وعافيتها،وإن لكل أديب شريف رسالة،فليتق الله لكي يكون عوناً له على تأدية رسالته.

إن المستقبل لهذا الدين، وإنما هي كبوات وعثرات، ولكن لابد لهذا الفارس أن ينهض من بعد عثرته، ولابد لهذاالمارد أن يصحو من غفوته، وتحسبونه بعيداً ونراه قريباً.والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين.