الطغاة وحرية القلم (2/4)
- ١ الطغاة وحرية القلم
- ٢ الطغاة وحرية القلم
- ٣ الطغاة وحرية القلم
- ٤ الطغاة وحرية القلم
وبدا العرشُ قد حلَّ به يفرع الشمسَ ويعلو الأنجما
ورأى بعد سليمان له مشبهاً في عدله إن حكما
حين عزَّ الدين والملك به هنأ المنبر فيه العلما
لاترى العين به إلا عُلا كلّما تسمو له العينُ سما
أين شعري وفنوني من مدى لو مضى حسان فيه أفحما
ولندع الكاتب الناقد الدكتور محمد مندور يعلّق على هذا الشعر ويجيب شاعرنا هذا على افتراءته، حيث يقول في كتابه(الشعر المصري بعد شوقي):
„قولٌ سخيف، ففاروق يفرع الشمس ويعلو الأنجما،وكلما سما له العين سما وكأنّه بالون!!وهو يَفضل على المأمون والمعتصم، بل ومناقبه أسمى من مناقب النبي صلى الله عليه وسلم التي استطاع حسان(بن ثابت) أن يبلغ بشعره مداها،بينما لو حاول بمناقب فاروق لعجز وخانه الشعر،وإنه لمما يحزن ألا يكتفي هذا الشاعر بكل هذا الإسراف والسخف ولكنه أيضاً يكشف عن دافعه غير الكريم وبه يختم قصيدته فيقول:
أنا في فيض له متصل أنعمٌ تمضي فألقى أنعما
ليس بِدعاً أن زها شعري به يزدهي الروض إذا الغيث هما
وكانه يقول للفاروق زدني عطاءً أزدك شعراً!!
ونقول إن هذا الشاعر ذاته، يناقض ذاته في قصيدة أخرى له حيث يطلب من الشعراء أن يكون شعرهم حقاً نابعاً من النفس فيقول:
والنفس إن لم تكن بالشعر شاعرةً ظنته كل كلام جاء موزونا
ويقول أيضا :
لو مدحنا من لايحق له المد ح لوى الشعر رأسه فهجانا
ونحن نتركه لشعره هذا يحكم عليه!!
وشاعر آخر عاش في النصف الأول من القرن العشرين، انظر إليه يمدح ملك الإنجليز، وما أدراك ما إنجليز، أصل البلاء، ورمز العناء،وأصل النكبات في عالمنا العربي والإسلامي، يقول هذا الشاعر مهنئاً ملك الإنجليز بمناسبة شفائه من المرض:
صاحب التاج أنت بالقوم أعلم هم يودون أن تعيش وتسلم
ويميناً لولاك عاث طغاة في بلاد من جورهم تتظلّم
ظعن الجور عن بلادك لما نصب العدل في ذراك وخيّم
إننا نعرف الملوك ولكن إن عددناهم فأنتَ المُقدّم
ونحن ياسيدي الشاعر نعرف ملوك وحكام إنجليز، ونعلم ماقدموه ويقدمونه لشعوبنا العربية والإسلامية في كل مكان من أرجاء المعمورة ونسترّوح نسمات عدلهم ونستنشق هواء إنصافهم وخاصة مافعلوه في فلسطين والبوسنة والعراق وكوسوفو والهند ..!!
وشاعرنا هذا يناقض ذاته حيث يقول في قصيدة أخرى:
اجهر برأيك إنّ الحقّ قد غلبا هذا يراعك يحكي السيف ما كتبا
أرى المضلين قد زاغت بصائرهم ومن يظن الدّجى صبحاً فقد كذبا
سِر في طريقك لاتحفل بذمتهم ولايهزك مغرور إذا غضبا
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قصيدة جميلة له، تعبر عن الكتاب والشعراء والفنانين الذين ضلّلوا الناس بنفاقهم وزيفهم وتملقهم للحكام،وما أكثرهم في هذا الزمان وكيف جعلوا من بعضهم ملائكة وهم في حقيقتهم أرباب الشياطين،وكيف جعلوا منهم سادة وهم في حقيقتهم أذل من العبيد وكيف جعلوا منهم حكماء وهم في حقيقتهم أجهل الجاهلين، يقول رحمه الله:
هُبــــــــــــــــــــــلٌ…هُبـــــــــــــــــــــلْ
رمزُ الخيانة والجهالة والسخافة والدّجلْ
هُتافـــــــــــــهُ التهريج ما ملّوا الثنـــــــاء
زعموا له ماليس……عند الأنبيــــــــــــاء
ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء
هــــــــــــو فاتحٌ……هـــــو عبقري ملهم
هــــــــو مرسلٌ………هــــو عالمٌ ومعلم
ومــــــــــــن الجهالـــــــــــــــة مـــا قتـــل
هُبـــــــــــــــــــــــــل……..هُبــــــــــــــــلْ
رمــــزُ الســــــخافة والجهالــــة والدّجـــــل
لا تســـــألن ياصـــــاحبي تلـــك الجمــــوع
لمـــــــن التعبــــــد والمثوبـــة والخضـــوع
دَعهــا فمــا هـــي غيرُ خرفـــان…..القطيــع
معبودهــــا صنــــم يــــراه…..العـــمُّ ســـــام
وتكّفـــل الدولار كـــي يضفي عليه الاحــترام
وســــعى القطيـــع غبـــاوة……… يا للبطـــل
وهؤلاء الشعراء أو الكتاب والذين يتملقون الطغاة ويتزلفون إليهم، هم كالأفاعي ياصاحبي، تُغيّر جلودها حسب تغير الظروف والأحوال!!وليس من النادر،بل هو الحاصل أن ينقلب شديد الثناء عند هؤلاء إلى أقبح الهجاء،وأن يتحوّل هذا الشاعر أو الكاتب من النقيض إلى النقيض إذا غاب هذا الحاكم أو الطاغية لاسباب طبيعية أو غير طبيعية!!!
حدّث إبراهيم بن عبد الله الكّجي قال: قلت للبحتري:ويحك! تقول في قصيدتك التي رثيت بها أبا سعيد:
يرمونَ خالقهم بأقبحِ فِعلهمْ ويُحرفون كلامهُ المخلوقا
أصرتَ قدرياً معتزلياً؟ فقال لي:كان هذا ديني أيام الواثق(يعني أيام كانوا يقولون بخلق القرآن) ثم نزعتُ عنهُ في أيام المتوكل(أي حين نزعوا عن هذا القول) فقلت له: يا أبا عُبادة، هذا دينُ سُوءٍ يدورُ مع الدّول.
