الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

أدباء وفقهاء ولكن أطباء (1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

أدباء …  وفقهاء …  ولكّن أطباء

ـ سُئل أعرابي عن أخ له فقال :“اعتورته الهموم،واستلحمته الفكر،وتضيفته الأحزان،وتخلَّلته البلابل „(البصائر والذخائر ج2 ص135 مقطع 459).

ـ الظلال (ج1 ص43 ) {في قُلُوبهم مرضٌ فَزادَهُمُ الله مرضا }[سوره البقرة10].

يقول سيد قطب رحمه الله: “ فالمرض ينُشئ المرض والانحراف يبدا يسيرا ثم تنفرج الزاوية في كل خطوه وتزداد، سُنَّة لاتتخلف سُنَّة الله في الأشياء والأوضاع وفي المشاعر والسلوك“.

سيد قطب(الرسالة العدد394):

„هذه الحياة الدنيا عجيبة،فهي ما تزال تنشىء السم وتدس فيه الترياق،وتخلق السقم وبين طياته عناصر الشفاء.وما تزال تخيل لأبنائها السذج أنها موشكة على التلف مشرفة على البوار،فتثير فيهم قواهم الكامنة،وتستحث منهم هممهم الراكدة،ثم إذا هي تنصل من الداء،وتنهض من الكبوة،أشد ما تكون عافية،وأوفر ما تكون قوة،كصحو الطبيعة غب الوابل المنهمر،وصفو الكون بعد العاصفة الهوجاء!“.

سيد قطب(مقال بعنوان بعثة طبية ـ الرسالة العدد 665):

„والنيابة والحكيم هذان هما الشيئان الهائلان المخيفان في القرية كلها.

وما وظيفة الحكيم؟

أليست وظيفته أن يشرح جثث الموتى،وأن يبقر بطون المصابين،أو يقطع أيديهم وأرجلهم لمجرد الإيذاء،أو لكي يفحصها ويلتذ بفحصها؟أو أن يسقي المرضى(الفنجان) أي السم ليموتوا،حتى لا يتعب في علاجهم،أو تلبية لرغبة العمدة الذي يرشوه للتخلص من خصومه الذين يصابون في الحوادث!

فما هم وهذا الحكيم؟

إنهم ليسوا قتلى يشرحهم،وليسوا مصابين يقطع أوصالهم،أو يسقيهم“الفنجان“…ولكن،أو يستدعيهم إلا لأمر ما؟أخف شىء يصنعه بهم هو „التجريح“…(وهو الاصطلاح الذي يطلقونه على عملية التطعيم)،تلك العملية المرعبة التي يندب لها بعض معاوني الصحة،وبعض الممرضين في الحين بعد الحين،فترّوع القرية ترويعاً…وما أن يعلن أن في البلد „الحكيم الصغير“(تمييزاً اه من الحكيم الكبير)الذي يطلبهم الآن والذي يرافق النيابة دائماً ولا يحضر مفرداً ما أن يعلن هذا حتى ترتج وترتجف.فتخرج الأمهات إلى الشوارع مولولات مذعورات يلتقطن أطفالهن من كل مكان في ذعر وعجلة،ثم يغلقن على أنفسهن الأبواب،ويصعدن إلى السطح استعداداً للقفز عليها من بيت إلى بيت،فكثيراً ما يدق هؤلاء الشياطين الأبواب،ويكسرونها بمساعدة الخفراء،ويهجمون على من فيها (للتجريح).

فأما من تستطيع القفز إلى البيوت المجاورة،فلن تقصر في سلوك طريق النجاة،وأما من لا تستطيع،فإنها تختبىء في صومعة الغلال،أو في م الدجاج،حيث لا يخطر على قلب (الحكيم) أنها هناك!

هذا هو الحكيم الذي يعرفونه…فما بالهم بالحكيم الكبير الذي لا يحضر إلا مع النيابة،والذي لا يقع أحد في يده،ثم ينجوا إلا بمعجزة من معجزات القدر،أو ببركة(تميمة) لولي من كبار الأولياء؟!

وارتجفت مفاصلهم جميعاً وهم يسمعون الخبر الفاجع،اصفرت وجوههم،وعلا صوت بعضهم بالنحيب والعويل!

ووصلوا إلى الدوار،ولا يعلم إلا الله كيف وصلوا.ووقفوا صفاً طويلاً.أوله في داخل الدوار وآخره في الشارع أمامه.وعن اليمين وعن الشمال وقف الخفراء ببنادقهم(ولبدهم) الطويلة،ووقف أحد المدرسين في أول الصف وأحدهم في آخره.أما الناظر فقد سبقهم إلى الحكيم ليطمئنهم قليلاً،ويظهر أمامهم بمظهر الشجاعة المطلوب!

وكان ترتيب الصف حسب الطول،فتقدم كبار التلاميذ وتبعهم الصغار أو القصار.وفي هذه اللحظة أصبح القصر نعمة من نعم الله!

ـ دخلتم للحكيم؟

ـ نعم دخلنا!

ـ وماذا صنع بكم؟

ـ لا شىء! غزّنا في أصابعنا بالدبوس وشفط الدم! ولكن رؤيتهم لهم أحياء أصحاء مطمئنة على كل حال.

ـ وماذا هذا في أيديكم؟

ـ حق من الصفيح نأتي فيه بعينة براز وزجاجة صغيرة نأتي فيها بعينة بول!

ـ عينة براز وعينة بول! ولماذا؟

ـ لا ندري! هكذا طلب منا الحكيم!

ـ الحكيم نفسه طلب منكم هذا؟

ـ لا…الحكيم الكبير غزنا.والحكماء الصغيرون سلمونا الحق والزجاجة وطلبوا منا العينة للحكيم!

وعلى سهولة الطلب ورخصه إلا فإنه بدا عزيزاً وصعباً في كثير من الحالات…لقد طلب إليهم جميعاً أن ينطلقوا إلى دورات المياه بمساجد القرية،وأن يعودوا بعد نصف ساعة ومعهم المطلوب.

فأما الذين كان في أمعائهم بقية فقد انطلقوا مطمئنين،وأما الذين أحسوا أن أمعائهم لا تستجيب لهم، أو حاولوا ولم يفلحوا،فقد علا وجههم الإصفرار،وارتفعت دقات قلوبهم من الخوف،وركبتهم الحيرة التي تركب المذعورين!

وهنا تتفق الحيلة،وتبدو قيمة التعاون!

إن التلاميذ لإخوة،فمتى تظهر قيمة هذه الأخوة إن لم تظهر الآن؟!

لقد انطلق المحرجون يرجون إخوانهم أن يمدوهم بعونهم،وأن يتولوا عنهم ملء هذه الإحقاق!

وهنا تظهر الطبائع على حقيقتها.فالشدائد هي أفضل محك لها فأما ذوو الأصل الطيب والطبع النبيل من التلاميذ فقد تقدموا لمعاونة زملائهم بلا تردد.وأما قليلو الأصل وذوو الطبائع اللئيمة،فبعضهم امتنع شفاء لحزازات قديمة،وبعضهم تمنع لؤماً والنتهازاً للفرصة!

وما هي إلا دقائق حتى كانت الإحقاق كلها مليئة،فتسلمها الحكماء في اطمئنان عميق…وسمح للتلاميذ بإجازة بقية اليوم،فعادوا إلى منازلهم غير مصدقين!

وعلم فيما بعد أنها كانت بعثة طبية للقيام بإحصاء طبي عن حالات الأنيميا(فقر الدم)والبلهارسيا والأنكلستوما(نوع من الديدان)والاسكارس(نوع من الديدان).

ولكنه لم يعلم كيف كانت النتائج التي دونتها البعثة في إحصاءاتها الرسمية الوثيقة!!!

قيل لأعرابي: ماشدّة البرد؟ قال :إذا دمعت العينان،وقطرالمنخران،ولجلج اللسان“(البصائر والذخائر ج2ص242 مقطع 863).

زكي مبارك (رسالة الأديب :تحت عنوان الألم والحياة):

„قرأت في البلاغ فقرة مُترجمة جاء فيها أن شارلي شابلن قال إن بعض الناس يدهشون لإصراري على الظهور في رواياتي بمظهر البائس المتألم ولكن أليس في الألم كل معنى الجمال؟ يقول زكي مبارك :فتذكرت أنني قرات لأناتول فرانس منذ أعوام كلمة نفيسة عن الألم وفضله على الحياة فعدت إليه فرأيته يقول ماترجمته بتصرف يسير  بين الوهم والألم الذي يحيط بنا يبدو شيئ واحد محقق ذلك هو الألم“.

