الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الطغاة وحرية القلم (3/4)

ويتابع رحمه الله:“فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتاب(أعني بعضهم) ينقض كل يوم حجراً من صرح الأخلاق،ويوهي جانباً وينشر في الناس حديث الشهوة،ويستكثر من القراء بإثارة أحطّ الغرائز البشرية،لم ننشيء والله إلا جيلاً رخواً ضعيفاً همّه شهوته،ومطلبه لذّته،قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ثم نبني بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا ونأخذ بين الأمم مكاننا!

إن المسألة أكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ(حرية الكتابة)و(حرية الفكر)…إنها مسألة حياة أو موت!“.

وكثير من وسائل الإعلام الضالة المُضلة تعيش\من وراء التبرعات السخية لمؤسسات وجهات معادية للحق والإسلام،تصرف عليها وعلى هذه الاقلام الزانية بحق الدين والأخلاق وإن زنا القلم لأشدّ من زنا الجنس لأن خطره يتعدى ويصيب المئات وربما الملايين من البشر.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب البواكير):

„ورُبّ مقالة تنطق ـ لو نطقت ـ بخزي صاحبها ولعنه،ورُبّ كاتب ماخلقه الله في غيّه وضعفهِ إلا لتظهر منزلة البليغ في قوته واقتداره!وقلّ فيهم من يبصر مداخل الكلام ومخارجه ويميّز شريفه من مرذوله وبليغه من ساقطه.وما كلُّ من خطَّ بالقلم كاتباً،ولا كلُّ من لوّح بالسيف بطلاً“.

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد943 بتاريخ 30 تموز عام 1951):

„إن الصحف المصرية ـ إلا النادر القليل ـ مؤسسات دولية لا مصرية ولا عربية!مؤسسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والفرنسية،والمصرية والعربية أخيراً!

مؤسسات تحرر صفحات كاملة منها بمعرفة أقلام المخابرات هذه لتروج في أوساط الجماهير.مؤسسات تخدم الراسمالية العالمية أكثر مما تخدم قضايا الشعوب العربية.وتخدم الاستعمار الخارجي والجهات الحاكمة قبل أن تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة.

وهذا هو السر في أن الدولة لا تفرض عليها القيود التي تفرضها على الكتب.لأن وراءها أقلام المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية،وهي كفيلة بأن تسندها،وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق لنشر دعايتها المستورة في أطراف البلاد ىالعربية جميعاً.“.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

„إن قيلت كلمة الحق بفم واحد أو قلم واحد، قيلت كلمة الباطل بألف فم والف قلم ،واتصلت بالعيون والأسماع بمختلف وسائل الإعلام“.

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم في هذه الصحافة المضللة الكاذبة:

جرائدُ ما خُطّ حرف بها                      لغير تفريق وتضليل

يحلو بها الكذب لأربابها                      كأنها أول إبريـــــــل

ويقول أيضاً:

وصحف تطن طنين الذباب                  وأخرى تشن على الأقرب

وماذا في صحائفكم                           سوى التمويه والكذب

ويقول أيضاً رحمه الله:

حطمت اليراع فلا تعجبي                   وعفت البيان فلا تعتبي

فما أنت يامصر دار الأديب                 وما أنت بالبلد الطيب

وكم فيك يا مصر من كاتب                 أقال اليراع ولم يكتب

فلا تعذليني لهذا السكوت                   فقد ضاق منك ما ضاق بي

أيعجبني منك يوم الوفاق                   سكوت الجماد، ولعب الصبي

وكم غضب الناس من قبلنا                لسلب الحقوق ولم نغضب

ويقول احد الشعراء في الأقلام المأجورة التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً:

في زُخرف القول تزيين لباطله             والحقُّ قد يعتريه سُوءُ تعبيـر

تقولُ:هذا مجاجُ النحــل تمدحهُ             وإن ذممته فقل: قئ الزنابير

مدحاً وذماً، وما جاوزتَ وصفهما       حُسن البيان يُري الظلماء كالنور

ويقول الشاعر محمد مصطفى حمام في وصف وسائل الإعلام المزيفة هذه:

ويح الشباب إذا الشيطان نازعهم          على العقول فأوهاها وألغاها

قـــد علمتـــهم أفانين الخنـــــــــا           غش بصائرها زيغ وأعماها

وشاشةٌ ضل راويها وعارضها         ومن يرسم الخنا والرجس جلاها

ومجـــرم في المذيـــاع لقنهم              ألحــان فحش وزكاها وغنـــاها

ووالـــد غافل لاه ومدرسة                 نظامها عن نظام الدين أقصاها

وثالثة الأثافي والطامة الكبرى عندما يوجه الطغيان بعضاً من حملة الأقلام المأجورة،والألسنة الكاذبة ويعهد إليهم بتأليف الكتب المدرسية والجامعية وخاصة في مجال الدين والثقافة والتاريخ فيتم تحريفها ،ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً،والمعروف منكراً والمنكر معروفاً،ويصبح الطاغية منافساً لعمر بن الخطاب في عدله،ولصلاح الدين في شجاعته،ويصبح الحزب الوهمي الساقط الخالي من المعاني والمبادىء هو حزب الأمة ونصير الشعوب والباعث على الحرية والتقدمية والوحدة!!!وكل ذلك من أجل أن تنشأ أجيال وطلائع لا تعرف تاريخها الحقيقي ولا تعرف الماضي المجيد،ويتم سلخها عن امتها وعروبتها ودينها..

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 1001 بتاريخ الثامن من ايلول عام 1952):

„لقد تآمر جماعة من المرتزقة ـ من مؤلفي كتب التاريخ المدرسية،مع العهود الظالمة الباغية،على كتابة تاريخ مزور،يطمس الحقائق ويشوها“

ويتابع:“لقد آن أن نصحح التاريخ الذي زوره المزورون على هذه الأجيال الكثيرة.آن أن نصحح كتابة التاريخ الذي تدرسه الأجيال المقبلة،وكفانا تزويراً وتضليلا“.