ألا ترى معي أننا في هذا الزمان نشكو من كثرة أمثال هؤلاء الكتاب والشعراء الذين يمدحون حاكماً أتى بمثابة“عودة الروح“ للأمة والمجتمع وأنه بعد رحيله يذمونه أبشع الذّم ويُكيلون له أشدّ السباب والشتم،وحجتهم في ذلك بأنه“عودة الوعي“ إلى العقول والضمائر،بل إن بعضهم قد تغنى بالوطنية والقومية والأمجاد الثورية التي أحياها فيهم هؤلاء“الثوار“ و“البطل اللي جابه القدر“ وانقلبوا بعد وفاته يذمون عهده وزمانه ويتحولون من „أهل المعارك“ إلى أرباب السلام والتطبيع“وخلي بالك من زوزو“ ويتحولون عن“المسؤولية“ إلى التغني“بالدنيا ربيع والجو بديع وقفّل لي على كل المواضيع“!!!
بل إن أحدهم الذي وصف „الزعيم الخالد„بأنه „معجزة بلا أنبياء“ وأنه“دورة ارض بغير سماء“ قد ذمّ زمانه وحياته وصار يبكي „على يوم مولده“ الذي ملأ حياته حزناً وبكاء!!
إنّ أمثال هؤلاء وما أكثرهم في هذا الزمان،يذكرونني بما قاله أحدهم في الأمس البعيد بعد وفاة أحد السلاطين حيث قال فيه:“وقد كانت سيوفك لاتجف،ونقمتك لاتؤمن، ومدائنك لاترام، وعطاياك لاتبرح، وضياؤك لايخبو،فأصبح ضؤوك قد خمد،ونقمتك لا تُخشى،وعطاياك لاتُرجى، وسيوفك لا تنتضى ومدائنك لاتمنح….لقد كنت بالأمس لا يأمنك أحد، ولقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد“.
وليست الخطورة في هذه الأقلام المأجورة، محصورة في إطراء الحاكم والثناء عليه بالحق والباطل،والطلب إلى الشعب أن يسبح بحمده ويشكره على آلائه ونعمه،وأن يشكروا الله بكرة وأصيلاً على أنه أرسله إليهم،وخصّهم به من دون الشعوب والحكام، ومن غير الأمم والاقوام!! بل إن هؤلاء الكتاب يفسدون أيضاً الأخلاق والآداب، ويعلمون الناس الكذب والنفاق،ويقلبون المعايير والمقاييس ،فيجعلون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، كما أنهم يثيرون الغرائز ويشجعون على الشهوات وينشرون الإباحية…ويساعدهم في ذلك وسائل الإعلام العديدة المضللة، والتي سخرها الحاكم وزبانيته لأمثالهم،وهذه الوسائل تتسلل إلى قلوب وعقول كثير من الناس، وتهاجمهم بافكارها البلهاء وسمومها السوداء،في عقر منازلهم ومكاتبهم ومدارسهم…أضف إلى ذلك دور الصحافة والطباعة ودور النشر ووسائل الترفيه من مسارح وسينما….
يقول الدكتور محمد حسين هيكل في „ثورة الأدب“:
وإذا كنا بسبيل الكتّاب،ورجال العلم،فإن المنافقين والمتملقين ممن يظهرون في عصور الطغيان هم على الإنسانية بلاء دائم وشرٌّ مستطير،يفسدون الآداب والأخلاق ،ويعلمون الناس الكذب والنفاق، وينزلون بأدب الكتابة إلى أحطّ درجاته،وهم مع ذلك من الطاغية موضع إعزازه وإن شاب الاعتزاز احتقار!!ثم هم لن ينزل بهم حيف أوينالهم بسبب إفسادهم الخَلق والأدب واللغة أيّ اذى، بل إنك لتراهم حثالة السفالة المجسمة موضع الإكبار من بطانة الطاغية لأنهم يعتقدون ان في الزلفى إليهم والقرب منهم وسيلة لاستعادة الجاه الكاذب والمال المسروق“.
ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد116 بتاريخ 23 إيلول عام 1935):
„أرى العصر الحاضر مفتوناً كل الفتنة بالأهواء،مستكلباً على الشهوات،قد فتحت له من الملاهي أبواب،ومدت له إلى الغي أسباب،فشغلت من الحياة جانباً.هذه الملاهي والمراقص والحانالت والمواخير.ورأى كثير من الناس هذه الدور مجلبة ربح عظيمن ووسيلة مال وفير، فاقبلوا عليها إقبالاً، وافتنوا فيها افتناناً،واستعانوا على تزينها وجلب الناس إليها بكل ما أنتجت الحضارة من علم وفن،ولم يدعوا حيلة في الاستهواء إلا اتخذوهانولا وسيلة إلى تهافت الناس عليها إلا توسلوا بها.
ويتابع:“ ووراء هذه جماعة من تجار الكتب ، والفسقة المفسدين، يريدون أن ينالوا رغائبهم بشريعة،ويفسدوا في الأرض على علم فيكذبون على الجمال والفن والحرية ما شاءت مآربهم،ويحرفون الكلم عن مواضعه،ويسمون الرذائل بغير أسمائهانفالفسق إعجاب بالجمال،وكل خليعة فنانة،وكل خليع أستاذنويتنافس اصحاب المجلات في كتابة ما تحبه النفوس المريضة،وعرض الصور التي يهفو إليها الشبان،لا يبالون في سبيل المال أن تصلح الأمة وأن تفسد،وتعمل التجارة عملها حتى تجد الرجل الحريص على الفضيلة،الداعي إليها إذا ابتلى بمجلة أغضى عن مفاسدها،فصار له رأي في نفسه،وفي غير مجلته، وعمل آخر تجاري في المجلة.وقد عجبت لبعض الكتاب المعروفين بالغيرة على الأخلاق، والتنديد بالخلاعة والمجون، وبدع العصر الحاضر،إذ رأيت المجلة التي يشرف عليها تنشر من الصور والكلام مالايلائم آراءه، ويوافق مواعظه“.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(من وحي الرسالة ج1 ص163):
„ويطغى الأدب كما طغيت يانيل فلا يكترث للقواعد،ولا يَعوج بالأصول،ولايحفل بالمنطق، ولايأبه للخلق،ثم يرغي بالبذاء، ويُزبد بالهراء،ويطفح باللغو، وكان الأدب الطاغي مثلك يانيل عذب الشمائل سهل الشريعة،فروي الناس من نبعه،وبردت أكبادهم على نداه،ثم انتكس المجتمع وانقلبت الأوضاع وفسدت المقاييس، واستفاضت الدعوى ،وتبجح الغرور،واستبهم الأمر،فرأى سلاطة اللسان أجدى عليه من براعة الذهن والتواء الفكر أنفع له من سلامة القياس،ولؤم الوقيعة أشد لسلطانه من كرم النفس، وشهوة الجدل أقرب إلى قلبه من حب الحقيقة. وفي العهود التي تسطو فيهااليد،ويستخذي القانون، يسلط فيها اللسان ويستكين المنطق! ثم يكن لمثل هذا الطغيان تكرُّم الأدباء على مقام المسافهة، ضناً بأخلاقهم على الغمز،وفي التاريخ السياسي والأدبي يانيل أمثال واشباه! ولكنها تنحسر كلها عن جوهر الحق ومحض الخير ولباب الجمال، كما تنحسر أنت عن هذه السواحل والجزر والقرى بحكم الطبيعة ومشيئة الله“.
ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 345 ):
„إذا رأيت المهاترات الصحفية تنزل إلى الحضيض في السباب والشتائم والفضائح ورأيت إقبال الجمهور عليها كثيراً وأنها تقابل بالترحيب فاحكم على ذوق الأمة الأدبي بالضعف كما تحكم على الأسرة التي يتساب أطفالها بكل ألفاظ الهجر على مسمع من آبائهم بالانحطاط،لأن الذوق الراقي لا يحب الهجاء الصريح ولا الهجاء العنيف،إنما أقصى ما يسمح باللمحة الدالة والإشارة المفهمة.
كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمسائل الجنسية أكثر مما تعنى بالناحية الثقافية،وبالصور الخليعة أكثر مما تعنى بالصور الرفيعة دل هذا على انحطاط الذوق الأدبي للجمهور،لأن هناك في الحياة أموراً أكثر من نظرة الرجل إلى المرأة أو المرأة إلى الرجل“.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقال له بعنوان:كلمة في الأدب:
„نعم ، أنا أقدّر الأدب،ولكن هل تريدون مني أن أقدّر شعر بودلير وقصص أندريه جيد،وأن أقدّر بيرون الذي بدأ بالحب قبل أن يتعلم أحرف الهجاء،ففسق وهو في السابعة وأحبّ الغلمان الحسان الأماليد،ثم انتهى به الأمر أن أحب أخته،أخته ياسادة،حباً أثمر حَبَلاً؟! أتريدون أن أغتفر له هذا كله وأن أصفق له وأعدّه مع العباقرة الخالدين،لأنه استطاع أن يصف هذه الأعمال بكلام بليغ؟
إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليَّ أن طلقت الأدب طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه،وسامحكم الله بالسنين الأربعين التي أنفقتها في تحصيله وفي صنعه.
لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إن كان لا يجىء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف،وعلى كل أديب يُفسد عليَّ ديني ويَذهب بعرضي ويحقّر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً.وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام،الدينَ الذي فسد والعرضَ الذي ذهب والمقدسات التي مُرّغت بالوحل والتراب“.
ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 93):
„قرأت لتسع سنوات خلت قصة فولتير التمثيلية(محمد)،فخجلت أن يكون كاتبها معدوداً من أصحاب الفكر الحر.فقد سبّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم سباً قبيحاً عجبت له.وما أدركت له علة،لكن عجبي لم يطل،فقد رأيته يهديها إلى بنوا الرابع عشر(بابا النصارى) بهذه العبارات:“فلتستغفرقداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجاباً بالفضيلة،إذا تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة الحقيقة ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية.وإلى من غير وكيل رب السلام،والحقيقة أستطيع أن أتوجه بنقدي قسوة نبي كاذب وأغلاطه؟فلتأذن لي قداستك في أن أضع عند قدميك الكتاب ومؤلف،وأن أجرؤ على سؤالك الحماية والبركة.وإني مع الإجلال العميق أجثو وأقبل قدميك القدسيتين“[فولتير 17 أغسطس 1745).
وعلمت في ذلك الحين أن جاك روسو كان يتناول بالنقد أعمال فولتير التمثيلية،فاطلعت على ما قال في قصة(محمد)علني أجد ما يرد الحق إلى نصابه،فلم أر هذا المفكر الحر أيضاً يدفع عن النبي ما ألصق به كذباً،وكأن الأمر لا يعنيه،وكأن ما قيل في النبي لا غبار عليه ولا حرج فيه،ولم يتعرض للقصة إلا لامن حيث هي أدب وفن.ولقد قرأت بعد ذلك رد البابا بنوا على فولتير،فألفيته رداً رقيقاً كيساً لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين،وكله حديث في الأدب.فعظم عجبي لأمر فولتير،وسألت نفسي طويلاً:أيستطيع عقل مثقف كعقل هذا الكاتب العظيم أن يعتقد ما يقول.دين تبعه آلاف الملايين من البشر على مدى الأجيال،هو في نظره حقاً دين كاذب؟ومبادىء إنسانية كالتي جاء بها الإسلام،هي عنده حقاً مبادىء بربرية؟أم أنه التملق والزلفى والنفاق.وإن الزمن والتاريخ يضعان أحياناً أقنعة زائفة على نفوس تزعم أنها خلقت للدفاع عن حرية الفكر…
منذ ذلك اليوم وأنا أحس كأني فجعت في شىء عزيز لدي:الإيمان بنزاهة الفكر الحر.ولقد كنت أحياناً ألتمس الأعذار لفولتير،وأزعم أنه قال ما قال لا عن مجاملة أو ملق،بل عن عقيدة وحسن طوية استناداً على علم خاطىء بأخبار النبي،ولكن كتابه إلى البابا كان يتهمه اتهاماً صارخاًنويدع مجااً للشك في دخية أمره.إني قرأت لفولتير كتباً أخرى كانت تكشف عن آراء حرة حقيقة في مسائل الأديان،وتنم عن روح واسعة الآفاق تكره التعصب الذميم،فما باله عند عرض لذكر محمد والإسلام كتب شيئاً هو التعصب بعينه،تعصب لدينه ،ذهب فيه إلى حد السجود وتقبيل الأقدام، لا لربّ العزة والخلق،بل لبشر هو رئيس الكنيسة التي ما أرى فولتير كان في ذات يوم من خدامها المخلصين.هي الأطماع التي كانت تدفع فولتير إلى التمسح بأعتاب الملوك والبابوات،ولقد يقدم ثمناً لذلك أفكاره الحرة أحياناً.منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم،ولن أبرئه أبداً،ولن أعده أبداً من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده وللفكر.وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم،فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلماً وزوراً“.