أحمد حسن الزيات (وحي الرسالة ج1 ص50 ـ لماذا ترجمت آلام فرتر):

„تسألني صديقي العزيز:لماذا ترجمت فرتر…وللجواب عن هذا السؤال حديث،والحديث غداً سيكون قصة،وليس يعنيك اليوم منها إلا مانجم عنها:

قال“جيته“ يوماً لصديقه“أكيرمان“:“كل امرىء يأتي عليه حين من دهره يظن فيه أن „فرتر“ إنما كتبت له خاصة“:

وأنا في سنة 1919 كنت أجتاز هذا الحين: شباب طرير  حصره الحياء والانقباض والدرس ونمط التربية وطبيعة المجتمع في حس مشبوب يتوقد شعوراً بالجنال،وقلب رغيب يتحرق ظمأ إلى الحب،ونوازع طماحة ما تنفك تجيش،وعواطف سيالة ماتكاد تتماسك…فالطبيعة في خيالي شعر،وحركات الدهر نغم،وقواعد الحياة فلسفة…وكان فهمي لكل شىء وحكمي على كل شخص يصدران عن منطق أفسد أقيسته الخيال،وزوّر نتائجه المثل الأعلى.ثم غمر هذه الحال التي وصفت هوى دخيل هادىء ولكنه مُلح،فسبحت منه في فيض سماوي من النشوة واللذة،وأحسست أن وجودي الخالي قد امتلأ،وقلبي الصادي قد ارتوى،وحسي الفاتر قد سكن،وتخيلت أن حياتي الحائرة قد أخذت تسير في طريق لاجب تنتثر على مدارجه نواضر الورود،وترفُّ على جوانبه نوافح الريحان،وتزهو على حواشيه ألأوان عبقر،وترقص على حفافيه عرائس الحور.وذهبت أسلك هذا الطريق السحري محمولاً على جناح الهوى كأنني“فوست“ على جناحي“ميفوستوفاليس“ حتى ذكرني الزمان الغافل فأقام عليه عقبة اصطدم عندها الخيال بالواقع والحبيب بالخاطب والعاطفة بالمنفعة!

على أنني بقيت على رغم الصدمة حياً،ولابد للحي أن يسير.

تطلعت وراء العقبة أنظر الطريق فإذا الأرض قفر والورد عوسج والريحان حمض والعرائس وحوش…

فشعرت حينئذ بالحاجة إلى الرفيق المؤنس…ولكن أين أنشد ما أبغي وحولي من الفراغ نطاق مخيف،وأمامي على أسنة الصخور أشلاء وجثث؟هذه أشباح صرعى الهوى تتراءى لعيني،وهذه أرواح قتلاه تتهافت عليّ،وهذه سجلات مصارعهم بين يدي. فلم لا أحدو بأناشيدهم رواحلي،وأقطع بمناجاتهم مراحلي،والتمس في مواجعهم لهواي عزاء وسلوة؟

يقول أحمد حسن الزيات (من وحي الرسالةج1 ص396):

„لقد كنا لانرى الموت إلا حيث تكون الشيخوخه الفانية،ولا نسمع بالمرض إلا قبيل الموت المرغوب،ولا نعرف من الأطباء إلا طبيب المركز يوم يزور القرية كل أربع سنوات فيأمر بتسوية التلال،وكنس الأزقة،ورش الحيطان الخارجيه بالجير،وكانت النفوس راضية مطمئنة تسبح في فيض من نعيم السلام والدّعة لا يرمضها حقد على إنسان ولا يقلقها حرص على شيئ،أما اليوم فكأنّما أصاب الناس سعار من الجحيم فلا يبرحون بين عمل دائب،وهمّ ناصب،وطمع شره، وتنافس دنئ،وعداوة راصدة،ثم فشا الطب ففشا المرض،وانتشر العلم فانتشرت الجريمة،وفاض الخير وغاضت البركة،واستبحرت المدنية المادية فخفت بين ضجيجها الآلي صوت الضمير،وهلك في عبابها المُزبد سلام النفس،وكان الظن بالمدنية والعلم أن ينزعا من نفوس بني الإنسان غرائز الحيوان،ويُهيأ لهم حياة الجنة التي حرمتهم إياها رذيلة الطمع،فهل رُفع الإيمان من الأرض حتى عمَّ الناس هذا البلاء وأصاب العلماء منه ما أصاب الجهلاء؟“.

أحمد حسن الزيات( وحي الرساله ج1 ص489):“فالفتى من تباريح الجوى أصيب بالسل فمزّق رئتيه،وشفّ جسمه،فهو في السرير عظم هامد ينتظر النهاية المحتومة،والأم من هول النكبة أخذها الفالج فهي سطيحة الفراش لا تمرّ ولا تحلى،والأب من فقد الرجاء اعتراه الخَبال فمات قتيلاً في حادث محزن“.

أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 394ـ مقال:خواطر مريض):

„عقدني(الروماتزم) شهراً بالسرير لا أتورّك ولا أتحرك.وكانت دنياي في هذه الفترة الفاترة قد انحصرت في غرفة المرض كما تنحصر دنيا الطائر السباح في القفص،أو حياة المخاطر الطماح في السجن.فالنشاط الحيوي الجياش بالعمل والأمل ينقلب في المريض والسجين نوعاً من الهدوء الفلسفي الصوفي يردُّ كل ثورة إلى السكون،ويروض كل رغبة على الرضى،ويزيل عن البصر والقلب غشوات الباطل فيرى المرء كل شىء على طبيعته،ويدرك  كل معنى على حقيقته.

تلك هي حياتنا الدنيا! أراها من وراء المرض على لونها الأصيل ووضعها الحق:ظاهرة متغيرة من ظواهر الطبيعة المتجددة،مثلها في الإنسان كمثلها في الحيوان،تعيش بالغذاء إلى أمد مأمود،وتبقى بحفظ النوع إلى أبد محدود.

في المرض يزداد يقين المرء بأن الدنيا زائلة،فهو يأسى على ما جنى ويندم على ما جمع،ولكنه حين يصحّ تمتد آماله وتتشعب مطامعه ويعود عبداً للطبيعة يعمل لأنها تريد،وينفذ لأنها تحكم،فليت شعري إذا عقل كل الناس فعمل كل امرىء ما يلزم،وقنع بما يقوت،وكفّ عمّا لا يحل،فبماذا يشتغل قضاة المحاكم وقواد الجيوش وصناع الأسلحة ورؤوساء الأحزاب؟“.

أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 690):

„أنا أيضاً ضحية هذا المقياس الحديث لضغط الدم!كنت من قبل أحمد الله على دوام الصحة،وأغبط نفسي على فراغ البال،فإذا مسّني الضرّ لسبب من أسبابه المألوفة،احتملته راضياً لأنه التغير الذي يدفع من سأم العيش،والتنوع الذي يزيد من جمال العافية.

فلما كتب الأطباء عن ضغط الدم وأعراضه،وتحدث الناس عن آثاره وأمراضه ،تلمست شواهده في جسدي،فإذا صوت يشبه(الوشّ) في رأسي،وحركة تشبه الاختلاج في صدري،فزرت الطبيب المختص،فظل وقتين طويلين في يومين متعاقبين،يجس بيده،ويقيس بمقياسه،ويصور بآلته،ويدون في مذكراته ،وأنا في كل ساعة من هذين اليومين أذوب ولا أثوب،وأنظر ولا أرى،وأسمع ولا أعي،وأتوهّم ولا أفهم،حتى قرر الدكتور أن أعضائي الرئيسية صحيحة،ولكن عندي ارتفاعاً في الضغط يخشى إذا أهملته أن يصبح خطراً لا حيلة فيه.ثم نظم لي الغذاء ووصف الدواء ونصح لي أن أزوره الحين بعد الحين.

وهكذا خرجت يا صديقي من عيادة النطاسي الكبير وأنا نوع آخر من الخلق،فيه الروح وليس فيه الحياة،وعنده الهمّ وليس عنده الأمل!أصبحت منذ ذلك اليوم كمريض(موليير)،أتوهم أن في كل أكلة أو حركة أو فكرة ضغطاً على الضغط يشده ويوتره،وأتخيل أني(كبالون) الأطفال المنفوخ أخف صدمة تفجره وتدمره.فأنا آخذ نفسي أخذاً شديداً بالجوع والظمأ والحرمان والتبلد والركود،فلا أطعم ما أشتهي،ولا أنعم بما لذّ،ولا أشتغل بفعل ولا فكر،ثم أهرع كل اسبوع إلى المقياس المخوف فأجده ثابتاً على رقم الخطر لا ينخفض ولا يتذبذب! فأسأل عن علة ثبوته على قلة قوته،فأعلم أن أشد ما يغذي الضغط ويقويه ،إنما هو الاكتراث له والتفكير فيه.وهل يستطيع المحكوم عليه ألا ينظر إلى السيف وهو مُصلت فوق رأسه،أو يملك المسموم ألا يفكر في الموت وهو يتغلغل في طوايا نفسه؟

الحق يا صديقي أن العيش على هذا الحال جحيم،وأن الله الذي أخفى الأجل عن عباده رؤوف رحيم،فلو كان للأجل مقياس كمقياس الضغط لجعل حياة الإنسان هماً دائماً يمرّ حلاوة الدنيا،ويذوي خضرة الأمل،ويزهق روح السعي،ويذهب جمال الوجود“.

أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد909ـ مقال بعنوان:مثل الشيخ):

„مثل الشيخ كمثل الزرع إذا آتى ثمره ثم هاج واصفر وأوشك أن يكون حطاماً،لا يهتم بأصوله في الثرى لأنها عجزت عن امتصاص الغذاء فحسبه منها أن تتماسك،وإنما يهتم بسيقانه وأوراقه،يخشى عليها نفحة البرد ولفحة الحرّ وهبّة الريح.وكلما تغيّر وجه السماء،أو اشتدت سرعة الهواء،ارتاع وانكمش وتوقع النهاية،فإذا صحا الجو وسرى النسيم الفاتر يداعب الأغصان الملد والأوراق الغضة،تبلد من الهمود فلا يحس نشاطاً لدعابة ولا اغتباطاً بمتعة!وهكذا الشيخ!تذوبه السنون وتضويه العلل فتيبس أسلافه وتجف أعاليه،فيعيش بالاجترار أكثر مما يعيش بالأكل،ويتجه إلى الوراء ليتذكر،ولا يتجه إلى الأمام ليأمل،ويجل باله لأخبار المرض والموت والدواء،أكثر مما يجعله لأخبار الرياضة والولادة والغذاء.فإذا سمع بمرض صديق سأل ما مرضه؟ومن طبيبه؟وما أسباب هذا المرض؟أعنده ارتفاع في الضغط،أم زيادة في السكر،أم تصلب في الشرايين،أم ضعف في القلب،أم اضطراب في الغدد،وإذا قرأ في الصحف نعي رجل سال بأي علّة مات؟وكم سنة عاش؟فإذا كان من طوال العمر سأل بماذا طال عمره؟أكان يتبع في الطعام نظاماً خاصاً،أم كان يسلك في الحياة خطة معينة؟وإذا كان من قصاره سأل لماذا قصر عمره؟هل كان يفرط على نفسه في الأكل أو في الطعام أو في الشراب أو في الدخان؟أم هل كان يسرف على جسمه في العمل أو في الفكر أو في الهمّ؟وإذا وقع على مجلة في الطب أو مقالة في العلاج أو إعلاناً عن دواء ،تلمس في كل أولئك ما يعيد الصحة أو يؤخر الشيخوخة أو يطيل الأجل.وإذا جلس شيخ إلى شيخ لا يسأل أحدهما الآخر عن شدة الغلاء،ولا عن أزمة الجلاء،ولا عن قضية الجيش،إنما يسأله عن مقدار سنه،ونوع أكله،وساعات نومه،وعن الطبيب الذي يعالجه،والدواء الذي يفضله،والنظام الذي يتبعه.

وإذا الشيخ رأى الشباب الريان يمرح في الطريق،والجمال الفتان يخطر في الندى،انصرف ذهنه عن الوسامة والسقامة والفتنة واللذة،إلى العضلات القوية،والحركات العنيفة،والأعصاب المتينة،والشرايين المرنة،والنفوس المفتوحة،فيتحسر على ماض لا يعود،ويتأوه من حاضر لا يبقى!

وإذا الشيخُ قال أف فما ملّ         حياة وإنما الضعف ملا

آلةُ العيش صحة وشباب             فإذا وليّا عن المرءِ ولّى

(المتنبي)

أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 761):

يتكلم عن وفاة الأديب الكبير محمد إسعاف النشاشيبي:

„سبحانك يا رب! شعاع أرسلته ثم رددته،وروح ثنته ثم أعدته،وظلّ بسطته ثم قبضته ولواء رفعته ثم خفضته،وبنو آدم العاجزون الضعاف لا يملكون أمام أمرك البادي وسرّك المكنون إلا أن يشكروا على العطاء والأخذ،ويحمدوا على المحبوب والمكروه.

كنت ثالث ثلاثة استبقاهم الوفاء بجانب إسعاف في ساعاته الأخيرة،وكان الطبيب واقفاً يصف الدواء وينظم العلاج ويرشد الممرضة،وكان المريض جالساً في سريره حاضر الذهن حافل الخاطر يغالب انبهار النفس من الربو،ويجاذب المواد ما رقّ من الحديث:فهو يضع لسانه حيث شاء من نوادر اللغة،وطرائف الأدب،فينتقل من الكلام في (ليس غير) إلى الكلام في ترجمة(جوته) لقصيدة خلف الأحمر،حتى إذا سمع الطبيب يصف له البنسلين قطع الحديث وقال بلهجته المعروفة:أنا أكره البنسلين لأنه أنقذ تشرشل!فقلنا له:ونحن نحبه لأنه سينقذ أبا عبيدة! وكانت مظاهر العزم في حديث(أبي عبيدة) توسع في أنظارنا فسحة الأمل،وتصرف عن أذهاننا فكرة الخوف فلم يدور في خلدنا أن المنيّة كانت مرنقة فوق سريره تنتظر أنفاسه المعدودة أن تنقضي،وألفاظه المسرودة أن تنفد،فلم يكد السامر ينفض والساهر ينام حتى ختمت على فمه المنون فسكت سكوت الأبد!“.

الظلال (ج1 ص86) „بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته“ يقول سيد قطب رحمه الله:

„الخطيئة كسب ان المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة، ولكن التعبير يومئ إلى حالة نفسية معروفة إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذّها ويستسيغها، ويحسبها كسبا له على معنى من المعاني،ولو أنها كانت كريهة في حسّه ما اجترحها،ولو كان يحسّ أنها خسارة ما أقدم عليها متحمساً،وما تركها تملأ عليه نفسه، وتحيط بعالمه لأنه خليق لو كرهها،وأحسّ ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها حتى لو اندفع لإرتكابها، وأن يستغفر منها، ويلوذ إلى كنف غيركنفها، وفي هذه الحالة لا تُحيط به ولا تملأ عليه عالمه،ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير،وفي التعبير  وأحاطت به خطيئته تجسيم لهذا المعنى،وهذه خاصية من خواص التعبير القراني،وسِمة واضحة من سماته تجعل له وقعاً في الحسّ يختلف عن وقع المعاني الذهنية الُمجرّده،والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركه، وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشّع مثل هذا الظل الذي يُصّور المجترح الإثم حبيس خطيئته  يعيش في إطارها ويتنفس في جوّها ويحيا معها ولها“.

مصطفى صادق الرافعي من مقال بعنوان:فلسفة المرض(أوراق الورد):

„خلقت نفس هذا الإنسان وكأنّها ثلاثة أنفس،إذا كان دأباً لها أن تكون طامعة متلفتة وثابة،فهي لا تسكن على رزق تُرزقه،ولا تثبت على حال تحول إليها،ولا تقر في منزلة تسفل بها أو تعلو.

وهي كذلك لا تبرح تنزع مما وجدته إلى ما لم تجده،لأن الشوق أحد عناصرها ،ولا تنفّك متقلبة تجعل ما ترضاه يوماً هو ما تسأمه يوماً،لأن الرغبة إحدى طبائعها،ولا تزال تتخطى حدود الأشياء،لأنها من الأزل بُنيت على الخلود الذي لا يقف على حد.فالشوق الثائر في حاجة إلى فترة تكسر من حدته ،والرغبة المجنونة في حاجة إلى ضعفة تهدىء من ثورتها،وخطوة الخلد التي لا تزال دائبة تتقدم،في حاجة إلى عثرة بمعنى من معاني الفناء المعترضة في طريق الحياة.وبذلك يكون الإنسان دائماً في حاجة إلى بعض الأمراض لا ليمرض ولكن ليصحّ ،إلا أنواعاً من أساليب الموت تسمى أمراضاً لا حيلة فيها،ولا يكون المريض معها إلا كالوعاء يشقق ليُحطم،وينتهي،لا كالوعاء الذي يُصب ما فيه ليُنظف ويُملا ويبتدىء.

فالمرض الرحيم وضع النفس في وثاق يُمسكها حيناً،ليحبسها على تأمل حقائق الحياة المغطاة،ويُكرهها على أن ترى الدنيا أهون من أن تصغى لها نفس ،وأخس من أن يسقط بها قلب،وأحقر من أن تتهالك عليها الأحياء،ثم ليريها رأي العين أن العالم مصبوغ بأخيلتها الوهمية التي نفضت عليه ألوان الجنة فافسدته بهذا التمويه،وتركت أهله يتكذبون في أوصافه ،فيخطئون في حقائقه،وجعله كالقمر هو في ذاته حجرٌ مظلم ،ولكن ذهب الشمس يجعله كله فضة بيضاء.