إنها معركة لاتوازن فيها ولاهوادة، بين أقلام قليلة تنشد الحق وتطلبه،وبين أقلام كثيرة تنشد الباطل وتطالب به،ومع ذلك فإن مصير هذه المعركة وإن طال، مع الحقّ وإن قلّ أتباعه،وضد الباطل وإن كَثُر أعوانه.

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 303):

„وإنما يترعرع الادب في ظلال الحرية،فإذا منع البغيُ أمة أو طائفة أن تبين عن آرائها وعواطفها وتعرب عن آلامها وأمالها،لا يزدهر فيها الأدب.وإذا اشتد الحجر على أمة فانبرى جماعة من أباتها يجاهدون في حريتها ويجالدون جبابرتها لم يكن لهم بدّ أن يتخذوا الأدب القوي لبث الدعوة وإيقاظ النفوس وتنفيرها من المذلة وحفزها إلى الإقدام ومجادلة الخصم بالحجة البالغة والبرهان الدامغ،فينشأ لهم أدب حيّ قويّ.ولا يزالون في جهادهم حتى يدال لهم فتسع الحرية الأمة كلها،وتنشط النفوس للإبانة عن سرائرها والإعراب عن ضمائرها.وأدب المجاهدين في كل عصر من أروع أنواع الأدب لأنه أدب النفس الإنسانية وهي تدافع عن كيانها وتجادل عن حياتها“.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 939 بتاريخ 2 تموز عام 1951):

„وأخيراً فقد تخلى معظم الأدباء عن هذه الأمة في كفاحها للحياة والبقاء.بل خانوها خيانة علنية واضحة.إنني لا أؤمن بتجنيد الأدب والأدباء لخدمة الأغراض القريبة،والصراع الاجتماعي،في فترة محدودة،ولكني أؤمن بأن الأديب الذي لا يحسّ آلام أمته القريبة أو البعيدة هو أديب ميت لا يتجاوب معه الأحياء.

وأعتقد ـ من تجاربي الخاصة ـ أن الجماهير قد أقبلت وما تزال تقبل على نوعين من الانتاج:نوع يشاركها،في كفاحها الحاضر،ويستمد منها ويمدها،ويتجاوب مع حاجاتها الموقوتة بهذا الصراع.

ونوع يحدو لها بآمال المستقبل،ويهتف بها إلى مدارج البشرية العليا،ويفتح لها كوى من النور في الظلام.

ويتابع رحمه الله :“وإني لأعتقد أن هذا الإقبال دلالة على سلامة وعي هذه الأمة وفطرتها ـ على قلة القراء فيها وندرتهم ـ وأنها محقة في إهمال ذلك الركام المكرور التافه الذي تخرجه لها كثرة الكتاب والمؤلفين.وبخاصة أؤلئك الذين كانوا يوماً يلقبون بكبار الأدباء!

ولست غافلاً عن إقبال الجماهير في جانب الآخر على غثاء القصص والروايات والأفلام والصحافة،فذلك اللون يغذي الجانب الهابط في نفس البشرية.وللإنسانية جانبها،وجذبها بخيط الصعود ممكن كجذبها بخيط الهبوط.

يقول الأستاذ عصام العطار:

„ماذا تفعل أقلام قليلة في مواجهة الأقلام الخادعة،وألسنة قليلة في مواجهة ألوف الألسنة الكاذبة، ومجلات صغيرة محدودة في مواجهة ما لايحصى من الصحف والمجلات الكبيرة المنوّعة المنتشرة التي تتخطى كل حدود الأرض،ولكن الحق مع ذلك كله له نوره الذي يهدي إليه، والله من وراء ذلك كله بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون“.

وهذه الأقلام المأجورة، وبعون ودعم من الداخل والخارج،بذرت في أرضنا الطاهرة الكريمة بذوراً خسيسة،أزهرت وأورقت نفوساً خبيثة،رجالاً يحملون وجوه المسلمين، ويتسّمون باسمائهم ويتزيّون بازيائهم،ولكن قلوبهم وعواطفهم وأفكارهم ومعتقداتهم مخالفة تماماً لطبيعة المجتمعات المسلمة التي يعيشون فيها،وقد نشر هؤلاء أفكارهم السوداء وزرعوها في عقول الناس،فتراهم يُسمون الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية،فأصبح الربا“فائدة“والخمر“مشروباً روحياً“والرقص“فناً راقياً“والمجاهرة بالرذيلة“حرية“والعودة إلى الدين“تخلفاً ورجعية“والمطالبة بالحقوق“تعصباً وتطرفاً“والمطالبة بتطبيق حدود الله“وحشية وهمجية“وأصبح لديهم الاحتيال“ذكاء“والرذيلة“فناً“ والتبعية“انفتاحاً…..

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إنهم يهاجمون الدين سراً وعلانية،جهراً وتورية،وقد يلبسون دعواتهم الباطلة في محاربة الدين لبوس العلم،ويظهرونها بمظهر الصلاح والخوف على مستقبل الدين،فيعمدون إلى تحريف الكلم عن مواضعه ويُلبسون على الناس دينهم عن طريق تأويل النصوص وتشويه التفاسير على نحو يسلب الدين مضمونه،وينظرون إليه باعتباره مجرد“تراث قومي“ أو „حضاري إنساني“، فالإسلام عند هؤلاء المبطلين تراث،كما أن الشعر الجاهلي تراث، وألف ليلة وليلة تراث،والفلسفة اليونانية تراث،والتشريع الروماني تراث،والتراث كما نعلم يكون فيه الحق والباطل، والخير والشر،والصواب والخطأ،والقبيح والجميل،والفضيلة والفجور،وما يؤخذ منه ويُعرض عنه…

فإذا ما اشتكى شاك أو عارض معارض، فإنهم يُسكتون الأصوات، ويكممون الأفواه بحجة“حرية الرأي والتعبير“!!وكأن هذه الحرية المزيفة الشوهاء المسخ مسموح لها أن تتدخل في ثوابت الدين وأصول الشرع ،ولكنه لايسمح لها أن تعارض متغيرات السياسة وتقلبات الحكم وخاصة إذا وصل الامر إلى سلطة معينة أو زعيم ما أو حزب حاكم!!