ويقول الأستاذ احمد حسن الزيات رحمه الله “ تحت عنوان „أدب السندوتش(مجلة الرسالة العدد 206 بتاريخ 14 حزيران عام 1937):
لعلك تقول لنفسك سائلاً أو هازلاً ما علاقة الأدب بالسندوتش؟ولو كنت أريد الأدب الذي تعارفه أو الجد من الناس لأعيا نفسك وأعياني أن ندلك على هذه العلاقة.ولكنني أريد الأدب الذي تتأدبّه ناشئة اليوم،والسندوتش أو الشطيرتان بينهما الكامخ كما يريدون أن نقول، لقيمات تشتريها وأنت واقف في المطعم، وتأكلها وأنت ماش في الطريق،وتهضمها وأنت قاعد في المكتب،فلا تجد لها بين ذهول العجلة وتفكير العمل هناءة في ذوقك ولامراءة في جوفك.وهذا الضرب من الطعام القائم على القطف والخطف جنى على الأسرة فحرمها لذة المؤاكلة ومتعة المنادمة وأنس العشرة،وجنى على المائدة فسلبها فنها الطاهي وذوقها المنظم وجلستها البهيجة،وجنى على الصحة فأضعف الشهوة وأفسد الهضم ونقص العافية.والثقافة الأدبية اليوم لاتختلف في سرعتها وتفاهتها وفسادها عن هذا النوع الجديد من الأكل،فهي نتفات من الكتب،ولقفات من الصحف، وخطفات من الأحاديث، ومطالعات في القهوة أو في الترام أو في السرير يلقط الكلم فيها النظر الخاطف،كما يلقط الحب الطائر الفزع،ثم نتاج مختصر معتسر كجنين الحامل أسقطته قبل التمام،وصراخ مزعج في أذني هذا السقط ليستهل وهو مضغة من اللحم المسيخ لا تشعر ولاتنبض، وأصبح مآل غرفة المكتب في البيت كمآل غرفة الطعام وقاعة الجلوس فيه،بغى عليها سندوتش الصحيفة كما بغى على هاتين سندوتش البار والقهوة.
ويتابع رحمه الله:
„يقول أنصار السندوتش في الحياة:إن المائدة لاتتفق مع الزمن الدافق والعمل المتصل والتطور المستمر والحركة السريعة،فإن في طول الجلوس إليها،وقواعد الأكل عليها،وتعدد الألوان فيها،واحتفال الأسرة لها،إضاعة للمال والوقت،وقتلاً للنشاط والحركة،وجلباً للسقام والمرض.
ويقول أنصار السندوتش في الأدب:إن قواعد اللغة قيود لاتوافق حرية العصر،وأساليب البلاغة عوائق لاتجاري قراءة السرعة،وبدائع الفن شواغل لاتساعد وفرة الإنتاج.
والحق الصريح أن آكلي السندوتش أعجلتهم محاقر العمل ومشاغل الرزق عن النعيم الآمن، والجمام الخصب، والبيت المطمئن، فجعلوا صعلكة المطاعم نظاماً وفلسفة،وأن قارئي السندوتش صرفتهم وعوثة الطريق وتكاليف الغاية عن اكتساب الملكة، وتحصيل الأداة وتوفير المعرفة،فقنعوا بهذا الفتات المتخلف ثم تجشئوا من غير شبع،وتشدقوا من غير علم ،وطلبوا محوا القيود والحدود والمقاييس ليصبح الأدب كوناً عاماً والفن حمى مباحاً،فيسموا راوي الأقاويل قصصياً ووزان التفاعيل شاعرا،ونهاش الأعراض ناقداً،وسلاب القرائح نابغة،ولكن الطبيعة التي تحفظ سر الكمال،وتحمي ندرة البلوغ، وتبغي بقاء الأصلح، تأبى إلا أن يظل قراء السندوتش وآكلو السندوتش فقراء ذوي عمل، أو أغنياء ذوي لهو،لاتهيئهم الحياة المضطربة إلى زعامة في أمر ولا إلى نبوغ في فكرة.
ويتابع رحمه الله:
„إن رسالة الأدباء كرسالة الأنبياء فيها عبقرية وجلالة وسمو.فإذا لم يكن الكاتب أو الشاعر خليقاً أن يسيطر على العقول والميول بمكانه في العلم وسلطانه في الأدب ورجحانه في الرأي كان أشبه بمن يدعي النبوة في مكة،أو بمن يمارس الشعوذة في لندن“.
ويُعّقب الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد على كلام الأستاذ الزيات(الرسالة العدد 209):
„أدب السندوتش هو أدب الفاقة والعجلة،وأدب المائدة هو أدب اليسار والوقار، كما سماهما الكاتب البليغ الأستاذ الزيات وأصاب في التسمية.لأنها تسمية وتوصيف وتعليل في وقت واحد.
وفي العالم كله نوازع شتى تنزع بالناس إلى الأدب الرخيص أو أدب السندوتش أو أدب الفاقة والعجلة.
وفي البلاد الفاشية يتحكم المستبدون في أذواق الكتاب والشعراء فلا يذعن لعسفهم واستبدادهم إلا طائفة من المرتزقة المتزلفين الذين لايقدرون على الأدب القيم،ولو أبيح لهم أن يطرقوه ويتوسعوا فيه، فهم أحرى أن يعجزوا عنه وهم مكبوحون مسوقون بالرهبة والإغراء“.
ويقول العقاد في مقال آخر(الرسالة العدد 211):
„شر الآداب هو أدب الموافقة والمجاراة،لكننا نخطئ إذا حسبنا الحكومات الغاشمة علّة هذا الأدب دون سائر العلل التي تفرضه على الكتاب والقراء.
فالأدب التجاري أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه حكومة ولم يطلبه حاكم غاشم.لأن الذي يكتب للرواج يكتب ما يوافق الأذواق ويجاري الأهواء ولايكتب ما ينبعث من سليقة حرة وقريحة شاعرة،والذنب في ذلك على الأخلاق لا على القوانين.
والأدب الضعيف أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه ولم يطلبه حاكم غاشم، لأن النفس الضعيفة لن تهتدي إلى القوة ولو أخلى لها الحاكم طريقها.فهي توافق وتجاري عجزاً عن الخلاف والانفراد،لا خوفاً من التفكير المطلق والقول الصريح.
والأدب الجامد أدب موافقة ومجاراة،لأنه ينافر الحركة ويوافق السكون والركود.