إنه لا يُفسد الإنسان إلا الغرور،ولا يكون الغرور إلا من الطيش،ولا يطيش بالرأي إلا سوء التقدير،ولا يكون هذا السوء أكثر ما يكون إلا من بلاء العافية على الإنسان“.

وإن من بلاء العافية ثلاثاً:عافية الجسم وعافية الهوى وعافية المال.

فأما الجسم ،فأقرب ما وجدته إلى الحيوان الضاري الخبيث،أشد ما وجدته قوة وعافية.

وأما الهوى فلم يخلق الله شيئاً كل هلاكه في قوته غيره.

وأما المال فعافيته في رجل واحد مرض في ألف رجل إلى ألوف كثيرة،فهو حصر الدنيا كلها في بعض أجزائها،فكأنما تطوف الأمراض في هذا العالم لتُصلح نواحي الإنسانية فيه فتضعف الحيوانية وتكسر شرّة الهوى وتكفّ طغيان المال عن النفس،حتى لا شهوة فيه ولا قوة له ولو جمعوا ما أصلحته الأديان والقوانين من أحوال النفوس وطبائعها،ثم ما أصلحتهُ الأمراض منهاـ لرأيت أن لله أنبياء من هذه الأمراض يُرسلها إلى الدم الإنساني،وأن „المكروبات“السابحة في الهواء كالأملاح الذائبة في البحار،لولا هذه لتعفنت الأرض، ولولا تلك لتعفنت الإنسانية.

تأمل هذا المريض وهو خائر النفس،متخاذل الأعضاء،كاسف الوجه،ميت الهوى،لا يتماسك مما به من الضعف،ولا ينبعث لما به من الخمود،ولا يتشهى لما به من الفتور،ولا يتذوق بما في روحه من المرارة،ولا يجرؤ لما في حسه من الإشفاق،ولا ينظر إلى الدنيا إلا بملء عينيه زهداً فيها،كأنما بث المرض في عينيه شعاعاً ينفذ الأمور إلى حقائقها،ثم يخترق الحقائق إلى صميمها.أفلا ترى هذا الإنسان قد عمل فيه مرض أيام قليلة ما لا تعمل العبادة مثله في أزهد الناس،إلا في السنين المتطاولة؟إنما هي ثلاث وسائل للجمع بين الإنسان وحقيقته العليا.العبادة القوية،وقد عجزت إلا في أفراد قلائل،والحكمة الصحيحة العالية وهي أشد عجزاً إلا في الأقل،ثم لم تكن الوسيلة العامة التي تتناول الناس جميعاً،ولا يستعصي عليها أحد ممن أطاع أو عصى إلا المرض.

وإن أعجب ما في الإنسان أنه يرى الموت بين الساعة والساعة ثم لا يستشعر من كل ذلك معنى زواله،كأنّ عادة الحياة أخمدت هذا الحس فيه،أو أُخملت منه،وما هو إلا أساس التعاطف الإنساني،ثم لا يكون إلا أن يمرض هذا الإنسان يوماً،فإذا هو قد تلقى الدرس على أحكم أساتذته،ورأى نفسه كان يمشي فقعد،ويستطيل فتقاصر،ويشمخ فانهدّ،ويسر فحزن،وإذا هو قد بُدل من الصوت خفض الصوت،ومن الإعجاب مقت الإعجاب،ومن الخلاف ترك الخلاف،ومن جفوة الناس حاجته إلى رحمة الناس.ثم إذا هو قد أمسك عن كل ما كان فيه من العمل،وأقبل على الصحراء المخيفة التي بين الدنيا والآخرة،وأحس من غمزة قدر الله في مواضع آلامه،أن الإنسان مهما يكن من قوة الأسر وشدة البأس فما هو إلا بعد حبة صغيرة واهنة بين شقي هذه الرحى العظمى الدوارة،التي حجراها الشمس والقمر.

سبحانك اللهم!إنما هذه الأمراض أخلاق أنت تنشىء بها الرحمة في قلوبنا المتحجرة،وتصرفنا فيها إلى نفوسنا بعد أن نكون قد جهلنا هذه النفوس في أعمال الحياة أو جهلتنا،وتعلمنا جميل صنعك في تواتر حلمك علينا،مع قبيح صنعنا في ترادف عصياننا لكن تنقلنا بها في خطوة سريعة من خطى الأزلية،لترى الدنيا من آخرها،فلا نجد نعيمها إلا معاني من الهلاك،ولا ملذاتها إلا أسباباً من الندم،ولا غناها إلا فنوناً من الحسرة،ثم لا ننظر في أجسامنا إلا أشكالاً قائمة من التراب،ولا نعرف من أعمارنا إلا أنفاساً كانت تصعد من فم القبر،وإذا أذنت بعدُ في شفائنا،ومسحت بيد العافية علينا،كانت الأمراض وسيلة من وسائل تجديد العمر،وخرج المريض وكأنه مقبل على الدنيا من ناحية لم تكن فيها،فينسم من كل شىء رائحة الحياة،ويرى على كل جمال أثراً كأثر الحب ولذته وحنينه،ويستقبل نفسه الراجعة إليه في موكب الحواس القوية،فلا يكون له غلا ما قد يكون مثله في الملك المخلوع أعادوه إلى العرش،فجاءوا بالتاج وأقاموا له الزينة وحشدوا له الحفل،وقالوا:سمعنا وأطعنا!.

سبحانك!إنما هذه الأمراض مواعظ منك تُعلمنا كيف نضع شهواتنا في مواضعها من الضرورة،ونحصرها في حدودها من الازدراء والمقت،فلا تعدو بطبائعنا علينا،ولا تعدو بنا على سوانا،وإنه ما يخطىء امرؤ في الحياة إلا من إقرار شهواته في غير أمكنتها،حتى تأخذ من عقله،وتنال من رأيه،وتجور على حواسه،فيقلبها ذلك من أن تكون حركة في الحياة،إلى أن تصير الحياة كلها حركة من حركاتها،وحينئذ لا تكون الشهوات إلا أكثر مما هي،فتقتضي أكثر مما تستحق من الجهد والعمل الإنساني،ولا تكون الحياة إلا أحقر مما هي ،فلا تخرج إلا أقل ما يمكن أن تخرجه من القيمة الإنسانية.

سبحانك اللهم.إنما هذه الأمراض في الدنيا بعض مواد البحث الفلسفي العميق لدرس أساليب الطبيعة البشرية،فكم من „عملية جراحية“ في طب الناس،هي في الحقيقة“عملية“حسابية في وزن هذه الطبيعة وتقديرها،وكم من أنّة وجع في المرض ،وهي نفسها كلمة عتاب بين الطبيعة والنفس،وكم من ضجعة للداء،هي في الواقع نهضة للأخلاق من ضجعتها.

سبحانكَ ولك الحمد!إن ساعة النجاح وتحقيق الآمال وانتعاش الحظ،وتبديل صورة من الحياة بحياة غيرها تكون اسمى وأكمل،وساعة الغنى وإقبال الدنيا ومسالمة الأيام،وتزيين الحياة بحياة أجمل منها وأبدع،وساعة الحب ولقاء الحبيب،وفيضان الجمال على النفس ،ونسيان الحياة بالحياة التي هي أمتع منها والذ.كل هذه الساعات لا تُعد إلا دقائق وثواني من السعادة،إذا اتفقت بعد المرض ساعة الحياة،ساعة رجوع الصحة“.

مصطفى صادق الرافعي(مجلة الرسالة العدد 199):

ومن عجيب حكمة الله أن الأمراض الشديدة تعمل بالعدوى فيمن قاربها أو لامسها،وأن القوى الشديدة تعمل كذلك بالعدوى فيمن اتصل بها أو صاحبها،ولهذا يخلق الله الصالحين ويجعل التقوى فيهم إصابة كإصابة المرض تصرف عن شهوات الدنيا كما يصرف المرض عنها،وتكسر النفس كما يكسرها ذاك،وتفقد الشىء ما هو به شىء فتتحول قيمته.فلا يكون بما فيه من الوهم بل بما فيه من الحق“.

ثروت أباظة(الرسالة العدد914):

„عشر سنين أحمل الداء في هذه الزائدة التي أبقاها الله في الإنسان ليغض من كبره كلما تكبر،ويذل من عتوه حينما يعتو..عشر سنين أحمل الداء وأتشبه بالقوم فأروح وأغدو لا يعلم أحد علام أقفل هذا الصندوق الآدمي،ويرونني فيرش المحب فوق رأسي خشبة الحسد،ويكتم الحقود الحقد في نفسه أو يبديه في الفاظ مادحة،وأنا أتلوى ساعات في اليوم .لقد ظن الأهل أنني أبالغ ثم أقوم من تلك الازمة اليومية لأشكر اللمح للصديق ولأتظاهر بالفرح للحسود.