يقول الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

„إن الذين يزعمون أن من حقهم أن يقولوا ما يشاؤون بإسم حرية الكلمة،ينسون أن شرف الكلمة قبل حريتها،ولم أجد أمة تسمح بالخيانة الوطنية بإسم الحرية،ولكن نفراً عندنا لايريدون خيانة الشرف الأجتماعي باسم الحرية،ولو كان عندنا رأي عام واع لحاكمهم كما يحاكم خونة الوطن في قضاياه الوطنية“.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(من وحي الرسالة ج1 ص197):

„إن الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الأباء، وإن الاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء،وشتان بين استعباد كان عن اضطرار وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم. والعبودية العقلية أشد خطراً واسوأ أثراً من العبودية الجسمية، لأن هذه لاتتعدى الأجسام والحطام والعرض، ومثلها مثل الجسم يرجى شفاؤه متى عرف داؤه، أما تلك فحكمها حكم العقل إذا أصيب ذهب، والروح إذا زهق،هيهات أن يرجى لمخبول شفاء،أو ينتظر لمقتول رجعة“.

والمصيبة الاعظم ،والخطر الأشد، أن هؤلاء الكتاب المتملقين المأجورين، قد يسيرون بالأمة حاضراً ومستقبلاً في طريق الكارثة، وينحدرون بها إلى الدرك الأسفل من الهاوية، وذلك من خلال فلسفة الواقع، وبحيث يزرعون الهزيمة النفسية في قلوب الأمة ورجالها تجاه أعدائها،وهذا ما نشاهده اليوم، حيث أفرغت معظم المصطلحات من محتواها وبُدّلت معانيها، وتغيّرت المعايير،وأنزلت الثوابت منزل المتبدلات والمتغيرات…فأصبح الاستسلام سلاماً!واصبح الأعداء أصدقاء!وأصبح الدين في السياسة حراما!وأصبحت كتابات هؤلاء المفكرين“الواقعيين“ وتحليلاتهم للمستقبل أدّق وأوضح من حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ـ والعياذ بالله ـ وأصبح“عدو الأمس صديق اليوم“ راعي السلام والأمن وعنوان الحضارة والازدهار، وأصبح المتمسك بدينه عنوان الإرهاب والانتقام،وأصبح الجسم الغريب الذي ينشر سمومه وينفث حممه في جسم الأمة بمثابة“ناظم الخطى“ الذي ينظم دقات القلب ويوفر للجسم الصحة والسلامة،وأصبح الجهاد ضد العدو“إرهاباً“والذل“حلماً“والركوع“ تواضعاً“والخنوع“سياسة“…

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(الرسالة العدد305):

„أللأديب رسالة؟

نعم،ليس بالأديب من ليست له في عالم الفكر رسالة،ومن ليس له وحي وهداية.

ولكن هل للأدب كله رسالة تتفق في غايتها مع اختلاف رسائل الأدباء وتعدد القرائح والآراء؟

نعم. لهم جميعاً رسالة واحدة هي رسالة الحرية والجمال.

عدو الأدب منهم من يخدم الاستبداد،ومن يقيد طلاقة الفكر،ومن يشوه محاسن الأشياء.

وخائن للأمانة الأدبية من يدعو إلى عقيدة غير عقيدة الحرية ،وإن سر الفتنة الحسية ـ في رأي ـ  التي غلبت على الطبائع والأذواق وتمثلت في ملاهي المجون أو ملاهي الأدب الرخيص،سرها الأكبر هو وباء(الدكتاتورية)الذي فشا بين كثير من الأمم في العصر الأخير.

لأن الدكتاتورية كائنة ما كانت ترجع إلى تغلب القوة العضلية على القوة الذهنية والقوة النفسية.ولأنها ترجع بالإنسان إلى حالة الآلة التي تطيع وتعمل بغير مشيئة وبغير تفكير.وأين تذهب المعاني والثقافات،بين القوى العضلية والآلات؟وأين الأديب الذي يستحق أمانة الأدب وهو يبشر بدين الاستبداد؟

لكل أديب رسالة.

ورسالة الأدباء كافة هي التبشير بدين الحرية والانحناء على صولة المستبدين،فما من عداوة للأدب ولا من خيانة لأمانة الأديب أشد من عداوة(القوة العضلية)وأخون من خيانة الاستبداد“.

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق في حزيران عام 1953):

„وأنا ـ بعد ذلك كله ـ واحد من هذه العصبة التي تتخذ من القلم أداة جهاد،حين فاتها أن تتخذ السيف من أدوات الجهاد،وفاتها أن تصطنع الحديد ذا البأس الشديد،فاصطنعت اليراع للقراع،واكتفت من أعمال الإيمان بأضعف الإيمان،عقوقاً لسيدنا إبراهيم الذي راغ على أصنام الكلدانيين ضرباً باليمين،في هذا الزمن الذي أصبحت لغة بنيه مشتقةً من قعقعة الكتائب لا من جعجعة الكتب ولا من عجعجة الألسنة“.

يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله:

فهذا يلوذ بقصر الأمير                 ويدعو إلى ظله الأرحب

وهذا يلوذ بقصر السفير                ويطنب في ورده الأعذب

وهذا يصيح مع الصائحين             على غير قصد ولا مأرب

إن أمثال هؤلاء من الأدعياء ومنافقي الكلمة، الذين يمارسون „زناالأقلام“، والذي هو أحياناً أشدّ وابشع وأفظع نتائجاً من“ زنا الحرام“، إنهم لايحبون أن يتعظوا بغابر ولا بحاضر،وضعوا عقولهم في أقدامهم، وضمائرهم في جيوبهم،أناس أنانيون غير مبالين،والأنانية لا تبالي بغير ساعتها ولا تنظر إلى ما وراء لذتها.