والأدب الذليل أدب موافقة ومجاراة،لأن الذليل لايحسن غير التمليق والازدلاف،ولن يكون الملق إلا بالموافقة ولو كانت غير مأجورة،وبالمجاراة ولو كانت غير مشكورة.
وما من عيب تعيله على أدب من الآداب إلا انتهى في قراره إلى أن يكون ضرباً من الموافقة ونقصاً في الحرية والإبداع،فالموافقة لاجديد فيها ولا حاجة إليها ولادوام لها،وإنما تولع النفوس بالأدب لأنها متغيرة وليست براكدة، ولانها متطلعة وليست بعمياء، وكيف يتفق التغير والمطابقة؟وكيف يتمشى التطلع والاستقرار؟“.
ومن بعض أشكال الأدب المجاري والمنافق مايكون من خلال بعض الكتاب والفنانين والصحفيين حيث يسمح لهم الحاكم باستعمال بعض الرموز من كتابة أو قصة أو فيلم أو مسرحية أو مسلسل.. ويتخلل بعض ذلك من استعمال النكت والسخرية من أجواء السلطة والمتحكّمين ـ وبدون طبعاً التصريح أو التلميح برأس السلطة ـ ويكون ذلك بقدرٍ معيّن ومساحة محدودة وتعابير مضبوطة.
إنهم يدعون للمستبد القاهر ويثنون عليه، على الرغم من أنه أحمق مأفون بليد الطبع، يستحق الصفع ولكنه لايجد اليد الغليظة التي تصفعه،وهم يعلمون أن هذا المستبد المتسلط لايحب الوعاظ ولا يألف العلماء والحكماء، ولكنه يحب المهرجين والمسخاء ويألف المتزلفين المداهنين ،وقرّب منه الثرثارين الأفاكين.
يقول العقاد في مقال له(الرسالة العدد288):
„إن النكتة تلطف وطأة الظلم وتوهم المظلوم أنه ينتقم لنفسه بعض الانتقام فتهوّن عليه الشدائد وتروضه على الصبروالانتظار،فهي من ثم معين للحكام على المحكومين.
إلا أن النكتة قذ تزري بالمهابة وتعصف بالرهبة وتجعل الحاكم المخيف أضحوكة في الأفواه ومهزلة للسامرين ،فهي من ثم مضعف لسلطانه ومجرئ على مقامه ومحرض على الثورة والانتفاض.
هي بلسم للمظلومين فهي مقبولة.وهي سلاح للمظلومين فهي مرهوبة.
فماذا يحسن بالحاكم المستبد أن يصنع مع هؤلاء المازحين؟
ليس لهذا السؤال جواب فاصل فيما أحسب،ولكني أقرر الحقيقة إذا قلت إن المحكومين لايحاربون الظلم بالفكاهات والنكات إلا إذا كان للصبر بقية،وفي قوس الاحتمال منزع كما يقولون ،وإن الحاكمين لايتسمحون في قبول الفكاهات والنكات إلا إذا كان للقوة بقية وللثقة بدوام السلطان مجال فسيح.
أما إذا ضاقت الصدور ونفذت الحيل فالمحكومون لا يعتصمون بالفكاهة والتنكيت بل يغضبون ويثورون.
وكذلك إذا ضاعت ثقة الحاكم بدوام سلطانه لم يصبر على السخرية والمزاح،وعالج الحجر عليها عسى أن يستعيد شيئاً من المهابة والامتناع“.
وأحد أشكال الأدب في عهود الفاسدين المفسدين،والإباحيين الظلاميين ما يسمى“ أدب اللذة„، ولنترك الكاتب الكبير أحمد حسن الزيات يحدثنا عنه(الرسالة العدد 882 بتاريخ 29 أيار عام 1950):
„والمراد بأدب اللذة هو الأدب الذي يلذ ولايفيد،ويسوغ ولايغذي، ويشغل ولاينبه،كالذي تقرأه في أغلب الصحف وفي بعض الكتب من غرائب الأخبار، وطرائف النوادر، وتوافه المعارف،مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه،فإذا فرغت من قراءته وصحوت من خدره، لا تجد له أثراً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك“.
ومن أحد أشكال أدب العبيد مايسمى أيضاً „أدب المجون“،يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 883 بتاريخ الخامس من حزيران عام 1950:“
„أدب المجون يختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه، وفي الدواهي التي تنجم عنه.فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن، أو سطحية الفكر،أو سآمة الجد،وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال، وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون في الجوهر، ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يذكر.
ولكن دواعي أدب المجون تنفيس عن رغبة مكظومة، أو التعبير عن عاطفة جائشة،والتحرر من التزامات مقيدة،وهي خواص في طبع الإنسان،تلزم لزوم البكاء والضحك له،وتدوم دوام الجد والهزل فيه.وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ،ولا بين نظام وفوضى،ولابين إنسان وحيوان.
أدب المجون إذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.وذلك أن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة،والعفة والفجور،والاحتشام والتبسط، والتصون والتبذل، والأدب صورة لهذه المتناقضات جميعاً.فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل مايجول في نفسه أو يقع تحت حسه، وكلما كان هذا التعبير صادقاً كان أدخل في باب الفن،وأوغل في طريق الكمال.من أجل ذلك كان أدب المجون ثابت الوجود في أدب العالم كله.وهو في الأدب العربي عريق الأصل، ظهر منذ قال العرب الشعر ورووا منه لامية امرئ القيس،ودالية النابغة،ورائية بشار،وغزوات ابن أبي ربيعة،وفواحش أبي نواس،ومنتديات ابن الياس،ومخازي ابن سكرة،وأحماض ابن حجاج.وظل الأدباء في كل زمان ومكان ينظمون المجون وينثرونه“.