عشر سنين ودعائي إلى الله كلما أقبل اليوم أن يخف فيه العذاب، ثم أفكر فيما أنا فيه فلا أجد لي غير الأطباء مخرجاً أزال بهم أو ما يزالون هم بي حتى أصبح صديقهم جميعاً وحتى أصبحت أفهم من مرضي أكثر مما يفهم بعضهم.

عشر سنين لا يضع طبيب يده على مكان العلّة بل هو دائماً في المكان الخاطىء وعلى الرأي اليائس وأنا أسلم أمري إلى الله وأشكر نعمته التي وهب فما أقل ما كنت فيه إذا نظرت إلى غيري،وما أهون ما لاقيته من شر إذا ذكرت ما يسكبه علي سبحانه من خير.

عشر سنين ثم يشاء الرب الكريم أن يتم النعمة ويكشف عن الطب الغشاوة عن تلك الزائدة التي أمر الله أن تظل في الإنسان بقية من حيوانيته…ويشاء الله أن ينكشف الغشاء وأنا في أوج الخير الذي يسكبه علي فأغضّ من كبر كاد أن يركبني وأذكر أنني ما زلت هذا الحيوان صاحب تلك الزائدة التي تألم لتذكر!

سبحانك رب…وهل يملك هذا المخلوق الحقير إلا أن يسبح باسمك ويسبح،ثم يريد الغنى أن يشكر فإذا أنت سبحانك تسكب عليه الخير مرة أخرى“ .

يحيى حقي في مقالة له بعنوان“الموت(مجلة الثقافة المصرية العدد 333 بتاريخ 15 آيار عام 1945):

حين يتقدم الليل،تتصنعين الرقاد،هادئة كالعصفور،يأوى متعباً إلى عشه،يضم رأسه إلى جناحيه،ويغمض عينيه ،مستسلماً لمشيئة الرحمن،توهمين أهلك وأعزاءك أنك قد أغفيت ـ وإن كان رقادك على مضض ـ ليناموا هم بسلام.وأهبّ من سباتي مذعوراً،في بهمة الليل،والسكون شامل ،وكل ما في الغرفة أشباح غامضة،فأتبين جسدك الرشيق كالطيف الشفاف،وأجدك قائمة،قد انحنى رأسك يكاد يلمس الفراش،كأنك تسجدين لله،عسى أن يرحمك ويخفف عنك العذاب،وتمدين في حذر إلى كوب الماء يداً،يكاد خاتم العرس القريب يسقط من إصبعها النحيلة…فإذا ما تلاقت نظرتنا،تبسمت وعدت إلى رقادك،تظنين أنني لم أسمع أنّتك المكتومة.

كنت ـ لأنك في ميعة الصبا،ورفاهية من العيش تتوجعين من لسع بعوضة،فتحملت مبضع الجراح يمزّق لحمك بغير مخدر،وكنت تتأذين من أهون الدواء،فجرِّعت أشكالاً وألواناً من سموم تهدّ الجبال،وأنت صابرة.وكنت تجفلين من منظر“الحقنة“ وتحسبين لها حساباً،فعشت شهوراً طويلة وهذه الإبرة الكريهة تلاحقك وتنغرز في جسمك.وأنت لم تقنطي من رحمة الله.وجاء اليوم الذي اضطرب فيه صدرك،واختنق حلقك،وتلجلج لسانك،فأخذت تسأليني بيدك عن الطبيب متى يأتي؟فلما همدت اليد أيضاً تشبثت بي عينك تقول:هذه نهاية حياتي!وكان آخر ما انبعث من حلقك بعد ذلك من أصوات هو أول كلامك وأنت في عالم الأرواح.

دبّ إليكِ الداء،لا كالحية الرقطاء تغرز أنيابها في حي لتسلها عن ميت،بل كأفعوان هائل قد انعقد في حلقات متشابكة بعضها فوق بعض،مسّك أول الأمر بذيله،فأشلتك اللمسة ونحن لاندري،فلما اطمأن لعجز فريسته أخذ يتلوى ويتماوج ليخلص رأسه متمهلاً يسيل لعابه.إذا رأى منك بادرة هروب لمسك من جديد بذيله لمسة رقيقة،ونحن لا ندري،واقتضته أيام وأسابيع وشهور طويلة لينفلت رأسه فيقيمه ويصوب إليك عينين كالجمرتين.ما كان أطول عذابك! أتلوميننا إذا صرخت أنانيتنا اليوم وقلنا:ليتها بقيت مريضة مقعدة وظلت بيننا أبدا“.

ويقول الأستاذ مصطفى كامل(الرسالة العدد25):

„أترى في الناسِ أحداً ينفر من إنسان كان مريضاً بداء خبيث ثم برىء منه؟وإن نفراً يقرّه الناس على هذا الخوف السخيف أم يستحمقونه؟ثم ما الفرق بين المرض الجسماني وبين السقطة الخلقية وكلاهما مرض قد يبرأ منه المريض؟

ثم ما ذنبه؟أيمكن أن إنساناً يطلب المرض بمحض اختياره أم ترى أن المريض ضحية بائسة لا تتمنى على الله شيئاً في الدنيا إلا البرء منه؟ولو أن إنساناً ترك لمناه وهواه لما طلب إلا أن يكون صحيح الجسم سليم النفس.

وإذن فما ذنب مريض قد مرض برغم أنفه،ثم بعد ذلك قد برىء،ومع ذلك فما معنى أن نجعل الماضي رجساً للحاضر ودنسأً للمستقبل،لقد مات هذا الماضي ولم تعد له من علامات الحياة وأسفاه إلا ذكريات من عمل الرؤوس وخيالات النفوس“.

عبد الله بن الُمقفّع دعاه عيسى بن علي على الغداء فقال له: أعزَّ الله الأمير لست اليوم للكرام أكيلا ،قال :ولم ؟ قال لأني مزكزم،والزكمة قبيحة الجوار،مانعة من عُشرة الأحرار( نقلاً عن ضحى الاسلام احمد امين ج1 ص198)

بشر بن الحارث الحافي: “  الجوع يُصفي الفؤاد ويمُيت الهوى ويورث العلم الدقيق“.

 عبد الله بن المقفع ( من كتاب الأدب الصغير):“ كلام اللبيب وإن كان نزراً أدب عظيم، ومُقارفه الإثم وإن كان مُحتقرا مصيبة جليلة“.

عبد الله بن المقفع( ومن نفس المرجع):“لايتم حُسن الكلام إلا بحسن العمل،كالمريض الذي قد علم دواء نفسه فاذا هو لم يتداوى به لم يُغنه علمه ولم يجد لدائه راحة ولا خفة“.

يقول الاستاذ عصام العطار :“يتوهم بعض الناس أن الواقع العربي والإسلامي الراهن يحتاج بعض الضمادات والعلاجات ليقف على قدميه ويستأنف المسير،ولكن مافائدة هذا الوقوف المترنّح والمسير المتعثّر البطئ الذي تلفظ معه أو بعده الأنفاس في عالم ينطلق إلى أبعد الكواكب ويتحرك بسرعه الضوء „.

ابن الجوزي (تلبيس إبليس ص324):“لإن في الدماغ ثلاث قوى،قوة يكون بهاالتخيل،وقوة يكون بها الفكرة،وقوة يكون بها الذكر،وموضع التخيُّل البطنان المقدمان من بطون الدماغ، وموضع التفكُّر البطن الأوسط من بطون الدماغ،وموضع الحفظ الموضع المؤخر،فاذا أطرق الانسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل“.

ابن قتيبة ( أدب الكاتب ص17):“ومن ذلك حُمّة العقرب والزنبور  يذهب الناس إلى أنها شوكة العقرب وشوكة الزنبور التي يلسعان بها،وذلك غلط إنما الحُمّة سمها وضرهما ،وكذلك هي من الحية لأنها سم ومنه قول ابن سيرين يكره الترياق اذا كان فيه الحمة،يعني بذلك السم وأراد لحوم الحيات لأنها سم، ومنه قوله لا رقية إلا من نملة،او حُمّه، أو نفس، فالنملة قروح تخرج في الجنب، تقول المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خطّ على النمله يشفى صاحبها قال الشاعر:

لنا العزة القعسّاء والبأس والنّدى            بدينا بها في كل ناد وفي حفل

وإن تشرب الكلبى المراض دماءنا           برَين ويبرئ ذو نجيس وذو خبل

ولا عيب فينا غير عرق لمعشر              كرام وانا لا نخطّ على النمل

(العقساء: أي الثابتة، نجيس الداء: الذي لا يبرا)،يقول لنا الفضل على الناس بالغلبة والشدّة ونحن ملوك دماؤنا تشفي الكَلب والأمراض التي لا علاج لها،ويقول أيضاً أننا لسنا بمجوس ننكح الأخوات“.

