الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الطغاة وحرية القلم (1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الطغاة وحرية القلم

كرّم الله عزّ وجل القلم فقال الله تعالى في كتابه العزيز:{ن والقلم ومايسطرون}[القلم1].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

„يقسم الله سبحانه وتعالى بنون،وبالقلم،والكتابة.والعلاقة واضحة بين الحرف“نون“ بوصفه أحد الحروف الأبجدية،وبين القلم والكتابة.

فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها،وتوجيه إليها في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق،وكانت الكتابة فيها مُتخلّفة ونادرة في الوقت الذي كان دورها المقدّر لها في علم الله يتطّلب نمو هذه المقدرة وانتشارها بينها،لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض،ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة،وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى،ومما يؤكد هذا أن يبدأ الوحي بقوله تعالى:{اقرأ باسمِ رَبِّكَ الذي خلق*خلقَ الإنسانَ من علق* اقرأ وربُّكَ الأكرم* الذي علَّمَ بالقلم*علَّمَ الإنسانَ مالم يعلم}[العلق1 ـ 5] ،وأن يكون هذا الخطاب موجهاً للنبي الأُميّ الذي قدّر الله أن يكون أُميّاً لحكمة معينة،ولكنه بدأ الوحي منوهاً بالقراءة وبالتعليم بالقلم“.

ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب(لاعلاقة له مع الصحفي محمد حسنين هيكل الرئيس السابق لجريدة الأهرام):

„وذلك بأن القلم هو الأداة لتصوير النفس الإنسانية في التماسها الحقّ والحرية والجمال والخير،والنفس الإنسانية التي تتلمس هذه النواحي المضيئة من حياة الكون هي دائماً نفس قوية لا تقف في وجهها حوائل القانون ولا العادة ولا الطبيعة نفسها،نفس تُحّلق فوق الإعتبارات جميعها لترى مكان الحق الذي تريد إيضاحه،أو الحرية التي تريد نشرها،أو الجمال الذي تعالج تصويره،أو الخير الذي تعمل لبثه وإذاعته، فإذا اهتدت إلى ما ابتغت،نفثت منه عن القلم مايسطره على الورق،وإن الذين يقرؤونه يرون فيه جانباً من جوانب أنفسهم كان محجوباً عنهم ضياؤه، ويرون أن هذا الضياء هو الذي يبعث لهم في الحياة نوراً يجعل الحياة أجمل وأسمى وأقوم وإذا هم ينصرون صاحب القلم إذ يتبعونه،فإذا لم يتبعوه حياً اتبعوه ميتاً“.

يقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:

„القلم بين أهله رحم يجب أن تبل ببلالها،وغير كثير على ذويها أن يتعارفوا وأن يتنازعوا أمرهم بينهم فيمحوا القطيعة بالوصال،وأن يردوا على هذه الحرفة التي يباشرها القلم هيبتها في القلوب وتأثيرها في النفوس ومكانتها بين الناس،وأن يثلموا بهذه الأدوات الضعيفة قوّة الأقوياء،ويُلينوا بها قسوة القساة،وأن يردّوا بها حجّة السيف داحضة والسيف مفلولاً، وأن يتساموا بهذه الطائفة من حملة الأقلام عن تدنيس نفسها بالمطامع وتسخير قواها للشهوات الدنية،فتتجافى عن الهزل في الزمن الجاد،وعن الإسفاف في حين احتياجنا إلى السمو،وعن التدّلي في عصر الترقّي،وعن الطمع في وقت أحد أسلحتنا فيه التعفّف عما تقدمه لنا يد العدو من مطاعم كلها مطاعن،ومشارب كلها إلى الموت مسارب،وملابس كلها محابس،وأفكار كلها للموبقات أوكار،وعلوم كلها في ديننا ومقوّماتنا كلوم“.

ويتابع رحمه الله:

„حملة الأقلام فينا كثير،ولكن المُصيب المُسدّد منهم قليل،وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي يحتاج القلم إلى فكر مسدّد،وإن أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأول:

فهذي سيوف ياعدي بن مالك           كثير ولكن أين بالسيف ضارب

وإنّ كثيراً ممن يحترف هذه الحرفة بيننا اليوم ممن يصدق عليهم قول الشاعر:

تبّاً لدهر قد أتى بعجابِ                    ومحا فنونَ الفضل والآدابِ

وأتى بكُتَّابٍ لو انبسطت يدي              فيهم رددتهم إلى الكُتّاب

وإن منهم لأدعياء يتقحمون عريناً نامت آساده،فكأنّ القائل عناهم:

لقيط في الكتابة يدّعيها                     كدعوى آل حرب في زياد

فدع عنك الكتابة لستَ منها               ولو لَطَّختَ ثوبك بالمداد

ويتابع رحمه الله:

„إن القلم ذو نسب عريق في دينكم وفي آدابكم،فأيّ دين من الاديان السماوية مجدّ القلم كما مجدّه الإسلام أو وضعه في منزلة مثل المنزلة التي وضعه فيها القرآن؟ فقد وضعه في منزلة لايرقى إليها المتطاول،ولا تنالها يدُ المتناول،نسبهُ الله إلى نفسه وجعله أحد الرواميز الأربعة إلى قوته وكمال قدرته وإحاطة علمه: العرش واللوح والكرسي والقلم، ثم زاده تشريفاً فأقسم به عزّ وجلّ فقال:{ن والقلم ومايسطرون} ولا يقسم الخالق العظيم إلا بمخلوق عظيم، وعظمة المخلوقات من عظمة آثاره في النفع والخير،ثم زاده رفعاً فجعله أداة تعليمه لخلقه:{علّم بالقلم* علّم الإنسان مالم يعلم}“.