ويتابع الأستاذ الزيات(الرسالة العدد884):“هتك بشار في بعض شعره ستر الحشمة فنقم الناس منه ذلك وتمنوا موته صوناً للعذارى وغيره من المخدرات.وقال مالك بن دينار:“ماشيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الاعمى الملحد“وانتهى المجون ببشار إلى أن أمر به الخليفة المهدي فضرب بالسوط حتى هلك.واستهتر أبو نواس في الغزل واسترسل في الفجور حتى حبسه الخليفة الأمين، ولم يكاد يخرج من ظلام الحبس، حتى دخل في ظلام الرمس“.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال بعنون“الأدب الحرام“: نشره في مجلة الرسالة العدد 1111 بتاريخ 29 نيسان عام 1965م:
„الأدب عطر النفس الزكية وشعاع الروح اللطيف،ينفح الحس فيزكيه،ويضىء العقل فيهديه،وهو الجزء الروحي من كل نفس،والقبس الإلهي في كل قلب،والخصيصة الإنسانية التي تميز بها آدم من كل حي.بلغت رسالات الله إلى خلقه بلسانه،وانجلت عمايات النفوس بنوره،وهدهدت آلام الخليقة بأنغامه،ورسمت المثل العليا للناس بوساوس أحلامه:
ولولا خِلال سنّها الشعر ما درى بناة المعالي كيف تُبنى المكارم
على أن هذه الملكة اللطيفة قد تنحرف باختلال العقل أو انحلال الخلق فتصبح فناً لا أدباً،وهوىً لا عقلاً وغريزةً لا خُلقاً،وصناعةً لا طبيعة.وحينئذ تنزل إلى دنيا الواقع،فتصور المباذل بريشة الفنان،وتصف الرذائل بقلم الأديب.
هذا الانحراف الأدبي قد فشا في أوربا بعد الحربين العالميتين فنشأ عنه نوعان من الأدب أحدهما أدب اللذة وأمره يسير،والآخر أدب المجون وأثره خطير.
فأما أدب اللذة :فهو أدب يلذ ولا يفيد،ويسوغ ولا يغذى،ويشغل ولا ينبه،كالذي تقرأه في أكثر الصحف وبعض القصص مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه فإذا فرغت من قراءته لا تجد له رجعاً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك…
طغى هذا الأدب على الأقلام في أوربا بعد الحرب فهزم الكتاب النافع،وطرد البحث المفيد،فثارت ثائرة أقطاب الكتابة وأنحو بالنكر على معالجيه ومروجيه،وحاولوا أن يفتحوا أعين الناس على أخطاره بما نشروا وأذاعوا،ولكن العلة كانت أفدح مما ظنوا،فإن الأعصاب التي أوهنتها الحرب بفظائعها وفواجعها وتوابعها لم تعد قادرة على معاناة الجد واحتمال التقصي،فرجعوا يتحاورون ويتشاورون ويطلب بعضهم إلى بعض أن يدسوا الفائدة في اللذة،ويمزجوا المرارة بالحلاوة تهويناً على الأعصاب المنهكة وتسكيناً للنفوس القلقة.
ذلك هناك.أما هنا فالأمر مختلف:لا أعصابنا موهونة من حرب ولا نفوسنا قلقة من ضيق.إنما هي الثقافة الضحلة والأمية الفاشية والتربية المهملة والصبر الفارغ والطبع السئوم والوقت المضيع،والحياة الهازلة.
خير ما في المدرسة الألعاب،وخير ما في المجلس النكت،وخير ما في الكتاب الأفاكيه،وخير ما في الصحيفة الصور،وخير ما في النزهة التهريج!
وأما أدب المجون أو الفحش:فيختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه،وفي الدواهي التي تنجم عنه.
فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن أو سطحية الفكر أو سآمة الجد.وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال،وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون على الجوهر،ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يُذكر.
ولكن دواعي أدب المجون التنفيس عن رغبة مكظومة أو التعبير عن عاطفة جائشة والتحرر من التزامات مقيدة.وهي خواص في طبع الإنسان تلزم لزوم البكاء والضحك،وتدوم دوام الهزل والجد،وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ولا بين نظام وفوضى ولا بين إنسان وحيوان.
أدب المجون اذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.ذلك لأن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة والعفة والفجور والاحتشام والتبسط والتصون والتبذل.والأدب المطلق صورة لهذه المتناقضات جميعاً فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل ما يجول في نفسه أو يقع تحت حسه“.
ومن بعض أشكال عبيد القلم أتباع الطغاة وعبيد الهوى مايسمى „أدب الانحلال“ ولنترك الشهيد سيد قطب رحمه الله يحدّثنا عنه في مقالة له تحت عنوان „أدب الانحلال“(الرسالة العدد999 بتاريخ 25 أب عام 1952):
„أدب الانحلال هو في الغالب أدب العبيد،عبيد الطغيان أو عبيد الشهوات حين تستذل النفس البشرية لطاغية من طغاة الارض، أو لشهوة من شهوات الجسد،فإنها تعجز عن التحليق في جو الحرية الطليق، وتلصق بتراب الارض، وترتكس في وحل المستنقع، مستنقع الشهوات أو مستنقع العبودية سواء،فأدب الإنحلال على هذا هو أدب العبودية، وهو لايروج إلا حين تفرغ الشعوب من الرغبة أو من القدرة على الكفاح في سبيل مثلٍ أعلى،مثل أرفع من شهوة الجسد، وأعلى من تملق الطغيان،لتحقيق مطمع صغير أو مطمع حقير،أي عندما تصبح الدنيا سيجارة وكأساً أو تصبح الحظوة عند الطغاة أمنية المتمني في دنيا الناس“.
عندئذ يظهر في الأمة كتاب، ويظهر في الأمة شعراء،ويظهر في الأمة فنانون…يلبون هذا الفراغ من المثل العليا، ويمثلون هذا الرتكاس في حمأة الشهوة أو حمأة العبودية، وعندئذ يستمع إلى هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين، لأنهم يصورون مشاعرهم، ويصورون أحلامهم، ويزينون لهم الراحة من الكفاحن والاطمئنان إلى الدعة،والإخلاد إلى حياة الفراغ والترهل والانحلال.
إن هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين ليقومون حيئذ بمهمة تخدير الشعوب وتنويمها.سواء سبحوا بحمد الطغاة، أو سبحوا بحمد الشهوات. فأما حين يسبحون بحمد الطغاة فهم يزيفون الواقع عن الشعوب، ويخفون عنها شناعة الطغيان وقبحه،ويصدونها عن الثورة عليه أو الوقوف في وجههز وأما حين يسبحون بحمد الشهوات، فهم يخدرون مشاعر الشعوب،ويستنفدون طاقتها في الرجس والدنس،ويدغدغون غرائزها فتظل مشغولة بهذه الدغدغة،لا تفكر في شأن عام،ولاتحس بظلم واقع،ولاتنتفض في وجه طاغية لتناديه:مكانك. فنحن هنا!فالشعب المستغرق في ذلك الخدر اللذيذ ليس هنا،وليس كذلك هناك!
والتاريخ يشهد أن الطغيان يميل دائماً لهذا الصنف من الكتاب والشعراء والفنانين،ويهيء لهم الوسائل،ويخلق لهم الجو الذي يسمح لهم بالعمل. جو الفراغ والترف والانحلال.