ابن القيم:“ أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم،وظن أنهما متباينان، وليس كما ظنه،فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به راض به،والصائم في شهر رمضان في شدّة الحر متألم بصومه راض به،فالتألم كما لا ينافي الصبر لا ينافي الرضا به“.

الأمالي أبو علي القالي (ج1 ص140):“قيل لرجل من حِمير : ماالداء العضال ؟ قال هوى مُحرض،وحسد مُمرض،وقلب طروب، ولسان كذوب، وسؤال كديد،ومنع جحيد، ورشد مطّرح وغنى ممتنح“.

قال القالي: الحرض:الساقط الذي لايقدر على النهوض،الكديد:الذي يكدّ، جحيد :يابس لا بلل فيه،قال أبو زيد رجل جحد وذو جحد إذا كان قليل الخير،الممتنح: المُستعار وأصله المنحه والمنيحه“.

ينسب للامام علي رضي الله عنه:“ أعجب ما في الإنسان قلبه،وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها،فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع ،إن هاجه الطمع أهلكه الحرص،وإن ملكه اليأس قتله الأسف،وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ،وإن سعد بالرضا نسي التحفظ أي الحذر ،وإن أتاه الخوف شغله الحذر،وإن اتسع له الأمن استلبته الغّرة أي الغفله،وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع،وإن استفاد مالاً أطغاه الغنى،وإن عضّته فاقة بلغ به البلا،وإن جهد به الجوع قعد به الضعف،وإن أفرط في الشبع كظّته البِطنة،فكل تقصير به مضر وكل إفراط له قاتل“. (أمالي القالي ج2 ص 101).

سئل علي بن ابي طالب رضي الله عنه مسألة فدخل مبادرا ثم خرج في حذاء ورداء وهو مبتسم فقيل له يا أمير المؤمنين:إنك ّكنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحُماة قال إني كنت حاقناً ولا رأي لحاقن„.

(والحاقن  المجتمع بوله كثيرا)  نقلاً عن أمالي القالي  (ج2 ص92).

قال مرثد الخير ينصح قبيلتين أشرفتا على الحرب:“فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثأي واستفحال الداء وإعواز الدواء،فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء،واذا استحكمت الشحناء تقضّبت عُرى الإبقاء وشمل البلاء „،فأجابه أحدهم وهو سبيع أيها الملك إن عداوة بني العَلاّت لا تُبرئها الأُساه ولا تشفيها الرماة ولا تستقل بها الكفاة“ .

(تقضّبت اي تقطّعت)نقلاً عن الأمالي للقالي (ج2 ص114).

وصف أعرابي حال ما وصلوا إليه فقال:“عكفت عليَّ سنون مُحُش،فاجتبت الذرى،وأعجت البهم، وهمت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم“.

(أعجت :أي جعلتها عجايا ،والعجي السئ الغذاء المهزول،هُمت :أي أذابت،التحبت اللحم: أي عرّقته ،أحجنت العظم : أي عوجته فصيرته كالمحجن).

يروى أن دريد بن الصّمة خطب الخنساء من أبيها  فقالت لأبيها انظرني حتى أشاور نفسي،ثم بعثت خلف دريد وليدة فقالت لها : انظري دريدا إذا بال فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقية،وإن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه،فاتبعته وليدتها ثم عادت إليها فقالت :وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض فأمسكت،وعاود دريد أباها ،فعاودها فقالت له: يا أبت أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم اوغد (أي شاخ ودنت منيته).

مجموعة السفير للمعارف( ج9 ـ10 ص664):“يُروى أن ابن السماك الزاهد المعروف دخل على الخليفة هارون الرشيد فبينما هو عنده إذ طلب ماء ،فلما أراد شربه قال له ابن السماك: مهلاً يا أمير المؤمنبن بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مُنعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها ؟ قال: بنصف ملكي،قال: اشرب،فلما شرب قال : أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها ؟ قال :بجميع ملكي ،قال ابن السماك:إن ملكاً لا يُساوي شربة ماء وخروج بول لجدير أن لاينُافس فيه، فبكى الرشيد.

ابن قتيبة( عيون الأخبار  كتاب الطبائع ص74):“وأوان الصّرع الأهلّه وانصاف الشهور وهذان الوقتان هما وقت مد البحر وزيادة الماء والدم، ولزياده القمر إلى أن يصير بدرا أثراً في زيادة الدم والدماغ وجميع الرطوبات“.

ينسب للإمام علي رضي الله عنه : „توقّوا البرد في أوله،وتلقّوه في أخره فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار،أوله يحُرق وأخره يورق“.

عيون الأخبار ابن قتيبه( كتاب الحوائج ص132): “ أعرابي يصف مسألته:لقد جعت حتى أكلت النوى المُحرَق،ولقد مشيت حتى انتعلت الدم،وحتى سقط من رجلي بخص لحم،وحتى تمنيت أن وجهي حذاء لقدمي،فهل من أخ يرحمنا „.

( والبخص لحم القدم).

من رسائل بديع الزمان الهمذاني ( نقلا عن زهر الآداب ج3و4 ص825): „وهو في مكان من الصدر لاينفذه بصر،ولا يدركه نظر،ولكنها تعرف ضرورة وإن لم تظهر صورة،ويدركها الناس وإن لم تدركها الحواس، ويستملي المرء صحيفتها من صدره ويعلم حال غيره من نفسه ويعلم أنها حب وراء القلب،وقلب وراء الخلب وخلب وراء العظم وعظم وراء اللحم ولحم وراء الجلد وجلد وراء البُرد وبرد وراء البعد“.

( والخلب لحمة رقيقه تصل بين الأضلاع)

طه حسين  (الموسوعة المجلد 12 ص114):

„ذلك أنا نخطئ الخطأ كله في تقدير آلامنا وفي تقدير لذّاتنا وفي تقدير حاجاتنا،يبلغ بنا الألم أقصاه أحياناً فيخُيل إلينا أنه قد بلغنا  أقصاه حقا وأنا لن نستطيع أن نحتمل ألماً فوق ما احتملنا،ثم نتمنى الراحة ونطمح إلى اللذة،فنقيس الراحة التي نتمناها واللذة التي نطمح إليها بمقياس التعب الذي لقيناه والألم الذي احتملناه ونتمنى راحة مطلقه ولذّة لا حد لها، فاذا اُتيح لنا أن نستريح فما أسرع مانملُّ اللذّة وما أسرع ما نتمنى الألم“.

أحمد أمين( فيض الخاطر  نقلاً عن الإتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث أنيس المقدسي ص 316):

„فحياه الكفاح العلمي التي يحياها العلماء ألذّ حياة عرفت بل لا أظن أن حياة العلماءتكون سعيدة لو أن كل شيئ انكشف لهم من غير بحث ومن غير عناء،فالقليل ينال بعد التعب خير من كثير ينال من غير نصب،وما ألذّ منظر العالم يحار ثم يحار ويدور حول الشيئ ويدور ويتجه يميناً فلا يفلح ثم يتجه يساراً فلا يفلح حتى يعمى عليه الأمر ثم يبدأ بالبحث مرة أخرى لا يكلّ ولا يملّ ، وأخيراً يدرك منه الشيئ القليل فيغتبط به الإغتباط العظيم ويرى الدنيا بحذافيرها ولذاتها وسعادتها لاتساوي شيئا بجانب ما ناله من المعرفة ولو بالشيئ القليل بعد الجهاد“.

أحمد أمين (فيض الخاطر ج1 ص107):

„وللقدر في ذلك بدع فأشهر طبيب في القلب يموت بالقلب،وأعظم جراح يموت بالتسمم،وتلد الفلاحة الفقيرة في الطريق وهي حاملة جرتها مملوءة ماء على رأسها وتحمل طفلها وتذهب إلى بيتها سالمة غانمة،وسيدتها الغنية يحلل دمها وغير دمها قبل الوضع ويعقم كل شيئ في حجرة ولادتها ويقف مشهورو الأطباء والطبيبات على بابها  حتى اذا أذنت ساعة الولادة بالقدوم،واستخدم كل ما وصل إليه الطب الحديث والكيمياء الحديثة والعلم الحديث وأمعنت جمهرة الأطباء في التطهير والنظافه واستخدام وسائل الراحة والحصانة وغير ذلك مما لم أذكر منها إلا قليلا ثم هي بعد تصيبها حمُّى النفاس ويقف كل من الطب والعلم دهشا حائرا ،ثم تسلم الروح إلى ربها ، والقدر يهزأ بكل ذلك „.