نعم،إن أمانة القلم أمانة عالية غالية،وإن مايكتبه الإنسان ومايسطره قلمه له أو عليه،وإن القلم قد يفعل أحياناً مالا تفعله السيوف،وقد يكون تأثير السيف وقتياً آنياً ولكن ليس نادراً أن يكون تاثير القلم أبدياً سرمدياً،وقديماً قالوا:“صرير الأقلام أشدّ من صليل الحسام“.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد641):

„لقد كانت معركة(عين جالوت) مثلاً،أجلّ خطراً،وأعظم اثراً،وأبرك على الحضارة،وأجدى على الإنسانية،من موقعة(الحدث)،ولكنها لم تجد الشاعر المارد الجبار الذي ينهض بها،ويرفعها بيمينه يلوح بها في طريق التاريخ،ليراها الناس ابداً،أمّة بعد أمّة،وجيل عقب جيل ،كما صنع المتنبي بموقعة(الحدث) حين فتح لها في الشعر فتحاً ولا فتح سيف الدولة في بلاد الروم،وبنى لها في البلاغة صرحاً ولا ما بناه الحمداني(فأعلى والقنا يقرع القنا،وموج المنايا حوله متلاطم)،بنى هذا البيت وإنه لقلعة باقية،على حين قد خرب الدهر تلك القلعة،فكان من معجزات الشعر(وإن في الشعر لإعجازاً)أن خلّدت هذه الموقعة،وحلت وملأت الأسماع والأفواه والقلوب،ونسيت مواقع أعظم منها،ولولا قصيدة ابن الحسين ما عرفت طريق الخلود.

ولقد كان فتح عمورية عظيماً في الفتوح،ولكن فتح حبيب في بائيته أعظم منه.وإني لأكرم القراء أن أسيء بهم ظني فأرى بهم حاجة إلى سرد الأمثلة،وإقامة البينات،على أمر ما بهم جهله ولا نكرانه،فلولا الأدب ما خلدت المكرمات،ولا ذكرت البطولات.وربّ قصيدة تجيش بها نفس شاعر منكر مجهول،قد شغل الناس عنه سناء الأمير ورواه،أبقى على الدهر من هذا السناء وهذا الرواء.

ويتابع رحمه الله:“وفي كل يوم تنبت أقلام غضّة فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية فتجف وتموت.وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها اقلاماً متينة كأشجار السنديان طالما أظلت وبسقت فلا يبكي عليها أحد.وتزهر أقلام ثم تؤتي أكلها ثمراً ناضجاً حلواً نافعاً فلا يستبشر بها أحد،ويقولون بعد ذلك لماذا لا ينتج الأدباء؟

فيا أيها الحاكمون! اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء ليكسبوكم الخلود،وليفيضوا على أمجادكم الحياة،أما هم فلا يحتاجون إليكم،لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكاً وابطالاً،وينشئوا عالماًنويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا،إن تكن من الوهم،فربّ وهم فعل في نفس صاحبه من الحقيقة،وأثبت من الواقع“.

ولقد عرف العرب قيمة القلم والكتابة، فقالوا:“القلم أحد اللسانين“ وأشادوا بصاحب القلم المعّبر المؤثر الذي يستطيع ببلاغته، وحسن أسلوبه وجمال تصويره ,أن يعبّر عن ضمير الأمة وعن أحاسيس الشعب،يقول سهل بن هارون:“القلم لسان الضمير،إذا رعف أعلن أسراره،وأبان أثاره.

وقال ابن القريّة:“خط القلم يقرأ بكل مكان، وفي كل زمان، ويترجم لكل لسان، ولفظ الإنسان لايجاوز الآذان“.

وانظر إلى شعراء العرب قديماً وحديثاً يعبّرون عن هذا أجمل التعبير وبأصدق التصوير.

يقول ابن الرومي:

لَعمرُكَ ما السيفُ سيفُ الكميِّ          بأخوف من قلم الكاتبِ

لهُ شاهدٌ إن تأمّلتهُ                       ظهرت على سرهِ الغائبِ

أداة المنيّة في جانبيه                   فمن مثله رهبة الراهبِ

سنان المنيّة في جانب                  وحدّ المنيّة في جانبِ

ألم ترَ في صدره كالسِّنان             وفي الرِّدفِ كالمُرهفِ القاضبِ

وقال أبو الفتح البُستي:

إذا أقسمَ الأبطالُ يوماً بسيفهم         وعدّوهُ مما يُكسب المجدَ والكرم

كفى قلمُ الكُتّابِ مجداً ورفعةً          مدى الدهر أنّ الله أقسم بالقلم

وانظر إلى هذه الأبيات الجميلة لأبي تمام يمدح أحدهم:

لكَ القلمُ الأعلى الذي بِشَباته            تُصابُ من الأمر الكُلى والمفاصلُ

لعابُ الأفاعي القاتلات لُعابهُ           وأريُّ الجنى اشتارته أيد عواسل

(الشباة: الحد،أري الجنى:العسل،العواسل: مخرج العسل)

لهُ ريقةٌ طَلٌّ ولكن وقعها               بآثارهِ في الشرقِ والغربِ وابلُ

فصيحٌ إذا استنطقتهُ وهو راكبٌ      وأعجمُ غن خاطبتهُ وهو راجلُ

إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ    وأُفرغت عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ

أطاعتهُ أطرافُ القنا وتقوّضت        لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ

رأيتَ جليلاً شأنهُ وهو مرهفٌ        ضنىً، وسميناً خَطبهُ وهو ناحلُ

وأمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يقول:

سبحانكَ اللهم خير معلم               علّمتَ بالقلمِ القرونَ الأولى

أخرجتَ هذا العقلَ من ظلماته          وهدّيتهُ النورَ المبينَ سبيلا

أرسلتَ بالتوراةِ موسى مرشداً        وابنَ البتولِ فعلّمَ الإنجيلا

وفجّرتَ ينبوعَ البيانِ محمداً            فسقى الحديث وناول التنزيلا 

ولكي يستطيع القلم أن يعبّر عن أحاسيس النفس ومشاعرها،وجهادها من أجل الخير والحقّ والجمال فلابد أن يتاح له جوٌّ من الحرية، فحرية القلم والرأي هامة جداً من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل،وقد عرف الطغاة في كل عصر ومصر وقصر هذه الحقيقة فكان أول مالجأووا إليه هو تكميم الأفواه،والحجر على العقول والتضييق على أصحاب الرأي والقلم.

يقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص152):

„وحرية الرأي هي حارسة العدالة في الشعب،والسياج الذي يكف الحاكم أن يستبد بأمور الناس،ولاقيام لحكم الطاغية إلا على الاذهان الممسوخة والأفكار الراكدة البلهاء،والحجر على ذوي الرأي أن ينظروا إلى الأمور إلا من الزاوية التي يراها لهم الطاغية، وقد أدرك فرعون مصر قديماً تلك الحقيقة فأعلن إلغاء حرية الرأي بقوله:{ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[غافر29].أي انه اعتزم تعطيل ملكة الرأي فيهم، فلا يسمح أن يكون لهم رأي من الأمور غير مايرى هو فيها،وذلك من مسخ المواهب وتغيير خلق الله“.

ويقول الأستاذ الأديب محمد حسين هيكل „في كتابه ثورة الأدب“:

„أما أن يحارب البغاة القلم وحرية أربابه فلهم في ذلك كل العذر،فحرية القلم هي المظهر الأسمى لحرية الإنسان في أسمى صورها ومظاهرها،وحرية القلم إنما تكون حيث يمسك القلم ربٌّ من أربابه لاعامل من عُماله،ربٌّ تؤتيه الطبيعة من قوة الخلق والإنشاء ما لا سبيل إليه إلا في جو الحرية المطلقة،وتدفعه ليخلق هذه الحرية حوله خلقاً،ولو أُلقي به في غيابات السجون ،بل تدفع ذكراه لخلق هذه الحرية إذا هو غُيّب بين صفائح القبور“.

وقد لجأ الطغاة إلى عدّة وسائل وأساليب في محاربة دعوة الحق، وحرية الرأي والتعبير، واستعانوا بكل الأفكار الشيطانية، والأساليب الوحشية والحيل الدنيئة من أجل التعتيم على حرية الرأي والمفكرين الأشراف.

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان في مقال له بعنوان“مصرع الصحافة العظيمة في ظل النظم الطاغية“(مجلة الرسالة العدد98):

„تلقى الصحافة أشد محنة عرفتها،وتسحقها النظم الطاغية التي رأت أن تتخذها مع باقي القوى العامة،أداة لتحقيق برنامجها وتوطيد سلطانها.وفي هذه البلاد التي يسود فيها الطغيان المطلق لم يبق رأي حر يستطيع أن يتنفس، ولا رأي عام يستطيع أن يعبر عن شعوره أو يحدث أثره المشروع في الحياة العامة،ولا تستطيع أن تخرج من الصحافة إلا بصورة واحدة مكررة وهي إرادة الطغاة ومزاعم الطغاة،تفرض على ملايين من الناس لاحق لهم في مناقشة أو تذمر،ولا يسمح لهم بغير التأييد الأعمى.وتزعم هذه الحكومات الطاغية دائماً بأنها تحظى بتأييد الأمة المطلق،وتحاول دائماً أن تتخذ من إجماع الصحافة المُصفدة المُسيّرة دليلاً على هذا التأييد،ولكن كيف يُعرف رأي أمة لايسمح لها بإبداء الرأي، وكيف يُوصف شعور أمة نحو الطغاة، وهي ممنوعة بالقوة عن إبداء هذا الشعور؟إن حكومات الطغيان تسن من القوانين الاستثنائية مايكفل إخماد كل صوت وكل رأي معارض، ثم هي لاتقف عند هذه القوانين، بل تلجأ في أحيان كثيرة إلى إجراءات الهوى، فتنزل باؤلئك الذين يجرءون على معارضتها أشنع العقوبات من قبض واعتقال ومصادرة،بل ومن إعدام، كل ذلك من  دون قانون ودون تحقيق أو محاكمة،وليس من المبالغة أن نقول إن الحياة البشرية في هذه الأمم، أضحت كالحريات العامة، دون ضمان وطمانينة“.

ولعل أبسط هذه الوسائل كانت في إصدار ما يُسمى قانون المطبوعات، والذي يمنع الحريات ويصادر الصحف والمجلات إذا كانت آراء أصحابها وأفكارها لا تتناسب مع أفكار السلطة الحاكمة، وقد عبّر شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله عن جَور هذه القوانين فقال:

إنّ البليّة أن تُباع وتُشترى             مصرٌ وما فيها وأن لا تنطقا

فتقيدت فيه الصحافة عنوةً            ومشى الهوى بين الرعية مطلقا  

كانت تواسينا على آلامنا               صُحفٌ إذا نزل البلاءُ وأطبقا

فإذا دعوتُ الدّمع فاستعصى بكت     عنا أسىً حتى تغصَّ وتشرقا

كانت لنا يوم الشدائد أسهماً           نرمي بها وسوابقاً يوم اللّقا

كانت صِماماً للنفوس إذا غلتْ        فيها الهموم وأوشكت أن تزهقا

كم نفسّت عن صدر حرٍّ واجدٍ         لولا الصمام من الأذى لتمزّقا

مالي أنوحُ على الصحافة جازعاً     ماذا ألمَّ بها، وماذا أحدقا؟

قصّوا حواشيها وظنوا أنهم         أمِنوا صواعقها فكانت أصعقا

وأتوا بحاذقهم يكيد لها بما            يُثني عزائمها فكانت أحذقا

فإذا لم تنفع هذه الوسائل“البسيطة“ وهذه الأساليب „المرنة“ عمد الطغاة إلى وسائل أخرى، تارةً بالترغيب، وأخرى بالترهيب.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل“ في كتابه ثورة الادب“:

„في عصور الظلمة التي تمرّ بالأمم آناً بعد آن يعمد الباطشون البغاة إلى تقييد حرية القول والكتابة،وفي سبيل هذا التقييد يُصلونَ أرباب الأقلام حرباً لارحمة فيها ولا هوادة، فمن إرهاق إلى سجن،إلى نفي وتشريد،وهم في حربهم هذه يندفعون ضد الكتّاب، كاشرةً أنيابهم، محمرّة عيونهم،مفتحةً خياشيمهم،أشبه الأشياء بالكواسر المفترسة حين يغريها منظر الدم، فيهيج فيها كل غرائزها الوحشية،ولايهدأ لهم من بعد ذلك بال ولا يطمئن لهم خاطر إلا إذا اطمأنوا إلى أنهم حطموا تلك الأقلام إلى غيرعودة إلى الكتابة،وأذلوا نفوس حملتها إذلالاً لاقومة لهم من بعده،وهذه الغرائز المفترسة التي تهيج في نفوس البغاة لحرب القلم وحملته لاتهيج فيهم لمحاربة أية قوة أخرى من القوى بالغاً  مابلغ أصحابها من العز والمكانة“.

وتارةً يلجأ الطغاة إلى الترغيب بإغداق الأموال،ومنح الرتب،وإعطاء المراكز لهؤلاء الكتاب، ولا يكتفون بذلك بل يصنعون لأنفسهم كُتّابا وأقلاما ويُنشئون لأنفسهم صحفاً ومجلات، تُقدّس ذكرهم وتُنزّههم عن العيوب والنقائص ويقوم على تحريرها والإشراف عليها صنائعَ مأجورون يعملون للطاغية،يأمرهم فيأتمرون،ًويدعوهم فيلبون،أمرهم من أمره،وسلطانهم من سلطانه،يتكلم بالسنتهم،ويبطش بأيديهم.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل :

„وللطغاة في تكثيف الظلام الذي ينشرونه حولهم أساليب عُجب،فهم يخلقون الطوائف يطلقون عليها أسماء أضدادها ليسخروا من الناس وليزيدوهم ظلماً،يطلقون على طائفة اسم العلماء، والعلم منهم براء،وكل الغاية التي تُكّلف هذه الطائفة بها إنما هي نشر التُرهات وترويج الأباطيل، ومحاربة العلم الصحيح بدعوى أنه السحر أو الكفر،أو ماشاء لهم خيالهم المجرم ،ويطلقون على طائفة الكّتاب ،وماهم بكّتاب وإنما هم منافقون متملقون لايعرفون غير المدح يكيلونه جزافاً لسادتهم،وغير الطعن الجارح يواجهون به من يعرف سادتهم منهم نزعة إلى الحق وإلى الحرية، هؤلاء ليسوا كتّاباً وإنما هم كالكلاب تبصبص بأذنابها لمن يلقي إليها بطعام أو بعظم من العظام، وتنبح من يطلقها عليه صاحبها لنبحه،وهؤلاء لن يكونوا كتاباً ولن يطلق عليهم هذا الإسم أو أي اسم يتصل به،لأن الكاتب تصدر عباراته عن قلبه وعن إيمانه ،وأما المنافقون فتصدر كتاباتهم عن بطونهم وعن شهواتهم الخسيسة السافلة“.

وصاحب القلم أمام أمرين لاثالث لهما:

ـ إما أن يمشي في ركب هؤلاء الطغاة، فيرى مايرون،ويُعّظم مايُعّظمون، فلو قالوا له أن الصبح ظلام! أجابهم بل إنه شديد الحلكة!! ولو قالوا له أن الجمل يطير ولايسير!! لقال: بل إنه يسبق الطائرة النفاثة!!

ـ وإما أن يُرضي الحقّ والضمير، ويقف في مواجهة الطغاة ولو كان على حساب روحه ومكانته وماله وعائلته.

يقول الأستاذ أحمد امين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص113):

„إن قلت في التاريخ من أول عهده إلى اليوم ما يُرضي الحكام والولاة والشعوب فرفعت من شأنهم ولو زوراً، وغلوت من مفاخرهم ولو كذباً،وسكت عن مساويهم ولو كانت صارخة،وعمدت إلى اتجاه عواطفهم فسرت معها،وقصدت إلى الأوتار التي تطربهم فغنيت عليها،وشهرت بخصومهم، وقلّلت من شأنهم ،وكذبت في إنكار فضلهم، وكان لك من البلاغة ما استطعت به أن تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً،وتجعل الأرض سماءً والسماء أرضاً،والحلو مراً والمرّ حلواً،واستطعت بفصاحتك أن تظهر مهارتك في اختراع حجج تُشوّه بها وجه الصدق ،وتُجمّل بها وجه الكذب،فهذا جمل يطير، إن قلت به فأنت المؤرخ وأنت البطل وأنت البليغ، وأنت الذي يُغدق عليه المال، وأنت الذي يُمنح خير الألقاب، وأنت الحقيق بأن يقام له تمثال“.

ويتابع أحمد أمين رحمه الله:

„وإذا اتخذت إمامك الرأي العام ،تُنكر ما يُنكر،وتؤيد ما يؤيد،وسرت وراء الزعماء إن انحرفوا يميناً انحرفت يميناً أو يساراً فيساراً،وإن قالوا قولاً ظاهر البطلان، قلت:إن لهم غرضاً لاندركه،وغاية لا نتبيّنها إلا بعد حين.وإن كان الساسة يرون الحرب قلت الحرب، وإن قالوا السلم قلت السلم،إن قالوا الحرب في هذا الجانب قلته ،وإن قالوا في الجانب الأخر قلته،وإن قالوا عدونا فلان، قلت: إنه عدوٌ لدود، وإن قالوا :صديقنا فلان،قلت: إنه صديق حميم، واستعملت في كل ذلك حنجرتك إن كنت من ذوي الحناجر، وقلمك إن كنت من ذوي الأقلام، ومالك إن كنت من ذوي الأموال، فهذا كله جمل يطير“.