ويقول الأستاذ الشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب كلمات صغيرة ـ مقال بعنوان أعود):

„أعود إلى هذا الركن من „الأيام“(جريدة دمشقية) كما يعود المرابط إلى الثغر وهو أقوى نَفْساً وأكثر حماسة وأصلب عوداً وأصعب مكسراً،ليستأنف الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الحقّ والخلق والفضيلة.

أعود لأودّي الأمانة التي وضعها الله في عنقي حين وضع هذا القلم في يدي،فلا أسخّره لجرِّ منفعة لنفسي ولا لدرء المضرّة عنها،ولا أمدح رغبةً ولا أنقد كرهاً،ولكن لنصرة الحق وحرب الباطل،والدلالة على الخير والتحذير من الشر.

أعود لأدافع عن أخلاق هذه الأمة وعن أعراضها،وعن ثروتها وعن أموالها،وأدعوها إلى العودة إلى دينها وفضائلها،وأذكّرها بجلال ماضيها،وأنفخ فيها روح العزم،وأُذكي في نفوسها ضَرَم الحماسة والعزة والقوة والنبل والكرامة،وأرغّبها في كل خير شرقياً كان أم غربياًنوأحذّرها من كل شر غربياً كان أم شرقياً.فلا تكون جامدة على عاداتها وأوضاعها،مُتمسّكة بكل ما ألِفت عليه آباءها،ولا تكون إمّعة في الأمم،تقلد كما تقلد القردةُ وتأخذ كل ما يأتيها من الغرب،ولو كان يشكو منه الغرب،ولو كان الكفر والفسوق والانحلال الخلقي،ولو كان الخمرَ والدعارة والسم الناقع والبلاء الأزرق.

ومن سبّني فإني لا أسبه،ومن عابني فإني لا أعيبه،إلا أن تكون كلمة حق آخذ بها،أو أن يكون نقداً من رجل له قيمة أردّ عليه،وما سوى ذلك أجوزُ به،أقول: لا يعنيني.وما عن عجز ذاك ولا عن قلّة،فإن لي قلماً لو وضعته ـ بحمد الله ـ على حديد لفَريته،ولكن لأن لي غاية أمشي إليها،فلا أحبّ أن أشتغل عنها بالتُّرهات، فاحفظوا هذا عني“.

وقال في نفس المرجع السابق بمقال آخر بعنوان“إنذار“:

„قال لي عضو محترم من أعضاء المجلس البلدي متهكماً ساخراً:اكتب كما تريد،وخذ“جناب مثل الطناب“.ما أرخص من الحبر إلا الورق!

هكذا والله يسخر من هذه الأمة ويضحك لبكائها ويتسلى برؤية آلامها.ولمن يقول هذا؟لي أنا؟

كلا يا صاحبي،لا تقتحم بوجهك نار الجحيم.كلا،إنه قلم الحق،ولو أن للمحافظة جلود التماسيح لكويتها بهذا القلم مثل كَيِّ النار حتى أجعلها تَثِب وثبَ الأرانب.وإن من الورق ـ يا صاحبي ـ ما يصلح أن يكون كفناً لميت،وإن من الحبر ما يسوّد الوجه ويُعمي البصر،ويومئذ تقول(إن استطعت المقال):ما أشد من الحبر إلا الورق!

وهذا إنذار من قلم لو وضعته على حديد لبراه ،ولو سُطتُ به ظهور المَردة لتلوّث من تحته المردة،فكيف إن كانت تَمدّه حقائق تَشين إبليس إن نُسبت إلى إبليس؟وكيف إن كان يحميه هذا الشعب الذي ينطق باسمه ويدافع عنه،ويكرمه أن يهزأ به ويُسخر من آلامه.

إنذار لمن يظن جهلاً أن هذا الشعب حارب فرنسا يوم كانت فرنسا أقوى دول الأرض،وشرى بالمهج استقلاله وبالدم وبأجساد الضحايا وأرواح الشهداء،ليترك نفراً من أبائه يجيئون في آخر الزمان ليُذلّوه ويحتقروه،ويُغَطّسوه في الوحل ويَغطّوه في الطين.

وما بعد الإنذار إلا قدح النار،والله هو المستعان“.

يقول الأستاذ عصام العطار:

„وهناك أمر خطير كل الخطورة أحب أن ألفت إليه الأنظار، إنه ذلك الجهد الكبير المتنوع الأشكال والألوان الذي تقوم به جهات خارجية وجهات داخلية: سياسية وثقافية وصحفية، لفلسفة الواقع العربي التشرذمي والإنهزامي الراهن،وتبريره وجعله الأساس والمقياس،ودفع العرب في طريق الاستسلام والانسلاخ عن المبادئ والقيم والهوية والثوابت الدينية والقومية والوطنية،فالوحدة العربية عندهم وهم وعبث أن يسعى إليها وإضاعة وقت، واسترجاع ما اغتصب من أرضنا وامتلاك القدرة على مناهضة عدونا وهم! والتحرر من هيمنة الدول الكبرى وهم! والتمسك بالهوية الإسلامية والعربية والوطنية في عصر العولمة وهم وتخلف وعائق عن التكيف والتقدم والحياة،إنهم يغذون الإحباط ويشيعون اليأس من كل شئ أصيل كريم رفيع ولايفتحون إلا أبواب الاستسلام والاغتراب والضياع“.