عندما أراد الأمويون أن يأمنوا أهل الحجاز، وأن يستبدوا دونهم بالملك،وأن ينحوهم عن الحياة العامة،غمروا سادتهم وأشرافهم بالمال والإقطاعيات والهبات،وجلبوا إليهم المغنين،والملهين والجواري وزينوالهم حياة الدعة والترف. وأطلقوا عليهم الشعراء يمدحون الملوك الطغاة ويسبحون بحمدهم،ويصوغون حولهم الهالات.
والتاريخ يعيد نفسه.وهكذا كان في حاضر الأوان.كان في مصر طاغية صغير، كان يعبد ذاته،ويقدس شهواته.وكان يريد أن يحول هذا الشعب إلى عشرين مليوناً من العبيد.
عندئذ انطلق كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الطاغية الصغير، ويسجدون له من دون الله. ويخلعون عليه من صفات الله. سبحانه! مالا يجرؤ مسلم أو مسيحي على النطق به. حياء من الله.
وحينئذ انطلق كذلك كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الشهوة، ويعبدون اللذة. وعندئذ استمع الناس إلى أغنيات تقول:“الدنيا سيجارة وكأس“، و“انسى الدنيا“ وما إلى ذلك من أدناس وأرجاس.
إن التسبيح بحمد الطاغية، والتسبيح بحمد الشهوة، لم يكونا منفصلين، ولا غريباً أحدهما عن الآخر..لقد كانت فترة انحلال. وأدب انحلال. إنها العبودية ذات طبيعة واحدة. عبودية الشهوة أو عبودية الطغيان.
فإذا نحن أردنا أن نكافح أدب الانحلال فيجب أن نكافح أولاً أسبابه في حياة الأفراد أو حياة الشعوب.يجب أن نكافح روح العبودية في الضمير الإنساني. نكافح عبودية الشهوة فنحرر الضمير البشري من الخضوع لها. فالإنسان إنما صارإنساناً بتعاليه على ضرورات الحيوان.والتربية الدينية هي الطريق الأنجع والأقرب إلى تقوية روح الإنسان،وتساميه على ضرورات الحيوان.ونكافح عبودية الطغيان. فالطغيان يحمل معه دائماً تشجيع الانحلال والدعة والترهل.كي يبقى هو في أمان من انتفاض الكرامة وانبثاق الحرية، والانتقاض على العسف والطغيان.
لقد عاد الذين كانوا يسبحون بحمد الطاغية الصغير،ويملون له في البغي والعدوان،ويمجدون اسمه ويخلعون عليه من صفات الله الواحد القهار…عاد هؤلاء هم بأنفسهم يلعنون الطاغية ويطلقون ألسنتهم فيه، ويمزقون عنه أردية المجد الزائفة التي ألبسوها إياه.
هذا نفسه لون من ألوان الانحلال.وصورة أخرى لأدب الانحلال.هؤلاء لم يخرجوا في الأولى أو الثانية عن أن يكونوا عبيداً منحلين. عبيداً يحنون ظهورهم لسوط السيد يلهب به جلودهم. فلما أن سقط السوط من يده ـ رغم أنفه ـ التقطه العبيد وادروا به يبحثون لهم عن سيد جديد! سيد يلهب جلودهم بالسوط، ليحرقوا له البخور، وينثروا من حوله الزهور“.
ومن وسائل النظم الاستبدادية والطاغية أنها تدفع بعض المنتفعين ممن يسمون حملة „الأقلام الحرة“وما هم بأحرار وماهم بكتاب،وإنما يتصدون لبعض المواضيع الدينية والخلقية والتي تعتبر من الأصول المتعارف عليها ولا ينتطح فيها عنزان،ويأتي هؤلاء مدفوعون بالشهرة وكسب المنصب واسترضاء الحاكم ليدلوا بدلائهم ويشهروا اقلامهم ويثيروا المجتمع عليهم من أجل الربح السفيه والمنصب السخيف،عرفنا هذا يوم كتب طه حسين كتابه „في الشعر الجاهلي“ والذي أقام عليه الأدب والدين في مصر حتى أن علماء الأزهر كفروه إن لم يتراجع عن أرائه،والتي أخذها واستقاها من المستشرقين الحاقدين على الإسلام والدين،وهناك في عصرنا الحاضر وفي كل العصور الكثيثر من أمثال هؤلاء الذين يبيعون ضميرهم وقلمهم من أجل حفنة من الدولارات!وهؤلاء لايلقون الدعم المادي والمعنوي من هؤلاء الحكام الطغاة بل قد يلقونه أيضاً من بعض المؤسسات الدولية والعالمية والتي لاتريد للإسلام الخير.
يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب في أمثال هؤلاء المندسين من الكتاب بمناسبة أحد الكتاب في ذلك الوقت:(الرسالة العدد702)
„وجدت أنه من المهانة للفكر أن أنزلق فأكتب عن كتاب تافه مريب مسروق ،يسلك صاحبه هذا الاسلوب في الاحتيال لبعث الاهتمام به،وإثارة الضجة حوله،كما أنه يثبت على غلافه شهادة من نفسه لنفسه،هذه الجملة المتبجحة:(سيقول مؤرخو الفكر:إنهبهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل)!
إن هذا الكاتب(المندس) يتهم العقلية الإسلامية بأن هذه هي أهم مشكلاتها وعقائدها دائماً أبداً ليصل من هذا الطريق الملتوي إلى تحقير هذه العقلية في جميع الأزمان،وإلى إيثار العقلية الأوربية لأنها خلعت ربقة الدين،وربقة الخلق،وربقة التطلع غلى الله،وانطلقت تهدف إلى الارض وحدها،ولا تعلق نظرها مرة واحدة بالسماء،لأن التطلع إلى الله كفيل بإفساد الحياة.
ويتابع رحمه الله:“وفي ثنايا هذا الذي يبدو تحرراً فكرياً في ظاهره،يخدع المخدوعين ممن يحسون التحرر الفكري مجرد التحلل من الأديان والأخلاق على أي وضع من الاوضاع،في ثنايا هذا يدس ما لعل الكتاب كله الف لأجله:يدس الإيحاء للشرق العربي المسلم بأن لا حق له في كراهية الاستعمار والمستعمرين،لأنهم ورثة الأرض الذين يستحقون كنوزها وخيراتها،لأنهم يتطلعون إلى الأرض وأسبابها، ولا يعلقون أنظارهم بالله ولا بالسماء“.
يقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 193):
„قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة،فأصبح كل من يكتب ينشر له،وكل من ينشر له يعد نفسه أديبا،وكل من عدّ نفسه أديباً جاز له أن يكون صاحب مذهب وأن يقول في مذهبه ويرد على مذهب غيره.
فعندنا اليوم كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء كما تدور أسماء المستعمرات بين السياسيين المتنازعين عليها،يتعلق بها الطمع وتنبعث لها الفتنة وتكون فيها الخصومة والعداوةنمنها قولهم:أدب الشيوخ وأدب الشباب،ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب،وادب الألفاظ وأدب الحياة،والجمود والتحول،والقديم والجديد.ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذه المذاهب؟
وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه،والشافعي ولكن بغير اجتهاد،ومالك ولكن بغير رواية،وابن حنبل ولكن بغير حديث.أسماء بينها وبين العمل أنها كذب عليه وأنه رد عليها.
ويتابع رحمه الله:“هذا فلان شاعر قد أحاط بالشعر عربيه وغربيه وهو ينظمه ويفتن في أغراضه ويولد ويسرق وينسخ ويمسخ،وهو عند نفسه الشاعر الذي فقدته كل أمة من تاريخها،ووقع في تاريخ العربية وحدها ابتلاء ومحنة،وهو ككل هؤلاء،المغرورين يحسبون أنهم لو كانوا في لغات غير العربية لظهروا نجوما،ولكن العربية جعلت كلا منهم حصاة بين الحصى.فإذا هو شعر تتوهم من قراءته تقطيع ثيابك،إذ تجاذب نفسك لتفر منه فراراً.
وهذا فلان الكاتب الذي والذي…والذي يرتفع إلى اقصى السموات على جناحي ذبابة.
وهذا فرعون الأدب الذي يقول:أنا ربكم الأعلى.وهذا فلان وهذا فلان“.
ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة المنار العدد449):
„لسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدقون به.فكل فاسق وكل ملحد وكل مقلد أحد هذين وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث هو مجدد إذا جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط بين أصوله وفروعه على أن لايستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً،أو يعيب فضيلة،أو يغض من دين،أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة،أو يحقر معنى من هذه المعاني التي ينظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا.وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوربية ثم لا تكون ذا دين أو لايكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضرب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرك منه إلا في أولادك المساكين،ثم لا حاجة للجديد بإلحادك أو زيغك إلا إذا طبعت بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي،وأفسدت الخالص بالممزوج،وحقرت الناس والمعاني وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا صدرت أو وردت فتقول على قدر عقلك ثم تفعل على قدر زيغك.ثم تزيغ على قدر ما أنت قادر.
أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس ثم كنت لاتستخرج من التاريخ والأدب إلا مايزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائهما الصحيحة ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوربية فالويل لك.فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو قدسك المسلمون تقديس الكعبة وحجرها،وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن خمسة أو ستة أو خمسين أو ستين هم العصر وهم الامة وهم من التاريخ المترامي إلى المستقبل كالقطار فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على أجناسها وأنواعها،ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم.ولكن الخمسة أو الستة وحدهم عربة الىلات والبخار وفحم نيو كاستل“.
وكما ذكرنا فإن وسائل الإعلام المُضلّلة تقف وراء هؤلاء الكتاب وتساعدهم في نشر أفكارهم المُخربة،وآرائهم المُدمرة،وتمنع الأقلام الحرّة الأبيّة من الرد عليها والنيل منها،وعلتهم في ذلك „حرية الفكر“ كما يقولون،وهي في قاموسهم أن تشتم الأعراض والدين والأخلاق وكل ما تعارف عليه البشر من خير ومعروف،ولكن الحذار الحذار أن تتعرض للطاغوت وأعوانه،لإانت عندها قد لمست“الجاه“المبرئة من كل عيب!!
يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 661):
„لست أدعو في هذه الكلمة إلى سلب الكتّاب حرية الكتابة،ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التدوين والتخلق بكريم الأخلاق.وإن لكل حرية حدوداً،لا ينبغي لها أن تعدوها وإلا كانت حرية المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون.أنت حر في دارك ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتوناً للفحم ولا ماخوراً للفجور،ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود.وأنت حر في نفسك ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة،ولا تقد أن تلقي الصحون وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد،أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمام،أو أن تصرخ في المستشفى أو تغني في المأتم.وأنت حر في قلمك،ولكنك لا تملك أن تدعو إلى هدم استقلال وطنك،والخروج على قوانين بلادك.إنهم يمنعونك ويسكتونك ويضربون إن فعلت على يدك.
فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله،وتهدم الأخلاق،وتخرج الناس على الدين،والأخلاق اساس الاستقلال والدين أولى من القانون؟وكيف صح ذلك المنع،وساغ،ولم يمس حرمة هذه الحرية،ولم ينل من قدسيتها،ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدواناً على حرية الكتابة،وإلحاداً فيها.
أو ليس من عمل الحكومة الذي كانت من أجله الحكومات أن تقرّ الأمن والسلام في الأمة،وتضمن لها العزّة والسيادة بين الأمم؟إنه لا يكون أمن أو تكون عزّة إلا بالخلق المتين وبالدين،فإن ذهبا لم يخلفهما شيء..وما القانون؟هو الشرطي..زفإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي،أو يناله العقاب،ركب في طريق الغواية رأسه فلم يردّه شيء،أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمه أن الله مطّلع عليه في سره وعلنه،وأما صاحب الخلق فربما رده خلقهنوعصمه الله به،فلماذا نهدم بايدينا هذين الحصنين،وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور.
أو من العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيّع عقائدهم؟وتحمي جسمهم من القتلة وتبيح قلوبهم؟وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملاً يسرقها ويعبث بها،كل صحفي مفسد،وشاعر ماجن،وكاتب خبيث؟
سيقولون:حرية الكتابة…
نعم إنها حرية ينبغي أن تصان وتضمن،ولا يعتدى عليها،ولا ينال منها،ولكن الدين والأخلاقنينبغي كذلك أن يصانا وأن يضمنا،وألا يعتدى عليهما ولا ينال منهما،فإن تعارض الأمران،فلنحمل أخف الضررين،ولنقبل بأهون الشرين،وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة(أحيانا) لنحفظ الدين والشرف،لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ(حرية الكتابة)ونقول لكل صاحب نِحلة ضالة،أو هوى خبيث،أو رأي هدّام:اكتب ما تريد واطبعه،وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا،ونصبه في عقولهم وننشئهم عليه!