ويتابع رحمه الله:

„وأما إن أنت لم تعبأ بميول الحكام والولاة وعواطف الشعوب،فأخذت تُحلّل كل خبر وتُبين بواعثه ودوافعه،كما يُحلّل الكيماوي المادة في معمله،وتُصدر حكمك لاتراعي فيه إلا الحق، فتارة يُرضي العواطف وتارة يُغضبها،وأحياناً يُرضي الرأي العام وأحياناً يُغضبه ويهيجه ،وأنت لايهمك أرضي أم غضب،وكره أم أحبّ،ولايهمك إن اتفق رأيك ورأي الناس أم خالفه ،وتعمد إلى مايعدّه الناس وثائق فتهزأ بها،وإلى الإشاعات فتتحراها وتركزها في بوتقتك وتشعل تحتها النار فتبخرها،وتصدر حكمك على من يسميه الناس بطلاً فتنكر بطولته، وعلى مايعدّه الناس سافلاً فتعرضه نبيلاً،وإن فعلت ذلك فهذا جمل يسير، فأنت الفقير،وأنت المتفلسف وأنت المتعجرف،وأنت الذي يُطرد ويُشرّد“.

ويقول الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد 321):

„يقول المتنبي:

مازلت أضحك إبلي كلما نظرت              إلى من اختضبتْ أخفافها بدم

أسيرها بين أصنام أشاهدها                    ولا أشاهدُ فيها عفة الصنم

والمتنبي  يقول ذلك في صفة أصحاب السلطان الأدبي والسياسي من أهل عصره، ولا يزال هذا ينطبق إلى اليوم على البلاد الشرقية والعربية إلا قليلاً قليلا.لقد أذكرتني أشياء رَمَت إلى ما كنت أسوس النفس على تناسيه ونبذه والتباعد عنه، ولكن صناعة الأدب هي من بين الصناعات أشدُّها التحاماً بالحياة…لان بل بالأصول النفسية التي تقوم عليها وبها أسواق المجتمع الإنساني، وهيس ترمي بالأديب في تنور متسعّر من نزاع الغرائز والشهوات والأحقاد،وهو بين اثنتين: إما أن ينحط في هوى غرائزه التي تثيرها هذه النار الآكلة،فيفسد بفسادها، وإما أن يتحصن دونها،فيروض غرائزه الوحشية، حتى تالف وتنقاد لحكم العقل النبيل والعواطف السامية.فكذلك يوطن نفسه على الحرمان والألم والتفرد والوحشية…ثم على الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة بين تضرّم النزعات المستبيحة،وبين زهادة النفس المتورعة المطمئنة.

وكان أحق الناس بالتسامي ومطاولة الغرائز في هذه الحرب الموقدة  ـ الأدباء ، فالأدب في أصله تنزيه للنفس وكبحٌ من جماحها،ورفق في سياستها، فإذا انقلب الأدب تضرية للوحوش الرابضة في الدم من الطبائع والغرائز،خرج عن أصله وفقدت ألفاظه معانيها، وصارت أسواق الأدب تعمد في معاملتها على البغي والظلم والعدوان والتهجم والاستبداد.وفقدت كل معاني الحرية والعدل والإنصاف والتمييز بين الخبيث والطيب، وهي أصول الفطرة الأدبية السامية.

ويتابع الأستاذ شاكر رحمه الله:“إن الأديب الحر ينتفض تقززاً واشمئزازاً كلما انبعثت روح حقارة المجتمع من وراء الرّمم الأخلاقية المموّهة بالنفاق،والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظمة الباطلة الجوفاء،وهو أشد انتفاضاً وانتقاضاً  حين يرمي ببصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلاء مستعبدين قد خضعت أخلاقهم للحاجة والضرورة والبؤس،فهم نواكس الأبصار إلى الأرض بين يدي فئة منهم قد أخذوا عليهم أفواه الطرق المؤدية إلىبعض الرزق،حين واتاهم القدر ببعض السلطان والجاه والسيطرة،وأقامتهم الشهرة الذائعة أنصاباً تهوي إليها الأغراض،وتناط بها الوسائل،وتعتمد عليها الحكومات في تقدير العلم والأدب وأهلهما والعاملين عليهما،وكذلك من لا يستطيع أديب أو عالم أو فيلسوف أن يجتاز إلا بإجازة من أيديهم وبأختامهم،وإلا أن يشهدوا له شهادة التقدير،وأن يعبروا له السِّعر في (تسعيرة) السوق الأدبي الذي أقامتهم الحظوظ عليه حكاماً ومقوِّمين.

ويتابع:“ إن هذه التجارة التي تقوم على استعباد العلم والعلماء والأدب والأدباء تجارة باغية ينبغي أن تفنى نخاستها وأن تغلق أسواقها،وينبغي  أن يتحرر الأدباء والعلماء المستعبدون قليلاً من أغلال الضرورات المستحكمة ليحاربوا بغي هذه التجارة بالنبل والسمو والترفع،وليهتكوا تلك الأستار الحريرية الرفيعة المسدلة على بيوت الأوثان الجاهلية التي تستعبد  الأحرار باستغلال ضراعة الضرورة والحاجة والفقر“.انتهى كلام الاستاذ شاكر.

والغالبية من أصحاب القلم ياصاحبي ـ وللأسف ـ تخضع للسلطان،وتخنع لبريق الذهب، وتركع أمام إغراءات المنصب والجاه،وهؤلاء الناس تجدهم قد جَرّدوا اقلامهم وانتضوا يراعهم من أجل خدمة هؤلاء السادة والحكام،واتخذوا الكتابة وسيلة للتكّسب، يمدحون ويتزلفون وينافقون ويتملقون،يُبطلون الحق، ويُحّقون الباطل،ويزيفون الأمور، قد لبسهم الهوى فأنطق قلوبهم وأقلامهم بما يُعصى،واستعبدتهم الشهوات فألقت بهم في المتاهات وألغت ضمائرهم وجرّدتهم من إنسانيتهم فأصبحوا عبيداً للقلم بدلاً من أن يكونوا أمراءه،وأصبحوا إمعات للسلطان بدلاً أن يكونوا نصحاءه،وأصبحوا من أنصار الباطل بدلاً من ان يكونوا أعداءه.