نعم، إننا نعيش وللأسف في كثير من الأقطار العربية والإسلامية على أنظمة تعتمد قولاً سائراً مؤداه:“هناك جرائم تصبح محترمة بقوة الاستمرار“.حيث صفد القلم،وصفدت حرية الرأي والفكر،بأغلال وقيود شتى،والتمس الحاكم ومن وراءه الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تدور في مداره، وتعيش على فضلاته لا أقل أفضاله،وأصدرت القوانين وشرّعت الشرائع وخلقت المعاذير من أجل حماية الحاكم ونظامه تحت مسميات كثيرة، ومنها حماية النظم الأساسية للدولة من الدعوات والتنظيمات الهدامة والإرهابية،أو حماية مؤسسات الدولة من أيادي الهدم والفساد،أو لحماية المجتمع والأخلاق من الأقلام المزيفة والعميلة…

وهذا يبين أن قليلاً من القمع، يسنده تشريع ظالم وتحميه وتؤيده قوى تنفيذية غاشمة،فإن هذا كاف وعلى مدار السنين وتعاقب الأجيال لإماتة دعوة الحق،ولإرهاب دعاة الحق،فإذا ما سار الناس زمناً على ذلك ألفوا الباطل واستألفوه،وأنسوا به واستأنسوه،وعدوا المنادي بالعدل والحق والحرية ثائراً أو خائناً أو زنديقاً أو رجعياً أو مجنوناً أو ارهابياً…ولكننا نقول لأمثال هؤلاء الحكام الظالمين ومن خلفهم من الكتاب المأجورين المنافقين ما قاله لامثالهم الأستاذ عصام العطار:“ كفى بالمرء خيانة أن يكون عوناً للخائنين، وظلماً أن يكون عوناً للظالمين، وفساداً أن يكون عوناً للمفسدين“.

وهناك أمر آخر شديد الخطورة وهو تيسير الطغاة وأعداء الإسلام لبعض الأقلام في مهاجمة اللغة العربية أي لغة القرآن والإسلام،ويسخرون كل الامكانيات من أجل محاربة الإسلام ولغته العربية لغة القرآن ولغة الإسلام.

يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(لواء الإسلام العدد 1 السنة 13،رمضان 1378 هجري):

„لما يئس أعداء الثقافة الإسلامية من أن ينالوا من القرآن الكريم ذاته عندما همّوا بذلك من قبل،اتجهوا إلى أمور حوله وحول الإسلام وعلومه ،وكل أثر فكري عاش في ظل الإسلام،لقد أخذوا يدعون إلى هجر الحروف العربية،لأنها أصعب قراءة وتعلماً في زعمهم،وأخذوا يرددون قول قاسم أمين،وكأنه تنزيل يتبع:(غيرنا يقرأ ليفهم،ونحن نفهم لنقرأ)وذلك عجز من لم يقوّم لسانه تقويماً عربياً،وقالوا وعليهم إثم ما قالوا:إن الكتابة بالحروف اللاتينية فيها تصوير الحركات الصوتية بحروف،ونسوا أن ذلك ممكن في العربية بالشكل،والشكل أسهل من الحروف كتابة،وأقل منها حيزاً،وإن الناس منذ أقدم العصور يعلمون أولادهم الحروف العربية من غير أن يشكلوا صعوبة،ولكنهم يخلقون فكرة الصعوبة ويثيرونها في كل مكان ليحلوا الحروف اللاتينية محل العربية.ومقصدهم واحد  وهو قطع الشاب العربي المسلم عن ثقافته الإسلامية قطعاً تاماً،لأن الذخيرة الإسلامية التي هي الصلة بين الماضي والحاضر مكتوبة بالحروف العربية،فإذا نشأ الفتى يجهلها فإنه تنقطع الصلة بينه وبين ذلك الميراث الفكري التليد.

وأمر آخر أقرب إلى مقاصدهم،هو قطع صلة الناشئة بالقرآن الكريم،لأنه إما أن يكتب باللاتينية،وهي لا تصور نغماته ولا مده وإما أن يهجر هجراً،وذلك ما يبغون،ولقد ضل سعيهم ،وذهب هباءً منثوراً.

وإنا نجد من الشبان يتلقين من طواغيت الإلحاد من يريدون أن يحيوا الأدب العامي،ويجعلوا لكل إقليم من الأقاليم العربية أدبه الخاص،بل إنهم ليندفعون فيقولون:يجب أن توضع قواعد للغة العامية في كل إقليم،وإن ذلك الكلام يمزق العرب تمزيقاً،والذين ينطقون بهذا يجعلون هدفهم الأمة العربية التي يريد المستعمرون تمزيقها،وإني أحسب أن هؤلاء مدفوعون من أعداء البلاد العربية دفعاً،فإني أفهم أن يتكلم خطيب بالعامية ليفهمه السامعون في إقليم معين،ولكن لاأفهم مطلقاً أن تعمّم العامية،وأن يجعل لها أدب وموضع دراسة،لا أفهمه إلا أن يكون هدماً للبناء العربي.وإنهم لا يقصدون العربية فقط،بل يقصدون الإسلام أيضاً،لأنه إذا نشأ الشاب على العامية لا يعرف سواها،ينقطع انقطاعاً معنوياً عن القرآن والسنّة والمأثور العربي الإسلامي،وذلك أهم ما يرغبون فيه،إنهم لا يريدون علماً،بل يريدون توهين الإسلام ومآثره،وإبعاد البيئة المسلمة عن تلك الآثار،لتعُبّ من الغرب عبّاً،وتأخذ الغثّ والسمين منه،ويفنى الشرق في الغرب،والإسلام في الديانات الأخرى،ويذهب اليقين والإيمان،ويكون المسلمون قوماً بوراً،ولكن كُشف أمرهم في دعاياتهم فارتدوا خاسئين.

ويتابع الشيخ أبو زهرة رحمه الله:

„ولقد اتجهوا إلى أشد ما يلقي بالشك لا في الإسلام وحده،ولا في الأديان كلها فقط،بل يلقي بالشك في القيم الخلقية الإنسانية المتوارثة التي هي ذخيرة الإنسانية،والفارق ما بين الإنسان والحيوان.