أحمد أمين(فيض الخاطر ج2 ص 121):

وصحة الأمم كصحة الأفراد،فالمرض ينتاب من الأجسام أنعمها وأكثرها إخلاداً للراحة،والصحة لا تنال إلا بالأعمال الرياضية الشاقة،وبذل الجهد المضني،ولا لذة للراحة إلا بعد التعب،ولا لذة للماء إلا بعد العطش،ولا للأكل إلا بعد الجوع.

كذلك الأمم لاتدرك قيمة الخير إلا بعد الشر،ولا الفوائد إلا بالمصائب،ويوم تنزل بها الكوارث تؤمن بالجِد،وتحتقر التافه،وتطلب المثل.فأهلاً بالموت إذا كان فيه الحياة،وبالشر إذا كان يتبعه الخير..

مرحباً بالخطب يبلوني إذا         كانت العلياء فيه السببا

أحمد أمين(الرسالة العدد8):

„أكلت أكلة ساء هضمها،فانقبضت نفسي،وغاضت بشاشتي،وتقطب ما بين عيني..وسئمت كل شىء حولي،وبرمت بمخالطة الناس كما برمت بالعزلة عنهم،وكرهت السكوت كما كرهت الكلام.

ونظرت إلى العالم فتجهمته،رأيته ثقيل الروح،فاسد المنطق،يمج السمع نغماته،ويعاف الطبع منظره،وتأخذ بخناقي ألاعيبه وأحداثه.

أي شىء فيه يسر؟إن هو إلا جيفة تنبحها الكلاب،وميتة يتساقط عليها الذباب،عدو كل ألفة،ومصدع كل شمل،يبلي الجديد ولا يجدّ البالي.ليست لذته إلا ألماً مفضضاً،ولا مسرته إلا حزناً مبهرجاً

ودعوت ربي بالسلامة جاهداً     ليصحنّي فإذا السلامة داء

ما حال من آفته بقاؤه              نغص عيشي كله فناؤه

أليسَ عجيباً ألا تكون لذة حتى يحدّها ألمان،ولا راحة حتى يكتنفها عناءان؟

سعيد وشقي،وفقير وغني،وذكي وغبي،ليست إلا ألفاظاً اصطلح عليها،فإن أنت تأملتها لم تجد كبير فرق بين مدلولاتها:

تاولت دواء هاضماً فأخذت أهش للحياة وأبش،وبدأت أنظر إلى العالم بوجه منطلق،ومحبباً منبسطـ ها هو ذا قد تألقت صفحته.وأسفرت غمّته،وانقشعت غمامته.

رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يغير وجه العالم ويحيل السواد بياضاً،والشقاء سعادة،والقبح جمالا،والظلام نورا،والحزن سروراً،فأين الحقّ!“.

أحمد أمين(الرسالة العدد50):

„خلق الإنسان ملولا،يمل النعيم إذا طال،ويمل الشقاء إذا طال،يمل الحر إذا دام،ويمل البرد إذا دام،يمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه،ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه.

وقديماً ملّ بنو إسرائيل أكل المن والسلوى،وقالوا:{لن نّصبرَ على طعامٍ واحدٍ فادعُ لنا ربَّكَ يُخرج لنا ممّا تُنبتُ الأرضُ من بقلها وقثَّائها وفُومها وعَدسها وبَصلها}[البقرة61].]

من أجل هذا استعان الناس على درء هذا بالتنويع والتنقي ولو من حسن إلى ردىء،فاشتهوا أتفه الطعام بجانب أجوده،وروعي هذا في برامج الدراسة:فخط بعد لغة،ورسم بعد حساب،…دفعاً للملل من الدرس ومن المدرس،وروعي كذلك في برنامج الحياة:فلعب بعد عمل،ومزح بعد جد،وراعت الطبيعة هذا في برنامجها:فليلٌ ونهار،وحرُّ وبرد، وسلطان للقمر بعد سلطان للشمس وهكذا…ولولا ذلك لعرى الناس ملل لا يطاق،ولكانت الحياة عبئاً ثقيلاً لا يُحتمل،ولفرّ الناس منها إلى الموت طلباً للتغيير والتنويع.

أخطأ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل،والإضراب عن العمل،والتمدد على سرير مريح،أو الاتكاء على كرسي مُجنح أو نحو ذلك،وليس هذا بصحيح دائماً،ولو كان كذلك لما ملّ الناس هذه الراحة،ولما فروا منها إلى العمل،واستروحوا بالجد والتعب،إنما الراحة التغيير من حال إلى حال،من عمل إلى لا عمل ،ومن لا عمل إلى عمل.

ما أصعب الحياة الرتيبة وأشقها على النفس!إنها تُميتُ القلب وتبعث على الخمود،ولا بد لعلاجها من التجديد،وليس التجديد إلا نوعاُ من التغيير.وأقدر الناس في هذه الحياة من استطاع أن يتغلب على السأم والملل بالتغيير المناسب في نفسه وفي غيره“.

أحمد أمين(مجلة الثقافة ـ العدد 272):

„أُصبتُ بالزكام في هذا الاسبوع،وفي ليلة من لياليه أرقت،فقد اعتدت أن آخذ نَفسي من أنفي وأُطبق فمي،ولكن أنفي  وقد زكمت لا تساعدني،فلا بد من مساعدة فمي،فإذا أخذ النوم عيني عدت إلى عادتي،فانضمت شفتاي،وألزمتا أنفي أن يتنفس وحده وهو لا يستطيع،فأكاد أختنق فأنتبه،وهكذا وهكذا مرتان وثلاث،ثم يكون الأرق الشديد الذي أفضله على النوم المضني.

وأخيراً قبل الفجر أخذ مني التعب مبلغه من زكام وأرق وقراءة،فحلمت أنني في يوم دافىء والشمس ساطعة،فاستحثني هذا كله على السير في صحراء مصر الجديدة،فتوغلت فيها،وبينا أنا أسير رأيت على جانب الطريق شيئاً تنعكس عليه الشمس فيلمع،فاتجت وجهته فإذا به مصباح،فقلت في نفسي:ومن يدري،لعله مصباح علاء الدين ساقته إليَّ المقادير.

فقمت آسفاً،وأنفي يعطس،ورئتي تسعل،وجسمي مهدم،من سوء ما لاقيت من الأرق،والزكام،والأحلام،وقد نذرت إن عثرت بمصباح علاء الدين مرة أخرى لأطلبن ما يطلب الناس؟“.

أحمد أمين(مجلة الثقافة ـ العدد 282):

„أخي العزيز….

معذرة أن تأخرت في الكتابة إليك،فقد مرضت مرضاً خطيراً طال شهرين.

لقد أضعف المرض جسمي،ولكنه صهر نفسي،أتاح لي أن أستعرض حياتي الماضية،فرأيتني كنت أعنى فيها بالسطح دون العمق،تشغلني التوافه،وأطمح إلى أوهام،فأخذت ـ في مرضي ـ أتعرّف إلى الغرض من الحياة،وأشتاق إلى تفهم معناها،وأجتهد أن أجتلي حقيقتها المغطاة بالأشكال والأسماء،وأبحث عن نقطة الاتصال بين الله والإنسان،كأن نفسي كانت نبعاً مدفوناً فتفجّر،وكأن الله كان في السماء فصار في القلب..

لشدّ ما يكون الإنسان أقرب إلى ربه في مرضه وفي أحزانه،وفي شدائده،لأنه يطلب النجدة فلا يجدها في الأصدقاء والأقرباء،وإنما يطلبها من لا تنفذ قوته،ولا تقصر قدرته،ولأنه في مثل هذه المواقف تتكشف له النفس الإنسانية فيراها ضعيفة بذاتها،قوية بربها.

قلبّت ـ أثناء مرضي ـ في دفاتري القديمة،فوجدتني قد نما عقلي وفتر قلبي،ولو ددتُ لو كان العكس.وأقسم أني لم أحزن على شيب رأسي كما حزنت على دبيب الشيب إلى قلبي.

والقلب هو الحب،وهو الانسجام،وهو الجمال،والقلب هو الدين،وهو الأخوّة،وهو الإنسانية،وما الحياة بغير هذا كله؟

إن العالم لم يسعد بنمو العقل بقدر ما شقي بضعف القلب،إنه أهدى في الحياة من العقل،إنه منبع السرور والألم،إنه منار الحياة.