إن أمثال هؤلاء القوم تجدهم في كل عَصر ومِصر وقصر، صفاتهم واحدة لاتتغير مهما تبدّل الزمان أو تغيّر المكان،إغراق في المديح حتى الإسفاف،وتفنن في البديع حتى الإتلاف،وإفراط في وصف الحاكم بحسن الصنيع،وتحطيم الشريف وإعلاء الوضيع،يمدح سيدهم إذا أتى بالخير،ويقرظ إذا أتى بالشر.

فعطاؤه كرم يفوق كرم الديم والسحاب،والكلمة التي ينطق بها دررٌ وحكم، وقتل الأبرياء شجاعة وحزم، والإنهماك في الملذات ظرف وتسلية، والعفو عن المظلومين شهامة،يُطرون ظُلمه ويُسبحون بحمده،ويخلعون عليه من الصفات مايتجاوز الملائكة الأطهار،والأنبياء الأبرار،فهو أبلغ من سحبان وائل وإن كان في حقيقته أعيا من باقل،وهو أجود من حاتم وإن كان في جوهره أطمع من اشعب،وهو صاحب الوعد المحافظ على العهد وإن كان في قرارته أخلف وعداً من عرقوب،وهو صاحب الحلم والعقل والرأي، وإن كان أخفّ حُلماً من عصفور،وهو صاحب العزّة والشأن وإن كان في حقيقة نفسه أذل من وتد بقاع،وهو صاحب البصر والبصيرة وإن كان أعمى من الخفاش، وهو صاحب العدل والإنصاف وإن كان أروغ من ثعلب، وأظلم من ذئب.

إن مما يبعث على القلق،بل والخوف على مستقبل الأمة العربية والإسلامية،أننا نعيش في هذا الزمن والعصر وبسبب „شعراء“و“أدباء“و“كتاب“ السلاطين من أمثال هؤلاء،والذين يُنسبون لحاكم أو سلطان أو ملك أو أمير،ويَنسبون إليه من المناقب والمآثر والصفات مالم تتوفر في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم!!.وإننا نعيش في هذا العصر والزمان مايُسمى“تأليه الطغاة“،فالحاكم في بعض الأقطارـ  إن لم نقل في معظمها من عالمنا العربي والإسلامي ـ هو رمز الاستقرار،ورمز الوحدة الوطنية،ورمز الاستقلال،وهو رمز الاستمرار في الحفاظ على القوت اليومي واستمرار الرزق واستمرار الحياة!!!

هذه الأقلام الخائنة،والألسنة الخادعة،أقلام العبيد،وألسنة العبيد،والتي لاتفتر ليلاً ونهاراً عن التسبيح والتمجيد بالطغاة والطغيان،وترسل الأناشيد والقصائد،وتبعثها موجات إثر موجات من المديح الزائف،والتغني بهؤلاء الأصنام من البشر والذين ليس لهم عفة الأصنام!!هؤلاء المنافقون المزيفون الخادعون والمخدعون يقال عنهم يا صاحبي أنهم من قادة الفكر في الأمة،وأنهم شعار الحرية والمساواة والعدالة!!!وهؤلاء يكرمهم الطغيان وأعوانه وأزلامه ويمنحونهم أعلى المناصب،وأرقى المراكز ويمنحون الأوسمة التي تثقل الصدور بحملها!!ويعطون أعلى المراكز الجامعية والتربوية فمنهم العميد ومنهم الأستاذ ومنهم المربي ومنهم ومنهم…

إن هؤلاء العبيد،وعبيد العبيد بأقلامهم الزانية وضمائرهم الفانية،عندما تبحث عنهم ليقولوا كلمة الحق ـ وهم لايعرفونها ـ عندما ترتكب الجرائم الوحشية،والفظائع الدموية بحق الأمة وشعوبها وأفرادها، لاتجد لهم أثر،ولايثور لهم ضمير،ولاترف عين،ولايرتعش قلب،ولايهتز شعور لواحد من هؤلاء ـ وما أكثر هؤلاء ـ وهم يشاهدون الضحايا والأشلاء والجثث متناثرة هنا وهناك وهنالك،والتي مثّل بها الطغيان غيلة وغدراً،سراً وجهراً، ليلا ونهارا،وعلى مرأى من الجميع…

وأصبحنا نرى ونسمع كيف تخرج الشعوب بمئات الألوف إن لم نقل بكل ملايينها إلى الشوارع والساحات،تزخر بها ،كالبحر المتلاطم الأمواج،يموج بعضهم فوق بعض،في مظاهرات تأييد وتحية لهذا الحاكم أو ذاك ناسيةً هذه الجموع أو متناسية، غافلة أو متغافلة،عن أن سبب ماهي فيه من الظلم والفقر والأذى والحرمان ..هو من جراء جرائم هذا الحاكم وزبانيته وأعوانه على مرّ سابقات الأيام ولاحقات الاعوام.

يقول نزار قباني:

والشعرُ..ماذا سيبقى من أصالته؟

إذا تولاه نصابٌ…ومدّاحُ

وكيف نكتبُ؟ والأقفالُ في فمنا؟

وكلُّ ثانية،يأتيك سفّاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني

ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإن تعجب يا صاحبي فلتعجب معي كل العجب على ما فعله فينا حكام هذا الزمان،ومن ورائهم كُتّاب الظَلام والظُلّام،وما زرعوا فينا من الصفات التي لم يخطر مثلها على بال البشر وأصحاب البصيرة وأهل العِبر،وأهمها يا صاحبي ما يُسمى“نفاق الحكام“،فهذا أصبح أحد مكّونات دمائنا،يسري في عروقنا،ويغذي أنسجة وخلايا أبداننا ودماغنا،وهو كسكر الدم ياصاحبي،قد يزدداد عند بعض البشر إلى درجة التلف،وأصبح من التكوينات والمقومات الرئيسية في تركيب أجسامنا،ولنقل أنه أيضاً أصبح كأحد النواقل العصبية الهامة التي تنشط بعض المنعكسات ولنسمها اعتباطاً“منعكسات النفاق“،فكما أن هناك منعكسات للشم،واللمس،والرؤية،والسمع،والتوازن…فإنه قد أضيف إلى تركيب أجسامنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هذه المنعكسات التي سميناها „منعكسات النفاق“،وهذا المنعكس يُحرّض يا صاحبي بمجرد أن يذكر اسم الحاكم في مكان عام أو خاص،ويتجلى انعكاسياً بموجات لا تنتهي من التصفيق الشديد المستمر لعدة دقائق أو ربما أطول ،ويترافق مع سيل من الصيحات و النداء والهتاف والتحيات بحياة هذا الرئيس الخالد المعصوم ،الواحد في صفاته ،الذي لم يخلق مثيل له على مستوى البلاد ولم يشاركه في هذا أحد من العباد.

ويختلف نشاط هذا المنعكس يا صاحبي باختلاف الأشخاص وقدرة كل منهم على التهريج والتملق والتزلف والنفاق.وإذا كان من صفات بعض المنعكسات الطبيعية عند الإنسان أنها تتراجع وتضعف مع تكرار المنبهات أو المحرضات،إلا أن هذا المنعكس يا صاحبي لا يضعف ولا يتراجع ولا يتوقف إلا بتوقف  قلب صاحبه عن الخفقان أو عودة عقل صاحبه إلى جادة الإتزان!!

والقاعدة يا صاحبي ،أنه كلّما تقدم الإنسان في العمر،كلما ازداد نضجاً وحكمة وخبرةـ باستثناء من يُردّ إلى أرزل العمر ويصاب بالعته والخرف ـ وهذا يعني أنه في الحالات الطبيعية فإن دماغ الإنسان هو المسؤول والمدير والموجه لمنعكسات الجسم والبدن،ويُملي عليها إرادته ورغباته،أما عند الطفل الرضيع فإنه تتحكم فيه سلسلة من المنعكسات التي لاسيطرة للدماغ عليها ـ تسمى المنعكسات الودية الذاتية ـ والطفل معذور في ذلك،فهو لم يصل بعد إلى درجة النضج والكمال.ولكن أن تتحول بعض الأمم والمجتمعات بفضل رجالها ومفكريها وقادتها ـ والمفروض أنهم في سن النضج والبلوغ  وتركوا سن المراهقة والطيش ـ وأن تظهر عليهم وهم في سن النضوج والشباب والاكتهال أعراض العته والخرف وتتحكم منعكساتهم في دماغهم وتصرفاتهم وحركاتهم وليس العكس فهذا لعمري ما نسميه النكوص إلى مرحلة الرضاعة والطفولة الأولى، وهذا لاتفسير له طبياً عندي ياصاحبي، فالمعذرة كل المعذرة أنني حائر كطبيب في تفسير هذه الظاهرة المرضية ولعل الأيام الحبلى بالحوادث والظواهر تجيبنا على سؤالنا عندما تتمخض وتأتينا بالجواب!!!

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج5 ص25):

„وكل حاكم سيّد الوجود في زمانه،آت بالمعجزات في أعماله،معصوم من الخطأ فيما يأتي به . يبتز مال الناس غصباً فلا يُلام على ماغصب ولكن يُمدح على ما أنفق!ويقتل من يشاء فلا يُسأل عمّن قتل،ولكن يُشاد بفضله إذا عفا!الفن والأدب والشعر والنثر موسيقى لطربه وبهلوان لتسليته،وعبيدٌ مُسخرة لنهش أعدائه ومدح أوليائه“.

ويتابع رحمه الله:

„حكام كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة،وشهوات واسعة، فخفخة في المظهر وسُخف في المَخبر،لايقيدهم قانون ولايردعهم عدل،ولايرون للشعوب حقاً إلا أن تؤمر فتطيع وتُنتهب فتصبر،بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم،فمن امتعض من ذلك فهو ثائر،ومن شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة لمن احتفظ بإبائه،والذل والهوان عند من لصق بأرضه“.

ويعبر الشاعر الكبير أو العلاء المعري فيصف هذه الحال فيقول:

إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ         وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ

وقال السُّها للشمس: أنت خفية        وقال الدُّجى:ياصُبح لونكَ حائلُ

وطاولت الأرض السماء سفاهةً      وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادلُ

فيا موتُ زُر إنّ الحياة ذميمةٌ          ويا نفس جِدي إنّ دهرك هازلُ

ويقول الشاعر الكبير شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي رحمه الله:

وأَقتلُ داءٍ رؤيةُ العين ظالماً          يُسيئُ ويُتلى في المحافلِ حمدهُ

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في هؤلاء الكتاب الذين باعوا أقلامهم وضمائرهم من أجل خدمة السلطان والطغيان(الرسالة العدد 691):

„والسخط على أولئك الكتاب والصحفيين،الذين يقال عنهم أنهم قادة الرأي في البلاد،وأنهم أباء الشعب الروحيين،أولئك الذين يسخرون أقلامهم وذممهم وضمائرهم لهذا الجيل من الساسة،فيضربون بأقلامهم ذات اليمين وذات الشمال،وينهشون سمعة هذا السياسي أو ذاك،ثم يعودون فيبيضون ما سودوا وقد يقفون مادحين في حفلات تكريم تقام لأولئك الساسة الذين قالوا عنهم من قبل:إنهم مجرمون قذرون منحطون منخوبو الضمائر فاسدوا الذمم،لا استصلاح لهم بحال من الأحوال!والشعب ينظر ويعجب:إما أن يكون هؤلاء القادة الروحيون كاذبين في الماضي،وإما أن يكونوا كاذبين في الحاضر.وهم في كل حال لا يؤمنون على قيادة الشعب الروحية،وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم بين حال وحال!“.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