أرادوا أن يثيروا كل الغرائز الحيوانية في نفس الشباب،واتخذوا لذلك طرائق كلها هوجاء ليس فيها طريق مستقيم.

وأول هذه الطرق التي أثاروها ما يسمونه“الأدب المكشوف“ تارة،و“الأدب الجنسي“ تارة أخرى،وهما يتجهان إلى صوب واحد،وهو إثارة الغريزة البهيمية في نفس الشباب حتى لا يستطيع أن يستعصم ويستمسك بالفضيلة،ويعيش في جو حيواني لا يسمو فيه إلى مراتب الإنسانية السامية،ولقد شقّوا طريقهم الآثم إلى هذه الغاية،فوجدنا صحفا  معينة مملوءة بالصور العارية،والمناظر المثيرة،بل تجاوز الأمر فوجدنا الطرقات مملوءة بالإعلانات المشتملة على صور فيها مناظر مثيرة لتجتذب الشباب بهذه المناظر إلى دور الملاهي وقد تجسمت فيها هذه الصور العارية،فيكون الشباب في بلبال مستمر،واضطراب نفسي فينحدرإلى الهاوية،إلا من عصم الله،وسلمت نفسه من هذه الآفات.

إنه يجب أن يعلم هؤلاء أنه ما يسمونه الأدب المكشوف أو الأدب الجنسي ضد الفطرة الإنسانية،فإن ستر ما بين الرجل والمرأة هو نداء الفطرة،وإن الكتب المقدسة كلها لتصرّح بأن آدم وحواء عندما خرجا من الجنة،وبدت لهما سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنهما شعرا وقد جاءا إلى هذه الحياة أن فيها ما يجب ستره،وبالتالي يجب ألا يكشف ولا يعلن.

ولقد أرادوا أن يصوغوا ذلك المجون فلسفة،ويعتبروه ثمرة فكرة،فقالوا:إنه مذهب فلسفي قويم،هو مذهب الوجودية،وما علمنا أن انطلاق الإنسان من كل القيود الأدبية والاجتماعية والاستهانة بكل القيم الإنسانية الموروثة،والتي بها سموها وعلوها تُعد مذهباً يُدرس ،وفلسفة تدّون ويُدعى إليها.

وإنهم يدعون إلى الإباحية تلك الدعوة التي لا تجد قائماً إلا قوّضته،وينشرون بين الشباب ما يثير غرائزه،ثم يقولون مع ذلك:إن الشباب في كبت،وهذا عجب! يثيرون كل ما إلى الاندفاع نحو اللذة البهيمية،وليس كل شاب واجداً،فيكون اضطراب النفس،وانحباس الأهواء المندفعة التي أثاروها،ثم يشكون مع ذلك من ثمرات جريمتهم.

ألا إن كل هذا يقصد به الذهاب بخلق الحياء،وهو خلق الإسلام،فقد قال النبي صلى الله عليه وةسلم:“إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء“[رواه ابن ماجة والطبراني عن أنس رضي الله عنه وصححه الألباني] ولكن هل يصلون إلى ما يقصدون؟إن أملنا في شبابنا المسلم لعظيم،ولن ينالوا من خلقه ودينه،وسيذهب كل هذا الزبد الراغي:{فأمّا الزّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض}[الرعد 17] انتهى كلام الشيخ أبو زهرة رحمه الله.

وهناك من يتصدى للطاغوت بادئ ذي بدء، ويُدافع عن الحق والخير والعدل،ولكنه لايستطيع أن يتابع المسير،ولايريد أن يتحمل نتائج مايسطره القلم،وماينجم عن ذلك من مشقة ومعاناة وألم،ومايترتب على ذلك من تبعات وعقبات وتضحيات، فَرُبَّ كلمةٍ سلبت نعمة وجلبت نقمة!

إنهم أُناسٌ مَلّوا المقاومة فاستسلموا،واستصعبوا الغاية فانهزموا،عاشوا مترددين مابين عذاب الضمير وعذاب المعارضة،فاحتملوا الأول وتخلوا عن الآخر،عاشوا شيوخاً وهم في سن الشباب،وعاشوا شباباً وهم في سن الشيخوخة، عصوا الهوى صغاراً وأطاعوه كباراً.

جاء في المجموعة الكاملة للدكتور طه حسين(المجلد 11 ص421):

„قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ:“ألم تر إلى فلان وُلد حراً،وشبّ حراً،وشاخَ حراً،فلما دنا من الهرم آثر الرق فيما بقي من الأيام على الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟ قال الاستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:أضعفته السن،فلم يستطع أن يتحمل الشيخوخة والحرية معاً، وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباءً ثقالاً“.

والمصيبة لاتقف بهؤلاء الناس عند هذا الحد، بل إنهم يسقطون في بحر التأويلات ومستنقع التبريرات،ويُحاول كلاً منهم أن يجد لنفسه الأعذار من أجل أن يلحق بركب الطاغوت وأن يصبح تابعاً من أتباعه،بل عبداً من عبيده،يُسخر قلمه وإمكانياته لتمجيد الطاغوت وحكمه وحكمته وزبانيته وأعوانه من جهة،ومن جهة أخرى لمحاربة رفاق الأمس، أعداء اليوم من أنصار الحق والحرية، ومن جهة ثالثة لتبرير تحوله وانقلابه.

قال التلميذ الناشئ لشيخه الحكيم(عصام العطار):

هل رأيت أسوأ من فلان الذي تحوّل على الزمن عبداً صريحاً للطاغوت؟ وطالما تغنّى بالحرية والكرامة والتمرد على الطاغوت؟ قال الشيخ الحكيم:أسوأ منه فلان الذي تحوّل هو الآخر عبداً للطاغوت كتحوله أو أشد، لكنه راح يغلف واقعه الجديد ويلتمس له المبررات الكاذبة، ويُلبسه ثوباً زائفاً من الاقتناع والمصلحة،فأضاف إلى حقارة العبودية، رذيلة الإزدواجية والمخادعة والكذب.