حُبب إليّ في مرضي التصوف،والتصوف الحق سرّ الدين،والفقه ظاهره،فقرأت فيه كتابين،كان خير ما فيهما الحديث عن القلب.وشغفت ـ في مرضي ـ بنوع من الصلاة لطيف،أن أمجّد الله في جمال الطبيعة،وأعبده بالنظر إلى سمائه وأرضه وفي جميع خلقه.

لقد تمنيت أن يصح جسمي وتبقى نفسي صافية صفاءها في مرضي،أحتقر توافه الدنيا ولا أعبأ بها.ولكن ها هو دمي يجري من جديد في جسمي فيحمل في ثناياه الشهوات التافهة والآمال السخيفة،فما أحرى بالإعجاب أولئك الذين استطاعوا أن يحتفظوا بطهارة دمائهم على غزارتها وحيويتها“.

أحمد أمين (مجلة الثقافة العدد 325):

„خذ مثلاً:أم مرض طفلها فارتفعت حرارته واستمرت مرتفعة،فسألت الجيران ماذا تفعل! فكل أشار عليها بعمل،فعملت بالإشارة الأولى فلم تنجح،فعملت بالإشارة الثانية ثم بالثالثة فمات الطفل.إن الطفل إنما مات من إهمال المنطق،فالمنطق الصحيح عرض الطفل على الطبيب ليعرف نوع المرض وما يناسبه من علاج“.

أحمد أمين(مجلة الثقافة ـ العدد 183):

„لم يرزق من الدنيا إلا ابناً واحداً وضع فيه كل أمله،ومنحه كل عنايته ورعايته،حتى شبّ كأحسن ما يكون الشباب صحة وثقافة وخلقاً.

أخذته الحمى فارتفعت حرارته،وذبل جسمه،واصفر وجهه،وغاب عقله،وبذل الأب كل ما يستطيع لنجاتهنهؤلاء أشهر الأطباء،وهذا أعز الدواء،وهؤلاء الممرضات ينفذن التعاليم في دقة وإحكام،وهذا كل ما يُستطاع ومالا يُستطاع لإنقاذه.

وينظر الأب إلى مزارعه الفسيحة ودنياه العريضة فيراها أضيق من سم الخياط.

يتمنى أن لو جُرد من كل ثروته،ومن كل صحته،ومن عينيه يبصر بهما،ليبرأ ابنه من المرض،وينجو من الموت.ويرجو أن يكون سائلاً يتكفف الناس،ومعدماً لا يجد قوت يومه،ومسكيناً لا لايملك من الدنيا إلا ثوبه المهلهل يستر جسمه،ثم يشفى ابنه.

كان يؤمن بالطب فدعا الأطباء،وكان يكفر بالرقي والتعاويذ ودعوة الصالحين فآمن بها وتشفع بأهلها،وكان لا يذكر الله في سرائه فذكره في ضرائه،وحشد لشفاء ابنه كل ما يستطيع من قوى مادية وقوى روحانية،ولكن غلب القدر فمات الولد.

لقد انقلب برنامج حياته رأساً على عقب،شكا الدنيا كما كان يشكو الناس،ولم يستطعم لذائذ الحياة كما كان يستطعمها من قبل.ما قيمة المزارع الواسعة والقصور المشيدة والمال الكثير إذا لم تكن نفس تتذوقها ورغبة تتشربها؟وما جمال الدنيا إذا لم تكن عين تبصرها؟

لقد وجد في الدين عزاءه الوحيد فتديّن،أدرك فشل المال والجاه في دفع المرض فآمن بسلطان القدر،ورأى عجز الطب والعلم والدواء فلجأ إلى من يعجز،وفهم أن الإلحاد يدعو إلى اليأس ويقرر فناء الميت،فكفر بذلك كله،ورأى الإيمان يقول بحياة بعد هذه الحياة وتلاق بعد الفراق وفناء الجسم وحياة الروح،فطبق ذلك على ابنه وعلى نفسه،فبعث فيه الأمل وأحيا فيه الرجاء،وقرأ أن العمل الصالح يقربه إلى بغيته،ويجعل الحياة الأخرى أسعد وأهنأ،فأكثر من الصلاة والزكاة،وشارك في أعمال البر،وكان يقرأ القرآن ويقف كثيراً عند آيات الجنة ونعيمها،فيتلهف شوقاً إلى أن يجمعه الله وابنه فيها.كان يناجي ربه:“أن قد مات قلبي بموت ابني فأحيه بك،وقد انطفأت شعلتي فأمدها بنورك،إني فقير إليك فألهمني الصبر،لقد كنت في حلم فتبدد،وفي سعادة فزالت،وكنت معتمداً على مالي وجاهي فإذا هما هباء،فلا ألجأ الآن إلا إليك،ولا اسألك الآن سعادة فقد مللتها،ولا شيئاً من متع الدنيا فقد زهدتها،وإنما أسألك أن ألمس قوتك لأستعين بها على حمل عبئي،وأن أمسّ رحمتك لألظف بها حرارة الحمى في كبدي،وأن أسبح في بحرك الواسع أطهر فيه نفسي من يأسي،وأن تنيلني قبساً من حكمتك أدرك به الدنيا على حقيقتها،فلا أجزع لمصائبها،ولا أخدع بزخارفها.

أي ربي اغفر لي جهلي بك،وغروري بمالي،واعتزازي بجاهي،فلا أعز إلا بك،ولا امل إلا فيك،ولا أعتمد إلا عليك.

أي ربي،اسكن قلبي فقد صار هواءً،وآنس وحشتي فقد فزعت من كل شىء حولي،وأطو الحياة طياً حتى ألقى وجهك ووجه ابني“.

أحمد أمين(فيض الخاطر ج1 ص125):

الأحنف بن قيس:ضئيل الجسم،صغير الرأس،متراكب الأسنان،مائل الذقن،ناتىء الوجنة،غائر العينين،خفيف العارضين،أحنف الرجل،ليس شىء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بحظ،تنبو عن مآه الأحداق،وتتفادى من شخصه الأبصار،وهو مع هذا سيد قومه،سيد تكيم،وهي ماهي في العظمة،إن غضب غضبَ لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب،خطير النفس،بعيد المرمى،مازال يسود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل،ومنزلة لا يتعلق بها دَرك…

هذا وصف أحمد أمين له،وانظر إلى وصف الجاحظ فيه كما جاء في البيان والتبيين:

„كان صعل الرأس(دقيقه)أحجن الأنف(مقبل الروثة نحو الفم)،أغضف الأذن(مسترخ)متراكب الأسنان،أشدق،مائل الذقن،ناتىء الوجنة،باخق العين(أن تخسف العين بعد العور)،خفيف العارضين،أحنف الرجلين،لكنه كان إذا تكلم جلّى عن نفسه..

أحمد أمين ـ المدنية تحطم الأعصاب ـ (فيض الخاطر ج6 ص267):

„ما أصدق اللغة الحية في تسجيل الأفكار الجيدة!فكما أن اللغة تضع الإسم لما يخترع من الآلات والأدوات بمجرد اختراعه كذلك الشأن في المعاني المستحدثة.

ونجد في لغتنا الحديثة كثرة استعمال تهدمت أعصابه وتحطمت أعصابه وتوترت أعصابه ونحو ذلك مما لانجده في كتبنا القديمة.كما أننا نجد اللغة العامية أكثرت من استعمال“النرفزة“ أخذاً من الكلمة الأفرنجية“نيرفاس“ بمعنى عصبي المزاج.ولم يكن آباؤنا يستعملون هذه الكلمات ولا التعبيرات لأنهم لم يشعروا بتهدم الأعصاب إنما تهدمت أعصابنا نحن بتكاليف المدنية وأعباء الحياة.

والسبب في هذا الشعور بتهدم الأعصاب كثرة تكاليف الحياة وزيادة أعبائها وتعدد مطالبها،وانتقال كثير من الكماليات إلى ضروريات مما لم يكن له نظير عند آبائنا وأجدادنا.تعقدت المدنية وتركبت وكثرت فيها المطالب،وشعر الإنسان بأنه لابد أن يوفى هذه المطالب كلها،وطاقته محدودة وماليته محدودة،فينوء تحت هذه الأعباء ويشعر بتهدم أعصابه.

كان أجدادنا أبسط عيشاً وحياتهم أهدأ من آبائنا،وآباؤنا أبسط عيشاً وأهدأ بالاً منا،ونحنأحسن حالاً من أبنائنا،حياتنا كلها زائطة متعبة،في المنزل من هذه المشاكل،وفي الشارع من السيارات والعربات وسرعة الحركة وكثرة الناس،في كل محل ضوضاء،فأين تهدأ الأعصاب؟

ولهذا كان تهدم الأعصاب في سكان المدينة أكثر منه في سكان الريف،وبين من يحملون الأعباء الكثيرة والمسئوليات المتنوعة أكثر من ذوى المسئوليات القليلة وهكذا.