„عندما يكون الطغيان في بلدً محدوداً أو جزئياً،يتكلم متكلمون وينقد ناقدون ،ويعارض معارضون، وعندما يزداد الطغيان شدّةً  يصمت أكثر المتكلمين والناقدين،ويختفي أكثر المعارضين ،وعندما يبلغ الطغيان غاية شدّته وعنفه يتحول النقد عند الأكثرين إلى ثناء،والمعارضة إلى ولاء،والسواد القاتم كلّه إلى بياض،فإذا رأيتم المظلومين يُثنون على الظالمين،والمقهورين يُوالون الجلادين،فاعلموا أنّ الطغيان والبطش قد بلغ حدّه الأقصى، وأن كل كلمة مدح وزلفى هي في الحقيقة كلمة هجاء وشكوى، عجزت عن نطقها الشفتان، وقلبها الخوف والفزع والاضطرار أو الجبن والطمع والصَغار…إلى مديح“.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله واصفاً حال كتاب عصره المنافقين والمنتفعين في زمان الملك المخلوع فاروق (الرسالة العدد 1018 بتاريخ الخامس من كانون الثاني عام 1953ن):

„كان الأدب في العهد البائد صوراً متنافرة من القلق والملق والنفاق والتقية والجبن،لأن الأديب لم يجد رعاية من الملك لأنه جاهل،ولا عناية من الشعب لأنه غافل،فاضطر إلى أن يهاوى أصحاب الحكم ليسلم،ويصانع رجال السياسة ليغنم،ويتملق دهماء الناس ليعيش.وكان الملك على جهله بالأدب وبعده عن الدين،تنظم في مدحه القصائد الغرّ،وتحرر في فضله الفتاوى البكر،وتركب وزارة الأوقاق ونقابة الأشراف المركب الوعر لتجد لسليل الترك والفرنسيين نسبة مباشرة إلى الرسول العربي القرشي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم!ولم يكن كل ذلك سبيل الزلفى إليه ولا التفوق لديه،وإنما كان السبيل إليهما مهارة في الصيد،أو براعة في القمارنأو كفاية في كسب المال،أو لباقة في جلب المراء.والناس على دين ملوكهم.والأدب يكون كما يكون الناس“.

وشعراء السلاطين قديماً وحديثاً قد بالغوا في المديح والإطراء والثناء، بحيث فاقت صفات ومناقب الحاكم عند أمثال هؤلاء أحياناً الأنبياء!!

وقديماً مدح أحدهم وهو ابن هانئ الأندلسي سلطان مملكته من الفاطميين فقال فيه هذا الكلام الذي نستغفر الله العظيم من محتواه ونبرئ النفس من فحواه ومعناه يقول فيه:

ماشئتَ لا ماشاءت الأقدار          فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنّما أنتَ النبيُّ محمد             وكأنّما أنصارك الأنصار

أنتَ الذي كانت تُبشرنا به          في كتبها الأحبار والأخبار

ويقول فيه أيضاً:

إمامٌ رأيتُ الدين مرتبطاً به        فطاعته فوزٌ وعصيانهُ خسرُ

أرى مدحهُ كالمدح لله إنّهُ         قنوتٌ وتسبيحٌ يُحطُّ به الوزرُ

(ملاحظة: ولقد مات هذا الشاعر أبشع ميتة وهو في قاقلة من أملاكه حيث قضى عليه قطاع الطريق، هذا عقاب الدنيا وأما عقاب الأخرة فعلمه عند الله) .

ومثال أخر لتزلف الأدباء والشعراء، وأنهم يميلون مع النعماء حيث تميل الشاعر المعروف أبو عبادة البحتري، كان من أشد المقربين من الخليفة العباسي المتوكل ،الذي أغدق عليه من العطايا والهبات، وجعله من المقربين من مجلسه مجلس الثقات، وقد كان في مجلسه يجاذبه أطراف الحديث والسمر مع الفتح بن خاقان،وزير المتوكل، وحين حلت الكارثة قام الوزير الشجاع بما يفرضه عليه واجب الشهامة والرجولة ففاضت روحه وهو يدافع عن سيده  بعد أن هجم المنتصر ابن المتوكل عليه ومعه زمرة من الخونة من حاشية قصره،وفرّ البحتري إلى حمام مهجور في القصر واختبأ فيه وبعد ذلك جاء ليكذب على الناس فيقول في اختلاق ذميم:

أدافع عنه باليدين ولم يكن             ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره

ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي   درى الفاتك العجلان كيف أساوره

ويقول البحتري بعد ذلك شعراً يمدح القاتل المنتصر ويهجو الخليفة المقتول المتوكل بالرغم مما أغدقه عليه من خير عميم :

حججنا البلية شكراً لما                   حبانا به الله في المنتصر

تلافي البرية من فتنة                    أظلهم ليلها المعتكر

ولما ادلهمت دياجيرها                   تبلج فيها مكان القمر

ولو كان غيرك لم ينتهض               بتلك الخطوب ولم يقتدر

رددت المظالم واسترجعت               يداك الحقوق لمن قد قهر

بقيت إمام الهدى للهدى                   تجدد من نهجه ما اندثر

والبحتري هذا هو من قلب للمنتصر ـ ولي نعمته الثاني ـ ظهر المِجّن وهجاه هجاءً شديداً بعد مقتله، وتزلف من الخليفة الثالث المستعين بالله يمدحه ويقول له متظاهراً بالولاء:

لقد نصر الأمام على الأعادي               وأضحى الملك موطود العماد

أمير المؤمنين اسلم فقد ما                   نفيت الغي عنا بالرشاد

تدارك عبدنا الدنيا فقرت                   وعمّ نداك أفاق البلاد

 

هذا قديماً، وانظر معي إلى هذا الشاعر الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين يمدح الملك فاروق ملك مصر،وما أدراك ماالملك فاروق!! رمز الفساد والانحلال والرذيلة، يقول فيه هذا الشاعر