ويقول الأستاذ عصام العطار ايضاً:

„إذا كنتم تلتمسون لأنفسكم الأعذار في مهادنة الباطل، فما هو عذركم في محاربة الحق؟“.

إن القلم ياصاحبي في يد الشجاع الحر الأبيّ منارة تهدي ونار تكوي وعقول تبني،والقلم في يد الجبان الدنئ، كالخنجر بين يدي الطفل الصغير يجرح ويُدمي، وكالدواء بيد الطبيب الجاهل الغرير يقتل ولايشفي، وإن تملق القياصرة تكلف الشعراء شططاً عظيماً ياصاحبي!!

وأديب قوم تستحق يمينهُ            قطع الأنامل أو لظى الإحراق

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله:

أما وقد فارقتنا ياقلم                   وصالحَ اليأسُ عليك الألم

فخيرُ ما أرجوهُ ألا تُرى               في كفِّ خوّانٍ ولا مُتهم

ولا تَخُطَّ الجهل في صفحةٍ           أبيضُ مافيها سوادُ الحُمم

ولاتَكُن ياقلمي آلةً                    تشتمني باللّغو فيمن شتم

بدأتَ في الأوجِ فلا تنحدر           إلى حضيض الذُّلِ في المُختتم

وهناك من يهاجم طاغوتاً في بلد ويمدحه في بلد آخر،يلعن إبليس هنا،ويصاحب شيطاناً هناك،ولهؤلاء نقول:إن الحق واحد لايتعدّد ولايتغير ولايتبدل مهما تحوّل الزمان وتغير الأشخاص وتبدّل المكان،ونحن لانضرب بسيف الحق باطلاً هنا، ونستله ضد الحق هناك.

يقول الأستاذ عصام العطار:

„إننا لانكفر بالطاغوت في مكان ونؤمن به في مكان،ولانحاربه في بلد ونكون جنده في بلد،ولكننا نكفر بالطاغوت ونحاربه حيثما كان،ونقف مع الحق في كل مكان وزمان“.

ويقول أيضاً:“ هيهات هيهات… إن مخاصمتي لطاغوت لا يمكن أن تضعني في خدمة طاغوت آخر مهما كانت الظروف“.

ياصاحب القلم! إذا كنت تخشى عواقبه، وتخاف من تحمل نتائجه ،فاكسر القلم ،وتجنب قول الباطل، وإن كنت غير قادرٍ على قول الحق فاعتزل الكتابة ولاتضع المبررات لعجزك وخوفك وضعفك، فإنك إن أرضيت طاغوت الأرض فلن يرحمك جبار السماء:

وما من كاتب إلا ستبقى            كتابتهُ وإن فنيت يداه

فلا تكتب بكفّك غير شئ            يَسرُكَ في القيامة أن تراه

يقول الأستاذ عصام العطار:

„وإن لم تستطع أن تكون سيف الحق، فلا تكن سيف الباطل، وإن لم تكن في جند الله فلا تكن في جند الطاغوت“.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ(تذكرة للدعاة ص9):

„وهناك خطباء أبواق للسلطة يقولون مايردده الحاكم ولو كان منكراً، ويسكتون عما يرون من المخالفات بل يسوغونها ويؤولونها ويمدحون رجال السلطة بما ليس فيهم،وقد يُعذر المرء في بعض الحالات بأنه لايستطيع أن يقول الحق لما يخشى أن يجره عليه من البلاء، ولكنه يجب ألا يقول الباطل وليس له عذر“.

نعم ياصاحبي، إن الأديب كالفنان الذي يُسخر قلمه لخدمة الواقع الفاسد،يصبح جزءاً من هذا الواقع الفاسد ويصبح مسؤولاً أمام الله عز وجل عن مشاركته في هذا الواقع وخدمة الأهواء والطواغيت.

يقول الأستاذ عصام العطار:

„إ ذا سقطت في شراك الواقع الفاسد غدوتَ على الزمن جزءاً من هذا الواقع،وعدواً فعلياً لكل مثل أعلى وهدف رفيع،وفقد وجودك غايته ومعناه الأصيل الكريم“.

ويقول أيضاً:“نعم، أنا أحب الأدباء والفنانين الذين يعتزون بشخصيتهم ويحرصون على كرامتهم، ويخلصون لأدبهم وفنهم ،ويأبون أن يضعوا أنفسهم وادبهم في خدمة المطامع والمنافع والأهواء وخدمة الطاغوت بأي صورة من الصور.إذا باع الأديب أو الفنان نفسه وأدبه وفنه، فقد رسالته الحقيقية، وخان أمانة الأدب والفن والموهبة التي اختصه بها الله عز وجل“.

وإن يك الشعر مايرون فإني           منك ياشعر قد نفضت بناني

ويقول الشاعر الكبير نزار قباني:

والشعر ماذا سيبقى من أصالته؟        إذا تولاه نصاب ومدّاحُ

وكيف نكتبُ…والأقفال في فمنا؟       وكل ثانية يأتيك سفاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني     ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإذا كان عبيد القلم لا أربابه، وإذا كان عبيد الطاغوت لا كتاب الحق هم العنصر الغالب في كل عصر ومصر،وهذا هو واقعنا الحالي الأليم حيث علا الباطل وفار،واشتد الطغيان وثار،إلا أنه تبقى فئة قليلة من الكتاب تكتبُ مما يمليها عليه الضمير والإحساس، تنشد الحق، وتدافع عنه،وتوصله إلى الجماهير المتعطشة إليه رغم أنوف الظالمين .

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد756 عام 1947):

„إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدعَ بالحق جهاراً في غير جَمجمة ولا إذهان. ولو عرفتُ أني أعجزُ عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفتُ به إلى حيث يذِلُّ العزيز ويُمتهن الكريم…وأنا جنديٌّ من جنود هذه العربية، لو عرفتُ أني سوف أحملُ سيفاً أو سِلاحاًأمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نَذرتُ على هذا القلم أن لايكُفّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكاناً أقول فيه الحق وأدعو إليه،لاينهاني عن الصراحة فيه شئ مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة“.

ويقول أيضاً رحمه الله(الرسالة العدد1018):

„ظللت أياماً اسال نفسي: فيم أكتب؟فيم العناء والنصب؟علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إني لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ولكني أحس من سر قلبي أني أكتب، ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا ادري من هو، ولا أين هو.أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد سوف يقدر ان يقرأني؟ويتابع رحمه الله:

„لقد طرأت على هذا العالم العربي والإسلامي طوارئ،فإذا لم يصدق نفسه فلا نجاة له.واحتوشته الامم المفترسة بأساليبها الظاهرة والخفية.فإذا لم يصدق النظر فلا خلاص له.لست قانطا ولا مقنطاً. كما يتوهم من يحب أن يتوهم. ولكني أرى بلاء نازلاً بنا.ونحن نخوضه كأنه رحمة مهداة, وبئس ما نفعل؟ وبئس مطية الأعمال الكذب.

من حيث أتلفت أرى وجوهاً تكذب، ووجوهاً مكذوباً عليها. وأسمع أصواتاً تخدع،وآذاناً مخدوعة بما تسمع. وأقرأ كلاماً غمس في النفاق وفي التغرير غمساً.وألمح في عيون المساكين ممن قرءوه غفلة تتلالا بفرحة ولكنها فرحة لا تتم عليها إلا بالعمى المطبق عن الحق والصواب.إن هذا كله إعداد للمجزرة الكبرى.حيث تذبح الآلاف المؤلفة منا بمدى حداد استخرج حديدها من معدن القلوب المضطغنة بالعصبية، المنهومة بالمنفعة.وأمهاها ماء الحقد الصليبي الوثني،وأرهفت بلذة الفتك الذي لا تطفأ ناره.

إن الذي نعيش فيه اليوم حياة قد مهد لها جبابرة الدهاة،لا أقول منذ عام أو عامين، بل منذ أكثر من مائتي عام.حطم كل شيء قليلاً قليلاً حتى خر البناء كله.ثم انبعثت من تحت الأنقاض حياة خبيثة تلبس إهاب البشر.غذيت بالسم الذعاف حتى صارت لحماً وسماً.لا لحماً ودماً،ولا يعنيك أو يعنيني أن ننظر: أهي تعرف نفسها وتدرك أنها مسخت أفاعي في مسلاخ إنسان، أم تراها لا تعرف ولا تدرك؟بل يعنينا ـ ويعنيها هي أيضاً ـ أن نصدق المعرفة أنها حيات تنفث سمها في حياة الناس،في حياة الغافلين النائمين.فمن استعصى عليها فتكت به،ومن انصاع لسمها مسخ كمثلها حية تسعى.فإذا قدر لهذه الحيات أن تبلغ الغاية التي مسخت لها،فلن يتم ذلك حتى تكون الأرض العربية والإسلامية كلها خراباً من البشر الأحرار،خراباً تعمره العمار من أفاع وحيات وأصلال.ويتابع رحمه الله:

„فيم أكتب؟ فيم العناء والنصب؟ علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إن بيني وبين الأسماع والأبصار والقلوب، حجاباً صاخباً من غماغم الدجاجلة،وهماهم الأفاكين،وثغاء أهل الغش،وضغاء أخدان النفاق…ويذهب قولي باطلاً ويضيع صوتي مختنقاً، ولم أجن عندئذ عن حياتي إلا شقاء يقول فيه القائل:(إن الشقي بكل حبل يخنق)، حتى حبل الحق والصدق!بأي لسان أستطيع أن أفتق للناس أسماعها غير الأسماع التي طمها الكذب المسموع؟وبأي قلم أستطيع أن أسلخ عن العيون غشاوة صفيقة لبسها الكذب المكتوب؟وبأي صوت أستطيع أن أنفذ إلى قلوب ضرب عليها نطاق من الكذب المسموع والمكتوب؟وبأي لسان،وبأي قلم،وبأي صوت؟ولكنه، على ذلك كله واجب، وإن كان جهد لا ثمرة له! وهو كذلك ، وإذن فليس لي أن أسأل نفسي: فيم أكتب؟ ولم هذا العناء والنصب؟وعلام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟

وإذن فقد كتب علي أن أنصب وجهي لهذا الشقاء، لا أبالي أن أحترق،ولا أحفل أن أعود سالماً،ولا آبه لما يصيبني، مادام حقاً علي أداؤه.

إنها أيام بلاء ومحنة: من عدونا حيث بلغ منا كل مبلغ،من أنفسنا، حيث صار كل امرئ منا عدو نفسه وعقله،عدو تاريخه وماضيه،عدو مستقبله من حيث يدري ولا يدري.وإنها أيام ضلال وفتنة، تدع الحليم الركين حيران،بلا حلم ولا ركانة،تدع البصير المهتدي،أعمى بلا بصر ولا هداية.تدع الصادق الحازم، غفلاً بلا صدق ولا حزامة.ولكنها على ذلك كله، كتبت على الحليم الركين،وعلى البصير المهتدي، وعلى الصادق الحازم ـ أن يعيش في شقائها بلا ملل،وأن يكون فيها كما قال الشاعر عمران بن حطان في أهل الدنيا:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها                   على إنهم فيها عراة وجوع

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد766):

„لمن أكتب؟لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ولم أكتب؟ولكني أحس الآن من سر قلبي أني إنما أكتب ،ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا أدري من هو،ولا أين هو:أهو حي فيسمعني،أم جنين لم يولد بعد سوف يقدّر له أن يقرأني؟ولست على يقين من شيء إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يوماً على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها،وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم،تطمس هذه الحضارة التي فارت بالاحقاد والأضغان والمظالم،ولم يتورع أهلها عن الجور والبغي في كل شيء حتى في انبل الأشياء وهو العلم“.